بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبابي الكرام لمجلس جديد نعقده في مدارسة ألفية ابن مالك في النحو والصرف. نسأل الله الإعانة، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
المحاضرة السابقة أحبابي الكرام مررنا على معاني حروف الجر الأساسية التي تكلم عنها ابن مالك، وعرفنا أن حرف الجر يحتمل عدة معاني وليس معنى واحداً، وإن كان هناك معاني أصلية أو غالبة على الحرف، لكن في النهاية تجد هناك معاني عديدة يتضمنها حرف الجر الواحد. فينبغي على طالب العلم وطالب النحو خصوصاً أن يتمرس في هذه المعاني ويديم النظر فيها حتى يستطيع أن يستوعبها. هذا المبحث بحد ذاته يهتم به الأصوليون في مصنفاتهم، واهتم به العلماء أيضاً في علم النحو في مفردات خاصة.
ولذلك تجد المرادي رحمه الله عليه صنف كتاب "الجنى الداني في حروف المعاني"، وإن كان لا يختص بحروف الجر بل بالحروف عموماً ويتكلمون عن حروف الجر تبعا لذلك. تكلم عنها ابن هشام رحمه الله تعالى عليه في "مغني اللبيب" وأشار إلى طائفة لا بأس بها من هذه المعاني، فلذلك ينبغي على طالب العلم أن يحيط بها. ونحن اقتصرنا على المقدار الذي أشار إليه الأشموني، وإن كان أشار إلى كمية لا بأس بها. اليوم نكمل المسائل الأخيرة في باب حروف الجر بإذن الله، وننتقل إلى باب الإضافة.
قال ابن مالك عليه رحمة الله: وبعد من وعن وباء زيد ما ... فلم يعق عن عمل قد علم وزيد بعد رب والكاف فكف ... وقد يليهما وجر لم يكف
أحبابي الكرام في هذين البيتين يتكلم ابن مالك رحمه الله عليه عن مسألة زيادة "ما" بعد بعض حروف الجر، مسألة زيادة "ما" الزائدة التي تأتي زائدة بعد بعض حروف الجر. فقال في البيت الأول: "وبعد من وعن وباء زيد ما"، أي بعد هذه الأحرف الثلاث: "من" و"عن" و"الباء"، سمع كثيراً في العربية زيادة "ما"، وإذا زيدت "ما" بعد هذه الأحرف الثلاث فإنها لا تكفها عن العمل، بل تبقى هذه الأحرف عاملة فيما بعدها، وتكون "ما" مجرد حرف زائد ليفيد التوكيد. لذلك قال: "وبعد من وعن وباء زيد ما فلم يعق"، أي لم تعقنا عن العمل الذي قد علم لهذه الحروف ألا وهو الجر. إذاً بعد هذه الثلاثة أحرف "من" و"عن" و"الباء" تزاد "ما" ويبقى عمل هذه الأحرف شغالا لا يقف.
ثم قال في البيت الذي يليه: "وزيد بعد رب والكاف فكف". وزيدت "ما" أيضاً بعد حرف الجر "رب" وبعد "الكاف"، فإذا زيدت "ما" بعد "رب" و"الكاف" فإنها تكفهما عن العمل. لماذا؟ لأن "رب" و"الكاف" إذا دخلت عليها "ما" الزائدة يزول اختصاصها بالأسماء، وتصبح تدخل على الجمل؛ يأتي بعدها جمل فعلية، فبالتالي تصبح مثل أحرف "إن" وأخواتها لما تدخل عليها "ما" الكافة يزول اختصاصها بالجملة الاسمية ويدخل بعدها الفعلية. كذلك هذه الأحرف "رب" و"الكاف" إذا زيد بعدها "ما" يزول اختصاصها بالاسم المفرد وتصبح تدخل على الجمل، وبالتالي إذا زال الاختصاص زال معه العمل.
فقال: "وزيد بعد رب والكاف فكف"، أي كفتها عن العمل. لكن قال: "وقد يليهما وجر لم يكف". عاد فاستدرك فقال: وقد تأتي "ما" بعد "رب" و"الكاف" مع بقاء عملهما وهو الجر قائماً. وهذا إذا جاء بعد "رب" اسم مفرد أو جاء بعد "الكاف" اسم مفرد، وزيدت "ما" زيادة لا يوجبون بقاء العمل، لكن في العادة المضطرد أن "رب" و"الكاف" إذا دخلت عليها "ما" يزول اختصاصها بالاسم المفرد وتصبح تدخل على الجمل، وبسبب هذا ينكف عملها.
دعونا ننظر في الأمثلة التي تكلم عنها الأشموني رحمه الله عليه، قال: "وزيد بعد رب والكاف فكف"، ثم قال: "وقد يليهما وجر لم يكف". الآن هو يتكلم عن البيت السابق أولاً لما قال: "وبعد من وعن وباء زيد ما فلم يعق عن عمل قد علم". هنا نقرأ كلام الأشموني: "لم يعق عن عمل قد علم" لعدم إزالتها الاختصاص؛ أي "ما" التي تدخل على "من" و"عن" و"الباء" لا تزيل الاختصاص عن "من" و"عن" و"الباء" بالاسم المفرد المجرور، فلأن "ما" لا تزيل الاختصاص يبقى عمل "من" و"عن" و"الباء" شغالاً كما يقولون. ومنه قوله تعالى: ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ [نوح: 25]؛ "خطيئاتهم" مجرورة بـ"من" و"ما" زائدة في المنتصف للتوكيد. ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: 40]، "عن" ثم "ما" زائدة ثم "قليل" مجرورة. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]، "الباء" و"رحمة" جار ومجرور و"ما" زائدة.
"وزيد بعد رب والكاف فكف"، يقول الأشموني: "فكف" عن الجر غالباً؛ كما قلنا غالباً لأنهم حينئذ يدخلان على الجمل. كقول الشاعر: "ربما الجامل المؤبل فيهم"، هنا جاء بعد "ربما" جملة اسمية ولم يأتِ اسم مفرد؛ بعد "ربما" جاءت جملة اسمية، "الجامل" مبتدأها و"فيهم" خبرها. فجاء بعد جملة اسمية، فهنا نلاحظ أن "رب" بعد زيادة "ما" عليها زال اختصاصها بالاسم المفرد وأصبح يأتي بعدها جملة، فإذا جاء بعدها جملة هنا "ربما" عادت، هنا "رب" ما عادت جارة وانكفت عن العمل. ومنه قول الشاعر أيضاً: "فإن الحمر من شر المطايا * كما الحبطات شر بني تميم". لاحظ "كما الحبطات شر بني تميم"؛ فـ"الحبطات" مبتدأ و"شر" خبر. فنلاحظ هنا أن الكاف الجارة زيدت بعدها "ما"، فلما زيدت بعدها "ما" زال اختصاصها بالاسم المفرد وأصبحت تدخل على الجملة.
طبعاً أحبابي، زال اختصاصها بالاسم المفرد وأصبحت تدخل على الجمل؛ جملة اسمية أو جملة فعلية. يعني ليس المراد أنها تدخل على الجمل الفعلية فقط، لا، لا تدخل على الجمل عموماً جملة اسمية أو جملة فعلية، وإنما قستها على "إن" وأخواتها في أصل المبدأ. أما "إن" وأخواتها "ما" إذا دخلت عليها يزيل اختصاصها عن الجملة الاسمية ويجعلها تدخل على الجملة الفعلية. هنا في حروف الجر التي ذكرتها "رب" و"الكاف" يزول اختصاصها بالاسم المفرد ويصبح يأتي بعدها جمل؛ قد تكون جملة اسمية وقد تكون جملة فعلية، لكن المهم زوال الاختصاص عن الاسم المفرد ودخول الجمل بعدها.
ثم قال: "وقد يليهما وجر لم يكف" كقول الشاعر، كما قلنا إنه قد تأتي "ما" زائدة بعد "رب" و"الكاف" ويبقى الجر قائماً كقول الشاعر: "ربما ضربة بسيف ثقيل * بين وطعنة النجلاء". فلاحظ هنا أتى باسم مجرور بعد "رب"، "ربما ضربة"، ولم تأتِ جملة. وكقول الشاعر: "وننصر مولانا ونعلم أنه * كما الناس مجروم عليه وجارمه". "كما الناس"، فلم تأتِ جملة، جاء اسم مفرد فجر.
تنبيه قال: الغالب على "رب" المكفوفة بـ"ما" أن تدخل على فعل ماضٍ، أن تدخل على فعل ماضٍ، أي فعل ماضٍ وجملة ماضوية. كقول الشاعر: "ربما أوفيت في علم * ترفعن ثوبي شمالات". "ربما أوفيت"، في "ربما" التي زيدت بعدها "ما" جاء بعدها جملة ماضوية. قال: وقد تدخل على مضارع نزل منزلته، أي نزل منزلة الماضي لتحقق وقوعه. ومن قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ... رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: 1-2]، "ربما يود"، هنا المضارع بمعنى الماضي، "ربما ود الذين كفروا". قال: ونذر دخولها على الجملة الاسمية، وإن كان هذا وارداً كما مر معنا في البيت السابق: "ربما الجامل المؤبل فيهم". "ربما الجامل المؤبل فيهم"، وطبعاً "المؤبل" أحبابي الكرام، "المؤبل" اقتناء هذا هو المؤبل. لما يقول لك "ربما الجامل"، أي قطيع الجمل "المؤبل" أي المعد للاقتناء. هذا معنى "المؤبل" بفتح الباء.
حتى قال الفارسي -نعود إلى الفكرة- قال: حتى قال الفارسي يجب أن تُقدّر، يعني الفارسي كأنه يقول لا يمكن لـ"رب" التي بعدها "ما" أن يأتي بعدها جملة اسمية. هكذا يريد أن يقول الفارسي: "رب" التي زيد بعدها "ما" لا يأتي بعدها جملة اسمية، بل جملة ماضوية. فإذا جاء ظاهره جملة اسمية بعدها كما في البيت "ربما الجامل المؤبل فيهم"، هنا يجب أن تقدر "ما" اسماً مجروراً بمعنى "شيء"، وتقول "والجامل" خبر لضمير محذوف، والجملة من "الجامل" والخبر هي صفة لـ"ما". فعند الفارسي تقدّر "ربما شيء هو الجامل المؤبل". لماذا على رأي الفارسي يجب كل هذه التقديرات؟ أنه تعتبر "ما" ليست زائدة بل هي نكرة موصوفة بمعنى "شيء"، ونعتبر "الجامل" خبر المبتدأ محذوف في تقديره "هو"، وجملة "هو الجامل" نعت للنكرة الموصوفة، وهي "ما". لماذا كل هذه الحفلة الكبيرة؟ لأن الفارسي يرى أن "رب" لو كفت بـ"ما" لا يأتي بعدها جملة اسمية. "رب" المكفوفة بـ"ما" يأتي بعدها جملة فعلية، فإذا جاء ظاهره جملة اسمية فلابد من التأويل الذي ذكره. طبعاً هذا رأي الفارسي رحمه الله تعالى عليه، ولا يلزمك أن تأخذ به.
ننتقل أحبابي الكرام إلى البيت الأخير في هذا الباب، قال أو قبل الأخير: وحذفت رب فجرت بعد بل ... والفاء وبعد الواو شاع ذا العمل
ثم قال في البيت الأخير: وقد يجر بسوى رب لدى ... حذف وبعضه يرى مطرداً
الآن قضية عمل حرف الجر وهو محذوف، هذه مسألة أخرى؛ هل يعمل حرف الجر محذوفاً أحبابي الكرام؟ هل يعمل حرف الجر وهو محذوف؟ فهنا ابتداءً تكلم عن "رب" كونها أقوى حروف الجر في هذا الميدان. فقال: "وحذفت رب فجرت بعد بل والفاء وبعد الواو شاع ذا العمل"، أي يكثر في العربية أن تحذف "رب" الجارة ويأتي عوضها "بل" أو "الفاء" أو "الواو" ويكون الاسم مجروراً. مجرور بماذا؟ ليس بهذه المعوضات، لا، يكون مجروراً بـ"رب" المحذوفة. فإذاً كثيراً في لسان العرب ما تحذف "رب" ويعوض عنها بـ"بل" أو "الفاء" أو "الواو". طبعاً التعويض بـ"رب" أو "الفاء" قليل مقارنة بالتعويض بـ"الواو"، لذلك قال: "وحذفت رب فجرت بعد بل والفاء وبعد الواو شاع ذا العمل". يريد أن يخبرك أن تعويض الواو عن "رب" كثير، وتعويض الفاء و"بل" عنها قليل، لذلك أتى بهذه الصياغة للبيت. "رب" تعمل وهي محذوفة، وفي العادة إذا حذفت يعوض مكانها بـ"بل" أو "الفاء" والأكثر أن يعوض مكانها بـ"الواو". وسيأتي معنا يذكر صورة أن "رب" تحذف وتعمل وهي محذوفة ولا يعوض مكانها شيء أصلاً، لا "بل" ولا "الفاء" ولا "الواو"، وإن كان هذا أقل الصور وروداً.
نأخذ الأمثلة، قال: "وحذفت رب لفظاً فجرت هي منوية بعد بل أو الفاء"، لكن على قلة بعد "بل" و"الفاء". يعني بعد "بل" و"الفاء" أن يعوض عنها بـ"بل" و"الفاء" هذا قليل. ومن هذا قول الشاعر: "بل بلد من الفجاج قتمه * ليشترى كتانه وجهرمه"، "بل بلد"، ما الذي جرها؟ لا نقول "بل" هي حرف الجر، لا، "بل" ليست حرف جر تمام؟ لكن "بل" هي تعويض عن "رب" المحذوفة و"رب" المحذوفة هي التي جرت "بلد" هنا. ومنه قول الشاعر: "بل بلد ذي صعد". وأصبح نفس الفكرة.
وأما الفاء فمثله قول امرئ القيس في معلقته: "فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع * فألهيتها عن ذي تمائم محول". "فمثلك"، أي رب مثلك. "مثلك" مجرورة، والفاء هي عوض عن الـ"رب" المحذوفة، التقدير "رب مثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتها عن ذي تمائم محول". ومنه قول الشاعر: "فحور قد لهوت بهن عيناً"، لاحظ "فحور قد لهوت بهن عيناً"، "حور" ما الذي جرها؟ "رب" المحذوفة المعوض عنها بالفاء.
قال: "وبعد الواو شاع ذا العمل" أي بكثرة، ومنه قول الشاعر، وهو امرئ القيس في معلقته أيضاً هذا البيت: "وليل كموج البحر أرخى سدوله * علي بأنواع الهموم ليبتلي"، "وليل"، بماذا؟ بـ"رب" المحذوفة التي عوض عنها بالواو. فهذا أظن معنى البيت واضح أصبح الآن.
ثم نقول تنبيهان: التنبيه الأول: قد يجر بها محذوفة بدون هذه الأحرف. أي "رب" قد تجر محذوفة بدون أن يعوض عنها بشيء. وهذا، وقلت لكم وإن كان قليلاً، قول الشاعر: "رسم دار وقفت في طلله * كدت أقضي الحياة من جلله". "رسم دار"، أي رب رسم دار، "رب" رسم دار، عملت محذوفة ولم يعوض عنها شيء. قال: وهو نادر.
وقال في "التسهيل": تجر، الآن تعليق على كلام آخر ذكره ابن مالك في كتابه "التسهيل"، قال ابن مالك في "التسهيل": تجر "رب" محذوفة بعد الفاء كثيراً، ونلاحظ أنه قال بعد الفاء كثيراً، قلنا قبل قليل بعد الفاء قليلاً، وبعد الواو أكثر، وبعد "بل" قليلاً، ومع التجرد أقل. الآن الأشموني يعلّق: ومراده، مراد ابن مالك في "التسهيل" بالكثرة مع الفاء الكثرة النسبية، أي كثير بالنسبة إلى "بل". فإذا أردنا أن نرتب الأمور نقول: الأكثر في "رب" أن تحذف ويعوض عنها بالواو ثم بالفاء ثم بـ"بل"، ثم ألا يعوض عنها بشيء أصلاً وتعمل بدون تعويض، وهذا أندر الصور. هذا هو الترتيب لهذه المسألة. طيب، الثاني قال في "التسهيل": وليس الجر بالفاء وبـ"بل" بالاتفاق.
وحكى ابن عصفور أيضاً الاتفاق أن الجار هو رب المحذوفة، لكن في الارتشاف لأبي حيان قال: وزعم بعض النحويين أن الجار هو بنفس الفاء وبل، لنيابتهما مناب رب. فبالتالي هذا ألغى قضية الاتفاق التي زعمها ابن مالك في التسهيل وابن عصفور. وأما الواو فذهب الكوفيون والمبرد إلى أن الجار بها، والواو فيها خلاف ظاهر، يعني الفاء وبل نقل الاتفاق على أنها ليست جارة، وأن الجار هو رب، وعرفنا أن أبا حيان نفى هذا الإجماع من خلال ذكره هذا القول.
أما الواو ففعلاً فيه خلاف ظاهر، هل هي الجارة ولا ربما تكون الجارة؟ فقالوا: أما الواو فذهب الكوفيون والمبرد إلى أن الجر بها، والصحيح أن الجر برب المضمرة، وهو مذهب البصريين في جميع الأحرف، سواء المعوض عنها ببل أو بالفاء أو بأنواعها، فلا داعي أيضاً أن نقحم أنفسنا في هذا الخلاف، فقط هذا للفائدة.
ثم نأتي إلى البيت الأخير قال: وقد يجر بسوى رب لدى حذف، وبعضه يرى مطرداً. أي هل هناك حرف جر آخر يعمل وهو محذوف؟ هذا هو السؤال، هل هناك حرف جر آخر غير رب يعمل وهو محذوف؟ فماذا قال؟ قال: وقد يجر، لا أظن قد هنا تفيد التقليل في الحقيقة، وقد يجر بسوى رب لدى حذف. أي بعض حروف الجر قد تحذف وتعمل وهي محذوفة، لكن هذا قليل مقارنة بعملها وهي مذكورة، لأن الأصل أن حرف الجر يعمل وهو مذكور، ولا يعمل وهو محذوف؛ فعمله وهو محذوف ضعيف، تمام؟ لكن هل هو قياسي ولا سماعي؟ قال: وقد يجر بسوى رب لدى حذف، وبعضه يرى مطرداً، أي بعض هذه الصور التي يحذف فيها حرف الجر ويعمل محذوفاً فيه اطراد، يعني يمكن أن يقاس عليه. وسيذكر الأشموني رحمه الله ثلاثة عشر موضعاً يمكن أن يقاس عليه في هذا الباب.
دعونا نمر عليها سريعاً، قال الأشموني: وقد يجر بسوى رب من حروف الجر لدى حذف، وهذا بعضه يرى غير مطرد، ويقتصر فيه على السماع. يعني بعضه سماعي وبعضه قياسي. في السماع كقول رؤبة وقد قيل له: كيف أصبحت يا رؤبة؟ فقال: خير عافاك الله. التقدير: على خير. وقول الشاعر: إذا قيل أي الناس شر قبيلة، أشارت كليب، أي أشارت إلى كليب. هذا كله سماعي لا يقاس عليه. وقول الشاعر: وكريمة من آل قيس عرفته، حتى تبذخ فارتقى الأعلامي. التقدير فارتقى إلى الأعلام، لكن حذف إلى.
ثم قال: وبعضه يرى مطرداً، إذاً في قسم سماعي هذا لا يقاس عليه، وفي قسم مطرد يقاس عليه، والأشموني أفادنا فائدة نفيسة وطويلة نوعاً ما، سنمر عليها سريعاً، قال: وذلك في ثلاثة عشر موضعاً يكون عمل حرف الجر محذوفاً مطرداً. ما هي هذه المواضع؟ دعونا نقرأها.
الأول: لفظ الجلالة في القسم دون عوض، أن تقول مثلاً: الله لأفعلن، التقدير بالله لأفعلن، فحذفت حرف الجر وأبقيت لفظ الجلالة مجروراً بدونه، ولم يعوض عنه بشيء، لذلك قال: لفظ الجلالة في القسم دون عوض، أي دون أن تعوض بشيء عن حرف الجر.
الحالة الثانية: بعد كم الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر، نحو: بكم درهم اشتريت؟ كم الاستفهامية إذا أدخلت عليها حرف الجر، فإن الاسم الواقع بعدها يجر، وجره في الحقيقة بحرف جر محذوف على الصحيح وإن كان المسألة فيها خلاف، وستأتي معنا المسألة إن شاء الله في باب كم عندما يتحدث ابن مالك عن كم. ستأتي معنا، لذلك ماذا يقول ابن مالك في ذاك الباب: وأجز أن تجره بمن مضمرة، إن وليت كم حرف جر مظهراً. ضابط المسألة إذا كان الاستفهامية دخل عليها حرف جر، الاسم الواقع بعد كم يجوز أن يجر بمن مضمرة بمن مضمرة، كقولك: بكم درهم اشتريت؟ بكم درهم؟ درهم مجرورة بمن محذوف، التقدير: بكم من درهم. والذي صحح هذا دخول حرف الجر على كم الاستفهامية، وستأتي معنا هذه المسألة.
الحالة الثالثة: قال في جواب ما تضمن مثل المحذوف، نحو قولك: زيد، في جواب بمن مررت؟ إذا شخص قال لك: بمن مررت؟ هنا نلاحظ أن في السؤال توجد الباء حرف الجر، بمن مررت؟ فهنا على سبيل الحكاية يجوز أن تقول في الجواب مباشرة: زيد، والتقدير: مررت بزيد، فحذفت مررت وحذفت حرف الجر وجعلته يعمل وهو محذوف، فقولك: زيد اسم مجرور، ما الذي جره؟ حرف جر محذوف، ما الذي سوغ حذفه؟ تقول ذكره أو ذكر مثله في السؤال. عندما قال لك السائل: بمن مررت، جوز حذفه في الجواب لعلمه من السؤال، هذه الفكرة. ولذلك قال: وفي جواب ما تضمن، أي في جواب سؤال تضمن حرف جر مثل حرف الجر المحذوف.
الصورة الرابعة القياسية: قال في المعطوف على ما تضمن مثل المحذوف، ثم قال: بحرف متصل. سنعرف الآن فائدة كلمة بحرف متصل، لكن دعونا نركز الآن على أول باب، قال الرابع في المعطوف، يعني إذا عندي اسم معطوف على معطوف عليه، هذا الاسم المعطوف مجرور بحرف جر محذوف، ويكون هذا الجار والمجرور، هذا حرف الجر المحذوف مع مجروره، معطوفاً على ما تضمن مثل المحذوف، معطوفاً على معطوف عليه تضمن حرف جر مثل حرف الجر المحذوف من المعطوف. فأنت باختصار يا صاحبي عندك معطوف عليه وعندك حرف عطف وعندك معطوف، هنا المعطوف مجرور بحرف مقدر مماثل لحرف جر موجود في المعطوف عليه، فيكون في الحقيقة عندك عطف حرف مقدر ومعطوف.
هناك كلام طويل حقيقة أشار له الصبان، أنا لا أريد أن أشغلكم به، لماذا نجعل لابد أن نقدر حرف عطف هنا ولا نعتمد على حرف الجر المذكور ابتداءً؟ قال: حتى لا يكون من العطف على معمولي لعاملين مختلفين على ما سيظهر من الأمثلة. كلام طويل في الحقيقة وسيشغل الطالب، وأنا أخشى أن لا يفهم كثير من الطلبة معنا، فسأقتصر على أصل هذه الفكرة. فهنا إذا كان عليه معطوف مثل حرف الجر المقدر المحذوف، هذا يعتبر من المسائل القياسية.
طبعاً قوله متصل، أي لا يوجد فاصل يفصل حرف الجر المقدر والمعطوف عن حرف العطف. ستأتي معنا مسائل الآن في المسألة الخامسة والسادسة، سيكون هناك فاصل بين حرف العطف وبين المعطوف، وسيكون هناك فاصل بين حرف العطف وبين المعطوف. فاصل إما أن يكون لا، وإما أن يكون لو. هذه ستأتي معنا في المسألة الخامسة والسادسة، لذلك هو ركز في الرابعة أن يقول بحرف جر متصل، أي لا يوجد فاصل بين حرف العطف وبين المعطوف، وحرف الجر مقدر بينهما من دون وجود أي فاصل. طبعاً ستفهم أنت الفاصل كما قلت لما نمر على لو.
فالمهم هنا نأخذ مثالاً بسيطاً، قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الجاثية: 4-5]. واختلاف، لا تقل أنها معطوفة على خلقكم وحرف الجر واحد يعمل في الاثنين، لا؛ لأنه سيكون هناك إشكالية كما قلت سيظهر هناك إشكالية عميقة لا أريد أن أتعبك بها، يمكن للأحبة الذين يريدون التعمق فيها أن يرجعوا لحاشية الصبان. لكن هنا باختصار ستظهر إشكالية إذا كان عطف مجرور على مجرور، فلابد أن نقول التقدير: وفي اختلاف الليل، يعني وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون وفي اختلاف الليل والنهار إلى آخر الآيات. فبالتالي يجعل في الحقيقة من قبيل عطف جملة على جملة، هذا الذي سيعبد في النهاية، هو سيحذف ويؤول الأمر إلى أنه من قبيل عطف الجمل على الجمل وليس من قبيل عطف المفردات على المفردات.
ومنه قول الشاعر أيضاً: أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته، ومدمن القرع للأبواب أن يلجا. التقدير: أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته وبمدمن القرع للأبواب أن يلج. فتقدر الباء قبل مدمن وهذه مثلها في المعطوف عليه. لكن قوله إنه في المعطوف عليه في الحقيقة هو ليس عطف جار ومجرور على جار ومجرور، حتى أعطيك الخلاصة النهائية، هو في الحقيقة عطف جملة على جملة هنا كما قال الصبان في الحاشية، يقدر العطف عطف جملة على جملة، ولذلك احتجنا إلى تقدير حرف الجر المحذوف، وسأقتصر على هذا القدر من البيان.
وأذهب إلى الحالة الخامسة، قال لك إذا كان في المعطوف عليه بحرف منفصل بلا. الآن سيتكلم عن حالات حرف الجر المقدر بشرط وجود انفصال بين حرف العطف وبين المعطوف، وجود انفصال بين حرف العطف وبين المعطوف أما بلا وأما بلو. ففي الحالة الخامسة قال في المعطوف عليه بحرف منفصل بلا، كقول الشاعر: ما لمحب جلداً أن يهجر، ولا لحبيب رأفة فيجبر. التقدير: ولا لحبيب. ولاحظوا أنه في فاصل بين الواو وحرف العطف وبين لحبيب، وهي لا النافية، ما لمحب جلداً أن يهجر ولا لحبيب رأفة، ولاحظ أنه في الحقيقة العطف هنا عطف جملة على جملة. يعني ولا لحبيب رأفة جملة، ولا لحبيب رأفة معطوفة على ما لمحب جلداً، فهو عطف جمل وليس من قبيل عطف المفردات.
السادس: قال في المعطوف عليه أيضاً بحرف منفصل بلو، كقول الشاعر: متى عذتم بنا ولو بفئة؟ التقدير: متى عذتم بنا ولو بفئة. ولاحظوا أنه هنا أيضاً سيكون من قبيل عطف الجمل على الجمل، لأن لو أصلاً يأتي بعدها جملة سواء كانت ظاهرة أو مقدرة، لو لا تأتي في عطف المفردات، لابد أن بعد لو يأتي جملة، قد تكون جملة ظاهرة وقد تكون جملة مقدرة، لكن لابد بعد لو من جملة، فلذلك احتجنا إلى تقدير حرف الجر المحذوف في قوله ولو بفئة. ولاحظوا أحبابي الكرام أنه في فاصل بين حرف العطف الواو وبين بفئة، وهو لو، فلو فصلت بين الواو وبين بفئة، جميل، فهذا هو الذي يقصده بالفاصل.
الحالة السابعة: قال في المقرون بالهمزة بعدما تضمن مثل المحذوف، نحو: أزيد بن عمرو؟ استفهاماً لمن قال لك مررت بزيد. أنا قلت لشخص: مررت بزيد، فهو على سبيل الحكاية قال: أزيد بن عمرو؟ أي أبزيد بن عمرو؟ هذا التقدير: أبزيد بن عمرو. حذف حرف الجر اكتفاءً بذكره في جملة الشخص الأول، اكتفاءً بذكر حرف الجر في جملة الشخص الأول الذي قال مررت بزيد، فكانت الإجابة: أزيد بن عمرو؟ أي أبزيد بن عمرو. لذلك قال في المقرون بالهمزة الاستفهام بعدما تضمن مثل المحذوف، عبارة جملة سابقة تضمنت مثل حرف الجر المحذوف.
الثامن: في المقرون بهلا بعده، نفس الشيء يعني بعده، أي بعدما تضمن مثل حرف الجر المحذوف، نفس ما ورد في الحالة السابعة. كقولك هلا دينار لمن قال؟ عندك شخص قال: جئت بدرهم، فأجابه شخص مقابله فقال له: هلا دينار؟ هلا دينار، لأن دينار مجرورة بحرف جر محذوف، وحذفه لأنه مذكور في جملة المتكلم الأول لما قال جئت بدرهم، فذلك أجابه مباشرة: هلا دينار، وهذا كله على سبيل الحكاية أحبابي الكرام.
التاسع: في المقرون بأم بعده، نحو قولك: أمرر بأيهم أفضل أن زيد وأن عمرو. وجعل سيبويه إضمار هذه الباء بعد أم أسهل من إضمار رب بعد الواو. شف يعني من كثر ما هذا المثال منتشر فعلم بذلك اطراده. فالتقدير: أمرر بأيهم أفضل، أن بزيد وأن بعمرو، أن بزيد وأن بعمرو، طيب.
العاشر: قال في المقرون بفاء الجزاء يعني بعدما تضمن مثل المحذوف، قوله بعده أي بعدما تضمن مثل المحذوف، وكذلك يقول في الحالة التاسعة، وإن نسيت إليها، في المقرون بأم بعده، أي بعد ما تضمن مثل حرف الجر المحذوف. فلاحظوا هنا الاعتماد في الحذف على أن حرف الجر مذكور مسبقاً في سابق، الاعتماد على حذف حرف الجر في هذه الأحوال السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة اعتماداً على أنه حرف الجر مذكور في السياق سابقاً فلا حاجة لإعادة تكرار ويمكن أن يعمل محذوفاً، فذكره سابقاً هو الذي سوغ حذفه لاحقاً باختصار، فلذلك قالوا وفي المقرون بفاء الجزاء بعده أي بعدما تضمن مثل محذوف.
حكى يونس يونس بن حبيب شيخ سيبويه: مررت برجل صالح، إلا صالح فطالح. لاحظ، إلا صالح بطالح، أي إلا أمر بصالح فقد مررت بطالح، ولاحظ أن المحذوف هنا ليس فقط حرف الجر، محذوف جمل، ما حرف الجر؟ التقدير: إلا أمر بصالح فقد مررت بطالح. قال والذي حكاه سيبويه: مررت برجل صالح، إلا صالحاً فطالحاً أو إلا طالحاً، إلا صالحاً فطالحاً. وإذا لم يحك الجر فيها كما حكاها يونس بن حبيب شيخه، بل حكى النصب للأول والرفع للثاني أو النصب للاثنين، وقدره: إلا يكن صالحاً فهو طالح، وإلا يكن صالحاً كن طالحاً.
الحالة الحادية عشر: وهي حالة شهيرة، لام التعليل التي تجر كي وصلتها، تأتي معنا كي المصدرية في باب نواصب الفعل المضارع، ويأتي معنا أن كي المصدرية تكون قبلها لام جر تعليلية، إما أن تذكر هذه اللام الجر التعليلية وإما أن تحذف وكثيراً ما تحذف، تمام. الحالة الثانية عشر: مع أن وأن، وهذه مرت معنا لما تكلمنا عن تعدي الفعل ولزومه، مر معنا أن أن المصدرية وأن أيضاً.
هي من أخوات أنَّ وأنَّ؛ كثيراً ما يُحذف حرف الجر معها ويعمل فيها محذوفاً ويعمل في صلتها محذوفاً. أنَّ وأنَّ المصدريتان كثيراً ما يُحذف حرف الجر الجار لهما ولصلتهما، ويعمل وهو محذوف. لذلك قال ابن مالك: «وفي النَّوى أنْ يضَّطردوا مع أمنِ لبسٍ، عجبتُ أنْ يدوا»، كما مرَّ معنا سابقاً.
الحال الثالث عشر: المعطوف على خبر ليس وما الصالح لدخول الجار. الحمد لله، إذا كان عندي ليس وما العاملة عمل ليس، مرَّ معنا أحبابي الكرام أنه كثيراً ما يُجرُّ خبرهما بالباء، صحيح؟ وبعد ما وليس جرَّ بالباء، كما ذكرنا في البيت: «وبعد ما وليس جرَّ بالباء، وبعد لا ونفيك ما قد يُجرَّ». فمرَّ معنا أن الخبر بعد ما وليس كثيراً ما يأتي مجروراً بالباء، وتكون الباء زائدة للتأكيد، ممتاز.
فإذا كان عندي أحبابي الكرام خبر لما وليس ليس مجروراً بالباء، لكنه صالح لأن يُجرَّ بها، وعُطفت أسماء على هذا الخبر، فيجوز في هذا الاسم المعطوف على هذا الخبر أن يُجرَّ بحرف جر محذوف، توهماً أن خبر ما وليس مجرورٌ أيضاً بحرف جر. انظروا للقضية، فعندك ما وليس خبرهما ليس مجروراً بحرف جر، لكنه يصلح لأن يُجرَّ، فإذا عطفت على هذا الخبر يجوز أن أعطف عليه اسماً مجروراً بحرف جر محذوف؛ توهماً أن خبر ما وليس المعطوف عليه هو أيضاً مجرور بمثل هذا الحرف.
لاحظوا الأمثلة التي ذكرها للمعطوف على خبر ما وليس الصالح لدخول الجار. قال أجاز سيبويه في قوله: «بَدا لي أني لستُ مُدرك ما مضى، ولا سابقاً». لاحظوا «لستُ مُدرك» ما مضى «ولا سابقاً»، فـ «سابقاً» جاءت مجرورة. طب ما الذي جرَّها؟ حرف جر محذوف. لماذا؟ قالوا: «سابق» معطوفة على «مُدرك»، و«مُدرك» خبر لستَ، وهو يصلح لأن يُجرَّ بالباء، فبالتالي أحبابي الكرام جاز دخول هذا الحرف على المعطوف، وأن يُجرَّ المعطوف توهماً أنه دخل على المعطوف عليه وجرَّه. قال: «الخفض في سابق على توهم وجود الباء في مدرك».
لكن في الحقيقة هل هذا متفق عليه كل هذا التكلف؟ في الحقيقة البعض لم يرتضه؛ قالوا: ولم يجوزه جماعة من النحاة. لكن في الحقيقة فيه شواهد، ومنه قول الشاعر: «حقاً عباد الله أن لستُ صاعداً ولا هابطاً إلا عليَّ رقيبٌ ولا سالكٍ وحدي». انظر: «لستُ صاعداً ولا هابطاً ولا سالكٍ»، فكأنه توهم أن صاعداً وهابطاً مجرور، فجاز جرُّ «سالكٍ» المعطوفة على تقدير حرف جر محذوف. ومنه قول الشاعر: «مشائم ليسوا مصلحين عشيرةً، ولا نائباً». لاحظ: «ليسوا مصلحين عشيرةً» هاي جاءت منصوبة، و«لا نائباً» جاءت مجرورة على توهم حرف جر، على تقدير حرف جر، توهماً أن «عشيرة» وهي خبر ليس وهي المعطوف عليه مجرورة.
وقوله: «وما زرتُ ليلى أن تكون حبيبةً إليَّ ولا دينٍ بها أنا طالبُ». هذا البيت في الحقيقة أحبابي الكرام فيه إشكالية، وهو أنه لا يوجد فيه شاهد لا ليس ولا لما العاملة عمل ليس. فلذلك قال الصبان في حاشيته: يجب أن يُسقط هذا البيت من الأمثلة التي ذكرها الأشموني. وفي الحقيقة موطن الشاهد فيه «ولا دينٍ»، لكن «ولا دينٍ» هي معطوفة على «أن تكون حبيبةً»؛ يعني «وما زرتُ ليلى لأن تكون حبيبةً إليَّ ولا دينٍ بها أنا طالبُ». التقدير: وما زرت ليلى لأن تكون حبيبةً إليَّ ولا لدينٍ، قد مرَّ معنا أنه «أن» المصدرية يُحذف معها حرف الجر كثيراً، «أن» المصدرية يُقدر معها حذف حرف الجر، «وما زرتُ ليلا لأن تكون»، هنا «أن تكون» المصدر المؤول مجرور بحرف جر محذوف، فقول «ولا دينٍ» معطوف على هذه، معطوفة على المصدر المؤول المجرور بحرف جر محذوف. بالتالي ما في شاهد على «ما» العاملة عمل ليس ولا على ليس. لكن يمكن أن يُعتبر شاهداً على العطف على ما هو مجرور بحرف جر محذوف، لكن في الحقيقة أنا عندي إشكالية وأوافق الصبان فعلاً أن هذا البيت فيه إشكالية؛ قضية «ولا دينٍ»، هل هي «ولا بدينٍ» أو «ولا لدينٍ» بها أنا طالب؟ يمكن أن يُقدَّر بهذا التقدير: «ولا لدينٍ»، وما زرتُ لأن تكون حبيبةً إليَّ ولا لدينٍ؛ فهناك حرف جر محذوف قبل «أن» الناصبة، ومثله يُقدَّر بعد «دينٍ»، ويكون التقدير قبله، طبعاً قبل كلمتين «ولا لدينٍ بها أنا طالبُ». لكن عموماً الشاهد هنا ليس موطنه لأنه يتكلم عن «ما» و«ليس»، والشاهد لا يتلاءم مع سياق الكلام الذي يتحدث فيه الأشموني أصلاً.
هنا فوائد ختامية أختم بها هذا الباب. الأشموني قال تنبيه: لا يجوز الفصل بين حرف الجر ومجروره في الاختيار، وقد يُفصل بينهما في الاضطرار بظرف أو بجار ومجرور آخر، كقول الشاعر: «إنَّ عمراً لا خيرَ في اليومِ عمرو»، لاحظ «في اليوم عمرو»، فصل بالظرف عمداً. وقول الشاعر: «مُخِلَّةٌ لا يُستطاعُ ارتقاؤها، وليسَ إلى منها النزولُ»، لاحظ وليس إلى ومجرورها النزول، فصل بينهما بجار ومجرور، هي «منها». قال: وندر الفصل بينهما في النثر، أي في الشعر ورد مثل هذا وإن كان قليلاً ضرورة شعرية، وندر الفصل بينهما في النثر بالقسم، لقولك: اشتريته بوالله درهمٍ، أي والله درهمٍ، لاحظ كيف فصل بين الجار والمجرور بلفظ القسم.
هذه الخاتمة لطيفة في الحقيقة، وفيها فوائد، قال: يجب أن يكون للجار وللظرف متعلق. وهذه القاعدة ذكرناها من بداية تدريسنا للألفية، بل بداية تدريسنا للنحو، وأنا أكرر هذه الفائدة على الطلبة: أنه أي ظرف أو جار ومجرور لا بد له من متعلق يتعلق به؛ ما يأتي وحده هكذا في الجملة العربية. هنا الأشموني سيُحصِّل لك المتعلقات، فقال: والمتعلق إما أن يكون فعلاً، وهذا هو الأصل، أو ما يشبه الفعل، ويقصد بما يشبه الفعل المصادر أو المشتقات أو أسماء الأفعال. قد يكون متعلق الظرف أو الجار والمجرور ما يشبه الفعل، وهنا يقصد ما يشبه الفعل المصادر أو المشتقات: اسم فاعل، اسم مفعول، صفة مشبهة، صيغة مبالغة، أفعل تفضيل، وقد يكون أسماء الأفعال.
إذاً: إما فعل، أو ما يشبه الفعل، قال: أو مؤوَّلاً بما يشبه الفعل. وسيشير إلى هذا بلفظ الجلالة، قال: كلفظ الجلالة الذي يأتي بمعنى الاسم المشتق، لفظ الجلالة الذي يأتي بمعنى الاسم المشتق، طبعاً والذي يظهر أنه يقصد لفظ الجلالة على من يرى أنه اسم جامد، لكنه بمعنى المشتق، يمكن أن يكون هذا هو المقصد، أنه لفظ الجلالة اختلف فيها هل هو مشتق أو مؤوَّل؟ ومن يرى أنه جامد يقول هو مؤوَّل بمعنى المشتق، وهو معنى «معبود» كما سيأتي. قال: أو ما يشير إلى معناه، أو أداة تشير إشارة إلى معنى الفعل، يصلح أن تكون هذه الأداة متعلقة أو متعلقاً للجار والمجرور.
نأخذ الأمثلة التي ذكرها، ذكر في الآية: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، مثالين؛ هذه الآية فيها مثالان، المثال الأول المتعلق فيه الفعل «أنعمت عليهم»، فالجار والمجرور متعلق بالفعل «أنعمت»، ومثال على التعليق بمشتق وهو ما يشبه الفعل في قوله «المغضوب عليهم»، فعليهم هنا متعلقة بـ«المغضوب»، واسم مفعول وهو مشتق من المشتقات. ففي هذه الآية ذكر نوعين، ثم انتقل للنوع الثالث، ومثَّل بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 3]، «في السماوات» متعلق بلفظ الجلالة، ولفظ الجلالة كما قلت، ذهب كثير إلى أنه اسم جامد، لكنه بمعنى المشتق، ومعناه المعبود أو المسمى بهذا الاسم. أما تقول «المسمى بهذا الاسم» أو تقول «المعبود». إذا أردت أن تقتصر على نفسك وأنا أفضل أن تقدرها بـ«المعبود»، فإذا قلنا الله معناها المعبود، فهنا لفظ الجلالة وإن كان اسماً جامداً على رأي بعضهم لكنه يشبه مؤوَّلاً بمشتق، أنه «معبود»، اسم مفعول، فإذا كان الله أولاً بـ«معبود»، إذاً لفظ الجلالة مؤوَّل بمشتق، وهذا المشتق يشبه الفعل، فيجوز تعليق الجار والمجرور به. لكن هنا ما أُوِّل بـ«معبود»، الأشموني أولها بـ«المسمى بهذا الاسم»، أي الله مؤوَّلة بـ«المسمى»، وكلمة «مسمى» هذا اسم مفعول أيضاً، فيصح تعليق الجار والمجرور به.
ثم ختم بالمثال الرابع قال: ﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 2]، على أن «ما» هنا النافية بمعنى الفعل، أداة تشير إلى معنى الفعل وهو الانتفاء أو النفي، فلما كانت هذه الأداة تتضمن معنى فعل، جوَّزوا أو جوَّز البعض في الحقيقة تعليق الجار والمجرور بها، فتقول الجار والمجرور «بنعمة» متعلق بالأداة «ما»؛ لأنها تشير إلى معنى فعل وهو فعل النفي. وهذا في الحقيقة فيه خلاف، هل يجوز أن تعلِّق الجار والمجرور بأداة، المقصود هنا بأداة هي حرف من الحروف تنوب عن فعل أو تدل على فعل، هل يتعلَّق الجار والمجرور بحرف من حروف المعاني المتضمنة لمعنى الفعل؟ هذه المسألة في الحقيقة فيها خلاف؛ فالبعض يجيز ذلك والبعض لا يجيز ذلك. يعني هذا فقط إشارة سريعة للخلاف في هذه المسألة، وفسَّرها الأشموني كما تلاحظون: ﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 2]، أي انتفى ذلك بنعمة ربك، فـ«ما» بمعنى انتفى. وإن كان الصبان له كلام في هذا الموضوع، ويقول: ولم يقصد الأشموني أنه «بنعمة» متعلقة بالفعل «انتفى» الذي تنوب عنه «ما»، إذا ما يساق إليه النفي، لكن هذا كلام لا يشغلكم بإذن الله.
قال: فإن لم يكن شيء من هذه الأربعة موجوداً، يعني إذا كانت سياق الجملة ما فيه لا فعل ولا ما هو يشبه الفعل ولا في ما هو مؤوَّل بما يشبه ولا ما يشير إلى معنى، لا يوجد فيه واحد من الأربع، فهنا لا بد وأن تُقدِّر متعلقاً محذوفاً للجار والمجرور، ويكون هذا المتعلق هو الكون. زي ما كنا نفعل في الخبر إذا جاء ظرفاً أو في الصلة إذا جاءت ظرفاً أو جاراً ومجروراً، أو الحال إذا جاء ظرفاً أو جاراً ومجروراً؛ مش قلنا دائماً نقدِّر في الخبر ناوين معنى «كائناً» أو «مستقراً»، محمد عندك، محمد استقرَّ عندك أو محمد مستقرٌ عندك، فلا بد أن تقدِّر استقرَّ أو مستقر أو كائن، يعني تقدر الاستقرار العام أو الكون العام كما يقولون، ليكون هو متعلق الظرف أو الجار والمجرور. هذا كما قلت في حال خلو الجملة عن واحد من الأربع يصلح تعليق الظرف أو الجار والمجرور به.
يعني أنا أحبابي الكرام فيقول الأشموني: فإن لم يكن شيء من هذه الأربعة موجوداً في اللفظ، قدِّر الكون المطلق متعلقاً كما تقدم في الخبر والصلة، أي كما درسنا سابقاً في باب الخبر وفي باب الصلة. ويُستثنى من ذلك خمسة أحرف لا تحتاج إلى متعلق، ما هي؟ واحد: حرف الجر الزائد؛ أي حرف جر زائد لا يحتاج إلى متعلق، كالباء ومِن، لما يُقال: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الرعد: 43]، هنا الباء زائدة ولفظ الجلالة فاعل، ﴿وَهَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: 3]، مِن زائدة وخالق مبتدأ، حرف الجر الزائد لا يحتاج إلى متعلق، فلا تقول إن الباء متعلقة بـ«كفى» ولا «من» متعلقة بشيء في السياق، لا تحتاج أنها زائدة.
الثاني: لعلَّ في لغة عقيل، لأنها بمنزلة الزائد، ألا ترى أن مجرورها يكون في موضع رفع بالابتداء؟ بدليل ارتفاع ما بعدها على الخبرية، فمجرورها يكون في موضع رفع بالابتداء بدليل ارتفاع ما بعدها على الخبرية، فبعد لعلَّ الجار عند عقيل تأتي جملة اسمية، فهذا يدل أن لعلَّ مجرورها على الابتداء.
الثالث: لولا، في من قال: لولاي ولولاك ولولاه، على قول سيبويه إن لولا هنا جارة، ومرَّ معنا الإشارة لهذا الخلاف سابقاً، فإنها أيضاً بمنزلة لعلَّ في أنَّ ما بعدها مرفوع المحل بالابتداء، وإن كان مجروراً من جهة اللفظ، لكنه من جهة المحل مرفوع.
الرابع: رُبَّ، في نحو قولك: ربَّ رجلٍ صالحٍ لقيتُ أو لقيته، لأن مجرورها يكون مفعولاً في الأول في قولك: ربَّ رجلٍ صالحٍ لقيتُ، مفعول به مقدَّم لـ«لقيتُ»، ومبتدأ في الثاني، أو مفعول أيضاً. أما على قولك: ربَّ رجلٍ صالحٍ لقيته، هي دعوني أكتب هذا المثال: ربَّ رجلٍ صالحٍ لقيته، هنا رجل إما أن تجعلها مبتدأ ويكون لقيته الجملة هذه خبر، وإما أن تجعل رجل مفعولاً به لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور لقيته على طريقة الاشتغال. ممتاز، لكن سيشير الأشموني أنه إذا جعلنا رجل مفعولاً به لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور، فإن هذا الفعل المحذوف الذي يفسره الفعل المذكور يجب تقديره بعد ماذا؟ يجب تقديره هنا بعد ربَّ ومجرورها، ولا نقدره قبل ربَّ ومجرورها، أو بين ربَّ ومجرورها، يعني عادة الفعل المحذوف نقدره قبل المفعول به المذكور، الفعل المحذوف الذي يفسره الفعل المذكور، هذا الفعل يُقدَّر قبل المفعول به، لكن هنا في هذه المسألة بالتحديد إذا قدَّرنا فعلاً محذوفاً يفسره الفعل المذكور، فيجب أن يتأخر تقدير هذا الفعل المحذوف فيكون التقدير: ربَّ رجلٍ صالحٍ لقيته. طب ليش قدَّرته متأخراً؟ قالوا لأن ربَّ لها الصدارة، فلا تقبل...
أن يأتي قبلها فعل يكون كلمة رجل هي المفعول به لهذا الفعل، وربَّ لها الصدارة. وبالتأكيد لا يصح أن يأتي بين الجار، فكان لا بد من تقدير الفعل متأخراً في هذه المسألة، لذلك قال: ويقدر الناصب بعد المجرور، أي بعد حرف الجر والمجرور، لا قبل الجار ولا بين الجار والمجرور. وهذه إضافة؛ لأن ربَّ لها الصدر من بين حروف الجر، ربَّ ميزتها عن حروف الجر أنها لها صدر الكلام، فلا تقبل أن تأتي في منتصف جملة.
وإنما دخلت في المثالين لإفادة التكثير أو التقليل لا لتعدية عامل، هي أصلاً ليست داخلة للتعدية، وإنما دخلت فقط لإفادة التكثير والتقليل، فلذلك لا تحتاج إلى أن تتصل بعامل أصلاً. ثم قال هذا قول الرماني وابن طاهر، وقال الجمهور هي فيهما حرف جر معدٍّ، فإن قالوا إنها عدَّت الفعل المذكور فخطأ؛ لأنه يتعدى بنفسه، وبالفعل لقيت، وتعدي بنفسي لا يحتاج إلى تعدية ربَّ، والاستيفاء مفعوله في المثال الثاني لما قال: «ربَّ رجل لقيته». وإن قالوا عدَّت محذوفاً تقديره حصل أو نحوه، ففيه تقدير ما لا حاجة إليه، ولم يُلفظ به في وقت هذا الفعل الذي قدرتموه تقديراً وحصل. بالتالي كلام الرماني وابن طاهر أدق، يعني ينصر كلام الرماني وابن طاهر، ولا حاجة لكل هذه التفاصيل الدقيقة للطالب عموماً في الألفية، لكن أنا أقرؤها لمن يريد دائماً الفائدة والزيادة.
خامس حروف الاستثناء الجارة وهي خلا وعدا وحاشا، إذا خفَضنا لما سبق في باب الاستثناء أن هذه الحروف لا تحتاج إلى متعلق. فبالتالي الحروف التي لا تحتاج إلى متعلق؛ إما حرف جر زائد وإما حرف جر شبيه بالزائد. هيك بدي إياك ترتب الفكرة، تقول الحروف التي لا تحتاج إلى متعلق: إما حرف جر زائد وإما حرف جر شبيه بالزائد. حرف الجر الزائد ايش الفرق بينه وبين حرف الجر الشبيه بالزائد؟ حرف الجر الزائد لا يكون له معنى في السياق سوى التوكيد، وليس له متعلق. حرف الجر الشبيه بالزائد له معنى خاص به، يعني ليس للتوكيد بل له معنى خاص به، فلعلَّ لها معناها عندما تكون جارة، ولولا لها معناها عندما تكون جارة، وربَّ للتقليل والتكثير، وخلا وعدا وحاشا للاستثناء، فهي لها معانيها الخاصة بها عندما تكون جارة وليست للتوكيد، لكنها مع ذلك لا تحتاج إلى متعلق، فمن هنا قيل أنها شبيهة بالزائد ولم يقل أنها زائدة.
إذاً حروف الجر إما حرف جر أصلي له معناه وله متعلق وهذا هو الحالة الطبيعية، وإما حرف جر زائد وهذا يكون معناه التوكيد فقط وليس له متعلق، وإما حرف جر شبيه بالزائد، والشبيه بالزائد هي الأحوال الحالة الثانية والثالثة والرابعة والخامسة التي ذكرها الأشموني هنا، وهنا يكون حرف الجر ليس للتوكيد بل له معنى خاص به، له معنى خاص به لكنه أيضاً ليس له متعلق، فمن هنا قيل إنه شبيه بالزائد والله تعالى أجل وأعلم.
الآن أحبابي الكرام هكذا نكون انتهينا من باب الجر بحرف الجر، دعونا ننتقل إلى الجر بالإضافة. دعونا ننتقل إلى النوع الثاني من الجار؛ لأن الجار في اللغة العربية إما جر بحرف الجر وإما جر بالإضافة. انتهينا من المرفوعات، انتهينا من المنصوبات، الآن بدنا ننتهي من المجرورات وتكلمنا عن الباب الأول وهو الجر بحرف الجر، بقي علينا أن نتكلم عن الجر بالإضافة، فقال ابن مالك رحمة الله عليه: باب الإضافة.
الإضافة أحبابي في اللغة هي أن أسند شيئاً إلى شيء أو أن أميل شيئاً إلى شيء، فهي في اللغة بمعنى الإسناد والإمالة، وأما الإضافة في الاصطلاح النحوي فهي إسناد اسم إلى غيره. اكتبوا هذا التعريف: إسناد اسم إلى غيره على تنزيل الثاني من الأول منزلة التنوين أو ما يقوم مقام التنوين. سنعرف ما يقوم مقام التنوين من نون المثنى ونون جمع المذكر السالم على ما سيأتي بيانه، فهذا هو المعنى الإضافي، أسند اسم إلى اسم آخر ويكون الاسم الثاني منزلاً منزلة التنوين من الاسم الأول، أو ما يقوم مقام التنوين من النون في المثنى والنون في جمع المذكر السالم.
وقلنا إنه يحل محل التنوين هذا الاسم الثاني اللي هو المضاف إليه، يحل محل التنوين أو محل نون التثنية أو محل نون جمع المذكر السالم؛ لأنه سيأتي معنا أنه لا تجتمع التنوين مع الإضافة. التنوين والمضاف إليه ما بيجتمعوا، أو نون مثنى أو نون جمع مذكر سالم مع إضافة ما بيجتمعوا، وهذا ما بدأ فيه ابن مالك رحمة الله عليه فقال: نوناً تلي الإعراب أو تنويناً.
نونا تلي الإعراب أي تلي علامة الإعراب، ما هي النون التي تلي علامة الإعراب هي نون المثنى أو نون جمع المذكر السالم، هي التي تأتي بعد ألف التثنية أو الياء في حال النصب والجر، وبعد الواو في جمع المذكر السالم رفعاً والياء نصباً وجراً. يقول لك النون التي تلي علامة الإعراب وهذه إشارة إلى نون التثنية ونون جمع المذكر السالم، نونا تلي الإعراب أو تنويناً مما تضيف احذف. فاحذف هو الفعل المتأخر، والتقدير احذف نونا تلي الإعراب أو تنويناً من الاسم الذي تضيفه، كقولك طور سيناء، أصلها طورٌ، لكن لما أضفت إلى سيناء قلت طورُ سيناء أو طورِ سيناء إذا كانت في حالة جر، فتحذف التنوين لأن الاسم الثاني ينزل منزلة التنوين.
ثم قال: والثاني اجرر. وأما العنصر الثاني الآن، الإضافة مما تتركب من مضاف ومضاف إليه، فبالنسبة للمضاف عرفنا ما هو العمل الأساسي الذي يجب أن نفعله فيه، حذف التنوين منه إن كان منوناً، أو حذف نون المثنى ونون جمع المذكر السالم إن كان مثنى أو جمع مذكر سالم، وأما القسم الثاني وهو المضاف إليه فماذا نفعل فيه؟ قال: والثاني اجرر. بدك تجره، بعد ما قال والثاني اجرر أراد أن يعلمك ما هي العلاقة بين المضاف والمضاف إليه، فقال: وانوِ من أو في إذا لم يصلح إلا ذاك، واللام خُذ لما سوى ذينك، واخصص أولاً أو أعطه التعريف بالذي تلا.
فيريد أن يخبرك أخي الحبيب أن العلاقة بين المضاف والمضاف إليه إما أن تكون على تقدير من الجارة أو على تقدير في الجارة، فإذا لم يصلح تقدير من أو في الجارة، فيجب أن تُقدر اللام الجارة. الإضافة إما على معنى من أو على معنى في أو على معنى اللام. طبعاً أحبابي الكرام في الحقيقة هنا هو بدأ مباشرة يتكلم عن الإضافة المحضة وهي الإضافة الحقيقية، وهذه هي الإضافة التي على معنى من أو على معنى في أو على معنى اللام؛ لأنه سيأتي معنا أن الإضافة على نوعين: إضافة حقيقية وهاي بتسمى محضة، وإضافة غير حقيقية وهي تسمى غير محضة، ولها اسم ثالث: إضافة حقيقية إضافة محضة وتسمى أيضاً هذه معنوية، وهذه تسمى إضافة غير حقيقية غير محضة ولفظية.
هذه الأسماء الثلاث يجب أن تتقنوها أحبابي الكرام: إضافة حقيقية محضة معنوية، هذه ثلاث أسماء لها، والاضافة غير الحقيقية غير المحضة اللفظية. هو الآن بدأ بالقسم الأول لما تكلم عن "من" هنا من قوله وانوِ من أو في إذا لم يصلح إلا ذاك واللام، كذا لما سوى ذينك واخصص أولاً أو أعطه التعريف بالذي تلا، من قوله وانوِ من إلى آخر الأبيات، يتكلم عن الإضافة الحقيقية. وفي الإضافة الحقيقية غلام زيد، العلاقة بين المضاف والمضاف إليه تكون على تقدير من أو على تقدير في أو على تقدير اللام. طب متى أقدر من متى أقدر في؟ متى أقدر اللام؟ هذا ما سنتعلمه بإذن الله.
والإضافة الحقيقية لها فائدتان: إما أن تفيد التخصيص إذا كانت إضافة نكرة إلى نكرة، النكرة الأولى وهي المضاف تستفيد التخصيص من المضاف إليه، غلام رجل، المضاف اكتسب التخصيص من المضاف إليه. وإما أن يكتسب المضاف من المضاف إليه التعريف، وذلك إذا كان المضاف نكرة والمضاف إليه معرفة، غلام زيد، فالإضافة الحقيقية لها فائدتان: إما التخصيص وإما التعريف، التخصيص إذا كان المضاف والمضاف إليه كلاهما نكرة، التعريف إذا كان المضاف نكرة والمضاف إليه معرفة، لذلك قال: واخصص أولاً أو أعطه التعريف بالذي تلا. أي أن الأول إما أن يخصص إذا كان المضاف إليه نكرة، وإما أن يُعرَّف إذا كان المضاف إليه معرفة، وهذا كله كما قلنا كلام عن الإضافة الحقيقية. طبعاً أنت ما راح تفهم شو يعني إضافة حقيقية حتى تفهم شو معنى إضافة غير حقيقية، لما تفهم الإضافة غير الحقيقية كل إضافة ليست من النوع الثاني فهي من النوع الأول. لكن كما قلت لك وبضدها تتميز الأشياء، وأحياناً ما راح تتصور ما معنى الإضافة الحقيقية حتى تفهم صور الإضافة غير الحقيقية، إذا فهمت صور الإضافة غير الحقيقية خلص تصبح ما عدا هذه الصور هي من الإضافة الحقيقية المحضة.
يقول الأشموني: نوناً تلي الإعراب وهي نون المثنى والمجموع على حده وما ألحق بهما، أو تنويناً ظاهراً أو مقدراً. تنويناً ظاهراً هذه مفهومة، لكن تنويناً مقدراً ماذا يقصد به؟ يقصد بالتنوين المقدر التنوين يعني يقولون الاسم الممنوع من الصرف؛ لأن الاسم الممنوع من الصرف لا يجوز ظهور التنوين عليه كما تعلمنا وسنتعلم إن شاء الله. لكن التنوين قال مقدراً، وفي الحقيقة أنا أظن أنه هذه الكلمة لا داعي لها هنا؛ لأنه إذا كان التنوين لا يظهر على الممنوع من الصرف، إذاً الممنوع من الصرف عندما يضاف إلى شيء لن نحذف منه تنويناً؛ لأنه هو التنوين أصلاً مش مذكور، فبما أننا لن نحذف منه تنويناً ما الحاجة إلى ذكره هنا؟ يعني تريد أن تقول أن الاسم الممنوع من الصرف نحذف منه التنوين المقدر؟ أظن هذا تكلف؛ لأنه هو أصلاً مقدر مش موجود، فما في داعي لأن يذكر أصلاً في هذا القسم، والله تعالى أعلم.
قال: مما تضيف احذف نوناً تلي الإعراب أو تنويناً ظاهراً أو مقدراً مما تضيف احذف، كقولك: تبت يدا أبي لهب، أصلها يدانِ، لكن حُذفت نون المثنى. ونحو قول الشاعر: كأن خصييه من التدلدلِ ... ظرف عجوز فيه ثنتا حنظلِ، أصل فيه ثنتانِ حنظل، لكن حذف نون الملحق، طبعاً ثنتان ملحق بالمثنى كما مر معنا سابقاً، حذف النون من ثنتان بسبب وجود المضاف إليه. وقال: وكالمقيم الصلاة، المقيم أصلها المقيمين الصلاة، حذف نون جمع المذكر السالم بسبب وجود الإضافة. طيب وهذه عشر زيد، قال: وهذه عشرون زيداً عند من أجاز هذا النمط في هذه الحالة، إذا قلت هذه عشرون زيداً عند من أجاز هذا، فإنك تحذف النون من العشرون، والعشرون طبعاً ملحق بجمع المذكر السالم، عند من أجاز هذا، وهذه مسألة فيها خلاف.
ومنه كلمة طور سيناء، أصلها طور، لكنك لما أضفت قلت طور سيناء. ومثال الممنوع من الصرف مفاتيح الغيب، يعني هي مفاتيح على صيغة منتهى الجموع فهي ممنوعة من الصرف، هي في الوضع الطبيعي حتى لو لم تضف لا تنوَّن، تقول مفاتيحُه واشتريت مفاتيحَهُ ومررت بمفاتيحِهِ، فإذا أضفتها أنت أصلاً لن تحذف شيئاً لأن التنوين غير مذكور، فتقول مفاتيحُ الغيبِ.
قال: وأما النون التي تليها علامة الإعراب أنها لا تحذف؛ لأنها في العادة تكون الأصلية، النون التي يكون بعدها الإعراب هي نون أصلية كنون مثلاً بساتين، بستان، هذه ليست نون زائدة وإنما نون من بنية الكلمة ليست نون زائدة مثل نون المثنى ونون جمع المذكر السالم التي هي نون من بنية الكلمة، فهذه النون الإعراب يكون بعدها وليس علامة الإعراب قبلها، فكأنه يريد أن يقول النون الأصلية إذا كانت في نهاية الكلمة المضافة فإنها لا تحذف عندما يأتي مضاف إليه، فتقول مررت ببساتين زيدٍ، تبقي النون، ومنه قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينِ الْإِنسِ﴾ [الأنعام: 112]؛ لأن هذه النون أصلية وليست نون جمع المذكر السالم، أنها من شطن، فالنون نون أصلية على الراجح، والله تعالى أعلم، أن هناك خلاف في شياطين هي من شاط أو من شطن.
ثم قال: تنبيه قد تحذف أيضاً تاء التأنيث للإضافة عند أمن اللبس، لكن هذا شيء زائد ليس شيئاً أصلياً، شيء زائد أن تحذف تاء التأنيث للإضافة عند أمن اللبس، كقوله: أن الخليط أجَدَّ البين فانجردوا ... وأخلفوك عِدَة الأمرِ الذي وعدوا، أصلها عدةُ الأمرِ، لكن حذفت التاء بسبب الإضافة. أي عدة الأمر، وقراءة بعضهم لا عدوا له عدة أصلها عِدَتَهُ، لا عدوا له عدة أي عِداته، يعني قراءة من قرأها بالهاء أعدوا له عِدَه على من قرأها بالهاء التقدير لا عدوا له عدتَه بحذف التاء وإبقاء الهاء.
قال وجعل الفراء منه قوله تعالى: ﴿وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: 3]، وقوله تعالى: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: 40]. قال بناءً على أن هذا الفراء طبعاً لا يقال دون إضافة، في الإقامة أقِام يعني لا يقال إقامة إلا في حالة الإضافة فتحذف التاء، وأما إذا لم يكن هناك إضافة فإنه لا يصح إلا أن تقول إقامة بالتاء، فحذف التاء في ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ دليل على أن أصلها وإقامة الصلاة، حذفت التاء بسبب الإضافة؛ لأن الفراء يرى أن...
كلمة إقامة لا يجوز أن تقال في الوضع الطبيعي في حالة عدم الإضافة؛ فينبغي أن تقال إقامة. فإذا قلت وإقامة الصلاة تكون حذفت تاء التأنيث للإضافة فقط، ومنه أيضاً قوله تعالى ﴿مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾. يقول: لا يصح في حال عدم الإضافة أن تقول هذا غلب، بل تقول هذه غلبة.
أقول هذه غلبة، فإذا أضفت فإنك يجوز أن تحذف التاء وتقول من بعد غلبهم، غلبهم أصلها من بعد غلبتهم سيغلبون، وهم من بعد غلبتهم سيغلبون، حذفت التاء بسبب الإضافة. وفي حال عدم الإضافة يرى الفراء أنه ينبغي أن تذكر التاء ولا يجوز حذفها، فتقال غلبة وتقول وإقامة. هذا رأي الفراء رحمة الله عليه.
ثم قال: والثاني من المتضايفين، الآن ما زال يشرح كلام ابن مالك. هذا كله قررناه قبل قليل من الفوائد، كله على قضية حذف النون وحذف التنوين. وزاد الأشموني قضية حذف تاء التأنيث عند أمن اللبس، ولاحظ أن الأمر مقترن بأمن اللبس أو مقيد بأمن اللبس. قال: والثاني من المتضايفين -وهو المضاف إليه- القسم الثاني في الإضافة اجرر بالمضاف. ما هو العامل في المضاف إليه؟ ودائماً نبحث عن العامل، العامل في المضاف إليه هو نفس المضاف، العامل في المضاف إليه هو نفس المضاف وفاقاً لسيبويه. لا الحروف المنوية التي حكينا عنها قبل قليل وهي من وفي واللام؛ لا، هذه وإن كنا ننويها كرابط بين المضاف والمضاف إليه لكنها ليست عاملة؛ لأن الحروف ضعيفة، فيصعب أن تعمل وهي محذوفة، وعمل حرف الجر وهو محذوف مر معنا أنه قياسي في مسائل معينة وفيما عداها فهو سماعي لا يقاس عليه. فالأصل أن يكون العامل مذكوراً، فلذلك سيبويه جعل المضاف هو العامل في المضاف إليه، خلافاً للزجاج الذي جعلها الحروف المنوية. قال: وانوِ الإضافة، والكلام هنا كما قلنا عن الإضافة المحضة الحقيقية، وانوِ معنى من أو معنى في إذا لم يصح إلا ذاك؛ إذا كان معنى من أو معنى في هو الصالح للسياق.
متى يكون معنى من هو الصالح؟ انظروا الضابط، قال الأشموني: فانوِ معنى من -طبعاً من أي نوع؟ من البيانية- إذا كان المضاف بعضاً من المضاف إليه على القيد الأول، بس لسا ما خلصت مع صحة إطلاق اسمه -أي اسم المضاف إليه- على المضاف. لا بد من اجتماع هذين الأمرين حتى تكون الإضافة بمعنى من، كقولك مثلاً ثوب خز، لو قلت ثوب خز، هنا الثوب هو جزء من المضاف إليه، جزء من الخز من الحرير، فالبعضية متحققة، ويجوز أن أقول هذا ثوب خز، يجوز أن أطلق المضاف إليه خبراً عن المضاف، أن أحولها لجملة اسمية وأقول هذا ثوب خز، هذا يصح. إذا وجد الضابطان -أو هو ضابط واحد- فهي تكون الإضافة هنا بمعنى من، ثوب خز أي ثوب من خز. طيب خاتم فضة، الخاتم هو جزء من الفضة، ممتاز.
هذا القيد الثاني: هل يجوز أن أقول هذا خاتم فضة؟ أن أخبر بالفضة عن الخاتم؟ والله يصح، إذن هذه إضافة بمعنى من. طيب يد زيد، اليد هي جزء من زيد، ممتاز، لكن دعونا ننظر هل يجوز أن نقول هذه اليد زيد؟ لا يصح الإخبار عن اليد بأنها زيد، فبالتالي هنا الإضافة ليست بمعنى من، وستكون بمعنى اللام، والتقدير هذه يد زيد أي هذه يد لزيد. فلا بد من قيدين معاً، لا بد من أن يكون المضاف بعضاً من المضاف إليه مع صحة إطلاق اسمه -أي اسم المضاف إليه- على المضاف على سبيل الخبرية، لقولك ثوب خز وخاتم فضة، التقدير ثوب من خز وخاتم من فضة، إلا أن الثوب هو بعض الخز وأن الخاتم هو بعض الفضة، وأنه يقال هذا الثوب خز وهذا الخاتم فضة على سبيل الخبرية.
وانوِ معنى في إذا كان المضاف إليه ظرفاً للمضاف، إذا كان المضاف إليه ظرفاً ووعاءً للمضاف، نحو قوله تعالى ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ أي مكر في الليل، فإذا كان المضاف إليه وعاءً حدث فيه المضاف فهنا الإضافة تكون بمعنى في. ثم قال: واللام خذ لما سوى ذاك، إذ هي الأصل. إذاً الأصل في الإضافة أن تكون على معنى اللام، وتقدير الإضافة على معنى من أو في هذا على خلاف الأصل، وهذا له أحواله التي ذكرنا ضابطها. إذاً إذ هي الأصل، نحو ثوب زيد أي ثوب لزيد، وحصير المسجد أي حصير للمسجد، ويوم خميس أي يوم للخميس، ويد زيد أي يد لزيد. وفي جميع أحواله، بل حتى لو كانت اللام لا تصلح معك لعسر أو ثقل تقديرها، فإنها تكون مقدرة ضمنياً؛ هم يقولون حتى لو كانت اللام يثقل تقديرها على اللسان تكون مقدرة؛ لأنه لا بد أن تكون الإضافة يا بمعنى من يا في يا لام، إذا لم تقدر بمن أو في فلا بد من اللام على كل الأحوال، حتى ولو عسر تقديرها.
تنبيه: التنبيه الأول ذهب بعضهم إلى أن الإضافة ليست على تقدير حرف مما ذكر أصلاً ولا نيته، فالبعض ألغى كل قضية الحروف المقدرة، قال الإضافة لا على معنى من ولا في ولا اللام، هي إضافة بحتة. وذهب بعضهم -وهذا قول الزجاج- إلى أن الإضافة دائماً بمعنى اللام، وأنا أرئيس الزجاج، وذهب سيبويه والجمهور إلى أن الإضافة لا تعدو أن تكون بمعنى اللام أو من، ولم يذكروا فيه، وموهم الإضافة بمعنى في محمول على أنه بمعنى اللام توسعاً، زي مكر الليل مكر للليل، وهذا نوع من التوسع. ففيه إذاً الخلاف بسيط في قضية التقدير، ولكني المشهور فعلاً في كتب النحاة عند المتأخرين أن هناك ثلاثة حروف، إما من أو في أو باللام، فنسير على هذا الرأي الذي عليه الدراسة.
الأول الثاني: اختلف في إضافة الأعداد إلى معدوداتها، فمذهب الفارسي أنها بمعنى اللام، ومذهب ابن السراج أنها بمعنى من، واختاره؛ وأما اختار مذهب ابن السراج في شرحي التسهيل والكافية. فقال ابن مالك بعد ذكر ما المضاف إليه بعض من المضاف إليه مع صحة إطلاق اسمه على المضاف -اللي هو ضابط الإضافة التي بمعنى من- قال ابن مالك في شرح التسهيل والكافية: ومن هذا النوع إضافة الأعداد إلى المعدودات والمقادير إلى المقدرات. فابن مالك في شروحه الكبرى وافق ابن السراج على أن إضافة العدد إلى المعدود، عدد إلى المعدود مثلاً ثلاثة أقلام أربعة رجال، هذه الإضافة على أي معنى؟ ابن مالك وفاقاً لابن السراج يرى أن الإضافة هنا بمعنى من، والتقدير ثلاثة من رجال وأربعة من أقلام، ولكل رجال، قال رأي الفارسي أنها بمعنى اللام، كما ترون وقد اتفقا -أي الفارسي وابن السراج- فيما إذا أضيف عدد إلى عدد، وليس عدد إلى معدود بل أضيف عدد إلى عدد، نحو كيف يعني ضعف عدد إلى عدد؟ نحو قولك ثلاثمئة، فثلاث مضاف إلى المئة، اتفقوا على أن الإضافة هنا بمعنى من، اتفق ابن السراج والفارسي على أن الإضافة هنا إضافة عدد إلى عدد على أنها بمعنى من.
قال: واخصص أولاً من المتضايفين أو أعطه التعريف بالذي تلاه؛ يعني أن المضاف يتخصص بالثاني إن كان الثاني نكرة، نحو غلام رجل، ويتعرف بالثاني إن كان الثاني معرفة، نحو غلام زيد. جميل، وهذا كله في الإضافة الحقيقية المحضة، المضاف يكتسب من المضاف إليه إما التعريف وإما التخصيص، لذلك سميت الإضافة الحقيقية المحضة المعنوية؛ لأنه هنا الإضافة فائدتها معنوية، شيء في المعنى وهو أن يكتسب المضاف تخصيصاً أو تعريفاً، وهذه فوائد تتعلق بالمعنى، هذه فوائد تعود إلى المعنى، فلذلك سميت إضافة معنوية؛ لأن الإضافة تفيد فائدة معنوية وهي اكتساب مضاف من المضاف إليه تعريفاً أو تنكيراً.
أما النوع الثاني من الإضافة وهي الإضافة غير المحضة وهي غير الحقيقية، ففائدتها لفظية فقط وليس تعود إلى المعنى، ولا يكتسب المضاف من المضاف إليه لا تعريفاً ولا تنكيراً، وهذا المقدار سأؤجله للمحاضرة القادمة، نشرح قول ابن مالك: "وإن يشابه المضاف يفعلا وصفاً فعن تنكيره لا يعزلا". عظيم الأمل مروع القلب قليل الحيل، وذي الإضافة اسمها لفظية، وتلك محضة ومعنوية، هذا نتركه إن شاء الله للمحاضرة القادمة لنقف ما مقصدهم بالإضافة غير الحقيقية ولماذا سميت إضافة لفظية، القواعد التي تتبع هذا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل