بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد لنعقده في مدارسة ألفية ابن مالك في النحو والصرف، نسأل الله الإعانة والتوفيق. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
تكلمنا في المحاضرة السابقة عن تقسيم الأسماء من حيث ملازمتها للإضافة، وعرفنا أن هناك أسماء لا تضاف أبداً، وأسماء تضاف أبداً، وأسماء وهي الأصل يمكن أن تضاف ويمكن أن تفرد عن الإضافة. وشرعنا في الأسماء التي هي ملازمة للإضافة تبعاً لابن مالك رحمة الله عليه؛ فعرفنا أن الأسماء الملازمة للإضافة منها ما يضاف إلى الجمل، ومنها ما يضاف إلى المفرد. فتكلمنا عن بعض الأدوات التي تضاف إلى الجمل مثل «حيث» و«إذ»، وعرفنا أنها تضاف إلى الجمل اسمية أو فعلية. وتكلمنا عن «إذا» وعرفنا أنها تضاف إلى الجملة الفعلية، وألحقنا بها «لما»، وتكلمنا أيضاً عن شيء من الأسماء التي تضاف إلى المفردات، وعرفنا أن هذه تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ما يضاف إلى المضمر والظاهر، ما يضاف إلى الضمير فقط، وما يضاف إلى الظاهر فقط.
عرفنا ما يضاف إلى المضمر فقط، وهي على نوعين: ما يضاف إلى جميع الضمائر وهي كلمة «وحد»، تقول: وحدي، وحدك، وحده. وما يضاف إلى ضمير المخاطب فقط وهي «لبيك» وأخواتها، وعرفنا كيف نعربها. وأما ما يضاف إلى الظاهر فقد سبق أن أشرنا إليه فيما تقدم من الألفية وهي أربع كلمات: «ذو» و«ذات» و«أولو» و«أولات» التي هي بمعنى صاحب وصواحب.
اليوم سينقلنا ابن مالك للحديث عن بعض الأسماء الملازمة للإضافة إلى المفرد التي تضاف إلى ظاهر وإلى مضمر. بدأ رحمة الله عليه بماذا؟ بدأ بـ «كلتا» و«كلا»، فقال: لمفهم اثنين معرف بلا تفرق أضيف كلتا وكلا.
لاحظوا في هذا البيت يتكلم ابن مالك عن شروط الإضافة في «كلا» و«كلتا». طبعاً نحن تكلمنا عن «كلا» و«كلتا» إذا تذكروا أحبابي الكرام في باب الملحق بالمثنى، الآن نتكلم عنها في باب الإضافة باعتبار ما هي شروط الإضافة فيها؟ فذكر ابن مالك ثلاثة شروط فقال: لمفهم اثنين معرف بلا تفرق أضيف كلتا وكلا. إذن «كلا» و«كلتا» حتى تضاف أو عندما تضاف يجب استيفاء ثلاثة شروط. الشرط الأول: لابد وأن يكون المضاف إليه معرفة، فلا تضاف إلى النكرات. ثانياً: لابد أن يكون المضاف إليه يدل على اثنين، وسيأتي معنا إما بالنص وإما بالاشتراك. الشرط الثالث: أن يكون كلمة واحدة، أن يكون الاسم الدال على الاثنين المضاف إليه كلمة واحدة لا أكثر من ذلك.
فهذه ثلاثة شروط: لمفهم اثنين معرف بلا تفرق، كلمة واحدة، أضيف كلتا وكلا. نقول: كلتا الجنتين، كلا الرجلين، كلا الفتاتين. فلاحظ أنت هنا لما تقول: كلتا الفتاتين، أنت أضفت إلى معرف يدل على التثنية وكلمة واحدة، وليست التثنية مفهومة من العطف، فهي كلمة واحدة مثنى معرفة، فمثل هذا إليه يضاف «كلا» و«كلتا». دعونا ننظر فيما قاله الأشموني عليه رحمة الله لنختصر على أنفسنا المسافة، قال: لمفهم اثنين معرف بلا تفرق أضيف كلتا وكلا، أي مما يلزم الإضافة «كلا» و«كلتا»، ولا يضافان إلا لما استكمل ثلاثة شروط.
أولها التعريف، فلا يجوز «كلا رجلين» بالتنكير ولا «كلتا امرأتين»، خلافاً للكوفيين في إجازتهم إضافتهما إلى النكرة المختصة. الكوفيون جوزوا إضافة «كلا» و«كلتا» إلى النكرات بشرط أن تكون نكرة مختصة أي نكرة موصوفة، كقولك مثلاً: كلا رجلين عندك قائمان، وهنا «كلا رجلين»، «رجلين» نكرة لكنها خصصت بالصفة وهي «عندك»، فعندك ظرف نعت لرجلين، وحُكي «كلتا جاريتين عندك مقطوعة يداها»، فهنا «جاريتين» مخصوصة بالوصف بالظرف، فمثل هذا جائز عند الكوفيين، لكن ما اختاره ابن مالك لا يجوز، لابد أن يكون معرفة.
الشرط الثاني قال: الدلالة على اثنين، إما بالنص: أن يكون النص يدل على التثنية، نحو: كلاهما جاء مثلاً، هنا الضمير ضمير تثنية، أو كلتا اثنتين صيغة التثنية. وإما أن يكون بالاشتراك: بالاشتراك يقصد كلمة مشتركة تستعمل للجمع وتستعمل للتثنية، فإذا ارتبطت هذه الكلمة بـ «كلا» أو «كلتا» أصبحت تدل على التثنية بقرينة ارتباطها بـ «كلا» و«كلتا». إذا كلمة مشتركة؛ الاشتراك هو معروف، أن يكون عندك اللفظ يدل على أكثر من معنى، ونحتاج إلى قرينة لتحدد المعنى المراد مثل كلمة «العين»، تدل على العين الجارية، والعين التي ترى منها، والعين الجاسوس، فتحتاج إلى قرينة لتعين المعنى المراد منها، فهذا ما يقصده بالاشتراك اللفظي.
فمثل له مثلاً بكلمة «نا»، ضمير «نا» يا أحبابي الكرام يستعمل أحياناً للدلالة على الاثنين ويستعمل للدلالة على الجمع ثلاثة فصاعداً، فإذا ارتبط بـ «كلا» عرفنا أن المراد بـ «نا» الضمير الاثنين وليس أكثر من ذلك، فمثلاً قول الشاعر: كلانا غني عن أخيه حياته، ونحن إذا متنا أشد تغانيا. قال: فإن كلمة مشتركة تستعمل للاثنين وللجماعة، لكن إضافتها إلى «كلا» جعلتها تدل على التثنية، وكانت هذه قرينة على التثنية.
ثم قال: وإنما صح قوله: إن للخير وللشر مدى، وكلا ذلك وجه وقبلوا. قال هنا: لاحظ أن «كلا» أضيفت إلى اسم إشارة «ذلك» وهو اسم إشارة للمفرد، «وكلا ذلك»، قال: لأنه «ذا» مثناة في هذا البيت من حيث المعنى، هي في المعنى مثناة، لماذا؟ لأنها إشارة إلى ماذا؟ هي إشارة للخير والشر اللذان تقدما في الشطر الأول: إن للخير والشر مدى، وكلا ذلك. صحيح «ذلك» من حيث اللفظ مفرد، لكنها من حيث المعنى تدل على اثنين، لأنها إشارة للخير وللشر المذكورين في الشطر الأول، فلذلك تسمح في مثل هذه الإضافة وإن كانت في الظاهر إضافة إلى مفرد وليس إلى مثنى. قال: لأن «ذا» مثناة في المعنى، مثلها مثل قوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 68]. فكلمة «ذلك» هنا إشارة إلى ماذا؟ «عوان بين ذلك»، أي بين الفارض والبكر، فكلمة «ذلك» مشربة معنى التثنية لأنها إشارة للفارض والبكر المفهوم من السياق السابق. فبده يقول لك البيت تخريجه تخريج الآية في أن «ذلك» أشربت معنى التثنية.
الشرط الثالث: أن يكون كلمة واحدة، أن يكون المضاف إليه كلمة واحدة كما أشار إليه بقول ابن مالك: «بلا تفرق»، لمفهم اثنين معرف بلا تفرق. قال: فلا يجوز «كلا زيد وعمرو جاء»، بتقول لي والله هذي اثنين، أضيف إلى «زيد وعمرو»، والصحيح هذان اثنان لكنه بالعطف، وهذا ليس هو المستعمل في «كلا» و«كلتا».
طيب ماذا تقول في قول الشاعر: كلا أخي وخليلي وواجدَي عضداً في النائبات وإلمام الملمات. وقوله أيضاً: كلا الضيفان المشنوء والضيف نائل. الضيفان هو الطفيلي الذي يجيء مع الضيف، وهذه أظن علقنا عليها سابقاً وأشرنا إلى هذا المعنى، العرب تسمي الطفيلي الذي يأتي مع الضيف من دون أن يكون مدعواً تسميه ضيفاً، تزيد النون في الآخر لتدل على أنه ليس ضيفاً بل هو ضيفان، طفيلي. فهنا يقول صاحب البيت: كلا الضيفان المشنوء والضيف نائل، فالشاعر يقول فوائد الضيف ولا الضيفان كلاهما سينال مني الخير. فهنا قال: كلا الضيفان والضيف، التثنية أيضاً استفيدت من خلال العطف وليس من خلال لفظ واحد: كلا الضيفين والضيف، فمثل هذا قال من الضرورات النادرة التي لا يقاس عليها. هكذا نكون انتهينا من «كلا» و«كلتا».
ننتقل إلى «أي» بأنواعها. قال: ولا تضف لمفرد معرف «أي» وإن كررتها فأضف أو تنوي الأجزاء، وخصت بالمعرفة موصولة «أي»، وبالعكس الصفة، وإن تكن شرطاً أو استفهاماً فمطلقا كمل بها الكلام.
الآن سنتكلم عن «أي» من الأسماء الملازمة للإضافة إلى المفرد، «أي» تضاف إلى الضمير وتضاف إلى الاسم الظاهر، لكن لها أحكام. أول حكم تكلم فيه عن «أي» بعمومها، بغض النظر عن نوعها؛ لأنه يا أحبابي الكرام عندنا «أي» الشرطية، وعندنا «أي» الاستفهامية، وعندنا «أي» الموصولية، وعندنا «أي» الوصفية. «أي» الوصفية قد تكون نعتاً وقد تكون حالاً. المراد بالوصفية سواء النعت أو الحال، فعندنا إذن «أي» الشرطية والاستفهامية والموصولية والوصفية. جميل.
قبل أن ندخل في أنواع «أي» هناك قاعدة عامة لـ «أي» مهما كان نوعها، وهي أنها لا تضاف لمفرد معرف إلا في أحوال مستثناة. لذلك قال ابن مالك: ولا تضف لمفرد معرف «أي». «أي» لا تضفها لكلمة مفردة معرفة إلا في مسألتين استثناهما، قال: وإن كررتها فأضف أو تنوي الأجزاء. ما هما هاتان الحالتان الاستثنائيتان اللتان يجوز فيهما إضافة «أي» إلى مفرد معرف؟
الحالة الأولى: إذا كررت «أي» في نفس السياق، كما سيأتي معنا: فلئن لقيتك خاليين لتعلمن أي وأيك. إذا كررت «أي»، عطفت «أي» على «أي»، كررت «أي» في نفس السياق، هنا يجوز إضافة «أي» إلى مفرد معرف، قال: لأنك لما قلت «أي وأيك»، كأنك قلت «أينا»، فكأنك أضفتها إلى مثنى فصاعداً. كانك لما عطفت «أي» على «أي» وتكون كل واحدة مضافة إلى مفرد معرف، نجمع «أي» هذه مع «أي» هذه، فتكون كأنها أصبحت مضافة إلى مثنى فصاعداً. فلهذا يتسامح في هذه الحالة؛ في حالة تكرار «أي» يجوز إضافتها لمفرد معرف لأن التكرار يقوم مقام المثنى فصاعداً، فكأنك لم تضفها إلى مفرد معرف.
الحالة الثانية: إذا أضفتها لمفرد معرف لكنك قصدت بالمفرد الجمع، يعني هو مفرد من حيث اللفظ لكنك نويت به جمعاً، كما سيأتي معنا: أي زيد أحسن؟ واحد يستفهم: أي زيد أحسن؟ الآن هذه في الظاهر أضيفت «أي» إلى مفرد معرف «زيد». قالوا: تجوز مثل هذه الإضافة إذا قصدت بـ «زيد» أجزاءه، فإذا نويت «أي زيد أحسن»، أي أجزاء زيد أحسن؟ فسيكون الجواب: وجهه، قدمه، يده. فصحيح أنا أضفت «أي» إلى «زيد»، لكنني لم أقصد بـ «زيد» المفرد بل قصدت بها معنى الجمع، أي أجزائه: أي أجزاء زيد أحسن؟ هذا هو المراد. ففي مثل هذه الحالة أيضاً يجوز وتصح الإضافة لأنها وإن كانت من جهة اللفظ إضافة إلى مفرد معرف لكنها من جهة المعنى إضافة إلى جمع، لأنك «أي زيد» قصدت أي أجزاء «زيد»، وكلمة أجزاء تدل على الجمع. فهاتان حالتان استثنائيتان يجوز فيهما إضافة «أي» للمفرد المعرف وما سواهما ممنوع.
لذلك ماذا قال الأشموني؟ قال: ولا تضف لمفرد معرف «أي» المفردة، لاحظوا ايش قصد «أي» المفردة، يقصد المفردة أي المفردة عن العطف، لأنه «أي» التي عطفت على «أي» أخرى هذه يجوز فيها كما سيأتي الإضافة إلى مفرد معرف. فقول «أي» المفردة، أي المفردة عن العطف جاءت وحدها لم تعطف عليها غيرها.
قال ولا تضف لمفرد معرف «أي» المفردة مطلقاً، مطلقاً أي بجميع أنواعها، «أي» سواء كانت «أي» الشرطية ولا الاستفهامية ولا الموصولية ولا الوصفية، قال لأنها بمعنى «بعض»، وما كان بمعنى «بعض» يعني لماذا «أي» لا تضاف لمفرد معرف؟ لأنها بمعنى «بعض»، و«بعض» لا تضاف إلى مفرد معرف، هذا الذي يريد أن يقوله، و«بعض» لا تضاف إلى مفرد معرف، فلما كانت «أي» بمعناها أخذت حكمها.
قال وإن كررتها بالعطف فأضف، وهذه الحالة الاستثنائية الأولى، كقول الشاعر: فلئن لقيتك خاليين لتعلمن أي وأيك. فلاحظوا هنا العطف جوز أن تضيف «أي» إلى ضمير مفرد معرفة «أي وأيك». وقوله: ألا تسألون الناس أي وأيكم غداة التقينا كان خيراً وأكرما. الآن «أيكم» ما فيها مشكلة لأنه «كم» يدل على جمع، لكن المشكلة في الأولى «أي» مضاف إلى مفرد معرف، لكن لا، هذا يصح بسبب وجود العاطف. لذلك ابن عقيل الأشموني قال لأن المعنى حينئذ «أينا»، يعني معنى قولك «أي وأيكم» أو «أي وأي» في البيت السابق معناها كأنك قلت «أينا»، و«أينا» يدل على تثنية فصاعداً فيجوز.
أو تنوي بالمفرد المعرف الجمع، أي تأتي مفرد معرف لكنك تنوي به جمعاً، وهذا معنى قوله: أو تنوي الأجزاء، أي ذكرت مفرداً معرفاً لكنك نويته جمعاً وقصدت أجزاءه، نحو «أي زيد أحسن»، يعني: أي أجزاء زيد أحسن؟ هذا معنى «أو تنوي الأجزاء»، يعني أن يأتي مفرد معرف مضاف إلى «أي» فتنوي بهذا المفرد المعرف جمعاً. طب كيف بدي أنوي به جمعاً يا شيخ؟ أن تتصور هذا المفرد المعرف بأجزائه وأبعاضه التي يتكون منها، فتنوي بإطلاقك لهذا المفرد المعرف جمعه، أجزاءه وأبعاضه، كأنه مركب من عدة أشياء، فتنوي هذه التراكيب حتى يصبح كأنك أضفت إلى جمع وليس إلى مفرد. فهذا معنى «أو تنوي الأجزاء»، «أي زيد أحسن؟» أي أجزاءه؟ كانني نظرت إليه على أنه عدة أشياء وأنا أريد شيئاً منه. طب بعد أن عرفنا هذا الحكم العام لـ «أي» سيتكلم الآن عن أنواع «أي» في الإضافة، فقال.
وخصوصًا «أي» الموصولية؛ أي الموصولية تختص بالإضافة إلى المعرفة، لكن كما سبق تكون المعرفة إما مثنى وإما مجموعة، أما إذا كانت مفردة فلا تجوز إلا إذا عطفت أو نويت الأجزاء. تمام، فـ «أي» الموصولية لابد وأن تكون ماذا أحبابي الكرام؟ مضافة إلى معرفة، تمام؟ مضافة إلى معرفة؛ أي تختص «أي» الموصولية بأنها لا تضاف إلا إلى معرفة غير ما سبق منعه وهو المفرد المعرفة؛ لأنه سبق أن منعناه إلا في الحالات الاستثنائية. قال: وهو مفرد المعرفة، نحو: «مر لي بأي الرجلين هو أكرم». مر لي بأي الرجلين، بـ «أي» هنا اسم موصول، و«أي» الرجال هو أفضل؟ وهي مرت معنا «أي» موصولية سابقًا في باب الأسماء الموصولة.
«مر لي بأي الرجلين هو أكرم»، و«أي الرجال هو أفضل»، وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [مريم: 70]، «أيهم» أي الذي هو أشد عذابًا، فـ «أيهم» هنا لاحظ أنها مضافة إلى معرفة؛ «أيهم» ضمير معرفة جمع. و«أي» الرجال، و«أي» الرجلين، فهذه لا حرج فيها. قال: ولا تضاف إلى نكرة، هذه لا، وقال: ولا تضاف إلى نكرة؛ خلافًا لابن عصفور الذي ناقش في هذه المسألة.
وبالعكس، الصفة؛ إيش أنه بالعكس الصفة؟ أي بالعكس من ذلك، أي الوصفية، والوصفية إن كانت نعتًا أو حالًا، لا تضاف إلا إلى نكرة، لا تضاف إلا إلى نكرة ولا تضاف إلى معرفة. تقول: «مررت بفارس أي فارس»، و«مررت بزيد أي فتى». الآن الفرق بين «أي» في «أي» الوصفية، كيف أفرق بين «أي» الوصفية النعت و«أي» الوصفية الحال؟ «أي» الوصفية تكون نعتًا إذا كان ما قبلها نكرة، «مررت برجل أي رجل» تمام، فهذه أو «مررت بفارس أي فارس»، وهنا إذا كانت «أي» مسبوقة بنكرة فتكون «أي» الوصفية هنا نعتًا، نكرة نعتت نكرة. وإذا كانت مسبوقة بمعرفة، «مررت بزيد أي فارس»، فهنا لا يمكن أن تكون «أي فارس» نعتًا؛ لأن «أي» نكرة هنا وزيد معرفة، هنا تُعرب «أي» حالًا. فإذا «أي» الوصفية متى تُعرب نعتًا ومتى تُعرب حالًا؟ تقول: وبحسب مسبوقها، إذا كان مسبوقها موصوفها، خلينا نقول إذا كان موصوفها معرفة فتكون هي حال، وإذا كان موصوفها نكرة فتكون هي نعت، تمام أحبابي الكرام؟
فلذلك لاحظوا كيف مثل: «مررت بفارس أي فارس»؛ نعت، لأنه الموصوف نكرة؛ بفارس أي فارس، لكن لو قلت «مررت بزيد أيَّ فتى»، لاحظوا أنني قلت «أيَّ» بالنصب ولم أقول «أيُّ»؛ لأنني جعلت «أي» هنا حال؛ لأن موصوفها وهو صاحب الحال معرفة، زيد. ومن قول الشاعر: «فلله عينا حبتر أيَّ ما فتى»، فلله عينا حبتر أيَّ ما فتى، هذه إيش تقول؟ حال؛ لأن حبتر وهو الموصوف علم معرفة.
قال: وإن تكن شرطًا أو استفهامًا، إذا كانت «أي» شرطية أو استفهامية، قال: فمطلقًا، كمل بها الكلام، أي تضاف إلى النكرة والمعرفة مطلقًا. هنا خطأ في النسخة، بعض النسخ «لا تضاف»، لا هي تضاف، هذه «لا» خطأ طباعة، تضاف إلى النكرة والمعرفة مطلقًا. لا فرق، سواء نكرة أو معرفة؛ سوى طبعًا ما سبق منعه وهو المفرد المعرف، فلا يُضاف إليها إلا إذا عطفت أو نويت الأجزاء كما سبق، نحو: «أي رجل يأتيني فله درهم»، و«أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي»، و«أيكم يأتيني بعرشها»؛ هذه بس افهمي هنا، الآن قبل شوي كانت شرطية، الآن استفهامية: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 38]. فـ «بأي حديث بعد الله»؟ أيضًا هذه مضافة إلى نكرة؛ «فبأي حديث»، بينما «أيكم» لمعرفة. فلاحظوا ممثلة بأربعة أمثلة؛ مثالان للشرطية، مثالان للاستفهامية، وفي كل مثال واحد معرفة وواحد نكرة. قال: فظهر أن لـ «أي» ثلاثة أحوال؛ صحيح، أنه حال لا تضاف فيه إلا إلى معرفة وهذه الموصولية، وحال لا تضاف فيه إلا إلى نكرة وهذه وصفية، وحال يجوز فيه أن تضاف إلى معرفة وإلى نكرة، وهذا يكون في الشرطية والاستفهامية. فهذه خلاصة أحكام «أي». المهم تنبيه جميل ولطيف يقول ابن الأشموني: إذا كانت «أي» نعتًا أو حالًا وهي «أي» الوصفية، قال فهي ملازمة للإضافة لفظًا ومعنى، يعني «أي» الوصفية لا يمكن أن يُحذف المضاف إليه بعدها وينوى، ملازمة للإضافة لفظًا ومعنى. وأما «أي» الموصولية والشرطية والاستفهامية، فهذه الثلاث ملازمة للإضافة معنى لا لفظًا، فيجوز أن يُحذف المضاف إليه ويعوض عنه بالتنوين. وقد سبق أن أشرت إلى هذا في المحاضرة السابقة لكن هنا الأشموني صعد للفكرة.
ثم قال: الآن انتهينا من «أي»، ننتقل إلى كلمة أخرى وهي «لدن»، فقال: «وألزموا إضافة لدن فجر، ونصب غدوة بها عنهم ندر». بسم الله، يقول ابن مالك رحمة الله عليه في هذا البيت، أو يتحدث عن «لدن»، وفي البيت الذي يليه تكلم عن «مع» أيضًا؛ ومع «مع» فيها قليل ونقل فتح وكسر لسكون يتصل. يقول ابن مالك أن كلمة «لدن» أيضًا من الكلمات الملازمة للإضافة إلى مفرد، ويأتي بعدها معرفة ويأتي بعدها نكرة. لكن «لدن» أيضًا أحبابي الكرام في الحقيقة هنا اكتب هذا الاستثناء: يمكن أيضًا أن تضاف إلى الجملة؛ «لدن» يمكن أن تضاف إلى الجمل أيضًا، فهي يعني محيرة شوية؛ «لدن» تضاف إلى المفرد وهذا الأكثر فيها، ويمكن أيضًا أن تضاف إلى الجمل، فهي جاية هنا وهنا، يعني لا يمكن أن نصنفها فيما يضاف إلى المفرد فقط ولا فيما يضاف إلى الجمل فقط. يأتي هنا لذلك قال: «وألزموا إضافة لدن فجر»، جرَّ المضاف إليه سواء كان المضاف إليه مفردًا أو كان المضاف إليه ماذا؟ جملة.
يقول الأشموني: «وألزموا إضافة لدن فجر»، أي جر ما بعده بالإضافة لفظًا إن كان معربًا، ومحلًا إن كان مبنيًا. المضاف إليه قد يكون معربًا وقد يكون مبنيًا مثل الضمائر، فهنا تكون مبني في محل جر مضاف إليه؛ هذا الذي قصده أن ما بعدها المضاف إليه قد يكون المضاف إليه اسمًا معربًا فهنا الجر ظاهر لفظي، وقد يكون مبنيًا فيكون الجر محليًا، أي مبني في محل جر مضاف إليه. بعد ذلك قال: أو جملة، فمثال الأول وهو أن تضاف إلى اسم: ﴿مِّن لَّدُنْ حَكِيمٍ﴾ [هود: 1]، و«حكيم» مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة، ومنه قول الشاعر: «تنتهض الرعدة في ضهيري من لدن الظهر إلى العصي». من لدن الظهر، إعراب ظاهر. وأما الثاني وهو أن تضاف إلى مبني: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65]، أضيفت إلى ضمير «لدنا» فيكون الضمير مبني في محل جر مضاف إليه. ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ﴾ [الكهف: 2]. وأما الثالث وهو إضافتها إلى الجمل كقول الشاعر: «وتذكر نعماه لدن أنت يافع»، لدن أنت يافع، جملة اسمية «أنت يافع» في محل جر مضاف إليه. وقول الشاعر: «صريع غوانٍ راقهن ورَقْنَه، لدن شبَّ حتى شاب سود الذوائب»، «لدن شبَّ»؛ لاحظون جملة فعلية، «لدن شبَّ حتى شاب سود الذوائب»؛ صريع غوانٍ راقهن ورقنه لدني، أي منذ الشباب حتى أصبح يعني شيبة وابيضت غدائره.
لا، ركزوا إيش قال الأشموني، قال: ولم يُضف من ظروف المكان إلى الجملة إلا «لدن» و«حيث». الآن هنا السؤال، هل «لدن» كما قال الأشموني ظرف مكان، أنظر بـ «زمان»؟ في الحقيقة في نقاش في هذا، لكن يقول «لدن» إذا أضيفت إلى الجمل فلا تكون إلا ظرف زمان، لاحظوا قبل قليل «لدن شبَّ» فترة الشباب، «لدن أنت يافع»، «لدن» إذا أضيفت إلى الجمل لا تكون إلا ظرف زمان. وأما إذا أضيفت إلى مفرد فقد تكون ظرف زمان وقد تكون ظرف مكان، فقول الأشموني هنا: «ولم يُضف من ظروف المكان إلى الجملة إلا لدن وحيث» هذه العبارة قد لا تكون دقيقة، لأن «لدن» التي تضاف إلى الجمل ليست ظرف مكان؛ «لدن» التي تضاف إلى الجمل هي ظرف زمان. لذلك انظروا إيش قال ابن برهان بعد ذلك، وقال ابن برهان: «حيث» فقط؛ أي هذا هو الأصل الشائع في لسان العرب، يعني يقول ابن برهان رحمة الله عليه ووافقه ابن هشام: «حيث» هي ظرف المكان الوحيد الذي يضاف إلى الجمل، وهذا صحيح؛ «حيث» هو ظرف المكان الوحيد الذي يضاف إلى الجمل. وأما «لدن» فحتى لو أضيفت إلى جملة فإنها لا تكون ظرف مكان، بل تكون ظرف زمان، ولذلك كلام ابن برهان هو الكلام الصحيح، أنه «حيث» هي ظرف المكان الوحيد الذي يضاف إلى الجمل، وأما «لدن» فصحيح أنها تضاف إلى الجمل لكنها ليست ظرف مكان إذا أضيفت إلى جملة، بل تكون ظرف زمان.
ثم تكلم عن شيء وحالة استثنائية خلينا نقول في ماذا؟ في «لدن»، وهي حالة غريبة، قال: «ونصب غدوة»، يعني هذه هي نصب «غدوة» على الإضافة، وهنا قد رواها على الحكم «ونصب غدوة»، لكن هي الأصح أن تقال -الله أعلم- يعني الأفضل والأسلم أن تقال على الإضافة، «ونصب غدوة بها عنهم ندر». ونصب غدوة بها؛ أي بـ «لدن» ندر، أيوه، ما هذه القصة؟ الآن «لدن» أحبابي الكرام يجوز أن تنقطع عن الإضافة لفظًا ومعنى، هذه حالة استثنائية خاصة من ناحية «لدن»، هي ملازمة للإضافة، فكيف الآن أنت بتقول لي يا شيخي أنها تنقطع عن الإضافة لفظًا ومعنى؟ نقول هذه حالة استثنائية خاصة بها وليست شائعة في العربية أصلًا، لكن عليك أن تدرسها. يقولون «لدن» تنقطع عن الإضافة لفظًا ومعنى، ممتاز، وتنصب كلمة «غدوة»، فترة الصباح، وتنصب كلمة «غدوة» بعدها، يجوز أن تنقطع عن الإضافة لفظًا ومعنى وتعمل النصب بكلمة «غدوة»، فتأتي بعدها كلمة «غدوة» منصوبة، منصوبة على ماذا؟ فيه خلاف سيذكره، إما منصوبة على التمييز أو على التشبيه بالمفعول به، تمام؟ والبعض قال خبر لـ «كان» محذوفة مع اسمها، وهذا رأي ثالث، أن يجعلوها خبر لـ «كان» المحذوفة مع اسمها، لكن لا يظهر أن هذا القول الثالث يذهب إليه ابن مالك؛ ابن مالك إيش قال؟ قال: «ونصب غدوة بها»؛ أي بـ «لدن»، فجعل ابن مالك العامل في «غدوة» المنصوبة هي نفس «لدن»، قال: «ونصب غدوة بها عنهم ندر».
مثلًا قال الشاعر: «فما زال مهري مسجر الكلب منه لدن غدوة لدن غدوة لدن غدوة»، لاحظوا النصب «حتى دنت لغروبه لدن غدوة حتى دنت لغروبه». فـ «غدوة» في هذا البيت قالوا منصوبة، منصوبة بـ «لدن»، هي العامل فيها، وإما أن تجعلها منصوبة على التمييز فتكون «لدن» يعني هي المُميِّز، أو المُميَّز أدق، المُميِّز هي التي نصبت التمييز، كل «لدن» هي المُميِّز والمُميِّز نصب تمييزه، وهذا عرفنا في تمييز الذات، المُميِّز هو الذي ينصب تمييزه. ممتاز، هذا الرأي الأول، قال أو على التشبيه بالمفعول به، قال لشبه «لدن» باسم الفاعل في ماذا؟ قال في ثبوت نونها تارة وحذفها أخرى، يقولون إنه «لدن» عند حذف النون قال تجر بالإضافة، وعند إبقاء النون تنصب؛ هكذا قالوا، هكذا يقولون إنه «لدن» إذا حذفت منها النون فإنك تجر كلمة «غدوة» بعدها، وإذا أبقيت النون نصبت ما بعدها «لدن غدوة»، وإذا حذفت النون جررت ما بعدها على الإضافة، لكن هذا الكلام قال الأشموني يضاعفه سماع النصب بها محذوفة النون. الآن طب ما وجه شبهها باسم الفاعل؟ خلينا من الآن من رد الأشموني أولًا، قال هي تشبه اسم الفاعل في ثبوت نونها تارة وحذفها أخرى، الآن ركزوا معايا في هاي الفكرة، الآن اسم الفاعل أحبابي الكرام، يعني هذا ما يريد أن يقوله اسم الفاعل إذا أثبت التنوين فإنه خلاص ينصب ما بعده على أنه مفعول به، هذا «ضاربٌ زيدًا»، وإذا أردت أن تضيفه فإنك تحذف التنوين وتقول هذا «ضارب زيدٍ»، فاسم الفاعل تبقي إذا أردت أن تجعله يعمل النصب فإنك تخلص تبقي التنوين «ضاربٌ زيدًا»، والتنوين نون، لكنه كما عرفناه في نون ساكن زائدة طلع أواخر الأسماء لفظًا وتفارقها خطًا، فهنا اسم الفاعل أنت تبقي التنوين وهو النون في آخره إذا جعلته ناصبًا، وإذا أردت أن تضيفه فإنك تحذف التنوين.
فيقولون نفس الشيء أيضًا «لدنه»، إذا أردت أن تنصب بها فإنك ماذا؟ قالوا تبقي النون، وإذا أردت أن تجر بها فإنك تحذف النون، طبعًا يقول الأشموني لكن هذا مردود؛ يعني وجه الشبه أن هنا أبقيت النون وهنا أبقيت النون، وهنا حذفت النون في حالة الإضافة وهنا حذفت النون في الإضافة، فهذا وجه شبه بين «لدن» وبين اسم الفاعل. لكن يقول الأشموني يضاعفه ماذا؟ قال يضاعفه أنه سُمع النصب بـ «لدن» والنون محذوفة، يضاعفه أنه سُمع النصب بـ «لدن» مع أن النون محذوفة، فبالتالي شبهه باسم الفاعل، هذا الشبه المزعوم ليس قويًا. تمام، والبعض قال هي خبر لـ «كان» محذوفة مع اسمها، وتقدير «لدن غدوة» أي «لدن كانت الساعة غدوة»، لكن هذا تقدير طويل، لذلك الأرجح والله تعالى أعلم أن «غدوة» منصوبة على التمييز؛ «ونصب غدوة بها عنهم ندر»، نصب غدوة على التمييز، هذا هو الأرجح والله تعالى أعلم. ثم ذكر قولًا آخر الأشموني الآن بدأ توسعاته كالعادة، قال: ويجوز جر «غدوة» بالإضافة على الأصل، فلو عطفت على «غدوة» الآن فيجوز أن تقول «لدن غدوة»، يجوز أن تقول «لدن غدوة»، ولكن كما قلنا يعني هناك إشكالية أخرى أنه في حتى في قضية لما قال: «لكن يضاعفه سماع النصب بها محذوفة النون»، والأكثر أن «لدن» لما تعمل جارة تكون النون موجودة، فقوله أن «لدن» تشبه اسم الفاعل في...
ذكر هذا الكلام، وأظن أن عليه ملاحظات كثيرة، وباختصار: عليه ملاحظة أنها أصلاً حتى وهي تجر بالإضافة الأكثر ثبوت، فكيف تقول أنها إذا جرت بالإضافة النون؟ هذا ليس شائعًا.
المهم، فقال: ويجوز جر غدوة بالإضافة عند الأصل. ثم قال: فلو عطفت على غدوة المنصوبة جاز جر المعطوف عليها مراعاة للأصل؛ لأن الأصل أن تكون غدوة مجرورة، فيجوز إذا كانت منصوبة أن الاسم المعطوف عليها أن يكون مجروراً مراعاة للأصل. قال: ويجوز نصبه مراعاة للفظ أي للحال، ذكر ذلك الأخفش، واستبعد الناظم نصب المعطوف وقال إنه بعيد عن القياس؛ يعني الناظم يرى أنه المعطوف على غدوة المنصوبة يجب أن يجر مراعاة للأصل.
وحكى الكوفيون رفع غدوة بعد لدن، فهناك قول ثالث أن الغدوة ترفع بعد لدن. إذاً غدوة تنصب بعد لدن، هذا الذي ذكره ابن مالك، ويجوز جرها، وذكر الكوفيون جواز رفعها، وذكروا أقوالاً في توجيه الرفع أنا لا أريد أن أشغلكم بها، لكن يكفي أن تعرفوا هذا القول وأبقي الباقي للطالب الذي يريد أن يتزود في هذه الأبواب؛ اقرأ الباقي وحدك. نادى إلى نسب فيها، ثم قال تنبيه، هذه فائدة جميلة، يقول: لدن بمعنى عند. ما معنى لدن أصلاً في العربية؟ قال لدن بمعنى عند إلا أنها تختص بستة أمور؛ يعني هناك ست فوارق بين لدن وبين عند، هذه فائدة جميلة يعتنى بها.
ما هي هذه الفوارق؟ أولاً بماذا تختص لدن؟ أولاً أنها ملازمة لمبدأ الغايات، لدن دائماً معناها مبدأ الغايات، تدل على مبدأ الغاية سواء غاية زمانية أو غاية مكانية، وإذا كانت مضافة إلى الجمل فتكون غاية زمانية كما اتفقنا، فهي تدل على مبدأ دائماً، بخلاف عند؛ عند تستعمل للدلالة على مبدأ غاية أو في أثنائها، فلا تشترط أن تكون لمبدأ الغايات بخلاف لدن، فهي دائماً لمبدأ الغايات. ومن ثم يتعاقبان في نحو قولك: جئت من عنده ومن لدنه، لأننا هنا نتكلم عن مبدأ بدليل "من" التي تدل على البداية؛ جئت من عنده أي مبدأ مجيئي من عنده، أو مبدأ مجيئي من لدنه. وفي التنزيل: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65]، ما معنى من لدنا؟ أي من عندنا، والمراد مبدأ تعلمه من عندنا. من أين مبدأ علمه؟ من عند ربه سبحانه وتعالى، فهي تدل على مبدأ العلم. فلاحظ التعاقب هنا: آتيناه رحمة من أين مبدأها؟ من عندي، أنا استعمل عنده أولاً، ثم قال: وعلمناه من لدنا، استعمل لدنا ثانياً، وكلتاهما تدل على مبدأ الغايات، قال بخلاف: جلست عنده؛ كلمة جلست عنده هنا لا تدل على مبدأ غاية. جلست عندك، هل هنا العندية تدل على مبدأ غاية؟ لا تدل على مبدأ غاية، تدل على مكان الجلوس، فهنا لا يصح أن تأتي بدلاً من عند لدن، فلا يجوز أن تقول: جلست لدنه، ما ينفع؛ لأنه عنده هنا لا تدل على مبدأ الغاية، فلا يتعاقبان. إذاً لدن دائماً تدل على مبدأ الغايات.
ثانياً أن الغالب استعمالها مجرورة بمن، بخلاف عند؛ فإنها تستعمل كثيراً ظرفاً منصوباً، ويجوز أن تجر بمن، لكن الغالب أن تستعمل ظرفاً منصوباً. لدن بالعكس، الغالب أن تستعمل مجرورة بمن، لدن عكس عند؛ عند العادة أن تكون منصوبة على الظرفية، ويصح جرها بمن، لكن لدن بالعكس؛ الأكثر فيها أن تجر بمن ويجوز نصبها على الظرفية.
الفرق الثالث أنها مبنية إلا في لغة قيس، وبلغتهم "من لدنه" بالإعراب، بينما عند الصحيح أنها معربة.
النقطة التي تليها أنه يجوز إضافتها إلى الجمل بينما عند تضاف إلى المفردات.
خامساً: جواز إفرادها قبل غدوة على ممر، التي هي مسألة لدن غدوة، وهذا لا يكون في عند.
سادساً: أنها لا تقع إلا فضلة، أي لا تقع عمدة في الكلام، لا تقع جزء المبتدأ أو الخبر أو جزء الفعل أو الفاعل، بخلاف عند؛ عند يمكن أن تقع عمدة، يمكن أن تقع في عمد الكلام؛ فتقول مثلاً: السفر من عند البصرة، هنا "من عند البصرة" هذا خبر المبتدأ، طبعاً هي متعلق بمحذوف تقدير، لكن المهم عند وقعت في حيز الخبر. لكن هل يجوز أن تقع لدن في هذا المكان؟ قالوا لا، فلا يجوز أن تقول: السفر من لدن البصرة، ليه؟ لأنه لدن لا تقع في حيز العمد، وإنما تكون في حيز الفضلات، لا تقع في حيز العمد، فلا تقع مبتدأ ولا في حيز الخبر ولا في حيز الفعل والفاعل، وإنما تكون دائماً من فضلات. فهذه فوارق ستة، هذا الكلام عن لدن، كما يقولون الحديث يجر الحديث، استطرد فتكلم عن ماذا عن لدى، شو الفرق بين لدن؟ هاي خلصنا منها.
الآن سنتكلم عن لدى بالألف المقصورة، قال: وأما لدى فهي مثل عند مطلقاً، أي استعمالاتها استعمال عند، لا داعي، هاي لا هاي أقرب شبه بعدها، قال: فهي مثل عند مطلقاً في جل الأحكام إلا أن جرها ممتنع فلا تجر بمن، بخلاف عند فإنها تجر بمن.
وأيضاً من الفوارق الدقيقة بين لدى وعند قال: وأيضاً عند أمكن منها، أي أقوى من لدى من وجهين؛ الأول أنها تكون ظرفاً للأعيان وتكون ظرفاً للمعاني، وكأنه يريد أن يقول إن لدى لا تكون إلا ظرفاً للأعيان، وعند تستعمل ظرفاً للأعيان وللمعاني، لكن هذا الكلام فيه نظر؛ فإنه لدى الذي يظهر أنها أيضاً تستعمل ظرفاً للمعاني. المهم قال أنها تكون ظرفاً للأعيان وللمعاني، فتقول: هذا القول عندي، أي في رأيي وفي عقلي صواب، فهذه عندية في المعنى، وعند فلان علم به أي في عقله علم به، فهذه عند العقلية المعنوية. لكن مثلاً قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: 29]، البعض قال هذه من إضافتها إلى المعاني أي ما يبدل القول في حكمي وفي أمري، البعض قال لدي هنا يمكن أن تقدر إضافة إلى معنى وليس إلى الذات المقدسة ذاتها، وأن من مراد ما يبدل القول لديه أي في حكمي وفي أمري. فهل لدى فعلاً لا تضاف إلى المعاني كما يريد أن يقول الأشموني؟ هذه أظنها محل بحث.
ننظر في الثاني، أنك تقول عندي مال وإن كان غائباً عنك، ولا تقول لدي مال إلا إذا كان حاضراً. يعني عندي تستعمل في الغائب والحاضر، وأما لدى فلا تستعمل إلا في الشيء الحاضر. من الذي نقل هذه الفائدة؟ هل قاله الحريري وأبو هلال العسكري وابن شجري وزعم المعري أنه لا فرق بين لدى وعند؛ يعني المعري لم تعجبه هذه الفوارق. ويقول الأشموني وقول غيره، كأن الأشموني يرجح قوة هذه النقاط. هكذا نكون انتهينا من الكلام عن لدن والفوائد المتعلقة بها.
ننتقل إلى البيت الذي يليه، قال: "ومع مع فيها قليل ونقل فتح وكسر لسكون يتصل". الآن مع؛ هي ظرف، أصل في مع أنها ظرف تدل على المصاحبة، أما المصاحبة المكانية أو المصاحبة الزمانية؛ فإما جئت مع طلوع الفجر تدل على مصاحبة زمنية، وجلست مع زيد مصاحبة مكانية، فمع هي ظرف يدل على المصاحبة، أما الزمانية وأما المكانية بحسب السياق. والمشهور فيها فتح العين، تقول مع: جئت مع زيد وجئت مع طلوع الشمس. قال وهو فتح إعراب لأنها منصوبة على الظرفية، وسمع فيها البناء على السكون، أن تقول مع مبنية على السكون في محل نصب، هذا مسموع وإن كان قليلاً؛ لذلك قال: ومع مع فيها قليل، هكذا يريد أن يقول ابن مالك مع مع فيها قليل، ويخبر عن مع أنه مع تعمله مع بسكون العين قليل فيها.
ومع مع فيها قليل، كقول الشاعر: فريشة منكم وهواجي معكم، وإن كانت زيارتكم لماما. وزعم سيبويه أن تسكين العين في هذا البيت للضرورة ليس راجعاً لأنه بناء، وليس كذلك، بل الصحيح أن تسكين العين هي لغة قبيلة ربيعة وقبيلة غنم، فإنها مبنية عندهم على السكون، فهي لغة قبائل، وزعم بعضهم أن مع ساكنة العين حرف وليست اسماً، وادعى النحاس الإجماع عليه وهو فاسد، كلام ليس بصحيح. والصحيح أنها باقية على اسميتها كما أشعر به كلام الناظم؛ يعني مجرد أن سكنت الحركة أن تنقلب الكلمة من اسم إلى حرف هذا ليس معتاداً بالعربية، فالصحيح أنها اسم، وهي لغة ربيعة وغنم كما قال. طبعاً الآن هذا حكمها الآن هو يتكلم عن مع ساكنة العين. قال هذا حكمها إذا اتصل بها متحرك، أنه مع على لغة ربيعة وغنم تكون ساكنة العين. ممتاز، تكون ساكنة العين إذا اتصل بها، يعني إذا كان بعدها متحرك. طيب لكن إذا كان بعدها ساكن هذه مع ساكنة العين، إذا جاء بعدها ساكن هنا التقى ساكنان؛ مع والساكن الذي بعدها، فهنا يقول ابن مالك: ومع مع فيها قليل ونقل فتح وكسر لسكون يتصل. يعني إذا جاء بعد مع ساكنة العين ساكن أيضاً، وهنا لابد أن نحرك عين مع، فبعضهم فتحها وبعضهم كسرها، تقول معَ القوم، فتح طلباً للخفة، ومن كسر فذهاباً إلى أن الأصل في التخلص من التقاء الساكنين هو الكسر، فهذا رأي وهذا رأي، فتقول معَ القوم ومعِ القوم، هذا جائز وهذا جائز.
ثم أعطانا الأشموني فائدة وهي مع مردودة اللام؛ مع إذا ردت لها اللام هذه تخرج عن الظرفية، ولا يكون إعرابها ظرفاً بل تكون منصوبة على الحالية، تكون منصوبة على الحالية وفي هذه الحالة تفرض عن الإضافة، تفرض عن الإضافة تقول: جاء الزيداني معاً، طبعاً هنا مردودة اللام، يعني يريد أن يقول الأشموني أن مع هي ميم عين ألف، ثم جاء التنوين بعد ذلك، كيف تقول هدى؟ هدى الألف كذلك مع ميم عين ألف، فهذه الألف هي لام الكلمة. قال مع مردودة اللام هذه أصبحت خارج إطار الظرفية وتنقطع عن الإضافة وتنصب على الحال، فتقول جاء الزيداني معاً، ومعاً حال، وتستعمل للجمع كما تستعمل للاثنين؛ يعني تستعمل للجماعة وللاثنين، تقول: وأفنى رجالي فبادوا معاً، لاحظ فبادوا مع هنا للجمع، وقوله: إذا حنت الأولى سجعن لها معاً، إذا حنت الأولى ارتجعنا لها معاً، استعمل لجماعة الإناث كما تستعمل للاثنين، يذكرن ذا البث الحزين ببثه. إذا حنت الأولى سجعن لها معاً، هنا أيضاً جماعة إناث، فمع لا تقتصر فقط للاثنين بل تستعمل للجمع أيضاً. قال: وقد ترادف مع عند، فتجر بمن، هذه وجه ثالث أنه مع قد -وهذا لاحظ أنه للتقليل- وقد ترادف عند، أن تكون بمعنى عند، فهنا يجوز أن تجر بمن مثلها مثل عند، حكى سيبويه ذهبت من معه أي من عنده، وهنا مع بمعنى عند، وهذا كما قلت ليس بالشهير، ومنه قراءة بعضهم هذا ذكر من معية أي من عندي، هذا ذكر من معي أي من عندي.
ثم قال: واضمم بناء غيره، يعني اضمم غير ضماً بناءً، وبناء مغرباً حالاً، ويجوز البعض أن يجعلها تمييزاً، واضمم بناء غيراً إن عدمت ما له أضيف ناوياً ما عدم قبله كغير قبل، مثل غير في هذا الحكم، وبعده حسبه أوله، قبله كغيره بعده حسبه أوله ودون والجهات أيضاً واعدوا، وأعربوا نصباً إذا ما نكر قبلاً وما من بعده قد ذكرا.
الآن أحبابي الكرام هذه المسألة فيها تفصيل، مسألة غير وقبل وأخواتها. غير وقبل وأخواتها الآن أحبابي الكرام قبل وغير وأخواتها لها أربعة أحوال من حيث الإضافة، يعني يجب أن نؤصل ونرتب الأفكار لتفهم، لها أربعة أحوال من حيث طبعاً من درس معي قطر الندى فهم هذه الأمور لأنني شرحتها وبينها ابن هشام في قطر الندى، وهذه فائدة أحبابي الكرام التدرج؛ الله أحبابي الكرام لو أن الطالب يتدرج ويسمع الكتاب المناسب في الوقت المناسب ينتفع، خلاص يعني يكون بالنسبة له الأشموني هو تطلعات على زوائد المعارف، وأما طالب لم يدرس قطر الندى دراسة حقيقية جادة بشكل تفصيلي سيتعب، لأنه يشعر أن الفوائد كثيرة، لكن من ضبط قطر الندى فكثير من الفوائد التي ينص عليها ابن مالك وينص عليها في الشرح سبق ذكرها بالتفصيل سابقاً.
المهم نقول قبل وغير وأخواتها لها أربعة أحوال: الحالة الأولى أن يذكر المضاف إليه بعدها فتكون معربة غير منونة بالتأكيد. الحالة الثانية أن يحذف المضاف إليه بعدها وينوى لفظه، وهنا تكون معربة أيضاً غير منونة لأن المضاف إليه المحذوف منوي في اللفظ فتكون معربة غير منونة. ممتاز، أن يحذف المضاف إليه بعدها وينوى معناه، أي لا تنوي لفظه لكن تنوي معناه عموماً، فهنا تكون مبنية، هذا الأصل على الضم، هذا الأصل أن تصبح مبنية على الضم، الآن سيأتي أحوال استثنائية وبناء آخر، لكن نحن نريد أن نركز على الفكرة الأساسية، الفكرة الأساسية أنها تصبح مبنية على الضم، لذلك قال ابن مالك: واضمم بناء غيره إن حذفت ما له أضيف، يعني إذا حذفت المضاف إليه بعد غير وقبل ونويت معناه، هذا قيد مهم ونويت معناه، في هذه الحالة تكون مبنية على الضم، لذلك قال واضمم بناء غيراً أي اضمم غيراً على وجه البناء إن عدمت ما له أضيف، إذا حذفت المضاف إليه ونويت معناه، قال إن عدمت ما له أضيف بشرط أن تكون ناوياً ما عدم.
الحالة الرابعة أن يحذف المضاف إليه بعدها ولا يُنوَى أبداً، يعني تقطعها عن الإضافة لفظاً ومعنىً، وفي هذه الحالة تكون معربة منونة، وهذا الذي قصده في البيت لما قال: «وأعربوا نصباً إذا ما نكرا». وإن كان هذا البيت فيه إشكاليات كثيرة واعتراضات على ابن مالك، فقالوا في «وأعربوا نصباً إذا ما نكرا» هل الإعراب هو فقط على النصب؟ ولا يمكن أن يكون مجروراً بـ «مِنْ»؟ ممكن تكون مجرورة بـ «مِنْ»، فقوله «وأعربوا نصباً» هو الأصل أن يقول «وأعربوا» بغض النظر هل الإعراب سيكون النصب أو الإعراب سيكون بالجر بـ «مِنْ»؛ لأنه «قبل» و«بعد» وأخواتها، «الأمام» و«الخلف» يجوز أن تُجَر بـ «مِنْ». المهم سنأتي للاعتراضات باختصار.
«وأعربوا نصباً إذا ما نكرا»؛ يقصد بالتنكير هنا أن تحذف عن الإضافة لفظاً ومعنىً. لذلك هي أصبحت نكرة؛ لأن المضاف إليه كان يكسبها التعريف لما يكون معرفة، فإذا قُطِعَت عن الإضافة لفظاً ومعنىً ستكون نكرة، وبالتالي هنا هي مقطوعة عن الإضافة لفظاً ومعنىً فهي نكرة، فستكون معربة إما بالنصب وإما بالجر بـ «مِنْ»، وتكون منونة لأنه ما في إضافة، أرجع التنوين: «وأعربوا نصباً إذا ما نكرا * قبلاً وما من بعده قد ذكرا».
إذاً هذه أحوال أربعة أحبابي الكرام عليها أن يدور حكم «قبل» وغيرها. طبعاً شو هي الأدوات؟ قال: «قبل»، «غير»، «بعد»، «حسب»، «أول». طبعاً كلمة «حسب» أيضاً هناك اعتراضات ستأتي من ابن مالك، عفواً من الأشموني هنا، أنها تحتاج إلى فرز، أنه «حسب» ليست بالضبط كهذه الأدوات، ونفس الشيء «علو»، الأخيرة ليست بالضبط مثلها، فذكرها مع بعضها البعض دون تفصيل أحكامها؛ بسبب شيء من التشويش وعدم فرز الأحكام. لكن هكذا ابن مالك ذكرها جملة: «قبل»، «غير»، «بعد»، «حسب»، «أول»، «دون»، وأسماء الجهات: «أمام»، «خلف»، «يمين»، «شمال»، «قدام»، «وراء»، «فوق»، «تحت».
المهم أن تضبط هذه الأحكام الأربعة، أن تعرف أنه إذا ذُكِر المضاف إليه بعدها تكون معربة غير منونة، «من قبلهم» و«من بعدهم» مثلاً، «قبلهم»، «بعدهم». أن يحذف المضاف إليه بعدها ويُنوَى لفظه، تكون معربة غير منونة، «ومِن قَبْلِي نادى كلُّ مولى قرابةٍ»، ومن قبلي. كيف جاءت ومن قبلي مجرورة مش منونة؟ آه مجرورة مش منونة؛ لأنه هنا المضاف إليه حُذِف ونُوِي لفظه، هكذا بقيت معربة لكن مش منونة؛ لأن المضاف إليه منوِيٌّ لفظه.
الحالة الثالثة: أن يحذف المضاف إليه بعدها ويُنوَى معناه، «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ»، بُنِيَت على الضم في محل نصب على الظرفية إذا كانت مش مجرورة، وتكون في محل جر بحرف الجر إذا كانت مجرورة بـ «مِن»، «مِن قَبْلُ» مبنية رداً في محل جر. والحالة الرابعة: أن يحذف المضاف إليه بعدها ولا يُنوَى أبداً، فتكون معربة منونة: «قبلاً» و«بعداً»، «وسأغري الشراب، وكنت قبلاً أكاد أغص بالماء الفرات».
الآن دعوها، إذاً نقرأ ما كتبه الأشموني. حقيقة يعني الأشموني شوي هنا يعني شعرت أنه كان بإمكانه أن يرتب الأمور أفضل في الحقيقة حتى تتضح الأمور للطالب، لكن سبحان الله، قال: «واضمم بناءً غيراً إن عُدِمَت ما له أُضِيفَ ناوياً ما عُدِم». قال «ناوياً ما عُدِم»: معنى أن كلام ابن مالك لما قال «ناوياً ما عُدِم» تحتمل أنك تقصد أن «ناوياً ما عُدِم» من جهة اللفظ، أو «ناوياً ما عُدِم» من جهة المعنى، ونحن نريد «ناوياً ما عُدِم» من جهة المعنى؛ لأنه هنا يضم على البناء. لذلك الأشموني ركز على هذه الفكرة لما قال: «ناوياً ما عُدِم معنى لا لفظاً»، أي من الكلمات الملازمة للإضافة، من الكلمات الملازمة للإضافة «غيرُ».
يتكلم عن «غيرُ»، وهو اسم دال على مخالفة ما قبله لحقيقة ما بعده، تدل على أن ما قبلها مخالف لما بعدها، وهذا واضح ومفهوم. وإذا وقع بعد «ليس» وعُلِم المضاف إليه جاز حذفه لفظاً. إذاً «غيرُ» أحبابي الكرام متى سمعت فيها هذه الأحكام؟ يقولون «غيرُ» سمعت فيها هذه الأحكام وقضية الحذف وعدم الحذف إذا وقعت «غيرُ» بعد «ليس» من أخوات كان، فيأتي معنا ابنها أيضاً سمعت إذا وقعت بعد «لا»، إذا وقعت بعد «لا» العاملة عمل «لا» النافية للجنس. لكن المشهور في هذه القضية أنها عندما تذكر «غيرُ» في هذه المسألة يقولون «غيرُ» الواقعة بعد «ليس».
لذلك أشبع الأشموني: وإذا وقعت بعد «ليس»؛ ركز على هذه الفكرة: «غيرُ» الواقعة بعد «ليس» من أخوات كان، إذا عُلِم المضاف إليه بعدها، قولك: «قبضتُ عشرةً ليس غيرُها»، أي «ليس غيرُها مقبوضاً»، هذا التقدير: «ليس غيرُها مقبوضاً»، حذف الخبر. نعم، في هذه الحالة إذا وقع بعدها «ليس» وعُلِم المضاف إليه، جاز حذفه لفظاً ونُوِيَ معناه. ركزوا هذه ما قالهاش، لكنها مفهومة من السياق، جاز حذفه لفظاً ونُوِيَ معناه، قال: في هذه الحالة فتضم «غيرُ» بغير تنوين. فتقول مثلاً: «قبضتُ عشرةً ليس غيرُ». حذفت المضاف إليه ونويت معناه.
طيب الآن إذا ضُمَّت، قال: ثم اختلف حينئذ، فقال المبرد: هي ضمة بناء، وهذا الذي اختاره الناظم، أنها ضُمت بناء، وهذا هو الصحيح الذي نسير عليه. قال: لأنها كـ «قبلُ» في الإبهام، وبالتالي هي في هذه الحالة إذا قلت: «عندي عشرةٌ ليس غيرُ»، قال: «غيرُ» إما أن تعربها مبنية على الضم في محل رفع اسم «ليس»، والتقدير: «ليس غيرُها مقبوضاً»، ويجوز أن تقول أنها خبر «ليس»، فتقول: «ليس غيرُ» مبنية على الضم في محل نصب خبر «ليس»، ويكون التقدير: «ليس المقبوضُ غيرَها».
يعني إذا قلت: «لا، عندي عشرةٌ ليس غيرُ»، أنا هنا مخير بين أن أجعل «غيرُ» مبنية على الضم في محل رفع اسم «ليس»، وأن أجعلها مبنية على الضم في محل نصب خبر «ليس». لذلك قال: «فهي اسمٌ أو خبرٌ» (أي اسم ليس أو خبر ليس). كلام شوية مختصر، هو يتوقع أن مستوى الطالب الذي يقرأ هذا الكتاب يفهمها على الطاير. إيش يعني فهي اسمٌ أو خبرٌ؟ الطاير بيجلس نصف ساعة ويخسر، فهي اسمٌ وليس هو خبر ليس مبنية، أما على أنها مرفوعة اسم «ليس» أو منصوبة على أنها خبر «ليس». قال: وهذا ما اختاره الناظم، كلام المبرد، وهو الذي شرحناه عليه.
قال الأخفش: هي حركة إعراب؛ لأنها اسم كـ «كلٍّ» و«بعضٍ» لا ظرف. لا، لم يعلن الأخفش رفض أن يعاملها معاملة الظروف، قال: هي اسم ليست ظرفاً، فلا تعامل معاملة «قبلُ» و«بعدُ»، بل تعامل معاملة «كلٍّ» و«بعضٍ»، وبالتال فبما أن الضمة عند الأخفش إعراب، فهي ستكون على رأي الأخفش: «ليس غيرُ» وتغير، وتقول اسم «ليس» مرفوع وعلامة رفعه الضمة. ولا يجوز على رأي الأخفش أن تعرب «ليس غيرَ»؛ ما بتنفع، على رأي الأخفش؛ لأنه الضمة ضمة إعراب، خلاص لا تكون إلا اسم «ليس». لكن على رأي المبرد، وهو الذي ماشيين عليه، «غيرُ» بضمتها ضمة بناء، فيجوز أن تتجلى في محل رفع اسم «ليس»، ويجوز أن تجعلها في محل نصب خبر «ليس». فعلى قول الأخفش: الإعراب دائماً ستكون اسم «ليس»، ولا يمكن أن تكون الخبر. قال: وجوزهما ابن خروف، كلام الأخفش ما بيهمنا كثير في الحقيقة، خلوكم على الرأي الذي نحن معتمدينه.
قال: ويجوز قليلاً الفتح مع تنوين، أجاز بعضهم على وجه القلة هذه الأوجه، الآن سيذكر أوجه جديدة، يجوز قليلاً الفتح مع تنوين: «ليس غيراً». إذا قلت «ليس غيراً»، هنا «غيراً» وين صفت؟ آه، بتقول لي صفت في الوجه الرابع: حذف المضاف إليه ولم يُنوَ أبداً، فتكون معربة منصوبة، فتكون «ليس غيراً»، غالباً بتقول لي خبر «ليس» منصوب وعلامة نصبه الفتحة واسمها مستتر، «ليس هو غيراً». فقالوا: ويجوز قليلاً الفتح مع تنوين تقول: «هذا على الوجه الرابع، أعربته منصوبة»، هذه واضحة.
و«دونه» أي الفتح دون تنوين: «ليس غيرَ»، الفتح دون تنوين. وهنا «ليس غيرَ»، الفتح دون تنوين على ماذا سيكون؟ ليكون أحبابي على حذف المضاف إليه ونِيَّة لفظه، أي «ليس غيرَه». نحن قلنا إذا حذف المضاف إليه ونُوِيَ لفظه تكون معربة غير منونة، فقوله «ودونه» أي يجوز الفتح بدون التنوين: «ليس غيرَ»، تقول هذا إذا حذف المضاف إليه ونُوِيَ لفظه، فتكون «ليس غيرَ»، خبر «ليس» منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو على نية الإضافة لفظاً. ممتاز. قال: فهي خبر على هذين الوجهين. أكيد هي على هذين الوجهين ستكون خبر، والحركة إعراب باتفاق 100% زي ما حكينا.
قال: «كالضم مع التنوين»، أنا «كالضم مع التنوين» هو يتكلم عن أنه يجوز أن تقول «ليس غيرٌ». إذا قلت «ليس غيرٌ»، نحن رجعنا للحالة الرابعة معربة منونة، لكنك إذا قلت «ليس غيرٌ»، معربة منونة، أنت حذفت المضاف إليه ولم تنوه أبداً، لا لفظاً ولا معنىً، لكنك جعلت «غيرُ» اسم «ليس». لما قلت «ليس غيراً» جعلت «غيراً» خبر «ليس»، إذا قلت «ليس غيرٌ» أصبحت اسم «ليس». فهذه يعني خلاص، إذا أنت فهمت أصل هذه القواعد، الأصل تصير تفهم: قلت «ليس غيراً»، «ليس غيرُ»، «ليس غيرَ»، هذا كله واضح.
طيب، ثم قال تنبيهان، الأول: لا أريد أن أشغلكم ببعض التوسعات قد لا نحتاج إليها وتشوش الطالب، من أراد أن يقرأه وحده يقرأه، ومن أحب أن يراجعني فيه أفهمه إياه لا حرج عندي، لكن ما بدي أشوش على الطالب في هذا الشرح. انتقل للتنبيه الثاني.
التنبيه الثاني: قالت طائفة كثيرة لا يجوز الحذف بعد «غيرُ» ليس من ألفاظ الجحد، يعني «غيرُ» لا تأتي فيها هذه الأحوال وهذه القصة إلا بعد «ليس»، وأما أداة غير «ليس» من أدوات النفي ما تأتي معها «غيرُ» في هذه الأحوال. قال فلا يقال مثلاً: «قبضتُ عشرةً لا غيرُ»، بدل «ليس غيرُ»، «لا غيرُ». لكن يقول الأشموني: «وهم محجوجون»، هذا ليس بصحيح. قال في القاموس: وقولهم «لا غيرُ» لحن، لأن القاموس يخطئ من يقول إنه «لا غيرُ» لحن، وقولهم إن «لا غيرُ» لحن، يقول صاحب القاموس: وهو غير جيد، لأن «لا غيرُ» مسموع في قوله للشاعر: «جواباً به تنجو اعتماد، فهو ربنا لعن عمل أسلفته، لا غيرُ تسألُ، لا غيرُ تسألُ».
وقد احتج ابن مالك في باب قسمة من شرح التسهيل بهذا البيت، وكأن قولهم إنه لحن، من أين لحَّنوا قضية «لا غيرُ»؟ كأنهم أخذوه من قول السيرافي: «إنما يستعمل الحذف». قال السيرافي: الحذف إنما يستعمل إذا كانت «غيرُ» بعد «ليس»، ولو كان مكان «ليس» غيرها من ألفاظ الجحد لم يجز الحذف، ولا يتجاوز بذلك مورد السماع. فإذاً السيرافي هو الذي أفهم أن «غيرُ» لا يحذف المضاف إليه بعدها إلا في سياق «ليس». لكن هذا الكلام السيرافي دقيق، الصحيح أن السيرافي محجوج، لذلك قال: وقد سُمِع، انتهى كلامه، وقد سُمِع، صاحب القاموس يرد على السيرافي هذا الكلام، وبالتالي الصحيح أنه يجوز نفس هذه القصص وهذه القضايا بعد «لا» أيضاً. قال: والفتحة فيه «لا غيرَ»، إذا قلنا مثلاً «لا غيرَ»، كالفتح فيه إلى رجله على أنها اسم «لا» النافية للجنس، قال: كالفتح في «لا رجلَ» أو نعم، نقله في شرح اللباب عن الكوفيين.
جيد، ثم قال: «قبل كغيره». «قبل» أحكامها أحكام «غيرُ» عموماً، بس طبعاً «قبلُ»، «بعدُ»، أسماء الجهات، هذه عموماً ليست مسبوقة بـ «ليس»، لا، هذا في عموم الكلام. «قبل» وكـ «غيرُ»، «بعد» و«حسب» و«أول» و«دون» ودونه مثلاً، «دونه» والجهات الست أيضاً و«علو»، كلها مثل «غيرُ» في أنها ملازمة للإضافة، وتقطع عنها لفظاً دون معنى، فتبنى على الضم، يعني تكون المضاف إليه محذوف ونُوِيَ معناه، يكون المضاف إليه محذوف لفظاً ونُوِيَ معناه، فكلها تبنى على الضم. طبعاً لماذا تبنى على الضم؟ بده يعين لك أي بناء، نحن عرفنا في الأسماء إنما يكون لشبه بالحروف، مش هذه القاعدة التي أصلناها في بداية الألفية؟ أي بناء في الأسماء حتى لو كان بناءً طارئاً وليس بناءً أصلياً، مثل «قبلُ» و«غيرُ» ونحوها، حتى لو كان بناءً طارئاً، أي بناء يتعرض له اسم فهو لشبهٍ عرض له بالحروف. فقال: لشبهها حينئذ بحروف الجواب «نعم»، و«لا»، و«جير» في ماذا؟ قال في الاستغناء بها عما بعدها، أن حروف الجواب أنت تستغني بها عن الجواب المفصل صح؟ هل جاء زيد؟ «نعم». استغنيت بها أن أقول «نعم جائزة»، خلاص «نعم» مفهومة، كل ما التفصيل بها. فكذلك «قبلُ» و«بعدُ» ونحوها، إذا حذفت المضاف إليه بعدها كانك استغنيت بالمضاف عن المضاف إليه، كانك استغنيت بالمضاف عن المضاف إليه. قال: مع ما فيها أيضاً من شبه الحرف في الجمود، لأنه «قبلُ» و«بعدُ» وأغلب الأدوات التي معها يعني هي جامدة، تأتي إما منصوبة على الظرفية أو مجرورة بـ «من». طبعاً هل هذا في جميعها؟ كلا، فاليمين والشمال مع أنه من أسماء الجهات لكنه يستعمل مبتدأ ويستعمل في مواطن إعرابية عديدة، قوله: «فشبه في الجمود»، نقول هذا في أغلبها وليس في جميعها، والافتقار أيضاً تشبه الحروف في الافتقار. وما معنى الشبه الافتقاري؟ في الافتقار أنه هي دائماً مفتقرة إلى مضاف إليه بعدها، حُذِف ونُوِيَ لفظه أو نُوِيَ معناه، لكن هي بشكل عام من الأسماء الملازمة للإضافة في الأصل فهي مفتقرة، والافتقار يجعلها مشابهة للحروف.
بدأ يمثل لها، مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: 4]، في قراءة الجماعة. ونحو: قبضت عشرة فحسبه، أي فحسبي ذلك. راحت فحاسبوه، جاءت مبنية على الضم في محل رفع، طبعاً مبتدأ. وهذا يدل كما قلنا على أنه هل هي فعلاً جامدة لا تأتي إلا في موطن واحد؟ مش دقيقة؛ فحسبي ذلك. وحكى أبو علي الفارسي: ابدأ بذا من أوله. لاحظ: أوله. وجور بمنه، مع ذلك بنيت على الضم في محل جر. ومنه قول الشاعر: لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أولُ. قال: أولُ مبنية على الضم وهي منصوبة، يعني في محل نصب على الظرفية. وتقول: سرت مع القوم ودونُ، أي ودونهم. سرت مع القوم ودونُ، أي ودونهم، دونُ ظرف بنيت على الضم في محل نصب. وجاء القوم وزيد خلفُه وزيد خلفُه وأمامُه، أي خلفهم وأمامهم. أو منه قول الشاعر: لعن الإله تعلة بن مسافر لعناً يشن عليه من قدامُ. من قدامه. ومنه قول الشاعر: أقَبَّ من تحتُه عريض من علُ. الآن كلمة علُ، خلوا لي إياها على جنب لبحث سيأتي فيها، لكنه قال: أقَبَّ من تحتُ، أقَبَّ من تحتُ، فبنى تحتُ وهي من أسماء الجهات، بناها على الضم في محل جر لأنها مجرورة بمن.
أما قال بعد أن بين هذه الأحكام، يبين الأحكام التي ذكرتها لكم: أما إذا نوي ثبوت لفظ المضاف إليه، وهي الحالة الثانية. قال إنها تعرب من غير تنوين، كما لو تلفظ به، يعني كما لو كان المضاف إليه موجوداً؛ هي الحالة الأولى. بقول الشاعر: ومن قبلي نادى كل مولى قرابة، ومن قبله، كسرة إعرابية ولم ينون لأن المضاف إليه نوي لفظه. أيوه من قبل ذلك. وقرأ في بعض القراءات: لله الأمر من قبلي ومن بعدي، بالجر من غير تنوين. أي من قبل الغلب ومن بعد هذا المضاف إليه الذي نوي لفظه. وحكى أبو علي: ابدأ بداء من أوله، بالجر من غير تنوين أيضاً. قال: فإذا قطعت عن الإضافة لفظاً ومعنى، وهي الحالة الرابعة، أي لم ينوه المضاف إليه ولا معناه، فقد أعربت منونة ونصبت ما لم يدخل عليه جار، فإنه لا ينصب بل يجر في هذه الحالة. وهذا ما أشار إليه ابن مالك بقوله: وأعربوا نصباً إذا ما نُكِّرا قبلاً وما من بعده قد ذُكِرا وأعربوا نصباً قبلُ، وما من بعدي قد ذُكِرا، بشرط أن يُنكَّر. ماذا يقصد بالتنكير؟ القطع عن الإضافة لفظاً ومعنى. كقول الشاعر: فساغ لي الشراب وكنت قبلاً أكاد أغص بالماء الفرات، ونحن قتلنا الأسد أسد خفية، فما شربوا بعدُ على لذة خمراً. وكقول أيضاً امرئ القيس: كجنود صخر حطه السيل من علُ. وقراءة بعضهم: من قبلي، من قبلُ ومن بعدُ بالجر والتنوين. وحكى أبو علي الفارسي: ابدأ بذا من أوله، بالنصب ممنوعاً من الصرف بالوزن والوصفية، أولُ. إذا قطعت عن الإضافة لفظاً ومعنى تعود ممنوعة من الصرف لعدم وجود الإضافة، فإذا كانت ممنوعة من الصرف فإنها تجر بالفتحة بدلاً من الكسرة.
ثم قال الأشموني عليه رحمة الله: تنبيهات، الأول قضى كلامه. الآن الأشموني سيعترض على بعض الأفكار التي وردت في كلام ابن مالك السابق، وخصوصاً في قوله: وأعربوا نصباً إذا ما نُكِّرا قبلاً وما من بعده قد ذُكِرا. بيتكلم عن حسب، ويقول: مقتضى كلام ابن مالك أحبابي الكرام أن حسب عندما تكون مضافة، سواء كانت إضافة لفظية واضحة أو مضافة وحذف مضاف إليه ونوي لفظه أو نوي معناه، ظاهر كلام ابن مالك أنها تكون معرفة، أنها تتعرف بالإضافة. من أين أخذ هذا؟ لأنه قال في البيت الأخير: وأعربوا نصباً إذا ما نُكِّرا، قبلاً وما من بعدها، وما من بعدها قد ذُكِرا. مقتضى كلام ابن مالك أن قبل وما ذكر بعدها ومنها حسب، تكون نكرة في الحالة الرابعة إذا قطعت عن المضاف إليه لفظاً ومعنى. وقال: وأعربوا نصباً إذا ما نُكِّرا، مفهوم المخالفة أن في غير الحالة الرابعة وهي الحالات الثلاث الأولى تكون معرفة. لكن هل فعلاً حسب تكون معرفة مع الإضافة؟ هل تتعرف حسب بالإضافة؟ المشهور إخواني أن حسب لا تتعرف بالإضافة، بالتالي ما يفهم من كلام ابن مالك في الحقيقة ليس بصحيح. لذلك قال: اقتضى كلامه أن حسب مع الإضافة، بغض النظر عن نوعه النوع الأول أو الثاني أو الثالث، تكون معرفة وتكون نكرة إذا قطعت عن الإضافة، أي لفظاً ومعنى. طبعاً هناك حذف في كلام الأشموني، يعني وهذا أشار إليه الصبان أنه كان ينبغي لهذا الأشموني أن يقول: وليس كذلك، هذه جملته، ليس كذلك أضيفوها هنا.
وليس كذلك إذ هي بمعنى كافيك. يقول الأشموني إنه حسب، حتى لو أضيفت فإنها تكون بمعنى اسم الفاعل، فهي بمعنى كافيك. وعرفنا أن إضافة اسم الفاعل الذي بمعنى الحال أو الاستقبال إضافة لفظية لا يكتسب المضاف التعريف من المضاف إليه، فحسب هي بمعنى اسم الفاعل كافي، فإضافتها تكون إضافة اسم فاعل إلى معموله، وعرفنا أن إضافة اسم الفاعل إلى معموله إضافة لفظية لا تفيده التعريف. فكذلك إضافة حسب إلى معمولاتها سواء من النوع الأول أو الثاني أو الثالث، إضافة لفظية فلا تكسبه التعريف. لذلك قال: إذ هي بمعنى كافيك، بمعنى اسم الفاعل، واسم الفاعل إضافته لفظية لا تكسبه التعريف. إذ هي بمعنى كافيك، اسم فاعل مراداً به الحال، فتستعمل بالتالي استعمال الصفات النكرة، فتكون حسب نعتاً لنكرة، تقول: مررت برجل حسبك من رجل، وحالاً لمعرفة، فتقول: هذا عبد الله حسبك من رجل، حال، وتستعمل أيضاً ليس بمعنى اسم الفاعل، لكن استعمال الأسماء الجامدة، استعمال فقط، وقد: ﴿وَحَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾، فإن حسبك الله، بحسبك درهم، وهي في كل هذه الأحوال تكون نكرة. وهذا طبعاً قولك حسبه، فإن حسبك الله هذه الآية وما شابهها، قال: هذا يرد على من زعم أنها اسم فعل، فإن العوام اللفظية بل والمعنوية لا تدخل على أسماء الأفعال.
ثم قال: ويجوز أيضاً في حسب أن تقطع عن الإضافة فيتجدد لها إشرابها معنى دالاً على النفي، فتكون بمعنى لا غير. حسبه إذا قطعت عن الإضافة كاملاً يتجدد لها إشرابها معنى دالاً على النفي، تقول: عندي فلاناً فحسب، أي لا غير. ويتجدد لها ملازمتها أيضاً للوصفية أو الحالية أو الابتداء والبناء على الضم. القول والبناء على الضم هذا يدل على أنها لا تنصب مقطوعة عن الإضافة، قول والبناء على الضم يتكلم عن حسب المقطوعة عن الإضافة، يقول: يتجدد لها إشرابها معنى دالاً على النفي فتكون بمعنى لا غير، ويتجدد لها ملازمتها للوصفية أو الحالية أو الابتداء والبناء على الضم. ظاهر هذا الكلام قال: تقول رأيت رجلاً حسبه، ورأيت زيداً حسبه. ظهر هذا الكلام أن حسبه حتى لو انقطعت عن الإضافة لفظاً ومعنى تبقى مبنية على الضم. أقول: هذا ظاهر كلام الأشموني، فبالتالي حسبه ليس لها حالة تكون فيها معربة منونة، ليس لها حالة تكون فيها معربة منونة كما هو ظاهر كلام ابن مالك. قال: فكأنك قال الجوهري: كأنك تقول في رأيت رجلاً حسبه كأنك قلت حسبي أو حسبك فأضمرت ذلك ولم تنونه. وتقول في الابتداء: قبضت عشر فحسبُه، أي فحسبي ذلك، وكأنه والله أعلم حسبه لا يمكن أن تنقطع عن الإضافة أبداً. يعني لماذا يقولون ويتجدد لها البناء على الضم؟ الذي يظهر والله أعلم كأنهم يريدون أن يقولوا إن حسب لا تنقطع عن الإضافة أبداً فتعرب، بل حتى لو انقطعت عن الإضافة تكون منوية المعنى، لذلك تبقى مبنية على الضم. فحسبه إذاً ليست كما يفهم من ظاهر كلام ابن مالك أن مثلها مثل قبل، فحسب نقول حتى لو أضيفت لا تتعرف، وأن تبقى محافظة على تنكيرها. وهل لها حالة تكون مقطوعة عن الإضافة لفظاً ومعنى فتصبح معربة منصوبة؟ الذي يظهر من كلام الأشموني أنها لا توجد حالة بهذه الصورة.
ثم انتقل إلى كلمة علو فقال: واقتضى كلامه أيضاً أن علو تجوز إضافتها، وأنه يجوز أن تنصب إذا تجردت عن الإضافة لفظاً ومعنى، طبعاً أما على الظرفية أو الحالية، هذا طبعاً ليس كلام ابن مالك، هذا كلام الأشموني. لأن ابن مالك ما قال على الظرفية أو الحالية، قالوا أعربوا نصباً فقط. قال: وتوافق فوق في معناها، ولكن علو توافق فوق في معناها لكنها تخالفها في أمرين، أولاً أنها لا تستعمل إلا مجرورة بمنه، وأنها لا تستعمل مضافة. فبالتالي ظاهر كلام ابن مالك أنه علو يمكن أن تكون مضافة لفظاً، هذا مش وارد، قال: لا تستعمل مضافاً، وثانياً لا تستعمل إلا مجرورة بمنه، فلا يمكن أن تكون معربة منصوبة إذا انقطعت عن الإضافة لفظاً ومعنى، لذلك قال: وتخالفها في أمرين، أي تخالف فوق في أمرين، أنها لا تستعمل إلا، يعني فوق من أسماء الجهات تنطبق عليه هذه القواعد الأربعة، لكن علو هل مثلها؟ لا، ولعله لا تستعمل إلا مجرورة بمنه، فلا يمكن تأتي منصوبة، وأنها لا تستعمل مضافة، فلا يقول قد أخذته من عالي السطح كما يقال من علوه ومن فوقه.
وقد وهم في هذا جماعة منهم الجوهري وابن مالك، حيث ظنوا أن علو يمكن أن تستعمل كفوق مضافة لفظاً، يعني مضافة إلى ما بعدها، وهذا لا يمكن أن يقول: فهي لا تستعمل مضافة هذا أول شيء، ولا تستعمل إلا مجرورة بمن. فهي أما أن تكون من الحالة الثانية أو من الحالة الثالثة أو الحالة الرابعة، لكن لا يمكن أن تكون من الحالة الأولى، وإذا جاءت في الحالة الرابعة فإنها تكون مغلطة لكنها تكون مجرورة بمن ولا تكون منصوبة أيضاً كما هو ظاهر كلام ابن مالك لما قالوا أعربوا نصباً، هذا مش دقيق يا ابن مالك، إنه لاحظنا أن علو لا يمكن إذا انقطعت عن إضافة لفظاً ومعنى أن تكون منصوبة، لا يمكن، بل هي دائماً مجرورة بمن تمام، فهذه بعض المؤاخذات على ظاهر إطلاق ابن مالك. قال: وأما قوله: يا رب يوم لي لا أضلله، أرمض من تحتُ وأضحى من علُه، ظاهره أنها أضيفت، قال: فالهاء هي ليست الإضافة بل هاء السكت بدليل أنه مبني، قال: من علو من علو فهي مما نوي معناه، ورجوح لبنائه أصلاً لو كان مضافاً.
الثالث قال في شرح الكافي: وقد ذهب بعض العلماء إلى أن قبلاً في قوله وكنت قبلاً معرفة بنية الإضافة، أنه قبلاً حتى لو قطعت عن الإضافة لفظاً ومعنى وجاءت معربة منونة أنها تبقى معرفة بنية الإضافة، إلا أنه أعرب لأنه جعل ما لحقه من التنوين عوضاً من اللفظ بالمضاف إليه، وعومل قبلُ مع التنوين بما يعامل به مع المضاف إليه، كما فعل بكل حين قطع عن الإضافة لحقته التنوين عوضاً، وهذا القول عندي حسن. يعني هناك من يرى أن قبلُ وأخواتها حتى لو قطعت عن الإضافة لفظاً ومعنى ولونت وأصبحت منونة بأنها تبقى الإضافة موجودة ومقدرة، فتبقى معرفة ولا تنكر، تبقى معرفة ولا تنكر على اعتبار نية المضاف إليه لأنها ملازمة للإضافة، فحتى لو قطعت عن الإضافة لفظاً ومعنى لا يمكن أن تنقطع انقطاعاً تاماً، بل تبقى مشربة معنى الإضافة، وإذا كانت مشربة معنى الإضافة إذاً ستبقى معرفة، لذلك قد ذهب بعض العلماء إلى أن قبلاً في قوله وكنت قبلاً معرفة بنية الإضافة، تبقى نية الإضافة موجودة، إلا أنه أعرب لأنه جعل ما لحقه من التنوين عوضاً عن اللفظ بالمضاف إليه فقط، فعومل قبلُ مع التنوين بما يعامل به مع المضاف إليه، ثم فعل بكل حين قطع عن الإضافة الحق والتنوين مجرد للتعويض، وإلا فهو في حكم نية الإضافة، فلا يمكن أن ينكر ويصبح نكرة تماماً بحال من الأحوال، والأشموني يعني أعجبه هذا القول فقال: وهذا القول عندي حسن.
طيب نقف إذاً هنا إن شاء الله، وفي المحاضرة القادمة نأتي ونكمل ما بقي من الأبيات الأخيرة في باب الإضافة بعون الله وإرادته، وهذا نهاية تعليقي على هذا المجلس، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل