بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة ألفية ابن مالك في النحو، عليه رحمة الله تعالى، وقد وصلنا إلى باب الاستثناء. انتهينا أحبابي الكرام في المحاضرات السابقة من ذكر المفاعيل، واليوم نأتي إلى الاستثناء. والاستثناء كما ذكرت سابقا عده البعض من المفاعيل، لكنه في الحقيقة واضح أنه مفهوم مختلف نوعا ما عن المفاعيل، وله عوامله الخاصة به وآليته وأسلوبه الخاص. فالأفضل والأولى على ما هو عليه جماهير النحاة أن الاستثناء ليس نوعا من أنواع المفاعيل، وإنما هو شكل من أشكال الإعراب العربي له أساليبه وأدواته الخاصة به.
ابتداء أحبابي الكرام دعونا نتكلم عن تعريف الاستثناء، الأشموني بدأ بتعريف الاستثناء لأن ابن مالك مباشرة دخل في الأحكام. الاستثناء هو عملية إخراج بإلا أو بإحدى أخواتها، وهذه تدل أن هذا الإخراج له أدواته المخصوصة. إخراج بإلا أو بإحدى أخواتها لما كان داخلا أو منزلا منزلة الداخل، هكذا قال الأشموني، وهو تعريف جيد. الاستثناء هو إخراج بواسطة ماذا؟ بواسطة إلا أو إحدى أخواتها التي سندرسها.
لما كان داخلا، هكذا قال، إخراج لشيء كان داخلا لولا مجيء إلا أو إحدى أخواتها، أو كان منزلا منزلة الداخل، وهو ذكر المحترزات التي أرادها بهذا التعريف. فقال: فالإخراج جنس، وقولنا بإلا أو بإحدى أخواتها يخرج التخصيص بالصفة، والتخصيص بالبدل، والتخصيص بالغاية الذي يذكره الأصوليون؛ لأن التخصيص هو شكل من أشكال الإخراج. عندما أقول جاء رجل، ليس مثلما أقول جاء رجل تاجر، فإن الوصف هنا خصص وأخرج الرجال غير التجار من الحضور، أليس كذلك؟ وقل ذلك في البدل وفي الغاية. فإذا التخصيص فيه إخراج، سواء كان تخصيص بالصفة، أو بالبدلية، أو بالغاية، فيه إخراج، لكنه لا يسمى استثناء، لأن الاستثناء هو إخراج بواسطة إلا أو إحدى أخواتها، أدوات مخصوصة، لذلك قال: الإخراج بإلا وإحدى أخواتها.
وقوله: «لما كان داخلا» قال: يشمل الداخل حقيقة، والداخل تقديرا، وهو المفرغ، الاستثناء المفرغ الذي سيأتي معنا، وهو الذي يكون المستثنى منه ليس مذكورا. فعندما نقول الإخراج بإلا أو إحدى أخواتها لما كان داخلا، كلمة «داخلا» تشمل لما كان داخلا دخولا حقيقيا، ويشمل كما قلنا الداخل تقديرا، وهو المفرغ. فمثال الداخل حقيقة قوله: «جاء الطلاب إلا بكرا»، فهنا بكر هو من جملة الطلاب، هو من جملة الطلاب، فالمستثنى منه مذكور والمستثنى مذكور، وبكر الذي بعد أداة الاستثناء هو من جملة الطلاب لكن تم استثناؤه وإخراجه. فإذا كان المستثنى منه مذكورا، هذا هو الذي يقصده بالدخول الحقيقي.
أما إذا قلت: «ما جاء إلا زيد»، هنا لا يوجد مستثنى منه في هذه الجملة، وهذا هو ما يسمى الاستثناء المفرغ، لا يوجد مستثنى منه مذكور، وسنعرف إن شاء الله كيف نتعامل معه من حيث الإعراب، لكن هنا بشكل عام لا يوجد مستثنى منه مذكور. لكن هناك مستثنى منه مقدر، يقولون هناك مستثنى منه مقدر، التقدير: «ما جاء أحد إلا زيد». فلأن المستثنى منه مقدر وليس مذكورا يسمى هذا الاستثناء استثناء مفرغا، ويعامل معاملة ما بعد إلا، نقول ما بعد إلا هو في حكم أو في تقدير الداخل فيما قبل إلا، لأنه لا يوجد شيء مذكور قبل إلا. لما نقول: «ما جاء إلا زيد»، زيد لا يوجد لفظ قبل إلا تدخل فيه في الظاهر، لكن يوجد شيء مقدر، التقدير: «ما جاء أحد إلا زيد»، فهذا معنى قوله: «يشمل الداخل حقيقة فيما قبل إلا، أو الداخل تقديرا فيما قبل إلا، وهو المفرغ».
وقوله: «أو منزلا منزلة الداخل»، هذا أحبابي الكرام إنما زاده في التعريف حتى يشمل الاستثناء المنقطع. مثلا: «جاء القوم إلا حمارا»، الآن الحمار في الحقيقة ليس فردا من أفراد القوم، فيعامل معاملة منزلة الداخل، وليس دخوله دخولا حقيقيا، ولا دخولا تقديريا، بل هو منزل منزلة الداخل؛ لأنه في الواقع العملي جاء القوم إلا حمارا، والحمار ليس داخلا تحت جنس القوم لا حقيقة ولا تقديرا، فماذا نفعل؟ نقول هو منزل منزلة الداخل من أجل أن يكتمل التعريف ويكون شاملا للاستثناء. لذلك قال والقيد الأخير وهو «منزل منزلة الداخل»، قال لإدخال المنقطع على ما سترى.
إذا هذه عملية الاستثناء. عندي أقول جاء الطلاب، أريد أن أخرج أحد الطلاب من الجملة، فأقول: «جاء الطلاب إلا زيدا»، فهنا حدث إخراج لفرد من الأفراد بواسطة إلا أو إحدى أخواتها، بحيث لو لم يأت هذا الإخراج لكان زيد داخلا في عموم الطلاب الذين جاءوا. هذه فكرة مختصرة عن الاستثناء، الآن الذي يهمنا ما بعد ذلك: أحكام الاستثناء، لأنه حقيقة الاستثناء له أحكام كثيرة، ويحتاج من الطالب إلى أن يشجر حتى يضبط هذا الباب. بدأ ابن مالك فقال رحمه الله:
ما استثنت إلا مع تمام ... ينتصب وبعد نفي أو كنفي انتخب اتباع ما اتصل وانصب منقطع وعن تميم فيه إبدال وقع
الآن أحبابي الكرام، دعونا نقسم الاستثناء التقسيم الأساسي. نقول: الاستثناء ينقسم إلى استثناء تام، ما معنى استثناء تام؟ هو الذي ذكر فيه المستثنى منه، هذا هو الاستثناء التام. يقابله الاستثناء المفرغ، يسمى الناقص، وهو الذي لم يذكر فيه المستثنى منه. فمثال التام: «جاء الطلاب إلا زيدا»، لاحظوا الطلاب هو المستثنى منه. بينما الناقص: «ما جاء إلا زيد»، نلاحظ أن المستثنى منه قبل إلا ليس مذكورا.
الآن الاستثناء التام ينقسم إلى استثناء تام موجب، واستثناء تام غير موجب. الموجب هو الذي ليس فيه سياق نفي ولا استفهام استنكاري. أما غير الموجب فهو كل استثناء تام في سياق نفي أو نهي أو استفهام استنكاري. فإذا عندنا الاستثناء التام ينقسم إلى موجب وغير موجب. والموجب ينقسم إلى قسمين: متصل ومنقطع، وكذلك غير الموجب ينقسم إلى قسمين: متصل ومنقطع.
ما معنى المتصل؟ المتصل هو الذي يكون فيه المستثنى اللي بعد "إلا" من جنس المستثنى منه، فرد من أفراده. وأما المنقطع فهو الذي يكون فيه المستثنى الواقع بعد "إلا" ليس فرداً من أفراد المستثنى منه الواقع قبل "إلا".
فلما قلنا: "جاء الطلاب إلا زيداً"، زيد هو فرد من أفراد الطلاب. لكن لما قلنا: "جاء الطلاب إلا حصاناً"، الحصان ليس فرداً من أفراد الطلاب؛ فهذا يسمى منقطعاً، إذا كان المستثنى ليس فرداً من أفراد المستثنى منه، هذا يسمى استثناءً منقطعاً، فيه انقطاع، ما فيش صلة بين المستثنى والمستثنى منه. لكن لما نقول: "جاء الطلاب إلا زيداً"، زيد هو من أحد أفراد الطلاب، إذاً هناك اتصال بين المستثنى والمستثنى منه.
وهنا أحبابي الكرام، على الهامش، عليك أن تعرف أن أسلوب الاستثناء قائم على عناصر أساسية: المستثنى منه، وهذا يكون قبل "إلا"، وعندك الأداة وهي "إلا" أو إحدى أخواتها، وعندك المستثنى وهو الواقع بعد "إلا". هذه الأمور يجب أن لا تغيب عنكم عند دراسة هذا الباب؛ أنه عندنا ثلاثة عناصر تحكم هذا الباب.
إذاً فهمنا أحبابي التقسيم الأساسي: الاستثناء ينقسم إلى تام ومفرغ. التام ينقسم إلى موجب وغير موجب. الموجب ينقسم إلى متصل ومنقطع، وغير الموجب ينقسم إلى متصل ومنقطع. بعد قليل إن شاء الله نأتي إلى المفرغ. فالآن سنبدأ نأخذ أحكام المستثنى في هذه الأحوال. ما هي أحكام المستثنى في هذه الأحوال؟ ما حكم المستثنى إذا كان الاستثناء تاماً موجباً متصلاً؟ ما حكمه إذا كان الاستثناء تاماً موجباً منقطعاً؟ ما حكمه إذا كان الاستثناء تاماً غير موجب متصلاً؟ أو تاماً غير موجب منقطعاً؟ بدنا نأخذ الحكم النهائي.
فإيش قال ابن مالك رحمه الله؟ قال: ما استثنت إلا مع تمامٍ ينتصب وبعد نفيٍ أو كنفيٍ انتخب اتباع ما اتصل وانصب ما انقطع وعن تميمٍ فيه إبدالٌ وقع
الآن نبدأ واحداً واحداً. إذا ما استثنت "إلا" مع تمامٍ ينتصب، في الحقيقة هو بدأ يتكلم عن الاستثناء التام الموجب، هو صحيح لم ينص على كلمة موجب، لكن فهمنا ذلك من خلال الشطر الثاني لما قال: "وبعد نفيٍ أو كنفيٍ انتخب". إذاً هو في الشطر الأول عم يتكلم عن الاستثناء التام الموجب، وفي الشطر الثاني انتقل للكلام عن الاستثناء التام غير الموجب. فبالتالي يقول: "ما استثنت إلا مع تمامٍ ينتصب".
المفهوم: إذا استثنت "إلا" مع تمامٍ وكان الاستثناء موجباً فإنه يكون منصوباً، يكون المستثنى منصوباً، سواء كان استثناءً تاماً موجباً متصلاً أو كان استثناءً تاماً موجباً منقطعاً. تقول: "جاء القوم إلا زيداً"، "وجاء الطلاب إلا حصاناً". "جاء القوم إلا زيداً" استثناء تام موجب متصل، فهمنا المفاهيم الأساسية. "وجاء الطلاب إلا حصاناً" استثناء تام موجب منقطع. سواء كان متصلاً ولا منقطعاً، ما حكم المستثنى الواقع بعد "إلا"؟ وهذا الذي نبحث عنه، حكمه أنه منصوب على الاستثناء. لذلك دعونا نمسح الآن هذه الجمل ونضع الحكم؛ حتى نقول: إذا كان استثناءً تاماً موجباً متصلاً، اكتب: نصب، خلاص نصب على الاستثناء. واستثناءً تاماً موجباً منقطعاً، الحكم هو النصب على الاستثناء. إذاً ما استثنت "إلا" مع تمامٍ وكان الاستثناء موجباً، فماذا الحكم؟ ينتصب.
وبعد نفيٍ أو كنفيٍ، وهو الاستثناء غير الموجب؛ وقلنا الاستثناء غير الموجب هو الذي في سياق نفيٍ أو نهيٍ أو استفهامٍ استنكاري. إذا كان الاستثناء في هذا السياق ما حكمه؟ قال: «وبعد نفيٍ أو كنفيٍ انتخب اتباع ما اتصل». إذاً إذا كان استثناءً تاماً غير موجب متصلاً، فالراجح والمختار هو الاتباع على البدلية. طبعاً في خلاف في الحقيقة بين البصريين والكوفيين؛ فإن البصريين كما سيأتي معنا يقولون الاتباع على البدلية، وأما الكوفيون فيقولون الاتباع على عطف النسق، ويجعلون "إلا" في هذه الحالة حرفاً من حروف العطف. لكن نحن سنسير عموماً ونختار طريقة البصريين أن الاتباع على البدلية.
لذلك هذا من ذكاء ابن مالك أنه قال: «اتباع ما اتصل»، قال: "اتباع"؛ لأنه الاتباع يحتمل قول البصريين ويحتمل قول الكوفيين. لأنه عند البصريين في اتباع لكنه اتباع البدلية، وعند الكوفيين في اتباع لكنه اتباع على النسقية (عطف النسق). فبالتالي يقول ابن مالك: إذا كان تاماً غير موجب متصلاً فالأرجح هو الاتباع، سواء على البدلية أو على عطف النسق، ويجوز طبعاً النصب على الاستثناء. فالراجح الاتباع.
فنقول مثلاً: "ما جاء الطلاب إلا زيدٌ". لاحظوا "ما جاء الطلاب"، عندنا سياق نفي. "ما جاء الطلاب إلا زيدٌ"، زيد ما إعرابها؟ ستكون زيدٌ على الراجح متبعة على البدلية على رأي البصريين تكون بدلاً، والبدل مرفوع لأن المستثنى منه مرفوع، أو على عطف النسق كما يقول الكوفيون. طيب هل يجوز أن أقول: "ما جاء الطلاب إلا زيداً"؟ على النصب على الاستثناء؟ يجوز، جائز، لكن الراجح هو ماذا؟ هو الاتباع وليس النصب على الاستثناء.
وكذلك لو كان نهياً، مثلاً: "لا تسأل الطلاب إلا عمراً". هنا أنا نهيتك، أنا هنا ما نفيت، أنا نهيت. "لا تسأل الطلاب إلا عمراً"، فهذا أسلوب نهي أيضاً. ويجوز صح أن يكون أسلوب استفهام استنكاري كما سيأتي معنا. وأما مثال الاستفهام الاستنكاري فكقولك: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 135]. فلاحظوا أنه سياق استفهام: من يغفر الذنوب؟ إلا الله. فلفظ الجلالة مستثنى، والمستثنى منه هو الضمير الذي في "يغفر". فهذا سياق استفهام استنكاري: هل هناك أحدٌ يغفر الذنوب إلا الله؟ لا يوجد إلا الله عز وجل، فهذا ليس استفهاماً حقيقياً وإنما استنكارياً، لأنه لا يوجد أحدٌ يغفر الذنوب إلا رب العالمين سبحانه وتعالى.
إذاً الاستثناء التام غير الموجب والمتصل الأرجح فيه الاتباع ويجوز النصب. أما المنقطع فقال: «وانصب ما انقطع».
انصب ما انقطع؛ أي إذا كان استثناءً تامًا غير موجب منقطع، فإنه ينصب. هذا رأي جمهور العرب، أنه ينصب على الاستثناء وليس على الاتباع.
قال: «وانصب ما انقطع»، يكون منصوبًا على الاستثناء وليس على الاتباع. لكن قبيلة تميم جوزت في هذه الحالة في المنقطع الاتباع، قال: «وعن تميمٍ فيه إبدالٌ وقع». قبيلة تميم تقول: جوزت تميم الاتباع هنا. ففي حالة الاستثناء التام غير الموجب المنقطع، الراجح والمشهور عن العرب النصب، لكن عند التميميين جوزوا الاتباع على البدلية؛ لأنه قال: «وعن تميمٍ فيه»، لم يقل «اتباعًا»، بل قال: «فيه إبدالٌ وقع». فهذه كلها أحكام الاستثناء التام بنوعيه: الموجب وغير الموجب، المتصل والمنقطع، لخصها ابن مالك رحمه الله في هذين البيتين.
دعونا نقرأ الآن كلام الأشموني سريعًا؛ لأنه كلام الأشموني في الحقيقة مجموعة من الفوائد يجب أن نقف عليها. فقال: «ما استثنت إلا مع كلامٍ تمامٍ»، أي مع كلامٍ تامٍ غير مفرغ، وغير مفرغ هي معنى التام، موجبًا كان أو غير موجب ينتصب. إلا أن الانتصاب مع الموجب متحتم اتفاقًا.
بدأ الآن بالموجب فقال: «إلا أن الانتصاب مع الموجب متحتمٌ اتفاقًا»، سواء كان المستثنى متصلًا، وهو ما كان بعضًا من المستثنى منه أي من جنسه، أو كان منقطعًا، وهو ما لم يكن كذلك. وسواء كان متقدمًا على المستثنى منه، وهذه قضية التقدم أشار إليها الأشموني، وسواء كان متقدمًا على المستثنى منه أو متأخرًا؛ وهذه فائدة، وهي أنه يجوز أحبابي الكرام أن يتقدم المستثنى مع أداة الاستثناء على المستثنى منه، ولعلنا أشرنا إلى هذا سابقًا؛ فمثلًا يجوز أن أقول: «قام إلا زيدًا القوم».
فهو يقول لك: وسواء كان الاستثناء متقدمًا على المستثنى منه أو متأخرًا عنه، وهو الأصل أن يكون متأخرًا. فقال لك هذه الأمثلة: «قام القوم إلا زيدًا»، هذا مثال على متصل. و«خرج القوم إلا بعيرًا»، مثال على منقطع. و«قام إلا زيدًا القوم»، متصل لكنه متقدم. و«خرج إلا بعيرًا القوم»، منقطع لكنه متقدم. ففي كل هذه الأمثلة يكون الحكم عندنا واحدًا وهو النصب على الاستثناء.
قال: «وهكذا تقول مع عامل النصب والجر». ويقصد بذلك أنه في الأمثلة التي ذكرها، كان العامل «خرج القوم» و«قام القوم» يرفع المستثنى منه، فيقول لك: وكذلك الحكم لو كان العامل ينصب المستثنى منه أو يجر المستثنى منه؛ لأن الأمثلة كلها التي ذكرها الأربعة كان العامل الذي في بداية الجملة وهو «خرج» يرفع المستثنى منه على الرفع. لكن يقول لك: ونفس الشيء لو كان العامل الذي قبل «إلا» ينصب المستثنى منه أو يجره فالحكم واحد؛ فلو قلت: «رأيت الطلاب»، أو «مررت بالطلاب»، فسواء كان العامل يرفع المستثنى منه أو ينصبه أو يجره فالحكم واحد في هذه المسائل.
هنا الآن تنبيه مهم في الحقيقة أرجو أن تنتبهوا إليه، وهو: ما العامل لما نقول منصوب على الاستثناء؟ ما هو العامل في المستثنى المنصوب؟ الصحيح أحبابي أن الناصب العامل النصب في المستثنى هو «إلا»؛ أداة الاستثناء هي التي تعمل النصب.
هناك أقوال أخرى أشار إليها الأشموني، فبعضهم قال: العامل هو ما قبل «إلا» بواسطتها، يعني الفعل أو ما فيه معنى الفعل قبل «إلا» بواسطة «إلا»، البعض قال كأنه مركب مما قبل «إلا» من الفعل أو ما فيه معنى الفعل مع «إلا»، لذلك قال: «لا ما قبلها بواسطتها». والبعض قال: العامل في المستثنى هو العامل في المستثنى منه، نفس الفعل الموجود في بداية الجملة، فمثلًا: «قام القوم إلا زيدًا»، العامل في «زيدًا» هو نفس العامل في المستثنى منه وهو الفعل «قام». والبعض قال: الذي نصب المستثنى بعد «إلا» فعل مقدر تقديره «أستثني»، فتقول: «قام القوم إلا زيدًا»، أي: «زيدًا» منصوب بفعل مقدر تقديره «أستثني زيدًا».
هذه أقوال ذكرت، لكن الصحيح والذي عليه أكثر المحققين أن أداة النصب هي «إلا» بنفسها؛ لذلك قال: «ناصب المستثنى هو إلا، لا ما قبلها بواسطتها ولا مستقلًا، ولا استثني مضمرة»، أي لا تقدر فعل «استثني»، خلافًا لزاعم ذلك على ما أشعر به كلام ابن مالك. ففعلًا هنا يشعر أن «إلا» هي الناصبة؛ لأنه قال: «ما استثنت إلا». وقد صرح هو باختياره في غير هذا الكتاب، وقال: إنه مذهب سيبويه والمبرد والجرجاني، ونسب هذا المذهب إلى سيبويه والمبرد والجرجاني ومشى عليه ولده ابن الناظم.
قال: لماذا؟ قال: لأنه حرف مختص بالأسماء. لماذا «إلا» عملت مع أنها حرف؟ قال: لأنها حرف مختص بالأسماء غير منزل منها منزلة الجزء؛ عرفنا أن الحرف الذي ينزل من الاسم منزلة الجزء مثل «أل» التعريف، هذا حرف لا يعمل. فـ«إلا» ليست مثل هذا، هي حرف مختص بالأسماء فتقوى على العمل، وليست منزلة منزلة الجزء، فإذا كانت مختصة بالأسماء وغير منزلة منزلة الجزء إذًا هي قادرة على أن تعمل.
قال: «وما كان كذلك فهو عامل»، قال: «فيجب في إلا أن تكون عاملة ما لم تتوسط بين عامل مفرغ ومعموله». الذي هو في الاستثناء المفرغ، سيأتي معنا أنه من حيث الإعراب تكون «إلا» كأنها غير موجودة، فلذلك هو اهتم بهذا في الاستثناء المفرغ «إلا أنساها». لكن في الاستثناء التام نعم «إلا» تكون هي أداة النصب.
فيجب في «إلا» أن تكون عاملة ما لم تتوسط بين عامل مفرغ ومعموله؛ ففي الاستثناء المفرغ تُلفى وجوبًا إن كان التفريغ محققًا نحو: ﴿مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ﴾، وتُلفى جوازًا إن كان مقدرًا، كقولك: «ما قام أحد إلا زيد»، فإنه في تقدير: «ما قام إلا زيد»؛ لأن «أحدًا» مبدل منه، والمبدل منه في حكم الطرح. هذه فكرة، هو يرى أن «ما قام أحد إلا زيد» في الاستثناء التام غير الموجب المتصل، لما تقول: «ما قام أحد إلا زيد»، نحن عرفنا أنه «زيد» بدل على الصحيح بدل من المستثنى منه وهو كلمة «أحد»، فبالتالي المبدل منه وهو المستثنى منه.
تستطيع أن تجعله في حكم المطروح؛ لأن العائد في البدل النظر يكون إلى البدل وليس إلى المبدل منه، فيكون المبدل منه في حكم المطروح. فجعل هذا مما يجوز فيه أن يجعلك كالمفرغ. لذلك قال: «فتُلغى وجوبًا إن كان التفريغ محققًا»، نحو: «ما قام إلا زيد»، فهذا تفريغ محقق لأن المستثنى منه غير مذكور.
لكنه قال: «وجوازًا تُلغى جوازًا إن كان التفريغ مقدرًا»، نحو: «ما قام أحد إلا زيد». الآن هذا المثال: «ما قام أحد إلا زيد»، الأصل أنه تام وليس مفرغًا؛ لأن المستثنى منه مذكور، لكن يمكن أن يُطرح ويُعتبر ملغيًا لأن المستثنى منه هو مبدل منه في هذه الحالة، والمبدل منه في حكم الطرح، فيجوز جوازًا أن تعامله معاملة الاستثناء المفرغ.
لكن أنا أقول لطالب العلم حتى لا تشتبك عليك الخطوط: هذه الحالة لا تهتم بها. الأصل في هذه الحالة أن نعتبر استثناء تامًا، ولا تشوش على نفسك في قضية الجواز في هذه الحالة، وإن كانت تُقرأ قراءة عامة، لعلها تمر بك في كتب أو مصنفات كبرى، لكن افهم أنه يجب أن تستمر على أن هذه الحالة استثناء تام حتى لا تشوش على نفسك.
هنا اعترض اعتراض، وهو: إذا كانت «إلا» حرفًا مختصًا بالأسماء، وقد قلنا إنها عاملة لأنها حرف مختص بالأسماء غير منزل منها منزلة الجزء، فإذا كانت «إلا» حرفًا مختصًا، أليس الأصل أن تعمل الجر؟ نحن عرفنا أن الحروف المختصة بالأسماء الأصل فيها أنها تعمل الجر، فلماذا لم تعمل الجر؟ فقال: «وإنما لم تعمل الجر لأن عمل الجر بالحروف يضيف معاني الأفعال إلى الأسماء وينسبها إليها».
الحروف المختصة بالأسماء التي تعمل الجر هي حروف تضيف بطبيعتها معاني الأفعال إلى الأسماء؛ مثل: «مررت بزيد»، فالياء هنا أضافت معنى المرور، وهو معنى الفعل، إلى زيد. «خرجت ببكر»، «رغبت في كذا». لاحظوا أن حروف الجر بأنواعها تضيف معاني الأفعال إلى الأسماء، وبعبارة أخرى تربط بين الأفعال والأسماء، وإلا فليست هكذا؛ فـ «إلا» ليست وظيفتها الربط بين معاني الأفعال والأسماء كحروف الجر، لذلك لم تعمل الجر، وهذه هي الفكرة باختصار.
قال: «فإنها لا تنسب إلى الاسم الذي بعدها شيئًا، بل هي بالعكس، بل هي أصلًا تخرجه من النسبة». يعني هي وظيفتها أن تخرج ما بعدها عن النسبة التي قبلها؛ «خرج الطلاب إلا زيدًا»، «إلا» أخرجت زيدًا من الحكم السابق وهو الخروج. فلما خالفت الحروف الجارة لم تعمل عملها وهو الجر.
وإنما لم يجوز اتصال الضمير بها، وفي إشكالية ثانية: نحن عرفنا أن الحرف العامل يصح اتصال الضمير به، وهذه أشرنا إليها سابقًا، مثل «إن» وأخواتها؛ كنا نقول: «إن» لأنها حرف عامل يجوز اتصال الضمير بها، فتقول: «إنه»، «إنها»، «إنك». فهل يجوز اتصال الضمير بـ «إلا» وهي حرف عامل؟ في الواقع كلا، إلا في ضرورة الشعر، أما في الكلام العام فلا يتصل الضمير بـ «إلا».
فقالوا: هذا لا يكون، إذًا كيف كانت حرفًا عاملًا وهي لا يصح اتصال الضمير بها؟ فماذا أجابوا؟ قالوا: «وإنما لم يجوز اتصال الضمير بها لأن الانفصال ملتزم في التفريغ المحقق والمقدر، فالتزم مع عدم التفريغ أيضًا ليجري الباب على سنن واحد».
يقول: لما يكون عندنا الاستثناء المفرغ، التزم عند العرب أن ما بعد «إلا» من الضمائر لا يكون إلا منفصلًا؛ فأقول مثلا في الاستثناء المفرغ: «ما قام إلا أنا»، أو «ما قام إلا أنت»، أو «ما رأيت إلا إياك». لاحظ في كل الاستثناء المفرغ أن الضمير بعد «إلا» يكون ضميرًا منفصلًا. فلما كان هذا هو الحال في الاستثناء المفرغ، قاسوا عليه أيضًا الاستثناء غير المفرغ، فقالوا: «وفي الاستثناء غير المفرغ نفس الشيء».
يعني في الاستثناء التام أيضًا نجعل الضمير الذي يأتي بعد «إلا» ضميرًا منفصلًا فقط ولا نجعله ضميرًا متصلًا؛ لماذا؟ قالوا: فقط حتى يجري الباب على سنن واحد، حتى يكون قاعدة عامة تحكم الباب، فإذاً بعد «إلا» لا يأتي إلا ضمير منفصل، ولا يأتي ضمير متصل، وهذه قضية استثنائية؛ لأنه الأصل في الحرف العامل أن يجوز اتصال الضمير به، مثل «إن» وأخواتها وحروف الجر كلها يجوز اتصال الضمائر بها، إلا «إلا» هي حرف عامل لكن لا يجوز اتصال الضمير بها، لأن هذه القضية تعود إلى أن في الاستثناء المفرغ ما يأتي بعد «إلا» من الضمائر لا يكون إلا منفصلًا، وقاسوا عليه الاستثناء التام حتى يجري الباب على سنن واحد.
فهذه كلها مناقشة في العامل، وخلاصة هذه الفكرة وأنا يهمني أساسًا أن تعرف العامل، هي أن العامل في المستثنى هو «إلا».
قال: «وبعد نفي، أو كنفي وهو النهي والاستفهام المؤول بالنفي وهو الإنكاري». لاحظ ماذا قال الأشموني: «وبعد نفي ولو معنى دون لفظ»، وسيذكر على هذا مثال. أحيانًا يكون النفي ليس مصرحًا به في الجملة لكنه متضمن فيها، وحتى في هذه الحالة تعامل الجملة معاملة المنفي، فقد يكون النفي صراحة بأداة من أدوات النفي، وقد يكون النفي مضمرًا.
فقال: «وبعد نفي ولو كان هذا النفي بالمعنى دون اللفظ، أو كنفي وهو النهي والاستفهام الإنكاري، انتخب»، أي اختير اتباع ما بعد «إلا» لما قبل «إلا» في الإعراب. طب على أي وجه؟ كما قلنا في خلاف؛ البصريون على البدلية، والكوفيون على عطف النسق.
فمثاله بعد النفي لفظًا ومعنى قولك: «ما قام أحد إلا زيد»، هنا النفي مذكور صراحة، و«ما رأيت أحدًا إلا زيدًا»، و«ما مررت بأحد إلا زيد». ومثاله بعد النفي معنى دون لفظ، قولك: عاف تغير إلا النؤي والوتد
لاحظوا ماذا قال: «عاف تغير إلا النؤي». الآن لماذا قال «إلا النؤي»؟ الجملة: «تغير هو إلا النؤي»، فالنؤي في سياق إثبات، هذا الظاهر؛ «تغير هو إلا النؤي»، وأنا صرحت بالضمير المستتر حتى تفهم أين.
تغير إلا النفي، لكن قالوا كلمة تغير معناها معنى نفي، ومعناها لم يبقَ على حاله. قالوا: معنى تغير لم يبقَ، فأزل كلمة تغير وضع كلمة لم يبقَ، كأن الجملة هكذا: عفا لم يبقَ إلا النؤي، لم يبقَ شيء أو لم يبقَ أمر إلا النؤي؛ فعاد السياق سياق نفي، لكنه من حيث المعنى.
وهذا في الحقيقة الذي يظهر لي أنك تقتصر فيه على السماع ولا تتوسع فيه، حتى أيضًا لا تسبب اضطرابًا. إذا كان النفي صراحة اتبعه، أما إذا جاءت جملة ما فيها نفي صريح، لكن فيها الاتباع لما قبل "إلا"؛ يعني عندي استثناء تام، وعندك استثناء تام وما بعد "إلا" جعل تابعًا لما قبل "إلا" ولا يوجد نفي صريح في الجملة، فأنت تقول: من أين أتى هذا الاتباع؟ بما أنه استثناء تام والظاهر أنه استثناء تام موجب، فمن أين أتى؟
بتحاول تنظر في الكلمة التي قبل "إلا"، في الفعل الذي قبل "إلا"، هل يمكن أن نؤوله على معنى النفي؟ فهنا لما كان هذا المثال أمامهم على هذه الصورة قالوا: إذاً معنى تغير معناها معنى النفي: لم يبقَ. لكن هل أنا أقيس على ذلك وأستعمله؟ الأصل أنك تتبع الظاهر ولا تدخل نفسك أو تقحم نفسك في هذه الثنايا.
ثم قال: ومثال شبه النفي وهو النهي أو الاستفهام، قولك: «لا يقم أحد إلا زيد»، وهذا واضح. ومثال الاستفهام الاستنكاري: «هل قام أحد إلا زيد؟»، إذا أردت الاستفهام الاستنكاري تكون مقبولة، ومن يغفر الذنوب إلا الله؟ أيضًا نفس الشيء، لاحظ: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 135] على الاتباع.
هنا قال تنبيهات. الأول: المستثنى عند البصريين في هذه الحالة، أي في سياق الاستثناء التام غير الموجب، المستثنى عند البصريين في هذه الحالة يعرب بدل بعض من كل من المستثنى منه، وأما عند الكوفيين فيعرب المستثنى على أنه عطف نسق، وتعتبر "إلا" أداة عطف.
قال أبو العباس ثعلب، الآن الكوفيون اعترضوا على البصريين، وأبو العباس ثعلب من أواخر سادة المدرسة الكوفية طرح هذا الاستشكال على البصريين، يقول صاحب كتاب الفصيح: كيف يكون بدلًا؟ أي أنتم أيها البصريون كيف تجعلون ما بعد "إلا" بدلًا مما قبل "إلا"؟ كيف يكون بدلًا وهو موجب ومتبوعه منفي؟
حقيقة سؤال منطقي يسأله ثعلب؛ لما نقول: «ما قام الطلاب إلا زيد»، كيف تجعل زيد بدلًا من الطلاب مع أن زيد الآن مثبت، والطلاب التي قبل أداة الاستثناء منفية؟ أنت نفيت قيام الطلاب وأثبتت قيام زيد، أليس كذلك؟ ففي هذه الحالة أحبابي الكرام في إشكال، أنتم كيف تجعلون زيد بدلًا من الطلاب مع أن الطلاب في سياق نفي وزيد التي بعد "إلا" في سياق إثبات؟ أليس هذا إشكالًا؟
أجاب السيرافي قال: بأنه بدل منه في عمل العامل فيه، هو بدل في مجرد عمل العامل فيه، وتخالفهما في النفي والإيجاب مجرد التخلاف في النفي والإيجاب لا يمنع البدلية؛ لأن سبيل البدل أن يجعل الأول كأنه لم يذكر، والثاني في موضعه. يعني نحن لما قلنا: «ما جاء الطلاب إلا زيد»، الآن البدلية تقوم على أن المبدل منه في حكم المطروح والبدل هو الذي أصبح.
فكأننا لما قلنا: «ما جاء الطلاب إلا زيد»، كأننا أهملنا ما قبل "إلا"، عدم مجيء الطلاب، وأثبتنا قضية مجيء زيد، كأن المقصود من كلام المتكلم هو مجرد إثبات مجيء زيد، أصبحت مجيء زيد هي المقصود من كل هذه العبارة، وما قبل "إلا" في حكم المطروح. فهكذا يقول السيرافي رحمه الله: لأن سبيل البدل أن يجعل الأول وهو المبدل منه كأنه لم يذكر في حكم المطروح، والثاني هو الذي حل محله، فكأن الجملة كلها تركيزها على مجيء زيد، وما قبل "إلا" ليس ملتفتًا إليه.
والآن سينظر ويقول: وقد يتخالف الموصوف والصفة نفيًا وإثباتًا، يعني التخالف في النفي والإثبات بين التابع والمتبوع ثبت في الصفة أيضًا، يعني ليس ما قلناه نحن البصريون بدعًا من الرأي، بل هناك أيضًا نظير له في قولنا في النفي مثلا: «مررت برجل لا كريمًا ولا لبيبًا»، كريم صفة ولبيب إعرابها صفة، مع أنها لاحظوا أنها منفية في سياق النفي، «مررت برجل لا كريمًا ولا لبيبًا»، الرجل في سياق إثبات وهو الموصوف، والصفة في سياق نفي، فيعتبر هذا تنظيرًا، وإن كان هذا قد يناقش أيضًا في الحقيقة.
لكن عمومًا هذا السؤال الذي طرحه ثعلب من الكوفيين، وهذه الإجابة التي قدمها البصريون، أن كون البدل في سياق إثبات والمبدل منه في سياق نفي لا يمنع البدلية؛ لأنه يمكن تسليط العامل على ما بعد "إلا" كما سُلط على ما قبل "إلا" والمبدل منه في حكم المطروح.
التنبيه الثاني: إذا تعذر البدل على اللفظ أبدل على الموضع. أحيانًا قد يتعذر البدل على اللفظ الواقع قبل "إلا"، على المستثنى منه لفظيًا لإشكال لغوي سيظهر معنا الآن، ففي هذه الحالات نبدل على الموضع، على المحل وليس على اللفظ.
مثال ذلك: «ما جاءني من أحد إلا زيد»، الآن لو أنني جعلت زيد بدلًا من كلمة "أحد" من لفظها سيكون هناك إشكال؛ لأنه كلمة "أحد" مجرورة بـ "من" المجرورة، و"من" الزائدة إنما تكون في سياق نفي، وما بعد "إلا" هنا مثبت فزيد مثبت له المجيء فهو في سياق إثبات، فلا يصح أن أجعل زيد بدلًا مجرورًا من "أحد" وأقول: «ما جاءني من أحد إلا زيد»، لأنني هنا كأنني كررت "من" مع البدل، و"من" الزائدة لا تأتي في سياق الإثبات وإنما تكون في سياق نفي.
فبالتالي لا يصح البدل على الجر، طب على ماذا نبدل؟ قال: تبدل على موضع "أحد"، ما موضعها؟ ما محلها؟ موضعها الرفع على الفاعلية؛ لأنه التقدير: "ما جاءني أحد"، لكن دخلت "من" الزائدة لتفيد توكيد النفي، فالموضع الحقيقي والمحل الحقيقي لـ "أحد" هو الرفع على الفاعلية، بالتالي البدل وهو "زيد" يكون مرفوعًا على موضع "أحد".
وهو أو محله وهو الرفع وليس الجر، وعرفتم السبب. تقول: لأن «من» الزائدة لا تكون في سياق الإثبات، فلو أننا قلنا: ﴿مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ إِلَّا زَيْدٌ﴾، فجعلنا «من» الزائدة كأنها مثبتة في سياق الإثبات وهذا لا يصح.
أيضًا قولك: لا أحد فيها إلا زيد. المستثنى منه هو كلمة «أحد»، والمستثنى هو «زيد». لا يصح أن أقول: لا أحد فيها إلا زيدًا، وأجعل «زيد» بدلًا من «أحد»؛ لأنه «أحد» مبني في محل نصب، لكن ما يصير أنا أقول: لا أحد فيها إلا زيدًا وأجعل «زيد» بدلًا من لفظة «أحد». ليه؟ لأنه إذا جعلت «زيد» الواقعة بعد «إلا» هي بدل من لفظة «أحد»، كأنني جعلت العامل في «أحد» -وهو «لا» النافية للجنس- مسلطًا على ماذا؟ على «زيد». ولا النافية للجنس لا تتسلط على «زيد» لأن «زيد» في سياق إثبات.
لاحظوا: لا أحد فيها إلا زيد. لو قلت: لا أحد فيها إلا زيدًا وجعلت «زيدًا» بدلًا من لفظة «أحد»، الإشكال سيكون أن القاعدة العامة هي أن البدل على نية تكرار العامل، فالعامل في «أحد» سيكون هو العامل في البدل وهو «زيد». طيب، إيش العامل في «أحد»؟ «لا». إذا جعلت «زيد» بدلًا من «أحد» سيكون العامل في «زيد» هو «لا» النافية للجنس أيضًا، وزيد في سياق إثبات فلا يمكن أن تعمل فيها «لا» النافية للجنس.
فماذا سيكون البدل هنا؟ سيكون البدل في «زيد» على موضع «لا» مع اسمها. مر معنا أن عند سيبويه «لا» مع اسمها في موضع الرفع على الابتداء، فنقول: لا أحد فيها إلا زيد. ونجعل «زيد» بدلًا من موضع «لا» مع اسمها، وليس من «أحد» وحدها، وموضع «لا» مع اسمها هو الرفع على الابتداء.
وهذا مهم، لأنه يهمك في لفظة الشهادة: «لا إله إلا الله». لو شخص سألك في لفظة التوحيد: «لا إله إلا الله»، «الله» بدل من ماذا؟ تقول: هي بدل من موضع «لا» مع اسمها، بدل من موضع «لا» مع اسمها، بدل «لا» مع اسمها في موضع الرفع على الابتداء عند سيبويه، ويكون لفظ الجلالة الواقع بعد «إلا» بدلًا من موضع «لا» مع اسمها، وكذلك الجملة التي تليها.
ما زيد شيئًا إلا شيئًا لا يعبأ به. أيضًا ما المشكلة هنا؟ أنه لو قلت: ما زيد شيئًا إلا شيئًا، فجعلت «شيئًا» الثانية بدلًا من «شيئًا» الأولى، سيكون عندنا مشكلة؛ «شيئًا» الأولى لماذا هي منصوبة؟ «شيئًا» الأولى التي هي المستثنى منه لماذا هي منصوبة؟ تقول: لأنها في سياق النفي، وهي خبر «ما» العاملة عمل «ليس». فهذا سبب نصبها.
لو أنني قلت: ما زيد شيئًا إلا شيئًا، نصبت «شيئًا» الثانية فجعلت «شيئًا» الثانية بدلًا من «شيئًا» الأولى على اللفظ، هذا يعني أنني جعلت «ما» النافية التي عملت في «شيء» الأولى هي نفسها عملت في «شيء» الثانية، وما النافية لا تعمل في سياق إثبات، و«شيء» الثانية في سياق إثبات.
كيف نخلص من هذا الإشكال؟ إحنا ما بدنا نجعله «شيء» الثانية العامل فيها هو «ما»، لأنه لا يصلح لأن «شيء» الثانية في سياق إثبات، فلا يصلح أن نجعل «ما» النافية مسلطة عليها والبدل على نية تكرار العامل. فقال: نجعل «شيء» الثانية مرفوعة على محل «شيء» الأولى قبل دخول «ما».
الآن «شيء» الأولى قبل دخول «ما» إيش كانت؟ كانت هكذا: «زيد شيء»، مبتدأ وخبر، دخلت «ما» النافية فأصبحت: «ما زيد شيئًا». فنجعل «شيء» الثانية الواقعة بعد «إلا» بدلًا من موضع «شيء» الأولى قبل دخول «ما». فتقول: «شيء» الأولى قبل دخول «ما» كانت خبرًا مرفوعًا، بعد دخول «ما» أصبحت خبرًا منصوبًا، إحنا بنجعل «شيء» الثانية مرفوعة على البدلية على موضع «شيء» الأولى قبل دخول «ما» النافية حتى لا نجعل «ما» النافية مسلطة في سياق الإثبات.
بعد ذلك قال الأشموني: «برفع ما بعد إلا فيهن» في الجمل الأربع. بقي المثال الرابع، قال: «ونحو: ليس زيد بشيء إلا شيئًا». نفس الشيء بنصبه. والمشكلة في الجملة الرابعة: «ليس زيد بشيء إلا شيئًا»، هي نفس المشكلة في الجملة الأولى: «ما جاءني من أحد إلا زيد»، وهي أن الباء الزائدة لا تُزاد إلا في سياق النفي. «ليس شيء بزيد»، الباء الزائدة هنا إنما زيدت في سياق النفي، أليس كذلك؟
فلو أنني قلت: «ليس زيد بشيء إلا شيء»، فأبدلت على الجر، فكأنني جعلت الباء الداخلة على «شيء» الأولى داخلة على «شيء» الثانية، والباء الزائدة لا تُزاد في سياق الإثبات. هذه الباء التي تأتي هنا إنما زيدت لأنه سياق نفي، فلا يصح أن أقول: «ليس زيد بشيء إلا شيء»، لأنني إذا قلت هكذا فكأنني جعلت الباء الداخلة على المستثنى منه هي نفسها داخلة على نية تكرار العامل على المستثنى، وهذه الباء لا تُزاد في سياق الإثبات.
فلابد إذا أن أبدل على المحل. وما هو محل «شيء» الأولى؟ محلها النصب خبر «ليس»، أي أصلها: «ليس زيد شيئًا»، ثم جرت بالباء فأصبحت: «ليس زيد بشيء». فنجعل «شيء» الثانية بدلًا من محل «شيء» الأولى، ومحل «شيء» الأولى هو النصب على خبرية «ليس»، فنجعل «شيء» الثانية بدلًا على هذا الموضع.
إذاً قال: لأن «من» والباء؛ لأنه سيعلل باختصار، قال: «لأن "من" في الجملة الأولى والباء في الجملة الرابعة لا يزادان في الإيجاب، ولأن "ما" ولا في الجملة الثانية والثالثة لا يقدران عاملتين بعده»، أي بعد «إلا»، لأن «ما» بعد «إلا» سيكون في سياق إثبات، فلا يعمل فيهما كما تقدم في موضعه.
جيد، طبعًا هذا كله من التدقيقات اللغوية. الثالث: أفهم قوله: «انتخب أن النصب جائز». وقد قرئ في القراءة السبعية: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾. الآن «قليلًا» منصوب على الاستثناء، مع أنه إحنا عرفنا أنه إذا كان عندي استثناء تام منفي، فالمنتخب والمشهور أن المستثنى يكون متبوعًا على البدلية أو على عطف النسق لما قبل «إلا»، فالأصل على القاعدة التي درسناها أن يكون هكذا: «ما فعلوه إلا قليلٌ»، ليه؟ لأن المستثنى منه هو واو...
المستثنى منه واو الجماعة، ما فعلوه. فكان الأصل أن يقال: ما فعلوه إلا قليل؛ لأن السياق سياق نفي، فلا بد من البدلية أو تنتخب البدلية.
لكن هل يجوز النصب على الاستثناء؟ ذكرنا أنه يجوز النصب على الاستثناء وإن كانت البدلية أو الإتباع هو الأشهَر، لكن يجوز النصب على الاستثناء وبه جاءت قراءة سبعية. بالتالي هذا أيضًا وجه صحيح لا غبار عليه. وأيضًا قراءة: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾؛ الآن امرأة هي بدل، هي عفوًا مستثنى من ماذا؟ من أحد. أحد المستثنى منه وامرأتك هي المستثنى، والسياق سياق نفي، فالمشهور أن يقال: ولا يلتفت منكم أحدٌ إلا امرأتُك، بدلية من أحد على الرفع. لكن جاءت القراءة بالنصب لتدل على جواز الاستثناء بالنصب حتى في سياق النفي.
ثم قال: «وانصب والحالة هذه»، أي وانصب، الآن هو عاد إلى بيت ابن مالك في قوله: «وانصب من انقطع»، أي والحالة هذه أي نحن في إذا كنا في سياق نفي أو نهي أو استفهام استنكاري. وانصب والحالة هذه من انقطع؛ نحن عرفنا أنه التام غير الموجب المنقطع، التام غير الموجب الذي هو في سياق نفي أو نهي أو استفهام المنقطع، على النصب.
تقول: ما قام أحد إلا حمارًا، وما مررت بأحد إلا حمارًا. هذه لغة جميع العرب سوى قبيلة تميم. وجاء القرآن على لغة جميع العرب، وهي قراءة السبعة لآية: ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [الأنعام: 116]. طبعًا لماذا هذا جعل استثناءً منقطعًا؟ لأنه اتباع الظن ليس من العلم، فالمستثنى منه هو العلم، واتباع الظن هو المستثنى، والمستثنى من مستثنى وهو الظن، ليس فردًا من أفراد المستثنى منه وهو العلم، فاعتبروه استثناءً منقطعًا.
ونلاحظ أنه استثناء منقطع منفي، وجاء ما بعد إلا منصوبًا على الاستثناء، ولم يأتِ مجرورًا على البدلية؛ لأنه من هنا أيضًا من زائدة: «ما لهم به من علم»، لو كانت البدلية لو صحت البدلية على رأي تميم، فإنك تقول: ما لهم به من علم إلا اتباعُ الظن؛ لماذا قلت اتباعُ مش اتباعِ؟ لأنه من زائدة، وهذه في سياق نفي. وبالتالي لما نأتي نبدل من مدخولها، فإننا لا يجوز أن نقول: ما لهم به من علم إلا اتباعي؛ لأنه إذا قلت هكذا فكأني جعلت «من» الجارّة الزائدة دخلت في سياق إثبات وهذا لا يجوز، لأن «من» الجارّة الزائدة لا تدخل إلا في سياق نفي. فكان ينبغي إذًا أن يقال لو على البدلية ومشينا على رأي تميم: ما لهم به من علم إلا اتباعُ الظن، لكن الجمهور ليس على رأي تميم، الجمهور على النصب على الاستثناء: ما لهم به من علم إلا اتباعَ الظن.
قال: «وعن تميم فيه إبدال»، التميميون يجوزون الإبدال أيضًا في حالة المنقطع مثله مثل المتصل، فيجوزون: ما قام أحد إلا حمارًا، وما مررت بأحد إلا حمارٌ. طبعًا الباء في «ما مررت بأحد إلا حمار»؛ الباء في «بأحد» هذه ليست زائدة، انتبهوا، قد يقول البعض هي باء زائدة، نقول: هذه ليست باء زائدة، هذه باء للتعدية؛ لأنه «مرّ» يتعدى بالباء، فهذه باء أصلية وليست باء زائدة، انتبهوا حتى لا تختلط عليكم.
ومنه قول الشاعر: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافيرُ
اليعافير يعني أولاد البقر الوحشية، وليسوا من قبيل الأنس. ولماذا هذا استثناء منقطع؟ «وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير»، اليعافير والعيس -وهي الجمال- ليست من جنس الأنس، فالأنس جنس واليعافير والعيس هي جنس آخر، فأولًا هذا استثناء منقطع وهو في سياق نفي. فكان الأصل عند الجمهور أن ينصب: إلا اليعافيرَ وإلا العيسَ، لكن على لغة تميم جاء هذا البيت: إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ على البدلية.
ومنه قول الشاعر: عشية لا تغني الرماح مكانها .. ولن نبلو إلا المشرفي المصممِ
السيف المشرفي ليس من جنس الرماح والنبل، فالرماح والنبل من جنس والسيوف جنس آخر، ومع ذلك جاء على البدلية، فهذا استثناء منقطع لكنه جاء على البدلية. ومنه أيضًا قول الشاعر: وبنت كرام قد نكحنا ولم يكن .. لنا خاطب إلا السنان وعامله
الآن الخاطب جنس والسنان وعامله جنس آخر؛ فالسنان وهو السيف ليس من جنس الخاطبين، الخاطب هو بشري والسنان سيف، فهذا استثناء منقطع ومع ذلك جاء على البدلية: إلا السنانُ، فهذه كلها تشهد للغة تميم.
تنبيه: شرط جواز الإبدال عند تميم أن يكون العامل يمكن تسلطه على المستثنى، أي العامل الذي يعمل في المستثنى منه، كما في الأمثلة والشواهد السابقة، فإن لم يمكن تسلطه وجب النصب اتفاقًا. اتفق تميم والجمهور على وجوب النصب، كقولك: ما زاد هذا المال إلا ما نقص، وما نفع زيد إلا ما ضر؛ لأن العامل -وهو الزيادة في المثال الأول والنفع في المثال الثاني- لا يصح تسلطه على المستثنى، فلا يقال: زاد النقص، ولا يقال: نفع الضر. بالتالي هناك شرط عند التميميين حتى يصح الإبدال، وهو أن يكون العامل الذي عمل في المستثنى منه يستطيع أن ينصب على المستثنى.
كما في الأمثلة السابقة: «ما مررت بأحد إلا حمار»؛ يصح أن أقول: مررت بحمار، صح؟ «ما قام أحد إلا حمار»، يستطيع أن أقول: قام حمار، يصح؛ فالعامل في المستثنى منه في هذه الجمل يصح أن يعمل في المستثنى. لكن في الأمثلة التي ذكرها هنا: «ما زاد هذا المال إلا ما نقص»، و«ما نفع زيد إلا ما ضر»، النفع والزيادة لا يعملان في المستثنى، فبالتالي هنا يجب أن ينصب المستثنى ولا يجوز فيه البدلية.
ما قال ابن مالك عليه رحمة الله: وغير نصب سابق في النفي قد يأتيه .. ولكن نصبه اختر إن ورد
هنا ابن مالك -عليه رحمة الله- يتحدث عن مسألة تقدم المستثنى على المستثنى منه في سياق النفي.
أحبابي الكرام، إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه في سياق الإيجاب (الاستثناء التام الموجب)، فهنا يجب نصب المستثنى قولًا واحدًا، كما أنه لو لم يتقدم فتقول: «قام إلا زيدًا القوم»، كما أننا في الحالة الطبيعية نقول: «قام القوم إلا زيدًا».
لكن في حالات النفي أو النهي أو الاستفهام الاستنكاري، لو قلنا: «ما قام إلا زيدًا القوم»، مع تقدم المستثنى على المستثنى منه في سياق النفي أو النهي أو الاستفهام الاستنكاري؛ ففي الحقيقة الأصل أيضًا في هذه الحالة النصب، لكن هناك وجهًا آخر في العربية قليلًا لكنه جائز، وهو ألا ننصب المستثنى، بل نعامل الاستثناء في هذه الحالة معاملة الاستثناء المفرغ الناقص الذي سيأتي معنا.
إذًا ركزوا، نحن نتكلم عن تقدم المستثنى على المستثنى منه في سياق النفي أو النهي أو الاستفهام الاستنكاري، في هذه الحالة وإن كان النصب هو الراجح الشائع، لكن هناك وجهًا آخر في العربية يصح أيضًا، وهو أن نعامل الاستثناء في هذه الحالة معاملة الاستثناء المفرغ. ماذا يعني ذلك؟ انظروا إلى هذا المثال: لو قلنا مثلًا: «ما قام إلا زيدٌ القومُ»، فأخرنا المستثنى منه وقدمنا المستثنى، والسياق سياق نفي.
كما قلت لكم، الشائع والمشهور أن المستثنى في هذه الحالة ينصب لا غير، لكن هناك وجهًا آخر في العربية، وهو أن يعامل هذا الاستثناء معاملة الاستثناء المفرغ كما سيأتي؛ نجعل العامل قبل «إلا» متسلطًا على ما بعد «إلا»، ونجعل «إلا» كأنها معدومة، فيكون كأنك قلت: «ما قام زيدٌ»، فيكون زيد مرفوعًا على الفاعلية، تعربها فاعلًا لا مستثنى، والمستثنى منه سيعرب ماذا؟ كلمة «القوم» سيعرب على أنه بدل بدل كل من بعض، هذا بدل غريب، ليس بدل بعض من كل، لا، بل بدل كل من بعض؛ لأن القوم هو الكل وزيد هو البعض، فنحن أبدلنا الكل من البعض.
إذًا هذا وجه جائز في العربية، في حالة تقدم المستثنى على المستثنى منه في سياق النفي أو النهي أو الاستفهام الاستنكاري، أن نعامل الاستثناء كأنه استثناء مفرغ، فيعرب ما بعد أداة الاستثناء وهو المستثنى على حسب العوامل، ويكون المستثنى منه المتأخر بدل كل من بعض من المستثنى.
فهذا معنى قول ابن مالك: «وغير نصب سابق على المستثنى منه»، هذا الذي يريد أن يقوله؛ وغير النصب على الاستثناء في حال النفي -وقس عليه النهي أو الاستفهام الاستنكاري- يأتي يجوز في لسان العربية، ولكن ما هو المختار؟ المختار هو النصب على الاستثناء. وقوله «غير نصب» يقصد به أن يعامل معاملة الاستثناء المفرغ وألا تنصبه على الاستثناء، هذا هو الذي يقصده بغير النصب، كما قال الأشموني في الشرح: «وغير نصب مستثنى سابق على المستثنى منه في حال النفي قد يأتي لكن على قلة».
ما معنى هذا الكلام؟ قال بأن يفرغ العامل الواقع قبل «إلا» للعمل في المستثنى على حسب العوامل، ويجعل المستثنى منه تابعًا للمستثنى، كقول الشاعر: لأنهم يرجون منه شفاعة ... إذا لم يكن إلا النبيون شافعُ
هنا «يكن» تامة، أصل البيت: «إذا لم يكن شافعٌ إلا النبيون»، أخر المستثنى منه وقدم المستثنى فأصبح: «إذا لم يكن إلا النبيون شافعُ»، ولما قدم المستثنى عامله معاملة الاستثناء المفرغ، فتجعل «إلا» كأنها معدومة، و«يكن» التامة أخذت فاعلها وهو «النبيون»، فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، و«شافع» المستثنى منه المتأخر يكون بدل كل من بعض.
وسيبويه أيضًا نقل عن يونس بن حبيب -وهو قوم يوثق بعربيتهم- أنهم يقولون: «مالي إلا أبوك ناصرٌ»، أصلها: «مالي ناصرٌ إلا أبوك»، أخر المستثنى منه وقدم المستثنى فأصبح: «مالي إلا أبوك ناصرٌ». الآن الشائع يقول: «مالي إلا أباك» على النصب على الاستثناء، لكن يجوز على قلة أن يقال: «مالي إلا أبوك ناصرٌ»، فتعرب «أبوك» على أنها مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور الذي قبل «إلا» خبر مقدم، و«ناصر» بدل كل من بعض من «أبوك».
تنبيه؛ يقول الأشموني: المستثنى منه حينئذٍ بدل كل من المستثنى، وقد كان المستثنى بدل بعض منه؛ أي في الحالة الطبيعية لما كنا نقول: «ما قام القوم إلا زيدٌ»، في الحالة الطبيعية كما تعلمنا قبل قليل، «زيدٌ» كانت تعرب عند البصريين بدل بعض من كل من المستثنى منه، لكن لما عكسنا الترتيب فقلنا: «ما قام إلا زيدٌ القومُ»، أصبحت «القوم» بدل كل من بعض، فعليك أن تفرق بين هذين الوجهين.
قال: «ونظيره في أن المتبوع أخر فصار تابعًا قولك في باب الصفة والموصوف: ما مررت بمثلك أحدٌ»، هنا في باب الصفة والموصوف تأخر الموصوف وتقدمت الصفة، أصل الجملة: «ما مررت بأحدٍ مثلك»، والمثل لا يتعرف بالإضافة لذلك جاز أن يكون نعتاً لنكرة، والتقدير: «ما مررت بأحدٍ مثلك»، فهذا يدل على أن هذه القضية جائزة.
قال: «ولكن نصبه على الاستثناء اختر إن ورد لأنه الفصيح الشائع في لسان العربية»، ومنه قول الشاعر مما جاء على الأصل: ومالي إلا آل أحمد شيعةٌ
لاحظوا كيف قدم المستثنى على المستثنى منه وحافظ على نصب المستثنى: «ومالي إلا آلَ أحمد شيعةٌ»، و«ومالي إلا مذهبَ الحق مذهبُ».
وكما قلنا نحن نتكلم في حال النفي. تنبيه: إذا تقدم المستثنى على صفة المستثنى منه ففيه مذهبان، وهذه مسألة استطرادية لكن لوجود تعلق لها بهذا الباب ذكرها؛ إذا تقدم المستثنى على صفة المستثنى منه، وعندنا مستثنى منه موصوف وهناك صفة وقعت «إلا» مع الاستثناء بين الصفة والموصوف. دعونا نأخذ مثالًا حتى نفهم؛ لو أننا قلنا هكذا: «ما قام أحدٌ إلا زيدٌ صالحٌ»، الآن «صالح» صفة لـ«أحد»، أصل الجملة: «ما قام أحدٌ صالحٌ إلا زيدٌ»، لكن ماذا فعلنا؟ أخرنا الصفة.
وأوقعنا المستثنى، إلا زيد، بين الموصوف وصفته. فماذا نفعل في هذه الحالة؟ ما هو الوجه؟
قال هناك مذهبان؛ المذهب الأول قال ألا يكترث بالصفة، تجعل كأن الصفة غير موجودة، ويكون استثناء تام منفي: «ما قام أحد إلا زيد». وفي الاستثناء التام المنفي تكون، أو يكون المستثنى تابعاً للمستثنى منه عند البصريين بدل بعض من كل، فتكون «إلا زيد» بدل بعض من كل من المستثنى منه، كأن صالحاً ليست موجودة، وأمشي كما تعلمنا قبل قليل.
الرأي الثاني، وهذا الرأي رئيسي لسيبويه، ألا يكترث بتقديم الموصوف. ماذا يعني ذلك؟ أن تقدر الموصوف وهو أحد، كأنه متأخر، وكأن الجملة هكذا: «ما قام إلا زيد أحد صالح». نجعل المستثنى منه كأنه في نية التأخير، والمستثنى في نية التقديم، ونعاملها كما تعاملنا قبل قليل.
فالراجح أن نقول: «ما قام إلا زيداً» على النصب على الاستثناء، ويجوز أن نعامله معاملة الاستثناء المفرغ فنقول: «ما قام إلا زيدٌ»، ويكون «أحد» بدل كل من بعض، وهذا رأي آخر في تخريج مثل هذه الجملة. هذا كله في حال وقوع الاستثناء بين الموصوف وصفته.
لذلك قال أحدهما: الوجه الأول ألا يكترث بالصفة، بل يكون البدل مختاراً كما يكون إذا لم تذكر الصفة، كأن الصفة معدومة، وذلك في نحو قولك: «ما فيه أحد إلا أبوك صالح»، كأنك لم تذكر صالحاً، وهذا رأي سيبويه. الثاني: ألا يكترث بتقديم الموصوف، بل يقدر المستثنى مقدماً بالكلية على المستثنى منه، فيكون النصب راجحاً، وهذا هو اختيار المبرد والمازني.
قال في الكافية -أي ابن مالك- وفي شرحها: «وعندي أن النصب والبدل مستويان، لأن لكل مرجحاً فتكافأ». يعني ابن مالك يقول: سواء اخترت الوجه الأول أو الوجه الثاني فهما متكافئان عندي، لأن لكل منهم مرجحاً خاصاً به.
ثم الآن عاد أحبابي الكرام لنكمل الكلام عن أنواع الاستثناء، فانتهينا من الاستثناء التام، الآن سينتقل للاستثناء المفرغ؛ فقال: «وإن يفرغ سابق إلا لما بعده ... يكن كما لو إلا عدم»
مسألة الاستثناء المفرغ باختصار صورتها أحبابي الكرام أن المستثنى منه ليس مذكوراً في الجملة. طبعاً ذكرنا أنه قد يكون المستثنى منه مذكوراً لكنه في حكم المحذوف، لكن هذه الحالة لا أريد أن أشوش بها عليكم. دعونا نتكلم عن الحالة الأصلية للاستثناء المفرغ؛ الحالة الأصلية له أن يكون المستثنى منه ليس مذكوراً في الجملة أبداً: «ما قام إلا زيد»، «لم يأت إلا عمرو»، «ما رأيت إلا بكراً».
في هذه الحالة ما الحكم؟ الحكم في هذه الحالة أن ما قبل «إلا» من العوامل يتفرغ للعمل فيما بعد «إلا»، وتجعل «إلا» كأنها معدومة، كما قال لك ابن مالك: «وإن يفرغ سابق إلا لما بعده يكن كما لو إلا عدم». تعامل كأن «إلا» مش موجودة، وما قبل «إلا» يتفرغ للعمل فيما بعد «إلا» على حسب العوامل، فيكون إما على الفاعلية أو المفعول به أو ما شابه ذلك من الأقوال أو الأوجه العربية.
يقول الأشموني: «وإن يفرغ سابق إلا من ذكر المستثنى منه إذا فرغ لما بعد». لماذا سمي مفرغاً؟ لأننا فرغنا ما قبل «إلا» من ذكر المستثنى منه، فهذا سمي مفرغاً؛ لأننا فرغنا ما قبل «إلا» من ذكر المستثنى منه لما بعد، أي لما بعد «إلا».
طبعاً البعض يقول: سمي مفرغاً لأن ما قبل «إلا» فرغ للعمل فيما بعد «إلا»، وهذا أيضاً هو مضمون الكلام. سمي مفرغاً لأن المستثنى منه ليس موجوداً، فتفرغ ما قبل «إلا» للعمل فيما بعد «إلا».
وإن يفرغ سابق إلا لما بعد، أي لما بعد «إلا»، وهو الاستثناء من غير التمام، هكذا سماه؛ اسمه استثناء غير تام، أو استثناء ناقص، أو استثناء مفرغ، كلها جائزة، وهو قسيم قوله في البيت الأول: «وما استثنت إلا مع تمام»، قال: «المهم يكن كماله إلا عدما». فأجري ما بعدها، أي ما بعد «إلا»، على حسب ما يقتضيه حال ما قبلها من الإعراب.
ولا يكون هذا الاستثناء المفرغ إلا بعد نفي أو شبهه. إذاً هنا قاعدة لا بد أن تكتبها: الاستثناء المفرغ لا يكون إلا في سياق نفي أو شبهه، من النهي أو الاستفهام الاستنكاري. إما سياق نفي أو سياق نهي أو استفهام استنكاري، ما عندنا استثناء مفرغ في سياق إثبات يكون موجباً، لا يوجد هذا. هذه احفظوها قاعدة كاسمكم.
قال: فمثال النفي قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: 144]. لاحظوا أن «محمد» مبتدأ و«رسول» خبر، و«محمد» تفرغت للعمل فيما بعد «إلا» وهو «رسول»، فرفعته على الخبرية. ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: 99]. ركزوا لي في هذا المثال؛ هنا الخبر هو المتقدم: «ما على الرسول»، الجار والمجرور خبر متقدم، وما بعد «إلا» مبتدأ مؤخر. ففي هذه الحالة، في الحقيقة لا يوجد شيء قبل «إلا» يعمل فيما بعد «إلا»، وهذا نستنبط منه أنه ليس مشترطاً دائماً في الاستثناء المفرغ أن يكون ما قبل «إلا» يعمل فيما بعد «إلا»، هذه احفظوها.
لا يشترط في الاستثناء المفرغ الناقص دائماً أن يكون ما قبل «إلا» لا بد أن يكون هناك عامل يعمل فيما بعد «إلا». نعم، الأغلب أن يكون ما قبل «إلا» يعمل فيما بعدها، لكن هذا ليس دائماً؛ فهنا مثلاً في هذا المثال الخبر هو المقدم: «على الرسول» الجار والمجرور، والمبتدأ هو الواقع بعد «إلا». والمبتدأ هو الواقع بعد «إلا»، وعامل الابتداء أو عامل المبتدأ هو عامل معنوي، فما قبل «إلا» وهو الخبر ليس هو العامل في المبتدأ على رأي جمهور البصريين رضوان الله تعالى عليهم.
فإذاً بس هذه الفكرة، أنه نحن نقول دائماً الاستثناء المفرغ فرغنا ما قبل «إلا» للعمل فيما بعد «إلا»، نقول هذا على الأكثر الأغلب، لكن قد يأتي في بعض السياقات أنه ما قبل «إلا» ليس له عمل، ليس هو العامل فيما بعد «إلا»، وهذا جائز كما هنا؛ لذلك قال ابن مالك: «وإن يفرغ سابق»، ما قال: «وإن يفرغ عامل»، قال: «وإن يفرغ سابق إلا»، لأن السابق لـ«إلا» قد يكون عاملاً فيما بعد «إلا»، وقد لا يكون عاملاً، وسيشير الأشموني إلى هذه الفائدة.
قال: ومثال شبه النفي قولك في النهي: «لا تقولوا على الله إلا الحق». لاحظوا المستثنى منه ليس مذكوراً، فـ«الحق» انتصبت.
على ماذا؟ على المفعول به، الحق مفعول به. ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن؛ جار ومجرور. ﴿فَهَلْ يَهْلِكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأعراف: 158]؛ فهل لاحظوا الاستفهام الاستنكاري؟ ﴿فَهَلْ يَهْلِكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾؟ فالقوم نائب فاعل. لاحظ، كله يعرب على حسب العوامل، وكأن «إلا» ليست موجودة. قال: ولا يقع ذلك في إيجاب، فلا يجوز: قام إلا زيد.
وأما قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: 32]، فمحمول كلمة يأبى على النفي. قال: فمحمول على المعنى، أي لا يريد الله إلا أن يتمه. فهنا قدر يأبى بنفي، والتقدير: يأبى أي لا يريد. وهذه نوع من المخارج النحوية، أنه تقدير يأبى، وإن كان سياق إثبات، لكنها في معنى النفي؛ لأن تقديرها: لا يريد الله إلا أن يتم نوره.
قال: تنبيهات. الأول: الضمير في «يكن» في بيت ابن مالك: «يكن كماله إلا»، إما أن يعود على سابق، أي يكون السابق في طلبه لما بعد «إلا» كما لو عدمت «إلا»، وإما أن يكون الضمير في «يكن» يعود على «ما» الموصولية. والتقدير: أن يكون ما بعد «يكن»، يكون ما بعد «إلا» في تسلط ما قبل «إلا» عليه كما لو عدم «إلا». فسواء فهمت البيت على هذه الطريقة أو على هذه الطريقة كلاهما جائز؛ لأنه كله يوصل إلى المعنى المراد، فلا أشغلكم بذلك.
التنبيه الثاني: يصح التفريغ لجميع المعمولات بعد «إلا». في الاستثناء المفرغ، بعد «إلا» يصح أن تأتي جميع المفعولات: المفعول به، المفعول لأجله، المفعول فيه، ثم المفعول معه مثلا؛ هذا ظاهر كلامه. قال: إلا المفعول المطلق المؤكد، يعني حتى المفعول المطلق إذا كان مفعولًا مطلقًا مبينًا للنوع أو للعدد يأتي بعد «إلا» في الاستثناء المفرغ. فقط شيء واحد قال لا يأتي، قال: إلا المصدر المؤكد؛ فلا يجوز: ما ضربت إلا ضربًا، ما ضربت إلا ضربًا، هذا لا يجوز.
اعترضوا عليه بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الرعد: 14]؛ أي ما نظن إلا ظنًا، «إن» النافية. ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾، الظاهر أن «ظنًا» مفعول مطلق مؤكد. قالوا: هذا مخرج ومؤول على أن التنوين في «ظنًا» تنوين للتعظيم، وكأن الآية: إن نظن إلا ظنًا عظيمًا. التنوين هنا أريد به التعظيم، والتقدير: إن نظن إلا ظنًا عظيمًا، فعاد المفعول المطلق هنا ليس لمجرد التوكيد، بل هو لبيان النوع وطبيعة الظن، وهذا يعني كما قالوا تأويل لحل هذا الإشكال.
ثالثًا: قوله «سابق». وإن يفرغ سابق، قوله «سابق» أحسن من قوله في التسهيل «عامل»؛ لأن السابق على «إلا» قد يكون عاملًا فيما بعد «إلا»، وقد لا يكون عاملًا كما مر معنا في المثال: «وما على الرسول إلا البلاغ».
انتقل ابن مالك -رحمه الله- لمسألة تكرار «إلا» في الجملة، فقال: وألغِ إلا ذات توكيد كـ ... لا تمر بهن إلا الفتى إلا العلا وإن تكرر لا لتوكيد ... فمع تفريغ التأثير بالعامل دع في واحد مما به ... إلا استثني وليس عن نصبه مغني ودون تفريغ مع التقدم ... نصب الجميع كن به والتزم وانصب لتأخير وجئ ... بواحد منها كما لو كان دون زائد كـ لم يفوا إلا امرؤ إلا علي ... وحكمها في القصد حكم الأول
هذه الأبيات كلها تتكلم عن قضية تكرار «إلا»، وهي مسألة سهلة بإذن الله. نرتب الأفكار فيها سريعًا، نقول: تكرار «إلا» قد يكون لمجرد التوكيد. والحالة الثانية: أن تكرر «إلا» لغير التوكيد، بل لمعنى تضيفه. إذا كانت «إلا» كررت لغير التوكيد فقد يكون هذا في استثناء مفرغ، وقد يكون في استثناء تام، اللي هو غير مفرغ.
نبدأ بالحالة الأولى: تكرار «إلا» لمجرد التوكيد. إيش قال ابن مالك عليه رحمة الله؟ «وألغِ إلا ذات توكيد كـ لا تمر بهن إلا الفتى إلا العلا»، إلا التوكيدية، إلا التي يراد منها التوكيد، أي التي تكرر لقصد التوكيد، هذه في حكم الملغي. يقول الأشموني: «وألغِ إلا ذات توكيد»، وهي التي يصح طرحها؛ إلا المؤكدة هي مؤكدة لـ «إلا» الأولى، يصح طرحها والاستغناء عنها، لكون ما بعدها تابعًا لما بعد «إلا» قبلها، لكون ما بعد «إلا» الثانية تابع لما بعد «إلا» الأولى. هذا الذي يريد أن يقوله الأشموني؛ لأن ما بعد «إلا» الثانية تابع لما بعد «إلا» الأولى، إما بدل منه، وذلك إن توافقا في المعنى، وإما معطوفًا عليه إن اختلفا في المعنى.
الأول: لو قلت: لا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا، الآن «إلا» الثانية هنا كررت لمجرد توكيد «إلا» الأولى، فتعامل على أنها ملغية، وما بعدها هو بدل مما بعد «إلا» الأولى. فما بعد «إلا» الثانية، وهو «العلا»، بدل من الاسم الواقع بعد «إلا» الأولى وهو «الفتى»، فإعرابه على البدلية، و«إلا» الثانية تكون ملغية. فلذلك قال: تمر بهم إلا الفتى إلا العلى، فالعلى بدل كل من الفتى، و«إلا» الثانية زائدة لمجرد التوكيد. أنت كررت «إلا» مرة أخرى لمجرد إفادة التوكيد، فيكون ما بعدها بدل مما بعد «إلا» الأولى لأنه موافق له في المعنى.
أما إذا لم يكن موافقًا له في المعنى، بأن كان اسم ذات أخرى، كما قلت مثلًا: ما جاء إلا عمرًا وإلا بكرًا؛ الآن هنا بكرًا معطوفة على عمرًا، و«إلا» هذه الثانية إنما هي تكرار لمجرد التوكيد، لأني لو قلت: ما جاء إلا عمرًا وبكرًا بدون «إلا» الثانية ينفع. فلماذا أتيت بـ «إلا» الثانية؟ قالوا: إنما أتى بـ «إلا» الثانية لمجرد التوكيد. فهنا ما جاء إلا عمرًا وإلا بكرًا؛ لأن بكرًا مغاير لعمر، بكر شخص وعمر شخص آخر، بخلاف المثال السابق؛ فالعلى هو نفس الفتى والفتى هو نفس العلى، فكان على البدلية. لكن هنا لاختلاف الأشخاص، ما بعد «إلا» الثانية هو عطف على ما بعد «إلا» الأولى، واعتبرت «إلا» ملغية. هذه سهلة جدًا؛ إذًا إذا تكررت «إلا» لمجرد التوكيد، فإنه يعامل على أنها ملغية لا تؤثر على الإعراب، والاسم الواقع بعدها إما أن يكون بدلًا من الاسم الواقع بعد «إلا» الأولى، وإما أن يكون عطفًا من الاسم الواقع بعد «إلا» الأولى.
ثم قال: ومن هذا قول الشاعر: وما الدهر إلا ليلة ونهارها ... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
«وإلا طلوع الشمس» قال: إذًا فطلوع الشمس معطوف على ليلة، والتقدير: وطلوع الشمس ثم غيارها؛ فزاد «إلا» الثانية لمجرد التوكيد، وقد اجتمع البدل والعطف في قول.
الشاعر: ما لك من شيخك إلا عمله، إلا رسيمه. فرسيمه بدل من عمله، ورسيمه هذا نوع من السير. وإلا رمله، وهذا نوع آخر من السير وهو الرمل، فرمله عطف على رسيمه. ورسيمه بدل من ماذا؟ من عمله. وإلا الثانية والثالثة كلها توكيدية فتُلغى، أي لا تؤثر على الناحية الإعرابية.
وأما إذا كررت لا لتوكيد بل لقصد إفادته، إذا كررت إلا الثانية ليس للتوكيد بل لقصد إفادته، فإما أن تكرر في استثناء مفرغ وإما في استثناء تام. فقال: «وإن تكرر لا لتوكيد فمع تفريغ». إذا كنا في الاستثناء المفرغ، فإذا كان مفرغًا التأثير بالعامل دع. دع التأثير بالعامل؛ دع فعل متأخر والتأثير مفعول به متقدم. «دع التأثير بالعامل في واحد مما بإلا استثني، وليس عن نصب سواه مغني».
الآن أحبابي الكرام، لو قلت هكذا في الاستثناء المفرغ: ما ضربت إلا زيدًا، إلا بكرًا، إلا عمرًا. هنا «إلا» لغير التوكيد، ليست لـ «تكررت لا لتوكيد». طبعًا لماذا يا شيخ جعلتها هنا ليست للتوكيد مع أن قبل شوي ما جاء إلا عمرًا وإلا بكرًا؟ نقول: الذي عرفني أنها لمجرد التوكيد هنا وجود واو العطف، فأصبح: ما جاء إلا عمرًا وإلا بكرًا. بما أن واو العطف موجودة عرفت أن «إلا» هنا لمجرد التوكيد، تكرار للتوكيد. لكن هنا ما فيش واو عاطفة، فعرفت أنه قصد «إلا»، ما قال: ضربت إلا زيدًا وإلا بكرًا وإلا عمرًا، ما جاب واو العطف، فأصبحت «إلا» مقصودة له.
في هذه الحالة ماذا نفعل؟ بما أن الاستثناء مفرغ، تختار واحد من المستثنيات، الذي تريده، وإن كان الأول أولى، لكن لك أنت تختار ما شئت، تختار واحد من المستثنيات الموجودة فتعامله على أنه هو المفرغ، تفرغ ما بعد «إلا» للعمل فيه، والباقيات تنصب على الاستثناء.
مثلًا، ما بدي أقول: ما ضربت، لأنها قد لا يظهر الأثر فيها، لكن بدي أقول لك مثلًا: ما قام. فهنا «ما قام» تختار يا زيد يا بكر يا عمرو، تجعل الاستثناء معه مفرغًا، والباقيات منصوبة. فمثلًا أنا بدي أختار الأول أن يكون الاستثناء مفرغ معه، فتعامله على العوامل وكأن «إلا» معه معدومة، زي ما تعلمنا في الاستثناء المفرغ: «ما قام زيد»، إذًا هنا ما بنصبه، هنا بقول: «ما قام إلا زيد»، فزيد يعرب فاعل، استثناء مفرغ، والباقيات تعرب مستثنى منصوبًا.
هل يصير أعكس مثلًا، أخلي بكر هي المفرغ فيها وأجعل زيدًا منصوبًا؟ ما قام إلا زيدًا إلا بكرًا إلا عمرًا؟ ينفع. طيب، ينفع أخلي عمرًا هي الأخيرة هي المفرغ لها؟ ينفع، فأقول: ما قام إلا زيدًا إلا بكرًا إلا عمرًا. فلذلك ابن مالك ايش قال لك؟ «فمع تفريغ التأثير بالعامل دع في واحد، دع التأثير بالعامل يؤثر في واحد مما بإلا استثني، وليس عن نصب سواه مغني»، وما غير هذا الواحد يجب أن ينصب على الاستثناء.
نفس الشيء مثلًا: «ما مررت إلا بزيد»، ثم الباقي ايش؟ «إلا عمرًا إلا بكرًا»، هذا مثال على الجر. ومثال على النصب: «ما ضربت إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا»، صحيح كلها منصوبة، بس في واحدة منها منصوبة على المفعول به والباقيات منصوبة على الاستثناء. ثم قال الأشموني: «ولا يتعين لإشغال العامل واحدة بعينها، بل أيها أشغلت أشغلته به جاز، والأول أولى»، يعني العامل بإمكانه أن يعمل في أي واحد منها، وإن كان الأولى أن يعمل في الأول لأنه الأقرب إليه.
ثم قال: «ودون تفريغ مع التقدم نصب الجميع احكم به والتزم». الآن إذا كان تكررت «إلا» لغير التوكيد بل كان مقصود تكرارها، وكان استثناء تام، فماذا نفعل؟ هنا فصل، فماذا قال؟ قال: الحالة الأولى إذا تقدمت المستثنيات على المستثنى منه، والحالة الثانية إذا تأخرت المستثنيات عن المستثنى منه.
خلاص أنتم فاهمينها، إذًا إذا كان الاستثناء تامًا فإما أن تتقدم المستثنيات على المستثنى منه وإما أن تتأخر المستثنيات عن المستثنى منه. فماذا قال؟ «ودون تفريغ»، أي إذا كان تامًا مع التقدم، أي مع تقدم المستثنيات على المستثنى منه: «نصب الجميع احكم به والتزم»، فتقول مثلًا: «قام إلا بكرًا إلا عمرًا إلا سعدًا القوم»، وكذلك لو كان في سياق نفي، فتقول: «ما قام إلا سعدًا إلا بكرًا إلا عمرًا القوم»، فتنصب الجميع، تنصب جميع المستثنيات.
هذا في حالة التقدم، طيب في حالة التأخر، وهي الحالة الطبيعية أن يتأخر المستثنى عن المستثنى منه، قال: «وانصب لتأخر وجئ بواحد منها كما لو كان دون زائد». أما مع التأخر، فإذا كان المستثنى أو المستثنيات متأخرة عن المستثنى منه وهي الحالة الطبيعية، فهنا تقسم؛ إذا كان الاستثناء تامًا موجبًا فجميع المستثنيات ستكون منصوبة، وإذا كان تامًا منفيًا أو نهيًا أو استفهامًا استنكاريًا، اللي هو غير موجب، ففي هذه الحالة تعامله معاملة الاستثناء التام غير الموجب في واحد فقط، زي ما مرت معنا فكرة الاستثناء المفرغ، كيف تجعله مفرغًا في واحد والباقيات منصوبة على الاستثناء؟ نفس الشيء هنا.
إذا تأخرت المستثنيات وكان استثناء غير موجب، نفي أو نهي أو استفهام استنكاري، فهنا أحبابي الكرام نعامله معاملة الاستثناء التام غير الموجب باعتبار واحد فقط مما بعد «إلا»، والباقيات تكون منصوبة على الاستثناء. فنقول مثلًا: ما قام القوم إلا زيدًا إلا بكرًا إلا عمرًا. الآن طبعًا هذه الجملة ليست صحيحة، سأعود، فأقول هنا تأخر المستثنى على المستثنى منه، وهي مجموعة مستثنيات مع تكرار «إلا».
في هذه الحالة تقول: نجعل هذا الاستثناء يعامل معاملة الاستثناء التام غير الموجب باعتبار واحد منها، أي واحد، بدي آخذ الأول. لو قلت أنا: «ما قام القوم إلا زيد»، المشهور أن تكون زيد ماذا أحبابي الكرام؟ طبعًا هي في الحقيقة الجملة التي ذكرتها قبل قليل صحيحة، لكن على الوجه المرجوح، أما على الوجه الراجع فلا بد من الإتباع، فنقول مثلًا سريعًا: «ما قام القوم إلا زيدًا إلا سعدًا إلا بكرًا»، على البدلية، وعند الكوفيين على عطف النسق، والباقيات منصوبة على الاستثناء. لذلك هو ماذا قال لك؟ قال: «ودون تفريغ مع التقدم نصب الجميع احكم به والتزم، وانصب لتأخر وجئ بواحد منها كما».
لو كان دون زائد، ويعني وجه بواحد، في حالة تأخير تنصب، وتُعامل واحدا كأنه لا يوجد تكرار لـ «إلا»، وتُعامل واحدا منها. كما أنه لو لم يوجد تكرار لـ «إلا»، فلو قلت أنا في حال عدم التكرار: «ما قام القوم إلا زيد»، ستكون زيد مرفوعة على البدلية عند البصريين، وعند الكوفيين على عطف النسق، مش هيك أخذناها.
فتُعامل هذا الواحد هذه المعاملة، معاملة الاستثناء التام غير الموجب، والباقيات مع التكرار تكون منصوبة على الاستثناء، فتقول: «ما قام إلا زيد إلا سعدا إلا بكرا إلا عمرا»، وتكلم كما شئت. ثم مثل مثال، قال: «كلم يفو إلا مرؤ إلا علي»، وحكمها في القصد حكم الأول.
الآن قال: «لم يفو إلا مرؤ إلا علي»، الآن على ظاهر هذا البيت، لم يفو إلا مرؤ إلا علي، عندنا تكرار لـ «إلا» في استثناء تام منفي، والمستثنيات متأخرة في هذه الحالة، نعامل واحدة منها كما لو كان لا يوجد تكرار. والظاهر أنه اختار الأول؛ لأنه قال: «لم يفو إلا مرؤ»، فمرؤ بدل من المستثنى منه وهو واو الجماعة.
و«إلا علي»، برضه هي الظاهر علي نفس الشيء، مرفوعة. نقول الصحيح أن علي هنا كانت منصوبة، لكنه وقف عليها بالسكون على لغة ربيعة، تقدير البيت: «لم يفو إلا مرؤ إلا عليا»، لكن لم يقل عليا، قال علي وسكت، على لغة ربيعة التي تقف بالسكون على تنوين النصب. وإلا لو أنه جعل علي هي التي على البدلية، لكان ينبغي أن يقول: «لم يفو إلا مرأ إلا علي»، بنصب مرأ الأولى، وتكون علي هي المبدلة، هذا يجوز، لكن كان ينبغي أن يقول: «إلا مرأ» على نصب الأول.
قال: «وحكمها في القصد حكم الأول»، أي في هذه الأمثلة التي ذكرناها، الاسم الواقع بعد إلا الثانية وإلا الثالثة، حكمه من حيث الاستثناء والإخراج والإدخال هو حكم الاسم الواقع بعد إلا الأولى. قال: «وحكمها» أي المستثنيات الواقعة بعد إلا الثانية والثالثة، سواء مع التقديم ولا مع التأخير، يهمنا حكم المستثنيات الواقعة بعد إلا الثانية وإلا الثالثة من حيث الإخراج أو الإدخال، حكم ماذا؟ حكم الواقع بعد إلا الأولى.
طبعا الإخراج إذا كان السياق سياق إيجاب، مثل: «قام القوم إلا زيدا إلا بكرا إلا عمرا»، فالكل واقع بعد إلا مخرج من القيام. والإدخال إذا كان سياق نفي: «ما قام القوم إلا زيدا إلا سعدا إلا بكرا»، فهنا أدخلناه بمعنى أدخلناه في الحكم. وإلا فالاستثناء كله إخراج؛ الاستثناء كله إخراج، لكن إذا كان السياق سياق الإثبات يقولون: أخرجها من الحكم، وإذا كان السياق سياق نفي تجاوزا يقول: أدخله في الحكم، وإلا فالاستثناء أصلا كله إخراج كما درسنا.
قال: «ودون تفريغ مع التقدم على المستثنى منه، نصب الجميع على الاستثناء يحكم به وإلتزمي»، تقول: «قام القوم إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا»، و«ما قام إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا». وأما في غير الإيجاب، ففي حالة غير الإيجاب جئ بواحد معربا بما يقتضيه الحال كما لو كان دون زائد. ففي الاتصال، إذا كان استثناء متصلا، تُبدل واحدا على الراجح وتنصب ما سواه، مثل: «كلم يفو إلا مرؤ إلا علي إلا بكرا». قال: «فعلي بدل من الواو»، أقول: لو كانت علي بدل من الواو، لكان البيت: «لم يفو إلا مرأ إلا علي» هكذا الأصل، والله أعلم. يعني هذه فيها نظر، إلا إذا كانت الرواية التي مشى عليها الأشموني: «لم يفو إلا مرأ إلا علي».
قال: «فإنه لا يتعين للإبدال واحد»، لكن الأول أولى، ويجوز أن تكون مرؤ هو البدل وعلي منصوب، ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة. نقول: هذا هو الظاهر على النسخ التي بين أيدينا من الألفية، فينصب الجميع على اللغة الفصحى.
أما إذا كان الاستثناء منقطعا، فعرفنا أنه في الاستثناء المنقطع جميع المستثنى يكون منصوبا، فبالتالي الجميع سيكون منصوبا على الاستثناء، وفي الانقطاع نصب الجميع على اللغة الفصحى أحكم به، فتقول: «ما قام أحد إلا حمارا وإلا فرسا وإلا جملا». ويجوز عند التميميين أن تبدل واحدا منها، ويجوز الإبدال على لغة تميم، فباختصار ستأتي بالأحكام التي ذكرناها قبل قليل في الاستثناء التام غير الموجب، وتطبقها على واحد من المستثنيات بإلا، استثناء متصل أو منقطع، نفس الأحكام تطبقها على واحد، والباقيات تكون منصوبة على الاستثناء.
لذلك قال: «وحكم هذه المستثنيات سوى الأول، في القصد»، أي في الحكم والمعنى هي حكم الأول؛ فإن كان مخرجا لوروده في سياق الإيجاب، فهي مخرجة، أي فإن كان الأول مخرجا فالباقيات الثاني والثالث مخرجة. وإن كان مدخلا، أي كان الأول مدخلا لوروده في سياق النفي أو النهي أو الاستفهام، فهي مدخلة. وكما قلت لكم، الاستثناء كله إخراج، لكن يقصد هنا بالإخراج والإدخال أنه إذا كان السياق سياق إيجاب، فأنت تخرج ما بعد إلا من الحكم، وإذا كان السياق سياق نفي: «ما قام القوم إلا زيدا»، فأنت هنا في الحقيقة تدخل زيدا في حكم القيام، لكن هو في النهاية كله إخراج إذا نظرنا إلى الإيجاب وإلى النفي.
ختم بهذا التنبيه، قال: «تنبيه، محل ما ذكر، إذا لم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض». كما رأيت: «ما قام القوم إلا زيدا إلا بكرا إلا عمرا»، هنا نلاحظ أن المستثنيات لا يمكن أن نجعل بعض المستثنيات مستثنى من بعض لأنك تتكلم عن أشخاص مختلفين، بكر وسعد وعمرو، لا يمكن أن يكون سعد بدل من بكر، أو أن أجعل سعد مستثنى من بكر وبكر مستثنى من عمرو، لا يصلح؛ لأنه كل مستثنى عبارة عن شخصية مستقلة. أما إذا أمكن أن نجعل المستثنيات كل مستثنى مستثنى مما قبله، وهذا إنما يكون في الأعداد، ففي هذه الحالة الحكم يختلف نوعا ما.
استثناء بعض، إذا لم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض، كما رأيت، أما إذا أمكن أن نجعل المستثنيات مستثنى من بعضها، كما في نحو قولك: له علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين إلا واحد، فهنا ماذا نفعل إذا كان استثناء للأعداد؟
يمكن في الأعداد أن نجعل المستثنى الثالث مستثنى من الثاني، والمستثنى الثاني مستثنى من الأول، وهكذا، فهنا في خلاف؛ فقيل: الحكم كذلك، وقيل: أنه لا سواء أمكن أن يستثنى كل من بعض ولا لم يمكن أن يستثنى كل من بعض، الحكم واحد، وأن نجعل الجميع مستثنى من أصل العدد.
فما علي إلا عشرة إلا أربعة، أو له علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين إلا واحد، نجعل كل مستثنى مستثنى على حدة من الأصل، من العشرة؛ فله علي عشرة إلا أربعة، فيطلع لنا أربعة، فصارت ستة، بعدين بتستثني من الستة إلا اثنين، فصارت أربعة، ثم بتستثني إلا واحد من الأربعة التي صارت، فتصبح ثلاث. فقيل إذا الحكم كذلك، نفس الشيء لا يختلف، والجميع مستثنى من أصل العدد، كما أنه لما نقول: قام القوم إلا زيدًا إلا بكرًا إلا عمرًا، هذول الثلاثة استثنيناهم من القوم أنفسهم، فكذلك في الأعداد لما نقول: له علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين إلا واحد، كل المستثنيات مستثنى من أصل العدد، فلا فرق، هذا الرأي الأول أنه ما في فرق.
وعلى الرأي الثاني، قال: والصحيح، وهذا الذي رجحه الأشموني، والصحيح في أنه في حالة الأعداد، أن كل عدد مستثنى من متلوه، كل عدد مستثنى من الذي قبله؛ فالواحد مستثنى من الاثنين، والاثنين مستثنى من الأربعة، والأربعة هي المستثناة من العشرة.
وعليه، إذا قلنا هكذا، أنه كل مستثنى سيستثنى مما قبله سيختلف الحساب؛ لأنك ستقول: واحد إلا اثنين، يعني الواحد سيكون مستثنى من الاثنين فـ 2 - 1 = 1، و4 إلا 1، 4 - 1 = 3، و3 إلا 10، 10 - 3 ستصبح 7. فإذا قلنا: له علي 10 إلا 4 إلا 2 إلا 1، إذا قلت الاستثناء من أصل العدد سيكون الباقي 3، وإذا قلت الاستثناء كل مستثنى مستثنى مما قبله سيكون الباقي 7، فسيختلف الحكم.
وهذه المسألة مهمة في الناحية الفقهية في باب الإقرارات، وفي كتب أصول الفقه يذكرون هذه المسألة: هل المستثنى في الأعداد كل مستثنى مستثنى مما قبله، أم المستثنيات كلياتها مستثنى من أصل العدد؟ لأن الحكم سيختلف في النهاية. فإذا أقر على نفسه فقال: له علي 10 دنانير إلا 4 إلا 2 إلا 1، إذا قلنا كل الاستثناءات تعود إلى أصل العدد، فهو إذا أقر على نفسه بـ 3 دنانير فقط، وإذا قلنا أن كل استثناء مستثنى مما قبله، إذاً هو يكون أقر على نفسه بـ 7 دنانير، فالأمر سيختلف بحسب ما ترجحه في هذه المسألة.
لا أريد أن أطيل عليكم أكثر من ذلك، إن شاء الله في المحاضرة القادمة نكمل الكلام عن أحكام الاستثناء. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل