بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وعلى قرة أعيننا وحبيبنا سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
في البداية؛ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام»، في حديث ابن عمر، فأكثروا فيهن من التهليل والتسبيح والتحميد. وفي الحقيقة أيها الأحبة، من اعظم الأعمال التي يمكن أن تتقرب بها إلى الله عز وجل في هذه الأيام هي طلب العلم. من أعظم الأعمال التي يمكن أن تتقرب بها إلى الله عز وجل في هذه المواسم هي العلم، وهو في الحقيقة يفوق قيام الليل ويفوق التهليل والتسبيح والتحميد؛ لأن النفع المتعدي دائماً في الشريعة أفضل من النفع اللازم، يعني الشيء الذي ينفعك وحدك أقل فضيلة من الأعمال التي يتعدى نفعها إلى غيرك. وطلب العلم إنما يرجى منه نفع الآخرين، لذلك هو أفضل من قيام الليل وأفضل من الذكر، وهي أعمال فاضلة -يعني نحن لا نقلل، هي أعمال فاضلة- ولا بد أن يحرص عليها طالب العلم.
لأن في الحقيقة لا يوجد طالب علم صادق لا يقوم الليل، ولا يوجد طالب علم صادق ليس له ورد من الذكر والتسبيح والتحميد والتهليل. عندما انفصلت هذه الأمور في حياة طلبة العلم للاسف بدأنا ننتج هذه النماذج المشوهة: أنصاف المتعلمين والمتسلقين؛ لأن العلم الشرعي ليس فقط أموراً نظرية، وليست فقط محفوظات وحضور دورات، بل هو تزكية قلب. فكما هو طلب لعلم الظاهر، هو طلب لعلم الباطن. فاياك أن تظن أن العلم الشرعي يتعلق فقط بأعمال الجوارح ولا يتعلق بأعمال القلوب؛ من هنا دخلت الآفة على أكثر طلبة العلم، عندما حصروا العلم الشرعي في حفظ المنظومات وفي حضور الدورات وأغفلوا قلوبهم، فحتى لو صار عالماً فيما يظهر للناس وكان قلبه فاسداً، فهذا ينتج لنا نماذج مشوهة لا يقتدى بها في قيادة هذه الأمة، وإنما يقود هذه الأمة من أصلح باطنه وأصلح ظاهره.
كذلك أيها الأحبة، علينا دائماً أن نتذكر المقصد؛ لماذا نحن نطلب العلم؟ ما هو الهدف أو ما هي الفائدة التي ترجوها من إقامة هذه المدارس؟ هناك فوائد كثيرة، ولو لم يكن لهذه المدارس فائدة إلا أن ندفع الفساد عن مجتمعاتنا لكفى بذلك، وأن نبعد عنها الهلكات؛ لأن المجتمع إذا كثر فيه الفساد ولم يوجد فيه المصلحون أو من يتشبه بالمصلحين، فإن هذا المجتمع يأذن بالخراب ويأذن بالهلاك بنفسه. أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ ايش قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث». فمثل هذه المجالس لو لم يكن لها فائدة إلا تقليل الخبث في المجتمع وإظهار الصلاح والسعي في بذله لكفى، فما بالك أنت تققل الخبث في المجتمع؟ ونحاول أن نتشبه بالصالحين، وتحصل علماً حتى فلو لم تصبح عالماً لكن في أقل الحال أنك تذهب إلى بيتك تعلم زوجتك تعلم أبنائك تربيهم على الخير، أقل حال أنك تصبح صاحب رؤية واضحة لا تزيغ بك الأهواء المضلة والبدع والفتن يميناً وشمالاً، يصبح عندك نظر وفهم كيف تحسب الأمور وكيف ينظر إليها، ومن هو الصادق ومن هو الذي يبيع دينه بعرض من الدنيا بخس؟ كل هذه الأمور.
وعليكم السلام، يعني لو لم يكن للعلم -لا تظن أو ليس من الواجب أن تصبح عالماً، بعض الناس يقول: إذا لم أصبُح عالماً لا نكمل الطريق، ليس من الواجب أن تصبح عالماً تفتي لهذه الأمة- لكن الواجب أن تتعلم ما تصحح به مسيرتك وما تصحح به حياتك وحياة الأسرة. علينا أيها الأحبة أن ننشر ثقافة العلم ليصبح العلم الشرعي ثقافة؛ ليست فقط وسائل التواصل الاجتماعي هي التي تشغلنا، هي التي نحيا عليها ونموت عليها، ليس هذا الذي يفيد. علينا إذا اردنا أن نرتقي بأنفسنا وأن نرتقي بمجتمعنا، إذا اردنا الاصلاح الحقيقي، أن ننشر العلم كثقافة؛ يصبح هماً، أن يكون له ابن أو ابنة من طلبة العلم، أن يكون الأب مثقفاً في العلوم الشرعية وأن تكون الأم مثقفة، الكل عنده دراية وإحاطة. أما هكذا كحال لا يوجد أحد عنده أي دراية أو أدنى تحصيل في العلم الشرعي، فهذا في الحقيقة سبب في هلاك مجتمعاتنا.
وأي أمر نحاول أن نعالج به الفساد أو ننهض به بامتنا سوى هذا الطريق فهو مضيعة للأوقات، أنا أعطيك اياها بوضوح، لا تظن أن الأمر بمهرجانات انشادية أو حفلات أو سهرات أو مؤتمرات، الأمر من هنا يبدأ أيها الحبيب، هذا كله غثاء كغثاء السيل، الأمر يبدأ من العلم، من الجد في الصدق مع الله سبحانه وتعالى. لماذا تجد هناك مثلاً عندما يكون حفل لمنشد؟ احنا هنتكلم عن المغنيين، حفل لمنشدين أو كذا تجد إقبالاً كثيراً من الشباب والفتيات، وعندما يكون هناك مجلس لطلب العلم تجد هناك نزراً في الإقبال؟ ايش الفرق؟ لان ذاك المجال الشيطان لا يخاف منه كثيراً، يعلم أن ذاك ليس مكاناً وليس صرحاً للبناء، فمهما فعلت ومهما أنشأت ومهما سمعت المعازف هذا كله لن يبني شيئاً، لن يحصل علماً، لن يرفع شعاراً لهذه الأمة، وإنما الشيطان يعلم أين العمل، يعلم أن علي أن أنخر بناء الأسر، علي أن أنخر هذا المجتمع بإبعاده عن الجادة الصحيحة في طلب العلم وبناء الشخصيات العلمية والمثقفين والوعاة والذين يقرأون وعندهم نهم، منهومان لا يشبعان أيها الأحبة: طالب علم وطالب مال. إذا لم تكن منهوماً للعلم فاعلم أنه ما زال هناك شيء في الطريق.
إذاً هي فقط من باب التذكير بالفائدة: حضور مثل هذه المدارس ولماذا نقيمها؟ ولا الإنسان يذهب إلى بيته يتمتع بمتاع الحياة الدنيا مع الناس، يعني لو نظرت أن تغيب أن تجلس في استراحة أو في شيء من شهوات الحياة الدنيا من ملاذها المباحة، من طعام من مشرب من مأكل من ملبس في استراحة، لا يوجد هناك شيء من التعب، لماذا أنت تتعب تجد وتأتي إلى هذا المكان تقضي ساعتين وهناك متابعة للدرس؟ لماذا تتعب نفسك؟ دائماً يجب أن يكون الهدف، والا ستنقطع إذا ما كنت على دراية لماذا أنا أطلب العلم؟ ولماذا أريد أن أطلب علم الظاهر والباطن؟ ما الذي أريد أن أصل إليه؟ إذا فقط كان العلم مرحاً في فترة أو حب للاطلاع، مثل هذا الأمر في الحقيقة لا ينتج كثيراً.
فدائما استحضار الهم، استحضار الهدف: أين موضعك في هذه الأمة؟ أنا الآن أقوم بخدمة، يعني أنا عنصر مؤثر، لا اريد أن أبقى متفرجا على هذه الأمة تسفك دماؤها وتهتك أعراضها ويلعب بها يميناً وشمالاً وأنا فقط متفرج، أو -إذا كنت جيداً- أعلق على وسائل التواصل هكذا أفرغ كل شيء انتهيت نصرت الأمة! لا، اياك أن تظن أنك تكون مؤثراً في هذه الأمة عندما تطلب علماً، عندما تطلب أصولاً وصرفاً وفقه وعقيدة حديثاً، هكذا تكون مؤثراً، تصنع شيئاً. قدم شيئاً لهذه الأمة قبل أن تموت وتطوى الصفحات ثم تصبح ذكري من الماضي. لو نظرت في حال الناس الآن، كل يوم نودع حبيباً نودع صديقاً، طيب ننظر ماذا قدم؟ ماذا فعل؟ لا نجد شيئاً في الصباحات مسطراً أيها الأحبة؛ لأن ما بينه وبين الله هذا علاقته، لكن ننظر في الإنتاج لهذه الأمة، في التقديم، في البذل، في العطاء. لماذا لا تسطر الصفحات؟ لماذا لا يوجد عندنا نخب من الطلبة المثقفين ومن الناضجين علمياً وفكرياً وثقافياً؟ لماذا؟ سواء من الإخوة ومن الأخوات كذلك، يعني هذا جانب الإخوة ربما يكون، في جانب الأخوات هناك ضعف فيه، لا توجد -لا تكاد تجد من هو متين في أصول الفقه أو من هو متين في العقيدة أو من هو متين في الحديث- لماذا هذا الضعف العام بجانب الذكور والإناث؟ إذاً هناك علامات استفهام يجب أن تنفض الغبار عنها ونبدأ نفكر بطريقة صحيحة فيما يظهر لي، وهذا اجتهادي ونظري والله تعالى أعلم.
نعود إلى ما نحن فيه من شرح هذه المنظومة المباركة: النظم الصغير المختصر للتحرير. وكنا في الدرس الماضي شرعنا في الكلام عن النسخ، فقلنا ما تعريف النسخ أيها الأحبة، من يتذكر؟ هذا في ناحية اللغة هو الإزالة أو النقل، وأما من حيث الاصطلاح -يفرج جابر المتقدم- أحسنت، هو رفع حكم شرعي ثابت بخطاب متقدم بخطاب شرعي متأخر عنه، هذا تعريفه. قلنا: هل النسخ واقع في الشريعة؟ هل هناك من نازع في ذلك؟ من هو الشخص؟ يعني خلاص هناك شخصية بارزة تحفظها وتعرف ماذا قلنا فيها، أبو مسلم الأصفهاني رحمه الله ماذا قال؟ قال لا يوجد نسخ. لكن هل هو فعلا يبطل النسخ أو ينفيه؟ هو لا يسميه، بل كان يسميه تخصيصاً.
طيب، قلنا: ما شروط النسخ؟ طبعا أيها الأحبة، إن في الشرح هنا قدمت الكلام عن شروط النسخ البيت الثاني، عن الكلام عن قواعد النسخ البيت الأول؛ لأني وجدت هذا أصلح، أن يُقدَّر أولاً ما هي شروط النسخ بعد ذلك نتكلم عن القواعد، الناظم بدأ بذكر قواعد النسخ أن القرآن ينسخ القرآن، السنة تنسخ السنة، فما ذكر شروط النسخ. ففي الكتاب ستجدون تقديماً وتأخيراً، هو اجتهاد مني لما هو أصلح في الفهم كيف ندخل في المبحث، فوجدت بعض الأمور في الابيات لا تحتاج إلى إعادة ترتيب. المهم قلنا: شروط النسخ ثلاثة، ما هي؟ نعم، طيب: أن يكون في الإنشاء لا في الخبر، الخبر لا يقبل النسخ -إلا إذا كان الخبر خبر مقصود به الإنشاء فهو يقبل- الكلام عن الخبر لفظاً ومعنى. الشرط الثاني من شروط النسخ -وخليه يرفع الأيدي لأن أنا هكذا الأمور طبيعية عندي، خلي الأخ أيوه- عدم إمكانية الجمع بين النصين، هذا الشرط الثاني أن لا يمكن الجمع بين النصوص، فإذا أمكن الجمع يذهب إلى الجمع لأن أعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. الشرط الثالث والأخير عندك يا شيخ؟ اه رفعت أيدك على الثانية، ايوا الشيخ الناس، نعم: أن يكون بين الناسخ والمنسوخ تراخٍ، فترة من الزمن يستقر بها النص الأول، ثم بعد ذلك يأتي النص الثاني ينسخه. إذاً هي ثلاث شروط للنسخ: الشرط الأول أنه للإنشاء وليس للخبر، الشرط الثاني أن تعذر الجمع بين النصوص، الشرط الثالث أن يكون النص الناسخ متراخياً عن المنسوخ.
ثم بعد ذلك شرعنا في قواعد النسخ، أليس كذلك؟ فقلنا: هذه هي القواعد التي سننطلق منها في فهم ما هو الناسخ وما هو المنسوخ عند علماء الأصول. فقلنا أيها الأحبة، كقاعدة تقسيمية، الآن نحصر الآن المسائل ثم ننطلق، أولاً لا بد تحصر ثم تنطلق: ما هي الأمور العقلية المحتملة للناسخ والمنسوخ؟ أما أن يكون المنسوخ قرآناً، فإذا كان المنسوخ قرآناً فالناسخ له عقلاً: أما أن يكون القرآن، واما أن يكون حديثاً متواتراً، واما أن يكون حديث آحاد؛ لأن هذه هي القسمة التي عندنا.
الحالة الثانية: أن يكون المنسوخ حديثاً متواتراً هو المنسوخ، الناسخ له -السلام ورحمة الله- أما أن يكون قرآناً، واما أن يكون متواتراً، واما أن يكون آحاداً. الحالة الثالثة: أن يكون حديث آحاد والناسخ له أما أن يكون قرآناً أو متواتراً أو آحاداً. هذه الطريقة أحب أن تدونها وأن تفهمها؛ لأنك عندما تقرأ في كلام علماء الأصول ستجد العلماء يذكرون القواعد هكذا مشتتة، فأنت لا تنطبق عندك الأمور؛ هو يتكلم عن ماذا؟ ما هو الناسخ؟ ما هو المنسوخ؟ هي القضية محصورة أيها الأحبة هذه المنهج، ثم بعد ذلك تبدأ تبحث عن كل مسألة مسألة: نسخ القرآن بالقرآن ايش حكمه؟ نسخ القرآن بالمتواتر؟ خذ مسألة مسألة وابحث واحدة وانظر في كلام العلماء فيها، حتى لا تشتبك عليك الخطوط مع بعضها لأنها مسائل كثيرة، يعني يخشى أحياناً أنك تكون تبحث في مسألة القرآن مع المتواتر وتظن أنه يدخل فيها الآحاد، لا، يكون الآحاد غير داخل، أو تظن أنه الحديث القرآن مع الحديث المتواتر مثل القرآن مع الآحاد. المقصود أن هي قواعد كثيرة، فأنت إذا حصرتها ثم بدأت تنظر فيها قاعدة قاعدة يسهل عليك الأمر.
إذاً نحن الآن حصرناها، نظرنا في بعضها في الدرس الماضي، فقلنا نسخ القرآن بالقرآن، هل هو جائز؟ نعم هذا ما عندنا فيه إشكال، القرآن ينسخ القرآن. من يعطينا مثالاً؟ أي واحد: قول مالك بن انس أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: 180] هذه الآية كانت توجب ماذا؟ الوصية للوالدين وللأقارب، فقال مالك بن انس: نسختها الآيات، آيات الفرائض في سورة النساء، فآيات الفرائض في سورة النساء خلاص أعطت كل ذي حق حقه فلم تعد الوصية للوالدين والأقربين واجبة. عليها خلاف طبعا الآن، هناك في باب النسخ خاصة لا يوجد إجماع على أن هذه الآية هي قطعاً ناسخة هذه الآية، ستجد من العلماء من يقول: لا، آية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ نسخها ﴿لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ﴾، لكن نحن الآن في باب التمثيل ولسنا في باب بيان ما هو الراجح، أنا فقط أمثل حتى تظهر لك القضية، أما ما هو الراجح فهذا أمر يبحث.
في علوم القرآن في علوم السنة قضية أخرى. إذا نسخ القرآن بالقرآن مثلنا له ما قال مالك بن أنس. نسخ القرآن بالمتواتر: هل هذا القرآن ينسخه الحديث المتواتر؟ أحسنت، قلنا الجماهير على أن القرآن ينسخ بالحديث المتواتر، أما أحمد بن حنبل رحمه الله فمنعه ذلك على القول المعتمد عندهم في المذهب، والشافعية عندهم رأي ربما أذكره، يعني الشافعي مذهبه كله له مذهب خاص وراقي في الحقيقة، مذهب الشافعي لم يسبق إليه في طريق تقرير النسخ، ربما أتطرق إليه في نهاية الكلام عن هذه القواعد.
نسخ القرآن بالمتواتر قلنا الجمهور يصححه وأحمد يمنعه. طيب، الجمهور عندهم مثال على نص القرآن بمتواتر؟ ذكرنا مثالاً في الدرس الماضي، إيش هو المثال ذكرناه؟ أيوه، يعني تعطونني أنتم نص النصوص، يعني بدنا النص كامل، إيش الموضوع؟ ما هو القرآن الذي نسخ بالحديث المتواتر عند من يجوز النسخ؟ أما أحمد فما عنده، وعند الجمهور قلنا آية قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ﴾ إيش ربنا قال؟ ﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145]. فهذه الآية تفيد الحصر أليس كذلك؟ لا أجد في ما أوحي إلي محرماً، ما في محرمات إلا هذه الأمور الأربعة، ممتاز؟ إذا هذه الآية تدل لنا بمنطوقها أو مفهومها على خلاف ما هي دلالة الحصر، تدل على أنه لا يوجد أبداً محرمات في المطاعم إلا هذه الأربعة.
الآن إذا جاء بعد ذلك كنص متأخر فبين له أن هناك محرماً خامساً وسادساً، يكون هذا النص ناسخاً لما استفدناه من آية إيش؟ من آية الأنعام، لأنه آية الأنعام تقول: ما في محرم إلا الأربعة، هي لو قالت عندنا محرمات أربعة فقط وسكتت ثم جاء بعد ذلك نص يثبت محرماً خامساً وسادساً هذا ليس نسخاً، ما في مشكلة أيوه يمكن الجمع، لكن المشكلة أن الآية إيش تقول؟ الآية تقول: لا يوجد محرم إلا هذه الأربعة، حصلت كأنها تقول انتهت الأمور. الآن إذا جاء نص متراخٍ بعد ذلك يثبت أن هناك محرماً خامساً غير هذه الأربعة، إذاً هذا النص المتراخي المتأخر ناسخ لما فهمناه من آية الأنعام من الحصر.
وهل جاء نص متراخٍ ناسخ؟ نعم، جاء تحريم كل ذي ناب من السباع، وتحريم كل ذي ناب من السباع حديث متواتر، قد لا يكون متواتراً تواتراً لفظياً لكنه متواتر تواتراً معنوياً لأنه روي عن مجموعة كبيرة من الصحابة بطرق كثيرة، تحريم كل ذي ناب من السباع. فقال من يجوز نسخ المتواتر بالقرآن: حديث كل ذي ناب من السباع حديث متواتر ينسخ آية الأنعام ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ ينسخ مفهومها، مش ينسخها يعني أن هذه المحرمات تصبح جائزة، لا هو ينسخ المفهوم وهو الحصر في الأربعة فقط.
وذكرنا قول الرازي، وإيش قال الرازي؟ يقول الرازي في تفسيره: دلت الآية على حصر المحرمات، لاحظ إيش يقول الرازي: دلت الآية على حصر المحرمات في هذه الأربعة، فالقول بتحريم شيء خامس يكون نسخاً، لأنه قال الدلالة ظلت على الحصر، فالقول بتحريم شيء خامس يكون نسخاً، وجاء تحريم شيء خامس بكل ذي ناب من السباع.
الآن القرآن بالآحاد: هل القرآن ينسخ بحديث الآحاد؟ يعني نص قرآني ترفعه بحديث آحاد، ممكن؟ الآن جمهور أهل العلم على المنع من ذلك، جماهير المذاهب علماء المذاهب من الشافعية والحنابلة والمالكية والحنفية على المنع من ذلك، لماذا؟ عليك أن تحفظ قاعدتهم، لماذا؟ الضعيف لا يرفع القوي. الضعيف لا يقوى على رفع القوي. حديث الآحاد ضعيف، يعني هو نفسه ضعيف السند ويقصد أضعف من القرآن فلا يقوى على رفعه.
الآن هناك أقوال أخرى ذكرناها: ابن حزم الظاهري يقول: ما عندنا مشكلة أبداً في نسخ آحاد للقرآن، لا يوجد عندنا مشكلة، ينسخ آحاد القرآن، الآحاد تقوى على نسخ القرآن. إذا صح حديث الآحاد فانه في مثل الحديث المتواتر، وقضية أنه دلالته ظنية وأن هذا دلالته قطعية هذا لا يؤثر في عملية النسخ. وفي الحقيقة كلام ابن حزم الظاهري أقعد، كلام ابن حزم الظاهري أقعد في هذه المسألة، ولا أكاد يعني أقول إن المذاهب أحياناً تطبق كلام ابن حزم الظاهري وتنسخ بعض نصوص القرآن بالآحاد، يعني عندهم أحياناً يخرجون عن قاعدتهم بعدم جواز النسخ، وكلام ابن حزم الظاهري أقعد من الناحية الحديثية وهي عدم التفريق بين الآحاد والمتواتر.
لكن هذه هي هذا هو الخلاف، طبعا هناك قول ثالث، قول من كان؟ الغزالي. قول الغزالي، إيش الغزالي يقول في المسألة؟ الغزالي أحسنت يقول: في عصر النبي صلى الله عليه وسلم الآحاد ينسخ القرآن. ليش طيب؟ لأنه يقول: القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم غير مستقر، يعني هو أصلاً يقول: أحكامه غير مستقرة ممكن ينسخ النص القرآني في عهده، يمكن النبي صلى الله عليه وسلم يخصص، فباختصار الحكم القرآني غير مستقر لأنه يقبل النسخ وإعادة أو تخصيص أو التقييد. وأما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم خلاص النص القرآني ثبت لا يقبل أي مجال للتغيير، فبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم صار قطعي والآحاد لا يرفع القطعي، في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كان ظني والآحاد ظني فكانت القوة تساوت. هي نظرة في الحقيقة تقبل النظر ولكن جماهير أهل العلم باختصار على المنع من ذلك.
ثم ذكرنا مثالاً تطبيقياً، دائماً أيها الأحبة عندما تجدون مثالاً تطبيقياً اعرفوا أن هذا مثال تطبيقياً عند من يقول بالجواز فقط، أما من يقول بالمنع ما عنده مثال تطبيقي لأنه يقول لك: أنا أمنع ذلك. فأي مثال تطبيقي أذكره هو على رأي من يقول بماذا؟ بالجواز. وهنا قلت مثال تطبيقي على نسخ القرآن، عدلوها أيها الأحبة بالآحاد مش بالسنة، مثال تطبيقي على نسخ القرآن بالآحاد عند من يقول وبذلك، إيش الآية؟ كتب عليكم، نفس الآية كما ذكرنا قبل قليل، قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180]. قلنا هذه الآية تدل على ماذا؟ على وجوب الوصية للوالدين والأقارب، قبل قليل قلنا مالك بن أنس قال إيش الناسخ لها؟ آيات الفرائض. الآن هناك قول آخر للعلماء فأتيت بها تمثيلا، هناك من يقول لا، الناسخ ليس آيات الفرائض، الناسخ لها حديث آحاد وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث». والوالدان من الورثة، إذاً لا وصية لهم. فهذا مثال على أن حديث لا وصية لوارث حديث آحاد نسخ الآية القرآنية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ التي دلت على وجوب الوصية للوالدين، فهذا عند من يجوز النسخ.
إذا انتهينا من كون المنسوخ قرآناً، ننتقل إلى القاعدة الثانية: إذا كان المنسوخ حديثاً متواتراً، لأن الحديث المتواتر وأنتم الآن عرفتم، ذكرنا شروط المتواتر بالتفصيل. إذا كان عنا حديث متواتر بماذا ينسخ؟ نأتي الآن، الحديث المتواتر: هل ينسخ بالقرآن؟ الآن جماهير أهل العلم على جواز نسخ الحديث المتواتر بالقرآن، وذكرت دائماً رأي الشافعي، أنا قلت رأي الشافعي ربما أذكره في النهاية أن تقرأه لا يهمني الآن المذاهب جميعها حتى لا يطول بنا الكلام، لكن خلص أحفظها أن القرآن ينسخ المتواتر، لأن القرآن قطعي وقوي فيقوى على نسخ الحديث المتواتر.
طيب، إيش المثال الذي ذكرناه؟ حديث زيد بن أرقم أيها الأحبة، زيد بن أرقم يقول: كنا نتكلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم أحدنا صاحبه بحاجة أي في الصلاة، كان في بداية الأمر كان الكلام في أثناء الصلاة مسموح، أنت تصلي وتكلم من بجنبك، اذهب ارفع، قال: حتى نزل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. قال: فأمرنا بالسكوت عن الكلام.
الان هذا المثال طبعا أنا بالنسبة لي وذكروه لكني غير مقتنع به، لكن سأبين لكم وجهة نظرهم، يقولون: الحديث في أثناء الصلاة كان أمراً مشهوراً عند الصحابة متواتراً بينهم، صحيح؟ يقول هكذا كان متواتراً بينهم، ما كان والله بيعرفه رجل أو رجلين، كان متواتر معروف، ثم جاء قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ هذه الآية نسخت هذا الأمر المتواتر.
لكن في الحقيقة أيها الأحبة هم يذكرون هذا المثال، لكن هو كحديث كحديث زيد بن أرقم هل هو متواتر ولا آحاد؟ حديث زيد بن أرقم هو متواتر ولا آحاد؟ آحاد باعتبار وصوله إلينا، ونحن عندما نبحث، هل هذا متواتر أو آحاد؟ هل نتكلم أنه متواتر أو آحاد في عهده صلى الله عليه وسلم؟ ولا نتكلم أنه باعتبار وصوله إلينا؟ باعتبار وصوله إلينا فكون زيد بن أرقم يتكلم أن الصحابة كانوا يتكلمون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الأمر كان مشهوراً بين الصحابة، أكيد مش واحد اللي كان يتكلم، كلهم كان الأمر بينهم دوام جائز، ثم بعد ذلك نسخ بالنص القرآني ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ خاشعين من دون أي كلام.
كون أن تقول إن والله هذه الحادثة كانت متواترة في عهدهم في الحقيقة لا يعني لا يظهر لي أن هذا مثال صحيح على ما نقسمه نحن الآن، نحن نتكلم عن حديث آحاد باعتبار وصوله إلينا، حديث متواتر باعتبار وصوله إلينا، وليس حديث متواتر في عهده صلى الله عليه وسلم ثم وصل إلينا آحاد. هذا التواتر يعني كونه مشهور بينهم هذا لا يدل على أنه متواتر لنا، هو آحاد بالنسبة لدينا.
لذلك هم أحياناً إيش يحصل؟ أحياناً أيها الأحبة يكون الأصولي يريد أن يأتي بمثال ولا يجد مثالاً على هذه القاعدة فيحاول يعني أن يتكلف مثالاً أو يأتي بمثال لعله يصلح، فالأمثلة هذا المثال الذي ذكره بعضهم في الحقيقة أنا ذكرته لتتميم الأمثلة التطبيقية ولكن فيه نظر فيما يظهر لي، لأنه سيأتي لنا أمثلة في قضية نسخ الآحاد وعندئذ سأقارن مرة أخرى وستلاحظون أن فيه إشكالية إذا جعلنا هذا النوع من نسخ متواتر بالقرآن، ستجدون إشكالية إذا جعلناه هذا من نوع النسخ المتواتر بالقرآن.
الآن فيما يتعلق إذا الحديث المتواتر بالقرآن أنهينا، عرفنا خلاف النظر، الحديث المتواتر بالمتواتر إيش رأيكم؟ أيضاً الحديث المتواتر بالمتواتر، الآن الحديث متواتر قطعي صحيح؟ والحديث المتواتر المنسوخ قطعي، فقطعي بقطعي ذلك، يمكن النسخ قطعي بقطعي، ما هو المثال الذي ذكرناه؟ مسألة ادخار لحوم الأضاحي، يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، يعني تذبح اليوم الأول تدخر، اليوم الثاني، اليوم الثالث من أيام العيد، اليوم بعد اليوم لا تدخروا، قيل لهم حتى يطعموا الداف والناس الذين قدموا على المدينة، فنهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام.
الان عن ادخار لحوم الأضاحي كما ترون كم رواه من الصحابة؟ رواه تسعة من الصحابة، رواه تسعة من الصحابة، فقال جمع من العلماء: إذاً حديث النهي عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث حديث متواتر، حديث متواتر ممتاز. الآن جاء بعد ذلك أحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح ادخار لحوم الأضاحي مطلقاً، خلاص ارتفع النهي عن الادخار بعد ثلاثة أيام، يجوز أن تدخر لحوم الأضاحي كيف شئت. الأحاديث التي تدل على جواز دخول لحوم الأضاحي مطلقاً جاء في رواياتها ما يدل على أنها متأخرة عن أحاديث النهي إذاً هي متأخرة زمنياً، طيب كم رواها هذه الأحاديث؟ الأحاديث التي تجيز ادخار لحوم الأضاحي مطلقاً كم شخص رواها من الصحابة؟ قال: ثبتت عن أحد عشر صحابياً، فقالوا: إذاً هذا أيضاً حديث متواتر. إذاً هناك حديث متواتر نسخ حديثاً متواتراً.
وللاحظوا كيف، لاحظوا هم ينظرون كم شخص روى الحادثة، مش هناك شخص روى أن الصحابة كانوا منهيين عن ادخار لحوم الأضاحي، في النهاية هذا حديث آحاد أن صحابياً واحداً هو اللي روى الواقعة، لا، إحنا نتكلم أن هناك تسعة من الصحابة رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ادخار لحوم الأضاحي، ثم أحد عشر صحابياً رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح ادخار لحوم الأضاحي مطلقاً، فنقول حديث متواتر وهنا حديث متواتر نسخ هذا المتواتر المتأخر المتواتر المتقدم، هذه هي صورة نسخ المتواتر بالمتواتر.
طبعا يعني دائماً أيها الأحبة والشأن لا يعترض المثال إذ قد كفى الفرض احتماله، الأصوليون أحياناً يذكرون أمثلة قد تقبل النقاش، يعني من نحن قلنا هل يشترط هناك عدد محدد للتواتر؟ لا يشترط عدد محدد، فكونه تسعة وحداش في الحقيقة ليس هي بحد ذاتها أخبرتنا بأن هناك تواتر، لكن الكثرة الكثرة مظنة التواتر، هي الكثرة مظنة التواتر لكن ليس لأن هذا العدد بحد ذاته، فانتبهوا على هذه القضية.
الحالة الثالثة: نسخ المتواتر بالآحاد، إيش رأيكم؟ الحديث المتواتر قطعي، هل يمكن أن ينسخ بالآحاد؟ وكما علمت بالتفصيل أن الجمهور يقول إن الآحاد ظني، طبعا فيها تفصيل نحن بينا أن فيها مشكلة، لكن أكثر الأصوليين على أنه ظني، فالآن المتواتر قطعي والآحاد ظني، هل يقوى الآحاد على نسخ المتواتر؟ عند الأكثر لا يقوى الآحاد على نسخ المتواتر، كما أن الآحاد لا يقوى على نسخ القرآن نفس القضية نفس الفكرة، كما أن الآحاد لا يقوى على نسخ القرآن كذلك الآحاد لا يقوى على نسخ المتواتر.
تعال شوف من يجوز، من يجوز نسخ الآحاد بالمتواتر؟ أو نسخ المتواتر عفواً بالآحاد بماذا يستدل؟ بحديث قباء، يقول الصحابة كان منتشراً عندهم ومشهوراً بينهم، الكل يعلم أن الصلاة لبيت المقدس، ثم النبي صلى الله عليه وسلم أنزل عليه قرآن، أمر أن
فذهب رجل من الصحابة من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسجد قباء، رجل واحد، فأخبرهم أن القبلة تحولت إلى الكعبة، فتحولوا الآن. هذا هو المثال الذي يذكرونه، يقولون: إذاً هو رجل من الصحابة آحاد، نسخ المتواتر الذي كان موجوداً، وهو التوجه إلى بيت المقدس.
في الحقيقة أيضاً هذا المثال فيه نظر من عدة وجوه. الوجه الأول: أن الناسخ في الحقيقة ليس قول هذا الرجل، وإنما الناسخ الحقيقي ما هو؟ هو القرآن، فإنك تجعله من نسخ المتواتر بالآحاد فيه نظر. ثانيا: كما قلت لكم قضية التنظير، أنه إذا كان الأمر مشهوراً بين الصحابة أن هذا يسمى متواتراً بالناحية الاصطلاحية التي يتكلم فيها، هذا فيه نظر، أن هذا ليس متواتراً وإنما كان يفعل بين الصحابة ونقل. الآن إذا ثبت أن التوجه إلى بيت المقدس نقله جمع كبير من الصحابة عن مثلهم عن مثلهم حتى وصل إلى طبقة المصنفين يا شيخ، فهذا نقول إنه متواتر، نعم. إذا ثبت هذا، أما إن جاءت استقبال النائم إذا جاء حديث آحاد يقول: إن الصحابة كانوا يصلون إلى بيت المقدس ابتداءً. هل هذا الحديث يسميه متواتراً؟ كون الفعل كان منتشراً بين الصحابة، يعني هو آحاد عن آحاد عن آحاد حتى وصلنا إلى الصحابي، الصحابي يقول: كان الصحابة يفعلون كذا. وفي الحقيقة ليس متواتراً، ولا بدك تمشي على هذا المنهج: كل شيء سيكون متواتراً، وكل شيء سيكون متواتراً أن الصحابة يقولون: كنا نفعل كذا، وكان النبي سيفعل كذا، وهذا كله بحضرة الصحابة، فإذاً أنت ستصل إلى أن كل الأحاديث متواترة بهذا المفهوم، وهذا لا يقبل؛ لأن هنا الأحاديث طريقتها آحاد، كونه مشهوراً غير مشهور بين الصحابة هذه أمر آخر، ليس لها علاقة أن يسمى متواتراً أو غير متواتر.
الآن ننتقل إلى الحالة الثالثة والأخيرة: حديث الآحاد المنسوخ. الآن حديث آحاد، حديث الآحاد ما الذي ينسخه؟ هل ينسخ حديث الآحاد بالقرآن؟ نعم، حديث الآحاد ينسخ بالقرآن عند الجمهور، والشافعي له نظرته الخاصة، هذه ندعها للأخير، لكن الأصل نعم أن القرآن قطعي يستطيع أنه يرفع حديث الآحاد الظني، واضح القضية؟
طيب، مثال على نص القرآن بحديث آحاد، انظروا المثال الذي يذكر الآن حتى تفهموا كلامي الذي أقرره، انظروا ما المثال التطبيقي الذي ذكرناه. وقد ذهب إلى جوازه جماهير العلماء القائلين بجواز نسخ السنة المتواترة -أضيفوا كلمة المتواترة، يعني أريد أن أقول: من قال بجواز نسخ الآحاد بالقرآن هم من قال بجواز النسخ بالقرآن في صفحة اثنين وثمانين- فهاي سقطت هذه الكلمة. وقد ذهب إلى جوازه جماهير العلماء الذين قالوا بجواز نسخ السنة المتواترة بالقرآن، اللي هم ذكرناهم في النقطة صفحة اثنين وثمانين، وما نسب إلى الشافعي كما قلنا الشافعي له مذهبه الخاص.
طيب، ما هو المثال الذي ذكرناه على حديث آحاد نسخه قرآن؟ انظروا قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة في ليالي رمضان. كان من نهي أن الرجل في البيت من رمضان أن يباشر أهله، ثم بعد ذلك نزل القرآن: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. إذاً، كان هناك حديث وصل إلينا بالآحاد أنه كان هناك نهي عن المباشرة في ليالي رمضان، ثم جاءت الآية القرآنية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ تنسخ هذا النهي.
الان اريدكم ان تلاحظوا هل النهي عن المباشرة كان منتشرا بين الصحابة؟ كان منتشرا بين الصحابة النهي، يعني مباشرة الكل يعلم بذلك أو الجل يعلم بذلك، أليس كذلك؟ ومع ذلك هنا لم يعدوه أحداً، أي عفواً لم يعدوه متواتراً، عدوه من قبيل الآحاد، لماذا عدوه من قبيل الآحاد؟ لأن النهي عن المباشرة وصل إلينا بالآحاد، لم يثبت لنا تواتر فيه، ما وصل إلينا أن هذا النهي عن عشرة من الصحابة رواه اثنان رواه ثلاثة إن كثر. لاحظوا أن العبرة في الحقيقة باعتبار الطريق، وليس باعتبار الشهرة بين الصحابة أو عدم بينهما. إذاً، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة في ليالي رمضان ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ لو تقطعوا الآية.
الحالة الثانية: حديث الآحاد هل ينسخ بالمتواتر؟ حديث الآحاد ينسخ بالمتواتر؟ أي المتواتر قطعي والآحاد ظني عند أكثرهم فيقوى على نسخ الآحاد، لكن كما نص النجار الفتوحي في شرح الكوكب المنير أن هذا لا يوجد له مثال أبداً، لا يوجد مثال حديث متواتر نسخ حديث آحاد، طبعا هذا فيما بلغه علمه. وفي الحقيقة بحثت، نعم حديث آحاد ينسخ بالحديث المتواتر هذا لا يوجد له مثال أن يكون المنسوخ آحاداً والناسخ متواتراً، هذا فيما نص عليه ابن النجار قال: لا يوجد له مثال. ومع البحث في الحقيقة من أغلب ما وقفت عليه من الأصوليين فيما بلغه اطلاعي أنه لا يقول لا مثال على هذه القضية، ولكن نفي العلم ليس علماً بالعدم؛ لأنه قد يقع رجل على شيء الله أعلم، لكن فيما وصل إلي أو إلي واطلاع ابن النجار أنه لا يوجد مثال على هذه القضية.
الأخير: نسخ الآحاد للآحاد، ظني بظني فيقوى على رفعه، وثم يمثل بما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب. ابتداءً كان هناك أمر بقتل الكلاب عموماً، ثم روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ثم نهى أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ثم جاء بعد ذلك آحاد آخر يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الكلاب. لاحظوا حديث آحاد في حديث آحاد، فالحديث الآحاد الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب هل كان يعني صحابياً واحداً ولا كان منتشراً بين الصحابة؟ فكل ما يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة ينتشر بينهم، ولكن هذا الحديث وصل إلينا بالآحاد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الكلاب رواه لم يروه عدد من الصحابة، ثم جاء بعد ذلك الحديث بالنهي عن قتل الكلاب، إذاً هذه نسخ وما الذي لا يجوز في المطولات هناك مناقشات للأدلة ومناظرات وأمثلة كثيرة في مراحل أخرى.
الأخير فيما يتعلق بباب النسخ هو كيف ندرك الناسخ؟ كيف نعرف الناسخ؟ نحن الآن عرفنا تعريف النسخ، دائماً نرتب الأمور، عرفنا تعريف النسخ، وعرفنا عقلاً وقوعه شرعاً، وعرفنا شروط النسخ، وعرفنا قواعد النسخ، بقي علينا المعلومة الأخيرة وهي كيف نعرف الناسخ؟ كيف يعني نصل إلى أن هذا النص ناسخ لهذا النص؟
ذكر الناظم حفظه الله تعالى قال: يعرف بالنص بالإجماع أو قول راو فالزمان راعي. ذكر رحمه الله تعالى أربعة طرق، ذكر أربعة طرق يعرف بها الناسخ، قال: يعرف أي الناسخ بالنص أو بالإجماع أو قول راو فالزمان راع. هذه أربعة طرق نبينها الآن سريعاً.
أولاً: أنا بدأت بالإجماع، وفيما يظهر أني لو بدأت بالنص كان أفضل؛ لأنه هو بدأ بالنص هنا، المهم نعم؟ هو مقدم، النصيحة الأصل أن يبدأ بذكر النص، نعم؟ الآن سنذكر الشيخ دائماً جبهة معارضة، الآن الإجماع من حيث المنزلة لا، هو الإجماع من حيث المنزلة متأخر لا، عليك أن تفرق بين جزئيتين يا شيخ سامي، عليك أن تفرق بين جزئيتين، هناك المنزلة وهناك النظر.
من حيث المنزلة الإجماع بعد الكتاب والسنة بالاتفاق من حيث المنزلة، القرآن معظم أكثر من الإجماع، والسنة معظمة أكثر من الإجماع، ولكن نعم إلى نصوصه كمان، إلى نصوصه إذاً هو مقدم من حيث المنزلة، الإجماع مبني على النص، هو من حيث المنزلة حتى لا تختلط أموره، وأنا أدري ماذا يقول وأدري ماذا تقول.
هناك ما يسمى المنزلة وهناك ما يسمى المرتبة، المرتبة من حيث النظر، ينظر في الإجماع قبل النظر في النص والسنة، صحيح وهذا سابينه، وأما من حيث المنزلة فلا نزاع أن القرآن والسنة من حيث المنزلة معا مقدمة على الإجماع، لكن من حيث النظر فإن الإجماع هو الذي ينظر فيه قبل الكتاب والسنة وماذا يأتي محلنا؟ نريد نفتح نقاشات جانبية الآن.
قال الناظم: بالنص أو بالإجماع أو قول راو فالزمان راع. نبدأ بالإجماع، كوني أنا قدمته هنا حتى يعني تكون نظرك متناسق في الصفحة. الطريقة الأولى: أن يكون الناسخ هو ماذا؟ الإجماع. كيف يكون ذلك؟ عندما يأتي أيها الأحبة عندنا نص من الكتاب أو السنة يدل على تحريم شيء، ممتاز؟ ثم نجد إجماعاً خاصاً ثبت إجماعاً بشروط الإجماع التي ستأتي معنا اليوم، تجد إجماعاً يقول بأن هذا الشيء مباح.
تلاحظ الآن عندنا نص من الكتاب أو السنة يقول إن هذا الشيء محرم، ووجدنا أن هناك إجماعاً من علماء الأمة انتهى، إجماع ثبت واستقر على أن هذا الأمر مباح، ماذا يدل ذلك؟ على المسلسل، على أنه هناك عملية نسخ، وأن هذا الإجماع ناسخ لماذا؟ للسنة، لأنه الإجماع مصدر من مصادر التشريع، والأمة لا يستحيل أن تجمع لا ضلالة، الأمة يستحيل أن تجمع على ضلالة، فإذا وجدنا نصاً يثبت شيئاً أنه حرام، ثم وجدنا إجماعاً مستقراً بالشروط المهمة، إجماع ثابت مستقر أن هذا الأمر مباح، هنا نعلم مباشرة، نعرف أن هذا الإجماع قطعاً ناسخ لذاك النص، نعم، لأنه الآن ساقول لك لماذا؟ الإجماع أيها الأحبة يقول الأصوليون: ليس هو بذاته الناسخ، وإنما لأي إجماع لابد له من مستند، يعني العلماء الذين قالوا بأجمعوا لابد هم ليس مستحيلاً يكونوا برأيهم أباحوا شيئاً النص يحرمه، فعندما أجمعوا على إباحة الشيء إذاً هم قطعاً وقفوا على نص بأن هذا الشيء مباح، لذلك قرن أي إجماع لا بد له من ماذا؟ من مستند، يعني لا بد له من نص سابق أجمعوا بناءً على هذا النص.
الآن مستند الإجماع يمكن أن يصل إلينا، نعرف أنهم أجمعوا لهذا النص أن هذا النص هو سبب الإجماع، أجمعوا بناءً عليه، وقد لا يصل إلينا بالإجماع، لا نعرفه، لا نعرف أبداً ما هو مستند الإجماع، لكننا نوقن ونتيقن أنه إذا جاء النص محرماً لشيء وجاء الإجماع مبيحاً قطعاً أهل الإجماع وقفوا على نص مبيح، لكننا لم نعرف هذا النص، يمكن النص يضيع وما يصل إلينا، يمكن ذلك ما في مشكلة، يمكن أن يضيع النص، لكن العلماء المتقدمون وقفوا عليه فأجمعوا بناءً عليه.
مثال ذلك أيها الأحبة يقولون: حديث النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الهجرة أن مانع الزكاة تؤخذ منه الزكاة وشطر ماله عزمة من ربنا، لا يحل لآل محمد منها شيء. يقولون: في بداية الهجرة كان النبي صلى الله عليه وسلم لأن الزكاة فرضت في السنة الثانية من الهجرة، فكان مانع متعمداً يعني مانع الزكاة لا يريد يدفعها، النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعزيره أنه تؤخذ منه الزكاة ويؤخذ فوق ذلك تعزيراً نصف ماله تعزيراً يؤخذ نصف المال منه فوق أخذ الزكاة.
الآن يقول العلماء: نقل جماعة من العلماء الإجماع على أن هذا الحكم منسوخ، نقل الإجماع على أن هذا الحكم الذي هو أخذ شطر المال كتعزير لهذا الإنسان منسوخ، بل بعضهم ينقل أن جميع العقوبات التعزير بالمال ممنوع أبداً. الآن هذه فيها خلاف، لكن المهم هذا الحديث نقل بعضهم الاتفاق على أنه ماذا؟ على أنه منسوخ، وأن الصحابة تركوا العمل به.
طيب، إيش الناسخ له؟ الآن لم يصل إلينا المستند بالضبط، ما هو المستند بالضبط الذي من أجله وقع الإجماع على أن هذا الحديث منسوخ؟ ولكن عنا إجماع فنقول: هذا الإجماع يعرفنا بأن ذاك النص منسوخ، هذه هي الطريقة.
كذلك مثلاً يمثلون يقولون: في بداية الأمر قبل أن تفرض الزكاة كان هناك حقوق مالية واجبة على المسلمين، كان هناك حق في المال غير الزكاة قبل أن تفرض الزكاة، كانت هناك حقوق مالية، لذلك يقول قوله تعالى: ﴿الْم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 1-3]. يقولون: هذه الآيات نزلت لتثبت أن هناك حقوق مالية واجبة على الصحابة كانت بينهم قبل أن تفرض الزكاة، ثم عندما فرضت الزكاة، العلماء على أن آية فرض الزكاة ناسخة لماذا؟ لجميع الحقوق المالية التي كانت واجبة، يعني قبل أن تفرض الزكاة كان عليهم واجب أن يخرجوا شيئاً من أموالهم، ما كان يسمى زكاة، واجب حقوق مالية للمساكين للفقراء الله أعلم، كيف كانت صفتها؟ ثم عندما جاءت إيجاب الزكاة قالوا: نصوص إيجاب الزكاة اجمع العلماء على أنها ناسخة لماذا؟ للنصوص السابقة التي كانت توجب حقوقاً مالية على المسلمين في أموالهم سوى الزكاة. إذاً، الزكاة لم تكن مفروضة ابتداءً، ولكن كان هناك حقوق مالية، جاءت الزكاة خلاص رفعت نسخت كل الحقوق المالية وبقي فقط عندنا حق مالي هو الزكاة.
طيب، كيف عرفنا أنه الزكاة ناسخة للحقوق المالية؟ إجماع، أنه اجمع العلماء على أن آيات الزكاة ناسخة لآيات الحقوق المالية الأخرى، فهنا إجماع وعرفنا مستنده، في الحالة السابقة قبل قليل كان عنا إجماع ولم نصل إلى مستنده بالضبط فيما يتعلق بشطر ماله. إذاً، الإجماع يبين لنا وقوع النسخ.
الطريقة الثانية من طرق معرفة النسخ هي المرتبة الأولى: النص. النص يبين لنا أيضاً أنه وقع هناك نسخ، كيف نعرف ذلك؟ انظروا ماذا قلنا؟ نصه صلى الله عليه وسلم على النسخ صراحةً أو ضمناً، كقوله مثلاً النبي صلى الله عليه وسلم عندما يقول: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها».
الآن خلاص، من خلال النص عرفنا أن هناك نسخاً، لأن النبي يقول: كنت نهيتكم ثم قال: فزوروها، فابتداءً هو أثبت أنه كان ناهياً عن زيارة القبور، ثم من خلال النص ومن تصريحه بيّن أن هذا الأمر انتهى: فزوروا القبور. إذن تصريح منه صلى الله عليه وسلم بالنسخ.
إذن هذه طريقة ثانية لمعرفة وقوع النسخ: الطريقة الأولى الإجماع، الطريقة الثانية أن ينص النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه على وقوع النسخ. أحياناً قد يكون نصاً صريحاً مثل هذا النص، وأحياناً يقولون قد يكون أمراً ضمنياً، يعني تلميحاً من النبي صلى الله عليه وسلم وإشارةً.
مثثال ذلك مثلاً النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء من كل طعام مسته النار، أمر بالوضوء؛ أي طعام يطبخ على النار أو أي لحم يطبخ على النار كان ماذا؟ كان مأموراً من الوضوء، يعني أنت أكلت هذا اللحم الذي طُبِخ على النار بغض النظر لحم غنم ولا بقر ولا لحم إبل، أي لحم تطبخه على النار، وكان يأمر بالوضوء، كان يأمر بالوضوء، أيوه هذه بالله تعدي صدقت.
النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً جاء النص بالوضوء مما مست النار، إيش يعني الوضوء مما مست النار؟ كان إذا طبخوا لحماً، لحم غنم لحم بقر لحم إبل، بعد أن يأكلوا هذا اللحم عليهم أن يتوضؤوا.
ثم بعد ذلك روى الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم في زمن متأخر أكل شيئاً مما مسته النار، لحماً مسته النار، وقام وصلى ولم يتوضأ. فقالوا: إذن هذا الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم فيه إشارة إلى أن الأمر السابق بالوضوء مما مست النار قد نسخ.
الآن لا يوجد عندنا نص صريح من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن عندنا فعل يُفهم منه النسخ. إذن الحالة الثانية، الطريقة الثانية لمعرفة وقوع النسخ: النص، قد يكون نصاً صريحاً مباشراً من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون ضمنياً بفعل فعله عليه الصلاة والسلام.
طيب، الحالة الثالثة أو الطريقة الثالثة لمعرفة وقوع النسخ: قول الراوي كان كذا ثم نُسِخ، أو يقول رُخِّص في كذا ثم نُهي عنه. يعني الراوي من الصحابة إيش يقول؟ يقول: كان كذا وكذا ثم نُهي عن هذا، أو يقول: رُخِّص في كذا وكذا ثم نُهي عنه أو تُرِكَ. هذا إذا نصّ الراوي على ماذا؟ على أنه كان هناك أمر ثابت ثم ارتفع بعد ذلك.
مثال ما ذكرناه قول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام للجنازة ثم قعد. فابتداءً، في ابتداء الأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أنه إذا مرت جنازة وهم جلوس -كانوا يحملون الجنازة مرت بك وانت جالس- كان يقوم عليه الصلاة والسلام ويأمر أصحابه بالقيام للجنازة، حتى مرت جنازة يهودي فأخبروه: يا رسول الله، جنازة يهودي، قال: «أليست نفساً؟» فقام النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذا الأمر كان ابتداءً على القيام للجنازة، ثم بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم صار يجلس، صار يجلس. جيد، الآن الراوي من الصحابة إيش يقول؟ الراوي يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالقيام للجنازة ثم قعد، ثم قعد.
طبعاً هذا بمَ يختلف عن المثال السابق، مثال مسّ النار؟ لماذا يختلف؟ لأنه كان يفعل، أيوه أحسنت، أنه في هذا المثال هو صحابي واحد يخبرنا أنه كان الأمر كذا ثم تركه النبي صلى الله عليه وسلم. بينما في المثال السابق ما قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل كذا ثم ترك ذلك، لا، عندنا حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء مما مست النار -انتهى الحديث- ثم نحن بالبحث قد وقفنا على حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحماً طبخ على النار ثم ذهب فصلى ولم يتوضأ، فعرفنا أن هذا الفعل تأخر عن النص الأول، فقلنا هذا ناسخ لهذا من دون أن ينص صحابي على النسخ، وإن كان حديث مسّ النار فيه بعض الصحابة على النسخ لكن كما قلنا هو مجرد تمثيل حتى تفهم القاعدة.
أما في هذه الحالة الثالثة الراوي هو بذاته يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا ثم تركه أو أمرنا بتركه. مثال آخر: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بجعفر بن أبي طالب وهو في رمضان فقال: «أفطر هذان» أو «أفطر الحاجم والمحجوم». إيش يقول أنس؟ لاحظوا إيش تكملة الحديث، هو نفسه قال: ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعده في الحجامة للصائم. فأنَس الآن يروي إيش كان الأمر ابتداءً ثم كيف صار؛ ابتداءً كان منهياً عن الحجامة للصائم، ثم بعد ذلك بيّن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم سامح ورخص في الحجامة للصائم.
فاستناداً إلى هنا، الراوي من الصحابة يروي لنا المنسوخ والناسخ ضمن حديث واحد. إذن هذه طريقة ثالثة من طرق معرفة النسخ.
الطريقة الرابعة: أن يُعْرَف الزمن لكلا النصين اللذين لا يمكن الجمع بينهما بهذا القيد، لأنه ليس مجرد معرفة أن هذا النص متقدم وهذا متأخر معناه فيه نسخ، لا، انتبه، لا بدّ عندنا نص متقدم ونص متأخر، حاولنا أن نجمع بينهما، لا، الجمع بأي طريق من الطرق؛ حينئذ نقول: المتأخر ناسخ للمتقدم. بهذه الطريقة يثبت النسخ فيما يتعلق بالزمان.
إذن أيها الأحبة، عليكم أن تنتبهوا لطرق معرفة النسخ، هذه طرق معرفة النسخ مهمة: الطريقة الأولى كما قلنا: أن يقع إجماع مخالف لنص، إذا وقع إجماع ثابت مخالف لنص هنا نعرف أن هناك نسخاً، صحيح؛ لأنه أكيد الإجماع متأخر عن النص لأنه يقع بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
الحالة الثانية لمعرفة النسخ: أن ينص النبي صلى الله عليه وسلم صراحةً أو ضمناً على النسخ. الحالة الثالثة لمعرفة النسخ: أن ينص الراوي على النسخ؛ يقول: كان كذا ثم نُهي عنه، أو كان رُخِّص في كذا ثم أُمِر بكذا.
الطريقة الرابعة هي الطريقة التي تهمك كأصولي وهي أكثر الطرق يعني مهمة عندنا، هو إذا وجد عندنا نصان متعارضان -وهذا يأتي في باب التعارض والترجيح آخر مبحث- وجد نصان متعارضان لا يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه، وعرفنا أن هذا النص متأخر عن هذا النص، فنقول: هذا ناسخ لهذا، المتأخر ناسخ للمتقدم بالشرط الذي ذكرناه: أن يتعذر الجمع.
هل ذكرنا مثالاً على ذلك؟ مثال ذلك حديث طلق بن علي، انظروا حديث طلق بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مس الذكر: هل مس الذكر ينقض الوضوء؟ طلق بن علي هذا رجل من الصحابة أتى على النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الهجرة إلى المدينة ثم ما عاد، ذهب ولم يعد، المسجد، أيوه في بناء المسجد، ذكرنا رواية تأسيس المسجد، فاتى في الهجرة.
فالان هو لما يروي حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل هو إلا بضعة منك؟» يعني ما معنى أن هو بضعة منك؟ يعني ما في داعي تتوضأ، ما في داعي أن تتوضأ إذا مسست ذكرك. جيد، الآن طلق بن علي يروي هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء من مس الذكر فقال: ما في وضوء مما مس ذكر.
طيب، متى رواه؟ في بداية الهجرة، وعرفنا من التتبع الزمني أن هذا الصحابي ذهب ولم يعد، ذهب إلى قومه ولم يعد بعد ذلك إلى المدينة. ثم يأتي عندنا حديث لأبي هريرة يقول: قال صلى الله عليه وسلم: «من مس ذكره فليتوضأ». الآن أبو هريرة متى أتى على النبي صلى الله عليه وسلم؟ أيوه، في سبعة هجري في خيبر وبعد ذلك، إذاً أبو هريرة سمع هذا الحديث في سنة سبع هجرية، وطلق بن علي سمع الحديث في السنة الأولى من الهجرة.
إذن لاحظوا كم بينهما! طيب، هل نقول بالنسخ مباشرة؟ لا، نحاول أن نجمع، نحاول أن نجمع وهذا ما ذهب إليه ابن تيمية، ذهب إلى الجمع فقال: يستحب، استحباباً الوضوء من مس الذكر ولا يجب. لكن من يخالف ابن تيمية وحتى مذهب ابن تيمية والحنابلة يخالفون، يقولون: لا، حديث أبي هريرة ناسخ لحديث طلق بن علي.
فلاحظوا أحياناً العلماء يختلفون في الحديث؛ عالم يرى أنه يمكن الجمع، ما في داعي لأقول بالنسخ، وعالم آخر يرى أنه لا يمكن الجمع أبدا فنقول بالنسخ. لذلك من يرى الوضوء من مس الذكر إيش يقول؟ يقول: حديث أبي هريرة المتأخر ناسخ لحديث طلق بن علي المتقدم، لأن حديث طلق بن علي كان في السنة الأولى من الهجرة، وحديث أبي هريرة في سنة سبع، ولا يمكن الجمع، فنقول إذن بالنسخ. إذن هذه طريقة معرفة الزمان.
إذن هذه أربعة طرق لمعرفة وقوع النسخ أيها الأحبة في الشريعة. ننتقل الآن إلى المصدر الثالث من مصادر التشريع، وهو الإجماع. لاحظوا نحن الآن نسير في المنظومة على هذا النمط: أنهينا المبحث الأول، أولاً كان درسنا المبادئ العشرة لعلم أصول الفقه، درسنا المبادئ العشرة لعلم أصول الفقه، بعد ذلك عرفنا أن علم أصول الفقه سنقسمه إلى أربعة مباحث: المبحث الأول: تصور الأحكام، المبحث الثاني: مصادر التشريع في حجيتها وقواعدها عموماً، المبحث الثالث: في دلالات الألفاظ، المبحث الرابع: في مسائل الاجتهاد والتقليد.
أنهينا المبحث الأول: تصور الأحكام الشرعية تماماً، عرفنا الحكم الشرعي بنوعيه التكليفي والوضعي، عرفنا أنواع التكليف وأنواع كذا بالتفصيل، وعرفنا نوع كل نوع على حدة. انتقلنا إلى المبحث الثاني، وهو مصادر التشريع، فعرفنا أن هناك مصادر تشريع متفق عليها ومختلف فيها. ما مصادر التشريع المتفق عليها؟ كتاب، سنة، إجماع، قياس، في الجملة قلنا.
كتاب، سنة، إجماع، قياس؛ أنهينا الكلام عن الكتاب وإذا عرفنا بعض الأحكام التي تتعلق بالقراءة المتواترة والشاذة، انتقلنا إلى السنة فعرفنا تعريف السنة، حجية السنة، فالسنة أثبتناها ثم بينا أقسام السنة باعتبار وصولها إلينا إلى متواتر وآحاد، وباعتبار نوعها إلى قَوْليّة وفعلية وتقريرية، وعرفنا أحكام كل نوع على حدة وما الذي يُحتَجّ به وما الذي لا يُحتَجّ به.
ثم ذكرنا النسخ. لماذا ذكرنا النسخ بعد الكتاب والسنة؟ لأن النسخ لا يأتي إلا على هذين المصدرين، صحيح؟ يعني لماذا ذكر مبحث النسخ؟ الآن هناك خلاف بين الأصوليين في الترتيب، البعض يذكر النسخ في دلالات الألفاظ ما أصلاً هنا. الآن الناظم لماذا ذكر النسخ بعد الكتاب والسنة بعد هذين المصدرين؟ لأنه يعرض لهما فقط، هو يعرض للكتاب والسنة، فالإجماع لا يُنسَخ على الراجح ولا القياس.
جيد. الآن بما أن هذا النسخ يتعلق بالكتاب والسنة فيحسن أن يذكر بعدهما. ثم ننتقل لبيان المصدر الثالث من مصادر التشريع، دائماً أجعل الحلقة متواصلة، لا يعني لا تنقطع عن الماضي الذي درسته، مش خلص هنا خلاص بتكلم عن الاجماع أنت مش داري وين أنت في الخارطة هسا ضايع، لا، عليك أن تنتبه تعرف وين أقدمك الآن موجودة.
إذاً نتكلم الآن عن الإجماع، ما هو الإجماع أيها الأحبة؟ الإجماع لغةً له معنيان أساسيان، يطلق أحياناً بمعنى العزم، تقول أجمعت السيرة، وأجمعت على السير؛ إذا كان الإجماع بمعنى العزم على الشيء فإنه يكون متعدياً بنفسه ويكون متعدياً بحرف الجر، يعني أحياناً يعدى بحرف الجر يقول أجمعت على السير يعني عزمت على السير، وتقول أجمعت السير من دون حرف جر يعني عزمت عليه كذلك.
طيب مثال في القرآن بمعنى عزم؛ ايش عندنا آية؟ ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: 71]، اعزموا علي وتعالوا اقتلوني. المهم إذاً بمعنى عزم هذا أو كذلك الإجماع يأتي بمعنى الاتفاق، وهذا هو المعنى الذي يهمنا، المعنى الثاني اجمع القوم على كذا بمعنى اتفقوا. إذن الإجماع يأتي بمعنى العزم ويأتي بمعنى الاتفاق كما هو واضح أمامكم.
طيب في الاصطلاح عند علماء الأصول، عندما يقول الإجماع هناك ضوابط، هناك تصور عام عند علماء الأصول عليك أن تتقنه حتى تفهم ما الذي يريدونه بالإجماع. الإجماع يقولون هو: اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من العصور بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على أمر ديني. إذاً خمس ضوابط: اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من العصور بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على أمر ديني. لا بد تفهم كل ضابط من هذه الضوابط الخمسة التي وردت في التعريف.
ابتداءً قال: الإجماع وماذا؟ اتفاق، وهذا موافق للمعنى اللغوي؛ لأن المعنى اللغوي للإجماع المعنى الثاني هو الاتفاق، إذن هذا مناسب. الإجماع إذاً هو اتفاق، لكن اتفاق أي جماعة يا شيخ؟ اتفاق المثقفين، المهندسين، رجال السياسة، رجال المجتمع؟ ولا اتفاق... خلصنا نشتغل أكثر من هيك. طيب، اتفاق مجتهدي الأمة، مجتهدي الأمة. إذاً هو اتفاق من مجتهدي الأمة. من هو المجتهد؟ هذا الذي سنعلم صفاته في آخر مبحث، من الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد هذا هو المجتهد. مجتهدي الأمة.
لاحظوا هذه إضافة مجتهدي إلى الأمة تدل على ماذا الآن؟ تدل على العموم، أي من صيغ العموم كما يقولون، إذا كان نكرة مضاف إلى معرفة هذه صيغة في باب العام، هذه من صيغ العموم. فعندما قال اتفاق مجتهدي...
الأمة معناها كل المجتهدين، ليس مجتهدي بلد أو قرية أو طائفة، لا، كل المجتهدين. إذاً، اتفاق مجتهدي الأمة، إذاً الاعتبار بالمجتهدين وليس بغيرهم، والاعتبار بجميعهم وليس ببعضهم، هذا من خلال هذه الكلمة: مجتهدي الأمة. والأمة هنا يقصد بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وليس المراد بها الأمم السابقة. هل الأمم السابقة إجماعهم حجة في حقهم؟ لا، ليس لنا عبرة به. طيب هل هو حجة في حقهم؟ ولا الإجماع من خصيصة هذه الأمة؟ يعني هل إجماع قوم موسى، المجتهدون من قوم موسى على شيء، كان يعتبر حجة في حقهم؟ ولا الإجماع هذه خصيصة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه حجة؟ هاي مسألة خلافية في الحقيقة، يعني ما هي مسألة اتفاقية، في المطولات تجدون مناظرات طويلة، مقال كذا ومنهم من قال كذا، ولكن الأكثر على أن هذا من خواص هذه الأمة؛ أنه من خاصية هذه الأمة أن إجماعها حجة، والمسألة تبحث في المطولات.
إذاً، اتفاق مجتهدي الأمة، عرفنا القيد الأول والثاني. في عصر من العصور، إذاً اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من، أي في زمن من الازمان، بعد ماذا قلنا؟ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. بس هنا أريد قضية قبل أن أنتقل من العصر من العصور يا رب، أيوة، هي قضية يعني في قيد: في عصر من العصور، لماذا أتينا به؟ حتى نبين أن المراد أن الإجماع هو أن يتفق مجتهدو عصر من العصور، وليس المراد أن يتفق المجتهدون من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، لأنه هذا مستحيل يصير إجماع إذا هيك، يعني لابد ننتظر نشوف أقوال المجتهدين من أيام النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم ليوم القيامة، إذا اتفقوا كلهم على شيء نقول هذا إجماع، ما استفدنا لأنه بعد يعني في النهاية سنكون في يوم القيامة، يعني ما، حتى معرفة الحكم لن تفيد شيئاً، وهي أصلاً مستحيلة، فإذاً هو اتفاق المجتهدين في عصر من العصور فقط، وليس اتفاق مجتهدي الأمة هكذا مطلقاً، أنه لو قلنا اتفاق مجتهدي الأمة هذه عبارة مطلقة تحتمل اتفاق في جميع الأعصار على حكم وهذا لا يقبل، لابد اتفاق المجتهدين في عصر من العصور.
وما المراد بالعصر أيها الأحبة؟ العصر يراد به وقت حدوث المسألة، هذا المراد بالعصر، يعني مش قضية هي مائة سنة هذا هو العصر، يعني هناك مدة زمنية محددة، عندما يقولون في عصر من العصور المراد بالعصر هو الزمن الذي وقعت فيه المسألة والعلماء كانوا متوافرين فقالوا رأياً، فقالوا في هذه المسألة رأياً فهذا يعتبر عصر، هذا هو المراد بكلمة العصر هنا: زمن وقوع المسألة. وإن كان هناك ملاحظة يعني هذا ذكره الزركشي في البحر المحيط، وهذا نتفق مع قول الجمهور الذين يرون أن انقراض العصر ليس شرطاً للإجماع، أما عند الحنابلة فهذا التعريف فيه شيء، لأن الحنابلة خالفوا الجمهور في أنهم يشترطون انقراض العصر حتى يحصل الإجماع، وهذا سأبيّن ما معنى انقراض العصر؟ لكن أن تحفظ الآن هذا المعنى: العصر هو وقت حدوث المسألة، وقت حدوث الحادثة التي اتفق العلماء عليها.
إذاً، اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من العصور بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. ايش فائدة هذا القيد؟ لنبين أن اتفاق الصحابة العلماء المجتهدين، اتفاق الصحابة العلماء المجتهدين على قضية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمى إجماعاً ولا يعتبر. لماذا؟ لأن مصدر التشريع موجود، ما في حاجة للإجماع، صلى الله عليه وسلم موجود يرجع إليه، فالعبرة بالإجماع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً هو اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، على ماذا؟ على أمر ديني، لا يتفقون على أمر تتعلق بالتجارة والصناعة والزراعة، لا، يتفقون على ماذا؟ على أمر ديني، لأن هذا هو الأصل عمل المجتهد. المجتهد هو هل يفتي في الصلاة والزراعة والتجارة والكيمياء ويفتي في امور الدين؟ اليس كذلك؟ فلابد يكون الاتفاق على أمر ديني، واترك الخلاف الذي قيل في ذلك، الآن أنا أريد منك أن تضبط القضية بهذه الشروط الخمسة، هذا هو الإجماع.
أجمع الصحابة بعد الوفاة به مثلاً في عصر الخلفاء الراشدين، نعم ما في مشكلة، لكن مش في عصر النبي صلى الله عليه وسلم. يقول لك: أجمع الصحابة في عهد أبي بكر على كذا، أجمعوا في عهد عمر على كذا، ما في مشكلة، فأنا لا أقول ما في إجماع للصحابة، أنا أقول: لا يوجد إجماع من الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أما بعد وفاته فلا حرج. يقول لك هذا أصلاً أغلب الإجماعات حتى الظاهرية يقولون: لا إجماع إلا إجماع الصحابة، يعني حتى أُعطيك، الظاهرية لا يوجد عندهم إجماع إلا إجماع الصحابة، يقولون بعدهم يصعب جداً، بل يستحيل أن توجد شروط الإجماع التي يذكرون، فإجماع الصحابة معتبر بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
إذاً هذا تصور لمفهوم الإجماع لغة واصطلاحاً. الآن حجية الإجماع، ما هي حجية الإجماع؟ ابتداءً، نقول: الأمة بشكل عام متفقة على أن الإجماع مصدر من مصادر التشريع، وإلا ليش جعلناه من المصادر المتفق عليها؟ ومن المصادر المتفق عليها لأن الأمة متفقة عليه، وما خالف في ذلك وما شذ إلا النظّام من المعتزلة. هذه لو تشددوها منيح، أنا يعني بدون حركات، أن النظّام من المعتزلة هو الذي رفض الإجماع كمصدر من مصادر التشريع، وهو في الحقيقة الإجماع بتعريف آخر، يقول: الإجماع هو كل قول قامت حجته. ما أريد أدخلك مع النظّام في هذه السواليف، المهم النظّام هو الذي يُنسب إليه أنه خالف. دائماً لما تكون القضية خالف فيها واحد سهل عليك تحفظ، يعني النسخ لو قيل لك من خالف فيه؟ المسلم. الإجماع من خالف فيه؟ تقول: النظّام. القياس من خالف فيه؟ الظاهرية بشكل عام على خلاف بينهم. فلما يكون المخالف واحد سهل عليك أن تضبطه.
إذاً، الإجماع حجة. لماذا الإجماع حجة؟ ايش الأدلة على ذلك؟ هناك أدلة أيها الأحبة متنوعة، حتى نسردها سريعا لا يستغرق الوقت في سرد الأدلة، لأنه كما قلنا من المهم للأصولي أن يثبت حجية مصادر التشريع. أنت تقول: الإجماع حجة. ايش الدليل على ذلك؟ أولاً: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]. الله عز وجل يقول: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، والذي كذلك يتبع غير سبيل المؤمنين، لما قال إنه من يتبع غير سبيل المؤمنين سيصلي جهنم، إذاً مفهوم المخالفة أن سبيل المؤمنين يجب اتباعه، وهذا ماذا يستلزم؟ أن سبيل المؤمنين صواب قطعاً، لا يمكن أن يكون خطأ، وإلا كيف يكون، إذا اتبعت غير سبيل المؤمنين تدخل جهنم ويكون سبيلهم يمكن أن يكون خطأ؟ مش ممكن، صحيح؟ فإذاً الله عز وجل توعد على مخالفة سبيل المؤمنين بجهنم، هذا يدل على أن سبيل المؤمنين دائماً هو الصواب، ولا يكون السبيل سبيلاً للمؤمنين يقولون حتى يتفقوا جميعاً على المسألة، وإلا إذا كان بعضهم يقول شيئاً وعلماء آخرون مخالفون، إذاً لا نقول هذا سبيل المؤمنين فقط، لأنه هناك علماء يقولون وهناك علماء يخالفون، فسبيل المؤمنين الذي توعد على مخالفته هو ما اتفق عليه المؤمنون، بالأخص المجتهدون.
وأول من نبه على أن هذه الآية هي الحجة على الإجماع هو عمر بن عبد العزيز، عمر بن عبد العزيز في النص الذي كتب إلى أحد أمرائه، حين قال: سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور من بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستعمال لطاعة الله ومعونة على دين الله، ليس لأحد تغييرها. انظروا، قال: وولاة الأمر، سنّ ولاة الأمر من بعده. يقصد الخلفاء الراشدين، وهذا يدل على أن الخلفاء لهم سنة متبعة. المهم قال: ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأي يخالفها -هذا فيه دمج-: ولا النظر في رأي يخالفها، فمن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين -ويشير للآية-: فمن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً. فهنا يبين أنه لابد أن تتبع سبيل المؤمنين وما اتفق عليه ولاة الأمر، وولاة الأمر تشمل هنا العلماء والأمراء، وكان الأمراء -طبعاً- في زمنهم هم أصلاً كانوا مجتهدين، ما كان مثل أزماننا هذا.
هذا الدليل الأول على حجية الإجماع: قوله تعالى. طبعاً من أفضل من توسع في ذكر النقاش حول هذه الآية ابن قدامة رحمه الله في روضة الناظر، كذلك تبعه النجم الطوفي، سردوا الانتقادات التي توجه على الاستدلال بهذه الآية، انتقاداً انتقاداً، وكيف تناقش. من أحب الرجوع إلى ابن قدامة ويعرف كيف تناقش الأدلة في هذه الآية بحد ذاتها يرجع إليه.
الدليل الثاني على حجية الإجماع: الأحاديث والآثار المتواترة تواتراً ليس لفظياً، تواتراً معنوياً على عصمة هذه الأمة. ما التواتر المعنوي أيها الأحبة عندما نقول: حديث متواتر معنى؟ وهذا بينته. يعني الحديث كفرد النص ما وصل إليه متواتراً، لكن عندنا نصوص كثيرة كلها تشترك في فكرة واحدة، تشترك في فكرة واحدة. ما هي النصوص الكثيرة التي تشترك كلها في الدلالة على هذه الفكرة، وهي أن هذه الأمة معصومة؟ أنا سردت لكم أحاديث كثيرة يذكرها العلماء: لا تجتمع أمتي على ضلالة. الآن هذا الحديث بحد ذاته فيه إشكاليات حديثية كثيرة، لا، يا شيخ هُريرة، حديث لا تجتمع أمتي على ضلالة فيه إشكاليات حديثية كثيرة، لكن هذا الحديث لما تضمه مع أحاديث أخرى كثيرة، نعم، يحصل عندنا شبه يقين وقطع بأن هناك تواتراً معنوياً على عصمة هذه الأمة.
مثال ذلك أيضاً قوله: سألت الله، ويقول صلى الله عليه وسلم: «سألت الله ألا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها»، نص واضح لكنه ليس متواتراً، لكنه مع غيره يتواتر. وقوله: «من سرّه الجنة فليلزم الجماعة». وقوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين». وقوله: «عليكم بالسواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار». وقال ابن مسعود: ما رأه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن. طبعاً هذا يُروى مرفوعاً، لكنه في الحقيقة لا يثبت مرفوعاً، وإنما عن ابن مسعود، وغيره من الآثار التي تدل على عصمة هذه الأمة.
انظروا ماذا قال الشافعي في الرسالة، وأنا في الحقيقة أحببت في هذا الشرح القصير الإيضاح أن أذكر كثيراً عن الشافعي، حتى في الحقيقة ترجع، أو يرجع للشافعي مهابته في هذا العلم، عندما تنظر في كتب المتأخرين للأسف يقل النقل عن الشافعي، وكأن رسالة الشافعي ليست فائدة عظيمة! في الحقيقة رسالة الشافعي هي أول ما صُنِّف، ويجب على طالب العلم أن يديم النظر فيها، فإن فيها مقاصد وعِلماً جَمّاً لا يوجد عند المتأخرين أبداً، لأنك تنظر رجل قريب زمن الوحي، يتكلم من وحي الشريعة، ويتكلم بكلام بعيد عن لغط المتكلمين والفلاسفة والمناطقة وكل هذه الأمور، يتكلم من وحي الكتاب والسنة. فأنَا أحب الحقيقة أن الطالب دائماً يرجع إلى الشافعي، لا تتوهم أنها صعبة، بالعكس، أسهل من كتب المتأخرين، لكن فيها كلام عميق.
أحدهم ونسيت اسمه الآن -يعني أحد العلماء- يقول: قرأت رسالة الشافعي ستين مرة، وكلما أعيد قراءتها أجد شيئاً جديداً! كانوا يديمون النظر فيها، فهي في الحقيقة رسالة مهمة. انظروا ماذا يقول الشافعي في إقرار الإجماع؟ قال: ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين، وهو من قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أُمر بلزومها، أي في النصوص السابقة التي أمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة... انظروا هذا التعليل ليبين حجية الإجماع، يقول لك: متى يكون الخطأ والغفلة؟ متى تتصور؟ قال: وإنما تكون الغفلة في الفرقة، لما يكون هناك فرقة واختلاف في الآراء، نعم، يمكن يكون رأيي غفل وأخطأ، أما الجماعة فلا يمكن فيها كفّة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس، إن شاء الله. هنشوف حتى كلمة إن شاء الله لا حظ لها، دلالة كبيرة من الأدب والتواضع للشافعي، لا تكاد تجد مثل هذه الكلمات "والله أعلم" و"إن شاء الله" عند غيره إلا على قلة، أحياناً نصوص جامدة تجدها في كتب المتأخرين، لا، الشافعي كأنك تقرأ كتاب إيماني مع قراءتك لكتاب أصولي. إذاً الشافعي يقرر الإجماع بهذه الطريقة.
كذلك ابن تيمية من كلام أبي بكر عبد العزيز وهو من مقدمي الحنابلة رحمه الله تعالى يقرر حجية الإجماع. يقول: نتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعادة الآخرة وبياض الوجوه، ونتيجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه. هذا كله من قوله تعالى ماذا؟ هو يتكلم عن أي آية؟ ايش في آية آل عمران؟ ايش يقول تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105] ولكنهم عذاب عظيم يوم، يعني والآية تتكلم عن الاختلاف والافتراق، ثم قال: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فكأن الآية تشير إلى أن الذين ابيضت وجوههم هم الذين اجتمعت كلمتهم في هذه الحياة الدنيا واتحد صفهم، والذين اسودت وجوههم هم الذين تفرقت كلمتهم وتشتت شملهم. قال: ونتيجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول صلى الله عليه وسلم منهم. وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجة قاطعة، فإنهم إذا اجتمعوا الآن الأمة لما تجتمع أكيد هي في طاعة لله اجتمعت الكلمة، إذاً لما اجتمعوا كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا يمكن أن تكون طاعة الله ورحمته بفعل... بفعل ترهيب.
تنويناً بفعل لم يأمر الله به من اعتقاد أو قول أو عمل. أنتم فاهمين إيش يقول؟ هو يقول: إذا كان الاجتماع هو المطلوب، وفيه الرحمة، وفيه الخير، مستحيل أن يكون الاجتماع على باطل؛ لأن الله عز وجل مدح الاجتماع. وذكر أن فيه الخير والرحمة والائتلاف، وأنه السبيل إلى الجنة. هل يمكن أن الله عز وجل يجعل هذه الأمة تجتمع على باطل، ويكون الباطل هو فيه الرحمة والخير؟ لا يمكن ذلك. فهذا حجة قاطعة. قال: وقد احتج بذلك في نهاية النص أبو بكر عبد العزيز في أول التنبيه؛ تنبه على هذه النكتة.
إذاً أيها الأحبة، في الحقيقة فيما يظهر الأمور واضحة على حجية الإجماع. ومن ينازع في ذلك فهو يعني ابتعد عن الصواب. ولكن المنازعة والإشكالية هي لا تحدث يعني؛ لذلك قلت ما أحد خالف بالإجماع كمصدر تشريعي. لكن أي مقارنة نزاع؟ هل وقع؟ هل نستطيع في هذا العصر أن نحصل الإجماع؟ لأنه هو قلنا لكم: الإجماع ما معناه؟ اتفاق جميع المجتهدين. فإذاً هذا يستلزم أن يجتمع الجميع ويتفقون معاً.
انتهت الساعة الأولى. خلينا لقديش زمان؟ ربع ساعة. الله المستعان. كم باقي أذان المغرب؟ الساعة إلا عشرة. يلا جيداً، نعطيه خمس دقائق راح. أيها الأحبة، بس ما في قهوة اليوم عشان ذي الحجة نعوض الصيام. نعود أيها الأحبة، نحن نحاول أن ننهي المذكرة اليوم هذه الأولى مشايخنا، ساعدونا قدر الإمكان أني اختصر الكلام في بعض القضايا. ساعدوني أني أنا مشكلتي ما بختصر، فأعطوني لأختصر.
طيب، يلا. الآن أحبتنا، بعد ما عرفنا الإجماع لغة واصطلاحاً، وعرفنا الأدلة على حجية الإجماع، الآن الإجماع حجة، وكأي مصدر من مصادر التشريع، نريد أن نحدد: هل هو حجة قطعية ولا حجة ظنية؟ الآن نقول أيها الأحبة: يا جماعة، عندما تدخلون في كتب العلماء في كتب الأصوليين، هناك صور متفق على أن هذه صورة إجماعية، هذا يسمى إجماعاً. وهناك صور مختلف فيها، هذه تسمى إجماعاً ولا لا تسمى إجماعاً؟
أعطيك مثالاً واحداً يعني خلافيّاً. الآن من العلماء كابن جرير الطبري رحمه الله تعالى يرى أنه إذا أجمع كل المجتهدين على رأي، وخالف واحد فقط، أو خالف اثنان، هذا نسميه إجماعاً، يقول: هذا إجماع. لكن الأصوليين لا يقولون: هذا ليس إجماعاً؛ لأنه إيش شرط الإجماع؟ إنه الكل ما أحد يتخلف. الآن ابن جرير الطبري يقول: هذا إجماع. ابن جرير عندما يسمي هذا إجماعاً، هو نفسه يقول في النهاية: هذا إجماع ظني. لماذا؟ لأنه هناك أصلاً اختلاف: هل يعد إجماعاً وليست بإجماع؟
فإذا أنا جعلته إجماعاً، لا أقول إنه قطعي؛ لأن القطعي، الإجماع القطعي أحكامه خطيرة أيها الأحبة؛ يتعلق بتكفير مخالفه، والنزول به أي نص يخالفه. يعني إذا قلت إن إجماع قطعي، أنت وصلت الآن إلى حد خطير. فكل صورة وقع فيها الخلاف: هل تعد إجماعاً أو ليست بإجماع؟ من يقول أنها إجماع يقول: يا أخي، هذا إجماع ظني. يقول: إجماع ظني ليس قطعياً.
مثلاً، من يرى أن اتفاق أهل المدينة إجماع، من يرى أن، الآن هذا مالك لا يقول به، المالك هو عمل أهل المدينة. لكن هناك بعض الأقوال عن بعض الأصوليين، عن بعض العلماء، هناك من يرى أن إجماع أهل المدينة إجماع، هناك من يرى أن إجماع أهل مكة والمدينة إجماع. هذه آراء ستجدونها في كتب الأصول. لكن هذا الذي يقول إن اتفاق أهل المدينة إجماع شرعي، أو اتفاق أهل مكة والمدينة إجماع شرعي، ويقول: إجماع، لكني أقول هو ظني؛ لماذا؟ لأن هناك مخالفاً يقول أصلاً هذا ليس بإجماع، الإجماع لابد فيه من اتفاق الجميع.
إذاً باختصار، هناك صور يسميها البعض، وبعض العلماء لا يسميها إجماعاً. واضحة الفكرة هذه؟ هذه الصور من يقول أنها إجماع يقول: هي إجماع ظني. ممتاز. طيب، إذاً هذا النوع الأول، الإجماع الظني ما هو؟ أشهر الأمثلة التي ستأتي معنا لإجماع السكوتي أن ربما غفلت عن هذا، من أشهر الأمثلة الإجماع السكوتي، وهو أصلاً الإجماع الدارج الآن، وهو وكل ما ينقل أيها الأحبة في كتب الفقهاء من إجماعات -وهذه الناحية الواقعية الآن تكفي شيء عملي تطبيقي- ما ينقل في كتب الفقهاء من المذاهب جميعها من إجماعات هي إجماعات ظنية ليست قطعية؛ لأنها إجماعات سكوتية. وهذا سيأتي معنا تقريره من الإجماع السكوتي.
الان هل الإجماع حجة؟ هل هو عفواً؟ هل الإجماع السكوتي إجماع بمعناه الأصولي؟ هناك خلاف، منهم من يقول: لا، الإجماع السكوتي ليس إجماعاً شرعياً، ليس هو الذي ثبتت فيه، أسمع. هناك من يقول: لا، الإجماع السكوتي هو إجماع معتبر مثله مثل أي إجماع. فإذاً خلاص، الإجماع السكوتي فيه خلاف فيه. فمن يرى أنه يقول: هو حجة ظنية ولا قطعية؟ ظنية.
أنتم فاهمين الكلام ولا حاسه ملخبط؟ أنا أقول: آه، في صور من الإجماع مش متفق أنها إجماع، فمن يرى أنها إجماع -هو تبنى هذا الرأي أنها إجماع- يقول: هي إجماع ظني، أنا لا أعذر على مخالفي؛ لأن في النهاية ظني، يقول: أنها إجماع. إذاً هذه الصورة الأولى.
الحالة الثانية: إجماع متفق عليه أنه إجماع. يعني صورة اتفق الجميع على أن هذه الصورة إجماع، كل المجتهدين يبدؤون رأيهم في حالته، وصلت. الآن لكن هذا الإجماع وصل إلينا، نقل إلينا بطريق آحاد، السند الذي وصل فيه إلينا بطريق آحاد، فقالوا: كذلك هذا الإجماع ظني.
طيب، متى يكون الإجماع قطعياً؟ وإجماع قطعي معناه يكفر مخالفه؛ يعني القضية خطيرة، عند الأكثر يكفر مخالفه، يحرم منازعته أبداً، لا يجوز أن تقف، خلص إذا ورد، انتهت القضية بتاتا، ينسخ به مباشرة. ما هو الإجماع القطعي؟ الإجماع القطعي له شرطان؛ الشرط الأول: أن ينقل إلينا بالتواتر، وأن تكون هذه الصورة عليها أنها إجماع، أن تكون الصورة التي وقع عليها الاتفاق متفق على أن هذه الصورة إجماعاً، الجميع يقول إن هذا إجماع. ثانياً: وينقل إلينا هذا الإجماع بماذا؟ بالتواتر. إذا اجتمع الشرطان نقول: هذا إجماع قطعي.
إذا اختل أحد الشرطين، كانت الصورة غير متفق عليها إجماعاً، أو كان متفق عليها أنها إجماع لكن وصلت إلينا بالآحاد، فهذا يعتبر ظنياً. واضح ولا في مشكلة؟ أعيد؟ ما في حدا عنده مشكلة، السكوت علامة الرضا.
الآن متى نقول إنه هذا إجماع قطعي؟ يكفر مخالفه ولا يحق أبداً لأي أحد أن ينازع فيه، إذا اجتمع شرطان. إيش الشرط الأول؟ أن ينقل بالتواتر، هذه الأسئلة. طيب أعطيني الشرط الثاني: أن تكون هذه الصورة التي وقع الاتفاق، الكل يقول أنها إجماع، ما أحد يقول أنها ليست باجماع. إذاً الصورة متفق عليها ونقلت إلينا بالتواتر. إذا اختل أحد الشرطين يقول: هذا إجماع ظني.
القضية بشكل عام، إذا قلنا إن هذا الحديث متواتر -يعني روي مثلاً مئة شخص، هسه مثل هذا ما أحد ينازع أنه متواتر مثلاً- إذا روي بمئة طريق ما أحد ينازع أنه متواتر، هو الخلاف كان في دون ذلك. لكن إذا روي من مئة طريق قلنا متواتر، والصورة التي حدث عليها الاتفاق متفق عليها أنها إجماع، هذا يعتبر قطعي، هذا يعتبر قطعي.
هناك إجماعات أيها الأحبة تناقلتها الأمة جيلاً بعد جيل، أجيال تناقلتها، مثل ما عدد ركعات الصلوات، عدد ركعات صلاة الظهر والعصر. الآن هذه إجماعات نقلت إلينا جيلاً بعد جيل، جيلاً بعد جيل، فهذه تسمى معلومة من الدين بالضرورة، وجوب الصلاة، وجوب الزكاة. ففي الحقيقة عندما يقولون إجماعات قطعية معلومة من الدين بالضرورة، هي في الحقيقة في أصول الدين في الكليات. وباقي الإجماعات في الحقيقة هي إجماعات سكوتية وإجماعات مختلف فيها.
الإجماعات القطعية التي ممكن نكفر مخالفها هي في ماذا؟ هي في قطعيات. اجمعوا دائماً، أنت ستقرأ عند ابن رشد وغيره من كتب الخلاف: اجمعوا على حرمة الخمر، وعلى حرمة الزنا، وعلى حرمة، وعلى وجوب الصلاة وأنها أربع ركعات، وعلى وجوب الزكاة. دائماً يتكلمون في كليات. هذه الإجماعات القطعية كليات تناقلتها الأمة جيلاً بعد جيل، لا يستطيع أحد أن يقول أنها غير متفق عليها، ولا يستطيع أحد أن يشكك في تواترها. وأما ما هذه المسائل، وعن أنها قطعية أو ظنية.
إذاً هذا فيما يتعلق مدى حجية الإجماع. عرفنا بشرطين يصبح قطعي، وإلا فهو ظني.
مرتبة الإجماع، هذه المسألة التي اختلف فيها المشايخ قبل قليل. مرتبة الإجماع بالنسبة للكتاب والسنة هناك أمران، أمر ينبغي ألا يختلط عليك. هناك مصطلح منزلة وهناك مصطلح مرتبة، عرفت؟ أو مصطلح النظر مثل ما أحياناً المرتبة تستخدم معنا منزلة.
الان منزلة الإجماع شيء هذا مبحث، وهل ينظر فيه قبل الكتاب والسنة هذا مبحث آخر؟ فالاجماع أيها كمنزلة هو بعد القرآن والسنة ما أحد ينازع. القرآن كمنزلة مقدم عليه، والسنة كمنزلة مقدمة على الإجماع؛ فقول الله مقدم على قول غيره، وقول النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على قول كل العلماء.
ولكن الآن هذا إذا من حيث المنزلة، لكن من حيث النظر، يعني ما معنى من حيث النظر؟ يعني عندما اريد أن أنظر وأجتهد في مسألة، في ماذا أنظر ابتداء؟ أي ما هي الخطوة الأولى التي أتبعها؟ هل أذهب لابحث في الكتاب أولاً أو السنة، ولا أولاً أنظر هل المسألة أُجمع عليها أو لا؟ هم يقولون: عندما نذهب للنظر، الآن أنا أريد أجتهد أعرف حكم الله في هذه المسألة، أولاً تذهب تنظر في الإجماع.
لماذا؟ لأن نصوص الكتاب والسنة -صحيح الكتاب والسنة منزلته أكبر من الإجماع- لكن كتاب يقبل النسخ، والسنة تقبل النسخ، أليس كذلك؟ لكن الإجماع لا يقبل النسخ. فإذا وجدنا إجماعاً -كما قلنا قبل قليل كيف نعرف النسخ؟ من طرق معرفة النسخ أن يكون الإجماع مخالفا للكتاب والسنة- فهنا نقول: الإجماع قطعاً مقدم. فإذاً أول خطوة في النظر الاجتهادي أنك تذهب إلى الإجماع، تنظر: هل هذه المسألة مجمع عليها؟ إن ثبت أنها مسألة مجمع عليها انتهى الأمر، ما عاد تحتج بشيء آخر. إذا ثبت أنها مجمع عليها انتهى الأمر.
أه لا، ما وجد فيها إجماع، حينئذ تنتقل، تنظر في نصوص الكتاب، ثم تنظر في نصوص السنة، ثم بعد ذلك لم تجد، تذهب إلى مصادر التشريع الأخرى. فإذاً من حيث النظر ينظر أولاً في الإجماع: هل وجد أو لم يوجد؟ لماذا ينظر في الإجماع؟ تقول: لأن نصوص الكتاب والسنة تقبل النسخ، والإجماع لا يقبل النسخ. وهذا ذكرت لكم نص الشيرازي ونص الغزالي في المستصفى على أن النظر ابتداء يكون في الإجماع أولاً. لا يختلط عليك تقول والله الإجماع يعني أحسن من السنة أو أكبر، لا، المنزلة الكل متفق على أن الكتاب مقدم، لكن القضية نظرية.
نعم، زمن النبي صلى الله عليه وسلم وليس بعده. صحيح. فاذا ورد عندنا إجماع -كما قلنا، عندنا نص عن النبي صلى الله عليه وسلم يثبت الحرمة، وعندنا إجماع يقول إن هذا الأمر مباح- قلنا: هذا الإجماع يدل على ماذا؟ يدل على أن هؤلاء العلماء وقفوا على حديث مستند، على على حديث مستند يدل على إباحة هذا الشيء الذي حرمه النص، فهو أكيد الإجماع ليس هو الناسخ، النسخ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ما هو النص الناسخ الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والذي وقع عليه الإجماع؟ يمكن أننا ما نعرفه وأهل ما عرفوه، فنحن نقول قطعاً النسخ يقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا ورد إجماع مخالف لنص، فهذا ليس إجماعاً، يعني ليس هو من وقع بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لا تتوهم هذا. النسخ وقع على نص؛ يعني هناك نص نسخ نصاً، لكن النص الناسخ لم يصل، لم يصل إلينا والإجماع دل على وجوده فقط.
طيب، هذا فيما يتعلق بالمرتبة. طيب نذهب إلى أنواع الإجماع. أنواع الإجماع إيش قال الناظم؟ ربما قال: وخذ بالإجماع أي الصريح، ثم السكوتي على الصحيح. الآن سيتكلم عن مسألة أنواع الإجماع، سيتكلم عن نوع واحد، عن تقسيم واحد، عن تقسيمه إلى إجماع صريح وإجماع سكوتي. وهذه أخطر مسألة أيها الأحبة، الإجماع والإجماع السكوتي.
الإجماع الصريح هذا هو الصورة الابتدائية التي وضحت عندكم، أن يقول عندنا مسألة حدثت في العصر، يبدي جميع المجتهدين رأيهم صراحة، لذلك سمي صريحاً. يبدي جميع المجتهدين رأيهم صراحة في حكم هذه المسألة، وحينئذ الجميع أبدى رأيه، اتفقنا، خلاص، يعتبر هذا إجماعاً. إذا المسألة وقعت في عصر، جميع المجتهدين يصرحون برأيهم في هذه المسألة، شفنا رأي الجميع، الجميع متفق على أنها حرام؟ قالوا: نعم، كنا متفقين على أنها حرام. صرحوا. نقول: هذا إجماع صريح. وهذه الصورة متفق عليها على أنها إجماع، ما أحد ينازع فيها، هذه صورة متفق عليها على أنها إجماع. إذا وصل إلينا بالتواتر نقول: ها قطعي، وصلت إلينا بالآحاد نقول: إجماع ظني على ما سبق تقريره.
إذاً، إجماع صريح اتفاق جميع المجتهدين بأقوالهم، انظر اسكت بعد ذلك، أو بأفعالهم، أو بأفعالهم. نأتي مثلاً، أجا عندنا شراب اكتشفوه جديد في عصرنا، هاي دي مسألة نازلة، هل هذا الشراب حلال ولا حرام يا علماء؟ العلماء لم يصرحوا برأيهم صراحة، لكن كلهم فعلوا فعلاً، ما هو؟ كلهم شربوه. فهنا لو الجميع العلماء شربوا من هذا الشراب، فهذا بمثابة التصريح بقولهم: إن هذا الشراب مباح، صحيح؟ فإذاً، قد يكون الإجماع قولي بالأقوال، وقد يكون بالفعل وليس بالقول، فما عندنا مشكلة. قد يكون التصريح بالقول، وقد يكون التصريح بالفعل.
طيب، نأتي إلى الصورة الثانية وهي الأكثر. طبعا أنا قلت لكم الإجماع الصريح في
حقيقة عسر الوقوف عليه؛ لأنه أنك تعرف أنك أولاً وقفت على جميع المجتهدين جمعتهم، وأن الجميع صرح برأيه، هذا أمر عسر جداً، تذهب إلى السهول والجبال والتلال والوديان والبحار تقول: إني أنا أقطع الآن أن الجميع وجد وأنه ما أحد تخلف، والجميع الآن صرح برأيه.
هذا أمر عسر، وهذا ينص عليه. لذلك أحمد بن حنبل كان يقول رحمه الله: من ادعى الإجماع فقد كذب، من ادعى الإجماع فقد كذب. هو مش ينكر الإجماع، هو مذهبه أصلاً من أصول الجماعة، لكن هو يقول: لا تكثروا من نقل الإجماعات؛ لأنك لا تستطيع أن تجزم بأنك وقفت على جميع المجتهدين؛ فهو تريد أن تتحرى. لذلك ابن قدامة كان ورعاً رحمه الله في المغني وفي غيره من الكتب، فدائماً ايش يقول؟ يقول: ولا أعلم خلافاً. يعني هو المسألة هاي بقول لك ما فيها بما وصل: لا أعلم خلافاً لا يكون المسألة إجماعية. يقول: لا أعلم خلافاً لنفي الخلاف، لا يعني أنه أبدا لا يوجد خلاف، أنا أنفي الخلاف وهذا هو الأصل في الإنسان أن يتورع في نقل الإجماعات.
لذلك كتب الإجماع؛ كتب ابن المنذر وهو أشهر من صنف بالإجماع. كذلك مراتب الإجماع لابن حزم ينتقد عليها كثير من النصوص والإجماعات التي نقلت، أنه في المسألة تجد في النهاية خلافية. يعني أنا أذكر حتى المسألة عند ابن المنذر نقل الإجماع فيها، وهي عند أحمد بن حنبل مذهب المعتمد عنده خلاف، مذهب كامل خلاف. فالنص على الإجماع الصريح هذا فيه نوع عسر؛ لأنه في الفعل جميع المجتهدين يفعلون هذا الفعل. أما الإجماع السكوتي الآن دعنا ندخل في السكوتي، ايش هو الإجماع السكوتي أيها الأحبة؟ إذا عرفنا الإجماع الصريح وعرفنا أنه يصعب الوقوف عليه.
الإجماع السكوتي أيها الأحبة ايش صورته؟ تقع حادثة ونازلة في عصرنا، ممتاز؟ فأحد المجتهدين أو من المجتهدين ينصون على حكم هذه المسألة في اجتهادهم، ثم ينتشر قول هؤلاء المجتهدين الذين تكلموا ينتشر في كانوا في الأمصار بحيث يغلب على ظننا أنه وقف عليه جميع العلماء الآخرين، وجميع العلماء الآخرين الذين لم ينصوا على شيء سكتوا ولم ينكروا على هؤلاء العلماء الذين صرحوا.
فهل سكوت جميع العلماء الآخرين دليل على أنهم قد رضوا بقول العلماء الذين صرحوا فنقول الجميع إذن متفق؛ لأن الساكت سكت وهناك من صرح فلا يوجد إذن اعتراض، أو نقول: لا، الساكت لا ينسب له قول، الله أعلم هل هو معترض أو ساكت لأمر آخر أو هو موافق؟ فهذا هو، أنا أردك أولاً أن تتصور ما هو السكوتي.
الإجماع السكوتي كما عرفته لكم وهو أن يقول، دعونا نقف على التعريف: أن في قيود، وهو أن يكون مجتهد أو أكثر قولا في مسألة اجتهادية تكليفية. هم يقيدون الإجماع السكوتي أيها الأحبة في المسائل التكليف العمل، واما في مسائل يقولون العلم يعني يمثلون لها بقضايا الاعتقاد كبرى ويمثلون لها بقضايا مثلاً: هل الصحابي الفلاني أفضل من الصحابي الفلاني؟ هل حذيفة أفضل من عمار؟ يقولون: مثل هذه الأمور لا يقال فيها بالإجماع السكوتي؛ لأن الأمة أصبحت فرقاً؛ معتزلة على خوارج على... يعني إذا صرح أحد بقول وسكوت الآخرين لا يدل أبداً على موافقتهم لقوله.
لماذا؟ لأن الأمة اختلفت في العقائد، أصبح فيها كما قلنا مشارب كلابية وأشاعرة وماتريدية ومعتزلة وكرامية، عندك فرق كثيرة. فإذا صرح عالم برأيه في مسألة علمية، فسكوت العلماء الآخرين والعلماء (يعني علماء الأشاعرة وعلماء المعتزلة وعلماء السنة نقل كلهم في النهاية علماء)، صحيح؟ فإذا صرح أحدهم برأي في مسألة علمية ووافقه الآخرون أو عفواً وسكت الآخرون، لا نقول إن هذا إجماع سكوتي من الآخر؛ لأن الآخر هو يقول لك: أنا أصلاً لست على منهجي العقدي، فما في داعي كل ما يتكلم بشيء أن أخرج أو أرد عليه.
الكلام إذن أيها الأحبة فيما يتعلق في ماذا؟ فيما يتعلق في المسائل العملية الاجتهادية؛ لأن هذه ليس لها علاقة بالأصول العقدية، المسائل الاجتهادية هذه تتعلق بأصول الفقه، وهذه لا تؤثر فيها الناحية العقدية عادة. طيب، إذن أن يقول مجتهد أو أكثر قولا في مسألة اجتهادية تكليفية، ثم ينتشر هذا القول، إذن هذا إذا ما انتشر ليس إجماعاً سكوتياً، لابد ينتشر، ثم ينتشر هذا القول بحيث يبلغ باقي المجتهدين، وتمضي مهلة للنظر فيه.
إذاً هذا أيضاً قيد: لابد تمضي مهلة نقول إن الجميع الآن عرف واطلع على هذه الفتوى التي أصدرها فلان بن فلان، وتمضي مهلة للنظر ولا نجد منكراً في ذلك، مع التجرد عن قرينة الرضا والسخط. آه، هذا مهم، أنه ما في عنا قرينة أنه الجميع راضي أو الجميع ساخط؛ لأنه إذا وجدت قرينة واضحة أن الجميع راضي بهذه الفتوى فهذا بمثابة الصريح، وإذا وجدت قرينة أن الجميع ساخط بس ما حدا بيتكلم؛ لأن السلطان سيقطع الرؤوس إذا أحد تكلم فهذا ليس إجماعاً؛ لأنه في النهاية العلماء الذين سكتوا في قرينة واضحة على أنهم لا يرضون بهذه القضية ولكن هناك يعني رعب، بشرط أن يكون هذا... لاحظوا الآن الشرط الآخر هذا مهم، يعني قضية حقيقة الإجماع السكوتي له قيود وشروط ليست يعني فقط هكذا تصور، بشرط أن يكون هذا قبل استقرار المذاهب.
الان لا يوجد الآن باختصار على هذا التصوير لا يوجد إجماع سكوتي، لا يوجد إجماع سكوتي إلا على مسألة لم تتطرق إليها المذاهب، إذن بشرط أن يكون قبل استقرار المذاهب. طب لماذا أيها الأحبة؟ لماذا بعد استقرار المذاهب؟ إذا تكلم أحد بفتيا لا يعتبر سكوت الآخرين إجماعاً معهم. أيوه، لأنه في النهاية يعني استقرت المذاهب الفقهية مالك وأحمد والشافعي وأبو حنيفة وابن حزم الظاهري، استقرت المذاهب.
فإذا قال قول عالم قال بفتية على أصول مذهبه، الباقون ليس عليهم أن يصرحوا بموافقة ولا مخالفة؛ لأنه هم الباقون لديهم أصول مذاهب أخرى، فسكوتهم عن الرد على هذا الرجل ليس دليلاً على موافقتهم له، لماذا؟ لأنهم يقولون: فلان على مذهب أبو حنيفة له أصوله، إذا أفتى بفتيا فهي على أصول إمامه، نحن ليس لنا أن نعترض عليه، ليس لنا أن نعترض عليه أو نعتبر قوله مخالفاً للسنة؛ لأن هذا في النهاية اجتهاد على أصول مذهبه. وكذلك أنا كمالك أو حنبلي إذا قلت قولا وسكت الباقون ليس على أن الباقي رضي، بل الباقي هو ليس راضياً؛ لأن هو له مذاهبه وطرقه في التأصيل، ويقولون: نحن لا ننكر على فلان الفلاني؛ لأن هذا مذهب وهذه طريقته فلا ننكر عليه.
إذن لا بد أن يكون أيها الأحبة السكوت قبل استقرار المذاهب، أما بعد استقرار المذاهب فالسكوت كذلك لا يعتبر من قبيل الإجماع السكوتي. إذن نعيد تعريف الإجماع السكوتي سريعا: عندنا نازلة أيها الأحبة، يقول المجتهد فيها رأياً، هذا الرأي ينتشر عند الجميع، تمر مهلة من الزمن كافية أن ينظر الجميع في هذا الرأي الذي أبداه المجتهد والجميع يعطي السكوت، ولا يوجد أمارة على أن هذا السكوت هو لسخط أو لرضا، فإن وجدت قرينة على أنه لرضا فهو كالصريح، وإن وجد على أن هناك سخط فهو ليس إجماعاً أبداً، ويكون هذا الأمر قبل استقرار المذاهب الفقهية.
أما بعد استقرار المذاهب الفقهية، فإن لو أن فقيهاً نص على رأي وعلى فتيا في مسألة وانتشرت وسكت الباقون فهذا ليس إجماعاً؛ لأن سكوت الباقين لأن هناك مذاهب أخرى ومنازع شتى، فلا ينكر أحد على أحد في قضايا الاجتهاد.
الآن، هل الإجماع السكوتي أيها الأحبة بالتصوير الذي بيناه حجة ولا ما هو؟ هل هو إجماع ولا ليس إجماع؟ هذه مسألة فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: الإجماع السكوتي إجماع وهو حجة، لكن حجة هل هي قطعية ولا ظنية؟ ظنية.
القول الثاني: أنه ليس بحجة ولا إجماع، أبداً غير معتبر أبداً.
القول الثالث: ذهب إلى الوسط، قال: نضعها الوسط، نقول: هو حجة يرجع إليها، لكنه ليس إجماعاً؛ لأن حد الإجماع ما وجد فيه، ايش الإجماع؟ اتفاق الكل، اتفاق مجتهدي الأمة، وهذا قول بعضهم. لكن آه، نقول: إنه حجة لأننا وجدنا العمل عليه؛ وجدنا العلماء يحتجون به ولا نكاد أحداً يذهب عنه، فنقول إذن هو حجة، ولكنه لا يصل إلى مرتبة الإجماع، فكأنه أصبح مصدرًا جديدًا من مصادر التشريع، صحيح ويقول لك: ليس إجماع ولكنه حجة، إذن كأنه مصدر جديد.
وأما القول الأول فالقول الأول يقول إنه ماذا؟ إجماع وحجة، وهذا الذي عليه العمل في الحقيقة في المذاهب كما نقلنا، أنه إجماع ظني الدلالة وهذا ما عليه أكثر علماء المذاهب المتبعة من الحنفية والمالكية والشافعية. قال عبدالعزيز البخاري: كان ذلك إجماعاً... بعد أن صور السكوت، هذا... هذه لها علاقة بجملة سابقة أنا لم أذكرها طويلة لأنها قال عبد... حديث البخاري من الحنفية: إذا وقع ذلك، قال: كان ذلك إجماعاً مقطوعاً به عند أصحابنا.
طب أنت بتقول: الإجماع هذا إجماع ظني، وعبد العزيز البخاري ايش يقول؟ إجماع مقطوع به. آه، مقصودي أنه يقطع وأنه على الاستدلال به، أنه مقطوع أنه مصدر من مصادر التشريع، على أنه حجة، وليس المراد بالقطع أنه يصل إلى درجة القطع لا... أفهم العبارة، هو لا يريد أنه مقطوع أنه يصل إلى درجة اليقين الذي لا يجوز لأحد أن يخالفه، لا، هو يريد أن يكون مقطوعاً على الاحتجاج به في مذهبنا. كيف نقول مثلاً: أحمد بن Hنبل يقطع على الاستدلال بالحديث المرسل؟ أكيد الحديث المرسل فعنده ليس قطعية دلالة، ولكن يعني هو قطعا يحتج به، وهذا هو المراد بكلمة البخاري.
أبو الوليد الباجي يقول من المالكية وهو قول أكثر أصحابنا المالكيين. النووي يقول: لا تغترن بإطلاق المتساهل القائل بأن الإجماع السكوتي ليس بحجة عند الشافعي، بل الصواب من مذهب الشافعي أنه حجة وإجماع. الحنابلة الطوفي ايش يقول؟ فإن اشتهر قول بعض الأمة التكليفي (يعني قول تكليفي كما مر معنا أليس عقدياً؟) ولم يوجد له نكير فهو إجماع عند أحمد. إذن هؤلاء علماء المذاهب ينصون على أن السكوت إجماع وحجة لكنها ظنية فلا كفروا مخالفوه.
القول الثاني قول داود الظاهري. أيوه يا شيخ، أكثر... أكثر علماء المذاهب... لأنه سابقوا اتفاق المذاهب، أقول لك: أكثر علماء المذاهب الأربعة على أنه حجة. داود الظاهري هو الذي يقول إنه ليس حجة ولا إجماع، وطبعا داود الظاهري أظن دليله واضح، ايش يكون دليله؟ يقول لك: الإجماع الذي تكلمتم عنه وعرفتموه قبل قليل ايش هو؟ اتفاق جميع المجتهدين. هل هذا اتفاق جميع المجتهدين؟ انتم تقولون: لا، ما اتفق للجميع، الذي تكلم البعض والسكوت ليس دليلا على الموافقة، كما يقول: لا ينسب إلى ساكت قول، فانا لا أقول أنه وإذا لم يكن إجماعاً فليس بحجة. الصيرة في ذهب إلى كما قلنا حل وسط، قالوا: حجة وليس بإجماع.
شروط انعقاد الإجماع، المبحث الاخير قال: شروط انعقاد الإجماع، كم بقي؟ سريع بس، أوه هذه سالفة. طيب، شروط انعقاد الإجماع، قال رحمه الله تعالى: وشرطه اتفاقهم جميعا * أي فقهاء عصره ولم يكن قبله خلاف استقر * أو اجمع الماضون فيه واستمر واعتبر انقراض عصر فيه * واقبل خلاف ناشئ فقير
الآن أيها الأحبة، بعد أن عرفنا الإجماع، عرفنا حجية الإجماع، عرفنا تقسيمه إلى إجماع صريح إجماع سكوتي، عرفنا متى يكون قطعي ومتى يكون ظني، لابد أن نعرف الصور أو شروط، هذه الشروط إذا وجدتها إذا وجدت هذه الشروط تكون هذا الإجماع، هذه الصورة منه متفق عليها، وإذا اختل واحد من هذه الشروط يكون هناك نزاع: هل هذه الصورة إجماع ولا ليست بإجماع؟
يعني الان سنذكر شروطاً، هذه إذا اجتمعت جميعها وجدت الجميع، تكون هذه الصورة المتفق عليها تسمى إجماعاً عند الجميع، وإذا اختل شرط من هذه الشروط يكون هناك نزاع في أن هذه الصورة هل تسمى إجماعاً ولا ليس كذلك؟ ننظر ما هي شروط الإجماع المتفق عليها؟
الشرط الأول: اتفاق جميع المجتهدين. هذا بيناه كثيراً، عدته كثيراً، أن يتفق الجميع، فلا عبرة بقول الأكثر. إذا اختل ما هذا الشرط، ها؟ إذا اختل هذا الشرط لا يوجد إجماع عند جماهير أهل العلم، خلص ما في إجماع. ابن جرير الطبري كما قلت لكم قبل قليل لا يقول: إذا اتفق الاكثر وخالف مثلا رجل أو رجلان، هذا كذلك يسميه إجماعاً، صحيح؟ نقول: هذا إجماع عند ابن جرير الطبري ووافقه وأظن أبو بكر الرازي من الحنفية، وهذه مسألة مهمة أيها الأحبة.
فعندما تقرأ في تفسير ابن جرير الطبري ويقول: وأجمع العلماء على كذا، وايش يريد؟ أنه قد يكون على مصطلح الجمهور وقد يكون على مصطلحه، فهذه مهمة لطالب العلم عندما تقرأ في كلام ابن جرير الطبري عليك أن تعرف مصطلحه في الإجماع، ابن جرير يطلق الإجماع على قول الأكثر، فلا لا تتسرع، والله... والله أنا قرأت في تفسير ابن جرير وقال هذه المسألة إجماعية، وتذهب تنكر على الناس. ابن جرير يرى أن الإجماع ينعقد بقول الأكثر، فهذا مصطلحه والجمهور يخالفه في ذلك.
إذن الشرط الأول حتى يكون إجماع متفق عليه أن يكون ماذا؟ قول الجميع، إذا قال الأكثر ليس إجماعاً عند الأكثر وعند ابن جرير يسمى إجماعاً. طيب، طبعا أيها الأحبة في الحقيقة أحياناً ربما خلاص ايش نفعل؟ لأن الوقت يداركنا، لكن أحب أن تقفوا على هذه الفائدة حتى لا تختلط الموازين عندكم. هذا يقوي لبعض العلماء المعاصرين أو الشيخ صفوان داوود في كتاب تطبيقات قواعد أصول الفقه، يقول: وذهب بعض العلماء إلى تفصيل حسن. هذا من كلامي ثم بعد ذلك ذكرت تفصيلاً، ذهب بعض العلماء إلى تفصيل حسن في.
فيه جمع وليس جميع فيه جمع بين القولين السابقين. هذا أيها الأحبة منهج جيد لو نسلكه في وقتنا المعاصر خاصة. انظروا يعني باختصار أنا أشد نقول أحياناً أيها الأحبة يكون عندنا مسألة والعلماء اتفقوا عليها، يوجد عالم مثلاً قل رقت ديانته كما يحدث الآية كما تشاهدون الآن في في التلفاز في بعض الأمور، يأتي بقول مخالف لما عليه الإجماع.
فهل نقول إن هذا طبعا وهذا القول الذي قاله العالم مخالف لما عليه علماء الأمة قديماً وحديثاً يصطدم أصلاً مع النصوص؟ فهل نقول إن هناك رجل من العلماء هكذا مجرد رجل خالف باقي المجتهدين فلم ينعقد الإجماع في المسألة وإن كانت المسألة منصوصة وأدلتها ظاهرة يعني قضية في الحقيقة تحتاج النظر. يعني أنا صحيح لست مع ابن جرير الطبري مباشرة أنه إذا قولي الأكثر إجماع، لكن أحياناً يكون الأكثر هو المعتبر وهو الإجماع والذي خالف الاثنان والثلاثة الذين خالفوا اصطدموا بنصوص صريحة جلية رقت ديانتهم قد يكون اشتري هذا الرجل بدينه، فحتى لو خالف لا أقول هذا قول الأكثر وخالف رجل رجلان؛ لأن مخالفة هذين الرجلين غير معتبرة الآن.
لذلك انظروا ماذا يقول هذا صاحب التفصيل، يقول: إذا خالف مجتهد قول علماء عصره مسألة مهمة فله حالتان، أن يكون النص يدفع قوله أي قول هذا المخالف دفعاً جلياً بيّناً لا فيه. ففي هذه الحالة لا يعتد بخلافه ويعتبر الإجماع من عقيدة، وهذا صحيح أيها الأحبة. يعني يأتي رجل رق دينه حتى ولو كان مطلع عنده علم يخالف مسألة النصوص الجلية تقول بها، ونقول والله هذا الرجل فسخ الإجماع لأنه والله في النهاية مجتهد، لا عبرة بقوله ولا حرمة له.
ثم انظر مثلاً طبعا الآن المسألة هي أخف مثلاً نقل عن حذيفة بن اليمان جواز أكل طعام السحور ما لم تطلع الشمس. الآن حذيفة بن اليمان إيش مذهبه؟ أنه امسح الصحون لطلوع الشمس هذا سهل ها؟ الحبيب يا شيخ. إنه السحور عنده لطلوع الشمس ليس للفجر، معاك لطلوع الشمس. لكن الصحابة أيها الأحبة كلهم خالفوا حذيفة بن اليمان في هذه القضية، انظروا ماذا قال الماوردي قال: فلم يعتدوا بخلافه وأجمعوا على أنه من طلوع الفجر الصيام.
فهذا قول شاذ، قول شاذ يقابل ويدفع نصوص صريحة بيّنة جلية، فحتى لو كان حذيفة ينظر صحابي من كبار الصحابة ومن أفاضل لكنه قال قول شاذ، هل نعتبر شذوذه يخرق الإجماع؟ أبداً، لأنه قوله يخالف النص الواضح الجلي البين.
الحالة الثانية الآن ذكرت أمثلة لا أريد أسُب في الأمثلة، الحالة الثانية أن يخالف مجتهد أهل عصره، ممتاز، ولكن في هذه الحالة لا يوجد نص صريح جلي أي يدفع قوله، يعني المسألة فعلاً هي للنقاش، يعني ما في شيء نستطيع أن نجزم به، ما في نص جلي نقول والله أنت أيها المخالف خالفت النص اللي ما عندنا. ففي هذه الحالة نعم نقول قول الجمهور هو الصحيح أن المسألة لا تعتبر إجماعية، فعليكم إذاً أن تلاحظوا هذه القضية، ليس كل انسان خرج برأي نقول والله هذا خالف أهل عصره فلا يوجد إجماع في المسألة، فالرأي الشاذ لا عبرة به، العبرة بالرأي المعتبر الذي لا يخالف ولا يدفع النصوص الصالحة.
نعم، الشيخ صفوان الداودي. الشرط الثاني العبرة من الشروط هو إيش قال؟ قال: وشرطه اتفاقهم جميعاً. هذا الأمر. أي فقهاء عصره تشريعاً. الآن قوله أي فقهاء عصره أنا استنبطت شرطاً ثانياً، ما هو؟ أن المعتبر اتفاق الجميع، يعني اتفاق السياسيين وكما قلنا والمثقفين لا، المؤتمر اتفاق المجتهدين، هذا هو الشرط الثاني. فلا عبرة باتفاق غيرهم، إذا لم يصل طالب العلم إلى مرتبة الاجتهاد فلا عبرة برأيه بالإجماع.
لكن مجتهد والله انسان عالم والله يا شيخ التخصصي الآن في الجامعة أنا والله أصول فقه ما بعرف غيرها، رأيك غير معتبر في الإجماع. والله أنا بعرف في الفقه ما بعرف في الأصول رأيك غير معتبر، والله أنا تخصصي تفسير ما بعرف الفقه والعقيدة غير معتبر، لابد تكون وصلت إلى مرتبة الاجتهاد، هذا هو المتفق عليه، هذه هي الصورة المتفق على أنها إجماع. إذن العبرة باتفاق المجتهدين دون غيرهم. طب إيش الدليل على ذلك؟
قالوا سيدنا أبو طلحة الأنصاري رحمه رضي الله تعالى عنه كان يرى أن البرد تعرف البرد لا يفطر الصائم، لو الصائم أكل البرد ما يفطر، قال: هذا ليس طعاماً ولا شراباً. لكن إيش قال العلماء؟ انظر ابن دقيق من كبار العلماء وليس أبداً استنقاصاً من الصحابة ولكن وضع للأمور في موازينها. يقول ابن دقيق العيد قال: ومما احتج به على هذا، مش شرط أني أنقذ الفقرة من بدايتها أن أبا طلحة الأنصاري خالف الصحابة فقال البرد -شكلوها حتى لا تخف مش البرد، البرد- البرد لا يفطر الصائم لأنه ليس بطعام ولا شراب.
فردوا قوله ولم يعتدوا بخلافه، لماذا؟ لأنه كان من من؟ من عامة الصحابة. أبو طلحة الأنصاري لم يُعرف بأنه من علماء الصحابة، الصحابة إذاً فيهم علماء وعوام، نعم. حتى الصحابة فيهم علماء وفيهم عوام، وكلهم أفاضل وخير، ولكن هكذا طبيعة المجتمعات أيها الأحبة، ليس كل انسان له رأي، يعني هذه الثقافة التي تزرع أن كل انسان على وسائل التواصل يبدي رأيه في النازلة ويتكلم ويخوض بدعة حادثة ليس لها أصل عند العلماء وهي حرام شرعاً. يعني أنت لست مجتهداً لا تتكلم لا تخض في المسائل الشرعية، لم تصل إلى مرتبة الاجتهاد.
إذا كان العلماء يردون قول صحابي من العامة لأنه خالف رأي أهل عصره، فكيف يأتي رجل من جهال الناس الآن يعلق على حادثة ولا نازلة معاصرة ويقول والله أنا رأيي ولا حرية الرأي يا شيخ محفوظة أني أؤدي وجهة نظري في النازلة؟ هذا للأسف هو الذي سبب لنا هذه الفتن وهذا الفساد ونسأل الله السلامة.
قال ابن دقيق العيد وهو الصواب لوجوب رد العوام إلى المجتهدين وتحريم الفتية منهم في الدين. يعني هذا هو الصواب أن يُرد قول أبي طلحة الأنصاري هو صحابي على رأس العين لكن قوله غير معتبر لانه خالف قول مجتهدي وعلماء الصحابة.
طيب الشرط الثالث أن يكون اتفاقهم على أمر ماذا؟ ديني. قال: أي فقهاء عصره تشريع على أمر شرعي. أما إذا كان اتفاقهم على أمر دنيوي من مصالح الدنيا من المصانع والمشاغل وسياسات الحروب فهذه أصلاً ليست بالعمل المجتهد. النبي صلى الله عليه وسلم إيش قال للصحابة؟ أنتم أعلم بأمور دنياكم. النبي صلى الله عليه وسلم يعني منصبه الأمور الشرعية، وأما في امور الدنيا فهذه يرجع فيها إلى أهل الخبرة، فلا عبرة إذاً بالاتفاق عليها.
طيب. الشرط الرابع أن يكون خلاف في المسألة قد استقر في العصر الأول، وهذا الشرط أيها الأحبة في الحقيقة فيه طول. ما معنى ألا يكون الخلاف في المسألة -لاحظوا ألا النافية ينتبه عليها- ألا يكون الخلاف في المسألة قد استقر في العصر الأول.
الآن أيها الأحبة مسألة حدثت في عصر الصحابة والصحابة اختلفوا فيها على رأيين ثم ذهب عصر الصحابة جاء عصر التابعين فالتابعون اتفقوا على أحد رأيي الصحابة لكل التابعين كل مجتهدي التابعين اتفقوا على أحد الرأيين، هل اتفاق التابعين على أحد الرأيين يعتبر إجماعاً ينفي القول الآخر للصحابة؟ هذه مسألة التي وقع فيها النزاع، والصحيح أن المذاهب لا تموت أو بموت المذاهب والأقوال لا تموت بموت أربابها. فإذا اختلف الصحابة في مسألة على رأيين أو على ثلاثة أو على أربعة، ثم جاء عصر التابعين فاتفق التابعون جميعاً على رأي واحد هذا لا يسمى إجماعاً، لماذا؟ لأنه خلص الخلاف استقر في العصر السابق، إذا استقر الخلاف في العصر السابق لا يمكن أن يأتي إجماع لاحق يرفعه، لا يمكن أن يأتي إجماع لاحق يرفع، لذلك قلنا من شروط انعقاد الإجماع ألا يكون مسبوقاً بخلاف قد استقر في المسألة في عصر سابق.
طيب، دليل هذا إيش الدليل الطيب؟ أيها الأحبة انظروا في هذا الدليل لأنه خفي الملحظ، أليس اختلاف الصحابة على رأيين فقط إجماع منهم على جواز القول بأحد الرأيين؟ أليس اتفاقهم على رأيه؟ هم اختلفوا على رأيين، اختلافهم على رأيين فقط أليس فيه إجماع ضمني على جواز القول بأحد الرأيين؟ إذاً هناك إجماع على جواز القول بأحد الرأيين والاجماع اللاحق لا يمكن أن يعارض الإجماع السابق.
خلص إذاً إذا انعقد إجماع سابق على جواز القول بأحد الرأيين فلا يمكن أن يأتي إجماع متأخر يقول لا لابد نقول برأي واحد فقط، فهمتم كأن هناك إجماع سيعارض إجماعاً، عرفتم مأخذ هذا دليل اختلاف الصحابة على قولين أو على ثلاثة إجماع منهم على جواز القول بأحد القولين أو الثلاثة كأجمعوا على أنك تقول بهذا وهذا لا تثريب. فإذا جاء بعد ذلك إجماع على أحد القولين لا يمكن يعارض الإجماع السابق. نأتي حتى في عصر بعدهم؟ لا لا حتى بعدهم أنا أصورها لأنها سهلة في عصر الصحابة، يعني التابعون اختلفوا في مسألة حدثت في عصرهم على قولين، تابعو التابعين ليس لهم أن يجمعوا على أحد القولين حتى لو اتفقوا على أحد القولين لا يسمى إجماعاً، لماذا؟ لأن التابعين لما اختلفوا على قولين في المسألة كأنهم أجمعوا على جواز القبر بأحد الرأيين. استعداد القول الثالث هي المسألة التي ساختم بها هذه المنظومة أو هذا المصنف إذا تنام أنه هو إجماع على أحد القولين، نعم.
ولا يمكن يعني في العصر من بعده أن يجمعوا على قول واحد، نعم. فالآن يعني لابد يكونوا كذلك يعني ليس هي قضية ستأتي هو الأصل لا يجوز، نعم هذا هو الصحيح، لكن استعداد القول الثالث لا يكون قول ثالث جديد، أحياناً يكون القول الثالث هو تفصيل بين القولين، تفصيل. فهذا يجوز، لذلك لا أريد أُقحمك الآن في هذه القضية.
إذاً ودليل هذا الشرط كما قلنا أن موت المخالف في العصر الأول لا يكون مسقِطاً لرأيه. يعني أنت لما عمر بن الخطاب يخالف علي بن أبي طالب ثم يأتي التابعون يجمعوا على قول عمر يعني معناته خلص قول علي بن أبي طالب له عبرة؟ لا، المذاهب لا تموت بموت أربابها. قال: ومن العبارات الرشيقة للشافعي المذاهب لا تموت أوتي أربابها. وهناك الدليل أيضاً لمنبر هو الدليل الذي سقته الآن؟
طيب وقد ذهب إلى اشتراط هذا الشرط ألا يسبق بإجماع سابق أو عفواً ألا يسبق بخلاف مستقر سابق وقد ذهب إلى اشتراط هذا الشرط جمهور الأصوليين من المالكية والشافعية والحنابلة. من الذي خالف في هذا؟ الحنفية. الحنفية قالوا حتى لو كان هناك خلاف مستقر ثم التابعون أجمعوا على أحد قولي الصحابة هذا إجماع لا يجوز الرجوع عنه.
وانظروا إلى مثال تطبيقي الآن، أمثلة: اختلف الصحابة في بيع أمهات الأولاد وأنتم عرفتم ذكرنا في الدرس السابق من هي أم الولد؟ هي الأمة التي ولدت من سيدها، ثم اتفق التابعون بعد ذلك إذا الصحابة في بينهم خلاف، صح مجموعة من الصحابة يقولون لا يجوز بيعها، تبقى عندك حتى تموت، ومجموعة من الصحابة تقول لا يجوز بيعها. التابعون إيش قالوا؟ اتفقوا على عدم جواز بيعهن. إذاً اتفقوا على أحد الرأيين، اتفق التابعون على عدم جواز البيع، فكان إجماع التابعين منعقداً على أحد قولي الصحابة.
الآن هل اتفاق التابعين إجماع عند الجمهور يسمى إجماعاً؟ لا، لأن الخلاف استقر، عند الحنفية إجماع. انظروا ماذا قال محمد بن الحسن الشيباني يقول: أما الحنفية فقد اعتدوا بهذا الإجماع، لذا قال محمد بن الحسن في قاض حكم بجواز بيع أمهات يقول محمد بن الحسن: لو أن القاضي حكم بجواز بيع أمهات الأولاد فإني أبطل قضاءه. لماذا؟ لأن الصحابة كانت اختلفت فيها ثم أجمع بعد ذلك قضاة المسلمين وفقهاؤهم على أنها لا تباع. انظروا إيش قال؟ ثم أجمع بعد ذلك قضاة المسلمين وفقهاؤهم على أنها لا تباع.
فالان إذا التابعون خلاص قالوا لا تباع، فمحمد بن الحسن يقول: إذا جاء قاضي حكم في المحكمة أن أم ولد تباع أنا أنقل قوله مباشرة أبطل قضائياً، لماذا؟ لأن قوله مخالف للإجماع. طب وين الإجماع يا محمد بن الحسن؟ قال: أجمع التابعون على أحد قولي الصحابة فخلاص هذا يعتبر إجماع. فلاحظوا كيف استدل الحنفي بالإجماع هنا؟ الجمهور لا يوافقونه على هذه الصورة.
طيب هذا إذا كان الخلاف قد استقر في عصر سابق للإجماع. لاحظوا الآن في قضية مهمة في هذه المسألة، قال: أما إذا كان مجتهدو ذات العصر قد اختلفوا فيما بينهم ثم عادوا فاتفقوا على قول واحد، فهل يعتبر هذا إجماعاً؟ اختلف الأصوليون في هذه الصورة خلافاً أشد من اختلافهم في الصورة السابقة، ومبنى الخلاف في هذه الصورة يعود إلى اختلافهم في مسألة انقراض العصر.
كم بقي؟ نص دقيقة لا أريد أني المسألة تسرد سريعاً وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل