بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، هذا هو لقاؤنا الثاني بعد العشرين من لقاءاتنا المباركة إن شاء الله تعالى في شرح كتاب دلائل الإعجاز للشيخ الإمام أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه وكتبه، آمين.
قبل أن نبدأ أيها الإخوة، وقبل أن نصل حديثنا في هذا اللقاء بحديثنا في اللقاء السابق، كنت أفكر في أمر ومفتاح حول التمييز بين أصل المعنى والمعنى الفني؛ لأنني أشعر بوجود بعض الحيرة، أو أتنبأ بوجود بعض الحيرة أو بعض التداخل بين وجوه المعاني الأصلية والفنية عند بعضكم على الأقل. لأنه باستقراء أو بتذكر أو بتتبع ما كنت فيه قبل سنين حين بدأت في إعراب نظرية البيان والنظم، كانت هناك شبهة ومشكلة ربما تدور الآن في عقول بعضكم، أو في عقول من سيستمع إلى هذه المجالس.
حين قال عبد القاهر في قول الشاعر: «ولكن الرماح أجرّتني»، شرح عبد القاهر أصل المعنى وقال: ولكن الرماح أجرّتني فحذف المفعول، فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت، ولكن الرماح أجرّتني. تقدير الكلام: ولكن الرماح أجرّتني؛ ولو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت، ولكن الرماح أجرّتني؛ يعني يؤول إلى أنها أجرّت لساني، شقّت لساني، قطعت لساني. وهذا طبعاً مجاز أو استعارة وتمثيل عن ماذا؟ عن الحبس، عن حبسه عن الذكر والفخر وكذا وكذا.
المهم، فعبد القاهر شرح أصل المعنى وقال: أجرّت فعل متعدٍّ يحتاج إلى مفعول، هذا المفعول تقديره أجرّتني، وحُذف المفعول لغاية بيانية. وشرح عبد القاهر المعنى الفني وقال في موقعه: تركها -حذف المفعول- لماذا؟ لأن المعنى: ولكن الرماح أجرّت أي شاعر أو أي لسان أو أي كذا إذا كان في موقعي وفعل قومه معه ما فعل قومي.
فربما تقول في نفسك، ولو أن أحدكم قال في نفسه هذا أو مرت عليه لحظة هذه الحيرة فليقل: ربما تقول في نفسك هذان معنيان مختلفان تماماً، وقد عبر عنهما عبد القاهر بتعبير نثري؛ لماذا لا يكونان إذاً معنيين أصليين؟ يعني أنا لماذا قدّرت: ولكن الرماح أجرّتني؟ لماذا لا أقدّر: ولكن الرماح أجرّت كل شاعر كان في مكانه؟ لا سيما وأن عبد القاهر صار من شدة شرحه للمعنى الفني كأنه يشرح المعنى الأصلي الصريح؛ من شدة وضوح المعنى الأصلي عنده، حتى يستعمل كلمة: "دلّ على كذا"، و"صار الشاعر يريد كذا"، و"صار مع الكلام كذا"، وكأنه يتكلم عن العبارات الأصلية.
فربما تقول: هذان معنيان وقد عبّر عنهما عبد القاهر بتعبير نثري، فهما إذاً معنيان أصليان؛ فما الذي جعل أحدهما هو الأصلي والآخر هو الفني؟ هل مرّ على ذهن أحدكم شيء من هذا ونحن في معمّعة «ولكن الرماح أجرّتني»؟
أقول: ما الذي جعلني سأعطيكم مفتاحاً في هذا؟ ما الذي جعل أحدهما فنياً وجعل الآخر أصلياً؟ لما -أو السؤال بطريقة أخرى- لماذا لا يدلّ عليهما النص أصالة ليكون أصل معنى؟ يعني لماذا لا يكون: ولكن الرماح أجرّت كل شاعر كان في هذا الموقف، وحُذف لأجلها المفعول كما نصَّ عبد القاهر، لماذا لا يكون ذلك معنى أصلياً؟
سأعطيك مفتاحاً لا يخطئ إن شاء الله إذا استعملته في مثل هذه المواضع، يعني إذا وُفِّقت إليه في مثل هذه المواضع، لا يخطئ في مثل هذا الباب، باب الحذف مثلاً. أعطيك مفتاحاً إن شاء الله لا يخطئ تدرك فيه أن المعنى الثاني، وإن شرحه عبد القاهر، فهو مجرد شرح للمعنى الفني، ويظل إشارياً فنياً ويظل وحياً. هذا مفتاح تفرّق به بين أصل المعنى والمعنى الشعري، هذا المفتاح هو الإعراب.
تعالوا، فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت، ولكن الرماح أجرّتني. إذا أردنا أن نعرب ماذا سنقول؟ سنقول: أجرّت فعل ماضٍ والمفعول محذوف مقدّر تقديره أجرّتني. نقول: أجرّني والمفعول محذوف، وعادة النحاة يقولون: حُذف للعلم به، نعم، أجرّتني، يعني أجرّت -طبعاً الفاعل هو الضمير الموجود الذي يُقدّر به هي، وهذه التاء هي تاء التأنيث التي تدل على أن الفعل وقع من أنثى، وحقيقة الضمير هنا أنه متصل- والمفعول محذوف.
النحاة عادة لا يعبّرون عن علة الحذف بالعلة البيانية، عادة لا يذكرون العلة البيانية للحذف، وإنما يذكرون ما سمح بالحذف، فيقولون: حُذف للعلم به. العلم به شرط، يعني مثلاً في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، النحوي يقول: بُني الفعل لما لم يُسمَّ فاعله للعلم به. لا، هو العلم به شرط لبنائه لما لم يُسمَّ فاعله، العلم به شرط، هذه قاعدة في الجميع، ألا يحصل اللبس. هذه قاعدة في العربية كلها، في كل الكلام وغير العربية، أي حذف شرطه ألا يحصل اللبس، أن يُؤمن اللبس. وحتى يُؤمن اللبس هنا لابد وأن يكون معلوماً، هذا المحذوف يسهل العلم به في سياق الكلام، فهذا شرط.
افهم هذا جيداً، هذا شرط للحذف، أما لماذا اخترت الحذف أو لماذا اخترت بناء الفعل لما لم يُسمَّ فاعله، فهذا شيء آخر؛ العلة هنا بيانية، ليست من شغل النحاة، ليست من عمل النحاة، وإنما من عمل البلاغي أو البياني والمحلل للشعر أو للنص وللمفسرين، كذلك.
نعم، قال: «ولكن الرماح أجرّت»، أجرّت مَن؟ أجرّتني. إذاً أنت هنا إذا أظهرت المحذوف قدّرته على أصل المعنى؛ هذا هو المفتاح. أما عموم الدلالة في القطع والجر، عموم الدلالة في الإجرار هذه التي شرحها عبد القاهر، فهذا ليس مأخوذاً من الإعراب، بل هو مأخوذ من وحي الحذف. يا سلام! مأخوذ من وحي الحذف، من وحي الحذف.
رأيت؟ من وحي الحذف مرة أخرى؛ إذا أظهرت المحذوف المقدر ستقدر على أصل المعنى، هذا هو المفتاح. أما ما تشعر به من عموم الدلالة في الإجرار على المعنى الذي شرحه عبد القاهر، فهذا ليس مأخوذاً من تقدير المحذوف، مأخوذ من شيء آخر، من نفس الحذف؛ وكأن الحذف كان حيلة للإشارة إلى هذا. فهمتم؟ هذا من وحي الكلام، من وحي الحذف، وكأن الحذف كان حيلة في ماذا؟ كان حيلة لأجل هذا الوحي.
أما إذا قدّرت الكلام وأخرجته من اختصاره ستقول: ولكن الرماح أجرّتني، وانتهينا، فهناك أصل المعنى؛ فالتقدير أجرّتني لتصحيح المعنى، وهذا مفهوم وركن في الشعر. ركن خلاص، ركن على جنب. أما المعنى الذي شعر به لما حذف وقدر فهو أنها أجرّت كل شاعر كان في مكانه، وحصل معه من قومه ما حصل معه من قومه.
فسياق محض المعنى في التركيب يطلب تصحيح أصل المعنى، سياق محض المعنى في التركيب يطلب تصحيح أصل المعنى، سياق محض المعنى يطلب المعنى الأصلي لا الفني؛ هذا مفتاح لا يخطئ إن شاء الله تعالى. انظروا مثلاً إلى قول امرئ القيس: "يضيء الفراش وجهها". والتقديم والتأخير لا يعني -إذا أعربت- ستقول: هذا المفعول وهذا الفاعل، ستقول: يضيء فعل، الفراش مفعول مقدّم، وجهها فاعل مؤخّر، ستقول فقط مقدّم مؤخّر لأجل التنبيه ليس أكثر.
لكن صفة الإعراب، يعني لو فقط اكتفيت بهذا وقلت: يضيء فعل، الفراش مفعول، وأنت تخاطب من يفهم جواز التقديم والتأخير في النحو، وجهها فاعل، هل سيكون قد أخطأ الإعراب؟ هل وقع خطأ في الإعراب؟ هم ينبهون على التقديم والتأخير مع أن العلامة تبين التقديم والتأخير، يعني لو قلت: يضيء فاعل، الفراش مفعول، وجهها فاعل، يضيء فعل، الفراش مفعول، وجهها فاعل، لم يخطئك أحد؛ لأن الحركة تغني، والحركة تغني، ومعلوم جواز التقديم والتأخير هنا، لا تحتاج إلى أن أقول: هذا كذا مقدّم، هذا كذا مؤخّر؛ لأن الحركة ظاهرة تبين أن هذا قُدِّم وهذا أُخِّر، وأن الأصل: يضيء وجهها الفراش، ثم قلت: يضيء الفراش وجهها. تغيّر الإعراب؟ تغيّرت صفة الإعراب؟ لم يتغير شيء، لم يتغير شيء.
نعم، نكمل بعد الأذان إن شاء الله.
نرجع، انظر مثلاً إلى الحذف الذي وقع في قول امرئ القيس: "ليالي يا سلمى إذ تريك منصباً، وجيداً كجيد الرئم ليس بمعطّر". مرَّ معنى الحذف هنا، الحذف يعني عرجنا عليه نوع تعريج، لم نقف عنده طويلاً، لم يقف حتى عنده عبد القاهر طويلاً، وإنما ذكر الحذف الذي يكون في أول ذكر الديار وكذا؛ خلاص "ديار لسلمى"، أي هذه ديار لسلمى. وذكر أيضاً حذف الفعل وإبقاء المعمول، فذكرت مثالاً لذلك: "ليالي يا سلمى".
أنت إذا أردت أن تقدّر الكلام بالإعراب، إذا أردت أن تُظهر الإعراب ماذا ستقول؟ ستقول: أذكر ليالي سلمى. هل هذا هو المعنى الفني الذي حصل بالحذف؟ أذكر ليالي يا سلمى إذ تريك منصباً؟ لا.
ولكن إجراء الحذف هو الذي أوحى بهذا المعنى؛ يعني إذا أراد أن يقول -إذا قال لك نحوي: أعرب هذا- فقلت له: الشاعر أراد أن يواجه ذكر سلمى ولياليها، وأن يبين أنه ما أراد كذا، فحذف لك هذا كله؛ لا، ليس هذا أصل المعنى، لماذا؟ لأن الإعراب يكشف أصل المعنى.
بقي شيء، وهو أن الإعراب أو التعليقة النحوية هو الصور والكيفيات التي تؤول إلى النص العالي؛ أنت تختار صوراً من النحو، أما إعراب التصحيح وإعطاء الصفات الإعرابية ليس هو الذي يظهر به أو يكشف به عن المعنى، وإنما الإجراء، وليس وجه الإعراب.
الإجراء، مثلاً كما رأينا عبد القاهر يقول في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: 100]، أصله: وجعلوا الجن شركاء لله، هل تغير الوصف الإعرابي؟ لا. هل أخذنا اللفتة الفنية والبلاغية من الوصف الإعرابي لكل لفظة؟ لا، وإنما من الهيئة التي أتى عليها الكلام، مما حصل فيه من تقديم وتأخير، وليس من وجوه الإعراب في ذاتها التي تتفق على كل أحوالها، ويبين لك فقط ما حصل من تقديم وتأخير. ففرّق بين إجراء النظم وبين الصفة الإعرابية التي الغاية منها الحفاظ على صحة المعاني، فهذا مفتاح لا يخطئ إن شاء الله تعالى.
ولكن الرماح أجرّتني، هذا الأصل غير مراد؛ لأنه يصحح أصل المعنى، وإنما الذي أوحى إليّ، وكان وحي الكلام بهذا الحذف هو: ولكن الرماح أجرّت أي شاعر حصل منه كذا وكذا. فهناك جسم الكلام وجسم أصل المعنى، وهناك الوحي، وهو المرتبة أو الرتبة الفنية من الكلام.
ونرجع إلى سياقنا أيها الإخوة، انتهينا أيها الإخوة إلى الفقرة السبعين بعد الثلاثمائة في الصفحة السابعة بعد السبعين ومائة، حين تكلمنا عن التفريق بين الوصف النحوي والوصف البياني، وقلنا إن الاستعمال النحوي تقريبي لشرح جمل المعاني، وشرح أصلها، وليس لقصد الفروق التي تراعى في الكشف عن مراتب البيان.
قلنا الاستعمال النحوي هو تقريبي لشرح جملة المعنى، ولشرح أصل المعنى، وليس لرصد الفروق التي تراعى في الكشف عن مراتب البيان، ونقلنا إلى الفقرة التاسعة بعد الثلاثمائة والفقرة الستين بعد الثلاثمائة، وأوقفت على هذا المعنى الذي دار حوله عبد القاهر، ويمكن أن يُراجع الكلام في ذلك. وأن قول كذا وكذا لا يقصدون منه أن هذا هو المراد في عين النص البليغ، وإنما يصححون جملة المعنى، يعني الوجه الذي يصح به المعنى.
ولهذا احتاج النحاة إلى أن يقولوا في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71] على؛ حتى لا تستشكل الكلام: كيف في جذوع النخل؟ فيحطّون؛ حتى لا تفهم "في" أولاً، لا تستشكل تقول: كيف في الجذوع وهل تسعهم؟ أو يظن أنها تفتح أو كذا، قالوا لك: "في" هنا بمعنى "على". أما لماذا استعمل "في" مكان "على" مع أن المعنى هو "على"، وجاء الحرف مجازاً عن الحرف؟ فهذا باب آخر يتناوله البياني ولا يتناوله النحوي من حيث كونه نحوياً.
قال: ولا ينبغي أن يغرك أنا إذا تكلمنا في مسائل المبتدأ والخبر قدّرنا الفعل في هذا النحو، تقدير الاسم، كما نقول في "زيد يقوم"، طبعاً زيد مبتدأ، يقوم خبر، ولكنه على هيئة الجملة الفعلية، أنه في موضع "زيد قائم"؛ زيد مبتدأ، قائم خبر اسم. يقولون: إن "زيد يقوم" في معنى أو في موضع "زيد قائم".
فإن ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيهما استواء لا يكون من بعده افتراق. يقول النحاة: إن هذا لشرح جملة المعنى، لتفهم أن هذه الجملة الفعلية تقوم على بعضها في جملتها في مقام قائم في الإعراب، حتى تفهم الأمر فقط، لكن لا يقتضي كما يقول: فإن ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيهما استواء لا يكون من بعده افتراق؛ فإنهما لو استويا هذا الاستواء، لم يكن أحدهما فعلاً والآخر اسماً، بل كان ينبغي أن يكونا جميعاً فعلين أو يكونا اسمين. لماذا غيروا؟ لماذا جيء بـ (في) مكان (على) في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71]؟ لماذا (في) بمعنى (على)؟ لماذا لم تأتِ (على)؟ لماذا جيء بـ (في) مكان (على)؟ هذه حكمة، ولو كان الحرفان (في) و(على) يتطابقان من كل وجه، لجيء بالأصل في (في) أو (على) وانتهينا، جيء بأحدهما على كل وجه، لكن انتقلنا من حرف إلى حرف، انتقلنا من فعل إلى اسم، ومن اسم إلى فعل، إذاً هناك علة، كل حركة لا بد لها من علة.
ومن فروق الإثبات، يعني الخبر، إثبات الخبر، ومن فروق الإثبات أنك تقول: زيد منطلق، وزيد المنطلق، والمنطلق زيد. انظر يا إخوة، انظروا، هذه ثلاثة وجوه، هذه ثلاثة أحوال: زيد منطلق، زيد المنطلق، المنطلق زيد؛ فيكون لك في كل واحد من هذه الأحوال غرض خاص وفائدة لا تكون في الباقي. وأنا أفسر لك ذلك، القاعدة التي أطنب عبد القاهر في إثباتها: كل تغيير لا بد له من علة. وقولك: زيد منطلق له غرض، وزيد المنطلق له غرض، والمنطلق زيد له غرض. الثلاثة تتقاطع العبارات الثلاث، تتقاطع في معنى واحد: إثبات الانطلاق لزيد، لكن لكل واحد كيفية قضت له بموقع في الكلام.
قال: وأنا أفسر لك ذلك، اعلم أنك إذا قلت: زيد منطلق -وهي المثال الأول- كان كلامك مع من لم يعلم أن انطلاقاً كان، لا من زيد ولا من عمرو، فأنت تفيده ذلك ابتداءً، يعني تخبره، هو رجل خال الذهن كما يسمى، لا يعرف ولا يعلم شيئاً، يشك فيه أو يدرك شيئاً نوع إدراك يشك فيه، ولا يعلم خلاف ما تعلم أنت، فتؤكد له ما عندك لا شيء من ذلك ابتداءً، هو خال الذهن: زيد منطلق.
وإذا قلت: زيد المنطلق، كان كلامك مع من عرف أن انطلاقاً كان، إما من زيد وإما من عمرو، فأنت تعلمه أنه كان من زيد دون غيره. وأنبه أيها الإخوة أنه سيطيل في هذا المثال وسيفرع عنه طويلاً، ثم سيعود إليه في الصفحة؛ افتحوا معي، تقدموا في الكتاب إلى الصفحة السادسة بعد المئتين، إلى الفقرة الخامسة بعد المئتين، لما قال: واما قولنا: المنطلق زيد، انظر، كل ما بين ذلك يفرع فيه؛ زيد منطلق، يعني من السطر الثالث من الفقرة الثانية بعد المئتين كله في المثال الثاني الذي ذكره في الفقرة الأولى بعد المئتين، وهو زيد المنطلق، سيستوفيه في هذه الصفحات من الصفحة السابعة بعد المئتين إلى الصفحة الخامسة بعد المئتين، ثم في الصفحة السادسة بعد المئتين يقول: وأما قولنا المنطلق زيد. رأيتم فهو أطال جداً ولم ينقطع ذهنه ولم ينسَ؛ فالنسيان يحصل هناك مصنفات لأئمة كبار تحصل فيها الغفلة، إذا كان الحجاج اختلط عليه الإعراب في القرآن لما طال عليه الكلام، رأيتم وهو الخطيب المصقع.
قال: وإذا قلت: زيد المنطلق، كان كلامك مع من عرف أن انطلاقاً كان، إما من زيد وإما من عمرو، فأنت تعلمه أنه كان من زيد دون غيره. هذه الصورة الأولى من تعريف الخبر، زيد المنطلق، نتكلم الآن عن تعريف الخبر، التعريف والتنكير في الإثبات. أنت الآن انتهيت من التنكير؛ زيد منطلق، انتهينا، شخص خال الذهن تخبره ابتداءً: زيد منطلق، عرفت هذا التعريف؛ لماذا عرفت أول شيء؟ أن تكون عرفت أن انطلاقاً كان، لكن من هو المنطلق؟ لا ندري، فتقول: زيد المنطلق. قال: والنكتة أنك تثبت فعلاً لم يعلم السامع من أصله أنه كان، وتثبت في الثاني الذي هو زيد المنطلق فعلاً قد علم السامع أنه كان ولكنه لم يعلمه لزيد فأفدته ذلك، يعني أنه لزيد، فقد وافق الأول في المعنى الذي له كان الخبر خبراً، وهو إثبات المعنى للشيء، يعني كون زيد منطلقاً أيها الإخوة هو محصول العبارتين وهو أصل المعنى. طيب، هذه اللمحة التي تعني هو المنطلق لا غيره، هذا الاختلاف في الكيفية تابع الغرض وهو الذي زاد شيئاً على الكلام، زاد شيئاً على الكلام، هل تعارض مع الأول؟ لم يتعارض معه لكن زاد عليه، التحويل من نكرة إلى معرفة جعلني أبحث عن علة لكونك جعلته معرفة، أبحث عن علة للتعريف، لماذا عرفت؟ هناك علة، كما التأكيد، جاء أخوك من السفر، والله لقد جاء أخوك، الثانية تقولها لشخص آخر له حال أخرى.
حتى قالوا إن كل الأحاديث التي تبدأ بـ (إن)، حديث النبي ﷺ، إن الأحاديث التي تبدأ بـ (إن) جاءت على خلاف الظاهر، وجاءت بليغة بوجود (إن)، وجاءت تفيد توكيد المعنى المستغرب. لماذا؟ قالوا لأن كل من يخاطبهم النبي ﷺ ممن حوله يتلقون منه، ويصدقونه ويأخذون منه التشريع عن الله تعالى، فلا يحتاج إلى توكيد، لأن التكذيب غير وارد، ولأن رد الكلام غير وارد. إذاً كيف نصرف (إن) المؤكدة في أول الكلام؟ قال البلاغيون هنا إن ذلك مما وافق مقتضى الحال وخالف مقتضى الظاهر؛ مقتضى الظاهر لا يحتاج إليها، (إن في الجنة كذا) خلاص، لو بدأ النبي ﷺ وقال (في الجنة كذا) مصدق وانتهى، لكن (إن في الجنة كذا)، لماذا؟ ينصرف هذا إلى غرابة الموضوع، وكأنه مما شأنه ألا يصدق، فهذه (إن) التوكيدية في الأول هي من بلاغة كلام النبي ﷺ أو من بلاغة الحديث النبوي، فهذا قدر زائد في الكلام.
قال: فقد وافق الأول في المعنى الذي له كان الخبر خبراً، وهو إثبات المعنى للشيء، وليس يقدح في ذلك أنك كنت قد علمت أن انطلاقاً كان من أحد الرجلين، يعني هذا الإسناد (زيد المنطلق) لا يقدح في هذا الإسناد وهذا الخبر أنك تعلم أن انطلاقاً وقع، لماذا؟ قال: لأنك إذا لم تصل إلى القطع على أنه كان من زيد دون عمرو، كان حالك في الحاجة إلى من يثبته لزيد كحالك إذا لم تعلم أنه كان من أصله، طبعاً هنا أنبه هذه الواو (وكان) هذه الواو زائدة لا يستقيم معها الكلام وهي مثبتة في النسخة القديمة التي ننقل منها، نسخة الشيخ المراغي، وليست موجودة في نسخة الدكتور محمد إبراهيم شادي، فهذه الواو زائدة، ولعلها تكرار لواو (عمرو) بالخطأ من صف الكتاب، والله تعالى أعلم. قال: وليس يقدح في ذلك أنك كنت قد علمت أن انطلاقاً كان من أحد الرجلين؛ لأنك إذا لم تصل إلى القطع على أنه كان من زيد دون عمرو، كان حالك في الحاجة إلى من يثبته لزيد كحالك إذا لم تعلم أنه كان من أصله، يعني لا فرق في الحاجة إلى الإسناد بين من علم وقوع الفعل مفرداً وجهل فاعله وبين من لم يعلم وقوعه أصلاً، الإسناد مفيد في الحالين، لأن علمك بالفعل دون إسناده إلى أحد بالنظر إلى الجملة والخبر لا يعتبر هذا علماً بمعنى المفرد، فأنت تعلم فعلاً ولا فاعلاً مثله، إلا أن تعلم الفعل ولا تعلم الفاعل، نعم، لأن الذي حصل هو إسناد وهو إفادة جديدة في الحالين.
قال: وتمام التحقيق أن هذا الكلام يكون معك إذا كنت قد بلغت أنه كان من إنسان انطلاق من موضع كذا في وقت كذا لغرض كذا، فجوّزت أن يكون ذلك كان من زيد، جوّزت فقط أن يكون ذلك كان من زيد، فإذا قيل لك: زيد المنطلق، صار الذي كان معلوماً على جهة الجواز معلوماً على جهة الوجوب. ثم إنهم إذا أرادوا تأكيد هذا الوجوب أدخلوا الضمير المسمى فصلاً بين الجزئين فقالوا: زيد هو المنطلق.
ومن الفرق بين المسألتين، يعني بين تعريف الخبر وتنكيره، وهو مما تمس الحاجة إلى معرفته، أنك إذا نكرت الخبر جاز أن تأتي بمبتدأ ثانٍ على أن تشركه بحرف العطف في المعنى الذي أخبرت به عن الأول، وإذا عرفت لم يجز ذلك؛ تفسير هذا أنك تقول: زيد منطلق وعمرو، لا إشكال، تريد وعمر منطلق أيضاً، ولا تقول: زيد المنطلق وعمرو، لماذا؟ قال ذلك لأن المعنى مع التعريف على أنك أردت أن تثبت انطلاقاً مخصوصاً قد كان من واحد، التعريف (المنطلق) أنت خلاص حصرت الانطلاق في فلان الذي أسند إليه الكلام، قال ذلك لأن المعنى مع التعريف على أنك أردت أن تثبت انطلاقاً مخصوصاً قد كان من واحد، فإذا أثبته لزيد لم يصح إثباته لعمرو، خلاص، كما لو قلت: زيد هو المنطلق وعمر، كيف يعني زيد هو المنطلق وعمر؟ هذا كلام باطل، هذا لغو غلط أصلاً.
قال: ثم إن كان قد كان ذلك الانطلاق من اثنين -يعني هو هنا كأنه يجيب على سؤال، تقدير هذا السؤال: ماذا لو أردت أن أثبت هذا الانطلاق المخصوص لهما جميعاً؟- يعني هو انطلاق مخصوص وقع من اثنين، اه، ينبغي أن تأتي بالاثنين قبل التخصيص، حتى إذا جاء التخصيص، إذا جاء الحصر وقع فيهما جميعاً، قال: ثم إن كان قد كان ذلك الانطلاق من اثنين -يعني القصة التي وقعت أنه وقع انطلاق من اثنين، والسؤال عن انطلاق وقع من اثنين- فينبغي أن تجاور بين الاثنين وألا تعطف بعد تمام الكلام، لأنك ستوهم أنه كان من واحد، ثم إن كان قد كان ذلك الانطلاق من اثنين فإنه ينبغي أن تجمع بينهما في الخبر فتقول: زيد وعمر هما المنطلق، لا أن تفرق فتثبت أولاً لزيد ثم تجيء فتثبت لعمرو، يعني لا تعطف على المبتدأ بعد الإخبار، وهذا واضح لأن هذه الصيغة ستقضي بماذا؟ تقضي بانحصار الخبر في المبتدأ الذي ذكر في مكانه مقدماً ثم عطفت عليه، لا يصح بعد العطف لأن الكلام قُطع عما بعده.
ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا: هو القائل بيت كذا، هو يمثل لك بشيء لا يتحمل؛ لأن الذي يقول البيت شخص واحد، ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا: والله عارف أن بعضكم جاء في رأسه لأن التملي، وواحد شطر، وواحد شطر، عارف متوقع بدون أن تقوله، هو العقل لازم يزر على نفسه صح، ولابد يحذر على نفسه ويفز على نفسه، وفعلت ذلك، فماذا لو مع أنك تعلم ما يقصده الرجل، ويصح على الغالب والعادة، وأنه لو جاز أن يقوله اثنان لقلت: هما القائل بيت كذا، عادي. طيب، قال: ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا: هو القائل بيت كذا، كقولك: جرير هو القائل: وليس لسيفي في العظام بقية. فأنت لو حاولت أن تشرك في هذا الخبر غيره فتقول: جرير هو القائل هذا البيت وفلان، حاولت محالاً، لأنه قول بعينه، فلا يتصور أن يشرك جريراً فيه غيره.
ينتقل الآن وهو مازال، تذكروا هذا، مازال تحت (زيد المنطلق)، يذكر وجوهاً أخرى في تعريف الخبر بالألف واللام، غير هذا الذي ذكر، يقول: واعلم أنك تجد الألف واللام في الخبر على معنى الجنس، ثم ترى له في ذلك وجوهاً، واعلم أنك تجد الألف واللام في الخبر على معنى الجنس ثم ترى له في ذلك وجوهاً، أحدها أن تقصر جنس المعنى على المخبر عنه لقصد المبالغة، تعرفون قول أبي العلاء المعري: إنما أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري، أو قل: والبحتري الشاعر، فلان الشاعر، التوجهات المعاصرة الحرفية التي أحدثت ضعفاً عقلياً يصل إلى مرحلة التخلف عند كثير من الشباب جعلت البعض يراسلني حول هذه الكلمة، ويراسلني بمعنى يعني كأنه يرى ظاهرها، وجعلت البعض يستشهد بها إذا كان له موقف أو لا يعجبه شعر أبي تمام أو شعر.
المتنبي يقول: هما حكيمان ليس بشاعر، والبحتري الشاعر، وأبو تمام الحكيم، والبحتري الشاعر، هو الشاعر أو الشاعر البحتري إذاً هو الشاعر. ففيما كان كتاب الموازنة، فيحسب أن هذه الصيغة بحرفيتها تنفي الشاعرية عن أبي تمام والبحتري والمتنبي. هذا أسلوب أيها الإخوة، إذا دخلت الألف واللام في تعريف الخبر، فالجنس هنا لقصد المبالغة، لا لنفي الصفة.
تعال وانظر، يقول: أحدها أن تقصر جنس المعنى على المخبر عنه لقصدك المبالغة، وذلك قولك: زيد هو الجواد وعمرو هو الشجاع؛ تريد أنه الكامل، لا أنك تخرج الكلام في صورة توهم أن الجود أو الشجاعة لم توجد إلا فيه. وذلك لأنك لم تعتد بما كان من غيره لقصوره عن أن يبلغ الكمال، فهذا كالأول في امتناع العطف عليه؛ فلو قلت: زيد هو الجواد وعمرو كان خلفاً من القول لا يصح.
إذاً الوجه الأول تدخل الألف واللام على الخبر فتعرفه، والغرض من ذلك المبالغة لا أكثر. لا أن تنفي الصفة عن غيره ولا حتى في النص الأدبي؛ يعني أنت تقول: هو الجواد، هو الشجاع، هو الشاعر، البحتري هو الشاعر؛ يعني هو الشاعر الكامل، فأنت بذلك أيضاً تثبت الصفة لغيره ولكن على وجه أقل، على ادعاء أن الكمال وقع في فلان، فأوحي بأنك لا تعتبر إلا بالكمال وأنك تلغي غيره، لا أنك تنفي الصفة عنه.
الوجه الثاني فيه هذا النفي، ولكن هذا النفي سيوجد عليه دليل، أو سيحتاج إلى علة ودليل. قال: والوجه الثاني أن تقصر جنس المعنى الذي تفيده بالخبر على المخبر عنه، لا على معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده في غير المخبر عنه كما في الوجه الأول، بل على دعوى أنه لا يوجد إلا منه، ثم يقول اسمع وركز: ولا يكون ذلك إلا إذا قيدت المعنى بشيء يخصصه ويجعله في حكم نوع برأسه.
لماذا أيها الإخوة؟ من يعرف لماذا هنا احتاج لتخصيص؟ قل يا محمد. مولانا، لأنه كما قال قبل قليل، المعنى العام الذي يكون في طبيعته عاماً لا يتصور أو لا يصح أن يتصور أنه مخصص لشخص بعينه؛ فإذا أراد تخصيص هذا المعنى العام، لا بد أن يأتي بشيء يجعله يرتبط بالشخص الذي خُصص له.
أحسنت، يعني لو قال: البحتري هو الشاعر؛ هناك رتبة من الكلام يقبلها المنطق، وهي أن تقول: فلان هو الشاعر، يعني الكامل؛ لا نستطيع أن نفهم من ذلك أنك تقول هو الذي يقول الشعر فقط، وأن تجعل غيره في منزلة غير الشعراء أصلاً، أو ليسوا شعراء أصلاً، لا، تحتاج إلى تقييد، إلى تخصيص، إلى شيء زائد؛ لأنه دون التقييد سيفسر على أنه لقصد المبالغة، لأن المنطق يأبى أن تنفي الصفة عن الآخرين، وعندك رتبة من الكلام مقبولة وهي الكمال؛ فأنت حتى تنفيها تحتاج إلى أن تنتقل كما تنتقل إلى رتبة أخرى، لا تكتفي بالمبالغة، وإنما تنتقل إلى النفي بالكلية، تحتاج أيضاً أن تبذل شيئاً من عندك، وهو أن تنتقل من مجرد الصفة إلى شيء من قيدها وتخصيصها.
قال: ولا يكون ذلك إلا إذا قيدت المعنى بشيء يخصصه ويجعله في حكم نوع برأسه، وذلك كنحو أن يقيد بالحال والوقت، كقولك: هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيراً. هو الوفي متى؟ حين لا تظن نفس بنفس خيراً. طب لو قلت: هو الوفي فقط دون التقييد، يعني هو الوفي الكامل، ولا تنفي الوفاء عن غيره وبالغت وادعيت له الكمال؛ لكن هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيراً؛ يعني هو الوفي لا غيره. وهكذا إذا كان الخبر بمعنى يتعدى ثم اشتريت له مفعولاً مخصوصاً؛ كقول الأعشى: هو الواهب المئة المصطفاة إما مخاضاً وإما عشاراً. وبيت النابغة الذبياني، بل لعله أصل هذا البيت، بل هويت هو أصل بيت الأعشى: الواهب المئة المكاء، أي هو الواهب المئة المعكازين سعدان توضح في أو بارها اللبد.
قال: فأنت تجعل الوفاء في الوقت الذي لا يفي فيه أحد نوعاً خاصاً من الوفاء، وكذلك تجعل هبة المئة من الإبل نوعاً خاصاً، وكذا الباقي، ثم إنك تجعل كل هذا خبراً على معنى الاختصاص، وأنه للمذكور دون من عداه؛ هنا لأجل التخصيص والتقييد جاز لك أن تنفيه عمن عداه، لكن لو لم تخصص أو لو لم تقيد لم تزد شيئاً، المنطق يرفض ذلك وسيقبل في رتبة الكمال فقط.
قال: ألا ترى أن المعنى في بيت الأعشى أنه لا يهب هذه الهبة إلا الممدوح. وربما ظن الظان، هنا ينبه يا إخوة، بسبب كلمة مخصوصة، بسبب التخصيص، أنت في الانطلاق علمت انطلاقاً معيناً وقع، صح؟ زيد المنطلق، أو هو المنطلق إذا أردت التأكيد، فأنت علمت انطلاقاً وقع، وهنا أنت تصف هبة مخصوصة؛ فينبهك إلى خطأ قد يقع، وهو أن تخلط بين هذا الوجه الثاني والوجه الأول، أو أول ما ذكره في الباب، وهو زيد المنطلق الذي هو رأس الباب.
السؤال يا إخوة، لماذا لا يشتبه الوجه الأول الذي على المبالغة بالوجه الثاني؟ لماذا، من يعرف؟ لماذا اشتبه بالوجه الثاني دون الوجه الأول؟ قل يا محمد، مولانا لأن الوجه الذي على المبالغة ليس تخصيصاً أصلاً. أحسنت، هو فقط قصد المبالغة، لأن الوجه الأول ليس فيه تخصيص، "هو الشاعر" ليس فيه تخصيص، ولم ينف عن غيره؛ لكن "هو الشاعر" إذا مدح فلاناً يعني لا غيره.
خلاص، لا يوجد غيره إذا مدح فلاناً؛ فهذا قد يشتبه بزيد هو المنطلق، لما وقع في الانطلاق من العلم بفعل مخصوص، ووقع هنا من العلم بفعل مخصوص أو بشيء بمعنى مخصوص، فما الفرق بين المعنيين؟ هذا ما سينبه إليه عبد القاهر، يقول: وربما ظن الظان أن "ال" في "هو الواهب المئة المصطفاة" بمنزلتها في نحو زيد هو المنطلق؛ من حيث كان القصد إلى هبة مخصوصة كما كان القصد إلى انطلاق مخصوص. وليس الأمر كذلك لأن القصد ها هنا إلى جنس من الهبة، جنس الهبة هو جنس مخصوص وليس فعلاً مخصوصاً، لا إلى هبة مخصوصة بعينها.
يدلك على ذلك أن المعنى على أنه يتكرر منه، نعم، وعلى أن يجعله يهب المئة مرة بعد مرة، يعني هو من عادته أن يهب هذه الهبة المخصوصة. وأبيات النابغة الذبياني في مدح النعمان في ذلك واضحة، وتشرح هذا الباب أكثر من بيت الأعشى. وأما المعنى في قولك: زيد هو المنطلق، فعلى القصد إلى انطلاق كان مرة واحدة، لا إلى جنس من الانطلاق؛ فالتكرار هنا غير متصور.
فكيف وأنت تقول: جرير هو القائل "وليس لسيفي في العظام بقية"؟ تريد أن تثبت له قيل هذا البيت وتأليفه، يعني جرير هو القائل هذا البيت، ليس هو الذي يقوله، هو قاله، ألفه، خلاص، ابتكره وانتهى. فافصل بين أن تقصد إلى نوع فعل، وبين أن تقصد إلى فعل واحد متعين. النوع الثاني هنا تقصد إلى تخصيص نوع يقع الفعل فيه كثيراً، وأما هنا فتقصد إلى فعل واحد وقع مرة.
فافصل بين أن تقصد إلى نوع أو إلى نوع فعل، وبين أن تقصد إلى فعل واحد متعين، حاله في المعاني حال زيد في الرجال في أنه ذات بعينها. وهذا واضح أيها الإخوة. والوجه الثالث، هذا وجه ثالث تحت باب زيد المنطلق، ليس هو زيد المنطلق؛ بعد زيد المنطلق الذي هو حيث علمت وقوع فعل بعينه فأردت كذا، هناك وجوه أخرى. الوجه الأول أن تقصد المبالغة في إثبات الجنس للمسند إليه، الوجه الثاني أن تقصد نفي الشيء عن غيره وهنا يلزمك التقييد والتخصيص.
الشيء الثالث، هذا نوع ثالث، ليس للمبالغة وليس للنفي عن الغير. طيب، أعطيكم مفتاحاً لهذا الوجه، في الوجه الأول هناك علاقة من المفاضلة وقعت بين المثبت له ومن يشاركه في المعنى، ركزوا معي. هناك علاقة وقعت بين، حتى تفهم هذا الوجه لأنه قد يشكل وعبد القاهر لم يستقص فيه.
أقول: هناك علاقة في المبالغة لما نقول بالغ فيه وأتى به على الكمال، أنت لاحظت غيره من أفراد الجنس أو لا؟ البحتري الشاعر على الكمال، لاحظت غيره ممن يشاركه في الشاعرية أو لا؟ لاحظت، صح؟ طيب ولما نفيت عن غيره، قيدت ونفيت وقلت هو الواهب المئة المعكازين أو هو الواهب المئة المصطفاة إما مخاضاً وإما عشاراً، هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيراً؛ لاحظت غيره ممن يشاركه أو لا؟ لاحظت، ولو على النفي لاحظت، ولو على النفي؛ يعني هناك تعاطٍ وعلاج مع غيره ممن يشاركه، مرة أثبتَّ الكل ومرة نفيت، خلاص، لاحظت غيره ممن يشاركه. لكن نفيته، فهناك ملاحظة.
هنا لا توجد ملاحظة، لا توجد ملاحظة. قال: والوجه الثالث ألا يقصد قصر المعنى في جنسه على المذكور، لا كما كان في زيد هو الشجاع تريد تعتد بشجاعة غيره النوع الأول للمبالغة، ولا كما ترى في هو الواهب المئة المصطفاة الذي على دعوى أنه لا يوجد إلا منه الذي تقيد فيه، ولكن على وجه ثالث، وهو الذي عليه قول الخنساء: "إذا قبح البكاء على قتيل، رأيت بكاءك الحسنة الجميلة". لم ترد أن ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل؛ يعني يمكن أن يحسن البكاء على غيره، ولم تقيد الحسنة بشيء، فيتصور أن يقصر على البكاء، يعني يتصور أن يكون الحسن حسناً أو البكاء حسناً، أو الحسن مقصوراً على البكاء على فلان بعينه، لا كما قصر الأعشى هبة المئة على الممدوح، ولكنها أرادت، انظر، ولكنها أرادت أن تقرره في جنس ما حسنه الحسن الظاهر. هذا هو، أرادت أن تقرره، هذا ما يمكن أن تعلم عليه ليكون قسيماً للأقسام التي مرت، أرادت أن تقره في جنس ما حسنه الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد؛ يعني كانها تقول: أنا جئت لحالي، لا أريد أن أنفي عن غيره كما النوع الثاني أو الوجه الثاني، ولا أريد أن أقول هو البكاء الكامل في الحسن كما في النوع الأول أو الوجه الأول، وإنما فقط أردت تأكيد ذلك جداً وتقريره في النفوس، أن حسن البكاء عليه هو الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد ولا يشك فيه شاك، فهي لم تلحظ أصلاً الآخرين.
يتضح في الآتي ربما أكثر، ومثله قول حسان: "وإن سنام المجد من آل هاشم بنو بنت مخزوم ووالدك العبد". ووالدك العبد، هو أراد التأكيد، لم يرد أن يقول هو العبد الكامل التام في العبودية، ولم يرد أن يقول، ولم يقيد أيضاً حتى ينفي العبودية عن غيره؛ يقول: أنا سأرجع إلى بياني هذا لأن فيه خلافاً؛ يقول أراد أن يثبت العبودية ثم يجعله ظاهر الأمر فيها ومعروفاً بها. أراد أن لا يثبت على وجه الكمال ولا ينفي، فلا يوجد تقييد؛ أراد أن يثبت العبودية ثم يجعله ظاهر الأمر فيها ومعروفاً بها، ولو قال: ووالدك عبد، لم يكن قد جعل حاله في العبودية حالاً ظاهرة متعارفة.
وعلى ذلك قول الآخر: "أسود إذا ما أبدت الحرب نابها، وفي سائر الدهر الغيوث المواطر". يعني هم الغيوث المواطر؛ فأراد أن يؤكد ذلك وأنهم هم الغيوث المواطر، أراد أن يجعلهم كذلك دون أن ينفي عن غيره على وجه الكمال أو دون أن يقصد المبالغة، وأراد أن يثبت العبودية دون.
المبالغة، وإنما كان هذا الشيء في أصله كان سينكر فأُثبت. الرازي خالف في هذا الأمر، وذلك في كتابه نهاية الإيجاز، ونقل ذلك الدكتور محمد إبراهيم شادي في كتابه في الصفحة الثالثة بعد الستين ومائتين، يقول في الحاشية: وقد خالف الرازي فقال: لو جُعل ذلك مفيداً للحصر على وجه المبالغة لم يكن فيه خلل؛ يعني على الأول لم يكن فيه خلل، يعني هو العبد كما تقول البحتري الشاعر، كأنك لا تعتد بغيره حين لم يكمل كماله، فكذلك ووالدك العبد.
وقد خالف الرازي فقال: لو جُعل ذلك مفيداً للحصر على وجه المبالغة لم يكن فيه خلل. يقول الدكتور: يرى أن تعريف الطرفين يفيد الحصر دائماً. أسألكم سؤالاً لاختبار المتيقظ منكم، لماذا لم يشتبه أن يكون الوجه الثاني الذي ينفي عن غيره تماماً؟ لماذا اشتبه بالأول؟ وقع الخلاف مع الأول، أو وقع الخلاف في كونه الأول. غيرك، لماذا لم يقع خلاف في أن يكون الثاني الوجه الثاني؟ أحسنت أختنا صفاء، الثاني مقيد، أحسنتِ جداً، ليس لأنه لم يقصد، نحن الآن في الخلاف هل يقصد مبالغة أو لا؟ لماذا لم يشتبه بالنوع الثاني الذي فيه النفي عن غيره؟ لأن الثاني يشترط فيه التقييد، وهذا لم يقيد «ووالدك العبد».
انتهى، ما الفرق بين «ووالدك العبد» و«البحتري الشاعر»؟ تعالوا ننظر في نظر الرجلين، عبد القاهر البياني الكبير والرازي، ولا شك أنهما من عباقرة بني آدم، لكن العبقرية العامة شيء والعبقرية البيانية شيء. ما الفرق؟ عبد القاهر في هذا الموضع لاحظ شيئاً لم يلاحظه الرازي، هو ما جلب التعريف لهذا الشيء، وهو احتمال إنكار ذلك والشك فيه، لذلك قالت الخنساء، وكان هذا ينبغي أن ندقق فيه في كلام عبد القاهر، عبد القاهر لماح أحياناً يستفيض بالصفحات وأحياناً يأتي باللمحات هكذا وتحتاج إلى وقفة وتأمل. إذا قبح البكاء على قتيل، يعني إذا شك الناس بأن البكاء على قتيل مباح، فلا يقع الشك عندك في البكاء عليك، أنت الحسن الجميل؛ عند الشك في الآخرين، البكاء عليك ليس مشكوكاً فيه. وكذلك لما قال انظر هنا، أن تقره في جنس ما حسنه الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد ولا يشك فيه شك، ولهذا عبد القاهر يقول: لا تلحظ المبالغة هنا، طبعاً لا تلحظ أيضاً النفي لأنك تحتاج إلى تقييد، وهذا ظاهر.
الاشتباه مع المبالغة لماذا لا يصح؟ ولماذا لا يصح عندي كلام الرازي على كلام عبد القاهر؟ لأن الرازي قال: لو جُعل على المبالغة يعني أن يرفع عن غيره ما لم يمتنع، لا إشكال. الحقيقة لا، عبد القاهر كان أدق لأنه لاحظ أن الشك قد ينزل، فاستعمل الألف واللام للرفع من الشك إلى اليقين. لاحظتم الملمح الدقيق عند عبد القاهر هنا يا إخوة؟ لاحظتم الفرق؟ ولهذا بدأ ببيت الخنساء: إذا قبح البكاء على قتيل، رأيت بكاءك الحسن الجميل. وكذلك: «وإن سنام المجد من آل هاشم، بنو بنت مخزوم، ووالدك العبد». العبد يعني الذي يقابل الأحرار الآخرين، «وإن سنام المجد من آل هاشم، بنو بنت مخزوم، ووالدك العبد» يعني هو العبد في مقابل هؤلاء، وإياك أن تشك بأنه العبد، لا يلاحظ المبالغة على غيره، يلاحظ إثبات ذلك عند الشك أو عند افتراض الشك.
أقصد البيت عموماً، هو كأنه يقول: إذا شككت، هو يمدح أناساً ويقول للآخر: وأما أنت فعكس هؤلاء، فعلى الضد من هؤلاء الذين هم في سنام المجد، أنت والدك عبد، ولكن لما كان الآخر قد يشك في ذلك فقال: «ووالدك العبد»، يعني العبد في مقابل هؤلاء. انظر ماذا يقول عبد القاهر: أراد أن يثبت العبودية ثم يجعله ظاهر الأمر فيها ومعروفاً بها. ولو قال: ووالدك عبد، وهذا هو الأصل بالمناسبة، يعني لو قال: وإن سنام المجد من آل هاشم بنو بنت مخزوم، ووالدك عبد، يصح أو لا يصح؟ طبعاً يصح، لكن ووالدك العبد يعني تأكد من ذلك، تأكد أنه عبد لا يشك في ذلك، هذا ظاهر معروف.
قال: وعلى ذلك قول الآخر: «أسود إذا ما أبدت الحرب نابها». لو قال: وفي سائر الدهر غيوث المواطر، يصح أو لا يصح؟ يصح طبعاً، ولكنه قال: «وفي سائر الدهر الغيوث المواطر». لماذا جاء هذا المثال على الوجه الثالث للأول؟ لأن كونهم أسوداً في الأول قد يجعلك تشك في أن يكونوا الغيوث مواطر، هنا حلوة دي صح، جميلة! لأن كونهم أسوداً قد يجعلك تشك، ولهذا نكر الأسود، «أسود إذا ما أبدت الحرب نابها»، أي هم أسود إذا ما أبدت الحرب نابه، هم أسود، ليس هم الأسود، هم أسود، لأن الكلام ابتدأ، لا إشكال، لا تشكيك، هم أسود، وهذا معنى شائع لا إشكال، لا ينفع عن شجعان أن يوصفوا بالأسود، ولكن بعد أن تصفهم بالأسود قد أشك في لينهم وفي وجود الخير منهم ووحشيتهم وقسوتهم، فأكد الخبر والإثبات هذه المرة بالألف واللام: «وفي سائر الدهر الغيوث المواطر»، لا تشك في هذا.
نرجع، وقد صنعنا الشاي، رأيتم يا إخوة الوجه الثالث؟ لماذا جعله عبد القاهر وجهاً ثالثاً؟ وترجح قول عبد القاهر على قول الرازي لأن عبد القاهر لم يلحظ فيه المقارنة بغيره، وإنما لاحظ فيه ما قد يتطرق إلى المعنى من الشك. ففي بيت الخنساء: «إذا قبح البكاء على قتيل» يعني إذا جاز إذا شك الناس أن يكون بكاء على قتيل قبيح، فإن بكاءك رأيت بكاءك الحسن الجميل. وترى في بيت حسان: «وإن سنام المجد من آل هاشم بنو بنت مخزوم، ووالدك العبد»، يعني كان الثناء الأول قد يشككني أو يشكك أيها المخاطب المهجو في أنك والدك العبد وأردت أن تقارن نفسك بالممدوح أو بسنام المجد من آل هاشم، لا، فأنت العبد، فإذا انتفت العبودية عن غيرك فأنت العبد.
والبيت الثالث: «أسود إذا ما أبدت الحرب نابها»، قد يشكك، نعم قد يشكك، فقال: «وفي سائر الدهر الغيوث المواطر»، وهذا يعلمكم شيئاً أيها الإخوة أنك مهما تأملت ألفيت أهل الاختصاص وأهل الباب المصيب غالباً، وإن بدا لك في الوهلة الأولى أو الوهلات الأولى غير ذلك.
ينتقل الآن إلى نوع رابع، وصفه بقوله: «واعلم أن للخبر المعرف بالألف واللام معنى غير ما ذكرت لك، وله مسلك دقيق ولمحة كالخل»، أعلم أن للخبر المعرف بالألف واللام معنى غير ما ذكرت لك؛ يعني غير الوجه الأول، غير الوجه الثاني، غير الوجه الثالث، وله مسلك دقيق ولمحة كالخل، هذا شيء عجيب جميل جداً سيعجبكم، يكون المتأمل عنده كما يقال يعرف وينكر، وذلك قولك: «هو البطل المحامي، وهو التقي المرتجى»، وأنت لا تقصد شيئاً مما تقدم، فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان ولم يعلم أنه ممن كان كما مضى في قولك: زيد هو المنطلق، ولا تريد أن تقصر منه عليه على معنى أنه لم يحصل لغيره على الكمال كما في قولك: زيد هو الشجاع، ولا أن تقول ظاهر أنه بهذه الصفة كما في قولك: ووالدك العبد.
ولكنك تريد أن تقول لصاحبك: هل سمعت بالبطل المحامي، وهل حصلت معنى هذه الصفة؟ وكيف ينبغي أن يكون الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له؟ وفيه: فإن كنت تلقيته علماً وتصورته حق تصوره، فعليك صاحبك واشدد ذلك له، فهو ضالتك وعنده بغيتك. وطريقه طريق قولك: هل سمعت بالأسد وهل تعرف ما هو؟ فإن كنت تعرف، فزيد هو هو بعينه. قال: أنا سأشرح طبعاً، سأوضح، لا تشكل يعني، قال: ويزداد هذا المعنى ظهوراً بأن تكون الصفة التي تريد الإخبار بها عن المبتدأ مجراة على موصوف في قول ابن الرومي: «هو الرجل المشروك في جل ماله، ولكنه بالمجد والحمد مفرده».
تقديره كأنه يقول للسامع: فكر في رجل لا يتميز عُفاته وجيرانه ومعارفه عنه في ماله، وأخذ ما شاء منه، فإذا حصلت صورة في نفسك فاعلم أنه ذلك الرجل هو الرجل المشروك، الرجل المشروك هنا جاء على موصوف، هو الرجل المشروك، نعم. قال: وهذا فن عجيب الشأن، وهذا فن عجيب الشأن وله مكان من الفخامة والنبل، وهو من سحر البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه، والمعول فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمل. فإذا علمت أنه لا يريد بقوله الرجل المشروك في جل ماله أن يقول هو الذي بلغك حديثه وعرفت من حاله وقصته أنه يشرك في جل ماله على حد قولك: هو الرجل الذي بلغ كأنه أنفق كذا، والذي وهب المائة المصطفاة من الإبل، ولا أن يقول أنه على معنى هو الكامل في هذه الصفة حتى كأنه هاهنا أقواماً يشركون في جل أموالهم إلا أنه في ذلك أكمل وأتم، لأن ذلك لا يتصور، وذاك أن كون الرجل بحيث يشرك في جل ماله ليس بمعنى يقع فيه تفاضل، هذا هو، اسمع هذا تعلم عليه: وذاك أن كون الرجل بحيث يشرك في جل ماله ليس بمعنى يقع فيه تفاضل.
يعني هو يقول لك إنك ستتوب أنت في ذهنك، تذكرون النوع الثالث الوجه الثالث، ترفع من الشك إلى اليقين، هنا ترفع من الوهم. وهنا يمكنك أن تقرأ عقل عبد القاهر لماذا أتى بهذا الوجه بعد الثالث؟ وكان الرفع من الشك تطور به إلى الرفع من الوهم؛ لأن الرجل المشروك في جل ماله، لا يوجد رجل يشرك في جل ماله، يعني الناس معه يشاركونه في أكثر ماله، ده مين ده؟ هذا متوهم، فعرفه بالألف واللام وقال: هذا، انظر، فن عجيب الشأن له مكان من الفخامة والنبل، من سحر البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه، والمعول فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمل، هذا طريقك الوحيد أنك تتأمل فقط.
«هو المشروك في جل ماله»، هو هل يوجد رجل على الكمال؟ رجل على نفي غيره؟ رجل على فعل وقع؟ لا لا يوجد شيء من هذا. رجل على رفع الشك؟ هل نشك في أحد مشروك؟ لا، هو معدوم، ولهذا تطور من الوجه الثالث إلى الوجه الرابع، لأن الثالث الألف واللام تنقل من الشك إلى اليقين، وهذه تنقل من العدم إلى اليقين. ولهذا قال فن فخم، فيه مناورة غريبة، «هو الذي يحصل كذا»، هو يحصل، ده بيحصل أصلاً؟ أنت تقول: وهل هذا يحصل أصلاً؟ «هو الذي يحصل كذا معه، هو الرجل الكذا المشروك في جل ماله»، وهل سألتك عن رجل يشرك في جل ماله؟ هل سألتك أصلاً عن رجل يشرك في كل ماله؟ ولهذا اعتبره فناً فخماً، ألف ولام نقلت الكلام وجعلتك تدور حول نفسك، تذكر كلمته: تعرف وتنكر؟ يا أخي عبد القاهر له تعبيرات انظر، هذا التعبير لازم يعلم على هذا التعبير: يكون المتأمل عنده كما يقال يعرف وينكر. يعرف وينكر يعني إيه ده أنت مش فاهمك، أعرف بالألف واللام، وأنكر لأن الصفة منكرة أصلاً غير موجودة، أعرف لأن أنه عرف الألف واللام يخدعني، هو الذي كذا هو الكذا، كأنه يقول: هو الذي كذا، وأنا لا أعترف بالذي أصلاً، لا أعترف بالكذاب، تقول هو الذي كذا، أنت بتضحك عليّ ولا إيه، تخدعني فين مش.
تعرف وتنكر، يعرف وينكر؛ فهمت الفكرة؟ وضحت يا إخوة؟ خطير البيان، صح؟ البيان خطير، فن خطير.
هذا السحر الذي كنت منشغلاً به لسنين مضت، وبلغني عن أحد المشايخ عندنا في الأزهر يقول: أبو قيس أضاع نفسه، قاله لبعض الطلاب المشتركين؛ لماذا ضيع نفسه؟ قال: كان مشروع عالم في علوم الشريعة والفقه، وهي علوم صعبة وفخمة وليس كل أحد يخوض فيها، وقد خاض فيها وقطع شوطاً بعيداً وكان مخولاً ليكون كذا، والآن ماذا يفعل؟ يشرح شعراً، يشرح الشعر! هكذا قال باستهانة: يشرح الشعر؟ والله لا يمر من صفحة من هذا، لا يمر من صفحة. رأيتم قضية يعرف وينكر؟ أنت بين فلسفة ونفس ولغة وإشارة وتأمل وتفكير، أنت بين خضم كل ذلك، ووالله إن كل علم بعد هذا لسهل، والله إن كل علم بعد هذا لسهل.
تفضل يا محمد.
مولانا، بالنسبة لفكرة أنا فهمت الفكرة، لكن الإشكال عندي في مثاله عندما قال: هو البطل المحامي، هذه صفة ليست متوهمة، لا يتصور وجودها، هو بدأ بشرح شيء، وهي طبعاً على درجات، وتراه بدأ بشرح شيء أنت لم يسبق في ذهنك له أصل؛ هو البطل المحامي، وأنا لم أتخيل بطلاً محامياً هنا، لكن يظهر هذا شديداً في الرجل المشروك في جل ماله.
انظر، يقول: اسمع حتى تقف على جواب إذا انتبهت؛ فإذا علمت السطر الثالث، رأيتموها يا إخوة في الفقرة الأولى بعد المئتين؟ فإذا علمت، عد معي: 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، الجواب جاء في السطر التاسع: علمت كذا، علمت أنه معنى ثالث. انتبه، كل هذا لم يأتِ بجواب، فإذا علمت أنه لا يريد بقوله: الرجل المشروك في جل ماله، أن يقول: هو الذي بلغك حديثه وعرف من حاله وقصته أنه يشرك في جل ماله على حد قولك: هو الرجل الذي بلغ، كأنه أنفق كذا والذي وهب مئة المصطفاة من الإبل، ولا أن يقول: إنه على معنى هو الكامل في هذه الصفة حتى كان هاهنا أقواماً يشركون في جل أموالهم إلا أنه في ذلك أكمل وأتم؛ لأن ذلك لا يتصور، وذلك أن كون الرجل بحيث يشرك في جل ماله ليس بمعنى يقع فيه تفاضل، كما أن بذل الرجل كل ما يملك كذلك.
ولو قيل: الذي يشرك في ماله، جاز أن يتفاوت، وإذا كان كذلك علمت أنه معنى ثالث؛ وذلك أن كون الرجل بحيث يشرك في جل ماله ليس بمعنى يقع فيه تفاضل، كما أن بذل الرجل كل ما يملك كذلك، خلاص كأنه قال: هو الرجل المأخوذ كل ماله. ولو قيل: الذي يشرك في ماله جاز أن يتفاوت، يشرك لكن في الجل أو الكل، وإذا كان كذلك علمت أنه معنى ثالث يختلف عن هذا الذي مر، لا على الكمال ولا على المبالغة ولا على المعنى الشك أصلاً.
تفضلي أختنا الكريمة.
أستاذ، ممكن أسأل؟ هل هو البطل المحامي أم المحامى؟ كأني فهمت لو كانت المحامى أفضل لتحقق ما يريد.
لا، لا، هو يظهر أكثر في المتقى المرتجى، يظهر أكثر في المرتقى المرتجى، لكن البطل المحامي يعني هو البطل الذي يحمي، لا يجتمع أن يكون بطلاً ويحمي.
تضحك طيب، نرى ضبطها في بعض النسخ الأخرى، لحظة واحدة، لا يظهر ضبط غير الذي هو ظاهر هنا أنه هو البطل المحامي، ولكن ذلك على أساس أنه لم يكن هناك بطل يحامي، أو على وجه من المبالغة في صفته، والله تعالى أعلم؛ لأنه بعد ذلك هو المتقى المرتجى، هذا معنى مقبول لكن غير متوقع. وأما في هو الرجل المشروك في جل ماله فهذا ظاهر جداً، والله تعالى أعلم.
يقول: وذلك أن كون الرجل بحيث يشرك في جل ماله ليس بمعنى يقع فيه تفاضل، كما أن بذل الرجل كل ما يملك كذلك، ولو قيل: الذي يشرك في ماله جاز أن يتفاوت، وإذا كان كذلك علمت أنه معنى ثالث. خلاص يعني أنك تخلق معنى غير موجود وغير معهود، وتحليه بالألف واللام وتنسبه إلى فلان على أنه معنى موجود معهود، هذا هو، وليس إلا ما أشرت إليه من أنه يقول للمخاطب: ضع في نفسك -عبد القاهر يشرح الآن كما قلت، لذلك أرجعت الشرح لأنه سيشرح- يقول: وليس إلا ما أشرت إليه من أنه يقول للمخاطب: ضع في نفسك معنى قولك رجل مشروك في جل ماله، ثم تأمل فلاناً، فإنك تستمل هذه الصورة منه؛ يعني إذا نستطيع أن نقول: يدخل في ذلك الصورة الممتنعة، ويدخل في ذلك، وليست جميعاً ممتنعة، ويدخل في ذلك صورة المبالغة، وهو فقط استعمل الألف واللام على أنها معهودة وهي ليست بمعهودة.
المعنى من أن يكون المعنى فقط في غير المعهود: ضع في نفسك معنى قولك رجل مشروك في جل ماله، ثم تأمل فلاناً، فإنك تستمل هذه الصورة منه، وتجده يؤديها لك نصاً ويأتيك بها كملاً. وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصادي -العطشان- إلى برد الماء؛ إلى الماء البارد من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وليس أنه سيأخذ برد الماء ويترك الماء، برد الماء يعني الماء البارد يا إخوة من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.
يقول: وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصادي العطشان إلى برد الماء، فاسمع قوله -هذا غير معروف-: أنا الرجل المدعو عاشق فقره، إذا لم تكارمني صروف زمانه. انظر هذا المثال ظاهر جداً جداً، أنا الرجل المدعو عاشق فقره، لا يوجد شخص يدعى عاشق فقره! الذي جعلني أقول في غير المعهود قوله يعرف وينكر، وربما الإنكار كان بسبب أنك باغتني بشيء فيه غرابة، ولم أسأل عنه ولم أبحث عنه، هو الفلان، فليس كالمنطقة، وليس عندي علم في هذا، أنا الرجل المدعو عاشق فقره! يا سلام، يعني كأنني أعرف أو أعلم بوجود رجل يعشق فقره، لكن ينقصني أن أعرف من هو، فأنا هنا أعرف وأنكر. رأيتم؟ أنا الرجل المدعو عاشق فقره، وطبعاً لا يخفى عليكم أن أكثر المعاني هنا ستكون غير معهودة وتكون مستغربة؛ لأن ذلك أقرب وأدعى إلى أن تباغت المخاطب بمن لا يعرف، تأتي وأحلى أن تجعله لا يعرف ثم أن تجعله معنى مستغرباً، فهمتم؟ لا يعرفه ثم هو معنى مستغرب جميعاً، أنا الرجل المدعو عاشق فقره إذا لم تكارمني صروف زماني.
وإن أردت أعجب من ذلك فقوله: هذا ابن الرومي: أهدى إلي أبو الحسين يداً أرجو الثواب بها لديه غداً، وكذاك عادات الكريم إذا أولى يداً حسبت عليه يداً، إن كان يحسد نفسه أحد، فلا أزعم كذلك الأحد، إن كان يحسد نفسه أحد فلا أزعم من كذلك الأحد. فهذا كله، شوف ذلك الأحد ذلك الأحد، هذا بيت شارح وعجيب في بابه في هذا الباب. يعني فهذا كله على معنى الوهم والتقدير، اسمع هذا، هذا هو الضبط يا إخوة، هذا ما تعلمون عليه بالقلم المضيء الفسفوري كما يقال، فهذا كله ضابطه على معنى الوهم والتقدير، وأن يصور في خاطره شيئاً لم يره ولم يعلمه، كما قلت، ومما يعين على أنه لم يره ولم يعلمه أن يكون مستغرباً غير معهود، ولهذا تأتي غالباً مستغربة غير معهودة، لكن لا تدفع البطل المحامي.
فهذا كله على معنى الوهم والتقدير، وأن يصور في خاطره شيئاً لم يره لم يعلمه، ثم يجريه مجرى ما عهد وعلم، يعني في المخاطب، وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من الذي. يا سلام، انظر كيف انتقل انتقالاً مناسباً إلى التمهيد للكلام على الذي وهو الفصل التالي. انظر افتح صفحة 199، الصفحة التاسعة بعد المئة، هذا فصل في الذي خصوصاً، فانظر هذه التمهيدات، قال: وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من الذي، فإنه يجيء كثيراً على أنك تقدر شيئاً في وهمك تعبر عنه بالذي.
ومثال ذلك قوله، هذا حتيتة بن المضرب السكوني، المضرب أو المدرب أنا لم أضبطها، قال ومثال ذلك قوله: أخوك الذي إن تدعه لملمة يجبك، وإن تغضب إلى السيف يغضب. أخوك الذي إن تدعه لملمة يجبك، وقول الآخر، هذا بشار بن برد: أخوك الذي ربتّه قال إنما أربتّه، وإن عاتبته لان جانبه. فهذا ونحوه على أنك قدرت إنساناً هذه صفته وهذا شأنه، وأحلت السامع على من يعن في الوهم دون أن يكون قد عرف رجلاً بهذه الصفة، فأعلمته أن المستحق لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه. يعني فلفظ الذي أيها الإخوة، لفظ الذي مع جملته قد أوهم معرفة بخبر في السابق، وجعله كالحال في الذهن وجعل له الاهتمام، ثم حققه في المسند إليه. رأيتم الذي حصل؟ قال: حتى كأنك قلت أخوك زيد الذي عرفت أنك إن تدعه لملمة يجبك، وكأنه معروف قال زيد؛ لأنه معروف في ذهنك، لكن أخوك الذي هو جعله في موقع أخوك زيد الذي كذا كذا.
قال اسمع: ولأن هذا الجنس، ولكون هذا الجنس معهوداً من طريق الوهم والتخيل، يعني تنشئه في ذهنك وليس أنه من الأول حاضراً في ذهنك، ولكون هذا الجنس معهوداً من طريق الوهم والتخيل، جرى على ما يوصف بالاستحالة، الرجل وقد تمنى، هذا هو الذي لا يكون. أنا أخاف الحداثيين هنا، أخاف أن يأتي الحداثيون يقولون: هو ذا استحالة، وأنا في شرحي للقرطجني سبطت بين هذا الموضع وبين كلامه في الاستحالة هناك، سأقول للحداثي: ما الفرق بين نومنا على سرير لا يطير أو نومنا على كرسي لا يغني وبين قولك هذا هو الذي لا يكون؟ وأنا أقول له: قولك هذا هو الذي لا يكون هو في محل قولك هذا هو العدم، والعدم معنى يتشكل في الذهن، وأما سرير لا يطير فليس معروفاً وليس شيئاً تحصل به علقة أو صح إسنادية في المعنى، أما هذا هو العدم فالعدم عدم من حيث نفسه لكنه معنى في النفس موجود، فالعدم موجود في النفس، وهو اللاشيء، وهذا في ذاته بالنظر إلى ما في النفس شيء. نعم، تفضلي أختنا.
أستاذ، في هذه الحالة يشترط في المبتدأ أن يدل على العموم، صح؟ ماذا؟ مرة أخرى، في هذه الحالة يشترط في المبتدأ أن يدل على العموم، يعني عندما نقول: فأنت التي أشقيتني، أو هذا الذي يعترف، لا تنطبق عليها هذه الحالة.
العموم يعني تقصدين أن المتكلم عنه لم يكن معيناً في الذهن من قبل؟ نعم هذا ما أقصد. نعم، لكن هذه بالنسبة للصفة للخبر، أما بالنسبة للمتحدث عنه فلا، قد يكون، فهو يفتح يعني يجعل، أنا رأيت رجلاً يأتي من بعيد، فقلت لصديقي: ذاك الذي إن كذا كذا كذا، الإبهام في الذي كذا، ذاك الذي كذا الإبهام في الثاني، لا في الأول، ليس شرطاً طبعاً، لا.
نعم، طيب، ولكون هذا طبعاً كل هذا سيؤ في الذهن ويترسب شيئاً فشيئاً ويكون واضحاً إن شاء الله. قل يا محمد.
مولانا فقط كنت سأمثل على الحالة التي يكون فيها، وهو بيت الفرزدق عندما قال: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته، والبيت يعرفه والحل والحرم، هو أيضاً من هذا الباب. الله، هذا الذي تعرف البطحاء وطأته، أيوه، كأنه يقول لهذا الناصبي الخبيث الذي تعرف أن البطحاء تعرفه والحل والحرم وكذا وكذا وكذا، هو هذا، مع أن الآخر لا يعترف بشيء من هذا أصلاً، الآخر ليس هذا. مثال جيد جداً، أحسنت في الذي يعني هنا هذا الذي تعرف البطحاء وطأته، الله، يعني كأنه يكلم هذا الناصبي وهو يخبره بشيء يعرفه متوهم في الذهن، أحسنت المثال جداً، وندونه على النسخة بيت الفرزدق، ندونه إن شاء الله.
طيب، قال: فإذا شرحت هذا الكتاب بعده اذكر هذا المثال؛ لأنه جيد جداً، لأنه ليس متخيلاً، هو واقعي، يعني هو شيء معروف، هذا المخاطب ليس عنده معهود في الذهن بشخص تعرف البطحاء وطأته. نعم هو يعرف البطحاء على رأسه فقط، طيب؛ لأنه ما يسال يسال عن بضعة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا تنكره، تنكر من نعم. ولكون هذا الجنس معهوداً من طريق الوهم والتخيل جرى على ما يوصف بالاستحالة، وكقوله: ما لا فلا بحيلة أبداً، وما هو كائن سيكون. ومن لطيف هذا الباب طبعاً ما هنا الموصول في الأول، ومن لطيف هذا الباب قوله، هذا أبو العتاهية: وإني لمشتاق إلى ظل صاحب، يروق ويصفو إن كدرت عليه، قد قدر كما ترى ما لم يعلمه موجوداً، صاحب يروق ويصفو! أين هو؟ إن كدرت عليه، ولذلك قال المأمون: خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب، ولهذا قال المأمون: خذ مني الخلافة وأعطني هذا.
الصاحب، فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب لا يعرض فيه شك أنه موهوم. عندك سؤال يا محمد؟
لا، فقط هي إضافة؛ أنه من خلال الأمثلة يتضح أن معنى الاستحالة هنا هو الشيء الذي كما يقال مستحيل عادة، لا يوجد، وليس هو الاستحالة التي لا تتصور.
بالضبط، الممتنع في كلام الأدباء ليس ككلام المناطقة.
وأما قولنا المنطلق زيد، والفرق بينه وبين أن تقول زيد المنطلق؛ فالقول في ذلك أنك وإن كنت ترى في الظاهر أنهما سواء من حيث كان الغرض في الحالين إثبات انطلاق قد سبق العلم به، فليس الأمر كذلك، بل بين الكلامين فصل ظاهر.
السؤال هنا: استعمل كلمة الغرض في أصل المعنى أم في المعنى الفني؟
في المعنى المشترك، استعمل عبد القاهر هنا لفظ الغرض وهو يريد أصل المعنى كما هو ظاهر جداً بدلالة السياق، ورايناه يستعمل نفس اللفظ، أو هما استعمل في المعنى المشترك على الأقل، ليس هو المراد من تخصيص تقديم المنطلق. فانتبه إلى هذا.
فليس الأمر كذلك، بل بين الكلامين فصل ظاهر، وبيانه أنك إذا قلت زيد المنطلق، فأنت في حديث انطلاق قد كان، وعرف السامع تحققه، إلا أنه لم يعلم أمن زيد كان أم من عمرو؟ فإذا قلت زيد المنطلق، أزلت عنه الشك وجعلته يقطع بأنه كان من زيد بعد أن كان يرى ذلك على سبيل الجواز؛ هذا سهل وفهمناه.
وليس كذلك إذا قدمت المنطلق، فقلت المنطلق زيد؛ تذكر هذه النظرة، يريان شخصاً، أنت ومن معك تريان شخصاً منطلقاً، فكأنك تقول: من المنطلق؟ المنطلق زيد، هذا الذي ينطلق أمامنا.
وليس كذلك إذا قدمت المنطلق فقلت المنطلق زيد، بل يكون المعنى حينئذ على أنك رأيت إنساناً ينطلق بالبعد منك، فلم تثبته، يعني لم تعرف من هو، ولم تعلم أزيد هو أم عمرو؟ فقال لك صاحبك: المنطلق زيد، أي هذا الشخص الذي تراه من بعد هو زيد.
إذاً يا إخوة، زيد المنطلق فيه دوران الذهن على شخص وقع الفعل منه، الذهن يسأل عن شخص وقع الفعل منه، والثاني يدور الذهن فيه على واقع منه الفعل، من يكون؟ يعني شخص يتلبس بالفعل، وأما الأول فهو نبحث عن شخص وقع منه الفعل، علمنا الوقوع، نبحث عن الفاعل الموقع. نحن الآن في الموقع، علمنا الفعل وعلمنا شخصاً ورأينا شخصاً، فنحن نتعلق بالفاعل من حيث كونه فاعلاً لا من حيث البحث عن عينه وهو مجهول، أو لا من حيث السؤال عمن يسند إليه الفعل الذي علمناه، وإنما عن منطلق يتلبس بالفعل.
وقد ترى الرجل قائماً بين يديك وعليه ثوب ديباج، والرجل ممن عرفته قديماً، ثم بعد عهدك به، يوسع لك عبد القاهر المثال حتى تفهم، ويشرح لك؛ أحياناً يشرح كأنه يشرح لأطفال من شدة إخلاصه للبيان وللشرح والتوضيح. وقد ترى الرجل قائماً بين يديك وعليه ثوب ديباج، والرجل ممن عرفته قديماً، ثم بعد عهدك به، فيقال لك: اللابس الديباج صاحبك الذي كان يكون عندك في وقت كذا، أما تعرفه؟ لشد ما نسيت.
ولا يكون الغرض أن يثبت له لبس الديباج لاستحالة ذلك، من حيث إن رؤيتك الديباج عليه تغنيك عن إخبار مخبر وإثبات مثبت لبسه له، كذلك أنت هنا لا تثبت الانطلاق خبراً، بل أنت تعرف حصوله كما ترى الثوب الملبوس.
فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بدئ به، فجعل مبتدأ، وجعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى خبراً، يعني خلاف الأصل، فاعلم أن الغرض هناك غير الغرض إذا كان اسم الفاعل أو الصفة خبراً كقولك زيد المنطلق.
السؤال الآن: هذا يدخل معنا في باب سبق، ما هو هذا الباب؟
تقديم وتأخير من أي نوع؟ هذا الذي هو تقديم الخبر على المبتدأ من أي نوع؟ هناك نوعان من التقديم والتأخير، النوع الثاني الذي يتغير معه الإعراب الذي يقال فيه لا على نية التأخير.
أحسنت، لكن كان الأصل زيد المنطلق؛ لأن الأصل أن تثبت معنى الفعل إلى الفاعل. فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بدئ به، فجعل مبتدأ، وجعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى خبراً، فاعلم أن الغرض هناك غير الغرض إذا كان اسم الفاعل أو الصفة خبراً كقولك زيد المنطلق، فهذا تقديم لا على نية التأخير، ولكنه حصل في نفس المعنى في الخارج.
كم مكثنا؟ نكتفي يا إخوة لأنني أرهقته، ولا نكمل. شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد