الحمد لله، حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. أما بعد أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الثالث بعد العشرين من مجالسنا في شرح كتاب دلائل الإعجاز للإمام الشيخ أبي بكر عبد القاهر ابن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه في الدارين آمين.
هذا الكتاب هو اللبنة الأولى، وأؤكد دائما على هذه الحقيقة في عدة لقاءات، وهي أن كل ما يتناول في علم البلاغة، سواء من درج تحت أبواب علوم البيان أو من درج تحت أبواب علوم المعاني في البلاغة التقريرية، هو كله داخل في نظرية النظم. انظروا إلى هذه الصفحة، الصفحة الثالثة بعد الثلاثمائة، وهي الفقرة الرابعة بعد الستمائة والأربعمائة؛ افتحوا صفحة 393 وانظروا ماذا يقول، يقول: فإن قيل قولك إلا النظم يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة وضروب المجاز من جملة ما هو معجز، يعني إذا قلت الفكرة كلها في النظم، فما في القرآن من الاستعارات والمجازات والتشبيهات ليس بمعجز. انظروا إلى هذا النص الصريح الجميل، لأن هذه الأشياء لا بد أن ترصع عقولكم من الآن لأنها مشكلات عند الناس، عند الدارسين يا إخوة، وجدتها مشكلات عند الأكاديميين. يقول: فإن قيل قولك إلا النظم يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة وضروب المجاز من جملة ما هو به معجز، وذلك ما لا مساغ له، قيل: ليس الأمر كما ظننت، بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو به معجز؛ وذلك لأن هذه المعاني التي هي الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدها من مقتضيات النظم.
المقتضى يا إخوة اسمه ماذا؟ مقتضى، مفتعل اسمه مفعول، فهي من مقتضيات النظم؛ يعني هي مما اقتضاه النظم، يعني النظم اقتضى أن تأتي الاستعارة وأن تأتي الكناية وأن يأتي التمثيل إلى آخر ضروب المجاز. اقتضى النظم أي غرض النظم، ذلك لأن الذي يقتضي هو مسار النظم ومجرى النظم وغاية النظم، ما يؤم من الغرض، فالنظم الذي هو فكرة النظم أو غاية النظم أو قصد النظم اقتضى نظريه النظم فكرتها اقتضت الاستعارة أو الكناية أو التمثيل إلى سائر ضروب المجاز من بعدها. ولذلك ترونه بدأ كتابه بالاستعارات والكناية، ثم بعد ذلك جاء بالوجوه في التقديم والتأخير والحذف والإثبات، مزج لك كل ذلك لأن كل ذلك من النظم. قال: لأن هذه المعاني التي هي الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدها من مقتضيات النظم، وعنه تحدث وبه تكون. نعم، لأنه لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلام وهي أفراد لم يتوخَّ فيما بينها حكم من أحكام النحو، فلا يتصور أن يكون هاهنا فعل أو اسم قد دخلته الاستعارة من دون أن يكون قد أُلِّف مع غيره. لا تنسوا، الاستعارة عنده تقع في المفرد، وبعد ذلك الاستعارة التمثيلية عنده اسمها تمثيل، سيتضح كل هذا إن شاء الله في دراسة أسرار البلاغة. أنا لا أريد من الآن أن أزحم رأسك بهذا، أنا فقط الآن أنقلك إلى أشياء من الكتاب نفسه لتشد إليك الفكرة، لكن بعد ذلك كل كتاب في وقته إن شاء الله.
قال: أفلا ترى أنه إن قُدِّر في اشتعل من قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4] ألا يكون الرأس فاعلا له، ويكون شيبا منصوبا عنه على التمييز، لم يتصور أن يكون مستعارا؛ لأن الاستعارة وقعت أصلا بهيئة التركيب. وهكذا السبيل، ولو أنك أفسدت هذه التركيبة فسدت الاستعارة، والاستعارة نفسها إذا أتيت بها في صورة أخرى في تركيب آخر تسقط، ووجدنا هذا الكلام لما جاء بلفظ شيء جاءت عند المتنبي وجاءت عند فلان؛ حسنت مرة وساءت مرة مع أنها لفظة واحدة، والاستعارة الواحدة تأتي في موضع صحيحة وفي موضع فاسدة. نعم، قال: وهكذا السبيل في نظائر الاستعارة فاعرف ذلك، وهكذا أيضا يا إخوة في كل الصور، أقول كل شيء يدخل تحت النظم. افتحوا صفحة 523، يقول: ومن هاهنا رأيت العلماء يذمون من يحمله تطلب السجع والتجنيس على أن يضيم لهما المعنى، ومن هاهنا رأيت العلماء يذمون من يحمله تطلب السجع والتجنيس على أن يضيم لهما المعنى، يعني يظلم لهما المعنى، الضيم الظلم والقهر، يقهر المعنى لأجلهما، ويدخل الخلل عليه من أجلهما، وعلى أن يتعسف في الاستعارة بسببهما ويركب الوعور ويسلك المسالك المجهولة، كالذي صنع أبو تمام في قوله ومرّ بـ ... فكل شيء يا إخوة يرجع إلى النظم، كل شيء ستدرس كل شيء ستكون في النظم.
لاحظت أن كثيرا لا يفهمون علينا هذه القضية، يتصل بي بعضهم من بعض الدول العربية إخواننا، يقول: يا أبا قيس نلومك على أنك تحصر الإبداع في النظم، قلت له: نعم هو في النظم، لو خرجت خارج نص الشعر لا إبداع، أسميك حكيما أسميك كذا. فلما شرح قال مثلا: أنا يعجبني في قول المتنبي كذا، قلت له: طيب وماذا لو قال كذا؟ وغيرت له الصياغة وجئت بنفس المعنى، قال: لا لا والله قبحت، قبحت. فقلت له: لماذا قبحت؟ أسألك سؤالا آخر قبل أن تجيب، هل تغير المعنى؟ أصل المعنى؟ قال: لا بس ما صارت هكذا كما جاء بها النابغة. هذا هو النظم، هذا نظم النابغة وأنا جئتك الآن بنفس النص فاسدا بنفس المعنى فاسدا، وكلام الخطباء الأعاجم على المنبر بمعاني القرآن لا يخرجون عن معاني القرآن، لكن أين هم من نظم القرآن؟
نعم، وصلنا إلى الصفحة السابعة بعد المئة أيها الإخوة، وكلامنا هنا كان على المنطلق زيد أو زيد المنطلق، وانتهينا من الفقرة الخامسة بعد المئتين بتمامها التي قلنا إنه يرجع بها ليتصل مع ما في الفقرة الأولى بعد التسعين والمئة، فتكلمنا على المنطلق زيد وزيد المنطلق وكذا. وآخر ما قاله في أول صفحة 187، لحظة أخونا الحمار ي يقول شيئا يبدو أنه مهما، أخونا يقول: أقترح أن نعيد من بداية الصفحة 186 الفقرة كاملة ليلتئم الموضوع. طيب توقفنا فترة، واما قولنا المنطلق زيد والفرق بينه وبين أن تقول زيد المنطلق، انتبهوا كلاهما معرفة وكلاهما اسم، وكلاهما معرفة؛ واما قولنا المنطلق زيد والفرق بينه وبين أن تقول زيد المنطلق فالقول في ذلك أنك وإن كنت ترى في الظاهر أنهما سواء من حيث كان الغرض في الحالين إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد، انظر الغرض مشترك بينهما، فليس الأمر كذلك بل بين الكلامين فصل ظاهر. وبيانه أنك إذا قلت زيد المنطلق، فأنت في حديث انطلاق قد كان وعرف السامع كونه، يعني تحققه، عرف السامع كونه، إلا أنه لم يعلم أمن زيد كان أم من عمرو، فإذا قلت زيد المنطلق أزلت عنه الشك وجعلته يقطع بأنه كان من زيد بعد أن كان يرى ذلك على سبيل الجواز.
وليس كذلك إذا قدمت المنطلق فقلت المنطلق زيد، بل يكون المعنى حينئذ على أنك رأيت إنسانا ينطلق بالبعد منك، فلم تثبته ولم تعلم أزيد هو أم عمرو، فقال لك صاحبك المنطلق زيد، أي هذا الشخص الذي تراه من بعد هو زيد. إذا في الأول زيد المنطلق يدور الذهن فيه على شخص وقع الفعل منه، والثاني دورانه على من يكون واقع منه الفعل. وقد ترى الرجل قائما بين يديك وهو يستطرد في البيان، وقد ترى وهذا شرحناه، وقد ترى الرجل قائما بين يديك وعليه ثوب ديباج، هو قائم بين يديك أمام عينك وعليه ثوب ديباج والرجل ممن عرفته قديما، ثم بعد عهدك فتتناسى، فيقال لك: اللابس الديباج صاحبك الذي كان يكون عندك في وقت كذا، أما تعرفه؟ لشد ما نسيت، ولا يكون الغرض أن يثبت له لبس الديباج لاستحالة ذلك، من حيث أن رؤيتك الديباج عليه تغنيك عن إخبار مخبر وإثبات مثبت لبسه له، يعني أنت لا تثبت هنا الانطلاق خبرا، أنت تثبت هنا، أنت تعرف حصوله كما تعرف حصول الثوب ولكنك تثبت من الذي أُسند إليه الانطلاق، أو بصيغة أخرى من الذي أُسند إليه الانطلاق. نعم ثم أقول في الأخير: فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بُدئ به فجعل مبتدأ، وجعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى خبرا، فاعلم أن الغرض هناك غير الغرض إذا كان اسم الفاعل أو الصفة خبرا كقولك زيد المنطلق، ونبدأ في الجديد.
يقول بما أنهما معرفتان أو لأنهما معرفتان، يقول: واعلم أنه ربما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب حتى يظن أن المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبرا لم يختلف المعنى فيهما بتقديم وتأخير. طبعا عبد القاهر يرفض هذا، عبد القاهر يرفض أن يقال، قال: إن أي تغيير في النظم لا يتبعه تغيير في المعنى الحاصل المعنى الخاص يرفض هذا تماما. يرى أن أي تغيير حذف إثبات تعريف تنكير تقديم تأخير استعارة كناية، إذا ماذا ماذا يا أبا قيس استعارة كناية تغيير؟ آه نعم، ألسنا تبدل كلمة بكلمة في المعنى؟ ألسنا في الاستعارة نجعل كلمة مكان معنى مكان كلمة أخرى ليست معناها؟ ألسنا في الكناية نطلق الكلمة ونريد لازمها؟ فهذا كله من النظم، كان يمكنك أن تأتي بهذا اللازم، خلاص أو هذا الملزوم لو رتبت على ما رتبته، كان يمكنك أن تأتي بهذا الذي يلازمها الذي هو مرادك وأن تجعله الأصل في الكلام، لماذا جئت بكلمة بلفظة أخرى مكانه دلت عليه بطريق الاستدلال؟ لماذا؟ هذا داخل معنا في النظم.
نعم قال: واعلم، طبعا كما قلنا عبد القاهر يرفض أي يرفض القول بأنه لا يحدث تغيير في أية صورة، لا هناك تغيير لا بد أن يقع. يقول: واعلم أنه ربما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب حتى يظن أن المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبرا لم يختلف المعنى فيهما بتقديم وتأخير، ومما يوهم ذلك، هو دائما لأنه نحوي هو دائما يركز على كلام النحاة أو النحويين لأنه يأتي على خلاف الحقيقة التي يتكلم فيها فيشتبه الأمر، فهو يقول لك سلك البيان عند النحويين مختلف عن سلك البيان عندنا. ولهذا أنا أشعر بشعور بغثيان أحيانا لما أجد أستاذا في النحو يتكلم في الشعر ويقول: كان ينبغي أن يكون كذا لأن المعنى كذا والمتعلق كذا والتقديم والتأخير يفيد كذا، وهو عقله محدود بالمعنى القريب يصححه على النحو. ينبغي للنحويين عارفا أولا بمرامي الشعراء لينظر في النحو ما يخدم هذه المرامي، فإذا بان له أنه غير جائز بأي وجه كان، خلاص هنا له الحق أن يقول: آه هذا الوجه وإن كانت نيتك بعيدة وإن كان مرامك بعيدا، وإن كانت نظرتك الشعرية دقيقة ولكن اللغة هنا لا تخدمك، هذا الوجه غير جائز في النحو إطلاقا، هنا نقول له كذلك.
ولكن هنا توجد منطقة في الوسط يا إخوة، خذوا هذه الدقيقة، توجد منطقة في الوسط هكذا في الوسط، وهي المسائل الدقيقة التي يقول بها بعض النحاة في مرام بعيد أو في وجوه بعيدة، نجدها أحيانا يأتي بها الشعراء لا سيما شعراء الكوفة كالمتنبي، ولها وجه دقيق ولها مرمى بعيد. وقبلنا أقول لكم سرا بيني وبينكم وبيني وبين من يستمع إلى هذا الدرس، سر هكذا لا تخرجوه، لا يستمع إليه، أنا في نفسي إذا وجدت، بما أنني أشتغل في الشعر، إذا وجدت ذلك في الشعر أستروح إلى القول نحويا، لأن النحو وظيفته أن يؤدي المعاني، فإذا أدى معنى نبيلا وكان صحيحا، دل ذلك على وكان من شعراء كبار معتبرين، دل ذلك ربما على ترجيح، ولا أقول ترجيح، لماذا أيضا أقول ترجيح ولست أقول؟ قلت أستروح بذلك وأميل به وقلت لا بد من.
شعراء كبار، لأنه في الأخير قد يكون غلط، ويكون الأداء الذي فهمناه مظنونا، قد يكون. المسألة دقيقة بعض الشيء، هذه تشغل بالي منذ سنين؛ بالمناسبة هذه من الدقائق التي لم أكلمكم فيها من قبل ومن مسائل ربط النحو بالشعر. إذا كان هناك وجه يأتي به شاعر، ولكن هذا الوجه أدى معنى خطيرا كلنا فهمه؛ كلنا فهمه، وهذا الوجه مثلا قول عند الكوفيين لا يظهر عند الجمهور، مثلا أو قول عند بعض النحاة واعتمد عليه الشعراء في أداء المعنى، ووجدنا أنه في عهد من العهود المعتبرة قد جاز في الناس واستحسنه، هنا سننظر إلى عدة أمور مع بعضها: حزمة من الشاعر ما قوة الأداء، ما قوة العصر، ولا أشترط هنا عصر الاحتجاج؛ أنا لا أتكلم عن الاحتجاج، خلاص ارجع إلى المسألة، لا أتكلم عن الاعتبار أن أجد القول قويا أدى وظيفة حسنة. لا نقول بعد 150 سنة الساعة 12 بالليل فسد الزمان وصار الناس لا تفهم، وصار بشار بن برد لا يفهم، وصار ذو الرمة وأبو تمام ليس لهم في اللغة وصاروا أعاجم؛ ما هذا؟ هذه عصور معتبرة، فإذا جاز فيها القول الشعري اعتبروا، وتعتبر النجاح الشعري فيها مرجحا ومروحا لهذا القول، بشرط أن يكون موجودا عند النحاة.
إذا لم يكن موجودا عند النحاة أصلا بأي وجه من الوجوه، ما كلمة موجود يعني قال به البعض ولم ينكر، ولم يعتبر قولا شاذا جاء به من لا يعتد به، لا كلام من يعتد به، وإن كان قليلا لكن يعتد به. البصريون وجمهور الذين مع البصريين أكثر من الذين مع الكوفيين، ومع ذلك هناك من ينتصر للكوفيين انتصارا ساحقا عظيما؛ خلاص قول معتبر. لكن فلنفترض أنه جاء بقول غير معتبر أصلا، بما أنه لم يعتبر إطلاقا في النحو، فهذا يدل على أن استرواح الناس له، استرواح العامة، استرواح العوام، استرواح أصحاب الدارجة الذين لا يعرفون العربية؛ إذا لم يكن له أي أصل في النحو فله أصل أصلا في لغة العامة، وإنما بدأت أنظر إذا كان له أصل في النحو؛ لأنه بدأ يدخل في الاحتمال، فصار احتمال مع قوة أداء مع مراعاة العصر، كل هذا لا يبعد أن يكون عاطفا لي نحو هذا القول أو الاعتبار لهذا القول، وإن كان خلاف الجمهور. وهذه مسألة دقيقة لا يمكن أن تضع لها ميزانا واحدا، وإنما هو ميزان الترجيح، ولكن الذي يوضع في الميزان متغير فلا يمكنك أن تضع له صورة جامدة.
فالمتنبي مثلا أنا استروح لأقوال الكوفيين التي يدعمها شعر عند المتنبي، أولا هي أقوال معتبرة حتى وإن كان مذهبنا في العام بصريا؛ أقوال معتبرة ونراها ونشهد أنها في المتنبي أدت قوة وكذا، وهي قول معتبر، فأنا أعتبر ذلك، يميلني نحو هذا القول يعطفني نحوه، وإن لم أقطع وأجزم. فهو يرى يا إخوة أنه لا يمكن أن يحصل تقديم وتأخير دون تغيير، ثم أقول مما يوهم ذلك قول النحويين، النحاة يمشون في طريق آخر، ومما يوهم ذلك قول النحويين في باب كان إذا اجتمع معرفتان كنت بالخيار، مصيبة إذا اجتمع معرفتان كنت بالخيار، لماذا ينبغي ألا نأخذ بذلك في الشعر الخيار المطلق؟ لأن الخيار هنا لا تسمعوا قل يا محمد، انقطع قبل قليل ماذا حصل انقطع الصوت قبل قليل منذ حوالي دقيقة.
عندما قلت المتنبي نعم، واضح أن هناك اضطرابا في الإنترنت أو في استقرار الشبكة عندي، على كل التسجيل خارجي؛ يعني يمكن أي شيء يمر عليك أو يفوتك فأنت تستدرك التسجيل إن شاء الله. إلا طبعا إذا شعرتم بأن هناك خللا وقع في المعنى أو الفهم، سلسلة الفهم؛ يعني أنا قلت المتنبي مثلا أنا استروح للأقوال التي يوافق بها الكوفيين، فما قاله المتنبي ووجدت أنه أدى المعنى بقوة ووافق بذلك قولا كوفيا خالف به البصريين أو خالف الجمهور، فأنا استروح إلى ذلك القول من مذاهب الكوفيين، لكن بشرط هو مذهب كوفي موجود خلاص، وإن كان كما قلت الجمهور بصري، وأنا استقرارنا في الدراسة النحوية بصريه غالبا. فانظروا يقول إذا اجتمع معرفتان كنت بالخيار، هذا هو هنا المشكلة وقعت، لماذا لا يمكنك أن تسحب هذا الكلام في الشعر أن تكون هكذا بالخيار المطلق؟ لأن الخيار هنا هو خيار أو تخيير من حيث أصل ما يجوز أن يستعمله المتكلم ليكون جائزا في العربية، تلك هي عناية النحوي من حيث كونه نحويا؛ يعني لما أقول لك النحو يجوز، يقول لكم أنتم أيها الشعراء أيها المتكلمون يجوز لك كذا وكذا، ليس معناه أنه في كل نص يجوز لك كذا وكذا، بل معناه أنك يجوز لك في أصل اللغة أن تستعمل ذلك إذا اقتضاه مقامك، هذا هو معنى يجوز يعني صحيح في العربية. هذه عناية النحوي أيها الإخوة، أن يكون صحيحا في العربية، ليس المراد أنه يختار بحيث يكون صحيحا في كل المواضع بسياقها المعينة التي تقتضي أحوالا خاصة.
قال ومما يوهم ذلك قول النحويين في باب كان إذا اجتمع معرفتان كنت بالخيار في جعل أيهما شئت اسما والآخر خبرا، كقولك: كان زيد أخاك، وكان أخوك زيدا، فيظن منها هنا أن تكافؤ الاسمين في التعريف يقتضي ألا يختلف المعنى بأن تبدأ بهذا وتثني بذاك، وحتى كان الترتيب الذي يدعى بين المبتدأ والخبر وما يوضع لهما من المنزلة في التقدم والتأخر يسقط ويرتفع إذا كان الجزءان معا معرفتين، يعني يريد أن يقول هذه القاعدة خطيرة، هذه القاعدة الخطيرة وهي أن الاختلاف مضطرد مع التغيير، هذه القاعدة واقعة لا محالة، مضطردة لا محالة، لا توجد صورتان في الكلام تختلفان ويقال المعنى كله واحد، لا اختلاف في شيء من أية جهة، لا يوجد حتى إذا كان الجزءان معرفتين لا يوجد، ربما تظن.
يعني البث كان يتقطع، وأخونا الحبيب عقيل يريد أن أشرح مرة أخرى قضية النحاة، هو يقول هنا ومما يوهم ذلك يعني يوهم أنه لا فرق بين التقديم والتأخير إذا كان كل من المبتدأ والخبر معرفتين، قال ومما يوهم ذلك قول النحويين في باب كان إذا اجتمع معرفتان كنت بالخيار، قلت هذا الكلام لا ينسحب في الشعر لأن الخيار هنا هو من حيث أصل ما يجوز أن يستعمله المتكلم في كلامه ليكون جائزا في العربية؛ يعني هو من أصل الصحة، لما أقول لك في النحو يجوز لك أن تأتي بكذا ويجوز لك أن تأتي بكذا، يجوز لك أن تقدم ويجوز لك أن تؤخر، هذا ليس معناه أنه يجوز لك في كل موضع، هذا يجوز لك في أصل العربية، هذه هي عناية النحوي من حيث كونه نحويا، ليس المراد أنه يختار بحيث يكون صحيحا في كل المواضع، إنما هم يقولون لك يجوز لك أن تفعل كذا ويجوز لك أن تفعل كذا، يعني إذا اقتضى مقامك كذا جاز لك هذا، وإذا اقتضى مقامك كذا جاز لك هذا، هم يعطونك فقط الوجوه الجائزة نحوا، بعد ذلك أنت في كل كلام بحسبك.
فيقول كنت بالخيار في جعل أيهما شئت اسما والآخر خبرا، كقولك: كان زيد أخاك، وكان أخوك زيدا، فيظن منها هنا أن تكافؤ الاسمين في التعريف يقتضي ألا يختلف المعنى بأن تبدأ بهذا وتثني بذاك، وحتى كان الترتيب الذي يدعى بين المبتدأ والخبر وما يوضع لهما من المنزلة في التقدم والتأخر يسقط ويرتفع إذا كان الجزءان معا معرفتين؛ يعني يسقط اعتباره ويرتفع أثره. عبد القاهر يريد أن يقول لك هنا هذه قاعدة مضطردة خطيرة، هي أن الاختلاف مضطرد مع التغيير لا يتخلف واقع لا محالة، لا توجد صورتان في الكلام تختلفان ويقال المعنى كله واحد، لا اختلاف في شيء من أية جهة، لكن ربما نقول هو نفس المعنى توسعا وجوازا في النحو، وأن الغرض النحوي لم يختلف، وأن مجرد المعنى أو المعنى المجرد لم يختلف، هذا معنى أن تقول المعنى هو هو، هذا معناه.
قال ومما يوهم ذلك أنك تقول: الأمير زيد، وجئتك والخليفة عبد الملك، فيكون المعنى على إثبات الإمارة لزيد والخلافة لعبد الملك، كما يكون إذا قلت: زيد الأمير، وعبد الملك الخليفة، وتقوله لمن لا يشاهد، ومن هو غائب عن حضرة الإمارة ومعدن الخلافة. الشبهة هنا وقعت لكون الطرفين معرفتين، وكل ما يأتي يا إخوة من كلام عبد القاهر الآن هو تفنيد لهذه الشبهة ورفع لها؛ سيطيل في الكلام، هو يريد أن يقول لك إذا حصل تقديم وتأخير مبتدأ وخبر معرفتين فغيرت مرة هذا ومرة هذا لابد أن يحصل تغيير، وإن كان معرفتين، لكن الأمير زيد ربما تراها لا تختلف عن زيد الأمير، وجئتك والخليفة عبد الملك لا تختلف عن عبد الملك الخليفة، فهنا الشبهة وقعت من كون الطرفين كل هذا توضيح لها، وكل هذه الشبهة وقعت من هذا الأصل أن الطرفين معرفتان، وكل ما سيأتي من كلام عبد القاهر تفنيد لهذه الشبهة.
يقول وهكذا من يتوهم في نحو قوله: «أبوك حباب سارق الضيف بردَهُ، وجدي يا حجاج فارس شَمْرِ». أنا أحفظها في الديوان بالفتح يا إخوة شَمَر، وهنا شمر، وأنا أحفظها من الديوان شَمَر. نعم ديوان جميل بثينة من الدواوين التي مكثت معها مدة، لماذا يا إخوة؟ لأن جميل شهر بجوار المجنون في العامة، والمجنون شاعر شاع في العامة وفي الخاصة، لكن لم يعن به الخاصة شاعرا عظيما كبيرا فحلا، بل هو يذكر في كتب الأدب العام، فهو شهر عند الناس بجميل بثينة وببعض أبياته ليس حتى بقصيدة أو بأبيات كثيرة كالمجنون، أو لم تشتهر قصائد عند العامة أصلا حتى المؤنسة. المهم فلما درست الشعر اكتشفت أنه أو انتبهت إلى أنه شاعر فحل عظيم جدا، خلاص شاعر، طبعا لا يمكن يا عقيل يقارن بجميل، جميل شاعر، المجنون شاعر لطيف يقول الشعر وقاله في حبيبته، وديوانه هذا يشاركه فيه 80 شاعرا، أما جميل بثينة فشاعر معدود في الفحول الذين يقتدى بهم، ولهذا عنيت به شديدا وحفظت من شعره كثيرا. قال: «أبوك حباب سارق الضيف برده، وجدي يا حجاج فارس شمر».
قال إنه يعني وهكذا من يتوهم في نحو قوله: «أبوك حباب سارق الضيف برده، وجدي يا حجاج فارس شمر»، أنه لا فضل بينه وبين أن يقال: حباب أبوك، وفارس شمر جدي، وهو موضع غامض. انظر الكلمة، عبد القاهر يقول: وهو موضع غامض، غامض. قال: والذي يبين وجه الصواب، اسمع اسمع الجمال والدقة، قال: والذي يبين وجه الصواب ويدل على وجوب الفرق بين المسألتين، هذه اعتبروها قاعدة، ما بعد النقطتين من أول السطر إلى نصف السطر الثاني إلى نهاية الفقرة، يعني أنك إذا تأملت الكلام وجدت ما لا يحتمل التسوية وما تجد الفرق قائما فيه قياما لا سبيل إلى دفعه هو الأعم الأكثر. مرة أخرى، أنك إذا تأملت الكلام وجدت ما لا يحتمل التسوية، وما تجد الفرق قائما فيه قياما لا سبيل إلى دفعه هو الأعم الأكثر. أنك إذا تأملت الكلام وجدت الذي لا يحتمل التسوية، وما تجد الفرق، أي والذي تجد الفرق قائما فيه قياما لا سبيل إلى دفعه، وجدته هو الأعم الأكثر. هذا استدلال مبدئي كلي أيها الإخوة، هذا استدلال مبدئي كلي، يقول لك إن كنت لم تقدر على إدراك الفروق هنا فاعلم أنها حاصلة وإن لم تدركها، والدليل على ذلك هو يقول لك هذه فروع أنت لم تدرك فيها وجه الفرق ولكنها واقعة لا محالة وإن لم تدركها، ستقول له لماذا من أين جئت بذلك؟ الدليل على ذلك هو وقوعها وظهور الوقوع في أغلب الأحوال، ولا فرق بين أغلب الأحوال وهذه القليلة، سوى أنه قد خفي هنا وجل هناك، خفي هنا وجل هناك، أما علة الاختلاف وهي توزع الاهتمام، تقسيم الاهتمام بحسب الترتيب، هذه العلة حاصلة في الجميع، فهو وضع لك المسألة في صورة أن هذا الذي لم يبن لك هو فقط استثناءات شاذة قليلة فتدرج في القاعدة، هذا ما أراده من هذين السطرين.
قال وإن أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى ما قدمت لك من قولك: اللابس الديباج زيد، وأنت تشير له، شوف هو أيضا متكلم مجادل عبد القاهر أيضا متكلم، وأنت تشير له إلى رجل بين يديه، ثم انظر إلى قول العرب: ليس الطيب إلا المسك، وقول جرير: ألست خير من ركب المطايا.
ونحو قول المتنبي: ألسْتَ ابنَ الأُلى سَعَدوا وسادوا؟ وأشباهُ ذلك مما لا يُحصى ولا يُعَدُّ. واردُ المعنى على أن يُسلَّمَ لك مع قلبِ طرفي الجملة؛ قُل: ليسَ المسكُ إلا الطيبَ، الأولُ قال: ليسَ الطيبُ إلا المسك، قُل: ليسَ المسكُ إلا الطيبَ. وألستُم خيرَ مَن رَكِبَ المطايا، إياكم، بدلاً من ألستُم خيرَ مَن رَكِبَ المطايا، قُل: أليسَ خيرُ مَن رَكِبَ المطايا إياكم، وبدلاً من أن تقولَ: ألستَ ابنَ الأُلى سَعَدوا وسادوا، قُل: أليسَ ابنُ الأُلى سَعَدوا وسادوا إياك؟ تعلم، هذا هو قُل كذا، تعلم، خلاص واردُ المعنى على أن يُسلَّمَ لك، وقُل كذا تعلم، أنَّ الأمرَ على ما عرفتُكَ مِن وجوهِ اختلافِ المعنى بحسب التقديم والتأخير. قُلتُ لك في الصفحةِ قبلَ الماضية: كُلُّ ما سيأتي مِن كلامِ عبد القاهرِ تفنيدٌ لشُبهةِ أنَّ المعرفتين لا يؤثرُ فيهما تقديمٌ وتأخيرٌ، كما وقعَ التوهمُ في بعضِ الصورِ.
قال: وها هنا نُكتةٌ. نُكتةٌ يعني دقيقةٌ لطيفةٌ جيدةٌ، وها هنا نُكتةٌ وهذا قال: نُكتةٌ بلاغيةٌ، وإياكَ أن تَحملَها على النُّكتةِ المصرية، نُكتةٌ بلاغيةٌ يعني دقيقةٌ بلاغيةٌ، كهذه التي تجدُها عندَ الملكِ الضليلِ العجيبِ المعجزِ. قال: طب واللهِ مُعجزٌ، الرجلُ يقول: نَشيمُ بُروقَ المُزنِ أينَ مصابُهُ، ولا شيءَ يَشفي منكِ يا ابنةَ عَفْزَا. بعدَ قولِه: لقد أنكرتني بَعْلَبَكُّ وأهلُها، تَرون عجبًا إن شاء الله في شرحِ «سَمَطِ الشوقِ» الذي يَخرجُ بعدَ كتابِ «كشفِ الجهالاتِ» إن شاء الله. يقول: لقد أنكرتني بَعْلَبَكُّ وأهلُها، ولا ابنَ جُريجٍ في قُرى حِمْصَ، نَشيمُ بُروقَ المُزنِ أينَ مصابُهُ، ولا شيءَ يَشفي منكِ يا ابنةَ عَفْزَا. كُلُّ الشُّرَّاحِ وكُلُّ مَن يتكلمُ يقول: نَشيمُ مِن الشِّيَمِ، وهو تتبُّعُ البرقِ والسحابِ، وينظرونَ أينَ يَنزلُ ماؤهُ، فإذا كانَ يتوجهُ بماءِهِ هذا المُزنُ إذا كانَ يتوجهُ بماءِهِ نحو أهلِ الغريبِ أو المغتربِ استبشرَ بذلك خيراً واشتفى بهِ ودعا له وقال: اسقِ الأرضَ وبلِّغهم واحمل الرسائلَ إلى آخره، فيشتفي بهِ. ولهذا بنى على ذلك امرؤُ القيسِ فقال: ولا شيءَ يَشفي منكِ يا ابنةَ عَفْزَا، وهذا كُلُّه كلامٌ صحيحٌ ولكنهُ كلامٌ ناقصٌ في حَقِّ هذا الملكِ، كلامٌ ناقصٌ في حَقِّ هذا الملكِ، ولا بُدَّ أن تَعلَموا هذه الدقائقَ لترقوا إليها يوماً وتتأملوا في فلسفتِها، تلمسوا كيفيةَ الصعودِ إليها. الجميعُ نظرَ إلى «نَشيمُ» أنَّ الشِّيَمَ معناهُ كذا، ولم أنظرْ مَن نظرَ إلى الجمعِ في ضميرِ «نَشيمُ» الفاعلِ؛ لماذا؟ وهو الذي يَشيمُ وهو الذي اشتفى أو لم يشتفِ. وهذه دقيقةٌ مِن أسرارِ امرئ القيسِ المطردةِ في شعرِهِ، وهي تضمينُ أو تكتيمُ الحدثِ الكبيرِ في اللفظةِ الواحدةِ بحيث لا يمكنكَ أن تفهمَ اللفظةَ المطبوعةَ شديدةَ النعومةِ التي مِن نُعومتِها وطبعِها تمرُّ عليها مروراً وتفسِّرُها مِن سُهولتِها بالظاهرِ، ولا تجدُ في اللفظةِ ظاهراً ما يَشي بالبُعدِ والكثافةِ في المعنى. يقولُ لك: نَشيمُ بُروقَ المُزنِ، مَن الذي يَشيمُ؟
أمامكَ وجهان: الوجهُ الأولُ أن تحملَها على التعظيمِ، والتعظيمُ يأبى هذا الموضعَ، يلفظُهُ، ينبو التعظيمُ عن هذا السياقِ، نَشيمُ بُروقَ المُزنِ، لا يمكنُ لا يتصورُهُ عاقلٌ ولا مجنونٌ، لم يبقَ إلا أن يقصدَ نفسَه وأصحابَه، وأنَّ الضميرَ يعودُ على جَمْعٍ يشملُه، وأنَّكَ لا بُدَّ وأن تستحضرَ في ذلك أنَّه أقامَ حفلَ شِيَمٍ للبرقِ، وأنَّه يُظهرُ بذلك احتفاءَ أصحابِه واحتفالَهُ فقط لحبيبتِهِ، وأنَّه إذا يَشيمُ البرقَ بُروقَ المُزنِ شاموهُ معها أو معه، شاموهُ معَه. نَشيمُ بُروقَ المُزنِ، نَجلسُ نَشيمُ بُروقَ المُزنِ مِن تَجبُّرِهِ، نَشيمُ بُروقَ المُزنِ لا يمكنُ أن يقصدَ نفسَه لأنَّ «نا» الفاعلين لا يمكنُ أن تأتيَ هنا. نَشيمُ بُروقَ المُزنِ أرادَ نفسَه والمُسافرين، وهذا هو ما فعلَه في مطلعِ مُعلقتِه: قِفا نَبكِ مِن ذكرى حبيبٍ ومنزلِ، مع أنَّه مَنزلٌ له ذكرياتُه هو فيه، وحبيبةٌ له هو، فكذلك نَشيمُ بُروقَ المُزنِ أينَ مصابُهُ؛ فكلمةُ نَشيمُ وحدَها أحضرتْ معَه السفرَ، أحضرتْ معَه أصحابَه، وأنَّهم يَجلسونَ جميعاً يَشيمونَ بُروقَ المُزنِ أينَ مصابُهُ، يُجاملونَ، يستبشرونَ لِبِشرِه، يتألمونَ لألمِهِ، ثم ولا شيءَ يَشفي، يعني يَشفيني أنا منكِ يا ابنةَ عَفْزَا، ثم تركَ أصحابَه والجميعَ مِن القاصراتِ الطرفِ: لَو دَبَّ مُحوَلٌ مِن الذَّرِّ فوقَ الإتْبِ منها لأثَّرَ، يا رَجلُ تتكلمُ عن إيه يا رَجلُ؟ هذه نُكتةٌ وأيُّ نُكتةٍ، وها هنا نُكتةٌ يجبُ القطعُ معها بوجوبِ هذا الفرقِ أبداً، وهي أنَّ المبتدأَ لم يكُن مبتدأً لأنه منطوقٌ به أولاً، ولا كانَ الخبرُ خبراً لأنه مذكورٌ بعدَ المبتدأِ، بل كانَ المبتدأُ مبتدأً لأنه مُسنَدٌ إليه ومُثبَتٌ له، والخبرُ خبراً لأنه مُسنَدٌ ومُثبَتٌ به المعنى. المبتدأُ لم يكُن مبتدأً لأنه منطوقٌ به أولاً، ولا كانَ الخبرُ خبراً لأنه مذكورٌ بعدَ المبتدأِ، بل كانَ المبتدأُ مبتدأً لأنه مُسنَدٌ إليه ومُثبَتٌ له المعنى، وكانَ الخبرُ خبراً لأنه مُسنَدٌ ومُثبَتٌ به المعنى. الآن عبدُ القاهرِ يُديرُ المسألةَ على فلسفةٍ جيدةٍ، ركِّز جيداً، ما وجهُ إثباتِ ذلك في كلامِهِ؟
عبدُ القاهرِ الآن يُديرُ المسألةَ على فلسفةٍ جيدةٍ، يقولُ لك: إذا كانَ المبتدأُ مبتدأً، هذا المبتدأُ كانَ مبتدأً لأنكَ تتحدثُ عنه، والخبرُ كانَ خبراً لأنكَ تُسندُ، تتحدثُ به، والحديثُ في الشيءِ، والحديثُ بالشيءِ، والحديثُ في الشيءِ أو عن الشيءِ، الحديثُ عن الشيءِ والحديثُ بالشيءِ عن شيءٍ آخرَ شيئانِ مختلفانِ، ومعنى ذلك أنَّكَ إذا قدَّمتَ المعرفةَ الثانيةَ وجعلتَها أولى مبتدأً، وأخَّرتَ وجعلتَ كذا يعني أخَّرتَ وأنت خارجُ النصِّ لا على نِيَّةِ التأخيرِ، إذا قدَّمتَ وأخَّرتَ فأنتَ جعلتَ الشيءَ مرَّةً متحدثاً عنه، ومرَّةً متحدثاً به، وهذا اختلافٌ حَسبُكَ به. وانتهى، شُفت طريقةَ المتكلمين، متكلمٌ يعني مستحيلٌ تلاقي الآمديَّ يتكلمُ هكذا، مستحيلٌ الآمديُّ يتكلمُ بهذه اللغةِ، لا، لا يميلُ إليها أصلاً. نعم، قال: وها هنا نُكتةٌ يجبُ القطعُ معها بوجوبِ هذا الفرقِ أبداً، وهي أنَّ المبتدأَ لم يكُن مبتدأً لأنه منطوقٌ به أولاً، ولا كانَ الخبرُ خبراً لأنه مذكورٌ بعدَ المبتدأِ، بل كانَ المبتدأُ مبتدأً لأنه مُسنَدٌ إليه ومُثبَتٌ له المعنى، وكانَ الخبرُ خبراً لأنه مُسنَدٌ ومُثبَتٌ به المعنى.
تفسيرُ ذلك أنَّكَ إذا قُلتَ: زيدٌ منطلقٌ، فقد أثبتَّ الانطلاقَ لزيدٍ وأسندتَه إليه، فزيدٌ مُثبَتٌ له، ومنطلقٌ مُثبَتٌ به. وأما تقديمُ المبتدأِ على الخبرِ لفظاً فحُكمٌ واجبٌ مِن هذه الجهةِ، أي مِن جهةِ أنَّ كانَ المبتدأُ هو الذي يُثبَتُ له المعنى ويُسنَدُ إليه، والخبرُ هو الذي يُثبَتُ به المعنى ويُسنَدُ. ولو كانَ المبتدأُ يعني أنت قدَّمتَ المبتدأَ اتباعاً للأصلِ في أنَّه مُتحدثٌ عنه، يعني هو يقولُ لك رسمُهم المبتدأَ في الأولِ أن تقولَ: زيدٌ منطلقٌ، لأنَّ الأصلَ أنَّكَ إذا تحدثتَ عن الشيءِ قدَّمتَ الشيءَ الذي تُثبِتُ عليه، صحَّ يعني تتحدثُ عن الشيءِ فالأصلُ فيه أن يُقدَّمَ، ولهذا حتى لو أخَّرَ مَن درسَ النحو جيداً يعلمُ في مسألةِ عودِ الضمائرِ أنَّه يجوزُ عودُ الضميرِ على متقدمٍ لفظاً أو ماذا؟ أو رتبةً، يعني ما كان موجوداً رتبةً أو موجوداً لفظاً يجوزُ أن ترجعَ عليه الضميرَ، فإذا انتفى التقدمُ رتبةً ولفظاً لم يَصحَّ إرجاعُ الضميرِ، لم يصحَّ تُرْجِعُه على ماذا؟ الضميرُ هنا تُرْجِعُه على ماذا؟ امتنعَ ذلك، فالضميرُ يرجعُ على المتقدمِ لفظاً. طب لفظاً مفهومٌ، طب رتبةً؟ لأنَّ مكانَه أن يكونَ هنا المبتدأُ، فقُدِّمَ في اللفظِ غالباً ليس دائماً كما تعلمونَ مراعاةً لذلك، فلن يخلَّ ذلك بكونِ المبتدأِ قُدِّمَ لأنه مُتحدثٌ عنه، لأنَّه هو يفترضُ استشكالَ عبد القاهرِ متكلمٌ متكلمٌ مِن الطرازِ الأولِ يعني، يفترضُ استشكالاً يقولُ: وقد يقولُ قائلٌ لا نحن نرى المبتدأَ متقدماً في اللفظِ، لماذا لا يكونُ مبتدأً لأنه قُدِّمَ في اللفظِ؟
لماذا؟ فيقولُ عبد القاهر: لا، هو جُعِلَ متقدماً في اللفظِ مراعاةً للمعنى الذي قُلناه أنَّه مُتحدثٌ عنه، بدليلِ يظلُّ مبتدأً وإن أخَّرَ، رايتَ؟ لأنَّه أيضاً مُتحدثٌ عنه. رأيتُم يا إخوة؟ طيب، يقولُ: وأما تقديمُ المبتدأِ على الخبرِ لفظاً فحُكمٌ واجبٌ مِن هذه الجهةِ، مِن هذه الجهةِ، مِن هذه الجهةِ، مِن جهةِ أنَّه مُتحدثٌ عنه، فهو حُكمٌ تابعٌ مِن هذه الجهةِ، أي مِن جهةِ أنَّ كانَ المبتدأُ هو الذي يُثبَتُ له المعنى ويُسنَدُ إليه، والخبرُ هو الذي يُثبَتُ به المعنى ويُسنَدُ، ولو كانَ المبتدأُ مبتدأً لأنه في اللفظِ مُقدَّمٌ مبدوءٌ به لكانَ ينبغي أن يخرجَ عن كونِه مبتدأً بأن يُقالَ: مُنطلقٌ زيدٌ، ولَو وجبَ أن يكونَ قولُهم إنَّ الخبرَ مُقدَّمٌ في اللفظِ والنيَّةِ به التأخيرُ محالاً. فهمتُم هذا يا إخوة؟ مفهومٌ للجميعِ ها؟ هذا المفهومُ هو حتى مع التأخيرِ يظلُّ مبتدأً، معناهُ لم يتأخر عنه. نعم هو يا عقيل يجتهدُ في البيانِ، يجتهدُ جداً.
وإذا كانَ هذا كذلك، ثم جئتَ بمعرفتين، لماذا قال بمعرفتين يا إخوة؟ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يصلحُ لأن يكونَ مبتدأً ويصلحُ لأن يكونَ خبراً، قال بمعرفتين لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يصلحُ لأن يكونَ في نفسِ مكوناتِ الجملةِ يصلحُ لأن يكونَ مبتدأً ويصلحُ لأن يكونَ خبراً، وهو بذلك يرجعُ ليوضحَ الشبهةَ في أمثلةِ الفقرةِ السابعةِ بعد المائتين. يرجعُ لكلمةِ: زيدٌ الأميرُ، والأميرُ زيدٌ، عبدُ الملكِ الخليفةُ، الخليفةُ عبدُ الملكِ. الآن هو يرجعُ ليوضحَ الشبهةَ في أمثلةِ الفقرةِ، كُلُّ هذا كانَ يُثبِتُ أنَّه لا بُدَّ أن يحصلَ الفرقُ، وانتهى بهذه النُّكتةِ، يقولُ بعدَ ذلك بناءً على أو تأسيساً على كُلِّ هذا الذي حاولَ حلَّ الشبهةِ مِن خلالِه يقولُ: وإذا كانَ هذا كذلك ثم جئتَ بمعرفتين فجعلتَهما مبتدأً وخبراً، فقد وجبَ وُجوباً أن تكونَ مثبتاً بالثاني معنىً للأولِ، جميلٌ، فإذا قُلتَ: زيدٌ أخوكَ، كُنتَ قد أثبتَّ بأخوكَ معنىً لزيدٍ، صوابٌ، وإذا قدَّمتَ وأخَّرتَ فقلتَ: أخوكَ زيدٌ، وجبَ أن تكونَ مُثبتاً بزيدٍ معنىً لأخوكَ، صحيحٌ، وإذا كانَ وإلا كانَ تسميتُك له الآن مبتدأً وإذ ذاك خبراً تغييراً للاسمِ عليه مِن غيرِ معنىً صحيحٍ، أنتَ لا بُدَّ أن تتحدثَ عنه، أنتَ مع معرفتينِ كُلُّ منهما كما قُلتُ يصلحُ لأن يكونَ مبتدأً وخبراً، انتبه، عبد القاهرِ يبني على معرفةٍ نحويةٍ عندك.
خلاص، قال: ولأدَّى إلى أن يكونَ لقولِهم المبتدأُ والخبرُ فائدةٌ غيرَ أن يتقدَّمَ اسمٌ في اللفظِ على اسمٍ مِن غيرِ أن ينفردَ كُلُّ واحدٍ منهما بحُكمٍ لا يكونُ لصاحبِه، خلاص، وذلك مما لا يُشكُّ في سُقوطِهِ، تمامٌ كلامٌ ظاهرٌ جداً جداً جداً. نعم، قال: ومما يدلُّ دلالةً واضحةً على اختلافٍ في المعنى، ياه سيدخلُ معك في معمعةٍ الآن معمعةِ الحبيبِ أنتَ وأنتَ الحبيبُ، أوف قصةٌ هذه، قصةٌ.
قال: ومما يدلُّ دلالةً واضحةً على اختلافِ المعنى إذا جئتَ بمعرفتين ثم جعلتَ هذا مبتدأً وذاك خبراً تارةً وتارةً بالعكسِ، قولُهم: الحبيبُ أنتَ، وأنتَ الحبيبُ، وذاكَ أنَّ معنى: الحبيبُ أنتَ، هذا لا بُدَّ أن يتضحَ سياقُهُ يا إخوة، المقصودُ هنا هو حُكمُهُ، تبينَ هو حُكمُهُ تبينَ مَن هو الحبيبُ، فيُقالُ فيها: الحبيبُ أنتَ، على طريقةِ الصوفيةِ، يا أنا. تفهمونَ الصوفيةَ يا أنا؟ الحبيبُ أنتَ، مَن الحبيبُ؟ الحبيبُ أنتَ. طيب، ولماذا لا يصلحُ الحبيبُ أنتَ؟ يعني حبيبي هو أنتَ، سنعرفُ الآن لماذا لا يصلحُ، كونوا معنا وشدوا الأحزمةَ، قال: كلامٌ ممتعٌ.
قال قولُهم: الحبيبُ أنتَ، وأنتَ الحبيبُ، واللهِ أنا أستمتعُ وأنا أشرحُ معكم الكتابَ لأنَّه يرجعُ بي إلى سنينَ طويلةٍ ماضيةٍ قرأتُ فيها هذا الكتابَ ما لا أُحصي، وظللتُ أعيشُ في داخلِهِ وارتبطتُ بزمانِ تحصيلِ الفكرةِ والفلسفةِ في الشعرِ وبداياتِ الانطلاقِ البياني، لأنَّني عشتُ كأيِّ طالبٍ أزهريٍّ على علومِ البلاغةِ: تلخيصُ القزوينيِّ، والجوهرُ المكنونُ وكذا وحفظتُهُ والنظمُ وهكذا، والمتونُ الصغيرةُ، أما كتبُ عبد القاهرِ فهي مهجورةٌ للاسفِ مهجورةٌ، فدرستُ هذه العلومَ في البلاغةِ وانطلقتُ في رحلةٍ طويلةٍ شاقةٍ مع كتبِ عبد القاهرِ، فالآن تأتي معي طبقاتٌ مِن الذكرياتِ لا طبقةٌ واحدةٌ. الحبيبُ أنتَ، وأنتَ الحبيبُ، وذاكَ أنَّ معنى: الحبيبُ أنتَ، أنَّه لا فصلَ بينكَ وبين مَن تحبُّهُ إذا صَدقتِ المحبةُ، لا فصلَ بينكَ وبين مَن تحبُّهُ إذا صَدقتِ المحبةُ، وأنَّ مَثَلَ المتحابَّينِ مَثَلُ نَفْسٍ يقتسمُها شخصانِ كما جاء عن بعضِ الحكماءِ أنَّه قال: الحبيبُ أنتَ إلا أنَّهُ غيرُكَ. اعدلوا يا إخوة، اضبطوا، أظنُّ عندَكم خللاً، إلا أنَّه غيرُكَ عندَكم، إلا أنْ صحَّ عنكم إلا أنْ أو إلا أنَّه بدون الهاء، صحَّ، إلا أنَّهُ مضبوطةٌ، نسخةُ شاكر خنجي عندك؟
جيد، طيب، مع الضميرِ، نعم. ولا أدري عندي كأنَّها كانت ممسوحةً وكتبتُها، المهم: الحبيبُ أنتَ إلا أنَّهُ غيرُكَ، قال كما جاء عن بعضِ الحكماءِ أنَّه قال: الحبيبُ أنتَ إلا أنَّهُ غيرُكَ، فهذا كما ترى، فهذا كما ترى فرقٌ لطيفٌ ونُكتةٌ شريفةٌ، فهذا كما ترى فرقٌ لطيفٌ ونُكتةٌ شريفةٌ، ولو حاولتَ أن تفيدَها بقولِكَ: أنتَ الحبيبُ، أنتَ الحبيبُ يعني أنتَ الحبيبُ يعني الحبيبُ هو هذا المتلبِّسُ بكَ، أنتَ الحبيبُ، لم تأتِ، لم تأتِ، خلاص، الحبيبُ أنتَ إلا أنَّه غيرُكَ، فهذا، لم أدرك القراءةَ يا عقيل كأنَّكَ سألتَ عن شيءٍ، فهذا كما ترى فرقٌ لطيفٌ، فرقٌ لطيفٌ ونُكتةٌ شريفةٌ. ولو حاولتَ أن تفيدَها قُل يا عقيل تفضل. مولانا الألف واللام هنا في الحبيب، مِن ضمير، يعني حبيبكَ أنتَ؟ لا لا لا، إذا لم تفهمَ المقصودَ، الحبيبُ يعني جِنسُ الحبيبِ، مَن هو الحبيبُ الذي يكونُ الحبيبَ الحقَّ؟
الحبيب، أنت. وعلى ذلك أنا قلت: لابد أن أوضح هذا من الأول؛ ليتضح السياق، المقصود هو حكمه بين من هو الحبيب. وقلت سأبين لماذا لا يراد بها الحبيب أنت، يعني حبيبي أنت. سأبين، لا، لا يقصد بها هذا. لو قلت لشخص ما: هذا من المسائل التي استوقفتني في أول قراءتي للكتب، قلت لهذا الكتاب: ما المشكلة في الحبيب أنت؟ يعني اذهب لحبيبة لي أنا أحب فلانة، أقول لها: الحبيب أنتِ، يا سلام! طبعاً سيمر الكلام مع الحبيبة في عصرنا؛ لأنها أيضاً من أهل هذا العصر. الله، المهم قال: حبيب وأنت وخلصنا. لكن لو ذهبت إلى عربية فصيحة وقلت لها: الحبيب أنتِ، ستقول: والله كأنك تشي بنفسك. ستعرف لماذا الآن قلت لك هذا من المتعة التي لقيتها وأنا أدرس هذا الكتاب قديماً.
قال: ولو حاولت أن تفيدها بقولك أنت الحبيب، يعني هذا المعنى الحبيب أنت، إذا أردت أن تفيدها إذا أردت أن تؤديها بـ أنت الحبيب لم تصلح، لا يستقيم معك. ولو حاولت أن تفيدها بقولك أنت أنت الحبيب، حاولت ما لا يصح. أنت لازم تقدم الحبيب، الحبيب أنت؛ لأن الذي يعقل من قولك أنت الحبيب هو ما عناه المتنبي في قوله: «أنت الحبيب، ولكني أعوذ به من أن أكون محباً غير محبوبي». ولا يخفى بعد ما بين الغرضين، فالمعنى في قولك أنت الحبيب: أنك الذي أختصه بالمحبة من بين الناس. هذا هو، يعني أنت الذي أحبه، لا أحد أحبه غيرك، أنت الحبيب أنت فقط.
ولهذا أنا قدت قول أخينا جاسم الصحيح لما قال: وأنت أنت حديث لابن عباس. لماذا أكدت وأنت أنت حديث لابن عباس؟ لا، أنت قدم أنت وأنت حديث لابن عباس، هكذا ضربة لازب وانتهت. لماذا التشكيك بـ أنت أنت حديث لابن عباس؟ هذا يدل على التشكيك في موضع لا يقبل التشكيك. كذلك هنا، لو قال: أنت أنت الحبيب خف مراده، خف غرضه، وتسلل الشك إلى كلامه، لكن هو قال: أنت الحبيب، ولكني أعوذ به -بالحبيب- من أن أكون محباً غير محبوبي.
قال: ولا يخفى بعد ما بين الغرضين، فالمعنى في قولك أنت الحبيب: أنك الذي أختصه بالمحبة من بين الناس. لماذا يا إخوة ركزوا؟ لأن المعرفة التي بدأ بها في قوله أنت الحبيب هي ضمير المخاطب بالكلام. بخلاف ما لو بدأ بـ الحبيب، فهي معرفة، لكن لم يحصل بها تعيين؛ فانصرف التعريف إلى الحبيب الكامل. لو بدأ بـ ال الحبيب، يعني الحبيب الكامل.
طب المفروض عقيل عايز يسأل: طيب ولماذا لا تحمل على حبيبي أنت؟ سياتي الكلام، سياتي. قال: وإذا كان كذلك عرفت أن الفرق واجب أبداً، وأنه لا يجوز أن يكون أخوك زيد، وزيد أخوك بمعنى واحد. وها هنا شيء يجب النظر فيه، قل يا عقيل: مولانا، أقصد بالضمير الكاف، يعني من حقه أن يحب، هو من يكون إياك، من يكون كأنت، يعني حبيبك أنت، يعني الحبيب هنا، الـ في الحبيب كأنها فيها معنى الضمير هذا الذي فهمت الذي هو حبيبك أنت؟ نعم، يعني المعنى أنه من هو حبيبك بحق يكون أنت، وهو سي يعني ال هنا عنت هذا. اه، من هذه الجهة، هذا مفهوم، هذا سهل أصلاً؛ لأنك تخاطب شخصاً بعينه، بالضبط ال هنا نابت عن ضمير. نعم، وأيضاً فيها معنى الجنسية لأنه أطلق جنس الحبيب أصلاً، الحبيب جلفاني حقيقة الشيء، ولأنك أيضاً ستلاحظ شيئاً في الأدب هنا أن أنت في الحقيقة لا تعني بها عين المخاطب، تعني بها كل سائل أو كل مخاطب. خدت بالك؟ لما تكل شخص في حكمة الحبيب أنت، أنت لا تقصد عمر أو زيداً أمامك، أنت تقصد كل من يخاطب الحبيب، فجنس الحبيب هو جنس المحبوب.
يا أخي، علب صوفية ولا إيه؟ لا تلحق الألف واللام ضميراً عائداً على أنت، يعني يكون معنى حبيبك أنت. يعني خليني أقول والله حتى هذه التي فيها إذا لـ يكون فيه اختصاص ستكون الحكمة فاسدة. أقول لك شيء، أتخيلها على هيئة أخرى -وإن كان إذا كان للخيال أن ينطلق- أن تضع الحبيب بين قوسين، وأنت بين قوسين، ويكون كل منهما جنس لما هو من جنسه، أو لما هو صادق عليه، فالحبيب هو كل محب جنس المحبين، وأنت هو جنس المحبوبين، الحبيبان. فاهم الكلام ده؟ ما أنا سوري حطيت القوسين عند كل واحد، وطلع يا أخي اللغة هذه لا نهاية لها سحر. وبالمناسبة النحاة يتناولون أشياء كهذه أصلاً، النحاة يتناولون أشياء كهذه تخفى عليك.
يقول: وها هنا شيء يجب النظر فيه، عبد القاهر يا على النفس الطويل! وها هنا شيء يجب النظر فيه، وهو أن قولك أنت الحبيب كقولنا أنت الشجاع، تريد أنه الذي كملت فيه الشجاعة، أم كقولنا زيد المنطلق تريد أنه الذي كان منه الانطلاق الذي سمع المخاطب به؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يحتمل أن يكون كقولنا أنت الشجاع؛ لأنه يقتضي أن يكون المعنى أنه لا محبة في الدنيا إلا ما هو به حبيب، كما أن المعنى في هو الشجاع أنه لا شجاعة في الدنيا إلا ما تجده عنده وما هو شجاع به، وذلك محال. يعني المرجع في ذلك يا إخوة هو طبيعة المعاني عند الإسناد، فهي من باب زيد المنطلق؛ لماذا؟ لأنك تريد محبة مخصوصة واقعة منك، كطلاء مخصوص يطلب إسناده. في قولك أنت الحبيب هذه من باب زيد المنطلق، وليست من باب أنت الشجاع؛ لأن هذا يقتضي أن يكون المعنى لا محبة في الدنيا إلا ما هو به حبيب. ولو كانت من باب أنت الشجاع لجعلته حبيب الدنيا، وهذا ممتنع. يعني أنت تقول تجعله -شوف أنت مثلاً الشجاع- يعني جعلته هو الشجاع في العالم كله بالنظر إلى كل المقاييس والناس جميعاً، جعلته حبيب الدنيا. ولكن قولك أنت الحبيب لا تريد به ذلك، أنت تريد حادثة محبة معينة.
ومع ذلك سيفتر عن هذا، دعونا نقرأ ويتبين الأمر إن شاء الله. قال: وأمر آخر وهو أن الحبيب فعيل بمعنى مفعول، فالمحبة إذا ليست له بالحقيقة. وانتبه بقى عشان الموضوع ده دقيق. يقول: وأمر آخر وهو أن الحبيب فعيل بمعنى مفعول، يعني أنت الحبيب، أنت المحبوب، هذا المعنى. فالمحبة إذا ليست له بالحقيقة، وإنما هي صفة لغيره قد لابسته وتعلق به تعلق الفعل بالمفعول. يعني ليس كـ شجاع الذي صفة الشجاعة منه، هو فاعلها، لكن أنت الحبيب لا يصح أن يكون من باب أنت الشجاع. لماذا؟ ذكر وجهاً وسيذكر الوجه الثاني، وقال: إن الحبيب فعيل بمعنى مفعول، فالمحبة إذا ليست له بالحقيقة، وإنما هي صفة لغيره قد لابسته وتعلق به تعلق الفعل بالمفعول، والصفة إذا وصفت بكمال وصفت به على أن يرجع ذلك الكمال إلى من هي صفة له. لاحظ، هو ينزع عن الحبيب أسباب كمال الصفة ليقول لك الصفة ليست كالشجاعة، وصفت به على أن يرجع ذلك الكمال إلى من هي صفة له، دون من تلابس ملابسه المفعول. يعني لما أقول لك: أنت الحبيب، يعني أنا أحبك جداً وأنا أحبك، لا أحب غيرك. فهمتم؟
قل يا عقيل: أيضاً ال تحل ضمير الياء، أنت الحبيبي، حبيب بالنسبة لي، إليك حبيبي، حبيبي أنا. نعم، قال: لأنك هنا مخاطب لي، فالـ للمخاطب غير فحبيبك أنت، فأنت فعيل لي، نعم، يعني أنت مفعولي أنا. وإذا كان ذلك -أو وإذا كان كذلك- بعد أن تقول: أنت المحبوب على معنى أنت الكامل في كونك محبوباً، كما بعيداً أن يقال هو المضروب على معنى أنه الكامل في كونه مضروباً. يريد أن الصفة يا إخوة ركزوا من هذه القطعة: يريد أن الصفة قد خرجت نوع خروج عن الموصوف، الصفة التي هي الحبيب في حقيقتها، وإن كانت في الظاهر في اللفظ صفة لهذا المحبوب هي خرجت نوع خروج عن الموصوف؛ لأن أصلها في غيره. هو كل هذا يدور لينفي الكمال وأنها من باب أنت الشجاع، يقول: لأن أصلها في غيره، وإنما تعلقت به من جهة المفعولية، فيبعد أن يذكر بها على وجه ادعاء الكمال؛ لأن ادعاء الكمال يكون ممن منه الصفة، وهي ليست منه. فكان المقصود: أنت الذي أحبه هذا الحب الحاصل عندي.
وهنا يوجد بيت لي قلت فيه: لا تهجري عاشقاً صحت صبابته ... فهو الحبيب وإن زلت به قدمه هذا له شأن آخر، فهو الحبيب وإن زلت به قدمه، لا تهجري عاشقاً صحت صبابته، فهو الحبيب وإن زلت به قدمه. هذا من باب الشجاع، لماذا؟ فهو الحبيب، لأن الكلام عني أنا وأريد بذلك هو الحبيب الحق الصادق بدلالة القول: ماذا؟ صحت صبابته. ففلان هذا هو الحبيب، أنت الحبيب، يعني أنت الموصوف بالحبيب، ليس هو حبيبك. انتبهوا، السياق هنا فارق، ركزوا في الكلام، ما الفرق بين أن تقول لأحد: أنت الحبيب، أنت الحبيب، أو حتى أنا الحبيب -يعني حبيبك- وبين أن تقول لمحبوبتك: لا تهجري عاشقاً، ونكرت العاشق مع أنك تعني نفسك، لا تهجري عاشقاً صحت صبابته. الكلام عنه، فهو هذا العاشق الحبيب، أي هو الحبيب الكامل الحق، هو المحب الصادق، هو كذا، هو كذا؛ لأن الكلام هنا وإن كان سيؤول إلى حال خاصة هو ليس على هذه الحال في الكلام، أنت مثلت بمثال بعيد آخر، كأن المحبوبة ليست هي، وكأن الحبيب ليس أنت، وكان المحب ليس أنت، والحبيب هنا بمعنى المحب عكس ما نحن فيه. فهو الحبيب وإن زلت به قدمه، وحتى قلت: هناك نكتة في أن زلت به القدم؛ لأن تنكير القدم يؤذن بأن الأقدام تنزلق، وأن كل قدم ينزلق، لكن إن زلت به القدم فقد عظمت الأمر على نفسك والتهمة، يعني لو قلت: فهو الحبيب وإن زلت به القدم أنت تريد أن تهون في البيت من زلة الحبيب، فإذا بك تهول من زلة الحبيب.
نعم، فعل تعني فاعل أيضاً، قل يا محمد الحميري. نعم مولانا، لكن هنا في كلام عبد القاهر يبدو وكأنه عمم أو أطلق المعنى بأنه ما يأتي على هذا الوزن وعلى المؤول. لا، الكلام غير صحيح؛ لأن حتى الذي أقوله ليس من هذا الوزن. هو أتى بمثال فقط، أنت الحبيب والحبيب أنت، وأنت ترى من عادة عبد القاهر أنه يأتي لك بالصورة ويطرد عليها كثيراً، ثم ربما في الأخير يقول لك: أما لو قلنا كذا. هذه عادة مضطردة عنده، لو لاحظتها، ثم أنت ستلاحظ الفرق بين الموقعين؛ لأن الكلام هناك ليس على المخاطب، أنت الحبيب، هذا مثال آخر. أنت هناك تتكلم عن عاشق، نكرت العاشق وقلت: فهو الحبيب، وهذا السياق سياق الكمال أو الحبيب الحق على جهة الشيوع، لم تقل: فهو الحبيب لك، فهو الحبيب الحق؛ لأنني قلت: عاشق صحت صبابته، فأنت نكرت. وهذا يرجعك إلى باب النكرة الذي وقفنا فيه.
نرجع، قال: وإن جاء شيء من ذلك جاء على تعسف فيه وتأويل لا يتصور هاهنا، وذلك أن يقال مثلاً: زيد هو المظلوم، زيد هو المظلوم على معنى أنه لم يصب. طيب ماذا استخرجت فيما قلناه؟ كما قلت لكم ستأتي كلمة سياتيكم لماذا الحبيب أنت لا يصلح أن يكون يعني أنت حبيبي الحبيب أنت؛ لأن ذلك معناه إذا قلت الكمال أو قلت كذا، معناه أن لك عدداً من الأحبة، وأنت تثبت له هو أنه الحبيب فقط، الحبيب أنت الحبيب أنت الحبيب الكامل الكذا، لكن أكيد هناك فلان وفلان أو فلانة وفلانة تحبها، لكن الحبيب أنت إذا بدأتها هكذا انصرفت إلى جنس هذا الحبيب الذي يصدق عليه أنه حبيب. قال: وإذا جاء شيء من ذلك جاء على تعسف فيه وتأويل لا يتصور هاهنا، وذلك أن يقال مثلاً: زيد هو المظلوم. يعني يا محمد لماذا قلنا الحبيب أنت يعني الحبيب من كان أنت غير أنه غيرك أو إلا.
الحبيب أنت، كما قلنا هنا الذي أتى به الحبيب أنت. إلا أنه غيرك، لماذا لا يصلح أن تذهب لفتاة تقول لها الحبيب أنت؟ لماذا الحبيب أنت ابتداءً هكذا؟ الحبيب أنت أو الحبيب أنت، ما الفرق بينها وبين أنت الحبيب؟ أنت الحبيب إذا كنت تريد أن تخصه بالمحبة، فقل أنت الحبيب؛ فقدمت هو ومنعت الصفة عن غيره. لكن لو قلت الحبيب أنت، فأنت أولًا كأنك تعطيه شيئًا من الكمال فقط في المحبة، ولا تنفي المحبة عن غيره. الحبيب أنت يحتمل يكون وفلان وفلان.
أنا لماذا لم أفهم؟ لأنه ما زال هناك شك في الأمر؛ لأن لو كان يعني الحصر، أراه موجودًا في الحبيب وأنت، لكن لو كانت الحبيب أنت، هنا لم يتحقق الحصر. هل حصرت الصفة عليه؟ لا، الحبيب أنت لم تحصر الصفة عليه. لماذا قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5]، ولم يقل نعبد إياك؟ يحصر بص نعبد إياك، أيوه بص نعبد إياك نعبد، إياك صح. لو قلت نعبد إياك لم يحصل حصر، لكن لما قدمت قلت إياك فقط نعبد، يعني لم تعط مساحة لأن تضيف أو لأن تعطف على إياك، فقلت إياك. هنا نظيرها عندنا أنت الحبيب، يعني أنت دون غيرك الحبيب؛ أما لو قلت الحبيب أنت، فأنت رتبت الكلام على الحبيب ولم تحصر لأن أنت قابلة للعطف. هذا من جهة، هذا من جهة.
الجهة الثانية التي تكلمت عنها، نعم فهمت، تتضح مع الوقت إن شاء الله. مع الوقت؟ لا، فهمت. أنا ذهب بالي إلى معنى آخر من الحبيب وأل التعريف وكذا، الآن فهمت المراد، الحمد لله. المشكلة في طبيعة المعنى؛ لو قلت الحبيب تحمله على الكمال، الحبيب الحق هو أنت وكذا. يعني مولانا، شوف، يعني كل المحبة فيك أنت، هكذا كنت أحملها، يعني كل المحبة، المشكلة تحمل هي، لا هي لن تحمل هكذا، هي تحمل على الحبيب، الحبيب يعني إنما الثانيين دول.
فكت المشكلة، نعم، لكن أضحى أعوذ بالله، ليه يا عم؟ لا، ما قلت أعوذ بالله بالعكس، ليش أعوذ بالله؟ اه، بالضبط، يقول يعني يرزق الله، يرزق الله، تمام، الشكر لله، الشكر لله. نعم، إنما الحبيب أنت، أنت هنا قدمت جنس الحبيب من يكون، نعم. قال: وإن جاء من شيء من ذلك، جاء على تعسف فيه وتأويل لا يتصوره هاهنا، وذلك أن يقال مثلاً: زيد هو المنطلق، على معنى أنه لم يصب أحداً ظلم، يبلغ في الشدة والشناعة، فصار إياك يا عقيل أنت الحبيب، أتحدث عنك وأقصر صفة الحب عليك، كـ«إياك نعبد». نظيرها إياك نعبد، نعم، طبعاً ليست نظيرها في الوصف النحوي أو في صفة الجملة، نظيرها في التقديم لإحداث هذا الحصر، أو لترتيب الكلام على أنت، أن يبني الحبيب على أنت، بعد أن يقدم الحبيب ليمنع العطف عليها. نعم، بالضبط؛ الحبيب أنت، أتحدث عن الحبيب وأقصر عليها، أي أنك أنت الوحيد المحقق لهذه الصفة، يعني الحبيب أنت يكون أنت مطابقاً لك، هكذا سينصرف المعنى كما ذكره عبد القاهر.
وإن جاء شيء من ذلك جاء على تعسف فيه وتأويل لا يتصور هاهنا، وذلك أن يقال مثلاً: زيد هو المظلوم، على معنى أنه لم يصب أحداً ظلم، يبلغ في الشدة والشناعة. الحق هنا أن المرجع في ذلك للغرض والسياق، الغرض والسياق؛ يعني قد يصحح مجرى الكلام أن يكون المراد من زيد المظلوم أنه الظلم الكامل الذي ينتفي عن غيره؛ يصحح ذلك إذا كان الكلام مثلاً في أشد الناس تعرضاً للظلم. يعني لو كان وقع جدال مثلاً بينك وبين زملائك في الجامعة، أنتم كلكم جامعيون الآن، إذا وقع بينكم الآن في الجامعة أو في المدرسة عن أشد الناس ظلماً، أو وقوع الظلم أو مظلومية في التاريخ، حتى محمد طيب كويس، مبروك في هذه السنة جميل، عن أشد الناس تعرضاً للظلم في التاريخ فتجادلني، ثم قال أحدكم: زيد هو المظلوم، يعني حاز الظلم كله. هل سياق الكلام وحال الكلام يمنع ذلك؟ هل حال الكلام يمنع ذلك؟ زيد هو المظلوم، يعني المظلوم الحق بين كل هؤلاء، وكأنه حاز ظلم مظلومية أو تعرض لظلم لن يتعرض له أحد سواه، وكأنه حاز الظلم كله؛ هل هذا يمتنع؟ لا يمتنع، لا يمتنع، نعم.
قال: ولا يجيء هذا التأويل في قولنا أنت الحبيب؛ لأنا نعلم أنهم لا يريدون، انظر كيف أرجع الكلام إلى ما نستعمله فيه، لأنا نعلم أنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا: إن أحداً لم يحب أحداً، محبتي لك، وأن ذلك قد أبطل، وأن ذلك قد أبطل المحبات كلها؛ حتى صرت الذي لا يعقد للمحبة معنى إلا فيه، وإنما الذي يريدون أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك. يعني كلمة أنت الحبيب ليست من باب أنت الشجاع، لأن الشجاع مفتوحة على كل الشجاعة، لكن أنت الحبيب يعني الذي حاز المحبة مني، ولهذا سيأتي بعد قليل أنه أيضاً ليس من باب زيد المنطلق تماماً، هو بين أنت الشجاع وزيد المنطلق بينهما؛ لأن المنطلق حديث عن حدث واحد منجز مخصوص معلوم: زيد المنطلق، وأما الشجاع فحديث عن جنس صفة، وأنت الحبيب أخذ شيئاً من الحصر من زيد المنطلق، لماذا؟ لأنه محصور في محبة الشخص، وأخذ شيئاً من الجنس المفتوح في الشجاع. لماذا؟ لأن المحبة أيضاً معنى مفتوح، ولأنك تقصد كل المحبة التي في النفس وليس حدثاً واحداً منجزاً، سيأتي تفصيل ذلك الآن. قال: وإنما الذي يريدون من أنت الحبيب يعني أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك، وأنه ليس لأحد غيرك حظ، وأنه ليس لأحد غيرك حظ في المحبة، أو في محبة مني، فهو إذاً من باب زيد المنطلق في نفي سواه.
جميل، طيب، وإذا كان كذلك، بان أنه لا يكون بمنزلة أنت الشجاع، تريد الذي يتكامل الوصف فيه؛ إلا أنه ينبغي -هو بدأ بقى إيه- بدأ يضع الملاحظات التي تجعلها بين أمرين؛ إلا أنه ينبغي من بعده، من بعد هذا البيان أنها ليست من باب أنت الشجاع حصر مطلق وحصر مقدر، قال: إلا أنه ينبغي من بعد أن تعلم أن بين أنت الحبيب وبين زيد المنطلق فرقاً، ما هو؟ قال: وهو أن لك في المحبة التي أثبتها طرفاً من الجنسية، يا سلام على الكلمة! تعجبني، تعجبني جداً، طرفاً من الجنسية، وهو أن لك في المحبة التي أثبتها طرفاً من الجنسية، يعني جنس المحبة لم يختفِ وإن كانت محبة خاصة في صدر المتكلم، وهو أن لك في المحبة التي أثبتها طرفاً من الجنسية من حيث كان المعنى أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك، ولم تعمد إلى محبة واحدة من محبات.
انظر قال: طرفاً من الجنسية، ليفر عن حدث معين في زيد المنطلق؛ لكنه أيضاً لم يصر جنس المعنى، لأنه ما زال محصوراً في الشخص، قال: لم تعمد إلى محبة واحدة من محبات، بخلاف الانطلاق، هو انطلاق واحد. ألا ترى أنك قد أعطيت بقولك أنت الحبيب أنك لا تحب غيره، وأن لا محبة لأحد سواه عندك؟ ولا يتصور هذا في زيد المنطلق؛ لأنه لا وجه هنا للجنسية، إذ ليس ثم إلا انطلاق واحد قد عرف المخاطب أنه كان، واحتاج أن يعين له الذي كان منه وينص له عليه؛ فإن قلت زيد المنطلق في حاجتك، تريد الذي من شأنه أن يسعى في حاجتك، عرض فيه معنى الجنسية. قوة زيد المنطلق في حاجتك، ثواني، زيد الساعي على حاجتك، هل هذا حدث معين يطلب تعيين فاعله؟ أسألكم الآن، هل هذا حدث معين يطلب تعيين فاعله؟ لا، يا أستاذة، لا طبعاً؛ زيد الساعي في حاجتك، يعني صفته كذلك، شأنه كذلك؛ زيد الساعي في حاجة المساكين، حتى نخرج من الحدث الواحد؛ لكن زيد انطلق، هناك انطلاق وقع، طبيعة المعنى تقتضي أن هناك انطلاقاً قد وقع؛ أما زيد الساعي في حاجة المساكين، آه هو قيد ومال إلى الجنسية، انظر يقول: فإن قلت زيد المنطلق في حاجتك، تريد الذي من شأنه أن يسعى في حاجتك، عرض فيه معنى الجنسية حينئذ على حدها في أنت الحبيب، لأنه خرج عن انطلاق معين واقع بعينه إلى انطلاق يتكرر، فقال طرفاً من الجنسية، وليس الجنسية، انطلق، انتقل من انطلاق واقع بعينه إلى انطلاق موصوف يتكرر، يتكرر، وإن ظل محصوراً في الشخص، وإن ظل محصوراً في الشخص، ولهذا قال طرفاً من الجنسية ولم يقل الجنسية، ولهذا قال طرفاً من الجنسية ولم يقل الجنسية. واضح يا إخوة الآن؟ واضح إلى الآن؟ واضح، واضح، جميل.
قال: تريد الذي من شأنه أن يسعى في حاجتك، عرض فيه معنى الجنسية حينئذ على حدها في أنت الحبيب، وها هنا أصل، يا سلام شوف الانطلاق ده تحس أنك نسيت الموضوع، فين هو الموضوع؟ قل له أنا اقتنعت أنك لو قدمت وأخرت اختلف المعنى، اقتنعت. متكلم نحوي سبحان الله، متكلم نحوي نقادة أديب، رحمه الله ورضي عنه وجزاه خيراً. حتى أنا لما أرى إهاباً هكذا في شيء وكذا لأقف به عند النقد، أنتقل منه إلى المحبة وإلى التماس إخلاصه وكذا، وكذا، نحن ليس مطلوباً أن يكون العلماء على أمزجة، وإنما مطلوب أن يكون العلماء بحيث يحققون المصلحة، وهذا الذي يقوله عبد القاهر يحقق المصلحة، ونحن عندنا لنا مصلحة عند عبد القاهر نأخذها، لنا مصلحة عند عبد القاهر نأخذها، ليس ضرورة أن يأتي بكلامه على مزاجنا، وهكذا أغلب الكتب، أنت ستقرأ من الكتاب سترى ما يلائمك وما لا يلائمك، لكن لك غاية في الكتاب تتلطف لأخذها، هذا هو بالضبط، هو كما تقول، فعل ذلك إخلاصاً لكي لا يفوت القارئ شيئاً، نعم، ولكي لا يفوت القارئ شيئاً، أو لكي لا يفوت القارئ شيء، قال: وها هنا تريد الذي من شأنه، اه، وها هنا أصل يجب أن تحكمه، وهو أن ها هذه تحتاج إلى إضاءة، وهو أن من شأن أسماء الأجناس كلها إذا وصفت أن تتنوع بالصفة، سأخبرك الآن حتى لا تتوه وحتى لا تضل بعيداً، ما الغاية من هذا الكلام؟ حتى يظل خيط ذهنك سليماً، بالضبط، ما هو هكذا يا عاقل من الأول أصلاً؛ يقول إن من شأن أسماء الأجناس كلها إذا وصفت أن تتنوع بالصفة.
قبل أن ندخل في التفصيل، أعلم أين تقف، هو يريد في الأخير أن تفرق بين أسماء الأجناس ولو قيدت وجعلت أنواعاً، وبين المعينات حقيقة، فيبقى بعد ذلك الفرق حاصلاً بين أنت الحبيب وزيد المنطلق، يقول لك هي ليست من باب زيد المنطلق فقط، مع أنه يقول أنت الحبيب تفيد شيئاً، والحبيب أنت تفيد شيئاً، وزيد المنطلق تفيد شيئاً، والمنطلق زيد تفيد شيئاً، لكن يريد أن يقول لك زيد المنطلق ليست هي أنت الحبيب، يعني فرق بين الحبيب والمنطلق، فماذا يفعل؟ يفرق لك بين أسماء الأجناس ولو قيدت وجعلت أنواعاً، وبين المعينات، المعينات كالمنطلق وكذا تنتقل إلى معنى الجنسية، خلاص، كالحبيب ولا تكون كالتي وقفت عليها فقط، المنطلق التي تدل على حدث معين، فإذا وصفت المنطلق انتقل للجنسية وصار كالحبيب، يعني تفصيل تستفيد منه إن شاء الله.
قال: وها هنا أصل يجب أن تحكمه، وهو أن من شأن أسماء الأجناس كلها إذا وصفت أن تتنوع بالصفة؛ فيصير الرجل الذي هو جنس واحد إذا وصفته فقلت: رجل ظريف، ورجل طويل، ورجل قصير، ورجل شاعر، ورجل كاتب؛ أنواعاً مختلفة، يعد كل نوع منها شيئاً على حدة، وتستأنف في اسم الرجل بكل صفة تقرنها إليه جنسية، هنا نائب الفاعل أو نائب الفعل، تستأنف نائب فاعل الفعل، تستأنف، خلاص، يعني تستأنف جنسية في اسم الرجل بكل صفة تقرنها إليه، وتستأنف في اسم الرجل بكل صفة تقرنها إليه أو تقرينها إليه جنسية، وتستأنف في اسم الرجل بكل صفة تقرنها إليه جنسية، يعني وتستأنف جنسية جديدة في اسم الرجل بكل صفة تقرنها إليه، وهكذا القول في المصادر، المصادر نفس الكلام، المصادر نفس الكلام. نعم، كان الدنيا كلها تكذبه، كان الدنيا كلها تكذبه، أخونا عقيل يقول: أنا أشعر أنه فعل ذلك إثباتاً لشاكٍّ وإلجاماً لمنكر، كان الدنيا كلها تكذبه، هو الغريب، الغريب هو القول الذي انتشر في زمانه عن القاضي عبد الجبار الهمذاني الذي وصل بعبد القاهر إلى ألا يذكره وأن يتشكّى من حال الناس، وكأنه يخشى الهجوم عليه، سبحان الله، العامة في كل زمان رعاع، والله العامة همج الرعاع في كل زمان يهاجمون، هو اعمل ترند يلا، اعمل حملة، اعمل تسميع ذباب، سبحان الله، قيمة الواحد منهم قيمة الواحدة من الذباب، ذباب فقط يتغير، يأتي قطب آخر يحرقهم، حرك الذباب كله في جهة أخرى، أخرى، هكذا العامة، عبد القاهر بكل هذا العلم يخشى من الذباب الذي كان له طنين شديد في أيام المعتزلة، لما كانت لهم دولة قوية في العباسيين، والقاضي عبد الجبار الهمذاني حتى اسمه يخوّف يعني.
أنا معذر؛ القاضي فحل المعتزلة عبد الجبار الهمذاني، والله أتخيله يدخل هكذا، ويلبس عمامة فيها القرنان اللذان للقاضي عبد الجبار الهمذاني فحل المعتزلة، وشكله مرعب هكذا؛ حتى إن عبد القاهر يخاف أن يذكر اسمه، مع أنه أتى بكلامه نصاً، لكن أنا ما قلتش مين، لم أقل هو من، أنا لم أقل. وظل يشكو على طول كتابه من حال هؤلاء، صرح، لا تعلم ما الذي كان سيصيبه من الأذى في هذا الوقت، سبحان الله. ولكنه وضع طاقته في ذلك البيان، وخير ما فعل.
قال: وهكذا القول في المصادر، تقول: العلم، والجهل، والضرب، والقتل، والسير، والقيام، والقعود، فتجد كل واحد من هذه المعاني جنساً كالرجل، والفرس، والحمار. فإذا وصفت فقلت: علم كذا وعلم كذا، كقولك: علم ضروري وعلم مكتسب وعلم جلي وعلم خفي، وضرب شديد وضرب خفيف، وسير سريع وسير بطيء، وما شاكل ذلك، انقسم الجنس منها أقساماً، وصار أنواعاً، وكان مثلها مثل الشيء المجموع المؤلف، تفرقه فرقاً وتشعبه شعباً، وهذا مذهب معروف عندهم، أصل متعارف في كل جيل وأمة.
هو أمر عقلي أيها الإخوة يدركه طالب المنطق وطالب أصول الفقه وغيرهما؛ أن الأجناس تكون أنواعاً، والنوع جنساً في مقام آخر بالنظر إلى ما تحته، وهكذا. هذا معروف، من درس المنطق والأصول يعرف هذا. ثم إنها هنا أصلاً هو كتعلى على هذا الأصل كنظيره، ليس شكاً على الحقيقة، فلك أن تجعله فرعاً باعتبار ما عرفته أولاً، ويكون أصلاً ونظائره لو بدأت به، ثم إنها هنا أصلاً كالمتزوج عله متفرعاً باعتبار مسيره في هذا، واعتبره أصلاً نظيراً إذا بدأت به الكلام؛ فهذا ليس شكاً عن الحقيقة، هذا توسع في الكلام معروف لا يخفى.
ثم إن هنا أصلاً هو كالمتوقف، المصدر أن يفرق بالصلات كما يفرق بالصفات. من شأن المصدر أن يفرق بالصلات كما يفرق بالصفات. الصلات هي المتعلقات يا إخوة، الصلات هي المتعلقات كالجار والمجرور، وهو تعبير كما يعلم بعضكم ممن ينطلق ويدرس دراسة بعيدة في النحو؛ هي تعبير يستعمله كثير من النحاة المتقدمين، وتراها شائعة في شرح الأنباري على السبع الطوال المعلقات. نعم، والدكتور محمد إبراهيم شادي له تعليق على هذا الكلام الذي ذكره هنا، ربما يحسن أن نقرأه، لحظة في صفحة 275.
لحظة واحدة، هذا كتاب الدكتور محمد إبراهيم شادي، صفحة 275، الحاشية الثانية في شرحه، طبعاً هو لأنه وضع شرحه في حاشية على الكتاب يقول: وهذا بحث أقرب إلى اللغة منه إلى البلاغة، لكنه كان يمهد به لبحث آخر هو أن معاني المصادر تختلف باختلاف متعلقاتها وإن كانت مادة تلك المصادر واحدة، مثل: ليس عطاؤك معسراً كعطائك موسراً، فهو له غرض آخر سينتهي إليه. قال: هذا بحث أقرب إلى اللغة منه إلى البلاغة، لكنه كان يمهد به لبحث آخر هو أن معاني المصادر تختلف باختلاف متعلقاتها وإن كانت مادة تلك المصادر واحدة؛ يعني يقول لك المتعلقات تؤثر في صلب مادة المصادر، وهذا طبعاً سيؤثر في فهمك للكلام.
نرجع، يقول ومعنى هذا الكلام أنك تقول: الضرب، فتراه جنساً واحداً، فإذا قلت: الضرب بالسيف، صار بتعديته له إلى السيف نوعاً مخصوصاً، ألا تراك تقول: الضرب بالسيف غير الضرب بالعصا؟ تريد أنهما نوعان مختلفان، وإن اجتماعهما في اسم الضرب لا يوجب اتفاقهما؛ لأن الصلة قد فصلت بينهما وفرقتهما. ومن المثال البين في ذلك قول المتنبي: وتوهم اللعب الوغى، والطعن في الهيجاء غير الطعن في الميدان. نعم، وهذا النص يا إخوة فائدة، فيما تسعفني ذاكرتي قد أكون مخطئاً من باب واسع، هذا فيما تسعفني ذاكرتي أقدم نص وقفت عليه فيه إطلاق لفظ اللعب على الرياضة والتدريب.
أنا كنت مثلاً أريد أقول: ألعب شيش، ألعب سيف، ألعب خيل، ألعب كذا؛ هل هذا يسمى قديماً اللعب؟ هذا: وتوهم اللعب الوغى، والطعن في الهيجاء غير الطعن في الميدان، فكأنه ذكر اللعب بهذه السيوف وكذا هي الحرب، فهو ذكر اللعب بالسيوف، هم يلعبون بالسيوف؛ يعني لا يتهكم أنه لعب، لكن هو يتهكم بأنهم ظنوا اللعب الوغى، كأنك تتهكم بأحد حسبت أن ركوب الخيل ما يكون في النادي، مع أن الذي في النادي ركوب خيل، حسبت أن ركوب الخيل في الحرب كركوبها في النادي، كركوبها في الساحات وفي أرضك، ركوبها في الوغى شيء آخر.
نعم، وتوهم اللعب الوغى، والطعن في الهيجاء غير الطعن في الميدان، لولا يقول عبد القاهر: لولا أن اختلاف صلة المصدر تقتضي اختلافه في نفسه، لولا أن اختلاف الصلة التي هي في الهيجاء، في الميدان، لولا اختلاف صلة المصدر تقتضي اختلافه في نفسه، وأن يحدث فيه انقسام وتنوع، لما كان لهذا الكلام معنى؛ لأن الجنس الأول يشملهما، ولا حاجة إلى التكرار.
فلولا أنه يصير جنساً مستقلاً كالمختلف من أصله لما كان للتقسيم معنى، هذا ما يريد أن يقول، ولكان في الاستحالة كقولك: الطعن غير الطعن، عبد القاهر يشرح لبعض؛ أحياناً ينزل في الشرح جداً كأنه يوضح لبعض المعاقين ذهنياً، ولك في الاستحالة نعم، ولكان في الاستحالة كقولك: الطعن غير الطعن. فقد بان إذاً أنه إنما كان كل واحد من الطعنين جنساً برأسه غير الآخر بأن كان هذا في الهيجاء وذاك في الميدان؛ يعني تحول النوع إلى جنس جديد تحته أنواع بماذا؟ بالصلة بالجار والمجرور، هذه الصلة، وهذه لغة يستعملها النحاة كالأنباري.
نعم، قال: وهكذا الحكم في كل شيء تعدى إلى المصدر وتعلق به، يعني غير الصلة أيضاً غير والمجرور، وهكذا يرى ابن الأنباري في شرح السبع الطوال، شرح القصائد السبع الطوال يقول: وكذا صلة كذا، صلة كذا؛ يعني هذا الجار والمجرور يتعلقان بكذا. نعم، وهذا الحكم في كل شيء تعدى إليه المصدر وتعلق به، فاختلاف مفعولي المصدر يقتضي اختلافه.
نقف هنا يا إخوة، يعني أنا عندي مجلس التعليق على الأبيات، وأحتاج إلى بعض التجهيز والراحة، شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد