دخولتسجيل الدخول

الدرس 21 - من صفحة 171 إلى صفحة 177

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الحادي والعشرون من مجالسنا في شرح كتاب دلائل الإعجاز للشيخ الإمام أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه في الدارين آمين. انتهينا إلى الصفحة السبعين بعد المئة، ونشرع في الصفحة الأولى بعد السبعين ومئة في فصل جديد.

قال: فصل. قد بان الآن واتضح لمن نظر نظر المتثبت الحصيف الراغب في اقتداء زناد العقل والازدياد من الفضل، ومن شأنه التوق إلى أن يعرف الأشياء على حقائقها، ويتغلغل إلى دقائقها، ويرأب بنفسه عن مرتبة المقلد الذي يجري مع الظاهر، ولا يعدو الذي يقع في أول الخاطر؛ أن الذي قلت في شأن الحذف وتفخيم أمره والتنويه بذكره، وأن مأخذه مأخذ يشبه السحر ويبهر الفكر، كالذي قلته، نعم؛ ما قلته حق وصادق وصحيح. وهذا فن آخر من معانيه عجيب، وأنا ذاكره لك.

قال البحتري في قصيدته التي أولها: أعن سفه يوم الأبيرقي، وهو يذكر محاماة الممدوح عنه وصيانته له ودفعه نوائب الزمان عنه: وكم ذدت عني من تحامل حادث، وثورة أيام حززت إلى العظم. الأصل لا محالة: حززت اللحم إلى العظم، إلا أن في مجيئه به محذوفاً وإسقاطه له من النطق وتركه في الضمير مزية عجيبة وفائدة جليلة. انظر إلى هذا: في الضمير، يعني في ضمير المتكلم، في ذهن المتكلم؛ هذه الكلمة يا إخوة رائقة جداً ودالة. يريد أنه المعنى موجود حاضر في الضمير، وكل ما هنالك أن الشاعر تركه هناك في الضمير، لم يخرجه إلى اللفظ الذي يدل عليه عيناً، لكن إذا قرأت النص أو استمعت إلى نص الشاعر وجدته في ضميرك كما هو في ضمير الشاعر، لدلالة السياق والكلام عليه.

قال: إلا أن في مجيئه به محذوفاً وإسقاطه له من النطق وتركه في الضمير مزية عجيبة وفائدة جليلة. انظر هذه القاعدة الخطيرة الجميلة، والتي عليها تنبيه: وذاك أن من حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعاً يمنعه به من أن يتوهم في بدء الأمر شيئاً غير المراد، ثم ينصرف إلى المراد. هذه قاعدة يا إخوة انتبهوا إليها حتى يكون الكلام على الأقل غير مشوش. ذاك أن من حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعاً يمنعه به من أن يتوهم في بدء الأمر شيئاً غير المراد ثم ينصرف إلى المراد؛ يعني لا تجعلني أتوهم أنك ذاهب إلى شيء ويستقر المعنى في النفس هكذا، ثم لما يتم الكلام يزيح المعنى الأول وأقول: آه، أنت قصدت معنى آخر، خلاص أنت قصدت معنى آخر! هذا غلط. ولكن أيضاً هنا تنبيه: قد يتعلق المعنى تعلقاً بحيث لا يعرف إلا بتمام الكلام مع الاحتمال، لكن لا يترجح كلام وتظل النفس منتظرة الكلام، ما بقي اللفظ محتملاً ولم يترجح شيء ولم يقع تمام الكلام. هذه نقطة مهمة حتى لا يقع الشاعر كذلك في الوسوسة.

آتيكم بمثال على ذلك من كلام البحتري؛ يقول البحتري في قصيدته العينية التي أولها: منى النفس في أسماء لو تستطيعها، بها وجدها من غادةٍ وولعها. يقول في أثنائها واصفاً القوم المقتلين إذا افترقوا عن وقعة: جمعتهم؛ فأنت عند "جمعتهم" ربما تظن أن جمعتهم الفاعل لهذا الجمع هو الوقعة التي افترقوا عنها، ولكنه يقول: إذا افترقوا عن وقعة جمعتهم لأخرى، دماء ما يطل نجيع. إذاً "جمعتهم" ليس هذا الفعل وهذه الفعلية لم تقع صفة للوقعة، وإنما جاءت فعلاً وجواباً لإذا. إذا افترقوا عن وقعة، انتهى الكلام في معنى الشرط الأول، إذا افترقوا عن وقعة ماذا جاء؟ الجواب: جمعتهم لأخرى، دماء ما يطل نجيع. و"جمعتهم" ما زال المعنى منتظراً، وما زال المعنى معلقاً. فانت إذا قرأت أو سمعت "إذا افترقوا عن وقعة جمعتهم لأخرى دماء ما يطل نجيع"، وهذا في الشعر وفي شعر الفحول كثير، فالصواب أن تنتظر تمام الكلام المتصل. وهذا باب تفصيله الآن كبير، ولي فيه تنبيهات وكذا دونتها، لكن لا يسع المقام لها الآن.

وذاك أن من حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعاً يمنعه به من أن يتوهم في بدء الأمر شيئاً غير المراد ثم ينصرف إلى المراد. ومعلوم أنه لو أظهر المفعول فقال: وثورة أيام حززت اللحم إلى العظم، لجاز أن يقع في وهم السامع إلى أن يجيء إلى قوله "إلى العظم" أن هذا الحز كان في بعض اللحم دون كله، وأنه قطع ما يلي الجلد ولم ينته إلى ما يلي العظم. فلما كان كذلك، شوف هنا قال هذا من حذق الشاعر، فلما كان كذلك ترك ذكر اللحم وأسقطه من اللفظ ليبرئ السامع من هذا الوهم، ويجعله بحيث يقع المعنى منه في أنف الفهم، أي في أول الفهم، ويتصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم. أفيكون دليل أوضح من هذا وأبين وأجلى في صحة ما ذكرت لك من أنك قد ترى -كما بدأ في أول الفصل، في أول كلامه أول سطرين- من أنك قد ترى ترك الذكر أفصح من الذكر، والامتناع من أن يبرز اللفظ من الضمير أحسن للتصوير، هذا مع كونه المعنى موجوداً في الضمير مدلولاً عليه بالسياق، وكان الترك للذكر رافعاً المعنى إلى رتبة بيانية رفيعة.

- يا محمد، نعم مولانا، فقط في الحالتين، الحالة التي ذكر أن السامع قد يتوهم في بدئ الأمر شيئاً غير المراد، وفي البيت الذي ذكرته للبحتري، ما هو الضابط؟ كيف نعرف بالضبط الفرق بين الحالتين؟ - الضابط هو أنك في موضع سترى الكلام يحتمل الأمرين. لو أنك لم تقف عند شطر البيت وقلت هكذا: إذا افترقوا عن وقعة جمعتهم لأخرى دماء ما يطل نجيع، إذا افترقوا عن وقعة جمعتهم لأخرى هل وقع إشكال؟ لم يقع إشكال. لماذا؟ الكلام اتصل. الإشكال وقع متى؟ لما وقفت على رأس الشطر. قلت من قبل في تفصيل هذا: حاول ألا تتعامل مع الشطر على أنه تمام كلام دائماً، بل هو أثر إيقاعي، اعتبر أنك تصل. إذاً في هذا الموضع ينبغي أن تنتظر اتصال الكلام: إذا افترقوا عن وقعة جمعتهم لأخرى. طيب، ما أنت ممكن تقف، بس أصل الكلام على نية الوصل، والشعر يقال على الوصل، وإن وقفت إيقاعاً عروضياً، أصل الكلام يحتمل، لكن لم يؤثر عليك ولم يلتبس عليك الفهم لما أتممت الكلام. فمثل ذلك ينبغي أن يراعى فيه تمام الكلام، وينبغي أن يراعى فيه ما يحتمل ويظل الكلام متصلاً. انقسام البيت إلى مصراعين أو شطرين لا يعد توقفاً أو انقطاعاً.

- يقول عقيل: التهيأة والترتيب لخلق المحذوف في الذهن تهيأة تمنع تصور غير المحذوف. نعم، لكن نحن مثلاً لو وقفنا هنا: إذا افترقوا عن وقعة جمعتهم، يصح أن يكون الكلام الذي بعده ماذا؟ إذا اعتبرت هذا الوقف، أن يكون الجواب يأتي وأن جمعتهم نعت للوقعة. قل يا عقيل معك؟ - حق، هو عين الصواب في هذه الحالة، أتكلم عن الحالة الأخرى التي لا يتصور فيها غير المحذوف بسبب السابق، بسبب التهيأة الأولية للكلام كالذي أتى به عبد القاهر. نعم، مثال للمحذوف، نعم يعني هذا نجعله بهذه الصورة، التهيأة، بالضبط بالضبط. - أحسنتما.

ونشرع الآن في باب جديد، في فصل جديد، يعني هو باب من أبواب البلاغة عظيم، وهو باب الفروق في الخبر. قال: فصل. القول على فروق في الخبر. أول شيء تنتبه إليه في هذا الفصل هو أن هذا الخبر الذي جاءك في الأول ليس هو خبر المبتدأ، أي لا يجري عبد القاهر هنا على الاصطلاح النحوي، بل المقصود في الاصطلاح النحوي جزء من المقصود هنا، خلاص هو جزء من القسم الأول من القسمين المذكورين. وإنما يطلق أو يتكلم هنا عن مطلق الخبر أو عن مطلق إسناد الشيء إلى الشيء على جهة الإخبار عنه، وجعل ذلك قسمة إلى قسمين: قسم يكون الخبر فيه ركناً في الكلام، خلاص يعني جزءاً من عين الجملة، يكون ركناً في الجملة، يكون عمدة لا فضلة على الاصطلاح النحوي، وهذا فيه نوعان: خبر المبتدأ والفعل. والقسم الثاني يكون زائداً على الخبر، وهو خبر في الأصل أيضاً لكن خبر عن خبر، وهذا هو الحال. فإذاً تكلمنا هنا عن خبر المبتدأ الذي هو الخبر على الاصطلاح النحوي، سائر الأنواع أو الأقسام عنده لا يقال فيه، لا يقال فيه ماذا؟ لا يقال فيه في النحو في الاصطلاح النحوي، لا يقال فيه خبر. عند عبد القاهر هنا خبر، لأن كلامه عن البلاغة فالاصطلاح مختلف. إذاً القسم الأول خبر المبتدأ والفعل، القسم الثاني الذي يكون الكلام فيه زائداً فضلة، خبراً عن خبر، هذا الحال. انتبهت إذاً؟

تعال ننظر ماذا يقول عبد القاهر، يقول: فصل. القول على فروق في الخبر. أول ما ينبغي أن يعلم منه أنه ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه، وخبر ليس بجزء من الجملة ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له. أول ما ينبغي أن يعلم منه أنه ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه، وخبر القسم الثاني ليس بجزء من الجملة ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له. فالأول الذي هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه، فالأول خبر المبتدأ، كـ "منطلق" في قولك: زيد منطلق، والفعل، إذاً الأول خبر المبتدأ والفعل، والفعل كقولك: خرج زيد. عبد القاهر كما قلنا إذاً لا ينظر في هذين بعين المصطلح النحوي، يعني في هذين القسمين هذا والذي بعده، خلاص، إنما المصطلح النحوي كان في النوع الأول من القسم الأول الذي هو خبر المبتدأ.

قال: فكل واحد من هذين جزء من الجملة وهو الأصل في الفائدة. والثاني هو الحال، الثاني الذي هو خبر ليس بجزء من الجملة، كما قال: وخبر ليس بجزء من الجملة، فهذا الذي هو خبر ليس بجزء من الجملة هو الحال. قال: والثاني هو الحال، كقولك: جاءني زيد راكباً. قال: وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة، من حيث أنك تثبت بها المعنى لذي الحال، كما تثبت بخبر المبتدأ للمبتدأ وبالفعل للفاعل. ألا تراك قد أثبت الركوب في قولك "جاءني زيد راكباً" لزيد؟ إلا أن الفرق أنك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء. إلا أن الفرق أنك جئت به، بهذا الخبر الآخر "راكباً"، لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء، يعني: جاءني زيد، أخبرت عنه بالمجيء عن طريق الفعل، خلاص، ثم أخبرت بشيء زائد في الخبر الأصلي الذي هو الفعل، بأن هذا المجيء الذي أخبرت به كان بركوب. قال: وهو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه، ولم تجرد إثباتك للركوب -يعني لم تجعل راكب زيد، لم تأت به راكب زيد- لم تجرد هذا، وإلا كان من القسم الأول. ولم تجرد إثباتك للركوب ولم تباشره به، بل ابتدأت فأثبت المجيء، ثم وصلت به الركوب، فالتبس به الإثبات على سبيل التبع للمجيء، يعني صار الإخبار بالركوب خبراً تابعاً للخبر بالمجيء، وبشرط أن يكون في صلته، فالتبس به، التبس يعني مش اشتبه، التبس يعني لاق به لاط به التصق به تبعه لزمه، فالتبس به الإثبات على سبيل التبع للمجيء وبشرط أن يكون في صلته. وأما في الخبر المطلق، يعني الخبر الأصلي المباشر الذي هو جزء جملة لا تتم الفائدة إلا به، فبه يكون تمام المعنى.

أما في الخبر المطلق نحو: زيد منطلق، وخرج عمر؛ فإنك مثبت للمعنى إثباتاً جردته له، وجعلته يباشره من غير واسطة، ومن غير أن تتسبب بغيره إليه، فاعرفه. أما الركوب، فقد اتخذت له وسيلة هو الخبر الأول: المجيء.

وقد عرفت هذا الفرق، فالذي يليه من فروق الخبر هو الفرق بين الإثبات إذا كان بالاسم، وبينه إذا كان بالفعل. أول شيء اعلم أن هذا فصل في الفروق في الخبر، أول شيء الفروق في أن تخبر بالخبر المطلق، أو أن تخبر بما هو خارج، أو بما هو زائد على الخبر الأصلي، أو الخبر الذي لا يتحقق أصل الفائدة إلا به، خبر جزء من الجملة، خبر عمدة، خبر ليس جزءاً من الجملة بحيث تقع الجملة وتفسد إذا لم يكن موجوداً، وهو الخبر الذي هو زيادة في الخبر الأول.

الذي يليه من فروق الخبر أن تفرق بين الإثبات إذا كان بالاسم، وبينه إذا كان بالفعل. هنا بدأ يتكلم عن الثبوت والتجدد، قال: وهو فرق لطيف تمس الحاجة في علم البلاغة إليه. وبيانه أن موضوع الاسم، يعني المعنى الذي وضع بالاسم، وضع له الاسم فهو موضوع بالاسم بوضع الاسم، وبيان أن موضوع الاسم على أن يثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي تجدده شيئاً بعد شيء؛ الاسم لا يقتضي تجدد المعنى شيئاً فشيئاً.

أما الفعل فموضوعه على أنه يقتضي تجدد المعنى المثبت به شيئاً بعد شيء؛ فإذا قلت: زيد منطلق، فقد أثبت الانطلاق فعلاً له من غير أن تجعله يتجدد ويحدث منه شيئاً فشيئاً، بل يكون المعنى فيه كالمنى في قولك: زيد طويل، وعمر قصير؛ فكما لا تقصد إلى أن تجعل الطول أو القصر يتجدد ويحدث، بل توجبه وتثبته فقط وتقضي بوجودهما على الإطلاق، كذلك لا تتعرض في قولك: زيد منطلق، لأكثر من إثباته لزيد؛ لماذا؟ للاشتراك في الاسمية. وأما الفعل فإنه يقصد فيه إلى ذلك؛ فإذا قلت: زيد ينطلق، فإنك تقصد ذلك.

القاعدة التي ذكرها هل تنطبق على كل الأفعال أم على الفعل المضارع فقط؟ هل الفعل الماضي أيضاً يوصف بأنه فيه تجدد؟ والفعل الأمر؟ هذا عند التطبيق.

الفعل الماضي فيه معنى الحدوث، أي وقع، فهو أيضاً يتحدث عن وقوع حدث، لكن هذا سيأتي أنه لا يتأتى، لكن زيد اجتهد في كذا وكذا، أقصد بالعموم. على كل، أنا أريد بس أن أقول هناك شيء، ما يظهر فيه ذلك هو الفعل المضارع. ولكن السؤال هنا: هل ذلك منفي، فكرة تصور الحدوث منفي تماماً عن الفعل الماضي والفعل الأمر؟ وهل كل تعبيرات الماضي تنفي الحدوث؟ لو قلت: لم يجتهد في دروسه، يجتهد فعل مضارع، ولم يجتهد، فنحن هنا نرى أن الأداة لم قلبت المضارع إلى الماضي، ولكنها صورته في حدوثه واقعاً في الماضي. هل يمتنع تصور شيء من الحدوث في الفعل الماضي؟ لا يمتنع، لكنه أقل ولا شك من الفعل المضارع. هل يمتنع تصور في فعل الأمر بواسطة وبتخيل أنه يقع فيه شيء من الحدوث؟ لا يمتنع، لا سيما لو قارنت ذلك الحدث أو هذا الفعل في حدوثه قارنته بشيء هو في جوهره ثبوت وهو الاسم، وكما في الصفة المشبهة.

أنت تقصد حدوث التجدد؛ تصور الشيء يقع. أنا لم أرد أن أقول التجدد هنا، لأن التجدد بالفعل، لفظ التجدد يصور لي الشيء أو الفعل وهو يحصل أمامي الآن، فهذا يعبر عنه الفعل المضارع، كما تقول: ينظر، يتوسم، يضرب، يمشي، تقصد الحيثية الحاصلة، لكن في جملة الأفعال على مستوى الأدب لا ينتفي ذلك بالمرة من كل وجه.

لا شك أنك إذا نظرت في المضارع وجدت أن المضارع هو الذي يتحقق فيه ذلك، ولكن سترى فروقاً دقيقة جداً بين الأفعال جميعاً والأسماء حتى في الثبوت والتجدد. ومما يدل على ذلك أن الفعل قد يقع في الماضي بصيغة المضارع، ويكون مقلوباً بـ "لم"، ويكون فيه معنى التجدد صريحاً، فالتجدد الماضي من كل وجه، حتى لو استعملت صيغة الماضي المباشرة، لم تنقلب إلى ثبوت الصفة الاسمية؛ الصفة الاسمية تجعل الشيء من الإنسان وتنفي صفة الفعلية بإطلاق، إلا في استثناءات حينما يكون الاسم يعمل عمل الفعل كما سيأتي.

يقول: وأما الفعل فإنه يقصد فيه إلى ذلك، فإذا قلت: زيد ها هو ذا ينطلق، فقد زعمت أن الانطلاق يقع منه جزءاً فجزء، وجعلته يزاوله. وطبعاً هذا لا يحصل في الماضي، لا يحصل في الأمر، لكن يحصل في الماضي إذا كان مضارعاً، قلبته "لم يجتهد"، فأنت تنفي حدوثاً يحصل أمام عينك؛ هناك تجدد، ولكنك تنفي التجدد الذي تناول هذا بفلسفته اللغوية العقاد في "اللغة الشاعرة"، وأنا شرحت ذلك بالتفصيل، وكلام العقاد هنا والشرح عليه مفيدان جداً، فارجعوا إلى ذلك. خلاص، أن تأتي بالمضارع وأن تقلبه إلى الماضي بـ "لم"، وما في اللغة العربية من مزية في ذلك، أن تقلب المضارع بـ "لم" إلى ماضي بنفي في الماضي. العقاد شرح هذا يا إخوة، أوجبته عليكم وأنا في الأردن، أوجبت هذا الشرح عليكم جميعاً، والذين دخلوا بعدها أو ما كانوا موجودين ينبغي عليهم أن يستمعوا إلى هذا الشرح.

ما الذي يقتضي هذا أو ذاك؟ المقام والغرض. وإن شئت أن تحس الفرق بينهما من حيث يلطف فتأمل هذا البيت، هذا كما قال شاكر قائله النضر بن جؤي: لا يألف الدرهم المضروب خرقتها لكن يمر عليها وهو منطلق قال: هذا هو الحسن اللائق بالمعنى، ولو قلته بالفعل: لكن يمر عليها وهو ينطلق، لم يحصل. تعالوا لماذا يا إخوة؟ هو يتكلم عن أن الدرهم لا يبقى في جيبنا، لا يألف.

الفرق هو أنه عندما قال: وهو منطلق، فهو أثبت الانطلاق له على جهة الثبوت واللزوم، لكن لو قال: وهو ينطلق، فهو يثبت حدوث الانطلاق له، فثمة فارق عظيم بين الحدوث وبين إثبات الانطلاق على وجه اللزوم. ما قلته يا عقيل هو التعليل، أريد التعليل من حيث الوجه في هذا المعنى بعينه، قلت الفرق العظيم الذي ذكرته، اشرح الفرق العظيم.

هذا أدل على الكرم، أن درهمهم في جيبهم منطلق، هذه صفته الثابتة اللازمة له، هذا أشد في الكرم من أن الانطلاق يقع له حادثاً.

لو أنك تتكلمين. هو إذا قال: وهو ينطلق، فجعلها فعلاً مضارعاً، هذا جعله بالمصطلح المنطقي كلياً مشككاً، أي يختلف في انطلاقته بين مرة وأخرى، فبالتالي بالتبع يختلف في الكرم؛ فقد يفهم منه أنه قد يبخل أحياناً وقد يجود أحياناً. لكن عندما قال: وهو منطلق، فهذه الصفة ملازمة لا تفاوت فيها، جعلها متواطئة في كل الحالات، هو منطلق، يعني هو أتى وكما يقول حتى لمس الخرقة والذهب، أصلاً هي هذه صفة.

كلامكم كله من منطلق واحد وهو صحيح، وهو أنك لما يصور لك يقول: "لكن يمر عليها"، فأنت تنظر لا تكاد تراه لو قال: وهو ينطلق. هذا ما أردت أن تصل.

إذا قال: وهو ينطلق، يعني كل مرة وهو ينطلق يختلف عن مرة وهو منطلق أصلاً، يعني حتى هو مر ولم يألف.

هو قد يعني أن المقصود أنه لا يمكث معه درهم، وكان الدرهم لا يستطيع أن، ومن كثرة صرفه، أن يستقر له، وكأنه أصبح عادة له.

أنا أظن أنني وصلت إليها، وهو الزمن عند.

إيوه، هذا خلاصة ما قاله عقيل وما قاله جميعكم بتعبيرات مختلفة، لكن نريد أن نصل إلى آخر صورة يمكن التعبير عنها، ووصل إليها هذا المعي محمد الحميري. والله كنت أعلم أنه ممكن يصل، بصراحة ولد مميز ما شاء الله. أهل اليمن، الشعر يمني يا إخوة، حميري مستني إيه؟ ماذا تنتظر من حميري؟ اسمه الحميري، خلاص جمع بين الشعر وعلمه. طيب جميل عقلك، نظّار والله وذكي، ما شاء الله عليك، حفظك الله وحماك من الحسد.

انظروا يا إخوة، أنا أريدكم ماذا تفعلون هنا؟ عندكم الآلة النحوية التي أعطاكم إياها علم النحو، وأعطاكم إياها توسط فيها بينها وبينكم عبد القاهر، بعد ذلك عندكم الشعر، تظلون تتدربون. هل أنا وصلت إلى هذا بين عشية وضحاها؟ لا، من سنين، وهذا الذي يجعلني أجلس معكم وأتكلم، غير ذلك فأنتم تفهمون خلاص، يعني مما يجعلني أجلس إليكم هو هذه الدربة. الصواب أن تظل تردد النظر بين التعبير النحوي، العلة وكذا، وبين الموقع وما يصوره في الذهن، حتى تظل تتدرب على التعبير، حتى هذا ما فعله أخوكم محمد الآن، حتى تصل إلى لحظة تعبر فيها تعبيرًا. أنت الآن حولت، كما أقول دائماً، حولت فواكه النحو إلى خمر الشعر وخمر المعنى. إذا لم تحول الفاكهة إلى خمر فلا خير فيك من الآخر، فلا خير فيك إذا أبقيتها حلالاً طيبة فاكهة، فلا خير فيك. حول العلوم، حول النحو، حول العلل إلى خمر؛ كيف؟ أن تنطلق وأن تتخذها جسراً، هذه التعابير النحوية، إلى أن تعبر تخلص إلى زبد المعاني خالصة تسحر بها العقول.

لما يقول: وهو ينطلق، مكث الدرهم ينطلق فوق الخرقة أمام عيني أجزاء كثيرة من الثانية، لكن وهو منطلق كان كالومض، لأنك عبرت بصفة الثبوت، بصفة ثابتة، وهذا الثبوت مادته الانطلاق فيذوب. أنت لم تلبث أن تعي هذه الاسمية حتى اختفت بحكم مادتها؛ لم تلبث أن تدرك الاسمية وأنها ثبوتية حتى فلتت من مكانها. وهو منطلق، وخلاص، هو بـ أنت خلاص هو منطلق، هو مش موجود أصلاً، هو غير ما هو منطلق، مش موجود، الانطلاق صفة ثابتة له، أما ينطلق فتجدد، فهو على الخرقة ينطلق، ينطلق على الخرقة، أبقيته كما قال أخوكم محمد، الزمن الزمن. هذا هو، وبارك الله فيكم ولكم وعليكم جميعاً، أنا سعيد، الحمد لله.

قال الله تعالى، قال النابغة الذبياني: وقفت فيها أصيلًا أنا أسائلها. ما إعراب أسائلها؟ هذه الجملة ما إعرابها؟ حال مولانا، حال، أحسنت، أحسنت، حال طبعاً. طيب، أنا ممكن آتي بالحال وقفت فيها على الاسم، يعني على الأصل، وقفت فيها أصيلًا مسائلها. ما الفرق بينهما؟ قل يا محمد، مولانا نفس الأمر، الزمن. إذا قال أسائلها يجعل الأمر كأنه بسرعة، والأصل هنا الإطالة وإطالة في المساءلة والوقوف. الطـ هو شوف عنصر الزمن سيدخل في جميع ذلك، لكن كان أصيلاً دقيقاً في قضية الدرهم المنطلق، لكن أيضاً يمكن هنا أن نعبر بشيء آخر.

قل يا محمد أبو الحسن، مولانا، يعني أقدم عقيلاً لو تسمح لي، لو نطق قبلي قل يا أخي، أتكلم قبل أخي محمد، أفضل أخي محمد، أمرك سيدنا مولانا. هو يقول وقفت فيها فهو في منزلة الوقوف، يقول وقفت فيها أصيلًا أسائلها، أي أنا أسائلها في حال السؤال. لو قال وقفت فيها أصيلًا مسائلها، لا تعارض هذا مع منزلة الوقوف أصلاً هو وقف، والوقوف أنا أفهم مرادك ومرادك صحيح، لكن قل يا عقيل، أنا أفهم هذا، كل من عنده شيء يقول، فمن يبادر يتكلم. إنه هكذا أثبت لنفسه المساءلة لا حدثًا واقعًا بعد الوقوف، أحسنت جداً، تفضلي أختنا زينب، أحسنت جداً. لو قال مسائلها وكأنه حال ثبت له، ولكنه قال أسائلها، يعني ذلك الحال في الوقوف، صح؟ لا ما أنا كنت بقول وهو بيقوله، إيوه أنا أقصد يعني أنا أعرف أنك رفعت يدك جميل، أنا أقصد يعني أنكم اتفقتم، صحيح.

لو قال وقفت فيها أصيلًا أنا أسائلها، هو الآن صور نفسه لي وهو يسائلها الآن وتركني أنا أتعجب هذا الأمر معه، ولو قال وقفت فيها أصيلًا مسائلها صار الوقوف والمساءلة جميعًا شيئًا واحدًا وخبراً واحداً متتابعاً. أنا سأبني عليه ها تصوراً آخر غير الأول، لست متفاعلاً، لست معالجاً لمساءلته أو لتساؤل، ولكنني الآن أرى شاعراً مسائل، فصارت قضية الوقوف والمساءلة قضية أفكر فيها لذاتها، لا للتفاعل مع الشاعر، أو أفكر في الشاعر عن طريق هذه القضية. هذا ما اتفقنا عليه وأردت أن تقولوه، ماذا يقول عقيل؟ هو عقيل كلما كان عربياً ربما هو عقيل يريد أن يقول، يعني أنا أريد أن أقول لك يا عقيل، يعني الذي سيقول هذا وقفت فيها مسائلها، هو شخص رأى تاريخاً طويلاً من كلام الديار وكذا وكذا فأراد أن يلخص القضية، يعني وقفت مسائلها، تمام خلاص، إلا أن ينقذنا في الشطر الثاني.

قال: وإذا أردت أن تعتبره، حيث لا يخفى وإذا أردت أن تعتبره، يعني هذا الفارق حيث لا يخفى أن أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: 18]. فإن أحداً لا يشك في امتناع الفعل هاهنا، وأن قولنا كلبهم يبسط ذراعيه لا يؤدي الغرض. ها شوف وكلبهم يبسط ذراعيه، ماذا استفدت؟ إنما وكلبهم باسط ذراعيه، أردت تصوير شيء قائم بحاله هكذا. ومثل هذا أيها الإخوة تجدون وقوعه في أشعار المبتدئين كثيراً.

قل يا عقيل، يبسط تمتنع في القصة، أن هذا الكلب له ثلاثمائة سنة، يبسط يعني تكاد تكون ممتنعة، هو خلص هو عنده شيء وقع له. قلت السياق سياق حكاية قصة حاصلة، كأنها صورة تاريخية، وهكذا ظلت على هذه الهيئة. نعم، ويمكن يبسط لأنه من ثلاثمائة سنة متجمد، كيف يبسط؟ كيف منه الحدث؟ نعم، أحسنت. لكن أنبهكم، أقول تجدون وقوع هذا في أشعار المبتدئين كثيراً، لأن الوزن يضيق عليهم، وهم لا يلاحظون الفرق كثيراً بين الاسم والفعل، أو يلاحظون لكن يتغافلون ويقنعون أنفسهم تحت وطأة الوزن والرغبة في إتمام الشعر فيحصل مثل هذا. وهذا في حق المبتدئين، أما في حق الحداثيين فهم لا يعرفون هذا أصلاً، انتبهوا في حق الحداثيين لا يعرفون هذا أصلاً.

كما وقع في كلام أحد الحداثيين من الأميين فنياً ولغوياً في عصرنا، يجري كلاماً على لسان يزيد يخاطب به الإمام الحسين عليه السلام، وساوى بينهما في الكلام وجعله نداً له، فلا يقول في بيت له فـ "أيُّنا الخطاء" وأنا أقول هؤلاء عندهم أمية فنية. الحداثي لا يدرك هذا الذي نتكلم فيه؛ لأنه استعمل زنة الفعال واستعمل زنة واستعمل الألف واللام، انتبهوا إلى هذا الذي سأقول: يحكي على لسان يزيد البغيض الذي اتفقت أهل السنة على بغضه وعلى إجرامه، يحكي على لسان يزيد ويثبت له الفضائل والمماحكات، يعني ليس يريد أن يقول ليس أحد منا أخطأ، ولم يدر بالجريمة التي وقع فيها في هذه الصياغة. وأنا لو كنت متصيداً لقلت إنه وقع في جرم كبير وإساءة تنجس البحر، ولكنني أقول هؤلاء يا إخوة أصحاب، هذا ليس من باب إحسان الظن، هذا من باب معرفة الواقع، أصحاب أمية فنية، ساقهم الوزن والقافية، قال أينا الخطاء. وفرق بين أن تقول أينا الخطاء وبين أن تقول أينا مخطئ، إذا أردت أن تنفي خطأ فتقول فأينا مخطئ، يعني لم يخطئ أحدنا، ليس أحد منا مخطئاً، لكن أن تعرف بالألف واللام، ثم لا تأتي بزنة المخطئ وإنما الخطاء، فأنت لا تنفي وقوع خطأ، وإنما تثبت علماً سابقاً بخطاء، وعرفته بالألف واللام وتقول فأينا الخطاء.

فمحاسبته على ظاهر الكلام اللغوي فيه أنه لأنه الكلام على لسان يزيد يقول للحسين الخطاء، فالمتكلم ينفي عن نفسه أنه الخطاء فيثبت أن الحسين هو الخطاء، لأن هذه الجريمة التاريخية المستصحب فيها هذا الكلام تثبت أن واحداً من الاثنين خطاء ومجرم وليس فقط مخطئاً، فلم يقل فأينا مخطئ ولا حتى أينا المخطئ، قال أينا الخطاء. لكنني أعلم يقيناً أنه أمي في الفن ولا يقصد إلى هذا أيها الإخوة، أنا أعلم هذا يقيناً، أنا مضطرد مع مذهبي، هذا الشخص الحداثي أقول من قديم وكما عبر بعض الفضلاء قال عنده أمية فنية، عبر هذا التعبير الدكتور عبد القدوس تعبيراً جميل، قال عنده أمية فنية، فهذه أمية فنية أيها الإخوة، أمية فنية حتى في خطاباته للنبي صلى الله عليه وسلم ولتركيب التركيب اللغوي، هذه أمية فنية. وأنا لا طبعاً أنه يساوي بينهما هذا جرم كبير، لكن كلامي في الشعر ليس في الاعتقاد أو في رؤية أهل السنة وكذا.

أقول طبعاً هذه كأنها تمهيد للناصفة، وإنما أقول فكرة أن يزيد يثبت أو يؤول إلى أن الحسين عليه السلام هو الخطاء الذي علم بوجوده قبله، وليس هو المتكلم الذي يبرئ نفسه، هذا لا يذهب إليه عقله لأنني مضطرد مع موقفي وما أراه فيه من أنه أمي من جهة التركيب اللغوي والفن، وهكذا الأصل في كل حداثي. نعم.

قال: وإن قولنا كلبهم يبسط ذراعيه، قل يا محمد مولانا، هذا أيضاً خطأ في أصل المعنى، يعني حتى على افتراض أنه مثلاً هجاء، يعني لا يقال مثلاً في هجاء شخص مثل الحسين رضي الله عنه أينا الخطاء، يعني خاصة بأن هذا الرجل معروف بفضله يعني لا يقال هذا في هجائه، هذا كما قال النابغة لقومه عندما حـ على شخص كريم قال لهم هجموا على الرجل وهو كريم يعني لا يضره هذا أصلاً، يعني هذا هجاء تافه، لا، لكن هو هنا لا يهجو، هو يحاول أن يبرئ فقط، أنا أعلم، أعلم، لكن أنا أقصد عندما تقول أينا الخطاء لشخص معروف بفضله هذه مشكلة في المعنى حتى لو أردت تعريضاً بهجاء يعني مشكلة. آه نعم، أنت تريد أن تقول إنه حتى مع اعتبار المذهب هذا خطأ أن تساوي بين هذا وذاك. حتى مع اعتبار المذهب يعني طبعاً حتى ذا يكون له وجه فني، يعني كأنك تقول ليس كما نقول ليس مما يمدح به النبي صلى الله عليه وسلم ما تمدح به الكرامة وأصحاب السخاء وكذا والشجاعة، كذلك لا تمدح الحسين عليه السلام أو لا تبرر بأنه أينا الخطاء وأنه ليس منا من ارتكب كذا، كأنه يساوي بينهما فتجعل هذا طاعناً في أصل الفكرة الفنية للمدح.

نعم الله أعلم، أنا ربما أصلاً الكلام عنده مشكل ونحن كنا نحاول أن نفهم ما يتعتع به لأن النص غير مفهوم أصلاً، نحاول أن نفهم هذا ما استطعنا أن نفهمه من كلام يلقيه في جماهير. فهمت هو عنده أمية حداثية، هذا كان تعبير الدكتور عبد القدوس تعبيراً حسناً جداً. قال أمية فنية، يعني أنا أقول أيضاً أمية لغوية، يعني لا يستطيع تركيب الكلام إلا في عاميته، فهمت؟ أما في التركيب اللغوي، الرجل وصل من الإغراق في الحداثة إلى أنه يحاول أن يجعل القصائد الملحمية والمادح النبوية حداثية، فيأتي بكلام شخص يفيق من التخدير يعني. نعم، قال وليس ذلك إلا لأن الفعل يقتضي مزاولة وتجدد الصفة في الوقت، ويقتضي الاسم ثبوت الصفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتسج فعل، ومعى يحدث شيئاً فشيئاً. ولا فرق بين وكلبهم باسط وبين أن يقول وكلبهم واحد مثل في أنك لا تثبت مزاولة ولا تجعل الكلب يفعل شيئاً، بل تثبته بصفة هو عليها، فالغرض إذاً تأدية هيئة الكلب، هذا هو، أنت تريد هيئة لا تريد تصوير فعل، هذا هو.

قال: ومتى اعتبرت الحال في الصفات المشبهة وجدت الفرق ظاهراً بيناً. وهنا اختار التمثيل بالصفة المشبهة أيها الإخوة لشدة المباينة بينها وبين الفعل، فهي أبعد عن الفعل بكثير من اسم الفاعل واسم المفعول مثلاً، لأن اسم الفاعل يبقى فيه معنى الحدوث كما قلت سأنبه إلى هذا، أما الصفة المشبهة فلا تزيد على إثبات الحدث، لذلك شبه هنا بالصفة المشبهة لهذا، حتى انظروا ما يقول ابن هشام في الصفة المشبهة؛ ابن هشام يقول في القطر وفي شرحه عن الصفة المشبهة يقول: الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد، ويقول هي الصفة المصوغة لغير تفضيل -يستثني التفضيل هنا- لإفادة نسبة الحدث إلى موصوفها دون إفادة الحدوث، هذا هو خلاص. يقول وذلك مثل قولك حسن في مررت برجل حسن الوجه، مررت برجل حسن الوجه، فحسن هنا صفة، خلاص صفة، لأن الصفة ما دل على حدث وصاحبه، ولكنها هنا مصوغة لغير تفضيل كذلك كما قال في القيد؛ لأن الصفات الدالة على التفضيل هي الدالة على مشاركة وزيادة كأعلَم وأفضل وهكذا. نعم، وهذه طبعاً ليست كذلك، وهذه صيغة لنسبة الحدث إلى موصوفها وهو الحسن، ولكنها ليست مصوغة لإفادة الحدوث، وهذا بخلاف اسم الفاعل واسم المفعول لأنهما يفيدان الحدوث والتجدد.

لأنهما اسم الفاعل واسم المفعول يفيدان الحدوث والتجدد، لماذا؟ لأنهما يعملان عمل الفعل، ولهذا قلت لكم في الأول سنستثني هذا. جئت لكم بكلام ابن هشام ليستنير لكم هذا الباب، قال: ومتى اعتبرت الحالة؛ هو لماذا جاء بالصفة المشبهة؟ لبعدها أكثر من اسم الفاعل واسم المفعول عن التجدد والحدوث. قال: ومتى اعتبرت الحال في الصفات المشبهة وجدت الفرق ظاهرًا بينًا، ولم يعترضك الشك في أن أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه؛ فإذا قلت: زيد طويل، هذه صفة مشبهة، وعمر قصير، هذه صفة مشبهة، لم يصلح مكانه يطول ويقصر، وإنما تقول: يطول ويقصر، إذا كان الحديث عن شيء يزيد وينمو.

شوف، هو عبد القاهر يجتهد جدًا جدًا جدًا في أن يبين لك أن دلالة الأسماء تختلف عن دلالة الأفعال، فجاء إلى أسماء ليس لها أفعال، لا يصح لها في المنطق أفعال؛ ليقول لك: انظر هذا فرق، ها! قال: لم يصلح مكانه يطول ويقصر، هو أقول لك: انظر من شدة الفرق بين الثبوت والتجدد أن هناك أشياء تثبتها ولا تجدد لها، التجدد موجود في اللفظ فقط لكن المنطق لا، فبما أنهما اختلفا في المنطق فدل ذلك على قوة الفرق بينهما. شوف عبد القاهر يغرق لك جدًا في بيان الفرق بشيء يفهمه الطفل الصغير، أنك في الصفة المشبهة أنت بعيد جدًا؛ لأنها مشبهة باسم الفاعل الذي يكون فيه من ريح الفعل ويعمل عمل الفعل كما تعلمون في النحو، فجاء لك بصفة مشبهة بعيدة؛ لأن الفعل فيها لا يقوم مقام التجدد والحدوث والتعدي الذي في اسم الفاعل.

قال: فإذا قلت زيد طويل وعمر قصير، لم يصلح مكانه يطول ويقصر، وإنما تقول يطول ويقصر إذا كان الحديث عن شيء يزيد وينمو، كالشجر والنبات والصبي ونحو ذلك مما يتجدد فيه الطول أو يحدث فيه القصر، فإما وأنت تتحدث عن هيئة ثابتة وعن شيء قد استقر طوله، ولم يكن ثم تزايد وتجدد، فلا يصلح فيه إلا الاسم. طبعًا وهذا صحيح يا إخوة في التمثيل؛ لأن ما ها هنا إذا قلنا يقصر ويطول سينشأ عنه غلط. انتبه حتى لا تحسب أن هذا كلام في المفاضلة بين وجوه جائزة في البلاغة؛ هو عبد القاهر يغرق لك في الشرح ليس أكثر.

فهذا صحيح في التمثيل؛ لأن ما ها هنا في يطول ويقصر غلط في أصل المعنى، أما الفائدة فتظهر عند المواضع التي يصح فيها الوجهان، مع كون المعنى أو شرفه يقتضي أحدهما: الاسمية أو الفعلية.

قال: وإذا ثبت الفرق بين الشيء والشيء في مواضع كثيرة، اسمع: وإذا ثبت الفرق بين الشيء والشيء في مواضع كثيرة، هذه الكلمة مهمة وخطيرة يا إخوة، وظهر الأمر بأن ترى أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه، وجب أن تقضي بثبوت الفرق حيث ترى أحدهما قد صلح في مكان الآخر، وتعلم أن المعنى مع أحدهما غيره مع الآخر. يقول: وجب أن تقضي بثبوت الفرق حيث ترى أحدهما قد صلح في مكان آخر، وتعلم أن المعنى مع أحدهما غيره مع الآخر؛ يعني هذا الذي جاز هنا أن يكون على الاسمية لا يجوز في موضع آخر، أو هذا الذي لم يصلح هنا أن يكون على الفعلية جاز على الفعلية في موضع آخر، وهذا الذي لم يجز أن يكون على الاسمية هنا جاز على الاسمية في موضع آخر، إذاً وتعلم أن المعنى مع أحدهما غيره مع الآخر، إذًا الفرق واقع؛ يعني إذا جاز هذا هنا ولم يجز هناك، وجاز هذا هناك ولم يجز هنا؛ إذًا هناك فرق، لم يبق إلا التفريق بين الاسمية والفعلية. وتعلم أن المعنى مع أحدهما غيره مع الآخر، كما هو العبرة في حمل الخفي على الجلي.

آه يعني هو أتى لك بمثال ظاهر جدًا جلي، خلاص، لكن تفاوت الخفاء والجلاء لا يمنع الاطراد في المفهوم والقاعدة، يعني لا بأس أن يضرب لك المثل بالشيء الجلي، ولكن يحمل الخفي على الجلي لأن الفرق واضح بين الاثنين. قال: وتعلم أن المعنى مع أحدهما غيره مع الآخر كما هو العبرة في حمل الخفي على الجلي، قال: وينعكس لك هذا الحكم، أعني أنك كما وجدت الاسم يقع حيث لا يصلح الفعل مكانه، كذلك تجد الفعل يقع ثم لا يصلح الاسم مكانه، ولا يؤدي ما كان يؤديه. فمن البين في ذلك قول الأعشى:

لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرّق تُشبّ لمقرٍ يصطليها وباتت ... على النار الندى

والمحلق معلوم أنه لو قيل: إلى ضوء نار متحرقة، لنبى عنه الطبع وأنكرت النفس، ثم لا يكون ذاك النبو وذاك الإنكار من أجل القافية وأنها تفسد به، بل من جهة أنه لا يشبه الغرض ولا يليق بالحال.

طيب تعالى؛ هو سيشرح هذا، لكن تعال الآن إلى هذه العبارة وانظر إلى عبارة أخرى، تذكرون في صفحة، افتحوا صفحة 61، الصفحة الأولى بعد 60، هذه شواهد لبطلان ما قد تجد في بعض كتب التفسير، إذ يقال: وقُدّم هارون على موسى، ومرة وقدم موسى على هارون؛ لأجل ماذا؟ لأجل القافية ولأجل الفاصلة وموافقة الحرف أو التقارب، أو القصر الذي وقع في الآيات، أو كذا أو كذا، وهذا غلط. أو تجدون يقول: وإنما قال كذا في شرح الشعر، هذا يا إخوة في شرح بعضي، وهذا من التخرص ومن اللغط، على تعبير محمود شاكر: لغط الشراح وغلط الشراح ولغو الشراح؛ شراح اللغة أفادوا إفادة عظيمة جدًا، لكن وقعوا في مشكلات كثيرة، كما نبه إلى هذا محمود شاكر. من هذه المشكلات أن الشعر يشرحه أحيانًا علماء اللغة الذين لا يعنون بشرح الشعر، وإنما يبينون اللغة والتراكيب وكذا، فيبين منهم أحيانًا كلام في الشعر، فمن ذلك الذي ندّ منهم وهو خطأ محض قولهم: وإنما كان للشاعر أن يقول كذا ولكنه قال كذا مراعاة للقافية، ويتكلمون على التساوي في الكلام، قال: ذلك مراعاة للقافية، وهذا خطأ. وتجد بعض المفسرين يقول، وقد نعى للأسف عبد القاهر أيضًا على بعض المفسرين ممن تكلموا بغير علم في زمانه أيضًا، ترى بعض المفسرين يقول: وهذا لأجل الفاصلة، مراعاة الفاصلة. ووجدت أيضًا أنا بعض أحد أشهر النحويين في زماننا، بل هو عضو في بعض المجامع اللغوية في بلادنا في مصر، قال هذا أيضًا، قال وهو يبين قيمة الإيقاع، قال: يغير له التركيب لأجل الإيقاع فقط، قال يغير لأجل الإيقاع فقط، وهذا كله غلط محض أيها الإخوة.

فتتبع هذه النصوص في كلام عبد القاهر التي هي صريحة؛ يقول في الصفحة الأولى بعد الستين في السطرين الأخيرين في الفقرة الثانية بعد الخمسين: "وأنا أوضحت هذا لما شرحت هذا الموضع"، يعني هذا من الذي سبق شرحه، قال: "فصعوبة..."؛ ضيعوا هذه العبارة أو اجعلوها بين قوسين، واستلهام، هي صعوبة عرضت في المعاني من أجل الألفاظ. قال: فصعوبة... نجعل كلامنا في الفاصلة، في السجعة والقافية، لو كان ذلك يراعي فقط الألفاظ والأصوات، هل كانت ستكون صعوبة من أجل المعاني في الكلام؟ هل هذا ينسجم مع قولهم إنما أتى بذلك لأجل السجعة، أو أتى بذلك لأجل القافية، أو المفسر يقول: وإنما جاءت الآية كذلك مراعاة للفاصلة؟ إذًا الموضع الأول معك فصعوبة أنه ها قال: تُحرّق لأجل القافية، لا، لا لأجل المعنى. لأجل المعنى لا لأجل القافية.

الهواء طيب، انظر ما يقول عبد القاهر، لم يقل تُحرّق لأجل القافية، ها يقول: "لا، ثم لا يكون ذاك النبو وذاك الإنكار من أجل القافية، وأنها تفسد به"، ليس لصوت القافية، عين قاله في صفحة 61: "فصوّب ما صعب من السجع هي صعوبة عرضت في المعاني من أجل الألفاظ". انظر هؤلاء العلماء المضطردون على مبدئهم وعلمهم، وليس الذي يقفز كالقرد عند كل موضع بهواه؛ هذا مضطرد ستظهر أصوله في كل مكان. من علامة العالم أيها الإخوة العالم بحق، الاطراد، أنه مضطرد لا يتناقض، وإذا تناقض ونبه انتبه، يبحث أين الخلل، وإلا كان غشاشًا مخادعًا ولم يكن عالمًا.

طيب امرؤ القيس يقول: نظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبانٍ تُشبّ لقفّال

يا سلام، هذا من أظهر المواضع، لو قال: "والنجوم كأنها..." نظرت إليها طبعًا نظرت إليها تُشبّ لقفّال هي الضمير في إليها، وهي النار؛ كأنه قال: "نظرت إليها تُشبّ لقفّال"، ولم يقل: "نظرت إليها شُبّت لقفّال"، لماذا يا إخوة فروق الخبر؟ لماذا؟ "نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان" جملة اعتراضية "تُشبّ لقفّال". نظرت إليها تُشبّ لقفّال. تُشبّ لقفّال. الفرق ظاهر جدًا أيها الإخوة. قليل يا محمد أنا أرجو ألا يكون كلامي في فلسفة، زمام، ما تتفلسف لأنه ما فيهاش فلسفة دي، ظاهرة جدًا. القصيدة مرادها أن... هو أصلاً يعني يمثل أنه يلهو، يعارض بسباسة في ذلك، فكان "تُشبّ لقفّال" أثناء هذا التوهج، وهي متوهجة أصلاً؛ هذا دلالة على كرم أهلها، وأن الضيوف يحلون عليهم كثيرًا، فبالتالي هو تسلل إليها وبلغ إليها، ما لو قال شُبّت مثلاً، شُبّت لقفّال قد تكون شُبّت وانتهت، وليس فيه ما يناسب أصلاً غرض القصيدة أولاً، وليس فيه ما يلائم المعنى في البيت. طيب قل يا عقيل، الفرق بين تُشبّ ومُشَبّة؟

نظرت إليها والنجوم كأنها، طبعًا على أساس أن النجوم كأنها مصابيح رهبان جملة اعتراضية، تزال توقد، تزيد في، أنتم لو نظرتم إلى هذا الموضع عند امرئ القيس هو يذكر ماذا كان يحصل هنا؛ حتى تفهموا كيف يفسر، أنتم تعلمون يعني لكن أردت أن أذكركم، الشاعر هنا كان يبين أنه يفعل أي شيء وأنه يستطيع الدخول إلى حبيبته وسط قومها وهم إيقاظ. "ألا لا أحسن اللهو، ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت، وألا يحسن اللهو أمثالي؟ كذبت! لقد أُصبي على المرء عِرسُه، وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي". أنا أقول لكم انظروا يا إخوة، هذا مما جعلني يعني أنتم تعلمون طبعًا امرؤ القيس هو رمز الشعر تاريخيًا، لكن أرمز فوق الترميز، وأؤيد ابن رشيق في أن الخلافة الضئيلة في شاعرية امرئ القيس على كل الشعراء خلاف غير معتبر عند التأمل، هكذا قال في قراض الذهب. هذا الرجل عنده من الاطراد والتحكم والتمكن الشعري الشيء العجيب. هو يقول: ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي كذبت لقد أُصبي على المرء عرسه ... وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي ويا رب يوم قد لهوت وليلة ... بأنسة كأنها خط تمثالي يضيء الفراش وجهها لرجيع ... كمصباح زيت في قناديل ذُبال كأن على لباتها جمر مصطلٍ ... أصاب غضىً جزلاً وكفّاً بأجذال وهبّت له ريحٌ بُمّاثٍ ومثلك ... بيضاء العوارض طفلة

كل هذا يرد على "لا يحسن اللهو أمثاله"، ومثلك بيضاء العوارض طفلة لعوب تنسيني إذا قمت سربالي، كحقٍ في النقا يمشي... هذه كل هذه نعوت، نعوت مخفوض "ربّ"، لم يأتِ جواب ربّ، ربّ لها من مخفوض، والمخفوض هذا له النعوت، ثم يأتي جواب ربّ، ومثلك هذه "وا ربّ" أي وربّ مثلك. ومثلك بيضاء العوارض طفلة ... لعوب تنسيني إذا قمت سربالي كحق في النقا يمشي الولدان فوقه ... بما احتسب من لين مس وتسهالي إذا ما استحمت كان فضل حميمها ... على متنها كالجمال لدى الجالي لطيفة طي الكشح غير مفاضة ... إذا انفتلت مرتجة غير متفالي إذا ما ضجيع ابتزّها من ثيابها ... تميل عليه هينة غير مجبالِ تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي

"تنورتها"، يعني نظر إلى نارها. نظرت إليها إلى نارها، والنجوم كأنها مصابيح رهبان، ثم رجع إلى حال النار "تُشبّ لقفّال". نظرت إليها تُشبّ لقفّال، يعني نظرت إلى النار أولاً تُشبّ لقفّال، فيها الازداد، وأما "شُبّت" فقد شُبّت وانتهت، قد تكون خفتت قليلاً، قد تكون محدودة، لكنها ما زالت تُشبّ، هذه دلالة، دلالة ثانية، أن القوم في أفاقه وفي ذروة سهرتهم وفي ذروة سمرهم بل في أوله، أنهم يشبّون النار للقفّال، فالدنيا زحام، لهذا كله عبر بالفعل المضارع. ولذلك قلت هو ظاهر، هو ظاهر، خلاص، قال: "نظرت إليها إلى النار تُشبّ لقفّال"، تخيل المشهد، نظرت إليها تُشبّ لقفّال وما سموت إليها، يعني نظر إلى نارها تُشبّ لقفّال، ومع ذلك دخل إليها، أنا لا أحسن اللهو يا بسباسة، هذا هو.

طيب، نرجع إلى موضعنا، قال: وكذلك قوله، هذا طريف بن تميم العنبري: أوكلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليّ عريفاً

يا إخوة، لا في كل الأحوال. ما قلته صحيح يا محمد، كان يحتاج إلى طريق أقرب في التعبير؛ لأنه ظاهر. لله در بسباسه حميار! أوكلما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إلي عريفاً يتوسم، هذا من الأصمعيات لطريف بن تميم العنبري. طبعاً الشاهد أين «توسم»؟ وذلك لأن المعنى في بيت الأعشى على أن هناك موقداً يتجدد منه الإلهاب والإشعال حالاً فحالاً.

أنا سأشرح بيت الأعشى لماذا قال «في يفاع تحرق» أي تتحرق بحذف التاء تخفيفاً؛ لأن المعنى في بيت الأعشى على أن هناك موقداً يتجدد منه الإلهاب والإشعال حالاً فحالاً، شبه الذي عند امرئ القيس. طبعاً لما نتكلم عن هذا مع الناس الآن يقولون: متشددون وتشتد في النقد وخوارج النقاد، وأنتم كذا! والله هذا عبد القاهر رأس المتشددين إذاً أنتم المتسيبون يا من تريدون أن تلقوا الكلام على أي وجه كان. بل الوزن عندكم والقافية يتكلمان وليس أنتم، وليس أنتم الذي يقودكم الوزن والقافية. بئس الوزن والقافية إذا كان سيؤتى بهما كذلك. وإن النثر الجميل السلس المنسجم المتين وإن خلا من الفن، وإن تدفق ضوء في ترسل، لهو خير ألف مرة من وزن يقود المتكلم ومن قافية تحكمه.

وذلك لأن المعنى في بيت الأعشى على أن هناك موقداً يتجدد منه الإلهاب والإشعال حالاً فحالاً. وإذا قيل «متحرقة» كان المعنى أن هناك ناراً قد ثبت لها وفيها هذه الصفة، وجرى مجرى أن يقال: أضاءت نار عظيمة، بالضبط كما عند امرئ القيس «تشب القفال». وجرى مجرى أن يقال: أضاءت نار عظيمة، في أنه لا يفيد فعلاً يفعل. وكذلك الحال في قوله «بعثوا إلي عريفهم يتوسم»؛ وذلك لأن المعنى على توسم وتأمل ونظر يتجدد من عريف هناك حالاً فحالاً، وتصفح من الوجوه واحداً بعد واحد؛ لأنهم كانوا يبحثون عنه. ولو قيل بعثوا إلي عريفه متوسماً لم يفد ذلك حق الإفادة. وهنا أتذكر على العكس، على الضد، على الاسمية قول زهير بن أبي سلمى: «وفيهن مله للصديق ومنظر أنيق لعين الناظر المتوسم». جعله ناظراً متوسماً؛ لأنه لم يكن يحكي حدثاً، وإنما أثبت للناظر المتوسم عادته ذلك، وليس أنه يتوسم الآن وينظر الآن، فيفيد التجدد والحدوث. لا نحتاج هنا إلى التجدد والحدوث، وإنما نحتاج إلى الناظر دائماً الثابت له التوسم، الذي دائماً ينظر إليهم ويتوسم، وتلذ عينه وتلهو عينه بالمشهد «وفيهن مله للصديق ومنظر أنيق لعين الناظر المتوسم». كانوا يرون الجمال في الظعائن تسير في وقت الأصيل، وهذه الإبل وعليها الظعائن قد وشيت وزخرفت، وكأن دمى سقف على ظهر مرمر كسا مزبد الساج وشياً مصوراً. يصف مشهداً، الظعائن فيه مشهد رائع، رآها لوحة «كأن دمى سقف على ظهر مرمر كسا مزبد الساج وشياً مصوراً».

ثم أقول لك الجاهلية وأجل! وكذا يا أخي، ائتني الآن برجل واحد من هؤلاء يرى هذه المشاهد، يرى الجمال فيما لا تنتبه إليه. سبحان الله، صحيح يا حميري خُلقوا والذوق في آن واحد. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: 3]. لو قيل هل من خالق غير الله رازق لكم، لكان المعنى غير ما أريد.

تعالوا الآن إلى مسألة دقيقة وخطيرة، ومما توضحت أيضاً في كتاب عبد القاهر، وأنا سأذكرها لكم وأذكر موضعاً متقدماً لم نصل إليه بعد. يتكلم هنا أيها الإخوة حتى أقدم لكم بما يمهد الطريق، يتكلم عما تفهم به الفرق بين الوصف النحوي والوصف البياني. يقول: ولا ينبغي أن يغرك -يا سلام يا إمام لما تبين وتدفع الإشكال قبل حصوله؛ لأن هذا وجدته يحصل يا إخوة، تعلمون أنني أزهري ونشأت في الأزهر وفي الحلقات- طلاب العلم يستشكلون الفرق بين المعنى النحوي وبين التوصيف البياني. وسآتي الآن إلى التفصيل، يقول: ولا ينبغي أن يغرك أنا إذا تكلمنا في مسائل المبتدأ والخبر قدرنا الفعل في هذا النحو تقدير الاسم، كما نقول زيد يقوم، هذا في لغة النحاة موجود، زيد يقوم أنه في موضع زيد قائم، يعني قدرنا الفعل تقدير الاسم، زيد يقوم، زيد مبتدأ يقوم خبر جملة فعلية، طيب زيد قائم زيد مبتدأ وقائم خبر اسم. فهم يقولون زيد يقوم هو في معنى زيد قائم، فأقول لك لا يغرك؛ لا ينبغي أن يغرك أنا إذا قلنا هذا خلاص، لا يغرك أنا إذا تكلمنا في مسائل المبتدأ والخبر قدرنا الفعل في هذا النحو تقدير الاسم كما نقول في زيد يقوم أنه في موضع زيد قائم، فإن ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيهما استواءً لا يكون من بعده افتراق. يا سلام، هذا ما يقع فيه الإخوة طلاب العلم في أول أمرهم. هذه العبارة أضعها: فإن ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيهما استواءً لا يكون من بعده افتراق، أمال ماذا؟ ما الذي يحصل؟ يقول: فإنهما لو استويا هذا الاستواء لم يكن أحدهما فعلاً والآخر اسماً. يعني إذا كان هذا بمعنى هذا، فلماذا جاء ذلك فعلاً وجاء ذلك اسماً؟ بل كان ينبغي أن يكونا جميعاً فعلين أو يكونا اسمين.

هذا يا إخوة مثل أن نقول في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71] أن نقول إن «في» بمعنى «على»، فيظن البعض الاستواء بحيث لا يكون من بعده افتراق، على أي وجه؟ لو كان كذلك فلماذا قال الله تعالى «في» ولم نقل «على»؟ لو كان كذلك فلماذا جاء القرآن بـ «في» مكان «على»؟ ليس معناه التساوي، وإنما هذا أيها الإخوة شرح لأصل المعنى الحاصل وتقريب للمعنى النحوي لدفع الإشكال بالأصل، ويبقى بعدها المعنى البياني.

يقول عبد القاهر: واعلم أن ليس بالوجه أن يعد هذا على الإطلاق مما حذف منه المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، مثل قوله عز وجل ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82]، ومثل قول النابغة الجعدي كذا وقول الأعرابي كذا، وإن كنا نراهم يذكرونه حيث يذكرون حذف المضاف ويقولون إنه في تقدير، فإنما هي ذات إقبال وأدبار في قول الخنساء «ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت فإنما هي إقبال وأدبار». يشرح النحاة يقولون: إنما هي ذات إقبال وأدبار، ويذكرونه حيث يذكرون حذف المضاف ويقولون إنه في تقدير «إنما هي ذات إقبال وأدبار». ذاك لأن المضاف المحذوف من نحو الآية والبيتين في سبيل ما يحذف من اللفظ ويراد في المعنى، كمثل أن يحذف خبر المبتدأ، والخبر إذا دل الدليل عليه، إلى سائر ما حذف، إذا حذف كان في حكم المنطوق به، وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء؛ لأننا إذا جعلنا المعنى فيه كالمنى، إذا نحن قلنا فإنما هي ذات إقبال وأدبار، أفسدنا الشعر على أنفسنا وخرجنا إلى شيء مغسول وإلى كلام عامي مرذول. انتبهوا ماذا يقول عبد القاهر يا إخوة، يقول لك النحاة أحياناً يقولون لك إنما هي إقبال وأدبار، يريدون تقريب المعنى النحوي منك حتى تفهم، فيقولون أحياناً إنما هي ذات إقبال وأدبار، لا يريدون أن ذلك مقدر يعني موجود، لكن على التقدير؛ لأن هذا سيبطل الكلام ويسقطه، يريدون أن يشرحوا لك المعنى النحوي، كما في قوله تعالى ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71] أنها بمعنى «على»، ليس معناها أنها تتساوى مع «على»، ستسقط لو قلت «على» سيكون كلاماً ضعيفاً، لو قلت «على» سيكون من كلامنا كلام البشر، ولن يكون من كلام الله.

﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ و﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فرق عظيم، فرق عظيم. هو يقول إنهم يقربونه لك لا أنك تنويه مضمراً في نفسك، وأنت تقول: إياك أن تتخيله. النحاة يشرحون لك فقط، يشرحون أنما هي إقبال وأدبار يعني ذات إقبال وأدبار، لا تتخيل الإضافة في الكلام وأنت تقرؤه شعراً، أشرح لك فقط، ولا أصلبنكم في جذوع النخل أي على جذوع النخل، فقط أشرح لك أنه لن يكون حقيقة في الداخل، لا تتخيل «على» في الكلام إطلاقاً، تخيل «في جذوع النخل»، لا تستحضر «على جذوع النخل» في الكلام، هي موجودة.

يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37]. قال: فإما تفسير من يفسره على أنه بمعنى من كان له عقل، ركزوا، فإما تفسير من يفسره أنه بمعنى من كان له عقل، فإنه إنما يصح على أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة. شوف عبد القاهر معنا إزاي، عبد القاهر معانا جداً، معانا خالص، فإما تفسير من يفسره أنه بمعنى من كان له عقل، فإنه إنما يصح على أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة. فإما أن يؤخذ به على هذا الظاهر حتى كان القلب اسم للعقل كما يتوهمه الحشو؛ اسمع اسمع، يرد على المجسمة الذين أنكروا المجازات في اللغة، فإما أن يؤخذ به على هذا الظاهر حتى كان القلب اسم للعقل كما يتوهمه الحشو ومن لا يعرف مخارج الكلام، فمحال باطل، فمحال باطل؛ لأنه يؤدي إلى إبطال غرض من الآية وإلى تحريف الكلام عن صورته وإزالة المعنى عن جهته؛ وذلك أن المراد به الحث على النظر والتقريع على تركه وذم من يخل به ويغفل عنه، ولا يحصل ذلك إلا بالطريق الذي قدمته، وإلا بأن يكون قد جعل من لا يفقه بقلبه ولا ينظر ولا يتفكر كأنه ليس بذي قلب، كما يجعل كأنه جماد وكأنه ميت لا يشعر ولا يحس.

وليس سبيل من فسر القلب ها هنا على العقل إلا سبيل من فسر عليه العين والسمع في قول الناس هذا بين لمن كانت له عين ولمن كان له سمع، وفسر العمى والصمم والموت في صفة من يوصف بالجهالة على مجرد الجهل، وأجرى جميع ذلك على الظاهر. فاعرفه. ومن عادة قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم أن يوهموا أبداً أن الألفاظ الموضوعة على المجاز والتمثيل أنها على ظواهرها، فيفسد المعنى بذلك ويبدل الغرض ويبطل الغرض، ويمنع أنفسهم والسامع منهم العلم بموضع البلاغة وبمكان الشرف، وناهيك بهم إذا هم أخذوا في ذكر الوجوه وجعلوا يكثرون في غير طائل، هناك ترى ما شئت من باب الجهل قد فتحوه، وزند ضلالة قد قدحوا به، ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق.

تكلم على الذين يحملون الألفاظ الموضوعة على المجاز والتمثيل على حقائقها، فـ «من كان له قلب» يعني عقلاً، هو قلب العمى والبصر، العين والسمع، وفسر العمى والبصر في صفة من يوصف بالجهل على مجرد.. كل هؤلاء قال: وأجرى جميع ذلك على الظاهر. يتكلم عن هؤلاء الذين وصفهم بالحشو، كما يتوهمه الحشو؛ الحشو صغار الناس وأرذلهم، حط منهم حطاً شديداً. فالإنكار المجاز ليس قولاً يساغ أو يعتبر ويؤخذ به، هذا قول ضال، وأعجبني في عبد القاهر أنه لم يدخل إليه من طريق كلامية، وإنما دخل إليه من طريق بيانية، ليقول إن البيان يسقط، وناهيك بذلك حجة على بطلان هؤلاء أو صنيع هؤلاء.

فالاستعمال النحوي أيها الإخوة هو تقريبي لشرح جمل المعاني وبيان أصلها، وليس لرصد الفروق التي تراعى في الكشف عن مراتب البيان. نتوقف هنا، وشكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.