نسعى إلى طلب العلوم وفهمها حتى تضيء بشمسها أرواحنا للدين والدنيا، جمعنا أمرنا كي لا يضل عن الحضارة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
وبعد، أيها الأحبة، فنكمل بما شرعنا فيه من شرح المقدمة الآجرومية لمحمد بن محمد بن محمد الصنهاجي رحمه الله تعالى. كنا قد تكلمنا في الدرس الماضي عن تاريخ علم النحو والمبادئ العشرة له، ثم شرعنا بعد ذلك في مطلع هذه الرسالة، فذكرنا حد الكلام، فقلنا: الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع، وذكرنا كذلك الحدود التي تتعلق بهذا المفهوم. فذكرنا حد اللفظ، فقلنا: اللفظ هو الصوت المشتمل على بعض الأحرف الهجائية من الألف إلى الياء، ثم عرفنا بعد ذلك القول، فقلنا: القول هو اللفظ المستعمل، والبعض يقول: هو اللفظ الموضوع لمعنى.
ثم بعد أن عرفنا القول بينا أن القول أو اللفظ المستعمل ينقسم إلى مفرد وإلى مركب. فإذا كان مفرداً فهذا يسمى كلمة؛ فالكلمة هي لفظ مستعمل مفرد. وأما إذا كان اللفظ المستعمل مركباً فإما أن يكون مركباً من كلمتين، وإما أن يكون من ثلاث كلمات فصاعداً. فإن كان من كلمتين فإما أن يحسن السكوت عليها، وفي هذه الحالة يسمى كلاماً، وإذا لم يحسن السكوت عليها فيبقى اسمه مركباً سواء كان مركباً إضافياً أو تقييدياً أو ما شابه ذلك. وإن كان مركباً من ثلاث كلمات فصاعداً كذلك إما أن يحسن السكوت عليها وإما ألا يحسن السكوت، فإن حسن السكوت عليها يسمى كلاماً، وإن لم يحسن السكوت عليها فيسمى مركباً فقط.
أما أنواع الكلمة أو على طريقة ابن آجروم؛ الكلمات التي يتألف منها الكلام، فبينا أيها الأحبة أن الكلام يتألف من أنواع من الكلم؛ الكلمة إما اسم وإما فعل وإما حرف. وبينا معنى الاسم وبينا معنى الفعل وبينا معنى الحرف. ننتقل اليوم بإذن الله لبيان العلامات التي نميز بها الاسم من الفعل من الحرف. ذكرنا في الدرس الماضي الاسم، قلنا: هو الكلمة التي تدل على معنى مجردة عن الزمن، وذكرنا الفعل، قلنا: هي كلمة تدل على معنى مقترنة بأحد الأزمنة الثلاثة: إما الماضي أو المضارع أو الأمر، ثم ذكرنا بعد ذلك الحرف، فقلنا: هي كلمة لا تدل على معنى في نفسها وإنما تدل على معنى في غيرها.
الآن يأتي الطالب يجد أمامه كلمات كثيرة في اللغة العربية يريد أن يضع ميزاناً؛ هناك كلمات ربما بسبب كثرة الاستعمال تكون بينة الحال هل هي اسم أو فعل أو حرف، لكن هناك بعض الكلمات المشكلة قد يتوهم الطالب أنها اسم وقد يتوهم أنها فعل، أي تحتمل في مظهرها. فقالوا: دعونا نضع ميزاناً وعلامات نختبر به الكلمة؛ إذا وضعنا هذه العلامة أو هذا الميزان عرفنا هل هذه الكلمة اسم أو فعل أو حرف.
وابتداءً قبل أن ندخل في علامات الاسم، نقول: ما هو مفهوم العلامة؟ عندما نقول هذه علامة للاسم أو هذه علامة للفعل، ماذا نقصد بالعلامة؟ هل نقصد أن نقول هذه علامة للاسم أنها يجب أن تكون موجودة في الاسم، أم أن الاسم يتقبلها حتى ولو لم تكن موجودة في المراد؟ بعض الطلاب يظن إذا قلنا علامات الاسم أو علامات الفعل أن هذه العلامة يجب أن يراها أمامه. لا، قد تكون الكلمة اسماً وهي مجردة من جميع علامات الاسمية، ولكنها تتقبل علامة الاسمية. فالمراد إذاً بعلامة الاسم أن تكون الكلمة تتقبل علامة الاسم، وليس المراد أن تكون موجودة بالفعل. وكذلك عندما نتكلم عن علامات الأفعال، المراد بالعلامة أن تكون الكلمة تتقبل علامة الفعل، وليس المراد أن تكون موجودة حقاً.
قال ابن آجروم رحمه الله تعالى: فالاسم يعرف بالخفض والتنوين ودخول الألف واللام، وحروف الخفض وهي: من، وإلى، وعن، وعلى، وفي، ورب، والباء، والكاف، واللام، وحروف القسم وهي: الواو، والباء، والتاء. بدأ رحمه الله تعالى بذكر علامات الاسم، وبدأ بالاسم لأنه أشرف من قسميه الفعل والحرف. فبين رحمه الله تعالى أن للاسم أربع علامات للدلالة على الاسمية. ما هي هذه العلامات الأربع؟ نسردها ثم بعد ذلك نفصل فيها: الخفض، ويقصد بالخفض هنا الخفض بالإضافة وليس الخفض الذي يشمل الخفض بالإضافة والخفض بالحرف؛ لأن الخفض بالحرف أفرده رحمه الله تعالى بعلامة مستقلة. إذاً: الخفض وقصد به الخفض بالإضافة، والتنوين، ودخول الألف واللام، وحروف الخفض.
بدأ رحمه الله تعالى أولاً بالخفض. الخفض أيها الأحبة هذا مصطلح كوفي، البصريون يسمونه الجر. فالتعبير بالخفض هذا مصطلح عند مدرسة الكوفيين، وابن آجروم كما سيأتي معنا فيما يظهر من مسلكه في هذه المقدمة أنه على طريقة الكوفيين، وإن كان مجتهداً يمكن أن يرجح؛ لأن هو في النهاية من المتأخرين ويمكن أن يظهر له ضعف قول الكوفيين في مسألة، ولكن في أغلب كلامه في هذه المقدمة يظهر أنه على طريق الكوفيين، وهذا سيأتي معنا مراراً التنبيه عليه.
إذاً، الخفض هو مصطلح كوفي للجر، والخفض في اللغة هو ضد الارتفاع. أما الخفض عند الكوفيين فسيأتي معنا فهو تغيير مخصوص يحدثه عامل مخصوص، يؤثر بوجود الكسرة أو ما ناب عنها. إذاً هو تغيير مخصوص يؤثر فيه عامل مخصوص ينتج الكسرة أو علامته الكسرة أو ما ناب عنها من الياء أو الفتحة في الاسم الذي لا ينصرف. أنا لا يهمني الآن أن نعرف ما هو الخفض لأنه سيأتي معنا عند ذكر الإعراب وأنواع الإعراب، لكن يهمني في هذا السياق أن أبين أن ابن آجروم رحمه الله تعالى قصد بالخفض هنا الجر بالإضافة بالتحديد، ولم يقصد الخفض بمفهومه العام.
الآن الخفض أو الجر بمفهومه العام يشمل شيئين: يشمل الخفض بالإضافة، يعني أن تكون الكلمة مضافاً إليه، ويشمل الخفض أو الجر بحرف الجر. قصد رحمه الله تعالى بالخفض هنا الخفض بالإضافة، فيريد رحمه الله أن يقول لك: إذا وجدت الكلمة، الآن عندنا كلمة نريد أن نختبرها هل هي اسم أو فعل أو حرف، فيقول لك: ضع هذه الكلمة في سياق المضاف إليه؛ إن صلحت هذه الكلمة أن تكون مضافاً إليه فهذا يدل على أنها اسم؛ لأن الفعل والحرف لا يمكن أبداً أن يخفضا بالإضافة.
فمثلاً كلمة رجل؛ ابهمت عليك كلمة رجل هل هي اسم أو فعل؟ نقول: ضعها في سياق مضاف إليه، فأقول مثلاً: غلام رجل. إذاً نعم، كلمة رجل صلحت أن تأتي مضافاً إليه، هذا يدل على أنها اسم، وعلى ذلك فقس. مثلاً كلمة يضرب، هل تصلح أن تأتي مضافاً إليه؟ مثلاً: غلام يضرب. إذا اعتبرنا يضرب فعلاً، لا يصلح لذلك؛ يضرب هذه ليست باسم لأنها لم تقبل هذه العلامة. إذاً هذا هو النوع الأول أو هذه العلامة الأولى التي ذكرها ابن آجروم رحمه الله تعالى: الخفض بالإضافة.
ذكر العلامة الثالثة، قال: دخول الألف واللام. يعني إذا وجدت الكلمة تقبل دخول الألف واللام عليها فهذا يدل على أن هذه الكلمة اسم. شمس، قمر، سماء، أرض؛ أدخل عليها أل، تقول: الشمس، القمر، السماء، الأرض. إذاً صلحت هذه الكلمات لدخول أل عليها فهذا يدل على أنها أسماء. وأل بجميع أنواعها طبعاً، أل أيها الأحبة لها أنواع وليس هذا مقام تفصيلها، وإنما تدرس في المطولات كلها خاصة بالأسماء.
ولكن حدث خلاف، وجدوا بعض الأشعار يقولون: دخل رجل على عبد الملك بن مروان أعرابي، وكان عند عبد الملك بن مروان جرير والأخطل والفرزدق. فعبد الملك بن مروان عرف الأعرابي بهؤلاء الشعراء الثلاثة. الأعرابي كان يميل للشاعر جرير ولم يكن يعرف أشخاصهم، فلما رآهم قال: حي الله أبا حرزة وأرغم أنفك يا أخطل، وجد الفرزدق أتعس به، وجد الفرزدق أتعس به وكسر خيشومه الجندل. فالفرزدق أخذته الحمية، هو هجا الفرزدق وهجا الأخطل، وحرزة يقصد به جرير يريد أن يمدحه. فالفرزدق قال أبياتاً من ضمنها هذه الأبيات ماذا يقول؟ يقول له: ما أنت بالحكم الترضى حكومته، ولا الأصيل ولا بالرأي والجدل. ما أنت بالحكم الترضى، الآن هذا الشعر أيها الأحبة كثيراً ما تجدونه في مصنفات النحو؛ يقولون: هذا شاهد على أن أل يمكن أن تدخل على الأفعال. لماذا؟ قال الفرزدق: ما أنت بالحكم الترضى، ترضى هذا فعل، وأدخل عليه الفرزدق وهو ممن يحتج بكلامهم أل.
فقالوا إذاً هذا يدل أن علامة أل لا تصلح للتمييز بين الاسم والفعل لأنها دخلت على الأفعال. لكن الصحيح كما بين ابن هشام رحمه الله تعالى أن هذا الدخول شاذ، هذه من الأبيات الشاذة التي لا تجعل أصلاً؛ هل هناك أبيات أخرى عن العرب يمكن أن تعضد بيت الفرزدق؟ يقول ابن هشام رحمه الله تعالى: مثل هذا لا يوجد إلا نادراً شاذاً في كلام العرب، فلا نبطل به القاعدة الأصلية أن أل خاصة بالأسماء، ولا يقاس على كلام الفرزدق رحمه الله تعالى. إذاً الصحيح أن أل خاصة بالأسماء، وما ورد في بعض الأشعار من أنها تدخل على الأفعال أو الفعل المضارع فهذا شاذ لا يقاس عليه.
هنا تنبيه سريع: قال رحمه الله تعالى: ودخول الألف واللام، وأحياناً نجدهم رحمهم الله تعالى يعبرون بدخول أل. هل هناك فرق بين مصطلح أل أو مصطلح الألف واللام؟ نجد أحياناً بعض النحاة يقول دخول أل. قال ابن مالك: بالجر والتنوين والندا وأل ومسند للاسم تمييز حصل. أما ابن آجروم قال: ودخول الألف واللام. لماذا يختلف هذا التعبير أيها الأحبة؟ ما هو المعرف؟ هل هو أل التعريف بجملتها، أم أل وحدها، أو الألف وحدها؟ هذا خلاف.
فالخليل وسيبويه رحمهم الله تعالى يرون أن المعرف هي الهمزة مع اللام، فهي أداة التعريف عند الخليل وسيبويه مركبة من الهمزة مع اللام. لكن هناك فرق: الخليل رحمه الله تعالى يرى أن الهمزة همزة قطع، أصلها ال همزة قطع، ثم بعد ذلك أسقطت الهمزة بسبب كثرة الاستعمال. أما سيبويه رحمه الله تعالى فيراها همزة وصل ابتداءً، هذا فرق بينهما، ولكن كلاهما يراها مركبة. أداة التعريف عندهما مركبة من الألف أو الهمزة واللام.
الأخفش رحمه الله تعالى يقول: أداة التعريف هي اللام فقط، والهمزة إنما أتي بها للتوصل إلى النطق بالساكن، وهي لام التعريف. لام التعريف ساكنة والعرب لا تبتدئ بساكن، فأتي بهمزة الوصل فقط حتى نتوصل إلى النطق بالساكن، وهي لام التعريف.
المبرد له رأي رابع، المبرد يرى أن المعرف ليست اللام، يراها هي الهمزة فقط. إذاً نستطيع أن نقول رأيان ثنائيان ورأيان أحاديان: الخليل وسيبويه يريان أنها مركبة، ولكن عرفنا الخلاف بين الخليل وسيبويه. الأخفش يراها مفردة، مركبة من حرف واحد وهي لام التعريف والهمزة إنما أتي بها للتوصل إلى النطق بالساكن. المبرد يراها الهمزة وليست اللام.
الآن من يرى أن أداة التعريف مركبة من حرفين، هذا ينطق بال: أل التعريف، هذا هو الذي يعبر بأل. أما من يراها مركبة من حرف واحد، أو من يراها موضوعة على حرف واحد مثل الأخفش أو المبرد، فكل من تبنى رأي الأخفش أو رأي المبرد فإنه يعبر بالألف واللام، لماذا؟ لأنهم يقولون الكلمة العربية سواء كانت اسماً أو فعلاً أو حرفاً، إذا كانت موضوعة أي بناؤها من حرف واحد، فإنك عندما تنطق بها تنطقها بهجاء حرفها.
فنقول مثلاً باء الجر، واو القسم؛ لا تقول والقسم أو ت القسم، تقول تاء القسم. الآن تاء القسم هذا حرف، كلمة لأنها كلمة أل، لأنها حرف معنى، وحرف المعاني هي من الكلمات كما مر معنا. كذلك مثلاً باء الجر، أليست من حروف الجر؟ وحروف الجر هي كلمات، منها باء الجر، فباء الجر كلمة مستقلة، ولكن هذه الكلمة مبناها من كم حرف هجائي؟ من حرف واحد، فعندما ننطق بها ننطقها بهجاء حرفها.
فنقول: باء الجر، وواو القسم، وتاء القسم. أما إذا كانت الكلمة مبناها من حرفين فصاعداً فإنها تنطق على هيئة التركيب، فنقول مثلاً: من الجارة، إلى الجارة، لا نقول الميم والنون الجارة، لا نقول ذلك. لماذا؟ لأن "من" مبناها على حرفين، بنيت من حرفين، كذلك "إلى" بنيت من ثلاثة حروف. فالكلمة العربية إذا بنيت من حرفين فصاعداً فإنها تنطق على هيئة التركيب، إلى، ومن، وسعى، وما شابه ذلك.
أما إذا كان مبنى الكلمة العربية من حرف واحد فإنها تنطق بهجاء حرفها. الآن على رأي الخليل وسيبويه رحمهما الله تعالى، "المعرف" مركب من الهمزة ومن اللام، إذاً هي مركبة من حرفين، فينطق بتركيبها فنقول: ال. الآن على الرأي الآخر، رأي الأخفش، لا يراها إلا من حرف واحد وهي اللام، فهذا عندما يعبر عنها ماذا يقول؟ يقول: الألف واللام. الألف هذه همزة وصل، إنما أتي بها كما قلنا للابتداء بالساكن عند الأخفش، واللام هي المعرفة. لذلك أنا أردت التنبيه حتى الطالب لا يظن أن هذا على قول واحد، ليس هذا على قول واحد؛ من يعبر بالألف واللام ليس هو من يعبر بـ "أل"، كل واحد ينحى قولاً. وإن كان هناك بعض التساهل، قد يكون شخص يتبنى قول الخليل وسيبويه، ولكنه من باب التسهيل يقول الألف واللام.
لذلك ابن مالك رحمه الله تعالى انتهى من الإشكال لما بوب لباب ال التعريف، قال: المعرف بأداة التعريف، لم يقل المعرف بـ "أل"، ولم يقل المعرف بالألف واللام حتى يشمل القولين، فقال: المعرف بأداة التعريف، ثم قال: "فاجعل لاسم إن دخلت"، أو "اللام فقط فنمط عرفت قل فيه النمط". فذكر إذاً الترجمة للباب بشكل جيد يدل على نباهته رحمه الله تعالى. إذاً قلنا: دخول الألف واللام على الكلمة يدل على اسميتها.
العلامة الثالثة: حروف الخفض، أو نسمي الخفض بالحرف، هنا كان عندنا خفض بالإضافة، الآن نتكلم عن خفض بالحرف. فحروف الخفض أيها الأحبة لا تدخل إلا على الأسماء، فأي كلمة وجدتها مخفوضة بحرف من حروف الجر، أو وجدتها تقبل دخول حروف الجر عليها، فهذا يدل على أنها اسم. ثم أتبع ذلك رحمه الله تعالى بذكر جملة من حروف الجر، فقال: وهي (أي من جملة حروف الجر) من. ومن أيها الأحبة لها معان، بشكل عام حروف الجر تدل على معان، ولكن كما قلنا معانيها عندما ترتبط بغيرها؛ لأن الحرف كلمة لا تدل على معنى في نفسها، وإنما تدل على معنى في غيرها. فالمعاني التي سنذكرها لحروف الجر إنما تبرز وتظهر عندما نصل حروف الجر في جملة أو مع كلمات أخر. فـ "من" مثلاً من أشهر معانيها الابتداء، و"إلى" من أشهر معانيها الانتهاء. فتقول مثلاً: ذهبت من المسجد إلى البيت، فـ "من" هنا لابتداء الغاية، و"إلى" لانتهاء الغاية، فهذا من أشهر معانيها.
وعن من أشهر معانيها المجاوزة، فتقول: تجاوزت عن بكر، أو مررت عن الجبل، فيها نوع مجاوزه. وعلى تدل أيها الأحبة في أشهر معانيها على الاستعلاء، "محمد على الدار" أي فوق الدار، تدل على الاستعلاء، والاستعلاء مختلف منه استعلاء حقيقي ومنه استعلاء معنوي مجازي. وفي تدل مثلاً من أشهر معانيها الظرفية، إما الظرفية الزمانية وإما الظرفية المكانية، "محمد في البيت" هذا ظرف مكان. ورب، ورب لها معان كثيرة، ومن أشهر معانيها التقليل، وقد تأتي للتكثير، وقيل إنها للتقليل فقط، وقيل إنها للتكثير فقط، ورب للتقليل والتكثير.
لكن "رب" أيها الأحبة لها ميزة عن باقي الحروف التي ذكرها، هو الآن ذكر جملة من حروف الجر، "رب" تتميز عن باقي الحروف التي ذكرها أنها حرف جر زائد، حرف جر زائد بمعنى أنها إذا دخلت على الكلمة فإن الكلمة تكون مبتدأ مرفوعاً وعلامة رفعه ضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. فـ "رب" حرف جر زائد، وحروف الجر الزائدة ليس لها فعل تتعلق به، لذلك حروف الجر الزائدة مثل "رب" والباء في بعض السياقات كما قلنا، تبقي الكلمة على إعرابها الحقيقي قبل دخول حرف الجر، ولكن تشغل المحل بحركتها، فنقول مثلاً: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. فهذا معنى حروف الزيادة أو حرف الجر الزائد، وهذا مثاله "رب". "رب" كما قلنا تدل على التقليل والتكثير، تقول: "رب رجل جاءني"، تريد تقليلاً أو تكثيراً بحسب السياق. طبعاً "رب" لا تجر إلا النكرات، لذلك قلت "رب رجل"، لا يجوز أن تقول: رب زيد جاءني، هذا لا يصلح.
ثم قال رحمه الله تعالى: والباء. والباء لها معان عديدة من أشهرها الإلصاق، وتأتي كذلك مثلاً بمعنى التعدية، فمثلاً: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]. ذهب كثير من الفقهاء أن الباء هنا للإلصاق، يعني إلصاق اليد بالرأس. ومنهم من يقول ومن معاني الباء التعدية. التعدية: ما معنى التعدية؟ يكون الفعل لازماً، والفعل اللازم لا يأخذ مفعولاً به، فإذا أردت أن تعديه تستخدم حرفاً من حروف الجر تعديه حتى يأخذ مفعولاً به. فمثلاً الفعل "مر"، الفعل "مر" فعل لازم، ما معنى لازم؟ لا يأخذ مفعولاً به، طيب إذا أردت أن أعطيه شيئاً يشبه المفعول به، وإن لم نعربه مفعولاً به، ماذا نفعل؟ نأتي بحرف جر يكون صلة بين هذا الفعل اللازم وبين هذا الذي نريد أن نجعله مفعولاً به، فتقول مثلاً: مررت بالوادي. الآن "الوادي" لا يصلح ابتداءً أن نجعلها مفعولاً به لـ "مررت"؛ لماذا؟ لأن "مررت" فعل لازم لا تأخذ مفعولاً به، طيب أريد أن أعدي هذا الفعل اللازم، نقول: عده بحرف الجر مثلاً الباء، فأقول: مررت بالوادي. فالآن "الوادي" من حيث المعنى مفعول به، ولكن من حيث الإعراب لا، الباء حرف جر، والوادي اسم مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة منع من ظهورها الثقل. نعم، إذاً هذا معنى التعدية في الباء، لذلك ماذا يقول ابن مالك: "وعد لازماً بحرف جر". فالأفعال اللازمة تعدَّى بحروف الجر، وهذا نوع من أنواع التعدية، أحياناً الأفعال اللازمة تعدَّى بالحركة، أحياناً تعدَّى بهمزة في الابتداء، فطرق تعدية الفعل اللازم كثيرة، ومنها التعدية بحروف الجر.
ثم قال: والكاف. الكاف كذلك أيها الأحبة من أشهر معانيها التشبيه، تقول: محمد كعمر، سيدل على التشبيه. واللام كذلك لام الجر، واللام أيها الأحبة أحياناً بعض الكلمات يذكرها الشيخ محمد محي الدين أعلق عليها سريعاً، ذكر رحمه الله تعالى من معانيها قال: الملك، قال المال لمحمد، والاختصاص نحو الباب للدار، والاستحقاق نحو الحمد لله. فذكر رحمه الله تعالى ثلاثة معانٍ: قال الملك والاختصاص والاستحقاق. ما الفرق بين هذه المعاني؟ بين رحمه الله تعالى في الحاشية أن الملك يكون إذا كانت اللام واقعة بين ذاتين، والذات التي دخلت عليها اللام تصلح لأن تكون مالكة، أو لأن يصدر منها التملك، باختصار أن تكون عاقلة. فمثلاً أقول: السيارة لعبد الرحمن، الآن اللام هنا وقعت بين ذاتين، ذاتين يعني شيئان محسوس نراهما، السيارة ذات وعبد الرحمن ذات جميل، وعبد الرحمن إنسان عاقل، إذاً يتصور منه الملك، فعندما قلنا: السيارة لعبد الرحمن، اللام هنا للملك. إذا وقعت اللام بين ذاتين ولكن الذات التي دخلت عليها اللام لا تصلح للملك بأن كانت جماداً، هنا نسمي اللام لام الاختصاص، لأن اللام دخلت على كلمة لا تصلح لأن يصدر منها الملك، فلا نسميه ملكاً وإنما نسميه اختصاصاً، فنقول مثلاً: الباب للدار، الباب للدار، هنا اللام وقعت بين كلمتين، الباب اسم ذات والدار اسم ذات، ولكن دخلت اللام على ماذا؟ على الدار، والدار هل هو شيء يتصور منه أن يملك؟ لا، جماد، فتسمى اللام هنا لام الاختصاص.
الحالة الثالثة، قال: لام الاستحقاق. لام الاستحقاق أيها الأحبة أن تكون اللام، انتبهوا، اللام هنا لا تقع بين اسم ذات واسم ذات، لا تقع بين اسم معنى واسم ذات. تقع بين اسم معنى واسم ذات، مثل ماذا؟ الحمد لله رب العالمين، الحمد لله، الآن "الحمد" هل هو ذات مشاهدة نراها؟ لا، هذا شيء موجود في داخل الأذهان وليس شيئاً متجسداً في الخارج، فلا نسميه اسم ذات، فعندما أضفنا الحمد لله، نعم هنا اسم معنى أضيف إلى اسم ذات من خلال اللام، فنسمي اللام في هذه الحالة لام الاستحقاق، يعني الحمد يستحقه الله سبحانه وتعالى، لم نجعلها ملكاً ولم نجعلها اختصاصاً لأنها وقعت بين اسم معنى وبين اسم ذات، فهذا هو الفرق بين المعاني الثلاث.
ثم قال رحمه الله تعالى: وحروف القسم. حروف القسم أيها الأحبة هي من حروف الجر، هي من حروف الجر يعني ليست نوعاً مستقلاً، قد يقرأ الطالب يقول لك: وحروف الخفض، ثم قال: وحروف القسم، يعني حروف القسم غير حروف الخفض، ليست من حروف الخفض؟ لا، حروف القسم هي من حروف الخفض، فهذا تعداد، هو استمر في تعداد حروف الخفض، ذكر "من، وإلى، وعن، وعلى، وفي، ورب، والباء، والكاف، واللام"، قال: وحروف القسم (أي من ضمن حروف الخفض) حروف القسم، وذكرها، ما هي حروف القسم؟ قال: وهي الواو والباء والتاء. والفرق بين هذه الحروف الثلاثة أيها الأحبة أن الباء هي أوسعها، الباء أوسع حروف القسم لماذا؟ لأنها تدخل إذاً على المقسم به إذا كان ظاهراً وإذا كان مضمراً، وتدخل على لفظ الجلالة وعلى غير لفظ الجلالة، فتقول مثلاً (طبعاً وإن كان هذا غير جائز، لو إنسان أقسم بشخص قال "بمحمد" أو "ببكر" لأفعلن كذا، هذا غير جائز، لكن على وجه التمثيل هنا) دخلت الباء "ببكر لأفعلن كذا"، كيف أن تقول بالله لأفعلن كذا، تقول ببكر لأفعلن كذا، هنا الباء دخلت على اسم آخر غير لفظ الجلالة، وتدخل الباء على لفظ الجلالة وهي الصورة الشرعية، تقول: بالله لأفعلن كذا، فإذاً تدخل على لفظ الجلالة وعلى غير لفظ الجلالة، وتدخل على الظاهر وعلى المضمر، فتقول مثلاً الظاهر كما مر معنا، والمضمر مثل "بك لأفعلن كذا"، يعني كان هناك شخص أمامه يقسم به فيقول: بك لأفعلن كذا، هنا الباء دخلت على ماذا؟ على مقسم به مضمر وليس ظاهراً، فنلاحظ إذاً أن باء القسم تدخل على الاسم الظاهر وعلى الاسم المضمر، وتدخل على لفظ الجلالة وعلى غير لفظ الجلالة.
أما الواو أيها الأحبة فإنها لا تدخل إلا إذا كان المقسم به ظاهراً، الواو لا تدخل إلا إذا كان المقسم به ظاهراً، سواء كان لفظ الجلالة أو غير لفظ الجلالة. نعم، لكن المهم أن يكون ظاهراً، فلا تدخل إذا كان المقسم به مضمراً، لذلك تقول: والله، ومثلاً يقول بعض الناس "وأبي لأفعل كذا"، يحذف بابيه، فهنا واو القسم نعم تدخل على الظاهر سواء كان لفظ الجلالة أو غير لفظ الجلالة، لكن هل يجوز أن نقول مثلاً ندخله على مضمر، "وأنت لأفعلن كذا" مثلاً، يعتبره قسم، لا يصح؛ لأن الواو لا تدخل إلا على الأسماء الظاهرة في القسم.
الحرف الثالث هو التاء، والتاء هو أضيق هذه الحروف؛ لأنه لا يدخل إلا على لفظ الجلالة فقط، وتوسع البعض فقالوا: ثبت عن العرب أنها أدخلتها على كلمة "الرحمن" فقالت: تالرحمن، المشهور نقول: تالله، هذا هو الثابت المشهور. الآن هل يجوز أن نقول: تالرحمن؟ نعم أثبتتها البعض، والبعض أثبت كذلك "تربي الكعبة"، ولكن كما قلنا المشهور أنها تختص بلفظ الجلالة، لذلك هي أضيق حروف الجر، فلا يجوز أن تقول مثلاً تقسم بشخص "ببكر" أو "بعمر" تقول "تعمر لأفعلن كذا" أو "تمحمد لأفعلن كذا"، هذا لا يصلح في لسان العرب؛ لأن التاء لا تدخل إلا على لفظ الجلالة في القسم. وهي كما قلنا هي حروف جر، لذلك المقسم به يكون مجروراً، تقول: حرف جر وقسم، وما بعده اسم مجرور وعلامة جره الكسرة أو ما ناب عنها. هذه هي حروف الخفض، فإذاً كل كلمة، يرحمك الله، كل كلمة دخلت أو صلحت أن تأتي مجرورة بحروف الخفض فإنها تكون اسماً.
إذاً ذكر رحمه الله الخفض بالإضافة، وذكر دخول الألف واللام، وذكر الخفض بحروف الخفض أو ما يسمى المخفوض بالحرف. بقي علينا العلامة الرابعة التي قفزنا عنها وهي التنوين، وإنما أخرتها لأني سأتكلم عنها بنوع توسع. فالتنوين ابتداءً في اللغة هو التصويت، نقول: "نّ الطائر" إذا صوت، فهذا أصل الكلمة في اللغة. أما التنوين في اصطلاح النحاة فهي نون ساكنة زائدة تلحق أواخر الأسماء لفظاً وتفارق خطاً لغير التوكيد، هذه هي أو هذا هو التنوين: نون ساكنة زائدة تلحق أواخر الأسماء لفظاً وتفارق خطاً لغير التوكيد. قولنا نون، إذاً التنوين أيها الأحبة عندما ألفظ فإنما تلفظ نوناً، فعندما تقول: رايت دابة، لاحظ أنت النون تلفظها، رأيت دابة، مررت بمحمد، هذا رجل، إذاً التنوين هو نون ساكنة. إذاً الأصل فيها أنها ساكنة، ولا يحرك إلا لعارض التقاء الساكنين، أما الأصل فيه أنه ساكن، إذاً نون ساكنة زائدة، إذاً هي ليست من بنية الكلمة، هل هي من بنية الكلمة من حروفها؟ لا، وإنما هي زائد عليها. قال: نون ساكنة زائدة تلحق أواخر ماذا؟ الأسماء، إذاً لا يلحق الأفعال ولا يلحق الحروف، نون ساكنة زائدة تلحق أواخر الأسماء لفظاً وتفارق خطاً، إذاً هذه النون الساكنة أيها الأحبة.
لذلك قل تثبت أواخر الأسماء في اللفظ، أما في الخط لا تكتب. ولكن حتى نشير إليها، فإننا نضاعف حركة الحرف الأخير؛ فإذا كانت فتحة نزيدها فتحة، وإذا كانت ضمة نزيدها ضمة، وإذا كانت كسرة نزيدها كسرة للإشارة إلى وجود التنوين. أما هذه النون الساكنة الزائدة لا تكون مكتوبة على هيئة النون؛ لذلك هي نون ساكنة زائدة تلحق أواخر الأسماء لفظًا وتفارق خطًا. زدنا لم يذكره الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد لكن ذكره ابن هشام، قال: لغير التوكيد. إذًا هناك نون ساكنة زائدة تلحق أواخر الأسماء لفظًا وتفارق خطًا لغير التوكيد.
نعم، يقول أيها الأحبة نون التوكيد الخفيفة؛ نون التوكيد الخفيفة مثل: لاضربن بكرًا، لاضربن بكرًا. هي تسمى نون التوكيد، نون التوكيد منها ثقيل ومنها خفيف، الذي يهمنا نون التوكيد الخفيفة. نون التوكيد الخفيفة إذا كانت مسبوقة بفتحة، فإنها في حال الوقف تبدل ماذا؟ ألفًا. نون التوكيد الخفيفة مثل لاضربن؛ نون التوكيد الخفيفة إذا كانت مسبوقة هذه النون بفتحة، فإنها في حالة الوقف تقلب ماذا؟ ألفًا. ماذا يقول ابن مالك رحمه الله: «وأبدلنها بعد فتح ألفا وقفا كما تقول في قفا قفا». فإذا قلت لاضربن بنون توكيد خفيفة، لا يصلح أن أقف بالنون إذا كانت نون توكيد خفيفة وسبقت بفتحة، فإن نون التوكيد الخفيفة تقلب ألفًا، فتقول لاضربن، هكذا تقول.
مثالها في كتاب الله عز وجل، ماذا قال الله؟ قال: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: 15]. الآن لو فتحت المصحف ستجدها مكتوبة على هيئة التنوين، وكذلك في سورة يوسف ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: 32]، وليكونن هي أصلها وليكون، النون الثانية هي نون التوكيد الخفيفة، لو فتحت المصحف لن تجد نونًا ستجد تنوينًا. طب هذا تنوين، والتنوين يدخل على الأفعال؟ نسفعًا هذا فعل، أنت يعني هذا الذي يحدث مع الطالب أنه يفتح المصحف على سورة العلق يجد لنسفعًا، يجد تنوينًا، يقول الشيخ قال لنا اليوم إن التنوين من علامات الأسماء فكيف أجد تنوينًا في لنسفعًا؟ كيف أجد تنوينًا في ليكونًا؟ هذه أفعال، فنقول لا، هذا ليس التنوين الاصطلاحي. هذه نون التوكيد الخفيفة التي سبقت بفتحة عند الوقوف عليها العرب تقلبها ماذا؟ ألفًا، فحتى في رسم القرآن حتى ينبه على هذه القضية أن هذه عندما تقف عليها لا تقف عليها بالنون، ترسم على هيئة التنوين؛ لذلك لنسفعًا تكتب في القرآن منونة تنوينًا ولا تكتب نونًا، وكذلك ليكونًا للدلالة على أنه في حالة الوقف ينبغي عليك أن تقلبها ألفًا؛ لأن تنوين الفتح عندما نقف عليه نقف عليه بالألف، مثل غفورًا رحيمًا عندما تقف غفورًا رحيمًا، وكذلك هذه نون التوكيد الخفيفة عندما كان يوقف عليها بالألف كانها أشبهت التنوين فرسمت على هيئته ولكنها ليست تنوينًا.
لذلك عندما نعرف التنوين ينبغي علينا أن نحترس منها حتى لا يظن الطالب أنها داخلة ضمن هذا الحد؛ فالتنوين الاصطلاحي كما ذكرنا: نون ساكنة زائدة تلحق أواخر الأسماء لفظًا وتفارق خطًا لغير التوكيد.
وأنواع التنوين أيها الأحبة أربعة، والذي دفعني إلى أن أتكلم عن هذه الأنواع أن الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد مثل بأمثلة محددة وهو دقيق رحمه الله تعالى، مثل في كتابه التحفة بأمثلة محددة، كل واحد أو كل مثال يشير إلى نوع من أنواع التنوين، يعني الطالب ربما يقرأها سريعًا لا يخطر في باله أن هذه الأمثلة كل واحد لنوع، لكن الشيخ لأنه عالم رحمه الله تعالى مثل على طريقة المحققين المصنفين المهرة أن المثال يشير إلى نوع وإلى فكرة.
فأنواع التنوين أيها الأحبة أربعة التي نتكلم عنها، والتي هي من علامات الأسماء: أولها تنوين التمكين، وتنوين التمكين أيها الأحبة هو التنوين الذي يدخل على الاسم المعرب المنصرف، ليس جمع المؤنث السالم؛ هذا هو ضابط تنوين التمكين، التنوين الذي يدخل على الاسم المعرب المنصرف؛ المعرب أخرجنا المبني وسياتي معنا تعريف الإعراب والبناء، والمنصرف أخرجنا ماذا؟ الممنوع من الصرف لأن الممنوع من الصرف لا ينون، ثم أخرجنا قيدًا ثالثًا أو ذكرنا قيدًا ثالثًا قلنا ليس جمع مؤنث سالمًا؛ لأن جمع المؤنث السالم وإن كان معربًا وإن كان منصرفًا، ولكن التنوين الذي يدخل عليه ليس تنوين تمكين وسيظهر معنا ما هو تنوينه.
لماذا سميناه تنوين تمكين؟ تنوين التمكين هو الذي يدل على تمكن الاسم من باب الاسمية، تنوين التمكين سمي تمكينًا لأنه يدل على تمكن الاسم من باب الاسمية، وسيأتي معنا إن شاء الله اليوم أن الأسماء تنقسم إلى متمكن أمكن ومتمكن غير أمكن وغير متمكن؛ ابتداءً هذا التصنيف للأسماء باعتبار ماذا؟ باعتبار قوتها في باب الاسمية، أحيانًا الاسم أيها الأحبة يكون قويًا في باب الاسمية، وأحيانًا يبتعد عن هذه القوة ويضعف عن باب الاسمية لأنه يدخل فيه شبه من الأفعال أو شبه من الحروف، فإذا أشبه الاسم اسم الفعل فإنه يضعف في باب الاسمية، إذا أشبه الاسم الحرف يضعف أكثر فأكثر وهذا سيأتي معنا، فالاسم المتمكن هو الاسم طبعًا على نوعين: متمكن أمكن ومتمكن غير أمكن، يعني هو اسم متمكن من باب الاسمية لم يشبه الحروف.
فإذًا تنوين التمكين كما ذكرنا هو الذي يدخل على الاسم المعرب المنصرف غير جمع المؤنث السالم، ليدل على أن الاسم متمكن أمكن في باب الاسمية، مثل ما ترون أمامكم كلمة محمد وكلمة كتاب، فمحمد طبق عليها الكلام: هل هي اسم؟ نعم، معرب؟ نعم، هل هي ممنوعة من الصرف أو منصرفة؟ منصرفة، هل هي جمع مؤنث سالم؟ لا، إذًا التنوين فيها تنوين تمكين. كلمة كتاب: رأيت كتابًا، قرأت كتابًا؛ طبق عليها القاعدة: هل هي معربة؟ نعم، هل هي منصرفة؟ نعم، هل هي جمع مؤنث سالم؟ لا، إذًا التنوين فيها تنوين تمكين يدل على أن الاسم متمكن أمكن في باب الاسمية.
النوع الثاني من أنواع التنوين هو تنوين التنكير، وتنوين التنكير أيها الأحبة هو التنوين الذي يدخل على أسماء الأفعال، يدخل على نوع من الأسماء اسمه أسماء الأفعال، وأسماء الأفعال أيها الأحبة هي أسماء لكن معانيها معاني الأفعال، مثل ماذا؟ مثل صه، صه الآن أيها الأحبة هذا اسم في اللغة العربية، لكن ما معناها؟ معناها اسكت، انظر المعنى، المعنى فعل اسكت ولكن الصيغة واللفظ هي اسم، كذلك مثل أف، أُف هي اسم لكن معناها في اللغة العربية أتضجر، فعل مضارع تدل على فعل مضارع، إذًا اللفظ هيئته اسم ولكن مدلوله فعل، كذلك مثل آمين التي نقولها في الصلاة هذه تعتبر من أسماء الأفعال ما معناها؟ استجب، فآمين اسم فعل لفظها اسم ولكن دلالتها على فعل استجب، فهذا النوع من الأسماء يسمى أسماء الأفعال وهي كلمات معدودة عند العرب تدرس في بابها.
الآن أسماء الأفعال أيها الأحبة لها ميزة عن سائر الأسماء، الآن الأسماء أيها الأحبة في اللغة العربية إذا أردت أن تعرفها فإنك تدخل عليها ماذا؟ أل التعريف، أليس هذا هو المشهور؟ فمثلاً سيارة ادخل عليها أردت أن تعرفها تقول السيارة، رجل نكرة إذا أردت أن تعرفه تدخل عليه أل التعريف تقول الرجل. أسماء الأفعال لا لا تعرف بأل التعريف، وإنما طريقة تعريفها التنوين، أو طريقة تنكيرها التنوين على الأصح، فنقول إذا أدخلت التنوين على أسماء الأفعال فهذا يدل على أن هذا الاسم نكرة، إذا لم تدخل التنوين فهذا يدل على أنه ماذا؟ معرفة؛ فأسماء الأفعال طريقة التعريف والتنكير فيها تختلف عن سائر الأسماء في اللغة العربية؛ فتعريف وتنكير باعتبار التنوين. إذا وجدت التنوين فيها فهذا يدل على أنها نكرة؛ لذلك سمي التنوين الذي يدخل عليها تنوين ماذا؟ تنكير، لأنه يدل على أن اسم الفعل نكرة.
مثال ذلك إذا قلنا صه، قلنا صه اسم ولكن معناها ماذا؟ اسكت، طيب ما وجه التعريف والتنكير فيها؟ إذا قلنا صهٍ، أدخلنا التنوين فهذا معناه أن تسكت عن كل الكلام، جميع أنواع الكلام لا تتكلم بأي شيء. جميل، إذا قلنا صه، ولم ندخل التنوين إذا هذه معرفة، صحيح ما تدل على ماذا؟ تدل على طلب السكوت عن الكلام المعين الذي تتكلم فيه الآن، فكأنك تقول له اسكت عن هذا الأمر وتكلم بغيره، فهذا الفرق بين صهٍ وبين صه، والفرق جاء من خلال التنوين فقط، التنوين هو الذي أثر، أدخلنا التنوين فأفادنا التنكير، إذا لم ندخل التنوين تكون معرفة فتدل على نوع محدد من الكلام وهو الكلام الذي تتكلم عنه الآن.
فمثلاً ذكرنا كذلك إيهٍ، إيهٍ معناها يعني تقريبًا عكس معنى صه، إيه معناها زد، معناها ماذا؟ زد، صه معناها اسكت، إيه معناها زد في الكلام. فإذا قلت إيهٍ، ما معناها؟ نختبر، إذا قلنا إيهٍ ما معناها؟ زد من أي كلام، أي زد من أي كلام تتكلم به، يعني لا أريد كلامًا محددًا، لأن هنا إيهٍ أدخلنا التنوين فدلت على التنكير، والتنكير يدل على العموم. لو قلنا إيه من دون تنوين، معناها زد في الكلام المحدد الذي تتكلم به الآن، وعلى ذلك فقس، وهذا له بابه ولا نريد أن ندخل فيه في هذا المتن المبتدأ، لكن أردت أن أبين أن هناك تنوين يسمى تنوين التنكير يدخل على أسماء الأفعال ليدل على ماذا؟ على أنها نكرات.
النوع الثالث تنوين المقابلة، تنوين المقابلة أيها الأحبة هذا هو الذي يدخل على جمع المؤنث السالم، فجمع المؤنث السالم أي تنوين تراه في جمع المؤنث السالم يكون تنوين مقابلة. طب مقابلة لماذا؟ لماذا سميناها مقابلة؟ قالوا مقابلة للنون الموجودة في جمع المذكر السالم، كأن الآن في جمع المذكر السالم نقول مسلمون مهندسون صحيح؟ الكلمة تكون مثلًا مهندس، أجمعه جمع مذكر سالم مهندسون، الآن أضفنا النون في الأخير، الآن جمع المؤنث السالم اعترض قال: أنا أحتاج إلى نون، يريد أن يساوي بينه وبين جمع المذكر السالم، فقلنا له: خذ التنوين، هذا التنوين الذي عليك هو مقابل للنون الموجودة في جمع المذكر السالم؛ لذلك أي تنوين في جمع المؤنث السالم، سواء كان أحيانًا جمع المؤنث السالم قد يكون ممنوعًا من الصرف. لاحظ هذه الفائدة، جمع المؤنث السالم قد يكون ممنوعًا من الصرف، الممنوع من الصرف هل ينون؟ لا ينون، لكن لا ينون تنوين التمكين الذي هو النوع الأول، لكن يجوز أن ينون تنوين المقابلة؛ فعندما نقول الممنوع من الصرف لا ينون، يقصد النحاة تنوين التمكين النوع الأول الذي ذكرناه؛ لذلك لما كان تنوين جمع المؤنث السالم ليس تنوين تمكين وإنما هو تنوين مقابلة نوع مستقل، فحتى لو كان جمع المؤنث السالم ممنوعًا من الصرف مثل أذرعات، اسم منطقة في الشام الآن، أذرعات هذا علم مؤنث فهو ممنوع من الصرف، لكن نجده منونًا في الأشعار العربية؛ فيأتي شخص يقول: والله هذا لحن أو هذا خطأ، كيف ننون كلمة أذرعات؟ نقول: لا، أذرعات جمع مؤنث سالم أو في حكم جمع المؤنث السالم، فالتنوين من الصرف وإنما هو تنوين ماذا؟ مقابلة؛ فتنوين المقابلة يجوز أن يدخل حتى على الممنوع من الصرف ولا حرج في ذلك. مثال ذلك ما قلنا مسلمات وفاطمات.
النوع الرابع والأخير من أنواع التنوين هو تنوين العوض، وتنوين العوض أيها الأحبة سمي عوضًا لأنه يعوض عن شيء محذوف، عوضت عن شيء حذفته، لذلك سمي تنوين عوض. طب الآن ما هي الأشياء المحذوفة التي يعوض عنها بالتنوين؟ قد يكون المحذوف حرفًا، وقد يكون المحذوف كلمة، وقد يكون المحذوف جملة، فيأتي تنوين العوض يعوض عن حرف أو يعوض عن كلمة أو يعوض عن جملة.
مثال تعويضه عن حرف كلمة جوار، الآن جواري أيها الأحبة جمع جارية، ما نوعها؟ هل هي ممنوعة من الصرف أو مصروفة؟ ممنوعة من الصرف، لأنها على وزن أو على هيئة مفاعل، ومفاعل كما سيأتي معنا في باب الممنوع من الصرف، هذه الصيغة وهذه الهيئة كل ما كان على هذا النوع يكون ممنوعًا من الصرف. طيب كيف نقول جوارٍ مع أنها ممنوعة من الصرف؟ الآن ممنوع من الصرف لا يدخل عليه التنوين، هذه قاعدة نحفظها، ومع ذلك وجدنا العرب تقول مررت بجوارٍ، الآن جوارٍ طب ما حلها؟ إذا وجدنا فيها تنوين وأنت تقول ممنوعة من الصرف والممنوع من الصرف لا ينون، نقول: لا، التنوين الموجود في كلمة جوار ليس تنوين التمكين، وإنما هو تنوين عوض عن ماذا؟ عن حرف، وهو الياء المحذوفة، أصلها جواري، تحذف الياء ويعوض عنها بماذا؟ بالتنوين، فالتنوين نجده في كلمة جوار، الآن نقول جوارٍ، الراء تحتها تنوين، هذا التنوين عوض عن ماذا؟ عوض عن الياء المحذوفة، جميل، إذًا هو عوض عن الياء المحذوفة إذًا هو ليس تنوين التمكين؛ لذلك يجوز دخوله على الاسم الممنوع من الصرف ولا حرج فيه.
هذا نوع، النوع الثاني عوض عن كلمة، مثل ماذا؟ مثل كلمة كل، الآن كل وبعض، هذه كلمات أيها الأحبة في اللغة العربية ملازمة لماذا للإضافة، أي ينبغي أن يأتي بعدها مضاف إليه، أما أن يكون ملفوظًا، إذا لم يكن ملفوظًا يجب أن يعوض عنه بالتنوين، يجب أن يعوض عنه بماذا بالتنوين: ﴿وَكُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 32]. شوف ﴿وَكُلٌّ لَّمَّا﴾، الأصل أن كل هنا تحتاج إلى مضاف إليه بعدها، إذا حذف ولم يلفظ به يجب أن أعوض عنه بماذا بالتنوين، فالتنوين على كل وبعض هذا يسمى تنوين عوض، عوض عن ماذا؟ عن كلمة محذوفة، الأصل في طبعًا هذا أيها الأحبة.
كيف يحصر الطالب الكلمات التي عليها تنوين عوض حرف؟ كيف يحصر الكلمات التي عليها تنوين عوض كلمة؟ أنت الآن في مرحلة أولى في دراسة المقدمة الآجرومية، لا تظن أنك ستحصل على كل علمنا، ما زال الباب منفسحًا أمامنا، ونريد أن نشرع ونكمل المسير.
عندما تقرأ كتابًا ثانيًا وثالثًا ورابعًا تصبح عندك خبرة، ومع الممارسة وكثرة الإعراب تتكون عندك الملكة، تصبح تعرف أن هذه الكلمة فيها تنوين عوض حرف، وهذه الكلمة عوض عن كلمة. هذا التنوين يكون بماذا؟ بالممارسة. ولكن ينبغي عليك أن تحفظ الأصول حتى تبني عليها؛ عندما تسمع مصطلح «عوض عن حرف» تفهم ما معنى عوض عن حرف، وما معنى عوض عن كلمة، بعد ذلك تبني عليه.
النوع الثالث ما كان عوضًا عن جملة، مثل: ﴿حِينَئِذٍ﴾، و﴿يَوْمَئِذٍ﴾. الآن «إذ» و«إذا»، هاتان الكلمتان مثلا من الكلمات الملازمة للإضافة إلى جملة. لقد تكلمنا قبل قليل عن «كل» و«بعض» من الكلمات الملازمة للإضافة إلى كلمة، يعني ينبغي أن يأتي بعدها مضاف إليه، أما «إذ» و«إذا» فلا ينبغي أن يأتي بعدها كلمة، بل جملة كاملة، وهذه الجملة تعرب مضافًا إليه.
إذا حذفنا هذه الجملة بعد «إذ» و«إذا»، يجب أن نعوض عنها بتنوين يسمى تنوين عوض، عوض عن جملة محذوفة. هذا مشهور في قولنا: «حينئذ»، و«وقت إذ»، و«ساعة إذ»، و«يومئذ»، كما جاء عندكم «يومئذ ترونه». مثل هذه الألفاظ تلاحظ التنوين الموجود في الآخر يسمى تنوين عوض عن جملة؛ لأن «إذ» هنا كلمتان دمجت «حين» و«إذ»، وكذلك «يوم» و«إذ»، فلا بد أن يأتي بعدها جملة إعرابها مضاف إليه لكننا لم نجدها الآن، فقد حذفت، فيجب أن نعوض عنها بتنوين.
إذًا أيها الأحبة، أنواع التنوين الأربعة: تنوين التمكين، وتنوين التنكير، وتنوين المقابلة، وتنوين العوض. وهذه كلها لا تدخل إلا على الأسماء، فجميع هذه الأنواع هي علامة على أن الكلمة اسم. تنوين التمكين، تنوين التنكير، تنوين المقابلة، وعوض؛ لا فرق في الدلالة على الاسمية، ولا يوجد منها ما يدخل على الأفعال أو على الحروف، كلها تختص بالأسماء.
لذلك، الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد، أنا فقط أريد أن أنبهكم على دقته. عندما تكلم عن التنوين قال: نحو «محمد» و«كتاب»، هذا مثال لأي نوع من أنواع التنوين؟ التمكين. ثم قال: «وصه»، هذا مثال على تنوين التنكير. ثم قال: «مسلم» و«فاطمات»، مثال على تنوين المقابلة. ثم قال: «حينئذ» و«ساعة إذ»، تنوين عوض عن ماذا؟ عن جملة.
هل هذه الأمثلة أتى بها الشيخ محمد محي الدين هكذا اعتباطًا؟ لا، هو قصد بالتمثيل بهذه الأمثلة المحددة أن ينبهك على أنواع التنوين. لذلك الذي يشرح كلام الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد ينبغي عليه أن ينبه الطالب على هذه الأمثلة؛ أن هذا مقصود به كذا وهذا يقصد به كذا، وليست أمثلة جاء بها الخاطر أو البال.
إذًا هذه هي العلامات التي تدل على اسمية الكلمة، نذكرها سريعًا: الخفض بالإضافة، والتنوين، ودخول الألف واللام، والخفض بالحرف. وذكرنا حروف الخفض وحروف القسم.
ننطلق إلى النوع الثاني من الكلمة وهو الفعل. الفعل كذلك له علامات تدل عليه، ما هي علامات الأفعال؟ قال رحمه الله تعالى: «والفعل يعرف بقد، وسين، وسوف، وتاء التأنيث الساكنة». ذكر رحمه الله تعالى أربع علامات للفعل، لكن أيها الأحبة، في الحقيقة هذه العلامات التي ذكرها لا تصلح لكل الأفعال، وإن منها ما هو مشترك ومنها ما هو مختص، وسنجد أن فعل الأمر لم يذكر عليه أصلاً علامة.
نبدأ بـ«قد». «قد» أيها الأحبة هي علامة من علامات الأفعال، ونعيد العلامة، نقصد بها أن الكلمة تتقبل دخولها، ولا نقصد أن تكون موجودة بالفعل. «قد» حرف مشترك يدل على فعلية الماضي وعلى فعلية المضارع، فـ«قد» لا تدخل فقط على نوع محدد من أنواع الأفعال، بل هي مشتركة بين الفعل الماضي والفعل المضارع.
إذا دخلت «قد» على الفعل الماضي، فعلى ماذا تدل؟ تدل على معانٍ محددة ذكرنا منها معنيين؛ المعنى الأول: التقريب. تدخل «قد» على الفعل الماضي وتفيد التقريب، يعني تقريب الماضي إلى الحال، مثال ذلك الإنسان عندما يقيم الصلاة ألا يقول: «قد قامت الصلاة»؟ قد قامت الصلاة الآن، الصلاة ما زالت لم تقم ولكنها الآن اقتربت جدًا من أن تقام. فماذا فعلت «قد» هنا عندما أدخلناها على الفعل «قام» قبل أن يحدث القيام الحقيقي؟ قلنا قربت الماضي إلى الحال وإلى اللحظة الآنية، فهذا معنى التقريب. فمثلاً يقولون لو كانت الشمس ما زالت قيد الغروب لم تغرب بعد، فقال شخص: «قد غربت الشمس»، هنا «قد» هل تفيد التأكيد أن الشمس غربت وانتهى؟ لا، لأن الشمس ما زلنا نراها، فنقول هذا يفيد التقريب، يعني اقتربت من الغروب.
المعنى الثاني، وهو الأكثر في الاستعمال، أن تفيد التحقيق؛ يعني تحقيق وتأكيد وقوع الفعل في الزمان الماضي، وهذا يستفيد منه البلاغيون في علم البلاغة عندما تدرس أدوات التوكيد، وتعرف أن الكلام الذي تتكلم به العرب أحيانًا يخرج من دون توكيد، وأحيانًا يخرج بالتوكيد، وأحيانًا نحتاج إلى أكثر من مؤكد. وما سبب هذا؟ لماذا هذه الجملة خلت من التوكيد وهذه لم تخلُ، وهذه زيد فيها؟ هذا كله في علم البلاغة له دراسات. فعندما يذكرون الأدوات التي تستخدم في التوكيد، يذكرون «قد»؛ فإذا دخلت على الفعل الماضي دلت على تأكيد وقوع الحدث في الزمان الماضي. فإذا قلت: «قد ضربت بكرًا»، «قد أكرمت عمرًا»، «قد زرت المركز»، «قد درست المادة»، هذا يدل على تحقيق وتأكيد وقوع هذا الفعل. فقوله: «قد درست» ليس بقوة «درست»؛ إذ «درست» دلت على الحدث، أما «قد درست» ففيه زيادة تحقيق وتأكيد لوقوع الحدث في الزمان الماضي.
أما إذا دخلت «قد» على الفعل المضارع، فإنها تفيد عدة معانٍ ذكرها الزمخشري وغيره رحمهم الله تعالى. نحن ذكرنا ثلاثة معانٍ: أولها التوقع، فمثلاً تقول: «قد يأتي محمد اليوم»، «قد يحضر محمد الدرس»، هذا يفيد التوقع، يعني ممكن يأتي ويحضر، هذا أسلوب توقع. المعنى الثاني: التقليل، فتقول مثلا: «قد يصدق الكذوب»، يعني إنسان يكثر منه الكذب، على سبيل التقليل يمكن أن يصدق، فتقول: «قد يصدق الكذوب».
أسلوب تقليل ويأتي العكس التكثير، ولكنه في الحقيقة قليل. قد تأتي في الفعل المضارع لتفيد التكثير ولكنه قليل الاستعمال؛ فمثلا عندما تقول: «قد يصدق الصدوق»، وهو في الأصل صدوق ومن عادته الصدق، فعندما تقول «قد يصدق الصدوق» فهذا للتكثير لأنه في أغلب أحواله صدوق، فهنا «قد» تفيد التكثير، لكن كما قلنا استخدامها بمعنى التكثير قليل، والأشهر في هذا الأمر بين هذين الأمرين أن تستخدم للتقليل أكثر من التكثير.
المعنى الثالث الذي تفيده «قد» إذا دخلت على الفعل المضارع هو التحقيق، مثلما تفيد في الفعل الماضي. مثل قول الله عز وجل في الآية: ﴿قَدۡ یَعۡلَمُ مَاۤ أَنتُمۡ عَلَیۡهِ﴾ [البقرة: 216]. هل هذا مثلا في تقليل أو تكثير؟ حاشاه سبحانه وتعالى، الله عز وجل يعلم ما نحن عليه قطعا، فهذا يسمى أسلوب تحقيق وتوكيد. ولكن لماذا أتى بها بصيغة المضارع؟ قالوا: لتدل على التجدد أو تدل على الاستمرارية؛ يعني ليس «قد علم» وانتهى، ولا هو في المستقبل، بل «قد يعلم» يعني هو علم في الماضي ويعلم الآن ويعلم في المستقبل سبحانه وتعالى، لذلك «قد» في هذا السياق تفيد التحقيق.
فهذه أشهر المعاني؛ إذا دخلت «قد» أيها الأحبة فلا تدخل إلا على الفعل الماضي أو على الفعل المضارع، وهي من علامات الفعل الماضي أو من علامات الفعل المضارع، فلا يمكن لـ«قد» أن تدخل على حرف ولا يمكن أن تدخل على اسم، وإنما تدخل على الأفعال. وهل تدخل على كل الأفعال؟ لا، لا تدخل على فعل الأمر. وهنا فائدة، وهي أن «قد» في الحقيقة تدخل على الفعل الماضي المتصرف، ويقولون لا تدخل على الفعل الماضي الجامد.
الفعل الماضي المتصرف هو الذي يأتي منه ماض ومضارع وأمر وتشتق منه المشتقات، هناك أفعال ماضية جامدة لا تتصرف، تبقى على صيغة الماضي مثل: «عسى»، و«نعم»، و«بئس». هناك بعض الأفعال عندما يدرسها الطالب يعرف أنها أفعال ماضية جامدة لا تتصرف، ما معنى لا تتصرف؟ لا يأتي منها مضارع ولا يأتي منها أمر، ولا يشتق منها اسم فاعل ولا اسم مفعول، فالأفعال الماضية الجامدة حتى هذه قالوا لا تدخل عليها «قد»، وإنما تدخل على الفعل الماضي المتصرف.
العلامة الثانية التي ذكرها رحمه الله هي السين، أيها الأحبة، هذه علامة مختصة بالفعل المضارع، وكذلك أختها «سوف»، هذه علامة مختصة بالفعل المضارع. فالسين و«سوف» هي علامة على أن الكلمة فعل، ولكن على أي نوع من أنواع الأفعال؟ الفعل المضارع فقط؛ لأن السين تدل على ما يسمى حرف تنفيس يدل على الاستقبال. لذلك ذكرنا في الدرس الماضي أن الفعل المضارع دلالته على الحال، وفي الحقيقة إذا أردت أن تجعله يدل على المستقبل تأتي بالسين أو «سوف».
السين تنقل دلالة الفعل المضارع من الحال إلى المستقبل؛ فلو قلت مثلا: «يأتي محمد اليوم»، الأصل أن هذا الكلام في الحال، واقع الآن. لو قلت: «سيأتي محمد اليوم» فهذا يدل على المستقبل، وكذلك لو قلت: «سوف يأتي محمد». لكن هل هناك فرق بين السين و«سوف»؟ يقولون: «سوف» تفيد المستقبل البعيد، والسين تفيد المستقبل القريب؛ لذلك يقولون «سوف» أكثر استقبالا من السين. فإذا قلت مثلا: «سآتي» فهذا في المستقبل القريب، وقلت: «سوف آتي» معناها محتاجة إلى فترة من الزمن.
وهي كما قلنا من علامات الفعل المضارع، العلامة الرابعة والأخيرة هي تاء التأنيث الساكنة. تاء التأنيث الساكنة كذلك هي علامة مختصة بالفعل الماضي. الآن هو ذكر «قد» مشتركة بين الماضي والمضارع، وذكر السين و«سوف» خاصة بالفعل المضارع، وذكر تاء التأنيث الساكنة وهي خاصة بالفعل الماضي. تاء التأنيث الساكنة هي التي تدخل في آخر الفعل الماضي لتدل على أن الفاعل أو نائب الفاعل مؤنث؛ تقول مثلا: «أكرمت هند»، هذا فعل ماض فاعله مؤنث «هند»، فندخل تاء التأنيث الساكنة في آخر الفعل الماضي لتدل على أن الفاعل أو نائب الفاعل مؤنث، فتسمى تاء تأنيث ساكنة.
هناك تاء تأنيث متحركة، لماذا لم يذكرها رحمه الله تعالى؟ أليست من علامات الأفعال أو من علامات الفعل الماضي؟ تاء التأنيث المتحركة أيها الأحبة تدخل على أول الفعل المضارع وتدخل على الأسماء؛ فمثلا «ضارب» تقول: «ضاربة»، دخلت تاء تأنيث لكنها متحركة، وكذلك «قائم» تقول: «قائمة»، «مكرم» تقول: «مكرمة». إذا فتاء التأنيث المتحركة تدخل على الأسماء وكذلك تدخل على مطلع الفعل المضارع؛ فمثلا قلنا «أكرمت هند»، إذا أتينا بها بصيغة المضارع ينبغي أن يأتي فيه حرف يدل على أن الفاعل مؤنث، لكن الحرف الذي يدل على أن الفاعل مؤنث في الفعل المضارع يكون في البداية، في الفعل الماضي كان في الآخر «أكرمت»، في الفعل المضارع ننقل علامة تأنيث الفاعل أو نائب الفاعل إلى بداية الفعل فنقول: «تكرم».
«تكرم» إذا جاءت تدل على تأنيث الفاعل، وقلنا هل هي متحركة أو ساكنة؟ «تكرم» متحركة، إذا فتاء التأنيث المتحركة ليست علامة مختصة؛ نحن الآن نريد علامة تدل على أن الكلمة فعل تميزه عن قسمي الاسم والحرف، وتاء التأنيث المتحركة لا تصلح لأنها تدخل على الأسماء وتدخل على الفعل المضارع، إذا لن تساعدنا في التمييز، فانهم لها الذي يساعدنا على التمييز هي تاء التأنيث الساكنة؛ لأنها لا تدخل إلا على الفعل، وعلى أي نوع؟ على الفعل الماضي فقط. لذلك نقول: تاء التأنيث الساكنة من علامات الفعل الماضي.
وفائدة سريعة: تاء التأنيث الساكنة قد يلتبس على الطالب أحيانا، يجدها مكسورة؛ فإذا وجدتها مكسورة فاعلم أن هناك التقاء ساكنين. فمثلا تقول: «أكرمتِ الفتاةُ أختها»، هنا ما قلنا «أكرمتْ»، قلنا «أكرمتِ الفتاة»، لأن «ال» التعريف ساكنة وتاء التأنيث قبلها ساكنة، والعرب لا يجتمع عندها ساكنان، فإن التقيا ساكنان فإكسر ما سبق. فإذا اجتمع حرفان ساكنان فالأصل أن يكسر الحرف السابق، وهنا اجتمع عندنا حرفان ساكنان: تاء التأنيث الساكنة و«ال» التعريف، فكسرناها فقلنا: «أكرمتِ الفتاة»، تراها أنت مكسورة، لكن نقول هي أصلها ساكن ولكن كسرت للتخلص من التقاء الساكنين.
إذا هذه علامة الفعل الماضي، بقي علينا أن نذكر علامة فعل الأمر. الآن رحمه الله تعالى ذكر علامة فعل المضارع، وذكر علامة فعل الماضي، وذكر علامة مشتركة للفعل الماضي والمضارع وهي «قد».
ولم يذكر رحمه الله تعالى علامة لفعل الأمر، فنقول أيها الأحبة: فعل الأمر علامته مركبة، علامته مركبة يعني لابد من وجود شيئين؛ الأول: الدلالة على الطلب أن تفهم من سياق الكلمة الطلب، إذن الدلالة على الطلب زائد قبولها لنون التوكيد أو لياء المخاطبة، قبولها لنون التوكيد أو لياء المخاطبة.
فإذا وجدت كلمة تدل على الطلب في هيئتها وقبلت نون التوكيد أو ياء المخاطبة، مباشرة تكون هذه الكلمة أمراً، فمثلا أكرم: أكرم الآن أنت تفهم من الصيغة تفهم الدلالة على الطلب جميل، ونختبر بقي علينا أن نكمل ليس فقط الدلالة على الطلب ينبغي أن تقبل ياء المخاطبة أو نون التوكيد، فادخل مثلا نون التوكيد تقول ماذا؟ أكرمن، ندل على الطلب وقبلت نون التوكيد، إذا هذه مباشرة نقول فعل أمر، أو أكرمي يا هند، أكرمي دلت على الطلب وقبلت ياء المخاطبة فإنها تكون فعل أمر.
لماذا اشترطنا التركيب يعني ألا يكفي أحدهما؟ نقول لا، مثلا قد تكون الكلمة تقبل ياء المخاطبة لكنها ليست فعل أمر، قد تكون فعل مضارع تدرسين يا هند مثلا، هذه يا مخاطبة تدرسين يا هند، وكذلك قد تقبل نون التوكيد وتكون فعل مضارع، ليسجنن هذا فعل مضارع دخلت عليه نون التوكيد.
إذا مجرد قبول الكلمة لنون التوكيد أو ياء المخاطبة لا يدل على أنها فعل أمر، الذي يدل على أنها فعل أمر قبولها ياء التوكيد أو ياء المخاطبة زائد دلالتها على الطلب كما راينا وكما مثلنا به، إذا هذه هي علامة فعل الأمر وبذلك نكون انتهينا من علامة الأفعال.
ننتقل إلى الحروف، الحروف ما علامتها؟ الحرف ليست له علامة، طبعا هناك خلاف بين العلماء منهم من يحاول أن يجعل علامات، لكن المشهور أن الحرف ليست له علامة، لذلك قال أحدهم: والحرف ما ليست له علامة، فقف على قوله تكون علامة، انتهى الأمر يعني الحرف أرح نفسك ليست له علامة.
إذا عندما تأتي الآن عندنا كلمة في اللغة العربية نريد أن نختبرها هل هي اسم أو فعل أو حرف، ندخل عليها أولا علامة الأسماء، إذا قبلت علامة الأسماء انتهينا هي اسم، لم تقبل علامة الأسماء ندخل عليها علامات الأفعال قد السين السوف تاء التأنيث الساكنة الطلب مع النون التوكيد العلامات التي تكلمنا عنها، لم تقبل علامات الأفعال تكون إذا حرفا، إذا هي لم تقبل علامات الأسماء الكلمة ولم تقبل علامات الأفعال إذا لم يبق إلا أن تكون حرفا جيد.
فهذا معنى علامات الاسم وعلامات الفعل وعلامات الحرف، المراد منها تعويد الطالب أن يختبر الكلمة إذا أشكلت عليه، إذا الطالب عرف الكلمة ابتداء انتهى الأمر، أما الاشكال عندما لا يعرف الكلمة فهنا يحتاج إلى إدخال العلامات.
طيب كم بقي من الساعة الأولى؟ انتهت الساعة الأولى، طيب نكمل بعد الصلاة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل