دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبابي الكرام في مجلس جديد نعقده في مدارسة ألفية ابن مالك في النحو والصرف. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين.

لما أنهى المصنف -عليه رحمة الله- أو الناظم -عليه رحمة الله- حديثه عن الجملة الفعلية وما يتبعها من الملحقات، عقد الآن مجموعة من الأبواب تتكلم عن العوامل التي لها القدرة أن تعمل عمل الفعل؛ فتستطيع في الجملة -دعونا نقول- أن ترفع فاعلًا وأن تنصب المفاعيل التي تم دراستها. هناك عوامل تستطيع أن تقوم مقام الفعل في هذا العمل، تستطيع أن ترفع الفاعل وتنصب المفاعيل وتأخذ الظروف، فلا بد إذًا من أن يتكلم ابن مالك عن هذه العوامل ويشرح شروط إعمالها.

سيتكلم ابتداءً عن المصدر، وسيتكلم عن اسم الفاعل، وعن اسم المفعول، وعن صيغ المبالغة، وعن الصفة المشبهة، وعن أفعال التفضيل؛ هذه هي العوامل الأساسية التي تعمل عمل الفعل. وسيتكلم لاحقًا أيضًا عن اسم الفعل، ويتكلم عن شروط إعماله عمل الفعل.

إذاً، نحن نريد أن نعرف أين نحن في الألفية الآن. تكلمنا في بداية الألفية عن المفردات فعالجناها؛ عن المعرب والمبني، والمعرفة والنكرة وأنواع المعارف، ثم انتقلنا إلى بنية النحو وبنية الجملة العربية، فتكلمنا عن الجملة الاسمية وعن الجملة الفعلية. تكلمنا عن المبتدأ والخبر والنواسخ التي تدخل عليها، ثم تكلمنا عن الفاعل والمفاعيل بأنواعها وما يتبع ذلك من الاستثناء والحال والتمييز. ثم تكلمنا بعد انتهاء المنصوبات عن المجرورات، فتكلمنا عن الجر بحرف الجر وعن الجر بالإضافة. هكذا نكون في الحقيقة قد أنهينا المادة الأساسية للتقعيد في النحو.

الآن كما قلنا، هناك مجموعة من الأبواب التبعية بها يكتمل البنيان، والباب التبعي الأول هي العوامل التي تعمل عمل الأفعال لكن بشروط ستأتي معنا، ونبدأ بالمصدر. فقال عليه رحمة الله في باب إعمال المصدر أي عمل الفعل: بفعله المصدر ألحق في العمل .. مضافًا كان المصدر أو مجردًا من أل ومن الإضافة أو مع أل .. إن كان فعل مع أن أو ما يحل ولاسم مصدر عمل

أي أن اسم المصدر أيضًا على الصحيح يعمل عمل المصدر.

نبدأ مع الأشموني -عليه رحمة الله-؛ كون الشرح الإجمالي قد اتضح للبيتين. ابن مالك يقول: «ألحق المصدر بفعله في العمل». والصحيح كما بينا في علم الصرف أن المصدر هو أصل الكلام، هو أصل المشتقات، والفعل وغيره إنما يشتق من المصدر؛ فقالوا المصدر إنما عمل عمل الفعل لأنه أصل له.

سواء كان هذا المصدر مضافًا لشيء بعده، أو مجردًا من أل ومن الإضافة، أو كان هذا المصدر مصاحبًا لأل، ذكره في البيت الثاني: «إن كان فعل مع أن أو ما يحل محله»، أي شرط إعمال المصدر عمل فعله أن يصلح إزالته؛ فالمصدر الصالح للعمل هو المصدر الذي يمكن إزالته من السياق ووضع «أن» المصدرية مع فعل أو ما يحل محلها ويبقى السياق منضبطًا صالحًا، هذا المصدر هو الذي يقوى على العمل. فالحقيقة هذا نوع، وسياتي إلى نوع آخر أيضًا ذكره ابن مالك سابقًا، وهي المصادر التي تقوم مقام أفعالها، فهذه أيضًا تعمل وإن كان لا يصلح محلها «أن» أو «ما» المصدرية، على ما سيأتي من تفصيل.

ثم ختم فقال: «والاسم مصدرٌ عمل»، أراد أن يبين أن اسم المصدر يعمل عمل المصدر، وسنتطرق مع الأشموني رويدًا رويدًا إلى تعريف ما هو اسم المصدر.

قال الأشموني: «بفعله المصدر ألحق في العمل تعديًا ولزومًا». فإن كان الفعل لازمًا فيكون المصدر يعمل عمل الفعل اللازم، وإن كان الفعل متعديًا فمصدر هذا الفعل يعمل عمل الفعل المتعدي. والتعدي إما أن يكون متعديًا بنفسه، فالأفعال إما متعدية بنفسها أو متعدية بحرف الجر؛ فإذا كان الفعل متعديًا بنفسه فمصدره يكون متعديًا بنفسه، وإن كان الفعل متعديًا بحرف الجر فمصدره يكون متعديًا بحرف الجر.

لكن هنا وضع الأشموني تنبيهًا، فقال: «يخالف المصدر فعله في أمرين»، فيجب أن ننتبه؛ لأنه صحيح هو بشكل عام المصدر ينسجم مع فعله، لكن لا بد من وجود شيء من الخلافات. الخلاف الأول: أن في رفعه للنائب عن الفاعل خلافًا، ومذهب البصريين جوازه، وإليه ذهب في «التسهيل». إذ الفعل يستطيع أن يرفع نائب الفاعل إذا تم تحويله من صيغة المبني للمعلوم إلى صيغة المبني للمجهول، لكن هل مصدر الفعل يمكن أن يرفع نائب فاعل أيضًا؟

في الحقيقة فيها خلاف، وسبب الخلاف هو أن المصدر لا يمكن أن نعرف هل ما بعده هو الفاعل أم نائب الفاعل إلا اعتمادًا على السياق والقرائن، أما نفس صيغة المصدر فلا يمكن أن نحولها من صيغة مصدر مبني للمعلوم إلى صيغة مصدر مبني للمجهول، هذا ليس متوفرًا. فهنا وقع الإشكال؛ أن المصدر ليس كالفعل في هذه الجزئية، فالفعل نعم، بتحويل صيغته يُعرف أنه مبني للمعلوم أو مبني للمجهول، فيُعرف أن ما بعده فاعل أو نائب فاعل، لكن المصدر لا يوجد فيه هذه الميزة، فصيغته واحدة، لا يوجد مصدر بصيغة المبني للمعلوم ومصدر بصيغة المبني للمجهول.

وهذا الذي دفع البعض إلى أن يقول إن المصدر لا يجوز أن يرفع نائب الفاعل، لكن كما قلت، مذهب البصريين يجوزون أن يرفع نائب الفاعل، وبالاعتماد على السياق والقرائن، وهذا هو أظهر شيء يمكن التعليل به، وإليه ذهب ابن مالك في «التسهيل».

الشيء الثاني قال: إن فاعل المصدر يجوز حذفه بخلاف فاعل الفعل، وهذا فرق مهم وجوهري؛ أن المصدر فاعله يجوز حذفه، وأما الفعل فلا.

فاعله لا يجوز حذفه؛ إما أن يكون ظاهراً أو مستتراً. أما المصدر فيجوز أن تحذف الفاعل بالكلية من دون أن تقدر ضميراً مستتراً، لذلك قال: وإذا حذف لا يتحمل ضميره. لا يوجد ضمير مستتر يكون في المصدر، لا نقول هو للفاعل، بل يحذف. يجوز حذف الفاعل للمصدر بالكلية.

ثم قال: واعلم أنه لا فرق في إعمال المصدر عمل فعله بين كونه مضافاً، أو أن يكون المصدر مضافاً، أو مجرداً من ال والإضافة، أو كان مصحوباً مع ال. إذاً عندنا ثلاث حالات: المصدر المضاف، المصدر المجرد من ال والإضافة، والمصدر المصحوب بال.

قال: لكن انظر كلام الأشموني، لكن إعمال الأول كثير؛ الأول هو المصدر المضاف. إعمال الأول يعني المصدر المضاف هو الأكثر عملاً في العربية، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفَعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: 251]. الآن المصدر هو الدفع، دفع يدفع دفعاً، فالدفع مصدر وهو مضاف إلى لفظ الجلالة. فهنا مضاف وعمل النصب في مفعول به، فالناس مفعول به للمصدر. وأين الفاعل يا شيخ؟ لفظ الجلالة المضاف إليه هو فاعل في المعنى؛ فاعل في المعنى وإن كان مضافاً من جهة الناحية الإعرابية، لكنه فاعل في المعنى، والمفعول به الناس، فالناس إعرابها مفعول به للمصدر وهو مضاف.

قال: "والثاني أقيس أن يعمل المصدر" وهو مجرد من ال ومن الإضافة، هو الأقيس، هو القياس. ليه يا ترى؟ قالوا: لأن دخول الإضافة أو ال التعريف على المصدر تجعله يقترب من الأسماء أكثر وأكثر ويبتعد شبهه عن الأفعال، ونحن إنما أعملنا المصدر حملاً على الأفعال وليس على الأسماء. المصدر إنما أعمل قياساً على الأفعال، أليس كذلك؟ فكلما كان أكثر شبهاً بالأفعال كلما كان أقدر على العمل.

فالمصدر الذي هو مضاف أو دخلت عليه ال، الإضافة وال التعريف من خصائص الأسماء، فالمصدر إذا دخلت عليه ال أو الإضافة ازداد شبهاً بالأسماء وابتعد شبهاً عن الأفعال، فعمله ليس قياسياً، ليس هو الأقيس. أما إذا كان مجرداً من ال ومن الإضافة، فهنا يكون شبيهاً بالأفعال لأنه جرد من ال ومن الإضافة، فبالتالي يكون هو الأقيس في العمل.

لكن مع كونه هذا هو الأقيس، لكنه أقل في العربية؛ هذا غريب، مع كونه عمله مجرداً هو الأقيس، لكنه أقل في العربية من إعماله مضافاً. فالأكثر الوارد في السماع أن يعمل مضافاً، ثم يأتي بعده في الرتبة أن يعمل مجرداً، وهذا وإن كان أقيس لكنه أقل استعمالاً من المرتبة السابقة. ومثله بقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا﴾ [البلد: 14-15]. إطعام مصدر أطعم يطعم إطعاماً، والمفعول به كلمة يتيماً؛ فيتيماً مفعول به للمصدر، والمصدر نلاحظ هنا أنه ليس مضافاً وليس مدخولا لأل. ومنه قول الشاعر: بضربٍ بالسيوف رؤوسَ قومٍ. بضربٍ بالسيوف رؤوساً؛ الضرب مصدر، ورؤوساً مفعول به للمصدر.

قال: وإعمال الثالث وهو المصحوب مع أل قليل، كقول الشاعر: ضعيف النكاية أعداءه ... يخال الفرار يراخي الأجل

جميل هذا البيت، قال: ضعيف النكاية أعداءه. المصدر هو النكاية، ونلاحظ أن النكاية دخلت عليها أل التعريف، وأعداءه مفعول به للمصدر. فأعداءه مفعول به للمصدر، والمصدر هنا نلاحظ أنه دخلت عليه أل، وهذا هو أضعف الوجوه: إعمال المصدر وهو مدخول أل. ومنه قول الشاعر: لقد علمت أولي المغيرات أنني ... كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا. مسمعاً مفعول به للمصدر الذي دخلت عليه أل وهو الضرب. ومنه قول الشاعر: فإنك والتأبين عروة ... بعدما دعاك وأيدينا إليه شوارع. فعروة مفعول به للتأبين، والتأبين مصدر دخلت عليه أل. وقد أشار إلى ذلك في النظم بالترتيب، يعني ابن مالك ذكي في المنظومة؛ لما أشار إلى الأكثر فالأقل، لما قال: مضافاً أو مجرداً أو مع أل، بدأ بالأكثر استعمالاً وانتهى بالأقل استعمالاً.

قال هنا تنبيه سريع يقول لك: لا خلاف في إعمال المصدر المضاف، وإن كان في كلام بعضهم ما يشعر بالخلاف، هذا ما ندعه منه، إذاً لا خلاف. قال: "والثاني أي المصدر المجرد أجازه البصريون ومنعوه الكوفيون". نسبة إلى طريقة البصريين، فهذه فائدة مهمة؛ إعمال المصدر المجرد من أل والإضافة هو طريقة البصريين، ومنعوه الكوفيون. فإذا وقع بعد مصدر مجرد اسم مرفوع أو منصوب، عند البصريين يكون هذا الاسم المرفوع فاعلاً أو نائب فاعل، والاسم المنصوب يكون مفعولاً به. أما عند الكوفيين فيقولون لا، لابد أن نقدر فعلاً محذوفاً هو الذي رفع هذا الاسم المرفوع على الفاعلية، أو نصب الاسم المنصوب على المفعولية. يعني عند البصريين الاسم المرفوع أو المنصوب هو فاعل أو نائب فاعل أو مفعول به للمصدر، وعند الكوفيين لابد من أن تقدر فعلاً محذوفاً يكون هو الذي رفع الاسم المرفوع ونصب الاسم المنصوب، فلا بد إذاً من التقدير، وهذا نصره رأي الكوفيين، نصره ابن هشام رحمه الله في بعض مصنفاته.

وأما الثالث وهو المصدر الذي دخلت عليه أل، فالذي أجاز إعماله سيبويه ومن وافقوه، يعني ليس جمهور البصريين بل سيبويه ومن سلك مسلكه، ومنعه الكوفيون وبعض البصريين. المصدر الذي دخلت عليه أل، فهذه إشارة لبعض الخلافات سريعاً، جيد أن يطلع المرء عليها.

ننتقل الآن إلى الشروط، فقال: بسم الله، إن كان فعل مع أن أو ما يحل محله. يعني المصدر الآن، ومن الجيد في الأشموني أنه يحاول يقعد بعض الأفكار؛ يقول الأشموني المصدر إنما يعمل عمل الفعل في موضعين. الموضع الأول سبق معنا في باب المفعول المطلق، وهو المصدر الذي يأتي بدلاً من فعله، المصدر الذي يحل محل فعله في الجملة، فيكون إعرابه مفعولاً مطلقاً ناب عن فعله، كقولك: ضرباً زيداً، أي اضرب ضرباً زيداً؛ فضرباً مفعول مطلق وهو ناب عن فعله، وزيداً مفعول به. ومنه قول الشاعر: ومر معنا كثيراً فندلاً زريق، أي يا زريق (زريق منادى)، فندلاً زريق المال، فالمال مفعول به للمصدر ندلاً الذي هو ناب عن فعله، أي اندل الثعالب أي اختطفه وخذ أخذ الثعالب. ومنه قول الشاعر: يا قابل التوب غفراناً مآثماً. فمآثماً مفعول به للمصدر في هذه الحالة لأن المصدر يعمل، وغفراناً مفعول مطلق ناب عن فعله وهو فعل الأمر اغفر.

المصدر يعمل عمل فعله إن كان نائباً عنه كما سبق، فزيداً والمال والمآثم نصب بالمصدر لا بالفعل المحذوف على الأصح. نصب بالمصدر لا بالفعل المحذوف، البعض قال لا هي منصوبة بفعل محذوف، والصحيح أنها منصوبة بالمصدر.

الحالة الثانية وهي التي يريدها ابن مالك في هذا المكان، يعني الحالة الأولى هي التي سبق أن أشار إليها ابن مالك في باب المفعول المطلق، الحالة الثانية هي التي يتكلم عنها ابن مالك في هذا الباب. قال: والحالة الثانية أن يصح تقديره بالفعل. أي أن المصدر يعمل عمل الفعل بشرط أن يصح انتزاع المصدر من السياق ويقدر في مكانه فعل مع حرف مصدري. ما هو الحرف المصدري؟ قال: بأن يكون مقدراً بأن والفعل، أو بما المصدرية والفعل. قال: وهو المراد هنا، أي هو المراد في هذا الباب، أما الأول فسبق في المفعول المطلق.

متى أختار أن أقدر أن مع الفعل ومتى أختار تقدير ما مع الفعل؟ قال: فتقدر بأن إذا أردت الماضي أو أردت الاستقبال. فتقول مثلاً: عجبت من ضربك زيداً، هنا نلاحظ المصدر الضرب ليس نائباً عن فعله، يعني ليس من الحالة الأولى. بخلاف الحالة الأولى، فندلاً زريق، لا، ندلاً هو مفعول مطلق ناب عن فعله. فالمصدر الذي ينوب عن فعله لابد أن يكون إعراب المصدر مفعول مطلق، هاي انتبهوا لها. يعني متى نعتبر المصدر نائب عن فعله؟ إذا كان المصدر إعرابه مفعولاً مطلقاً وفعله محذوف، هنا يكون المصدر نائب عن فعله. أما هنا المصدر إعرابه مش مفعول مطلق، فبالتأكيد ليس هو نائب عن فعله.

لكن هل يقوى على العمل؟ نعم، إذا وجد الشرط. إن كنا نستطيع أن نسحب المصدر من السياق ونضع مكانه أن المصدرية مع فعل أو ما المصدرية مع فعل. فأنت بتقول لي هنا: طيب ماذا أختار يا شيخ؟ أختار أن يعني متى أختار أن مع الفعل ومتى أختار ما مع الفعل؟ بقول لك: تختار أن مع الفعل إذا كنت تريد الماضي أو المستقبل، لأنه أن إذا دخلت على فعل ماض تدل على المضي، وإذا دخلت أن المصدرية على فعل مضارع تدل على الاستقبال. أن المصدرية لا تدل على الحال إذا دخلت على الأفعال. لأنه أن المصدرية يا أحبابي إما أن تدخل على فعل ماضٍ فتدل على ماضٍ، وإما أن تدخل على فعل مضارع فتقلبة للمستقبل، تمام؟

وأما ما المصدرية فما المصدرية تصلح للدلالة على الماضي وعلى الحال وعلى الاستقبال، تمام؟ لاحظ أنه ما المصدرية تصلح في دخولها مع الأفعال أن تدل على الماضي أو الحال أو الاستقبال. لكن لما كانت أن لا تصلح إلا للماضي أو للمستقبل قالوا خلص نخصص أن للماضي والمستقبل لأنها أدل عليهما، ونخصص ما مع الفعل للدلالة على الحال وإن كانت ما المصدرية تصلح للدلالة على الماضي وعلى المستقبل. لكن لما كانت أن لا تصلح للحال قالوا بدنا نعيد ترتيب الأمور، نقول خلص أن بنفرغها للماضي والمستقبل كونه لا تصلح للحال، وما وإن كانت تصلح لجميع الأزمنة لكن لما كان ما تختص به فعليًا عن أن هو الحال نجعلها للحال. هي هذه الفلسفة، تمام يا أحبابي الكرام؟

فأنت هنا تأتي للفعل أو للمصدر الموجود، فتنظر في سياق الجملة. هل سياق الجملة يتحدث عن ماضٍ ولا عن مستقبل ولا عن حال؟ بتكلم عن ماضٍ عن مستقبل جيب أن، بتكلم عن حال جيب ما. فمثلًا هنا عجبت من ضربك زيدًا أمس، بتكلم عن ماضٍ، قال أمس، إذًا لابد لما أرفع المصدر وهو الضرب من الجملة سآتي بأن مع الفعل الماضي: عجبت من أن ضربت زيدًا أمس. أو إذا كانت مثلًا عجبت من ضربك زيدًا غدًا، بتكلم عن مستقبل، فلابد إذًا أن أقول: عجبت من أن تضرب زيدًا غدًا. طبعاً هنا أنا كيف عرفت أنه في هذه الجملة يصلح أن أنتزع المصدر وأضع مكانه أن مع الفعل المصدري؟ كيف عرفت؟ أه نقول لأنه ما كان مجروراً بمن، يعني هل يصلح في هذا المكان ما كان مجروراً بمن، بحرف جر؟ هل يصلح حرف الجر أن يجر حرفاً مصدرياً مع فعل؟ هل حروف الجر تقوى على أن تجر حرفاً مصدرياً مع فعل؟ قالوا نعم.

فبالتالي إذًا هنا في هذا المكان أستطيع أن أرفع المصدر وأضع مكانه ماذا؟ وأضع مكانه حرفاً مصدرياً مع فعل لأنه في هذا المكان نحوياً ولغوياً يجوز أن يأتي في هذا المكان حرف مصدري مع فعل لأن حروف الجر تدخل على الحروف المصدرية مع أفعالها بكثير أحبابي الكرام. طيب إذًا والتقدير من أن ضربت زيداً أمس أو من أن تضربه غداً. ويقدر بما إذا أريد الحال وعرفنا أنه ما تصلح للماضي والمستقبل والحال لكن خصصناها بالحال لأن أختها أن لا تصلح إلا للماضي والمستقبل، فخصصنا هنا ما بالحال.

فتقول عجبت من ضربك زيداً الآن، هنا ما بينفع تحط أن فلا بد تأتي بما والتقدير عجبت إيش مما تضرب زيداً الآن. عجبت مما تضرب زيداً الآن. فلاحظوا هنا بسم الله، عجبت مما تضرب زيداً الآن. لاحظوا أن هذا الموطن يصلح فيه إتيان بحرف مصدري مع فعل لأن حروف الجر تدخل عليها، فيصلح إذاً أن أرفع المصدر وآتي مكانه بما المصدرية مع الفعل واخترت ما لأن الجملة للحال. فهذه هي الطريقة، تمام؟

فعليك أن تنظر هل أولًا المكان يصلح أن يأتي فيه حرف مصدري مع فعل؟ هيك أول شيء. إن كان يصلح، تبحث ما هو الحرف المصدري الأنسب؟ هل هو أن أم ما؟ فلابد من هذا الترتيب. إذًا أولًا انظر هل هذا المكان يصلح أن آتي فيه؟ هل من طبيعة اللغة جواز أن يأتي فيه حرف مصدري مع فعل؟ إن قلنا نعم، فنبحث ما هو الحرف المصدري الأنسب؟ هل هو أن المصدرية أم ما المصدرية؟ على ما ذكرنا، إن كان للماضي والمستقبل فـ أن، وإن كان للحال فـ ما.

تنبيهات. التنبيه الأول: ذكر ابن مالك في التسهيل مع هذين الحرفين أن المخففة من أن، إذًا في إمكانية لإدخال حرف ثالث. إحنا تكلمنا عن أن المصدرية وما، ابن مالك في التسهيل زاد ثالثًا، وهو أن المخففة من أن، ويا حرف مصدري أيضًا. موصول والحرفي أن لو ما وأن وكي ثم الذي يا من سما. فـ أن المخففة أيضًا قال ابن مالك تصلح مقياسًا في هذا المكان، فتقول علمت ضربك زيدًا. التقدير: علمت أن قد ضربت زيدًا. طيب يا شيخ ليش ما تعتبر هذه أن هنا أن نفسها المصدرية التي تدخل على الأفعال؟ ليش اعتبرتها أن المخففة من أن؟ فنقول هنا لا تصلح أن تأتي أن المصدرية التي تدخل على الأفعال، هنا لازم أن المخففة من أن. لماذا؟ لأنه أن المصدرية لا تأتي بعد الفعل علمت لتسد مفعولي. الفعل علم مر معنا أنه يأخذ مفعولين، فإن لم يأخذ مفعولين، يمكن أن تأتي أن مع اسمها وخبرها فتسد مسد المفعولين، ما فيش حل ثالث. فبالتالي هنا بعد الفعل علم لا يصلح أن نعتبر أن المصدرية لازم نعتبرها أن المخففة من أن، لأنه أن المصدرية لا تستطيع أن تسد مسد مفعولين، بينما أن المخففة من أن هي مع اسمها وخبرها تصلح أن تسد مسد المفعولين، فعرفنا أن هنا علمت أن قد ضربت زيدًا، أنه أن هنا هي أن المخففة من أن. وصلحت، يعني لاحظ أننا أزلنا المصدر علمت ضربك زيدًا. لاحظ أننا أزلنا المصدر ووضعنا مكانه أن المخففة من أن مع اسمها الذي هو الضمير المستكن وخبرها وهو الجملة الفعلية. فهذا أيضًا يصلح معيارًا للمصدر الذي يعمل عمل الفعل، ممتاز، إذا صار عندنا إما ما المصدرية أو أن المخففة من أن.

التنبيه الثاني: ظاهر قوله إن كان كما قال هو بفعله المصدر أحق بالعمل مضافًا أو مجردًا أو مع أل، إن كان فعل مع أن، إن كان هذا شرط، فظاهر الكلام أنه هذا الشرط لازم، بدونه لا يعمل المصدر عمل الفعل. لكنه في التسهيل لم يجعله لازمًا، بل جعل هذا الشرط شرط أغلبي، أي أنه في الأغلب المصدر الذي يعمل عمل الفعل لا بد أن يصلح إزالته ووضع حرف مصدري مع فعل محله، هكذا قال في التسهيل. وقال في شرحه على التسهيل: وليس تقديره، شوف كلام ابن مالك في شرح التسهيل، وليس تقديره، أي تقدير المصدر، بأحد الثلاثة، أي بأحد الحروف الثلاثة، أن المصدرية أو ما أو أن المخففة من أن، وليس تقديره بأحد الثلاثة شرطًا في عمله، ولكن الغالب أن يكون كذلك. طيب إذا معناته في عندك أمثلة هذا المعنى، أنه في عندك أمثلة فيها مصدر هذا المصدر ليس نائباً عن فعله، ليس من الحالة الأولى، ولا يصلح أن أزيله وأضع مكانه حرف مصدري مع الفعل، ومع ذلك عمل هذا المصدر عمل الفعل، لابد أن يكون عندك مثال حتى تقول إنه الشرط أغلبي وليس مضطرد. فقال نعم.

قال فمن وقوعه غير مقدر بأحدها قول العربي: سمع أذني أخاك يقول ذلك، سمع أذني أخاك. فأخاك مفعول به للسمع للمصدر. الآن السمع مصدر، هل يصلح أن أزيله وأضع مكانه ما المصدرية مع الفعل؟ ما بينفعش إنه ما المصدرية لا تأتي في الصدارة، لابد يسبقها شيء. طيب أن المخففة من أن برضه ما بضبط، لابد يسبقها شيء. طيب أن المصدرية، ليست أن المخففة من أن، أن المصدرية، أن المصدرية مع الفعل في الحقيقة تأتي في الصدارة. فجعل هذا المثال المصدر فيه لا يصلح أن يحل محله حرف مصدري في الحقيقة فيه نظر وذكره الصبان عندكم في الحاشية. الصحيح أن في هذا المثال أستطيع أن أزيل سمع أذني أخاك، أستطيع أن أزيل المصدر وأضع مكانه أن مع الفعل الماضي. أن المصدرية مع الفعل الماضي، وأن المصدرية مع الفعل الماضي تصلح أن يصدر بها الكلام. فقوله أن هذا المثال مثال يصلح على مصدر ليس أو لا يصلح أن يأتي مكانه حرف مصدري مع الفعل يحتاج إلى نظر أكثر وأكثر، وظاهر كلام ابن مالك في الألفية أنه شرط ملزم. وإن كان فعلاً كلامه في التسهيل وفي شرحه يدل على أنه ليس ملزماً، فهذه القضية إذاً محل تجاذب.

قال لإعمال المصدر شروط أخرى ذكرها ابن مالك في غير هذا الكتاب. إذاً ابن مالك اقتصر على شرط واحد من شروط إعمال المصدر وهو أن يصلح إزالته ووضع حرف مصدري مع الفعل محله. لكن هل هذا فعلاً هو الشرط الوحيد ولا يوجد شروط أخرى؟ في الحقيقة كلا، ابن هشام اللي بتذكروه في قطر الندى وضع سبعة شروط أو ثمانية شروط. فلا بد إذاً أن نأتي إلى هذه الشروط وهي في الحقيقة ثمانية. شروط إعمال المصدر عمل الفعل ثمانية شروط كما ذكرها ابن هشام في قطر الندى، نعيدها هنا سريعاً. ما هي هذه الشروط؟

طبعاً الشرط الأول هو ما ذكرناه، أن يصلح وضع أن أو ما أو أن المخففة من أن محله. هذا الشرط الأول.

الشرط الثاني: قال لا بد أن يكون مظهراً. لا بد أن يكون المصدر اسم ظاهر، أما إذا كان عندي ضمير يعود على مصدر فالضمير لا يعمل عمل الفعل، الضمير الذي يفسر بمصدر لا يعمل عمل الفعل. فمثلاً لو قلت مروري بزيد حسن وهو بعمر قبيح. مروري بزيد حسن وهو بعمر قبيح. وهو، الضمير هو يفسر بمصدر، يعود على المصدر المذكور في الجملة الأولى. مروري بزيد حسن وهو، أي المرور بعمر قبيح. التقدير المرور بعمر قبيح. هل هو التي تفسر بمصدر مثلها مثل المصدر إذا كان اسماً ظاهراً تعمل عمل الفعل؟ الصحيح لا. الصحيح أن المصدر إذا كان معبراً عنه بضمير لا يعمل عمل الفعل لأن الضمائر لا تقوى على العمل. قال خلافاً للكوفيين. آه، إذاً الكوفيون أجازوا في هذه الحالة إعمال المصدر إذا كان ضميراً. أن لم يعمل خلافاً للكوفيين. وأجاز ابن جني في الخصائص والرماني إعماله في المجرورات وقياسه في الظرف أيضاً يعني ابن جني في كتابه الخصائص والرماني أجازوا إعمال المصدر المعبر عنه بالضمير في المجرور والظروف لأنه يتوسع في الظروف والمجرورات ما لا يتوسع في غيرها فقالوا يصلح أن يكون عاملاً في ظرف أن يكون عاملاً في متعلق، أما أن ينصب مفاعيل أو أن يجر أو يرفع فاعل فهذا لا يقوى عليه. فكأنه ابن جني والرماني ذهبوا إلى رأي متوسط في هذه المسألة وهو قريب مقبول يعني عموماً.

الشرط الثالث: قال أن يكون مكبراً. فالمصادر لا تعمل وهي مصغرة، لماذا؟ لأن التصغير قالوا من خصائص الأسماء، فكأنها تبتعد عن الأفعال وتقترب من الأسماء إذا صغرت.

الشرط الرابع: قال أن يكون غير محدود، يعني أن لا يكون المصدر هو مصدر المرة. وسياتي معنا مصدر المرة، المصدر الذي يدل على عدد مرات الفعل، وفعلت لمرة كجلسة. فلو حد المصدر بالتاء لم يعمل، يعني باختصار مصدر المرة ضربة، جلسة، أكلة، هذه التي تكون آخرها التاء لتدل على المرة. المصادر التي تدل على المرة هذه لا تعمل عمل الأفعال، وأما قول الشاعر يحايي به الجلد الذي هو حازم بضربة كفيه الملا نفس راكبي بضربة كفيه الملا قالوا هنا واضح أن الملا مفعول به للمصدر والمصدر هنا مصدر مرة لأنه قال ضربة بالتاء، ففي هذا المثال

أو في هذا البيت عمل مصدر المرة، ولكنه شاذ ولا يقاس عليه. طيب، الشرط الذي يلي، إذاً نعود قال: أن يكون مظهراً مكبراً غير محدود بالتاء، يعني أن لا يكون مصدر مرة. قال رابعاً: أن يكون غير منعوت قبل تمام العمل.

المصدر إذا كان منعوتاً، أو أي تابع من التوابع، مش شرط النعت، ولذلك هو سيعدل العبارة. سواء كان منعوتاً، أو أي تابع من التوابع، المصدر إذا كان هناك نعت يتعلق به، إذا كان منعوتاً، أو هناك عطف عليه، أو هناك بدل، أو توكيد، إذا اتصل به التابع، لا يستطيع أن يعمل المصدر. إذا اتصل به تابعه فإنه لا يقوى على العمل بعد ذلك، لا يقوى على العمل بعد ذلك، فإذا أردت أن تعمله لابد وأن تفصل التابع عنه، فتعمله ثم تأتي بالتابع، لذلك قال: أن يكون غير منعوت قبل تمام العمل.

فلابد إذا كنت تريد أن تنعت مصدراً وفي نفس الوقت تريد أن تعمله، عليك ألا تستعجل بنعته. اجعل المصدر يعمل في فاعله، في مفعوله، ثم تأتي بالنعت بعد ذلك، فإن نعته ابتداءً أفسدت عليه العمل، لذلك قال: أن يكون غير منعوت قبل تمام العمل، فلا يجوز: أعجبني ضربك المبرح زيداً، هذا ما بينفع، زيداً تقول والله زيداً مفعول به للمصدر، ما يصلح هذا، لماذا؟ لأن المصدر هنا نعت قبل العمل، نعت قبل أن يأخذ مفعوله بالمبرح.

قال: لأن معمول المصدر هو بمنزلة صلة اسم الموصول، وعرفنا أنه الاسم الموصول مع صلته لا يجوز فصلهما عن بعضهما البعض، فكذلك المصدر مع معموله لا يجوز إقحام شيء بينهما، هذا هو القياس. قال: فإن ورد ما يوهم ذلك، أي ما يوهم أن المصدر نعت قبل العمل ثم عمل، فإن ورد ما يوهم ذلك، لا بد وأن تقدر فعلاً بعد النعت يتعلق به المعمول المتأخر. ففي الجملة السابقة: أعجبني ضربك المبرح زيداً، يجب أن أقول: زيداً مفعول به لفعل محذوف تقديره ضربته. أعجبني ضربك المبرح ضربت زيداً، فلا بد أقول: زيداً مفعول به لفعل محذوف تقديره ضربته.

فأما لو نعت بعد تمام عمله، فهذا لا يمنع العمل. والأولى أن يقال: أن يكون غير متبوع بدلًا من غير منعوت، لأن حكم سائر التوابع حكم النعت في ذلك، كما قلت لكم: الأصل أن تكون العبارة: أن يكون المصدر غير متبوع ليشمل النعت وغيره من التوابع.

خامساً: أن يكون مفرداً، فإذا ثني أو جمع فإنه لا يعمل، لأن التثنية والجمع من خصائص الأسماء. وأما قول الشاعر: قد جربوه فما زادت تجاربهم أبا قدامة إلا المجد والفنع، قال: فما زادت تجاربهم أبا قدامة. الآن أبا قدامة، ماذا قال هنا؟ قال: الشاهد في قوله: فما زادت تجاربهم أبا قدامة إلا المجد والفنع، حيث اجتمع عاملان، أحدهما الفعل زادت، والآخر اسم المصدر تجاربهم، وتأخر عنهما معمولان: أبا قدامة والمجد. فالأول مطلوب لكل منهما، والآخر مطلوب لواحد منهما، فالأول في نظرة النحاة يدخل في باب التنازع، وعامله الثاني.

هنا في قضية فيها تنازع حقيقة؛ زادت تجاربهم أبا قدامة إلا المجد والقناعة، فالتجارب يقوى على العمل والزيادة تقوى على العمل، فهنا شيء من التنازع، لكن عموماً ما دمنا جوزنا أن يكون هنا تنازع فمعناتها فإننا جعلنا التجارب وهي جمع تجربة جعلنا التجارب تقوى على العمل، وهذا موطن الشاهد. ما دام حكموا هنا على أن هناك تنازع بين زادت وتجاربهم في طلب أبا قدامة والمجد، فهذا يدل أنهم اعتبروا التجارب عاملة، وإذا قلنا التجارب عاملة فإذاً هي عملت وهي مجموعة، وهذا شاذ.

وقال: وليس من الشروط كونه بمعنى الحال أو الاستقبال. طبعاً هذا الشرط الخامس، أنا سأزيد شرطاً سادساً وسابعاً اكتبوه عندكم. الشرط السادس قال: تقدمه على معموله، فالمصدر الصحيح أنه يجب أن يتقدم على معموله ولا يجوز أن يتأخر معموله عنه، وهذا مبناه كما ذكرنا أن علاقة المصدر بمعموله علاقة اسم الموصول مع صلته، ومعروف أن الصلة لا تتقدم على الاسم الموصول، فكذلك معمول المصدر، يعني المفعول به للمصدر أو الفاعل أو نائب الفاعل، هؤلاء لا يجوز أن يتقدم عليه، فالمصدر لا يجوز أن يتقدم معموله عليه. الشرط السابع: أن لا يكون محذوفاً، فالمصدر لا يعمل محذوفاً على الصحيح، لذلك في بسم الله الرحمن الرحيم ألم يقل بعضهم أن بسم الله الرحمن الرحيم الجار والمجرور متعلق بمصدر محذوف تقديره ابتدائي؟ هذا ضعيف، وسبب ضعفه أنه علق الجار والمجرور بمصدر محذوف، والمصادر لا تعمل وهي محذوفة ولا تصلح أن تكون متعلقات، فلذلك كان الأصوب أن نقول: بسم الله الرحمن الرحيم متعلق بفعل محذوف تقديره أقرأ أو أكتب أو ما شابه ذلك. المهم إذاً لابد وأن يكون مذكوراً غير محذوف. فهذه الشروط الثمانية أحبابي لإعمال المصادر.

ثم قال: وليس من الشروط كونه بمعنى الحال أو الاستقبال. ليس من الشروط حتى يعمل المصدر أن يكون بمعنى الحال أو بمعنى الاستقبال، ليه؟ لأنه نحن لم نعمل المصدر لشبهه بالفعل في الحقيقة أصلاً، بل لأنه أصل للفعل. هذه قضية أريد أن أنبهها، لأن هناك فرق بين المصدر وبين اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعل التفضيل. المشتقات التي ستأتي: اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، أفعل التفضيل، صيغ المبالغة، يقولون هذه إنما عملت لأنها شابهت الفعل في كذا وكذا.

المصدر الصحيح الدقيق أنه لم يعمل لمشابهته الفعل، بل لأنه أصل الفعل. هذه كلمة دقيقة من الأشموني، جيد أن يضبطها الطالب في هذا الباب. قال: ليس من الشروط كونه بمعنى الحال أو الاستقبال. الآن سيأتي معنا أنه اسم الفاعل واسم المفعول إنما يعمل عمل الفعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال إلا في أحوال معينة. الأصل أن اسم الفاعل واسم المفعول إنما يعمل عمل الفعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، هذا لماذا اشترط؟ لأن اسم الفاعل إنما يعمل لمشابهته الفعل المضارع، واسم المفعول إنما يعمل لمشابهته الفعل المضارع، فلابد أن يشابهه في الحال أو الاستقبال، أما المصدر فسر عمله في الحقيقة ليس مشابهة الفعل المضارع، سر عمله أنه أصل للفعل عموماً، فبالتالي لا يشترط في إعماله ما يشترط في اسم الفاعل ونحوه. قال: بخلاف اسم الفاعل فإنه يعمل لشبهه بالفعل المضارع فاشترط في اسم الفاعل كونه حالاً أو مستقبلاً كما سيأتي معنا، لأن الحال أو الاستقبال مدلول المضارع.

الآن سنأتي إلى اسم المصدر، لأن ابن مالك رحمة الله عليه قال: ولإسم مصدر عمل. ابتداءً ما هو تعريف اسم المصدر؟ في الحقيقة اسم المصدر من المصطلحات الشائكة في علم النحو، وفيها جذب ورد وأخذ وعطاء وتختلف آراء العلماء في توصيفه وفي النظرة إليه، لذلك أنا لا أريد أن نذكر كل الآراء والأقوال، نريد أن نضبط قولاً واحداً الذي ذكره الأشموني ونبني عليه الأفكار.

فنقول أحبابي الكرام اسم المصدر كما عرفه الأشموني هو ما ساوى المصدر في الدلالة على معناه. يعني اسم المصدر هو مثل المصدر يدل على الحدث. وخالفه بخلوه لفظاً وتقديراً دون عوض من بعض ما في فعله من الحروف. كذا عرفه ابن مالك في التسهيل. إذا هذا التعريف أخذه الأشموني من كلام ابن مالك في التسهيل. إذا نعيد اسم المصدر هو مثل المصدر في الدلالة على الحدث، لكن إيش الفرق بينه وبين المصدر الحقيقي؟ المصدر الحقيقي أحبابي الكرام ركزوا في هذه الفكرة: المصدر الحقيقي لابد وأن يحتوي على حروف فعله، لا بد وأن يحتوي على حروف فعله كاملة، فإن حذف من المصدر الحقيقي حرف من حروف الفعل، فإما أن يكون مقدراً هذا الحرف فيه، أو عوض عنه بشيء آخر.

أعيد، حتى نفرق بين المصدر الحقيقي واسم المصدر، هذه تحتاج إلى كتابة. المصدر الحقيقي هو الذي يدل على الحدث، واسم المصدر أيضاً يدل على الحدث. لكن ما الفرق بينهما؟ بتقول: المصدر الحقيقي لابد أن يحتوي على حروف فعله كاملة، فإن حذف حرف من حروف الفعل من المصدر، فإما أن يكون مقدراً أو تم التعويض عنه، لابد من واحد من هذين الصورتين. إذاً المصدر الحقيقي هو الذي يحتوي على حروف فعله كاملة. الآن كل مصدر لابد أن تكون تعرف فعله، وهذا سيأتي معنا في أبنية المصادر، سنعرف أنه هذا المصدر والله هو للفعل الرباعي كذا، هذا المصدر للفعل الخماسي كذا، هذا المصدر للفعل الثلاثي كذا.

فتأتي أنت تنظر فتقول هذا هو الفعل وهذا مصدر الفعل، لابد أن يكون المصدر الحقيقي محتوياً على جميع أحرف الفعل، ما عندنا مشكلة أن يكون محتوياً عليها وزيادة، لكن المهم أن يحتوي على جميع أحرف الفعل. فإن حذف حرف من حروف الفعل من المصدر، فعندك أمران: إما أن يكون محذوفاً لكنه مقدر فيظهر في بعض السياقات، أو يتم حذفه فعلياً لكن يتم التعويض عنه.

أما اسم المصدر فتقول: لا يحتوي على جميع حروف فعله، بل يكون ناقصاً عنها لفظاً وتقديراً من دون تعويض. اسم المصدر لا يحتوي على جميع حروف فعله، بل سقطت بعض حروف الفعل من اسم المصدر، وهذه الحروف التي سقطت ليست مقدرة ولم يتم التعويض عنها، لأنه إذا كانت مقدرة أو تم التعويض عنها ما بيكون اسم مصدر، بيكون مصدر. اسم المصدر لا يحتوي على جميع حروف فعله، بل يكون ناقصاً عنها نقص منه بعض حروف الفعل لفظاً وتقديراً ولم يعوض عنه.

نأخذ مثلاً: لما نقول أنبت إنباتاً ونباتاً. أيهما المصدر الحقيقي وأيهما اسم المصدر؟ بتقول لي: إنبات، هل تحتوي على جميع حروف الفعل؟ الهمزة موجودة، النون موجودة، الباء موجودة، والتاء موجودة، إذا هذا يحتوي على جميع أحرف الفعل، إذا هذا مصدر حقيقي. طيب نبات؟ الهمزة موجودة في الفعل لكنها مش موجودة في نبات، إذا هذا لا يمكن أن يكون مصدراً وإنما هو اسم مصدر. فإذا جاء نبات في محل المصدر، تقول نبات اسم مصدر لأنبت وليس هو المصدر الحقيقي له. لذلك لما ربنا قال في سورة نوح: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: 17]. هسه نباتاً مفعول مطلق، بس هي في الواقع مش المصدر الحقيقي لأنبت، هي اسم المصدر له، وكلاهما يدل على الحدث. لكن يقول بعضهم أن اسم المصدر صحيح يدل على الحدث لكن له خصوصية في الدلالة على الذات أكثر. فكلمة نبات كما تلاحظون فيها دلالة على الذات والأعيان أكثر من الإنبات، الإنبات يدل على الحدث مجرداً، لكن النبات فيه دلالة على الحدث لكنه يأخذك أيضاً للدلالة على ذات وعين، فالنبات يدل على ذلك الشيء المحسوس الذي نراه في حياتنا، وهذا قسه في سائر الأمور. لذلك البعض قال اسم المصدر فيه دلالة وإشارة إلى الذات، فهو لم يتمحض في الدلالة على الحدث.

طيب، نأخذ مثالاً آخر: أعطى، سنأخذ أن مصدرها إعطاء، لكن أحياناً يقولون أعطى عطاءً، هكذا تسمع في بعض السياقات. فنقول أيهما المصدر الحقيقي وأيهما اسم المصدر؟ الآن أعطى إعطاء، الهمزة موجودة والعين والطاء، الألف التي في أعطى هي الهمزة التي بعد ألف المصدر هي ألف المصدر، هي زيادة. فنلاحظ أن عطاء ينقصها الهمزة التي في البداية، فإذاً لا تصلح عطاءً أن تكون مصدراً حقيقياً وإنما تقول اسم مصدر، لأنها لم تحتوِ على جميع الأحرف، ولاحظ أن الحرف الذي حذفناه من عطاء محذوف لفظاً وتقديراً، لا يظهر أبداً في سياق ولم يعوض عنه بشيء.

طيب أعطينا مثالاً يا شيخ على حرف تم حذفه وعوض عنه؟ إذاً أحبابي الكرام، لو قلت قاتل قتالاً، قتالاً هل هي مصدر حقيقي أم اسم مصدر؟ بدك تشوف هل تحتوي على جميع حروف الفعل أم لا؟ نقول القاف موجودة، والتاء موجودة، واللام موجودة. الألف في قاتل هل هي موجودة في قتال؟ عند التحقيق العلمي لا، هي ليست موجودة.

الألف موجودة في قتال، ما شاء الله. موجودة، ونقول لك لا. في الحقيقة الألف التي في قتال هذه ألف المصدر؛ لأنه ما كان على فاعل فمصدره فعال. فالألف في فعال هي ألف المصدر، ألف أتي بها للمصدر وليست الألف التي في الفعل نفسه. إذًا أين الألف التي في الفعل نفسه؟ وأين هي في المصدر؟ ليست موجودة، حذفت.

هنا يستعجل الطالب ويقول: إذًا قتال لا تحتوي على جميع أحرف الفعل، ما دمنا اعتبرنا أن الألف التي في قاتل ليست موجودة في قتال، والألف التي في قتال هي ألف مصدرية لا علاقة لها وليست هي نفس الألف التي في الفعل. إذًا المصدر هنا ناقص، لم يحتوي على جميع أحرف الفعل. أقول: صحيح ناقص، لكن الحرف المحذوف مقدر.

طيب كيف عرفنا أنه مقدر؟ قالوا بدليل ظهوره في بعض السياقات، هذا هو الدليل الوحيد أن يذكر في بعض السياقات، فقالوا في بعض السياقات تقول العرب: قاتل قيتالًا. في بعض السياقات سُمع أن العرب تقول قاتل قيتالًا، هي الياء من أين جاءت؟ هذه الياء هي نفسها الألف التي في الفعل، لكن لماذا انقلبت ياءً لعلة تصريفية وهي انكسار ما قبلها؟ قلبت الألف إلى ياء. فلما سُمع في بعض كلام العرب قيتالًا بالياء عرفنا أن الحرف المحذوف في قتال مقدر بدليل ظهوره في بعض السياقات. فهمتم كيف يكون مقدرًا؟ فإذا تكون قتالًا مصدرًا حقيقيًا؛ لأن الحرف المحذوف مقدر ويظهر في بعض السياقات.

طيب نأتي على محذوف وتم التعويض عنه. نأخذ مثالًا مثلاً وعد. وعد ايش مصدرها؟ عدة. وعد عدة. طيب هل هذا مصدر أو اسم مصدر؟ بنشوف هل يحتوي على حروف الفعل ولا لا يحتوي؟ الواو موجودة في الفعل، أها مش موجودة في المصدر. إذًا هذا مش مصدر. يستعجل الطالب ويقول لك هذا اسم مصدر. بنقول له لا تستعجل، كمل شوي معي. العين موجودة؟ قال لك موجودة. الدال موجودة؟ قال لك موجودة. التاء هذه من أين أتت طيب التي في المصدر؟ قالوا هذه التاء هي عوض عن الواو. آه إذًا هنا صحيح حُذف حرف من الفعل في المصدر، لكن عُوض عنه بحرف آخر. فهذا يبقى مصدرًا ولا ينزل إلى اسم المصدر؛ لأن الحرف المحذوف تم التعويض عنه. فعدة تعتبر مصدرًا حقيقيًا؛ لأن الحرف المحذوف تم التعويض عنه بالتاء فلا ينزله هذا إلى اسم المصدر. هذه هي الفكرة باختصار.

لا بد لاسم المصدر أن تُحذف بعض الأحرف لفظًا وتقديراً فلا تظهر في شيء من السياقات ولا يعوض عن الحرف المحذوف بشيء. هكذا ننتج اسم مصدر. فهمنا يا أحبابي الكرام؟ طيب.

قال الأشموني: فخرج نحو قتال، فإنه أي قتال لا يعتبر اسم مصدر بل يعتبر مصدرًا. قال: فإنه خلا من ألف قاتل صحيح، لكنه خلا منها لفظًا لا تقديرًا، بدليل النطق بها في بعض المواضع، فيقولون قاتل قيتالًا، ومثلها ضارب، الآن تقول بضرابًا، فهذا يدل على أن فاعل فعال في بعض المواطن يجوز أن تُمَد فتأتي بفعال. قال: لكن هذه الألف انقلبت ياءً لانكسار ما قبلها، هذا فهمناه. ونفس الشيء نحو وعد، فإنه وإن خلا من واو وعد لفظًا وتقديرًا، أكيد، لكنه عُوض عنها بالتاء المربوطة في الآخر، فبالتالي هما مصدران لا اسما مصدر.

بخلاف وضوء وكلام، من قولك مثلًا توضأ محمد، لو قلت: توضأ وضوءًا، أو وضوء، واضح أنه اسم مصدر، ليه؟ لأنه التاء التي في الفعل توضأ مش موجودة في وضوء، التاء مش موجودة، ولم يُعوض عنها بشيء. فهذا مباشر يعتبر اسم مصدر. ونفس الشيء تكلم، الآن تكلم مصدرها الحقيقي تكلم تكليماً. لو قلت: تكلم كلامًا، آه، كلام اسم مصدر لتكلم، مش مصدر؛ لأنه التاء الموجودة في الفعل مش موجودة في المصدر. ممتاز. قال: فإنهما اسما مصدر لا مصدران؛ لخلوهما لفظًا وتقديراً من بعض ما في فعلهما، وحق المصدر أن يتضمن حروف فعله بمساواة، فلا يزيد عنها شيئًا، مثل توضأ توضؤًا، أو يمكن أن يزيد عنها كما قال: أعلم إعلامًا، فهنا احتوى حروف الفعل وزيادة، هذا ما فيه مشكلة، أهم شيء أنه حتى نصنفك أنك مصدر ولست اسم مصدر، لا بد تحتوي جميع حروف الفعل مساوية لها، أو مع زيادة.

ثم اعلم أن اسم المصدر على ثلاثة أنواع. النوع الأول اسم مصدر أصبح علمًا في لسان العرب، مثل يسار وفجار وبرة. مش هي مرت معنا أنها أعلام أجناس؟ مرت معنا في علم الجنس. ومثل إيه؟ مثله برة للمبرة، وكذا فجار علم للفجرة. فقالوا فجار وبرة هي علم جنس، وهي في الحقيقة قبل أن تصبح علم جنس كانت اسم مصدر للفعل أفجر وأبر. ففجار هي اسم مصدر للفعل أفجر. ولاحظ أنه اسم مصدر لأنه فعلًا لا تحتوي على حروف الفعل، وبرة هي اسم مصدر لأنها لا تحتوي على أحرف الفعل أبر. ففجار وبرة قبل أن تصبح أعلام أجناس هي كانت أسماء مصادر لأفعال، ثم أصبحت بعد ذلك أعلام أجناس. هذا النوع اسم المصدر الذي أصبح خلاص علم جنس، هذا لا يعمل اتفاقًا؛ لأنه خلاص بعيد عن موضوع الأفعال، موضوعه خلاص أصبح أعلامًا، كأنه علم من الأعلام. والأعلام زيد وعمرو وبكر، هل هذه تقوى على أن تعمل عمل الفعل؟ لا تقوى على أن تعمل عمل الفعل. فإذن اسم المصدر إذا أصبح علمًا هذا لا يعمل، فلا يكون داخلًا في كلام ابن مالك.

النوع الثاني المصدر الميمي. هنا نلاحظ أن الأشموني رحمة الله عليه اعتبر المصدر الميمي شكلًا من أشكال اسم المصدر، وفي الحقيقة كثير من النحاة لا يجعل المصدر الميمي نوعًا من أنواع اسم المصدر، وهذا أنا أجده أضبط لطالب العلم، أنك تفصل موضوع المصدر الميمي عن موضوع اسم المصدر. ابن مالك والأشموني عفواً هنا جعلا المصدر الميمي نوعًا من أنواع أسماء المصادر. لكن كما قلت كثير من النحاة له قسمة أخرى، فلا يعتبر المصدر الميمي نوعًا من أنواع اسم المصدر. لا يعتبر المصدر الميمي نوعًا مستقلًا من أنواع المصادر. يقول المصادر إما مصدر قياسي وإما مصدر ميمي وإما اسم مصدر. يجعلها ثلاثة. لكن هنا كما قلنا الأشموني مشى على طريقة أخرى، جعل المصدر الميمي داخلًا تحت ماذا؟ تحت اسم المصدر. قال: وذي ميم مزيدة لغير المفاعلة. لأنه في الميم التي تدخل على مصدر الفعل فاعل مفاعلة، ضارب مضاربة، شارك مشاركة، هذه الميم ليست ميمًا خاصة بهذا البناء للمصادر، فليست داخلة تحت المصدر الميمي، هي ميم تزاد في بداية المصادر.

المصدر الميمي هو مصدر في بدايته ميم، مصدر يصاغ بصيغة معينة في بدايته ميم. كيف يصاغ المصدر الميمي؟ كما ذكرنا في نظم المقصود عندما تعلمناه سابقاً، المصدر الميمي له طريقة عندما يصاغ من الثلاثي وله طريقة عندما يصاغ من فوق الثلاثي. الآن المصدر الميمي إذا كان من فعل من أربع أحرف فصاعداً فوق ثلاثي، المصدر الميمي يشتق أو يصاغ مثل اسم المفعول. المصدر الميمي من الأفعال التي هي فوق الثلاثي مثل اسم المفعول، ميم مضمومة في الأول مع فتح ما قبل الآخر. فكيف تقول مثلًا؟ استخرج، ما اسم المفعول؟ مستخرج. مستخرج يأتي اسم مفعول ويصلح أن يكون مصدرًا ميميًا. فالمصدر الميمي أحبابي مما فوق الثلاثي هو مثل اسم المفعول، نفس الشيء. ميم مضمومة في الأول مع فتح ما قبل الآخر. طيب كيف يا شيخ بدي أميز بينه وبين اسم المفعول؟ من خلال السياق.

وأما المصدر الميمي من الثلاثي فله صيغ. قال صاحب النظم المقصود: ميم الثلاثي إن يكن من أجوف صحيح أو مهموز أو مضاعف، أتاك مفعل بفتحتين، وشذ منه ما بكسر العين. فالمصدر الميمي من الأفعال الثلاثية إذا كان الفعل الثلاثي معتلًا أجوف أو صحيحًا بجميع أنواع الصحيح المهموز والمضاعف والسالم، يكون على وزن مفعل. ويقل على وزن مفعل، شاذ. ميم الثلاثي إن يكن من أجوف صحيح أو مهموز أو مضاعف أتاك مفعل بفتحتين وشذ منه ما بكسر العين. وأما ما كان مما سوى ذلك فيأتي على وزن مفعل. فباختصار المصدر الميمي من الثلاثي إما أن يكون على وزن مفعل، وإما أن يكون على وزن مفعل، والمصدر الميمي من فوق الثلاثي يكون على حال اسم المفعول.

فهذه وضعية معينة، هذا الأصل، المصدر الميمي شكل معين من أشكال المصادر، له حكمه الخاص به. الآن هل المصدر الميمي يعمل عمل الفعل؟ إيش قال؟ قال: وذي ميم زائدة كالمضرب والمحمدة. وهذا يعامل معاملة المصدر اتفاقًا، أي أنه يعمل عمل المصادر بالاتفاق. ومثل له بقوله: أظلوم إن مصابكم رجلًا أهدى السلام تحية ظلم. لاحظ مصابكم، مصاب ما هي أحبابي؟ الآن في بادئ الأمر ممكن الطالب يقول لك يا شيخ مصاب اسم مفعول. أقول صح، هذه الصيغة مصاب تصلح أن تكون اسم مفعول وتصلح أن تكون مصدرًا ميميًا؛ لأن هنا عندنا فوق ثلاثي. عندنا فوق ثلاثي فيشترك اسم المفعول والمصدر الميمي، بل حتى أيضًا اسم الزمان والمكان كلها تشترك في الصياغة، وإنما التمييز بينها يكون من خلال قرائن السياق.

فقال: والتقدير هنا أظلوم إن مصابكم رجلًا، مصاب هنا مصدر ميمي أوضح من أن تكون اسم مفعول؛ لأن التقدير أظلوم إن إصابتكم رجلًا. المصدر الميمي هو الذي يصلح أن تنزعه وتضع مكانه مصدرًا حقيقيًا. فهنا هل يصلح أن أزيل مصابكم وأضع مكانها الإصابة المصدر الحقيقي ويكون السياق هو الأسلم؟ نعم. فالسياق كما تلاحظ أظلوم إن مصابكم رجلًا ظلم، آه الأنسب أن يكون التقدير إن إصابتكم رجلًا. فهنا إذًا هذه مصدر ميمي وليست اسم مفعول. ونلاحظ أنها عملت عمل المصدر الحقيقي فنصبت رجلًا على أنه مفعول به.

قال: والاحتراز بغير المفاعلة من الميم التي تدخل على المفاعلة، فهذه ليس لها علاقة بما نحن فيه، ليس من المصدر الميمي بل المفاعلة مصدر قياسي للفعل فاعل مفاعلة كما سيأتي معنا. فهذا مصدر حقيقي. قال: وأما غير هذين، آه إذًا اسم المصدر إما أن يكون علمًا، أو مصدر ميمي (هو جعل المصدر من اسم المصدر)، وإما أن يكون غير هذين. غير هذين اللي هي الحالة الثالثة وهي مراد الناظم هنا. قال: فهذا في إعماله خلاف. لذلك ابن مالك نبه عليه فقال: والاسم مصدر عمل، فيه خلاف؛ فمنعه البصريون وأجازه الكوفيون والبغداديون. وإذًا ابن مالك هنا كأنه يجنح إلى رأي المدرسة الكوفية والبغدادية. وهذا يؤكد لنا أن ابن مالك مرجح ومجتهد وليس متبعًا دائمًا للمدرسة البصرية.

ومنه قول الشاعر، الحالة الثالثة اللي هي زي أنبتكم نباتًا أعطى عطاءً. هذه هي الحالة الثالثة وهي الحقيقة التي نسميها اسم مصدر ونتعامل معها على أنها اسم مصدر واهتمت بتعريفها، أما المصدر الميمي فهذا كما قلت لا يشغلكم، وكذلك اسم المصدر إذا جاء علمًا هذا لا يشغلكم، اهتموا باسم المصدر بالمعنى الثالث. ومنهم قول الشاعر: أكفرًا بعد رد الموت عني وبعد عطائك المئة الرتاع. قلنا عطاء ليس هو المصدر القياسي الآن العطاء فعله أعطى، لكن هل هو المصدر القياسي له؟ لأنه أعطى إعطاء، أما أعطى عطاءً زي ما شرحنا قبل شوي على الشاشة واسم مصدر؛ أنه يقل حروفه عن حروف الفعل. ومع ذلك هنا لاحظ أنه عطاء معناه اسم مصدر لكنها عملت عطائك المئة، فالمئة مفعول به ثانٍ حتى يعني ليس مفعولًا به الأول، هو مفعول به الثاني للعطاء.

ومنه قول الشاعر: بعشرتك الكرامة تعد منهم. بعشرتك الكرام، الآن العشرة هنا هي في الحقيقة اسم مصدر للفعل، ما الفعل المراد هنا؟ عاشر، الفعل هو عاشر، مصدره عاشر معاشرة، آه فاعل فعال عاشر معاشرة، فمعاشرة تحتوي على كل أحرف عاشر، ممتاز. عاشر معاشرة، وأما عاشر عشرة، آه عشرة لا تحتوي على جميع أحرف عاشر، عشرة لا تحتوي على جميع أحرف عاشر، والتاء التي في آخر عشرة ليست تعويضًا عن الألف التي في عاشر، بالتالي تعتبر العشرة اسم مصدر لعاشر ومع ذلك عملت بعشرتك الكرامة، فالكرام مفعول به.

وقالوا مثل بيته: قالوا كلامك هندًا وهي مصغية، يشفيك قلت صحيح ذاك لو كان. كلامك هندًا، الكلام هنا اسم مصدر للفعل كلّم، كلّم مصدره الحقيقي تكليم، وهنا أتى باسم المصدر لها كلام. ومع ذلك أعمله فقال: كلامك هندًا. والذي يلي قال: لأن ثواب الله كل موحد. ثواب اسم مصدر لأثاب، أثاب مصدرها إثابة. أما أثاب ثوابًا آه نلاحظ أن اسم المصدر لا يحتوي على جميع أحرف الفعل، الهمزة مش موجودة، فهي اسم مصدر لأثاب، الثواب اسم مصدر لأثاب، ومع ذلك عمل. لأن ثواب الله كل موحد. وقول عائشة رضي الله عنها: من قبلة الرجل زوجته الوضوء. قبل ما مصدرها الحقيقي؟ تقبيل. والإتيان بقبلة مكان التقبيل هذا اسم مصدر، فقبلة اسم مصدر لقبّل، فبالتالي تكون زوجته مفعول به لاسم مصدر. طيب بإعمال اسم المصدر قليلًا، حتى لو قلنا أنه يعمل على رأي الكوفيين والبغداديين، واختاره ابن مالك. لكنه قليل، بل كما قلنا البصريون يمنعونه، وقال الصيمري: إعماله.

شاذ. وقد أشار الناظم إلى قلة عمله في المنظومة لما قال: ولاسم مصدر عمل. هذا القول: ولاسم مصدر عمل؛ يدل على أن إعماله قليل.

ثم قال: وبعد جره الذي أضيف له كمل بنصب أو برفع عمله. يقول: اعلم أن للمصدر المضاف خمسة أحوال. الآن سيتكلم بتخصصية عن المصدر المضاف بالتحديد.

كلامنا الآن سينصب على المصدر المضاف. يقول لك: المصدر المضاف لما يعمل له خمس صور. الحالة الأولى أن يضاف إلى فاعله؛ أن يكون المضاف إليه هو الفاعل، ثم يؤتى بمفعوله كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: 251]، هذه واضحة.

الحالة الثانية العكس، أن يضاف إلى مفعوله ويأتي الفاعل هو المرفوع، تقول: أعجبني شرب العسلِ زيدٌ؛ فزيد فاعل للشرب، والمصدر مضاف إلى المفعول، لأن العسل هو المشروب وزيد هو الشارب. ومنه قول الشاعر: أفنى تلادي وما جمعت من نشب، قرعُ القوازيزِ أفواهَ الأباريقِ؛ أي شرب للخمور. القوازيز هي القدح التي يشرب بها، وأفواه الأباريق هي التي يصب بها الخمر، فالذي يقرع هو الأفواه، فهي التي تقرع القدح حينما تصب فيها، فالمرفوع هو الفاعل، وأضاف المصدر -وهو القرع- إلى المفعول به.

ومنه قول الشاعر: تنفي يداها الحصى في كل هاجرة، نفيَ الدراهمِ تنقادُ الصياريفُ؛ النفي مصدر، والدراهم مفعول به لكنها جاءت مضافاً إليه، وتنقاد الصياريف هذا هو الفاعل؛ أي كأنه يريد أن يقول: نفي تنقاد الصياريف الدراهمَ. التنقاد هو النقد والنظر فيها، والصياريف يأخذون الدراهم وينقدونها ليميزوا المزيف منها من غير المزيف. وهذا ليس مخصوصاً بالضرورة خلافاً لبعضهم، ففي الحديث: «وحجُّ البيتِ من استطاع إليه سبيلاً»؛ فـ «من» اسم موصول فاعل للمصدر وهو الحج، والبيت المضاف إليه هو المفعول به، فأصل البيت فعل المفعول به لكنه أتي به مضافاً إليه.

الحالة الثالثة أن تأتي بالمصدر مضافاً إلى فاعله وتحذف المفعول به، وهذا يهتم به البلاغيون أكثر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [التوبة: 114]، فاستغفار إبراهيم ذكر المضاف إليه، والمضاف إليه هو الفاعل في المعنى، ولم يذكر مفعولاً به. ومنه قوله: ربنا وتقبل دعائي، دعاء مصدر وأضيف إلى الفاعل، لكن ما المفعول به؟ ما هو الدعاء؟ لم يذكر.

الحالة الرابعة العكس، أن يضاف إلى المفعول ولا يذكر الفاعل أبداً، ومن قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: 49]، هاهنا الدعاء مصدر أضيف إلى المدعو وهو الخير، وحذف الفاعل للدعاء. الحالة الخامسة أن يضاف المصدر إلى الظرف، فيرفع وينصب كالمنون؛ أي فيرفع فاعلاً وينصب مفعولاً به، أعجبني انتظارُ يومِ الجمعةِ زيداً عمراً؛ فزيد فاعل للانتظار وعمراً مفعول به.

فقوله: وبعد جره الذي أضيف له، أي بعد أن تجر المضاف إليه، كمل بنصب أو برفع عمله؛ أي إن أحببت. أنا مش شرط بعد أن يأتي المصدر وبعده مضاف إليه أن أذكر المفعول أو المرفوع؛ فلا، فأنا ممكن آتي بالمصدر وأضيفه إلى الفاعل أو المفعول به ولا آتي بعد ذلك بمرفوع ولا منصوب. فقوله: كمل بنصب أو برفع عمله معناه إن أحببت، إن أردت، لما عرفت أن ذلك ليس ملزماً لك.

البيت الأخير ثم قال: وجر ما يتبع ما جر، ومن راعى في الاتباع المحل فحسن. الآن قضية الاتباع، إذا أضفت المصدر إلى فاعله وأردت أن تنعت هذا الفاعل، أو أضفت المصدر إلى مفعوله وأردت أن تنعت هذا المفعول، فهل يكون النعت تبعاً للفظ فيكون النعت مجروراً لأن متبوعه مجرور، أم يجوز أن أنعت بنعت مراعياً المحل؟ فأقول: المضاف إليه المجرور محله في الأصل فاعل فآتي بالنعت مرفوعاً، أو يكون المضاف إليه في الأصل مفعولاً به منصوباً فآتي بالنعت منصوباً مراعاة للمحل.

فابن مالك يقول: وجر ما يتبع ما جر، يعني التابع سواء كان نعتاً، كان عطفاً، كان بدلاً، تابع يشمل كل أنواع التوابع، جر أيها الطالب التابع الذي يتبع المجرور؛ أي يتبع المضاف إليه، هذا هو الأصل أكيد. لكن ومن راعى في الاتباع المحل فحسن، أي ومن لم يحب الجر وأراد أن يراعي في التبعية المحل فهذا حسن جائز.

فالمضاف إليه المصدر إن كان فاعلاً فأكيد محله في الأصل الرفع، وإن كان مفعولاً فمحله النصب. قال الأشموني: وجر ما يتبع ما جر مراعاة للفظه وهو الأحسن؛ أي أن يكون النعت مجروراً تبعاً للمضاف إليه، فهذا الأصل وهو الأفضل. ولكن من راعى في الاتباع المحل فحسن، فالمضاف إليه للمصدر إن كان فاعلاً فأكيد محله في الأصل الرفع، وإن كان مفعولاً فمحله النصب.

تقول مثلاً: عجبت من ضرب زيدٍ الظريفِ بالجر؛ فتقول الظريف بالجر تبعاً لزيد لفظاً، وإن شئت قلت الظريف بالرفع بناءً على أن زيداً هو الفاعل من جهة المعنى. ومنه قول الشاعر: طلبُ المعقبِ حقَّه المظلومُ؛ فرفع المظلوم على الإتباع لمحل المعقب، فالمعقب هو المنعوت والنعت المظلوم، ونلاحظ أن النعت جاء مرفوعاً وليس مجروراً.

وتقول: عجبت من أكل الخبزِ واللحمِ، ويجوز أن تقول: عجبت من أكل الخبزِ واللحمةِ، فالجر على اللفظ والنصب على المحل. والظاهر الجواز لورود السماع، وأما التأويلات التي تأول بها سيبويه وأنصاره ما سبق فمتكلف ظاهر خلاف الظاهر.

أما الخاتمة فهذه لا أطلبها منكم وأدعها لكم لأنها ليست في صلب موضوعنا، يتزود منها الطالب إن أحب. وهذا نهاية مجلس اليوم بإذن الله، المحاضرة القادمة نشرع في باب جديد وهو باب إعمال اسم الفاعل، فترقبوا وتجهزوا يرعاكم الله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.