دخولتسجيل الدخول

الدرس 61 - الأسماء الملازمة للإضافة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وصلى وسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة ألفية ابن مالك في النحو والصرف. قبل أن نشرع في موضوع اليوم، وقول ابن مالك: «وبعض الأسماء يضاف أبدًا، وبعض ذا قد يأتي لفظًا مفردًا»، طلب منا الأحبة جزاهم الله خيرًا أن نعيد شرح الفكرة أو البيت الذي ختمنا به المحاضرة السابقة؛ لأنه شرح باختصار، فلعل بعض المفاهيم فيه لم تتضح، وسيعاد شرحه بإذن الله مستعينين بالله.

وهو قول ابن مالك: «ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهما إذا ورد». أولًا علينا أن نعرف أن الإضافة الحقيقية المحضة، وهي الإضافة المعنوية، ما فائدتها؟ لماذا تأتي بها العرب؟ عرفنا أن الإضافة الحقيقية المحضة يكتسب بها المضاف إما التعريف من المضاف إليه، وإما التخصيص. هذه فائدة الإضافة المحضة؛ المراد منها أن يكتسب المضاف من المضاف إليه إما تخصيصًا وإما تعريفًا.

وهذا بحد ذاته يقتضي المغايرة بين المضاف والمضاف إليه؛ لأن المضاف إذا كان هو عين المضاف إليه، فإنه لن يستفيد تخصيصًا ولا تعريفًا. كيف سيستفيد تخصيصًا أو تعريفًا وهو عينه؟ فبالتالي فلسفة الإضافة المحضة القائمة على أن المضاف ينبغي أن يكتسب من المضاف إليه تخصيصًا أو تعريفًا تقتضي المغايرة، يجب أن يكون المضاف يختلف عن المضاف إليه من حيث المعنى.

لذلك قال: «ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى»، لكنهم وجدوا في بعض الأحيان في بعض السياقات العربية في بعض الإضافات العربية يضيفون الاسم لمرادفه، أو يضيفون الصفة إلى موصوفها أو الموصوف إلى صفته، وقالوا هذا يعتبر من قبيل إضافة الشيء إلى نفسه. فكيف نتعامل مع هذه الحالات؟

الآن سأوصل القضية الأولى. الأشموني والشراح لما شرحوا ما الإضافة المتحدة في المعنى، مثلوا لها بنوعين: إضافة المترادفات بعضها إلى بعض؛ فالترادف مثلًا حين نقول: قمح بر، الآن البر هو القمح والقمح هو البر، هما مترادفان، فإضافة القمح إلى البر من إضافة الرديف إلى رديفه. وفي الترادف المعنى يكون واحدًا، زائد المصدق في الخارج يكون واحدًا، وهذه الصورة هي المتبادرة من صور الاتحاد في المعنى.

لما نقول لك لا يجوز في المضاف والمضاف إليه أن يكونا متحدين في المعنى، فعلاً الذهن يذهب إلى حالة الترادف، فيفهم أنه لا يجوز إضافة الشيء اللفظي إلى مرادفه؛ لأنهما متحدان معًا ومتحدان مصدقًا، لكنهم في الحقيقة يدخلون في اتحاد المعنى أيضًا. يدخلون في الإضافة المتحدة في المعنى أيضًا؛ إضافة الصفة إلى الموصوف وإضافة الموصوف إلى الصفة.

يقولون أيضًا إن هذا النوع، وهو إضافة الصفة إلى الموصوف وإضافة الموصوف إلى الصفة، من اتحاد المعنى، وهذا قد يشكل على طالب العلم. مثلا من إضافة الصفة إلى الموصوف: «سحق عمامة»، والسحق هو الشيء البالي الخلق، الشيء البالي، فنقول هذا ثوب سحق أي بالٍ تالف، فسحق عمامة هنا أنا أضفت الصفة وهي السحق إلى الموصوف وهو العمامة. ونفس الشيء في العكس، لو قلنا إضافة موصوف إلى صفة مثلما ذكر هنا من الأمثلة: «رجل فاضل»؛ فرجل هو الموصوف وفاضل هي الصفة، وأضفت الموصوف إلى الصفة.

الآن قد يقول البعض: يا شيخ هنا فيه تغاير، ليس السحق هي صفة والعمامة موصوف، هناك تغاير، فكيف تجعلونها من اتحاد المعنى؟ وكذلك رجل فاضل، رجل مفهوم له مفهومه الخاص، ففي اختلاف بين الصفة والموصوف فلا نجد اتحادًا في المعنى. حقيقة الشراح أدخلوا في اتحاد المعنى ما لو كان هذا المصدق فقط.

الموصوف مع صفته يختلفان من حيث المفهوم، لكن مصدقهما في الخارج واحد. فعندما نقول رجل فاضل، كمفهوم كلمة رجل تختلف عن مفهوم كلمة فاضل، لكن المصدق في الخارج الذي يسقط عليه أنه رجل هو الذي يسقط عليه أنه فاضل؛ ففاضل مصدقها الخارجي هو نفس مصدق الرجل، نفس المصدق بالضبط. وكذلك سحق العمامة، فالعمامة مصدقها في الخارج هو نفسه مصدق السحق؛ لأن السحق هو الثوب البالي، فالسحق والعمامة هما الشيء نفسه من حيث المصدق الخارجي، وإن كان المفهوم كمفهوم فيه اختلاف.

كما قلت لكم في حالة إضافة الصفة إلى الموصوف والموصوف إلى الصفة، الاتحاد في المعنى نكرره هكذا باتحاد المصدق في الخارج وإن كان المفهوم فيه اختلاف. فالصفة مفهومها يختلف عن الموصوف، وكذلك في الحالة الثانية الموصوف كمفهوم يختلف عن الصفة من حيث المعنى، فالرجل غير الفاضل والفاضل غير الرجل من حيث المعنى، لكن من حيث مصدقها الخارجي هما نفس المصدق.

كذلك كلمة السحق، لو عكست فقلت: «فاضل رجل»، فالفاضل هو الرجل من حيث المصداق الخارجي، فاتحاد المصدق اعتبروه جزءًا من اتحاد المعنى، فقالوا أيضًا يجب أن يختلف المصدق. فإذًا عندما نقول «ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى»، عليك أن تدخل صورة الترادف وتدخل صورة إضافة الصفة إلى الموصوف والموصوف إلى الصفة.

فيجب التغاير بالتالي، حتى نقول إن الإضافة متغايرة يجب أن يكون التغاير من حيث المفهوم ومن حيث المصدق. هذه الخلاصة؛ حتى نقول إن الإضافة متغايرة، التغاير ينبغي أن يكون تامًا: تغاير من حيث المفهوم وتغاير من حيث المصدق. مثل: «غلام زيد»، غلام وزيد كل واحد يختلف عن الآخر من حيث المفهوم ويختلف مصدقهما في الخارج، فالغلام هو هذا وزيد هو ذاك. وكذلك «باب المسجد»، الباب كمفهوم يختلف عن المسجد كمفهوم، ومصدقهما في الخارج مختلف؛ فمصدق الباب هو هذا ومصدق المسجد هو البناء. وهكذا الأصل في الإضافة التغاير التام من حيث المفهوم ومن حيث المصدق، فإذا حصل اتفاق من حيث المفهوم والمصدق، أو اتفاق من حيث المصدق وإن اختلف المفهوم، فهذا يجب تأويله.

لذلك قال: «وأول موهما إذا ورد». تمام أحبابي الكرام؟ لذلك ماذا قال الأشموني؟ قال: «ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى»، ومثل للاتحاد في المعنى بالمرادف مع مرادفه والموصوف مع صفته والعكس، ثم بين الفلسفة لماذا يجب التغاير بين المضاف والمضاف إليه؛ قال: «لأن المضاف يتخصص أو يتعرف بالمضاف إليه، فلا بد أن يكون غيره من جهة».

المعنى: نقول المعنى والمصدق هكذا تقول، فلابد أن يكون غيره في المعنى والمصدق الخارجي، فلا يقال: قمح بر؛ لأن كما قلنا إضافة مترادفين، ولا رجل فاضل، ولا فاضل رجل؛ لأن من إضافة الصفة إلى الموصوف أو الموصوف إلى الصفة.

وما جاء من هذه الصور من صور اتحاد المعنى، ما جاء من الإضافة متحدا في المعنى على إحدى الصورتين؛ عليك أن تتأوله. فقال: وأول موهما إذا ورد، أي إذا جاء من كلام العرب ما يوهم جواز ذلك، وجب تأويله. قال: فمما أوهم إضافة الشيء إلى مرادفه قولهم: جاءني سعيد كرز. قالوا: سعيد الاسم والكرز هو اللقب، فهما اعتبروا المعنى واحد، واعتبروا المصدق واحد؛ لأنه سعيد وكرز كأن الاسم والكنية واللقب مترادفات، فهي مترادفات من جهة المعنى ومصدقهما في الخارج واحد، وإن كان هذا قد ينازع فيه البعض قضية أنه هل الاسم والكنية واللقب مترادفات من حيث المعنى أم ترادفهما من حيث المصدق، هذا قد يكون فيه شيء من الإشكال. لكن دعونا نمشي معه واعتبرها من قبيل الترادف في المعنى، يعني من حيث المفهوم والمصدق متحدا. فقال: فإذا جاء سعيد ذو كرزين، فعليك هنا أن تقوم بالتأويل فتقدر الأول وتؤول الأول بأن المراد به المسمى، والثاني أن المراد به الاسم، حتى يكون كأنك قلت: جاء المسمى بكرز. قال: وتأويله أن يراد بالأول المسمى، فتقول: سعيد، ليس المراد منها نفس الاسم، وإنما المراد بها المسمى، وأردت بالثاني الاسم، أي نفس اللفظ؛ فهنا كأنك قمت بعملية مغايرة، أردت بالأول المسمى وهو الشخص الذي في الخارج، وأردت بالثاني الاسم وهو اللفظ. فتقول: جاءني مسمى هذا الاسم. هذه الطريقة. نفس الشيء مثلا قمح بر؛ لو قد يكون هذا أوضح، اشتريت قمح بر، تؤول كلمة قمح بأن المراد بها المسمى، والبر المراد بها الاسم. يعني اشتريت قمح بر، أي اشتريت المسمى ببر. اشتريت المسمى ببر، كأنك قلت اشتريت مسمى بر، هذا نوع من التأويل الذي يحتاج إليه، فكأنك قلت: اشتريت مسمى هذا الاسم، أي المسمى بهذا الاسم.

قال: ومما أوهم إضافة الموصوف إلى صفته قولهم: حبة الحمقاء. الحمقاء يقولون هي الحبة التي تنبت في طريق السيل. يقولون هذه حبة حمقاء، لكن هناك اعتراض ذكره الأشموني إلى الصبان في حاشيته على هذا المثال، أنه قال: هل فعلا حبة الحمقاء هو من إضافة الموصوف إلى صفته، أم أن الحبة مفهومها أعم والحمقاء مفهومها أخص؟ يعني أليس هذا من إضافة العام إلى الخاص، فاكتسب المضاف من المضاف إليه تخصيصا؛ لأنه الحبة مفهوم عام يشمل الحبة الحمقاء وغير الحمقاء، والحمقاء مفهوم خاص بنوع معين من الحب. في اعتراض من الصبان على هذا المثال لأن كلمة الحبة عامة والحمقاء خاصة بنوع معين من الحب، فإضافة حبة إلى الحمقاء هي في الحقيقة إضافة عام إلى خاص، فيكتسب المضاف هنا التخصيص من المضاف إليه، فجعل هذا من مثال إضافة الموصوف إلى صفته فيه نظر. لكن هكذا مثلوا به، ولعلهم أرادوا بالحبة هنا، كأنهم أرادوا بالحبة فقط الحبة التي تنبت في حميل السيل، يعني الحبة المراد بها ليس عموم الحبوب بل الحبة بخصوصها، الحبة التي تنبت في حمايل السيل وهي نفسها الحمقاء، فإذا خصصنا كلمة الحبة بالحبة التي تنبت في طريق السيل، بالتالي تكون نعم إضافتها إلى الحمقاء من إضافة الصفة إلى الموصوف. فالحمقاء هي نفسها هذه الحبة، وهذه الحبة هي نفسها الحمقاء من حيث المصدق؛ لأنه هذه إضافة موصوف إلى صفته، فالإتحاد ليس من حيث المعنى بل من حيث المصدق الخارجي. ونفس الشيء صلاة الأولى، ومسجد الجامع، فالصلاة موصوف والأولى صفة، ومصدق الأولى هو مصدق الصلاة، فهذه توصف بأنها صلاة وهي نفسها الأولى. ونفس الشيء هذا مسجد وهو نفسه الجامع من حيث المصدق الخارجي، فإضافة الموصوف إلى صفته يعمل لنا اتحادا من حيث المصدق؛ فعلينا أن نأوله.

قال: وتأويله أن يقدر موصوف، فتقول: حبة البقلة الحمقاء، وصلاة الساعة الأولى، ومسجد المكان الجامع، حتى يكون لما أولنا هذه التأويلات جعلناه من قبيل إضافة الشيء إلى جنسه؛ لأنك قلت: صلاة الساعة الأولى، ومسجد المكان الجامع. فالمسجد مثلا مسجد المكان الجامع، المسجد شيء خاص والمكان شيء عام، فلما قلت مسجد المكان، هنا كأنك أضفت الخاص إلى العام، أضفت الشيء إلى جنسه. ونفس الشيء حبة البقلة لما تقول حبة البقلة الحمقاء، هنا ماذا فعلت؟ هنا حولت أنت الإضافة إلى إضافة شيء إلى جنسه، وهذا شائع منتشر لا إشكال فيه، ويفيد التخصيص مثل خاتم فضة، ونفس الشيء حبة البقلة، البقلة مفهومها عام والحبة جزء من هذا المفهوم العام. نفس مسجد المكان الجامع، فهنا أنت جعلت الإضافة، جعلت الحبة مضافة حقيقة إلى البقلة التي هي مقدرة في السياق أنت قدرتها، وجعلت كلمة مسجد مضافة إلى كلمة المكان: مسجد المكان. المكان عام والمسجد خاص، من إضافة الشيء كما قلنا إلى جنسه، مسجد المكان، وجعلنا الجامع نعت للمكان، والحمقاء نعت للبقلة. فهنا إذا أنت اضطررت أن تقدر موصوفا يكون هو المضاف إليه حقيقة، حبة البقلة، الحبة هي من جنس البقول، والمسجد هو من جنس المكان. ونفس الشيء فعل في قوله: وصلاة الأولى؛ جعل كأن الصلاة هي من جنس الساعة، جعل الصلاة فردا من أفرادها كون الصلاة إنما تقع في الزمان. فهذا هو التأويل. قال: فتقدر موصوفا: حبة البقلة الحمراء، وصلاة الساعة الأولى، ومسجد المكان الجامع.

وما أوهم إضافة الصفة إلى الموصوف بقولهم: جرد قطيفة، الآن جرد قطيفة؛ الجرد صفة، المراد بالجرد إزالة خمائر القطيفة، القطيفة نوع من اللباس مثل العباءة يلبسه الإنسان، فجرد قطيفة أي قطيفة حدثت فيها جرد، فأنت وصفت، لماذا إضافة الصفة إلى موصوف؟ هنا القطيفة موصوفة بأنه وقع فيها جرد، أي إزالة لخمائرها، وسحق عمامة، من هنا العمامة موصوفة بأنها سحق أي بالية خلقة. فهذا كله من إضافة صفة إلى موصوف، جرد قطيفة وسحق عمامة، فهنا أيضا ستحتاج إلى تأويل. قال: وتأويله أن يقدر موصوف أيضا، لكن هنا الموصوف سيقدر قبل المضاف، قال: وإضافة الصفة تكون حينئذ من إضافة الصفة إلى جنسها. لاحظ ماذا قال؟ ونجعله من قبيل إضافة الصفة إلى جنسها. كيف يعني بدنا نقدم غير موصوف قبل المضاف؟ فتقول: جرد قطيفة، كأنك قلت: شيء جرد من جنس القطيفة، وشيء سحق من جنس العمامة، فأنت مضطر قبل المضاف في حال إضافة الصفة إلى الموصوف، أنت مضطر قبل المضاف؛ مثلا فاضل رجل، خلينا على فاضل رجل، أنت مضطر أن تقول: شيء فاضل، شيء فاضل رجل، هكذا التقدير، شيء فاضل من جنس الرجال، لما قدرت كلمة شيء كموصوف على المضاف، أصبح المضاف نعت لهذا الموصوف: شيء فاضل، ولاحظ أن الموصوف الذي بقدره عام وهو كلمة شيء: شيء فاضل. طيب ما هو هذا الشيء الفاضل من أي جنس هو؟ شيء فاضل رجل، التقدير: شيء فاضل من جنس الرجال. طبعا أنتم ملاحظين أن المسألة فيها تكلف عال، لكن هكذا هم يريدون التأويلات حتى تستطيع أن تحولها من إضافة موصوف إلى صفة إلى إضافة الشيء إلى جنسه. هم هكذا يريدون تحويلها إلى أن يجعلوها من قبيل إضافة الشيء إلى جنسه.

ونفس الشيء سحق عمامة، كأن التقدير: شيء سحق، لكن لما قلت شيء سحق، ما هو هذا الشيء السحق البالي؟ أردت أن تبين أنه من جنس العمامة، فقلت: سحق عمامة، التقدير كأنك قلت: شيء سحق من جنس العمامة، فهنا لما تقدر الموصوف قبل المضاف، يصبح هذا المضاف نعت لهذا الموصوف العام، لكن لعموم هذا الموصوف أصبح يحتاج إلى بيان جنسه، فتقوم بعملية الإضافة حتى تبين الجنس: شيء فاضل، ما هو هذا الشيء الفاضل؟ شيء فاضل رجل، أي شيء فاضل من جنس الرجال. سحق عمامة، فتقدر شيء سحق، طيب ما هو هذا الشيء الخالق البالي؟ بدنا نعرف جنسه فتقول: سحق عمامة، أي شيء سحق من جنس العمامة، وهكذا. فهذه هي التقديرات وإن كانت فيها نوع من الصعوبة، لكن تحتاج أن تتمرس عليها حتى تفهم كيف تخرج نفسك من مأزق الاتحاد في المعنى. طبعا هذه كلها أمور أحبابي الكرام لما نقول شيء سحق من جنس العمامة، هذه كلها أمور مقدرة في الذهن، يعني أنت أصلا لا تحتاج إلى تقديرها في الكلام، لكن أنت تقدرها فقط حتى تجد لنفسك مخرجا، حتى تجد لنفسك مخرجا من هذا الباب، ولو أنهم حصروا الاتحاد في المعنى في قضية الترادف لكان ربما أسهل، يعني لو لم يدخلوا الصفة والموصوف والموصوف والصفة في قضية الاتحاد في المعنى لأراحوا أنفسهم من كل هذه التأويلات. لكن هم خلص أصروا أن يعتبروا الموصوف والصفة كلاهما من الاتحاد في المعنى فاضطروا إلى مثل هذه التأويلات، والله سبحانه وتعالى أعلم. أسأل الله أن تكون الفكرة باختصار واعتصار تم وصولها إلى الطالب.

ثم قال: وبعض الأسماء يضاف أبدا وبعضها قد يأتي لفظا مفردا. الآن أحبابي الكرام من هذا البيت إلى حوالي أكثر من أربعة عشر بيتا في الإضافة، سيكون محور حديثها عن الأسماء الملازمة للإضافة، وأنواع هذه الأسماء الملازمة للإضافة، فمنها أسماء ملازمة للإضافة إلى المفرد، ومنها أسماء ملازمة للإضافة إلى الجمل، والأسماء الملازمة للإضافة إلى الجمل منها ما يضاف إلى الجملة الاسمية والفعلية، ومنها ما يختص بالإضافة إلى الجملة الفعلية. فهذا من المباحث المهمة في باب الإضافة، مبحث الأسماء الملازمة للإضافة وأنواعها وتقسيماتها، هذا مبحث جديد كما قلت سيستمر معنا أبيات تتحدث عن الأسماء الملازمة للإضافة أنواعها وتقسيماتها، لذلك قال ابن مالك: وبعض الأسماء يضاف أبدا، يعني بغض النظر يضاف إلى جملة أو يضاف إلى مفرد، لكن الآن قاعدة عامة عليك أن تعرفها يا طالب النحو، أن بعض الأسماء في العربية ملازمة للإضافة. ثم قال: وبعضها، أي بعض هذه الأسماء الملازمة للإضافة، قد يأتي لفظا مفردا، أي قد يأتي مفردا من جهة اللفظ، وإن كان مضافا من جهة المعنى، وكأنه يريد أن يقسم الأسماء الملازمة للإضافة إلى أسماء ملازمة بالإضافة لفظا ومعنى، فيستحيل أن تأتي إلا وبعدها المضاف إليه، وأسماء ملازمة بالإضافة معنى، بحيث أنه يمكن أن تأتي في بعض السياقات والمضاف إليه محذوف بعدها، لكنه مقدر من حيث المعنى. فهذا هو معنى قوله: وبعض ذا، أي بعض الأسماء الملازمة للإضافة قد تأتي لفظيا من حيث اللفظ مفردة، ما في بعدها مضاف إليه، لكن يكون المضاف إليه مقدر من حيث المعنى. فهذه كلها تقسيمات وستأتي معنا بإذن الله أثناء الشرح.

يقول للأشموني، بعض الأسماء، لأن الأشموني بده يعطيك القسمة كاملة، بقول لك الأشموني: بعض الأسماء تمتنع إضافته أصلا، هكذا يقول، كالمضمرات، أسماء الضمائر، الضمائر هذه لا تضاف، وأسماء الإشارة، وما عدا أي من الأسماء الموصولة وأسماء الشرط وأسماء الاستفهام، كل أسماء الشرط والاستفهام والموصولة ما عدا أي كلها لا تقبل الإضافة. إذا لو بدأنا نقوم بعملية التشجير فماذا نقول؟ الأسماء من حيث الإضافة تقول: أسماء لا تضاف، وتذكر منها الضمائر، أسماء الإشارة، وما ذكره لك الأشموني أيضا الأسماء الموصولة، وأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام ما عدا أي. ثم قال: وبعضها يضاف أبدا، فلا يستعمل مفردا بحال، يعني النوع الثاني أسماء ملازمة للإضافة. وبعض الذي يضاف أبدا قد يأتي لفظا مفردا، أي يأتي مفردا من جهة اللفظ، يأتي في تقديم وتأخير في البيت، قد يأتي مفردا من جهة اللفظ، وهو مضاف من جهة المعنى، وذلك مثل كل وبعض وأي. إذا الأسماء الملازمة للإضافة تقوم بتقسيمها إلى قسمين: ملازمة للإضافة لفظا ومعنى، وستأتي معنا مثل كلا وكلتا إلى آخره، وملازمة للإضافة معنى فقط، أما من جهة اللفظ فقد تأتي مفردة مثل كل وبعض وأي. طبعا أي، اكتب ما عدا أي الوصفية؛ لأن أي أنواع، هناك أي الوصفية، هناك أي الموصولية، هناك أي الاستفهامية، هناك أي الشرطية.

فالكلام عما عدا أي الوصفية؛ لأن أي الوصفية لازم بعدها يأتي مضاف إليه، لكن ملفوظ به، لكن الكلام هنا عن أي ما عدا أي الوصفية مثل أي الشرطية والاستفهامية والموصولية، فإنها قد تتجرد عن الإضافة من حيث أو من جهة اللفظ، وإن كانت مضافة من جهة المعنى. إذا الأسماء المناسبة بالإضافة: ملازم للإضافة لفظا ومعنى مثل كلا وكلتا، وملازم للإضافة معنى فقط مثل كل وبعض وأي ما عدا أي الوصفية. فمثاله الآن هو يتكلم عن النوع الثاني الملازم للإضافة من جهة المعنى فقط، وقال منه قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40]. لاحظ أنه كل ما في بعدها مضاف إليه، تمام ما في بعدها مضاف إليه، لكنه مقدر من حيث المعنى. ومن هنا كنا نقول أن التنوين في كل هو تنوين عوض عن المضاف إليه، لأن كل ملازمة للإضافة، لكنها ملازمة معنوية، فيمكن أن يحذف المضاف إليه بعدها ويعوض عنه بتنوين. طيب ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]، بعض الثانية حذف المضاف إليه منها. ومنه قوله تعالى: ﴿أَيَّمَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ [الإسراء: 110]، أي الشرطية هنا أيضا لم يأتي بعدها بالمضاف إليه وعوض عنه بالتنوين.

يقول الأشموني: «تنبيه؛ أشعر قوله: وبعض الأسماء، وقوله: وبعض، ذا قد يأتي لفظًا مفردًا». إلى أن الأصل والغالب في الأسماء العربية أن تكون صالحة للإضافة، والأسماء من حيث الإضافة سنزيد عليها قسمًا ثالثًا يمكن أن نضعه في البداية، وهو الأكثر والأغلب.

نحن قلنا الأسماء من حيث الإضافة ذكرنا أسماء لا تضاف، وأسماء ملازمة للإضافة، بقي علينا القسم الأول وهو القسم الأصلي والأغلب: أسماء تقبل الإضافة والإفراد، وهذا هو الأصل والغالب. فبالتالي أصبحت عندك الأسماء من حيث الإضافة ثلاثة أنواع: أسماء تقبل الإضافة والإفراد، وهذا هو الأصل الغالب المضطرد؛ وأسماء لا تضاف مثل الضمائر وأسماء الإشارة؛ وأسماء ملازمة للإضافة.

ممتاز، هذا تنبيه جيد من الأشموني، ثم قال: «وأفهم أيضًا أن الأصل في كل ملازم للإضافة ألا ينقطع عنها من حيث اللفظ». يعني الأسماء الملازمة للإضافة الأصل أن تكون من النوع الأول، وهي الملازمة للإضافة لفظًا ومعنى. كيف عرفنا ذلك؟ أن ابن مالك قال: «وبعض»، قد يأتي لفظًا مفردًا. أي بعض الأسماء الملازمة للإضافة، وقد لاحظوا كلمة «قد» هي المؤشر؛ قد تأتي من النوع الثاني وهي الملازمة للإضافة معنى دون لفظ، فـ«قد» هنا هي التي أفادتنا كل هذه الأصول.

ثم قال: «واعلم أن اللازم للإضافة على نوعين: ما يختص بالإضافة إلى الجمل وسيأتي معنا، وما يختص بالإضافة إلى المفردات». الآن أحبابي الكرام، سامحوا هذا التقسيم؛ تقسيم الإضافة إلى مضاف لفظًا ومعنى ومضاف معنى، وأعيد تقسيم الأسماء الملازمة للإضافة بحسب المضاف إليه. فأقول: الأسماء الملازمة للإضافة قسمين: منها ما هو ملازم للإضافة للجمل، يأتي بعدها جملة فعلية واسمية، ومنه ما يأتي بعده جملة فعلية فقط على ما سيأتي.

والأصناف الأخرى هي أسماء ملازمة للإضافة للمفرد، وتقسمها إلى أنواع: ما يضاف للظاهر والضمير، كما قسمها هنا؛ قال: «ما يضاف للظاهر والضمير، وذلك نحو: كلى، وكلتا، وعند، وسوى، وقصارى الشيء، وحماداه بمعنى غايته أو غاية الشيء». فهذه الأسماء ملازمة للإضافة، وقد تضاف إلى الظاهر وقد تضاف إلى المضمر؛ تقول: «كلاهما»، وتقول: «كلتا الجنتين»، أقول: «كلا الرجلين» أو «كلاهما»، و«كلتا الفتاتين» أو «كلتاهما»، فهي تقبل الإضافة إلى الظاهر وإلى الضمير.

والنوع الثاني ما يختص بالظاهر، وذلك نحو: «أولي»، و«أولات»، و«ذي»، و«ذات»، التي هي كلها بمعنى صاحب؛ «ذو» و«ذات» وجمعها «أولي» و«أولات»، هذه دائمًا تضاف إلى الظاهر. والنوع الثالث ما يختص بالمضمر فقط، وهذا هو موضوع الأبيات التي ستأتي بعد ذلك. فإذاً: ما يضاف للظاهر والضمير هو النوع الأول، والنوع الثاني ما يضاف بالظاهر فقط، والنوع الثالث ما يضاف للضمير فقط. هكذا يجب أن تقسم الأمور حتى تتضح عندك الخارطة.

الأسماء الملازمة للإضافة إلى المفرد: ما يضاف إلى الظاهر والضمير وذكر الأشموني أمثلتها، وما يضاف للظاهر فقط وذكر الأشموني أمثلتها، وما يضاف للضمير فقط وذكر الأشموني أمثلتها. بالتالي نقول: اعلم أن هذا المقطع مهم جدًا في تلخيص الأفكار. قال: «اعلم أن الأسماء الملازمة للإضافة على نوعين: ما يختص بالإضافة إلى الجمل وسيأتي، وما يختص بالمفردات»، وهذا الذي يختص بالمفردات على ثلاثة أنواع: «وما يضاف للظاهر والمضمر، وذلك نحو: كلا، وكلتا، وعند، وسوى، وقصارى الشيء، وحماداه بمعنى غايته»، «وما يختص بالظاهر، وذلك نحو: أولي، وأولات، وذي، وذات»، «وما يختص بالمضمر»، وإليه الإشارة بقوله: «وهذا سيشرع فيه الآن».

قال ابن مالك رحمه الله عن الأسماء الملازمة للإضافة إلى الضمائر: «وبعض ما يضاف حتمًا امتنع إيلاؤه اسمًا ظاهرًا حيث وقع، نحو: لبي، ودواليك، وسعديك، وشذ إيلاء يدي للبي». تكلم ابن مالك رحمه الله عن الأسماء الملازمة للإضافة إلى الضمائر، فقال: «وبعض ما يضاف»، أي بعض الأسماء الملازمة للإضافة إلى المفرد، «حتما امتنع إيلاؤه اسمًا ظاهرًا حيث وقع». أي لا يأتي بعده اسم ظاهر، لا يكون المضاف إليه اسمًا ظاهرًا حيث وقع.

مثل ماذا؟ مثل كلمة «وحدة»؛ تقول: «وحدك»، و«وحدي»، و«وحده»، لكن لا يجوز أن تقول: «وحدة زيد». فكلمة «وحدة» حيثما أضيفت فهي مضافة طبعًا، وإذا أضيفت فلا تضاف إلا إلى ضمير؛ فتقول: «جئت وحدي»، و«جئت وحدك»، و«جاءت وحدها»، ولا تضاف إلى اسم ظاهر. وكذلك «لبيك»، و«دواليك»، و«سعديك»، وسنعرف إن شاء الله الفرق بين كلمة «وحدة» وبين كلمة «لبيك» و«دواليك» و«سعديك»؛ فإن «وحدة» كما ذكر الأشموني تضاف إلى كل الضمائر ما عندها مشكلة، وأما «لبيك» و«دواليك» و«سعديك» فإنها لا تضاف إلا إلى ضمير الخطاب بالتحديد، فتقال: «لبيك»، «دواليك»، «سعديك». أما «وحدة» فإنها تضاف إلى مختلف الضمائر.

ثم قال: «وشذ إيلاء يدي للبي»، أي ستأتي معنا إن شاء الله. يقول الأشموني: «وبعض ما يضاف حتمًا»، أي وجوبًا، «امتنع إيلاؤه»، فجعل «حتما» متعلقًا بما سبق. أنا قبل قليل قدرت «حتما» متعلقة بـ«امتنع»، لكن الأشموني دعا إلى أن تكون «حتما» متعلقة بـ«ما يضاف»، يعني: بعض ما يضاف وجوبًا امتنع إيلاؤه، وهذا تقدير جيد أيضًا.

قال: «وهذا النوع على قسمين»، هذا النوع الذي لا يأتي بعده إلا ضمير تقسمه إلى قسمين. فنقول: ما يضاف إلى ضمير ينقسم إلى قسمين؛ دائمًا التشجيرات يا أحبابي الكرام بترتب الأفكار وتجعل الخارطة أمامك واضحة أين نحن. قال: قسم يضاف إلى جميع الضمائر، مثل كلمة «وحدة»: «جاء وحده»، و«جئت وحدك»، و«جاءت وحدها»، كلها متكلم وخطاب وغيبة تأتي معها. وقسم يختص بضمير المخاطب.

ما هو الذي يضاف إلى ضمير المخاطب؟ قال: «نحن لبيك، ودواليك، وسعديك، وحنانيك، وهزازيك»، تقول «لبيك» مثلاً. قال: «لبيك»، ما معنى «لبيك»؟ ركزوا في المعاني أحبابي الكرام لأنها مهمة؛ «لبيك» معناها إقامة على إجابتك، أي أقيم على إجابتك يا رب إقامة بعد إقامة، من اللب وهو المكان. إذًا ماذا؟ «دواليك» بمعنى تداولًا لك بعد تداول، و«سعديك» بمعنى إسعادًا لك بعد إسعاد، وهذه «سعديك» قال: لا تستعمل إلا بعد «لبيك»، يعني كلمة «سعديك» لم يُسمع استعمالها إلا بعد كلمة «لبيك»، فهي دائماً مقترنة بها، أو لا تأتي إلا مقترنة بها. قال: «وحنانيك» بمعنى تحننًا عليك بعد تحنن، و«هزازيك» بمعنى إسراعًا لك بعد إسرع. فسر لك معاني هذه الألفاظ.

فكل هذه الألفاظ ركز عليها، أنت على ما ذكره: لبيك، وسعديك، ودواليك، وحنانيك، وهداديك. هذه كلها تأتي ملازمة للإضافة إلى مفرد، ومفردها يكون ضميرًا، ومن ضمير الخطاب فقط.

ولذلك شذ أن يأتي بعد "لبي" كلمة "يدي"؛ يعني شذ في لسان العرب، وورد في بعض الأبيات على سبيل الشذوذ إضافة التلبية إلى اليد وهو اسم ظاهر، بدلًا من إضافتها إلى الضمير. لذلك قال: وشذ إيلاء "يدي" لـ "لبي"، أي شذوذ إضافة كلمة "لبي" إلى كلمة "يدي". ومنه قول الشاعر: دعوت لما نابني مسورًا... فلبى فـ"لبي يدي" مسواله. شف، "فـلبي يدي"، "فلبي يديه". نحن أصل المشهور أن نقول "لبيك"، هنا ماذا قال؟ قال "لبي يدي"، أضاف التلبية إلى اليد وليس إلى كاف الضمير، وهذا من الشاذ. وشذ إيلاء "يدي" أي شذ في لسان العرب أن تأتي التلبية مضافة إلى اليد.

كما شذت إضافته أيضًا إلى ضمير الغائب بقوله: إنك لو دعوتني ودون زوراء ذات مترع بيوني، لقلت لبيه لمن يدعوني. أضاف التلبية إلى ضمير غائب أيضًا، وهذا هو الشاذ.

الآن من الفوائد الجميلة التي ينبغي أن يفهمها طالب العلم إعراب هذه الأسماء: لبيك، ودواليك، وسعديك، وحنانيك، وهداديك؛ كيف تُعرب في العربية؟ هذا مهم إعرابًا أحبابي الكرام. قال مذهب سيبويه: إن لبيك وأخواتها أولًا هي عبارة عن مصادر مثناة من جهة اللفظ، وإن كان معناها ليست تثنية بل معناها التكثير.

إذا: لبيك، سعديك، حنانيك، هداديك، دواليك؛ ما معناها في العربية؟ تقول أولًا هي مصادر سميت، فهي مثناة من حيث اللفظ لكن معناها ليست تثنية، وإنما معناها التكثير؛ فـ"لبيك" معناها الإقامة على إجابتك مرة بعد مرة، و"دواليك" كذلك، و"حنانيك"، و"هداديك". فهي لا تدل على الاثنين من حيث المعنى، لكنها من حيث اللفظ مثنى؛ لذلك الياء هنا ياء تثنية في "لبيك". إذن هي مصادر مثناة لفظًا ومعناها التكثير.

على ماذا تُعرب؟ قال: وهي منصوبة على المصدرية، أي اكتبوا أنها مفاعيل مطلقة، دائمًا نعربها على أنها مفعول مطلق. طيب، ما العامل فيها؟ قال: عواملها محذوفة من ألفاظها، فـ"هداديك" العامل فيها هو الإسراع، و"لبيك" فيها هو الإقامة. طبعًا لماذا؟ الصبان قال إن "ليك" و"لبيك" لم يرد في العربية استعمال أفعال منها، وبالتالي اضطررنا أن نعدل إلى أفعال من معانيها تكون هي العاملة فيها؛ بخلاف "دواليك" و"سعديك"؛ فإن "التداول" و"الإسعاد" هذه أفعال أو أفعالها نقول: تداول تداولًا، وأسعد يسعد، أفعال مستعملة في لسان العرب، فيجوز أن تقدر هي العوامل التي تعمل في ألفاظها.

فلذلك قال: لبيك ودواليك وسعديك وأخواتها كلها أحبابي مفاعيل مطلقة، عواملها محذوفة من نفس ألفاظها؛ فسعديك عاملها "أسعد"، ودواليك "تداول"، وأما لبيك وهداديك فهذين بالتحديد قالوا لأن أفعالهما لم يرد استعمالهما في العربية، وإن كان هذا في "لبيك" فيه نقاش، لكن هكذا قال الأشموني؛ فإننا نقدر عوامل من المعاني، فتقدر بـ"هداديك" أسرع، وفي "لبيك" أقيم، وفي "سعديك" أسرع. فخلاص، تصلح هذه العوامل المحذوفة لتعمل في هذه المصادر.

وجوز سيبويه إعرابًا آخر في "هداديك" في قول الشاعر: ضربًا هداديك وطعنًا... وفي "دواليك" في قوله: إذا شق بردٌ شق بالبرد مثله دواليك... قال هنا "دواليك" و"هداديك" يجوز أن تُعرب حالًا. لكن الأشموني قال بهذا وهو ضعيف؛ سبب الضعف ما هو برأيكم؟ أنه "دواليك" و"هداديك" هذه معارف لأنها أضيفت إلى ضمير، والحال يكون نكرة. ولسبب آخر؛ لأن المصدر الموضوع للتكثير، وهذه كلها مصادر موضوعة للتكثير، لم يثبت فيها غير كونه مفعولًا مطلقًا. قال: لبيك وأخواتها كلها موضوعة كمصادر للتكثير، والمصادر الموضوعة للتكثير لم يثبت استعمالها إلا مفعولًا مطلقًا، فإعرابها على الحال يكون ضعيفًا. وجوز الأعلم الشنتمري وذكر قول يونس بن حبيب، لا أريد أن أشغل طالب العلم بها، من أحب أن يقرأها يطلع عليها لا حرج، لكن ليست هي صلب المحور الذي نتكلم عنه.

إذن: لبيك وأخواتها أحبابي الكرام مصادر مثناة لفظًا، معناها التكثير، تُعرب مفعولًا مطلقًا، هذا هو الصحيح، وعواملها محذوفة إما من لفظها وإما من معانيها.

ننتقل الآن بعد أن أنهينا الأسماء الملازمة للإضافة إلى المفرد، والتي يجب أن تضاف إلى الضمير فقط بنوعيها؛ وهي كلمة "حين" التي تضاف لجميع الضمائر، و"لبيك" وأخواتها التي تضاف لضمير المخاطب فقط. ننتقل الآن للأسماء الملازمة للإضافة إلى الجمل.

طيب يا شيخ، وما عن هذه الأسماء التي تضاف إلى الظاهر؟ الأسماء الملازمة للظاهر فقط درسناها سابقًا وهي: "ذو" و"ذات" و"أولو" و"أولات". بقي أن يتكلم عن الأسماء الملازمة للإضافة للظاهر والضمير، وستأتي معنا ويمر على كثير منها بعد أن ينهي موضوع الأسماء الملازمة للإضافة إلى الجمل. ننتقل إلى هذه المنطقة: الأسماء الملازمة بالإضافة للجمل، ثم نعود بعد ذلك إلى ذكر بعض الألفاظ التي تلازم الإضافة إلى الظاهر والضمير كما تلاحظون الآن.

قال ابن مالك: والزموا إضافةً إلى الجمل حيث وإذ ... وإن يُنون يحتمل برادو إذ

ما كإذ معنى تئذ حكما. هكذا يريد أن يقول: أضف جوازًا نحو: حين جاء، إذ جاء.

الآن أحبابي الكرام، الأسماء الملازمة بالإضافة إلى الجمل على نوعين: ما يضاف للفعلية والاسمية، وما يضاف للفعلية فقط. بدأ الآن بالنوع الأول وهو ما يضاف للفعلية والاسمية، وهي "حيث" و"إذ". فقال: والزموا أي العرب إضافة إلى الجمل "حيث" و"إذ". طبعًا "حيث" ظرف مكان أحبابي الكرام غير متصرف، وقد يراد به الزمان، لكن الأكثر أنه للمكان. و"إذ" هو ظرف للزمان الماضي. هذان الظرفان ملازمان للإضافة إلى الجمل، لازم يأتي بعدهما جملة، قد تكون جملة اسمية وقد تكون جملة فعلية.

"حيث" ملازمة للإضافة إلى الجمل لفظًا ومعنى، فلازم بعدها جملة ولا يمكن أن تُحذف. وأما "إذ" فهي ملازمة للإضافة إلى الجمل لكن ملازمتها معنوية. ماذا يعني معنوية؟ كما هو معنا قبل قليل؛ أنه يمكن أن تأتي الجملة وتكون مذكورة، ويمكن أن تُحذف هذه الجملة ويعوض مكانها بتنوين يسمى تنوين عوض عن جملة. فإذن الفارق بين "حيث" و"إذ" أن "حيث" إضافتها للجمل إضافة لفظية معنوية فلا يمكن أن تُحذف الجملة بعدها.

وأما إذ فأضافتها للجمل إضافة معنوية، بحيث يمكن أن تحذف الجملة بعدها ويعوض عنها بالتنوين، يسمى تنوين عوض عن ماذا؟ عن جملة؛ لذلك قال: «وإن ينون يحتمل إفراد إذ»، لأن إذ يمكن أن تفرد لفظًا عن الإضافة، ويعوض عن المضاف إليه بالتنوين.

ثم قال: «وما كإذ معنا؟»، يعني أسماء الزمان التي هي كإذ من حيث المعنى تدل على زمان مبهم ماضٍ كما سيأتي معنا. أسماء الزمان التي هي معانيها معاني إذ تدل على زمان مبهم ماضٍ، فهي كإذ من حيث إنه يجوز إضافتها إلى جمل بعدها. والفرق بينها وبين إذ أن إذ يلزم إضافتها إلى جملة بعدها، أما حقيقة أو من حيث المعنى.

أما هذه أسماء الزمان المشابهة لإذ، وهي أسماء الزمان المبهمة الماضية، فيجوز ولا يلزم إضافتها إلى جمل بعدها. قال: «أضف جوازًا نحو حين جاء نوبذ»، فحين مثلًا مثل إذ؛ اسم زمان للماضي المبهم، ليست تدل على ماضٍ معين، فجاز جواز معاملتها معاملة إذ في إضافتها إلى الجمل، فقال: «حين جاء»؛ حين جاء جملة، وجاء مضاف إلى حين، وسيأتي معنا أكثر التفصيل ونحن نقرأ كلام الأشموني بإذن الله.

إذن، وألزموا إضافة إلى الجمل حيث وإذ، وعرفنا الفرق بين حيث وإذ. وإن ينون يحتمل إفراد إذ؛ إذا نونت إذ تفرد عن الإضافة من حيث اللفظ وإن كانت مضافة من جهة المعنى. وما كإذ من أسماء الزمان المبهمة الماضية، وما كإذ من جهة المعنى فهي كإذ، أو يجوز معاملتها كإذ من جهة الحكم، من أي حيثية؟ يقصد من حيث إضافتها إلى الجمل. قال: «أضف جوازًا نحو حين جاء نوبذ»، وقال: «وألزموا إضافة إلى الجمل».

الآن نقرأ كلام الأشموني. قال: «وألزموا إضافة إلى الجمل حيث وإذ». حيث الأشموني فشمل إطلاقه الجمل الاسمية والفعلية لأنه لم يحدد، فالاسمية نحو قولك: «جلست حيث زيد جالس»، جملة «زيد جالس» مضاف إليه لحيث. «واذكروا إذ أنتم قليل»، الجملة الاسمية «أنتم قليل» مضاف إليه لإذ.

وأمثلة الجملة الفعلية: «جلست حيث جلست»، جملة فعلية ماضية، و«أجلس حيث أجلس»، جملة فعلية مضارعية. ثم ذهب إلى: «واذكروا إذ كنتم قليلًا»، جملة فعلية ماضية «كنتم». و﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ركزوا في هذه الآية؛ إذ جاء بعدها جملة فعلية مضارعية، لكن إذ هي أصلاً اسم للزمان الماضي، فحتى لو جاء بعدها جملة فعلية مضارعية فإنها تحولها إلى الزمن الماضي؛ تكون مضارعًا من حيث اللفظ لكنها ماضية من حيث المعنى. فقوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ يعني: وإذ مكر بك الذين كفروا، فهي مضارع من جهة اللفظ لكنها ماضية من جهة المعنى.

لذلك انظر ماذا قال الأشموني؟ «ومعنى هذا المضارع المضي حينئذ»، ليه؟ تقول لأن إذ معناها الماضي، فالجملة التي تكون مضافًا إليه يجب أن تكون بمعنى الماضي. قال: «وأما نحو قوله: أما ترى حيث سهيل طالعًا؟»، حيث هنا أضيفت إلى مفرد وليس إلى جملة. وقوله: «ونطعنهم حيث الكلى بعد ضربهم ببيض المواضي»، و«حيث لي العمائم»، حيث هنا في المقطع الأول والمقطع الثاني أضيفت إلى مفرد، «حيث لي العمائم» أضيفت إلى المضاف، و«حيث الكلى» أضيفت إلى الكلى. قال: «فهذا كله شاذ لا يقاس عليه خلافًا للكسائي». إذن، حيث إذا جاء في بعض الأبيات إضافتها لمفرد فهذا شاذ لا يقاس عليه.

ثم قال تنبيه: «قولهم إذ ذاك»، إن سمع في لسان العرب قولهم إذ ذاك، وهذا ظاهره أن إذ أضيفت إلى مفرد وهي كلمة ذاك، لكن يقول الأشموني ليس هذا من الإضافة إلى المفرد، بل إلى الجملة الاسمية؛ لأنه في التقدير في قولك إذ ذاك: أي إذ ذاك كذلك، أو إذ كان ذاك. فالمهم إذ ذاك اعرف أنها مقدرة بتقدير الجمل.

ثم قال: «وإن ينون يحتمل إفراد إذ»، أي أن تنون إذ يحتمل إفرادها من جهة اللفظ، وأكثر ما يكون ذلك مع إضافة اسم الزمان إليها. وقد مرت معنا سابقًا بالفكرة أنه عادة إذ متى تفرد ويعوض عن الجملة بعدها بالتنوين؟ إذا كانت إذ هي أصلاً مضافة إلى اسم زمان سابق، كما في نحو قولك: «يومئذ» و«حينئذ»، ويكون التنوين عوضًا من لفظ الجملة المضاف إليه المحذوفة، كما تم بيانه في أول الكتاب.

وأما نحو قولك: «وأنت إذ صحيح»، أنه إذ هنا حذفت الجملة بعدها مع أنها ليست مضافة إلى اسم زمان سابق عليها، قال: «فهذا نادر»، يعني كقوله «فنادر»، هذا مقابل لقوله «وأكثر ما يكون ذلك مع إضافة اسم الزمان إليها». يعني نحن قلنا إذ أكثر ما يكون حذف الجملة بعدها، وتعويض التنوين إذا كانت إذ نفسها مضافة إلى اسم زمان سابق مثل يومئذ وحينئذ، وأما إذا لم تكن مضافة إلى اسم زمان سابق، فحذف الجملة بعدها ووضع تنوين عوض يكون نادرًا، مثل «وأنت إذ صحيح». الآن إذ واضحة أنها منونة عوضًا عن الجملة وليست إذ مضافة إلى اسم زمان قبلها، فهذا من القليل النادر.

ثم قال: «وما كإذ»، يعني وما هو من أسماء الزمان كإذ من حيث المعنى. قال في كونه ظرفًا -بدل كلمة ظرف نقول اسم زمان أفضل- «ما كان كإذ اسم زمان مبهم»، أي ليس يدل على زمان محدد ماضٍ، مثل كلمة الحين، كلمة الوقت، كلمة الزمان. قال: «كلمة اليوم إذا أريد بها الماضي ولم يرد بها الأربع وعشرين ساعة». إذا قلت يوم كذا يعني في زمن مضى، اليوم إذا أريد بها الماضي وليس الزمن المحدود، فهذه كإذ في الإضافة إلى ما تضاف إليه إذ، يعني أنه يجوز أن تضاف إلى الجمل مثل إذ، لكن في فرق وهو أن إضافتها إلى الجمل تكون جوازًا وليس وجوبًا.

مثال ذلك نحو: «حين جاء نوبذ»، تقول: «جاء زيد يوم الحجاج أمير»، «الحجاج أمير» جملة اسمية مضاف إليه لكلمة يوم، ويوم هنا المراد به الزمان الماضي، أي زمن الحجاج أمير، وليس المراد باليوم الأربع وعشرين ساعة. ونحو قولك: «حين مجيئك نبذ»، و«جاء زيد يوم أميرت الحجاج»، فهذا أيضًا جائز، وتكون حين ويوم هنا أضيفت إلى المفرد، فإذن هو أراد أن يبين لك أن الحين واليوم وكل اسم زمان مبهم ماضٍ.

يجوز معاملته كـ«إذ»، فيضاف إلى الجمل، لكن في نفس الوقت يجوز أن يضاف إلى المفردات، لا حرج؛ فليس لازمًا أن يعامل معاملة إذ، إذن يجوز أن يضاف إلى الجمل ويجوز أن يضاف إلى المفردات. فمثل هنا بالإضافة إلى المفردات بقولك: «حين مجيئك نبذ»، وبقولك: «جاء زيد يوم امرئ الحجاز»، فهذا جائز إضافته إلى المفرد، ويجوز أن يعامل كـ«إذ» وتضاف إلى الجمل.

قال: فإن كان الظرف مبهمًا، يعني اسم الزمان -بديش أقول ظرف اسم الزمان حتى يكون أعم- فإن كان اسم الزمان المبهم مستقبل المعنى. إحنا قلنا شرط اسم الزمان المبهم ماضٍ، فإذا كان اسم الزمان مبهمًا لكنه مستقبل المعنى يتكلم عن المستقبل، قال: ألا يجوز أن يعامل معاملة «إذ»، بل يعامل معاملة «إذا» التي ستأتي معنا، فلا يضاف إلى الجملة الاسمية بل إلى الفعلية؛ لأن «إذا» تضاف إلى الجملة الفعلية فقط كما سيأتي.

فاعترض عليه بقوله: وأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [النحل: 29]، «يوم» اسم زمان مبهم لكنه في الآية يتكلم عن الدار الآخرة وهي مستقبل، ومع ذلك أضيفت إلى جملة اسمية: «يوم هم على النار يفتنون»، أضيفت إلى جملة اسمية؛ فكيف تقول لا تضاف إلى الجملة الاسمية إذا كانت بمعنى المستقبل؟ وقول الشاعر أيضًا: «فكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة»، لاحظ «يوم لا ذو شفاعة» يوم القيامة، وجاءت «يوم» مضافة إلى جملة اسمية: «يوم لا ذو شفاعة».

قال: ففي هذه الجمل صحيح أن «اليوم» هنا تتكلم عن شيء مستقبلي، لكن هنا المستقبل نزل منزلة الماضي لتحقق وقوعه؛ يوم القيامة يوم متحقق الوقوع، فحتى لو كنت تتحدث عنه عن المستقبل، ينزل منزلة الماضي من جهة تحقق وقوعه، فلأنها إذا عوملت معاملة الماضي جاز إضافتها إلى الجملة الاسمية ومعاملتها معاملة «إذ»، هذا هو مذهب سيبويه، وأجاز ذلك الناظم على قلة تمسكًا بظاهر ما سبق. أي أن الناظم -رحمه الله- قال لك لا، يعني بعض مصنفاته قال هي لم تنزل منزلة الماضي، بل الظروف التي تتحدث عن المستقبل يجوز إضافتها إلى الجملة الاسمية وإن كان هذا قليلاً، هذا رأي لبعضهم.

قال: وأما غير المبهم من الزمان، وهو المحدود، فلا يضاف إلى جملة أبدًا، وذلك نحو شهر وحول؛ فهذه لا تضاف إلا إلى المفردات. إذا كان اسم زمان مبهمًا ماضيًا يعامل معاملة «إذ» فيضاف إلى الجملة الاسمية والفعلية، وإذا كان اسم زمان مبهمًا مستقبليًا فالأصل يعامل معاملة «إذا» فيضاف فقط إلى الجملة الفعلية كما سيأتي معنا. وأما إذا كان اسم زمان ماضيًا لكنه ليس مبهمًا بل محدود الطرفين، ففي هذه الحالة -أو حتى لو كان للمستقبل، يعني اسم الزمان سواء كان للمستقبل أو كان للماضي، متى كان محدود الطرفين يدل على وقت محدود مثل الشهر والحول- فهذا لا يضاف إلا إلى المفردات ولا يضاف إلى الجمل، فلا يكون داخلًا في المعنى الداخل هنا في الأسماء الملازمة الإضافة إلى الجمل.

الآن ما زلنا سنتكلم عما يعامل معاملة «إذ» لسه ما انتهى الحديث. قال: «وابنِ أو أعرب ما كإذ قد أجري، واختر بنا ما تلو فعل بني، وقبل فعل معرب أو مبتدأ، أعرب ومن بنى فلن يفندا». هذه فكرة سهلة يسيرة، يقول: أسماء الزمان المبهمة الماضية التي عاملناها معاملة «إذ» بجواز إضافتها إلى الجمل، يجوز في هذه الأسماء -الزمان المبهم الماضي مثل الحين والوقت واليوم التي عوملت معاملة إذ فأضيفت إلى الجمل- يجوز فيها في حال إضافتها إلى الجمل أن تعربها ويجوز فيها أن تبنيها؛ تعربها بناءً على الأصل أنها معربة، ويجوز أن تبنيها تشبيهًا لها بـ«إذ»؛ لأن «إذ» مبنية.

إذن أسماء الزمان المبهمة الماضية التي عوملت معاملة «إذ» فأضيفت إلى جمل بعدها، لك فيها وجهان من حيث الإعراب والبناء: لك فيها أن تبنيها وهو الأصل، ولك فيها أن تعربها. لذلك قال: «وابنِ أو أعرب ما كإذ قد أجري»، أي ما أجري ومجرى «إذ»، «وابنِ أو أعرب ما كائن قد أجري» مما سبق أنه يضاف إلى الجمل جوازًا. قال: أما الإعراب فعلى الأصل لأن الأصل كان معربًا، وأما البناء فحملًا على «إذ» التي شبهت بها.

لكن ما هو الأفضل؟ هل هناك حالات رجحان؟ أي نعم، في حالات رجحان. قال: «واختر بنا متلو فعل بني». إذا كان اسم الزمان المبهم الماضي مضافًا إلى جملة، وهذه الجملة فعلية، ففيها فعل مبني؛ جملة فعلية أضيفت إلى جملة فعلية فعلها مبني، إما فعل ماضٍ وفعل الماضي مبني، أو فعل مضارع دخل عليه ما يقتضي بناءه مثل نون النسوة أو نون التوكيد، المهم إذا كانت هذه الظروف مضافة إلى جملة فعلية وهذه الجملة الفعلية فعلها مبني، فالأرجح في الظرف أن يُبنى.

وأما إذا كان اسم الزمان المبهم الماضي مضافًا إلى جملة، وهذه الجملة جملة فعلية فعلها معرب، أو جملة أضيفت إلى جملة وكانت جملة اسمية أصلاً ليست فعلية، فالأرجح في هذه الحالة في اسم الزمان المبهم الماضي أن يُعرب ولا يُبنى. من حيث الرجحان، لذلك قالوا: «واختر بنا متلو فعل بني»، إذا جاء اسم الزمان المبهم الماضي بعده جملة فعلية فعلها مبني فالمختار فيه البناء، «وقبل فعل معرب أو مبتدأ»؛ وأما إذا جاء اسم الزمان المبهم الماضي قبل فعل معرب مثل الفعل المضارع أو مبتدأ -يعني كانت بعده جملة اسمية فهي مبتدأ وخبر- فهنا أعرب، المختار إعراب اسم الزمان.

المختار إعراب اسم الزمان، لكن «من بنى فلن يفندا»؛ لأن هي القضية قضية الاختيار والارجح والأفضل وليست القضية إلزامية، فإما أن تبنيه وإما أن تعربه. «واختر بنا متلو فعل بني»، لا أظن هنا هي القضية قضية أن تحافظ على التناسب؛ إذا كان فعلًا مبنيًا فاسم الزمان يُبنى حتى يكون هناك تناسب، وإذا كان فعلًا معربًا أو جملة اسمية فهناك تتكلم عن إعراب، فالتناسب أن يكون اسم الزمان معربًا، هي القضية مبنية على التناسب.

فقال: «واختر بنا متلو فعل»، أي أن الأرجح والمختار فيما تلاه فعل مبني هو البناء. المختار في اسم الزمان المبهم الماضي الذي تلاه فعل مبني بناءً للتناسب، كقول الشاعر: «على حين عاتبت المشيب على الصبا»، لاحظ «على حينه»، هذه الرواية الشهيرة للبيت «على حين»، وإن كانت هناك رواية بالكسر عن الإعراب، لكن الرواية الشهيرة «على حينُ». الآن لماذا «حينُ» مفتوحة وليست مكسورة؟ تقول على البناء، بُنيت على الفتح في محل نصب.

لماذا بنيت؟ تقول لأنها أضيفت إلى جملة مضافية، والجملة المضافية مصدرة بفعل مبني. الجملة الماضية مصدرة بفعل مبني وهو "عاتبت"، فعل ماضٍ مبني، فهنا جاءت "حين" مبنية للمناسبة.

وقول الشاعر: "لأجتذبن منهن قلبي تحلما.. على حين يستصبين كل حليم"؛ هنا "يستصبين" فعل مضارع، لكنه فعل مبني لأنه مرتبط بنون النسوة، فلما كان فعلاً مبنيًا، التناسب أن تكون "حين" مبنية على "على حين يستصبين".

ثم قال: وقبل فعل معرب أو مبتدأ. أعرب مثل قوله تعالى: ﴿هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾؛ "يوم" هنا مضاف إلى جملة فعلية مضارعية معربة. وكقوله: "ألم تعلمي يا عمرك الله أنني كريم على حين الكرام قليل"؛ وهنا "يا عمرك الله" ليس بالفتح، لأن "عمرك" هو الفاعل، والمعنى: أطال الله عمرك، المراد: يا عمرك الله أطال الله عمرك. أي: ألم تعلمي يا عمرك الله أنني كريم، على حين الكرام قليل.

الرواية المشهورة للبيت هي: "على حينه" بالكسر؛ لأنها مضافة إلى جملة اسمية بعدها مبتدأ وخبر، فالتناسب أن تكون معربة. قال: ولم يجوز البصريون أصلاً حينئذٍ غير الإعراب، لكن أجاز الكوفيون البناء، وإليه مال الفراء والناظم، لذلك قال الناظم: "ومن بنى فلن يفند". أي في الحالة التي يكون الراجح فيها الإعراب، لو بنيت لن تُفند، ولن يعتبر كلامك باطلاً فاسداً، ولن تُغلط، فقوله "لن يفند" أي لن يُغلط.

واحتجوا لذلك بقراءة نافع: ﴿هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ﴾، مع أنه بعدها جملة فعلية مضارعية معربة، جاءت "يوم" مبنية على الفتح. وقد روي أيضاً به قول الشاعر: "على حين الكرام قليل"؛ وهو البيت السابق، "على حين" مضاف إلى جملة اسمية لكنها جاءت مبنية. وقوله: "تذكر ما تذكر من سليمة على حينه" روي بالفتح "على حين"، أي على البناء، مع أنها مضافة إلى جملة اسمية.

ثم قال: وألزموا إضافة "إذا" الظرفية إلى جمل الأفعال، كهن إذا اعتلى. الآن سننتقل إلى ما يضاف إلى الجملة الفعلية فقط، وهو "إذا". "إذا" تأتي معنا مثل "لما" الظرفية. قال: "وألزموا إذا إضافة إلى جمل الأفعال". "إذا" هي ظرف لما يستقبل من الزمان، وفي الغالب تكون مشربة معنى الشرطية، وأحياناً تستعمل ظرفاً لما يستقبل من الزمان من دون أن تشرب معنى الشرطية، لكن عموماً "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان، وتأتي مضافة إلى جمل الأفعال وليس إلى الجمل الاسمية، وألزموا "إذا" الظرفية إضافة إلى جمل الأفعال خاصة، قد نظراً إلى ما تضمنته من معنى الشرط غالباً.

لماذا؟ جعلوا بعدها جملة فعلية وليس اسمية، لأنها في الغالب مشربة معنى الشرط، وأدوات الشرط إنما يأتي بعدها جملة فعلية. هذه الفكرة؛ قالوا "إذا" الظرفية هي في الغالب مشربة معنى الشرط، إذا جاء محمد أكرمه، إذا جاء زيد سأعطيه؛ لاحظوا أنها وإن كانت ظرفاً لكنها في الغالب تكون مشربة معنى الشرط، فهي أداة شرط. فلما كانت بمعنى الشرط، ومعروف أن أدوات الشرط إنما يأتي بعدها جمل فعلية وليس اسمية، قالوا: "إذا" سنعاملها معاملة أدوات الشرط، فإذا أضيفت إلى جملة فلازم الجملة بعدها تكون جملة فعلية، مثل: "إذا جاء نصر الله".

قال: فـ "إذا" ظرف فيه معنى الشرط مضاف إلى الجملة بعده، والعامل فيه هو جوابه على المشهور. نقول: إذا جاء محمد أكرمه، أو "فأكرمه"، أو "إذا جاء محمد فسأعطيه كذا". العامل في "إذا" هو نفس الجواب؛ الفعل الذي في الجواب هو الذي يعمل في "إذا". قال: "والعامل فيه أي في إذا جوابه على المشهور"، مثل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ﴾؛ الفعل "سبح" وهو جواب الشرط هو العامل في "إذا".

قال: "وأما نحو إذا السماء انشقت، وإن أحد من المشركين استجارك". قال: "وأما نحو إذا السماء انشقت"؛ هنا "إذا" جاء بعدها جملة اسمية، "السماء" مبتدأ و"انشقت" خبر، الجملة الفعلية خبر. في الظاهر أنها جملة اسمية، لكن "إذا" هنا تعامل معاملة "إن" الشرطية، وإذا جاء بعدها جملة اسمية -وقد مر معنا أن "إن" الشرطية إذا جاء بعدها ما ظاهره جملة اسمية فيجب أن نحوله إلى جملة فعلية جبراً- فمثلاً في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾؛ هنا "أحدٌ" لا نعرفها مبتدأ، وإنما نقول هي فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور، فتكون شبيهة بالاشتغال. هو ما يسمونه اشتغالاً، إن الاشتغال يكون في المفعول به، لكنها شبيهة بفكرة الاشتغال أنه يجب أن نقدر فعلاً محذوفاً يفسره الفعل المذكور.

وهنا نفس الشيء: "إذا السماء انشقت"، خطأ تقول "السماء" مبتدأ و"انشقت" الجملة الفعلية خبر، بل تقول: "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان مبني على الفتح في محل نصب، و"السماء" فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور "انشقت"، و"انشقت" فعل تفسيري لا محل له من الإعراب. فهنا تعامل "إذا" معاملة "إن" في هذه الحالة.

وقوله أيضاً: "إذا بأهلي تحته حنظلية له ولد منها فذاك المذرع"؛ قالوا هنا "بأهلي" تقدر قبلها "كان" محذوفة، لأن "إذا" هنا ليس بعدها فعل مذكور حتى نجعله مفسراً لفعل محذوف، فقالوا الحل أن تقدر "كان" محذوفة، فتقول: "إذا كان بأهلي تحته حنظلية...". وعدم وجود فعل جعلنا نقدر "كان" على الإضمار، كما أضمرت "كان الشأنية" في قول الشاعر: "ونُبئت ليلى أرسلت بشفاعة... إليّ"، فتقول: "فهلا كان نفس ليلى شفيعها"؛ فكانت "الشأنية" قدّرت مع اسمها، وجملة "نفس ليلى شفيعها" خبر "كان". فـ "كان الشأنية" تحل المأزق في هذه الأحوال.

قال: هذا مذهب سيبويه، وأجاز الأخفش ذلك. الآن كل هذه التقديرات إنما اضطررنا إليها لأن القاعدة تقول: "إذا" لا تضاف إلا إلى جملة فعلية، فإذا جاء ما ظاهره أنها أضيفت إلى جملة اسمية فلابد من هذا التقدير، وهذا مذهب سيبويه. وأما الأخفش فأجاز إضافة "إذا" إلى الجملة الاسمية متمسكاً بظاهر ما سبق: "إذا السماء انشقت"، "إذا بأهلي تحته حنظلية". واختار كلام الأخفش ابن مالك في شرح التسهيل؛ فإذاً هناك رأي آخر في "إذا" أنه يجوز إضافتها إلى الجملة الاسمية، وعلى هذا الرأي الآخر يجوز أن تقول: "السماء" مبتدأ و"انشقت" الجملة الفعلية خبر. وهذا يا أحبابي الكرام دائماً ما يجعلنا نقول.

التغليط صعب إلا لمن أحاط بالمسألة وعرف أنه لا قول فيها إلا كذا وكذا. إن تغليط بعض إعرابات كبار النحاة، بعض الطلاب يستعجل على بعض النحاة فيغلط إعرابهم، وهذا يكون من ضيق أفقه وعدم اطلاعه على الأقوال. ممكن شخص يكون متبني رأي الأخفش، وبالتالي عنده «السماء» مبتدأ، أن تقول إعراب «انشقت السماء» مبتدأ؛ هذا إعراب غلط دائما على كل الأقوال، وهذا قصور نظر منك، فالأخفش يجوز إعرابه مبتدأ لأنه يجوز الإضافة إذاً إلى الجملة الاسمية.

بسم الله، قال: «والاحتراز»؛ انتقل عاد، قال: «والاحتراز» بقوله «غالباً» لما قال: «إن» إذا يكون مشرباً معنا الشرط غالباً. قال: «والاحتراز بقوله غالباً من نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾». فإنه إذاً في هذه الأمثلة «إذا» فيها ظرف لخبر مبتدأ بعدها؛ ظرف لخبر المبتدأ بعدها؛ لأنه «إذا ما غضبوا هم يغفرون»، المبتدأ «هم»، ويغفرون الجملة الفعلية خبر، و«إذا» ظرف لهذا الخبر.

هذا معنى أنها ظرف لخبر المبتدأ بعدها. قال: «ولا شرطية فيها»، وإلا لكان يجب اقتران الجملة الاسمية بالفاء، وإلا لو كانت هنا شرطية لوجب اقتران الجملة الاسمية بالفاء، لأن معروف جواب الشرط إذا جاء جملة اسمية -وسيأتي معنا إن شاء الله- فإنه يقترن بالفاء. فلو كانت «إذا» هنا شرطية لكانت: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا فَهُمْ يَغْفِرُونَ﴾، ﴿وَإِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ فَهُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾. لما حذف الفاء عرفنا أنه هنا «إذا» ليست شرطية وإنما هي مجرد ظرف لخبر المبتدأ بعدها.

تنبيه، قال الأشموني: «مثل إذا هذه لما الظرفية». طبعاً «لما» هناك «لما» التي بمعنى «إلا» -وهذه ليست هي المراد هنا- وهناك «لما» وهي حرف اللام التي بمعنى «إلا» هذه حرف، لكن هناك «لما» أحبابي الكرام الجازمة برضه وهذه حرف، و«لما» التي بمعنى «إلا» وهذه أيضاً حرف، وهناك «لما» الظرفية الرابطة التي أيضاً تفيد معنى الشرطية نوعاً ما، مثل: «لما جاء محمد فعل كذا»، فهذه «لما» الظرفية الرابطة هي تعامل معاملة «إذا»، فلا تضاف إلا إلى جملة فعلية ولا تضاف إلى جملة اسمية، مثل: «ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريقه».

وأما قوله: «أقول لعبد الله: لَمَّا سَقاؤُنا وَهَى»، ونحن بوادي عبد شمس، ركزوا فيها شوي في البيت؛ لأنكم ممكن تقرأوا: «ونحن بوادي عبد شمس وهامي»، مش «وهامي»، لأ: «لما سقاؤنا ووهى»، و«وهى» هذه لحالها، يعني سقط. أقول لعبد الله: «لما سقاؤنا ووهى» ونحن بوادي عبد شمس، ماذا أقول له؟ أي انظر؛ فالشيمي هنا فعل أمر بمعنى انظر، و«وهى» بمعنى سقط. أقول لعبد الله: «لما سقاؤنا ووهى» ونحن بوادي عبد شمس، قلت له: «شِمْه»؛ أي انظر.

فهذا ظاهره أن «لما» جاء بعدها جملة اسمية، قال: «فهنا نفس المشكلة التي في «وإن أحد من المشركين استجارك»، عليك أن تقدر فعلاً محذوفاً هو الفاعل ويفسره المذكور». قال: «فمثل وإن أحد من المشركين استجارك، عليك أن تقدر فعلاً محذوفاً يفسره الفعل المذكور»، وهاء الفعل المذكور ما هو؟ «وهى»، فتقول: «لما ووهى سقاؤنا»، فسقاؤنا فاعل لفعل محذوف تقديره «وهى»، يفسره الفعل المذكور في الشطر الثاني. قال: «لأن وهى في البيت فعل بمعنى سقط، وشِمْ أمر من قولك شمته إذا نظرت إليه»، والمعنى: لما سقط سقاؤنا قلت لعبد الله شمه.

هكذا نكون انتهينا من الكلام عن الملازم للإضافة إلى الجمل، انتهينا من الكلام عما هو ملازم للإضافة إلى الجمل. سينتقل الآن أحبابي الكرام ويعود إلى الأسماء الملازمة للإضافة إلى المفرد، إلى القسم الأول منها وهو ما يضاف للظاهر والضمير، حتى لا أطيل عليكم في مجلس اليوم نترك هذا إن شاء الله إلى المحاضرة القادمة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.