بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله. الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
أما بعد أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الرابع بعد العشرين من مجالسنا في شرح كتاب دلائل الإعجاز للإمام الشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه آمين.
توقفنا أيها الإخوة في أثناء الفقرة السادسة عشرة بعد المئتين التي يقول في أولها: ثم إن ها هنا أصلاً هو كالمتفرع على هذا الأصل أو كالنظير له، وهي هذه الصلات. قال: وهو أن من شأن المصدر أن يفرق بالصلات كما يفرق بالصفات. ومعنى هذا الكلام أنك تقول الضرب فتراه جنساً واحداً، فإذا قلت الضرب بالسيف صار بتعديتك له إلى السيف نوعاً مخصوصاً، ألا ترى أنك تقول الضرب بالسيف غير الضرب بالعصا؟ تريد أنهما نوعان مختلفان، وأن اجتماعهما في اسم الضرب لا يوجب اتفاقهما؛ لأن الصلة قد فصلت بينهما وفرقتهما. ومن المثال البين في ذلك قول المتنبي: وتوهموا اللعب الوغى والطعن في الهيجاء غير الطعن في الميدان.
لولا أن اختلاف صلة المصدر تقتضي اختلافه في نفسه وأن يحدث فيه انقسام وتنوع لما كان لهذا الكلام معنى، ولكان في الاستحالة كقولك الطعن غير الطعن. فقد بان إذاً أنه إنما كان كل واحد من الطعنين جنساً برأسه غير الآخر بأن كان هذا في الهيجاء وذاك في الميدان؛ تحول إلى جنس آخر. وهكذا الحكم في كل شيء تعدى إليه المصدر وتعلق به، هكذا انطلق إلى كل شيء يتعلق إليه المصدر. هذا الحكم الذي هو أنه يكون جنساً آخر، نوعاً آخر، ينقلب إلى جنس آخر، معروف أن كل نوع هو بالنظر إلى ما تحته جنس.
قال: فاختلاف مفعولي المصدر يقتضي اختلافه، يعني اختلاف المصدر، وأن يصير المصدر إلى جنسين أو إلى نوعين مختلفين يكونان جنسين جديدين، قال: فاختلاف مفعولي المصدر يقتضي اختلافه وأن يكون المتعدي إلى هذا المفعول لغير المتعدي إلى ذاك. وعلى ذلك تقول: ليس إعطاؤك الكثير كإعطائك القليل. هاه، انظر تعدّى إلى المفعول، ليس إعطاؤك الكثير كإعطائك القليل.
وهكذا إذا عديته إلى الحال، يعني عديته مرة إلى المفعول ومرة إلى الحال، قال: وهكذا إذا عديته إلى الحال كقولك: ليس إعطاؤك معسراً كإعطائك موسراً. طبعاً حتى يجري هذا الكلام على السجع لا بد أن لا تنون، حتى تأتي بالنغم المطلوب كاملاً، وكما تقف بغير الحركة في السجع وتقطع الكلام بالوقف أو بالسكت في النثر الفني المسجوع: ليس إعطاؤك معسراً كإعطائك موسراً. وليس بذلك وأنت مقل، كبذلك وأنت مكثر. ما الفرق بين المثالين؟ معسراً وموسراً حال مفردة، وأنت مقل وأنت مكثر الحال جملة من مبتدأ وخبر.
قال: وإذ قد عرفت هذا من حكم المصدر، فاعتبر به حكم الاسم المشتق، يعني كل هذا مآله أن يقسم الجنس فيه إلى أنواع، ليصير كل نوع طبقة تحوي أفراداً، وليس شيء من ذلك فرداً معيناً من الحدث كما حصل في زيد المنطلق. هو يقول لك في الأخير هذه كلها أجناس، وتظل أجناساً، وهو ما زال يفرق لك بينها وبين المنطلق. لكن طبعاً كما رأيتم استطرد في الكلام؛ فليس شيء من ذلك يكون فرداً معيناً من الحدث كما في زيد المنطلق. قال وإذ قد عرفت هذا من حكم المصدر، فاعتبر به حكم الاسم المشتق منه، يعني كل ما اشتققته من المصدر، فعلّقته أو علّقت به الجار والمجرور، أو عديته إلى مفعول معين مرة شيء ومرة شيء آخر، أو عديته إلى حال أخرى، كل هذا حتى استعمل التعدية في الحال. رأيت؟ استعمالات جميلة واسعة كانت عند القدماء، ومفيدة وجميلة جداً، ما كان مصدراً حكمه كذلك، وما اشتق من المصدر حكمه نفس الشيء.
قال: يعني حتى لو قلت مثلاً: ليس إعطاؤك معسراً كإعطائك موسراً، ليس المعطي كالمعطي كذا، ليس المنفق معسراً كالمنفق موسراً، وهكذا. وليس بذلك لك أن تقول: ليس المبذول عن قلة كالمبذول عن إكثار أو عن كثرة. ليس المبذول عن قلة، هذا اسم مفعول. أنا أؤلف لك أمثلة، ليس المبذول كذا هو نفسه يأخذ نفس حكم المصدر، يأخذ نفس حكم المصدر نعم، في تحول الجنس إلى أجناس وفي انقسامه إلى أنواع.
قال: وإذا اعتبرت ذلك علمت أن قولك: هو الوفي حين لا يفي أحد، وهو الواهب المئة المصطفاة، وقوله يعني المتنبي: وهو الضارب الكتيبة والطعنة تغلو والضرب أغلى وأغلى، وأشباه ذلك، كلها أخبار فيها معنى الجنسية، وأنها في نوعها الخاص بمنزلة الجنس المطلق إذا جعلته خبراً فقلت: أنت الشجاع. رأيت، فيها معنى الجنسية وأنها في نوعها الخاص بمنزلة الجنس المطلق إذا جعلته خبراً فقلت: أنت الشجاع.
ولكن انتبه، هي في النص لا يلاحظ بها نوعها الخاص فقط. هو كل هذا يشرح لك جهة، طبعاً سينتبه من كان متيقظاً لما قيل من قبل، وما قيل من قبل كان عسيراً بعض الشيء أو كثير التفاصيل ويحتاج إلى شدة انتباه. أقول انتبه: هي في النص حينما يأتي بها الشاعر أو المتكلم في النص، لا يلاحظ بها نوعها الخاص فقط، ولكن يلاحظ انحصارها في فعل المتكلم، وإلا فقد صرح بأنها ليست من باب أنت الشجاع، وإنما هي من باب زيد المنطلق. وإنما عبد القاهر هنا أغرق في شرح معنى الجنسية، أو طرف من الجنسية كما قال، طرف من الجنسية. كان يشرح لك الواهب المئة المصطفى، صح؟ الواهب المئة المصطفى، هو قال لك الواهب المئة، ليست جنسية كالشجاع، وليست معينة كالمنطلق، هي تشبه هذا وتشبه هذا، تشبه هذا في انحصار هبة معينة يعطيها شخص أو نوع من الهبات يعطيها شخص معين، الواهب المئة، كل هذا ليشرح لك الواهب المئة، تقييد المصدر وكذا وكذا.
ولكنها تشبه الحدث الخاص، تشبه الجنسية في جهة عدم دلالتها على معنى معين، يعني هي فيها طرف من الجنسية من حيث إنها لا تدل على عمل معين كالإنطلاق الذي قلت فيه زيد المنطلق، يعني هناك إنطلاق معين وقع وأنت تريده. الواهب المئة أنا دائماً تأتي عندي بيت النابغة: الواهب المئة المصطفى. هو النابغة خلاص، الواهب المئة يعني هو يهب شيئاً معيناً، يهب صفة معينة، ولكن فيه معنى الجنسية لأنه يظل يهب ذلك، يتكرر منه، يتكرر منه. فيه معنى المفرد أو المعين، الحدث المعين الذي يضاد الجنسية أن يكون جنساً، من جهة كونه محصوراً في شخص معين، ومن جهة كونه مقيداً بالصفات التي ذكرها والتي جلب لها المصدر ليبين كون ذلك أيضاً منحصر ويبين الجنسية أيضاً في نفس الوقت، ويبين الجنسية أيضاً في نفس الوقت نعم بالضبط.
قال: وأشباه ذلك كلها أخبار فيها معنى الجنسية من جهة أن المصدر، حتى مع التقييد فيه جنسية، صار جنساً وحده العطاء معسراً، إعطاؤك معسراً، إعطاؤك موسراً، البذل مع القلة، البذل مع الكثرة. قال: وأشباه ذلك كلها أخبار فيها معنى الجنسية، وأنها في نوعها الخاص بمنزلة الجنس المطلق إذا جعلته خبراً فقلت: أنت الشجاع، ففيها معنى جنسي لكن ليست جنسية. الكلام كله عن طرف، تعبيره السابق عن طرف من الجنسية، لو تذكرون قال: وكما أنك لا تقصد بقولك أنت الشجاع إلى شجاعة بعينها كانت وعرفت من إنسان وأردت أن تعرف ممن كانت بل تريد أن تقصر جنس الشجاعة عليه ولا تجعل لأحد غيره فيه حظاً، كذلك لا تقصد بقولك أنت الوفي حين لا يفي أحد إلى وفاء واحد، كيف وأنت تقول حين لا يفي أحد، حين لا يفي أحد، يعني أنه يتكرر، يعني هو الوفي حين لا يفي أحد.
قال كذلك لا تقصد بقولك أنت الوفي حين لا يفي أحد إلى وفاء واحد، كيف وأنت تقول حين لا يفي أحد، يعني هذا فعل يتكرر، حين لا يفي أحد، يعني كلما لم يفي أحد أنت تفي. كلما وجدنا أنه لا يفي أحد، لا يفي أحد أنت تفي، فهو يتكرر، فهو جنس، ولكنه محصور في فعل هذا الشخص لا في المطلق. هو جنس، لكن هو طرف من الجنسية. نعم. طيب. وهكذا محال أن يقصد في قوله: هو الواهب المئة المصطفاة، إلى هبة واحدة، لأنه لا يقتضي أن يقصد إلى مئة من الإبل قد وهبها مرة ثم لم يعد لمثلها، ومعلوم أنه خلاف الغرض، يعني أنت تريد أن تمدحه، ستقول وهب مئة مرة واحدة وانتهينا؟ لا. خلاص.
قال: وهكذا محال أن يقصد في قوله هو الواهب المئة المصطفاة إلى هبة واحدة. إلى هبة واحدة، لأنه يقتضي أن يقصد إلى مئة من الإبل قد وهبها مرة ثم لم يعد لمثلها، ومعلوم أنه خلاف الغرض، لأن المعنى أنه الذي من شأنه أن يهب المئة أبداً، والذي يبلغ عطاؤه هذا المبلغ، كما تقول: هو الذي يعطي مادحه الألف والألفين. وكقوله: هذه امرأة من بني عقيل وحاتم الطائي وهاب المئي. انظر وهاب، فعّال، يعني يحصل منه كثيراً، قال: وذلك أوضح من أن يخفى. صحيح.
ثم قال: وأصل آخر. وأصل آخر، يرجع يا إخوة هنا انتبهوا، يرجع هنا إلى الاستدلال على أثر الترتيب، يعني يقول لك التقديم والتأخير، ترتيب الكلام يؤثر، كل هذا يدور في أثر ترتيب الكلام وأن التقديم والتأخير لابد يؤثر. قال: وأصل آخر، وهو أن من حقنا، من حقنا هنا يعني من الحق الواجب علينا، خلاص وهو أنه من حقنا أن نعلم أن مذهب الجنسية في الاسم وهو خبر غير مذهبها وهو مبتدأ. سيتضح لك أنه في كل هذا يريد أن يصل بك إلى يقين بأن التقديم والتأخير يؤديان إلى اختلاف لا محالة. يقول لك: مذهب الجنسية، أن نعلم أن مذهب الجنسية في الاسم وهو خبر غير مذهبها وهو مبتدأ، يعني أن تأتي بالجنس في الخبر يختلف عن أن تأتي بالجنس وهو مبتدأ. كيف ذلك؟ سنرى.
يقول عبد القاهر: تفسير هذا أنا وإن قلنا إن اللام -طبعاً يقصد لام التعريف، تقول لام، تقول الألف واللام، تقول ال، خلاص فالبعض يرى أنها بهمزة وصل والبعض يرى أنها بهمزة قطع، وفيها خلاف بين سيبويه والخليل، المهم هنا يقول اللام يعني ال التعريف حصل باللام- طب مذهبه قال: تفسير هذا أنا وإن قلنا إن اللام في قولك أنت الشجاع للجنس كما هو له في قولك الشجاع موقى والجبان موقى، فإن الفرق بينهما عظيم. يعني هو أدخل اللام مرة على الشجاع ومرة وهي خبر ومرة عليها وهي مبتدأ، يعني أنت الشجاع، الشجاع موقى. قال: تختلف مع أنها دخلت على نفس الكلمة، لكن مرة كانت خبراً ومرة كانت مبتدأً بصورة معينة. قال: فإن الفرق بينهما عظيم. وذلك أن المعنى في قولك: الشجاع موقى، أنك تثبت الوقاية لكل ذات من صفاتها الشجاع. يا إخوة، هذا ستستعملونه في نقد الشعر وأنتم تشرحون الأبيات التي تحسنونها.
أو التي تنقدونها نقداً سلبياً، تشرحون؛ أنت لا بد أن تشرح سواء شرحت الإيجاب أو شرحت المدح والتحسين، أو شرحت الإساءة أو شرحت الإخفاق، فأنت لا بد أن تبين الأسباب.
لما تقول لشخص: هذه الكلمة هنا غير مكينة، لماذا؟ لا بد أن تقول له: لأن هذه اللام لما دخلت هنا وقدمتها أوحت فأسندت إليها كذا، فجعلت كل كذا. هذا إما أن يكون غلطاً، مرة تقول: هذا غلط، مرة تقول: هذا صواب. أو تحسن تقول: نعم، فلم يكن لك أن تفعل كذا، ولكنك قدمت "لا" على نية التأخير، فقلت كذا وعرفتها لم تنكرها، فكان كذا. كل هذا تدرسه الآن.
والعلم يحصل شيئاً فشيئاً. لا تقل: أنا كيف ومتى سأستعمل؟ هذا الشهر القادم، أنا أنسى. هذا يأتي، أنا آتيك بعدك بعدد من العقود من الدراسة وأقول لك: هذا يحصل شيئاً فشيئاً. ما تراه الآن كالمستحيل والصعب جداً، غداً سيكون معك كالماء. ستراه يحصل شيئاً فشيئاً وستسعد به جداً.
وما تفكر فيه اليوم ستفكر به غداً. تراك تستعمله هكذا، وحينها ستستمتع جداً في نقل الفوائد والعلوم والمسائل من صندوق ما تفكر فيه إلى صندوق ما تفكر به، ستراه متعة في تحصيل المسألة وحتى تكون أداة في لسانك، آلة في لسانك، فتستمتع بذلك جداً. بل سترى نفسك تقصر أحياناً عن الناس حتى لا ترهقهم بهذه المسائل والعلوم، مع أنها عندك سجية تتكلم بها سجية.
رأيتم؟ فكل هذا إن شاء الله ستتكلمون به وتحصلونه، لكن كما قلت شيئاً فشيئاً، وستنقدون الشعر هكذا إن شاء الله.
قال: «وذلك أن المعنى في قولك الشجاع موقى، أنك تثبت الوقاية لكل ذات من صفتها الشجاعة».
لما يقول إنسان: يا إخوة تعالوا نقدح الذهن الآن قبل أن نقرأ كلام عبد القاهر، لأن عبد القاهر أيضاً لم يغص في كل المراتب، نحن نقرأ أيضاً ما وراء كلام عبد القاهر. عبد القاهر يقول: "الشجاع موقى" معناه أن كل من اتصف بالشجاعة فهو موقى، "والجبان ملقى" معناه أن كل من اتصف بالجبن فهو ملقى. وإذا قلت "أنت الشجاع" فمعناه أنت الشجاع الكامل.
في "الشجاع موقى"، هل يراد من الشجاع الشجاع الكامل؟ هل يراد من الشجاع الشجاع الكامل هو الموقي؟ لا مولانا، يراد جنس؛ الجنس الذي يتصف به يتصف بالشجاعة. يراد هنا استغراق من فيهم صفة الشجاعة على أي درجة كانت، لا ينظر إلى الكمال.
طيب، لما قلت "أنت الشجاع"، هل تتخيل أنه يستغرق يريد كل الشجعان؟ يعني كل الشجاعة التي في الناس اجتمعت فيه حتى لم يبق منهم شجاع، وحتى كانت فيك أنت وحدك هكذا؟ لا، صحيح، تريد الشجاع الكامل.
السؤال الآن: لماذا؟ ما الذي جعلك تقول هنا نعم وهنا لا؟ ما الذي حصل في موقعها؟ مولانا عندما يقال "الشجاع كذا، الشجاع موقى"، نحن الألف واللام هذه أضافت صفة عموم واستغراق، وأخبرنا عن الشجاع بشكل عام. أحسنت، أنت فهمت القضية، أنت استطعت أن تأتي عليها من خارج.
أنت لما قلت "أنت الشجاع"، أنت جئت بمبتدأ وهو "أنت" وتحدثت عنه بأنه الشجاع، فطببعاً ليس معناه الاستغراق بأنك تجمع كل الشجعان وتجعلهم شجعاناً وتنفي الشجاعة عن الآخرين، ولكن كأنك أعطيت له الشجاعة الكاملة التامة حتى كأن غيره ليس كذلك.
لكن لما بدأت وقلت: "الشجاع موقى"، الشجاع هنا لم تتسلط على أحد معين، ثم أخبرت عن الشجاع بأنه موقى، فلم يوجد شخص نتحدث عنه، الشجاع كانت المبتدأ، فأنت تخيلت كل شجاع. ما الذي جعلك في "أنت الشجاع" تتخيل مرتبة الكمال؟ أنك حصرتها في شخص، فتخيلت الكمال ولم تتخيل نفي أصل الصفة، ولا أنك تتخيل الاستغراق.
لكن لما قلت "الشجاع" وبدأت بها الكلام لا يوجد شخص يجعلك تفهم الأمر على أنه الكمال، لا، هو الشجاع، يعني كل الشجاع، جنس الشجعان على وجه الاستغراق، كل الشجعان موقون. "الشجاع موقى"، "والجبان" كل جبان، كان جبنه خفيفاً، كان جبنه بين بين، كان جبنه هلعاً وجزعاً، كان رعديداً؛ خلاص، الجبان كله ملقى، والشجاع كله موقى.
هذا هو الفرق، لما وقعت الجنسية خبراً كانت محصورة في شخص أثر في تصورنا في حكمها، يعني صارت هناك علاقة في المعنى، صار هناك إسناد حصل. لما قلت "الشجاع" وجئت بها مبتدأ لم تقيدها بإنسان، فالجنسية هنا مطلقة فأفادت الاستغراق، فقلت موقى، فأي شجاع موقى. وضحت؟
نأتي الآن إلى كلام عبد القاهر نفسه، يقول: «وذلك أن المعنى في قولك الشجاع موقى، أنك تثبت الوقاية لكل ذات من صفتها الشجاعة. فهو في معنى قولك الشجعان كلهم موقون». إذن هو ما قلناه الآن؛ أنه لما بدأ بالشجاع -وطبعاً عبد القاهر لم يشرح هذا بأن يقول لما بدأ بالشجاعة ذهب الذهن- بل قال لك بما تجده مباشرة: المعنى في قولك الشجاع موقى أنك تثبت الوقاية لكل ذات من صفتها الشجاعة، فهو في معنى قولك الشجعان كلهم موقون. هذا مفهوم.
لماذا حصل ذلك؟ أنه بدأ بالشجاع ولم يقيد الصفة بشخص، يعني لم يجعلها خبراً في "أنت الشجاع"، لم يجعلها خبراً بحيث تقيد بالمبتدأ الذي هو "أنت"، فلم تصر صفة الشجاعة مقيدة بـ"أنت" لنحملها على الكمال. لأنه هنا نقول ما الذي يمنع أن تصدق على كل الشجعان؟ الشجاع موقى، خلاص كل الشجعان.
قال: «والشجعان كلهم موقون. فهو في معنى قولك الشجعان كلهم موقون. ولست أقول إن الشجاع كالشجعان على الإطلاق. هو يقول: لا أقول من هذا إن الشجاع كالشجعان على الإطلاق. يعني الشجاع الكامل كالشجعان على الإطلاق، وإن كان ذلك ظنك في من الناس. ولكني أريد أنك تجعل الوقاية تستغرق الجنس وتشمله وتشيع فيه. وأما في قولك أنت الشجاع فلا معنى فيه للاستغراق». كيف يستغرق؟ إذ لست تريد أن تقول أنت الشجعان كلهم.
حتى كأنك تذهب به مذهب قولهم: أنت الخلق كلهم، وأنت العالم؛ كما قال: وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد. ولكن لحديث الجنسية هنا أو ها هنا؛ انتبهوا يا إخوة، انتبهوا.
لاحظت أن بعض تحقيق الأستاذ محمود شاكر رحمه الله لهذا الكتاب كان فيه بعض العجلة، كان في قراءته بعض العجلة، وظهر هذا من تقسيمه لفقرات كما مر معنا من قبل، وظهر هذا في الترقيم في الفقرة المرقمة؛ ترونه صنع ثلاث نقاط وبدأ بفقرة جديدة برقم جديد، الفقرة التاسعة عشر بعد المئتين، وهذا غلط. هنا تلاحظون أن الأستاذ شاكر فصل هذا الكلام بفقرة جديدة فأوهم أنه كلام جديد بسبب كلمة ولكن لحديث الجنسية ها هنا، فبدأ كلامًا جديدًا وهذا غلط؛ أوهم أنه كلام جديد، والحق أن قوله ها هنا يريد به قوله: أنت الشجاع، والكلام مكمل في العبارة للكلام الأول ولا يفهم الأول دونه أصلًا، الكلام لم ينتهِ، فكان يجب أن يبقى في نفس الفقرة بل في نفس السطر.
انتبهوا انظروا: حتى كأنك تذهب به مذهب قولهم أنت الخلق كلهم، وأنت العالم، كما قال: وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد. ولكن لحديث ها هنا مأخذ آخر غير ذلك، وهو أنك الذي هو ماذا؟ أنت الشجاع. يعني يقول لك ما الآن يفرق لك بين أنت الشجاع وأنت الخلق كلهم؛ أنت الخلق كلهم يوافق ماذا؟ أو دعونا ندرسها حتى لا يختلط عليكم الأمر. يقول لك في قوله أنت الشجاع لا يريد الاستغراق، الاستغراق الذي كان في الشجاع الموطأ، هل الجنسية هنا أريد بها الاستغراق في الشجاع الموطأ؟ أيوة والجبان ملقى، صح؟ الشجاع موطأ والجبان ملقى.
أما في أنت الشجاع، يقول لك ليست جنسية، ليست استغراقية. لماذا؟ لماذا ليست استغراقية وأنت تقول أنت العالم وأنت الخلق كلهم وتستغرق عادي، ما المشكلة؟ تستغرق الخلق، ما المشكلة؟ فرق دقيق. هل أحد منكم يحاول أن يشرحه بالتعجيل أولًا؟ مولانا فقط لو تعيد السؤال. في نفس السؤال، هو بدأ فقرة جديدة الفقرة الثامنة عشر بعد المئتين، بدأ يبين ماذا؟ أن الجنسية في الاسم وهو خبر تختلف عن الجنسية في الاسم وهو مبتدأ؛ يعني الجنس في الخبر يختلف عن الجنس في المبتدأ. صح ولا مش صح؟
صح. تمام، فجاء لك بمثالين؛ مرة للجنسية وهي خبر، ومرة للجنسية وهي مبتدأ. صحيح، الجنسية وهي خبر أنت الشجاع، والجنسية وهي مبتدأ الشجاع موقى؛ قلنا إن الشجاع موقى استفدنا من تقديم الجنسية في المبتدأ الاستغراق، دون أنت الشجاع؛ لأنك في الشجاع موقى والجبان ملقى، أنت بدأت الكلام بالصفة فلم يمتنع أن تحملها على كل من يتصف بها، وأما أنت الشجاع يمتنع ذلك، فجاء بعضهم افتراضًا وقال: ولكننا نقول للإنسان أنت الخلق وأنت العالم وتفيد الاستغراق، فما الفرق بين أنت الشجاع وأنت الخلق في إفادة الاستغراق؟
قل يا أسامة: مولانا عندما تقول أنت الشجاع لا يمكن أن تقصد بها الشجعان كلهم؛ لأن الشجاعة تختلف في طبقاتها، أما إذا قلت أنت الخلق كلهم فقد يحتمل أنك تجمع الصفات الحميدة من الخلق أنها اجتمعت في واحد. أتيت بـ 80% أو بـ 90%، النصف الأول من الكلام في أنت الشجاع ينقصه شيء، حاول أن تعيد صياغته. قل يا حميري: أستاذ القسم الأول عندما تقول أنت الشجاع، الشجاعة تتمثل بالناس بدرجات مختلفة فلا يمكن أنك تقصد أنه الشجعان كلهم؛ لأن هذا لن يزيد في صفة الشجاعة فيه.
قل يا محمد: الشجاع أصلاً هي بنفسها طبيعة اللفظة هي صفة مشتقة من الشجاعة، أما الخلق كله هذا اسم لا يشتق منه شيء، فهذا قد يكون أصلاً يعطي فرقًا شاسعًا بالتبعية. أنت جئت بنصف الحقيقة، أنت تشعر بالموضوع، جئت بنصف الحقيقة لكن ليس بالضبط. قل يا حميري: مولانا، الآن نحن عند، هي أصلًا لماذا أفادت الاستغراق عندما كانت مبتدأ؟ هي في الأصل صفة، نحن لم نقل الشجاع، لكن هي لماذا أفادت الاستغراق؟ لكونها لم تقيد بشيء ففهم منها الاستغراق، هذه صفة. عندما تقيد بحيث أن تجعل خبرًا، فمثلاً نقول أنت الشجاع؛ عندما قيدناها بعد دلالتها الأصلية كصفة، تبعد أن يكون الـ أن أنها تدل هنا على كل جنس الشجعان أو على الاستغراق.
أحسنت، هو هذا هو يا إخوة، هذا هو، وأنتم إجاباتكم ما شاء الله جمعت بعضها والتحمت والتأمت. باختصار؛ نبدأ نقرأ كلام عبد القاهر لأنه سيقول هذا، قال: ولكن لحديث الجنسية ها هنا، ها هنا يعني في أنت الشجاع، مأخذ آخر غير ذلك، وهو أنك تعمد بها إلى المصدر المشتق منه الصفة، وتوجهها إليه، لا إلى نفس الصفة. يعني الجنسية، خلاص؟ توجهها إليه يعني إلى المصدر؛ يعني أنت تعمد إلى المصدر المشتق منه الصفة، وتوجه الجنسية إلى المصدر لا إلى نفس الصفة، لا إلى صيغة الصفة الحاصلة أمامك. لماذا؟ ستعلمون الآن، ثم لك في توجيهها إليه مسلك دقيق.
يقول لك السائل: لماذا أتجاوز هيئة الصفة الشجاع إلى صفة الشجاعة؟ ما الذي يقصرني على ذلك؟ ما الذي يجبرني على ذلك؟ فيقول: ثم لك في توجيهها مسلك دقيق، وذلك أنه ليس القصد أن تأتي إلى شجاعات كثيرة موزعة في الشجعان فتجمعها له وتوجدها فيه، ولا أن تقول إن الشجاعات التي يتوهم وجودها في الموصوفين بالشجاعة هي موجودة فيه لا فيهم. أنت لم تذهب إلى أفراد الشجاعة من الناس وجمعتها في واحد، يقول هذا كله محال؛ بل المعنى على أنك تقول: كنا عقلنا الشجاعة وعرفنا حقيقتها، وما هي؟ وكيف ينبغي أن يكون الإنسان في إقدامه وبطشه حتى يعلم أنه شجاع على الكمال، واستقرينا الناس فلم نجد في واحد منهم حقيقة ما عرفناه، حتى إذا صرنا إلى المخاطب وجدناه قد استكمل هذه الصفة، واستجمع شرائطها، وأخلص جوهرها، ورسخ فيه سنخها، يعني الأصل والجذر؛ يعني هو صاحب الصفة، صفة الكمال كلها.
كلمة شجاع مشتقة من مصدر، ولما كان من المحال كما ذكره أن تجمع كل الشجاعة وتجعلها لشخص؛ كان ذلك محالًا، فذهبنا إلى المصدر. هذا توجيه الكلام، ذهبنا إلى المصدر، أنت الشجاع، يعني شجاعتك الشجاعة؛ هذا هو. قال: ويبين لك أن الأمر كذلك، يعني يشهد في ذلك اتفاق الجميع على تفسيرهم له بمعنى الكامل. لماذا قالوا شجاع الكامل؟ لأنه لم يتصوروا أن يقصد المتكلم أنني، طبعًا إلا الحداثي، الحداثي هذا يتصور، هذا يعمل ما يشاء، هو يعمل كل شيء في بطنه في أمعائه؛ إنما العرب لا تتصور أن يقال: أنت الشجاع، ويقصد أنك الشجاع والعالم كله جبان على الحقيقة، وأنهم جمعوا كل الشجاعات من كل الناس حتى خلوا منها وصرت أنت، لا، الاستغراق هنا لا يمكن؛ فانتقلنا من صيغة الصفة المشتقة من المصدر وذهبنا إلى المصدر، فقلنا أراد الشجاعة الكاملة.
قال: ويبين لك أن الأمر كذلك، يعني يشهد له اتفاق الجميع على تفسيرهم له بمعنى الكامل، ولو كان المعنى على أنه استغرق الشجاعات التي يتوهم كونها في الموصوفين بالشجاعة، لما قالوا إنه بمعنى الكامل في الشجاعة؛ لأن الكمال هو أن تكون الصفة على ما ينبغي أن تكون عليه وألا يخالطها ما يقدح فيه، وليس الكمال أن تجتمع آحاد الجنس وينضم بعضها إلى بعض. فالغرض إذًا بقولنا أنت الشجاع هو الغرض بقولهم هي هذه الشجاعة على الحقيقة وما عداها جبن، وهكذا يكون العلم وما عداه تخيل، وهذا هو الشعر وما سواه فليس بشيء، وذلك أظهر من أن يخفى، وذلك أظهر من أن يخفى.
كما يراسلني البعض كيف يقول أبو العلاء المعري إنما أبو تمام والمتنبي حكيمان والشاعر البحتري؛ طبعًا الشاعر البحتري هنا بالمقارنة بما نحن فيه كالبحتري الشاعر، لكن اختلفت من جهة أخرى. قل يا محمد: نعم، أنا عندي سؤال، وهو يعني هو الآن يقول وهذا واضح أنه عندما يقول أنت الشجاع يقصد صفة الشجاعة بذاتها؛ أنا أسأل هل يكون المعنى نفسه إذا قال له مثلًا: أنت الشجاعة؟ يعني كأنه وصفه أو وضع المصدر في مكان الصفة؟
أيوه، أنت الشجاعة سيكون له اختلاف قطعًا من جهة أخرى ستشرح، لكن في جهة أصل القاعدة والكلام، هو يعني أنت كأنه صار الشجاعة في نفسها سيؤول إلى الكمال لكن من طريق آخر، مرة من جهة أنه المتصف ومرة من جهة أخرى، أدت إلى نفس الشيء لكن بطريق أخرى، ولها قياس آخر حينما ننقد كل نص بعينه بقياس آخر أنه جعله نفس الشجاعة. أنت الشاعر، أنت الشعر، ستؤول إلى الشاعر الكامل، لكن واحدة أخف من الأخرى؛ لأنك لما قلت أنت الشعر كأنه لا شعر إلا أنت، يعني خلاص الشعر أنت قلت كل الشعر، لكن هذه أشد مبالغة من أنت الشاعر.
ولكن افهموا المبالغة لا تساوي أنه الأجود في كل نص، كهذا الإنسان الذي سألوه أي الروايتين أجود: السيف أصدق أنباء من الكتب أم السيف أصدق أنباء من الكتب؟ فقال والله التعبير بالمصدر أبلغ من التعبير بالاسم، وإذن التعبير بالمصدر إذا كان أعلى فالسيف أصدق أنباء طبعًا؛ المصدر أبلغ من اسم الجمع هكذا قال. المصدر أبلغ من الجمع، السيف أصدق أنباء يعني إخبارًا من اسم الجمع. والحقيقة أن هذا من الجهل، كجهل هذا الذي قال ولد الهدى فالكائنات ضياء، قال انظر، قال ولد الهدى والقصد ولد صاحب الهدى، فقال ولد الهدى والكائنات ضياء، لم يقل مضيئة جعلها ضياء، هذا هو ما حل النص ورفعه، وهذا جهل مركب؛ لأنه يظن أنه بذلك يجهل عوامل رفع البيت ويجهل أنه يجهل، يظن أنه عالم بذلك.
الصواب هو ما الذي وقع هنا، أحيانًا تحتاج إلى الأخف في المبالغة؛ يعني يقولون الحقيقة أبلغ، أو المجاز أبلغ من الحقيقة، ليس معناه أجود من الحقيقة يا جاهل. المجاز أبلغ من الحقيقة، يعني المجاز يوصل إلى المعنى بصورة أشد مبالغة؛ ثم أنت والمقام الذي أنت فيه، ثم أنت والمقام الذي أنت فيه. أتأتي بما هو أشد مبالغة أم تخفف؟ هذا هو، ولذلك أنا لماذا أصف هؤلاء بالجهل؟ لأنهم يتصدرون في هذا إعلاميًا ويتكلمون وهم لم يدرسوا علوم البلاغة التقريرية أو درسوها دراسة الأطفال؛ لأنه إذا درسوا حتى تلخيص القزويني فهو يقول مثلًا في تعريف علم البيان: العلم بالقواعد التي يورد بها المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة بحسب الغرض.
كل هذا بحسب الغرض، شوف علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة أو متفاوتة في وجوه أو في مراتب الدلالة؛ يعني التشبيه أم الاستعارة، الاستعارة أقوى من التشبيه، والتشبيه البليغ أقوى من التشبيه غير البليغ، الكناية أقوى من التصريح، الكناية أقوى من التصريح، خلاص. فمدى وكذلك المجاز في إجماله أقوى مبالغة من الحقيقة، فالتشبيه قوي، وهناك صور من الوصف تفوق التشبيه في مواضع تفوق التشبيه في مواضع، وصور تقتضي التشبيه، وصور تقتضي التشبيه البليغ، وصور تقتضي الكناية، وصور تقتضي الاستعارة، على حسب. فهمتم؟ فأنت الشجاعة هي في أصل الغاية والغرض هي أنت الشجاع، كلاهما يؤول إلى الشجاعة الكاملة، أنت الشاعر يعني الشعر الحق الكامل، أنت الشعر يعني الشعر الحق الكامل، لكن واحدة أقوى من الأخرى في المبالغة، نعم، وهذا يعود إلى المقام. نعم، طيب نأتي الآن إلى أنت الخلق، ما الفرق؟ يعني أنت الشجاع جميل، طيب لماذا تختلف عن أنت الخلق؟ الخلاصة في هذا أيها الإخوة أنك في قولك ركز معي، أو دعونا ننتهي شيئًا الأول، يقول هذا.
هذا الغرض هو الغرض بقولهم هذه هي الشجاعة على الحقيقة وما عداها جبن، وهكذا يكون العلم وما عداه تخيل، وهذا هو الشعر وما سواه فليس بشيء، وذلك أظهر من أن يخفى. الجنسية أيها الإخوة هي بعض أفراد الصفة بحسب موقعها من الكلام. يعني كلمة شجاع صفة أم مصدر؟ الشجاع صفة، ولكن كان من بعض أفرادها بحسب المقام هنا الجنسية؛ يعني أردت من ورائها الجنسية لم ترد ظاهر الصفة. فالجنسية هي بعض أفراد الصفة بحسب موقعها في الكلام.
فقولك أنت الشجاع أفاد الجنسية، في حين الشجاع موافق أفاد الاستغراق، وذلك لأنك تراعي في أنت الشجاع مصدر الصفة، لأنه من المحال في المعنى أن تريد ظاهر الصفة، يعني الشجاعات في كل شجاع. لا، أنت ذهبت من الصيغة إلى ما ورائها، فأنت ذهبت إلى المصدر الذي صغت منه أو صاغ منه المتكلم الصفة. فمن حمل أنت الشجاع على الاستغراق يكون قد توجه إلى ظاهر الصفة دون المصدر، طبعاً هذه عقلية لا يفعلها حتى العامي؛ الحداثي ممكن، الحداثي ممكن يقول لك سرير وأردت الكتاب، عادي ما عندوش مشكلة، خيال في ذهنه.
وإذا قلت له أنا تخيلت أنك أردت الباب، أنت قلت سرير وأنا حسبته الباب، وفلان قال الكتاب، وفلان قال لا أنا حسبت وقصدت هذه الحديدة التي على الأرض، فهو سيقول لك الله على تعدد القراءة، نصك ثمين. هذا هو النص الذي تختلف، لا هو حصل الكثافة ليست في النص، الكثافة في المتخلفين؛ يعني لما يقول سرير وواحد يقول باب، هذا معناه أن المجانين كثر، وليس معناها أن النص كثير الدلالة.
فأنت حينما تقول أنت الشجاع وتقول أردت بذلك الاستغراق، تكون قد توجهت إلى ظاهر الصفة دون المصدر، وهذا غلط؛ لأنه لا نتوهم بالذهن، لا نتخيل انتفاء الشجاعة من جميع الناس بجمعها في فلان، هذا محال كما قال، هذا صعب لا يتخيل.
يقول وضرب آخر من الاستدلال في إبطال أن يكون أنت الشجاع بمعنى أنك كأنك جميع الشجعان على حد أنت الخلق كلهم. الآن سيفرق لك بين أنت الخلق وبين أنت الشجاع؛ خلاصة هذا يا إخوة حتى نقرأ على وعي أكثر، خلاصة هذا الضرب أنه في قولكم أنت الشجاع إذا قلت أنت الشجاع أنت تنفي كمال الصفة عن غيره؛ لأنك تذهب إلى صفة، سواء اسم الصفة أو مصدر الصفة، أنت تتعامل مع صفة، أنت تريد المادة التي في شين جيم عين.
لكن لما تقول أنت الخلق هل أنت تريد المادة التي في خاء لام قاف؟ لا، أنت الخلق بمعنى ما يتصف به الخلق، جميل، حلو. فهل يتخيل أن تكون تقصد الكمال في الشخص وكأن الصفات غير موجودة في الآخرين؟ مستحيل؛ لأن حطك هنا من الخلق، إنزالك من قدر الخلق هو إنزال من قدر من تمدحه؛ أنت تحتاج إلى وجود الصفات فيهم حتى تنقلها مجموعة إلى الممدوح، وإنما الممدوح مدح من جهة جمع الصفات من الخلق، لا من جهة نفيها.
تعال الآن نقرأ كلام عبد القاهر، يقول وضرب آخر من الاستدلال في إبطال أن يكون أنت الشجاع بمعنى أنك كأنك جميع الشجعان على حد أنت الخلق كلهم، وهو أنك في قولك أنت الخلق وأنت الناس كلهم، وقد جمع العالم منك في واحد، تدعي له جميع المعاني الشريفة المتفرقة في الناس من غير أن تبطل تلك المعاني وتنفيها عن الناس، يعني أصلاً أنت لم تثبت أنه جميع الناس إلا لأجل صفة في الناس رفيعة، فلا يستقيم سلبهم إياها.
أنت لا ترفعه عن الناس، متى تجعلها على الكمال وتنفيها عن الناس وكأنها منفية عن الناس؟ إذا توجهت إلى الصفة. لكن أنت هنا اتخذت الخلق جسراً إليه، فلو هدمت الجسر لم تصل إلى ما تصبو إليه. كما تقول للحبيبة: أنت الدنيا كلها، أنت كل الأحباب، أنت كل من أحببته، هذا لا تريد منه أن تنفي ذلك عنهم، لو نفيته نفيته عنها؛ أنت الخلق لو جعلتهم كأنهم عدموا من ذلك من الصفات، فكأنك نفيت عنه ما تريد أن تمدحه به.
هذا هو الفرق بين أنت الشجاع، ما الفرق بدقة؟ أنك توجهت مرة إلى الصفة، فاستطعت بما أنك في الصفة أن تذب الناس عنها، أنت الآن في أصل الصفة، وتجاوزت اسم الصفة إلى المصدر الذي اشتقت منه الصفة، فصرت تذب الناس، تدفع الناس عن هذه الصفة وكأنهم لا يتصفون بها. البحتري الشاعر، أنت الشجاع، لكن أنت الخلق، لو قلت لشخص أنت الشعراء، يعني أنت جميع الشعراء، لا يمكنك أن تذبهم عن الصفة وإلا ذممت صاحبك عن الصفة. أنت الشعراء، يعني أنت فيك مثل الذي في كل الشعراء، لا يمكن أن تحط ما في الشعراء، لو ذممتهم عن الصفة ذممت صاحبك عن الصفة.
لو قلت أنت الشعراء، هتقول لي طب ما الشعر هنا صفة، لكنك قلت الشعراء، لم تقل الشاعر، والشعراء جمع، لم تقل الشاعر، قلت الشعراء فانصرف إلى الشعراء، لم ينصرف إلى الصفة، انصرف إلى ما هو في الشعراء، كلام دقيق يحتاج إلى أن تفهم مآلات الألفاظ، اللفظة الواحدة تفهم مآلها وهي في هذا الموقع. رأيتم؟ رحم الله شهداء غزة ولبنان، أرى تأتيني الأخبار هكذا ونحن جلوس.
قال تدعي له جميع المعاني الشريفة المتفرقة في الناس من غير أن تبطل تلك المعاني وتنفيها عن الناس، بل على أن تدعي له أمثالها. ألا ترى أنك إذا قلت في الرجل إنه معدود بألف رجل، فلست تعني أنه معدود بألف رجل لا معنى فيهم ولا فضيلة لهم بوجه، بل تريد أنه يعطيك من معاني الشجاعة أو العلم مجموعاً ما لا تجد مقداره مفرداً إلا في ألف رجل.
وأما في نحو أنت الشجاع فإنك تدعي له أنه قد انفرد بحقيقة الشجاعة وأنه قد أوتي فيها مزية وخاصية لم يؤتها أحد، حتى صار الذي كان يعده الناس شجاعة غير شجاعة، وحتى كأن كل إقدام إحجام وكل قوة عرفت في الحرب ضعف؛ إذاً الفرق يعود إلى المعنى الذي دخل عليه اللام أو ال، فالخلق أعيان تطلب صفاتهم فلا يتصور انتقاصهم، لأنه انتقاص من الصفة التي هم الوسيلة والجسر إليها. أما الشجاعة في أنت الشجاع فهي الصفة قد باشرتها اللام، فإذا سلبتها من الخلق الذي وأنت لم تباشر الصفة إذا سلبتها من الخلق فهذا معناه السلب من الموصوف كذلك. نعم هذا ما وراء كلام عبد القاهر.
قال وعلى ذلك قالوا: جاد حتى بخل كل جواد، وحتى منع أن يستحق اسم الجواد أحد، كما قال المتنبي: وأنك لا تجود على جواد هباتك أن يلقب بالجواد، وكما يقال جاد حتى كأن لم يعرف لأحد جود، وحتى كأن قد كذب الواصفون الغيث بالجود، كما قال هذا البحتري: أعطيت حتى تركت الريح حاسرة، وجدت حتى كأن الغيث لم يجدي. أعطيت حتى يا أخي الشعراء هذا سحر، سحر والله، أعطيت والبحتري أسحر من المتنبي، أعطيت حتى تركت الريح حاسرة، وجدت حتى كأن الغيث لم يجدي.
ثم قال هذا فصل في الذي خصوصاً، كيف وصل إلى هذا الفصل أيها الإخوة؟ نبه إلى ذلك الدكتور محمد أبو موسى حفظه الله، وذهب إلى أن الذي ساق عبد القاهر إلى أن يكون هذا الفصل في الذي، هو ذلك الوجه الرابع من وجوه تعريف الخبر بالألف واللام في زيد المنطلق، في الفقرات من الفقرة 199 إلى الفقرة 204. ونبه إلى هذا وشرحه، يمكن أن نطلع عليه اطلاعاً، هذا في كتابه تيسير منهاج البلغاء، لحظة واحدة، أه معذرة كتاب المدخل إلى كتابي عبد القاهر، لأن شغلي منذ مدة طويلة في كتاب المنهاج منهاج البلغاء.
فأه ذهب إلى تقريب منهاج البلغاء، لكن هذا كتاب المدخل إلى كتابي عبد القاهر، وهذا الذي طبع في مكتبة وهبة، دكتور محمد أبو موسى له كتاب قديم بعنوان مدخل إلى كتابي عبد القاهر، ودكتور محمد من أكثر الذين شغلوا أو اشتغلوا بكتب عبد القاهر في هذا الزمان، هذا في المقدمة من الصفحة هـ إلى زاي، يقول الشيخ في الصفحة هـ: وقد يروعك أكثر إذا نظرت نظرة سريعة لتدرك التغلغل الذي ساق الشيخ إلى الحديث عن الذي خصوصاً.
يعني ما الذي ساق الشيخ إلى أن يعقد باب الذي بعد بابي أو بعد الكلام عن فروق الخبر؟ يقول وقد يروعك أكثر إذا نظرت نظرة سريعة لتدرك التغلغل الذي ساق الشيخ إلى الحديث عن الذي خصوصاً، وهو باختصار شديد كلامه في فروق الخبر، وفروق الخبر باب من الأبواب التي تنطوي على أسرار ودقائق لا يمكن العلم بها إلا بعد أن يقدم جملة من القول في النظم، وقد سبقه كلامه في التقديم والحذف ثم فروق الخبر، وهي أبواب برأسها، وإن كانت في جملتها بياناً مفصلاً لمعنى النظم.
وقد ذكر في هذا الباب الفرق بين الإخبار بالفعل والإخبار بالاسم، وأشار إلى أنه فرق تمس الحاجة في علم البلاغة إليه، وشرح في ذلك الفرق بين زيد ينطلق وزيد منطلق، ثم أردف ذلك بالفرق بين زيد منطلق وزيد المنطلق، وأدخله هذا إلى تفصيل القول في الألف واللام، كل هذا مر معنا، وهو كلام معروف.
ثم انتهى إلى المعنى الرابع الذي وصفه بقوله: واعلم أن للخبر المعرف بالألف واللام معنى غير ما ذكرت لك، معنى غير ما ذكرت لك، وله مسلك ثم دقيق، ولمحة كالخلس يكون المتأمل عنده كما يقال يعرف وينكر، وذلك قولك: هو البطل المحامي، وأراد بذلك أن الألف واللام تكسب ما دخلت عليه أنه الحقيقة الكاملة في المعنى الذي وضع له. وكأنك تقول من خلال هذه الألف واللام التي صارت مصورة ومجسدة للحقيقة الكاملة، إذا أردت أن ترى الصورة التي هي الحقيقة بأن يقال لصاحبها إنه البطل المحامي، فانظر إلى فلان فإنه يريك هذا المعنى الذي ليس له وجود إلا في القليل، وربما كان وجوده في الوهم فقط.
وهذا كما تقول هو الرجل، وهو الوفي، وهو الحامي، وأنت تريد بكل ذلك أنه هو الذي احتذى كل الصفات والشيم والمعاني التي إذا توفرت في رجل صح أن يقال هو الرجل، أو إذا توفرت في الصديق صح أن يقال فيه هو الصديق، وهكذا، ولا يزال هذا المعنى باقياً في الفطرة، ويعبر عنه الناس بمثل قولهم هو الأخ الحقيقي.
ثم عاد عبد القاهر إلى التنبيه إلى خفاء هذا المعنى المستكن في هذه الألف واللام، والذي يقوم في نفس السامع على سبيل التوهم أحياناً، ويتردد في اقتناصه لأنه لمحة كالخلس، وقال: وهذا فن عجيب الشأن، وله مكان من الفخامة والنبل، طبعاً هذا ما قمنا به وكان فيه شيء من العسر لو تلاحظون، وله مكان من الفخامة والنبل، وهو من سحر البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه، والمعول فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمل.
وهذا النص يبين أثر هذه الألف واللام في أداء المعنى وعلو طبقاتها في البيان، وقوله والمعول فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمل من الكلام الذي أهملنا ما فيه، لأنه يجعل مراجعة المرء لنفسه عند سماع الكلام واستقصاء هذه الأحوال والخطرات التي يثيرها البيان في نفس من يسمعه ويقرأه أصلاً من أصول الدرس البلاغي، وكأنه قاعدة من قواعدها، اللي هو التأمل والبيان. لأنه يجعل مراجعة المرء لنفسه عند سماع الكلام واستقصاء هذه الأحوال والخطرات التي يثيرها البيان في نفس من يسمعه ويقرأه أصلاً من أصول الدرس البلاغي وكأنه قاعدة من قواعدها، وأن هناك أدوات ووسائل في اللغة نتخطاها من غير مراجعة وهي وكنة من وكنات المعاني اللطيفة السانحة التي هي كالخلس، والتي تترصدها النفس الحية ويهولها أنها لا تسيطر عليها سيطرة كاملة فتكون منها كمن يعرف وينكر، نعم، وهذا كله يؤكد ما أريد بيانه في هذه المقدمة.
من أن أداة عبد القاهر التي أزاح بها الغموض عن وجوه حقائق هذا العلم هي طول التأمل، وطول المراجعة، وطول المداخلة لما كانت تحت ألسنة الأعاريب.
ثم يقول والمهم بعد أسطر قليلة: إن الشيخ بعدما اجتهد في الإبانة عن هذا المعنى ونبله ومكانه من الفخامة، أراد أن يحيلنا إلى أداة من أدوات اللغة هي أقرب أدواتها إلى الألف واللام، وهي كلمة الذي، وأنها تصوره لك في كلام الأعاريب تصويراً يدنيه منك أكثر. قال الشيخ: وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من الذي؛ فإنه يجيء كثيراً على أنك تقدر شيئاً في وهمك ثم تعبر عنه بالذي. وهذا هناك في الباب الماضي الذي تذكرون وذكر شواهده، وكان هذا إرهاصاً بالفصل الذي عقده للذي خصوصاً.
وكأن قدرة هذه الكلمة الذي على الإبانة عن هذا المعنى الخفي الذي هو كالخلس أو كاللمح، هو الذي فتح له بابها. يعني كأنه في معمعة الكلام في الألف واللام في هذه النقطة الدقيقة المشكلة، فتح له باب الذي؛ كأنه لما رأى الذي يشرح له ففتح له فصل الذي. قال: وكأن قدرة هذه الكلمة الذي على الإبانة عن هذا المعنى الخفي الذي هو كالخلس في الألف واللام أو كاللمح، هو الذي فتح له بابها الذي رأى فيه العلم الكثير والأسرار جمة، والخفايا التي تؤنس.
وهكذا ترى الشيخ عبد القاهر لا يغلق باب المسألة إلا بعد أن ينتهي به الكلام فيها إلى فتح باب مسألة أخرى، تطل عليه من صلب المسألة الأولى، حتى إنك لترى جملة من الأبواب في الكتب البلاغية المتأخرة هي في حقيقتها باب واحد في كتاب دلائل الإعجاز. هذه الكلمة خطيرة جداً يا إخوة، ماذا تقولون؟ نعم، بالضبط. قال: حتى إنك لترى جملة من الأبواب في الكتب البلاغية المتأخرة، هي في حقيقتها باب واحد في كتاب دلائل الإعجاز. هذه الكلمة خطيرة جداً يا إخوة، لأنها تؤكد الفائدة العظيمة التي تجنيها من دراسة عبد القاهر.
نعم، وله كلمة في الصفحة ط، طبعاً هو رقم المقدمة بعيداً عن ترقيم الكتاب لأن هذه مقدمة ثانية، هذه التي أقرأها الآن مقدمة الطبعة الثانية فرقمها بالحروف أبجد هوز، والمقدمة الأولى مرقمة بالصفحات مع سائر الكتاب بالأعداد. في الصفحة ط من المدخل من المقدمة الثانية التي هي مصدرة في أول الكتاب، يقول بعد أن قال كلاماً في اتصال الأبواب ببعضها: وكل هذا قاطع في أن أبواب البلاغة وصلات بعضها ببعض في كتابي عبد القاهر تختلف عن أبواب البلاغة وصلات بعضها ببعض في كتب من جاءوا بعده، وليس لهذا سبب إلا الذي قلناه من الفرق بين من يكون مجهوده في البحث والدرس موجهاً إلى كشف حقائق بلاغة الكلام من طول النظر في وفرة أساليب العرب وتتبعها، وبين من يكون مجهوده في الدرس والبحث موجهاً إلى مراجعة كلام أهل العلم في الباب الذي يكتب فيه.
وهذا يدلك على أن طريقة عبد القاهر هي طريقة أدبية قصدها لذاتها لأجل تحقيق غرض منها، خلاص هي طريقة تقصد لذاتها حتى لو كان كما قال شاكر سيعيد ترتيب الكتاب أو تنظيمه. هذه الطريقة أدبية، يخرج من باب إلى باب. الدكتور أبو موسى هنا يقول كلاماً قد تفهم منه أن عبد القاهر ما كان سيعيد ترتيب الكتاب، هو يقول لك هما منهجان. ولذلك أنا وقفت كثيراً عند كلمة الأستاذ محمود شاكر: قال كتابه كان سيعيد ترتيبه، ويستدل على ذلك بهذه الأوراق أو الملازم أو البحوث المفرقة التي تتعلق بصلب ما مر من الكتاب، وأوردوها بعد ذلك مفرقة في الكتاب وقالوا هذه جاءت خارج الكتاب وهذا يدل على أنه كان سيعيد تنظيم علم الكتاب، وهذا قلت لكم كالمقر في أول الكلام لأنه كان كلام محمود شاكر وله ظاهر، ولكن أيضاً هذا قد يحتاج إلى إعادة نظر مرة أخرى وأن تدرس الكتاب.
كلام الدكتور أبو موسى هنا يشير إلى أن هذا منهج مختلف، هذا صريح كلامه. يقول: هذا مجهوده الذاتي في البحث والدرس موجهاً إلى كشف حقائق بلاغة الكلام من طول النظر في وفرة أساليب العرب وتتبعها، وهذا يختلف عمن يكون مجهوده في الدرس والبحث موجهاً إلى مراجعة كلام أهل العلم، يعني هم راجعوا كلام عبد القاهر وجعلوا منه علماً، عبد القاهر كان يراجع الأدب وكلام العلماء ليبين منه بلاغة الكلام أصلاً، ما كان يشرح كلام العلماء في متون ولا كان يندج كلام العلماء، كان يبين أصول العلم، فكلامه هذا يدل على أنه منهج مقصود بذاته. ومثل ذلك طبعاً كتب النقد التي في نقد الكلام، وليست في تقعيد النقد أو في تقييده بالصورة، ليست في استنباط ما قاله العلماء في كتب النقد أو في كتب نقد النصوص.
إذا رجعنا إلى دليل محمود شاكر رحمه الله هو وجود ملازم أو وجود بعض البحوث والأوراق، وجعلها دليلاً على أنه كان سيعيد ترتيب الكتاب والكلام، سنرى أن ذلك لا يلزم؛ قد يكون ذلك أنه سيدرجه في موضعه، ليس أكثر من ذلك وما كان سيغير هيئة الكتاب ولا كان سيعيد تنظيمه علماً من جديد، بدليل ما ستجدونه من أن هذه البحوث هي نفس طريقة هذا الكتاب، يعني داخل البحث استرسال، ومن يعيد تنظيم الكلام على علم سيفعل ذلك في ترتيب الفصول وفي داخل مادة الفصول وفي شرح المسائل داخل الفصول، فهمتم؟
وهنا تعجبني كلمة في نفس الصفحة في الأخير يقول: ولا أشك ولا يشك غيري أن الذي يرجع إلى عبد القاهر من كتابه أضعاف الذي يرجع إلى سيبويه من كتابه. قال: لأن أكثر مادة كتاب دلائل الإعجاز لم تكن كلها مما استنبطه عبد القاهر وأضافه إلى تراث الأمة وعليه ميسومه. والذي في كتاب سيبويه هو صفو علم طبقات النحاة الذين سبقوه، وقد انتهى علمهم إلى الخليل، وانتهى علم الخليل إلى سيبويه، فضلاً عمن سمع منهم؛ فقد سمع من حماد بن سلمة وكان مجاب الدعوة وله ألفاظ في اللغة تفرد بسماعها، وسمع من يعقوب بن إسحاق الذي بعج النحو ومد القياس وشرح العلل، وسمع من يونس بن حبيب الذي انتهى إليه علم أبي عمرو بن العلاء، وكان له مذاهب وأقيسة تفرد بها. وكل هؤلاء شاركوا في صناعة كتاب سيبويه، وهم شركاء في مادته العلمية، وبراعة سيبويه أنه وعى ذلك كله وتمثله ونظمه ودونه في كتابه، ثم إنه أضاف واستنبط وراجع ورجح ولم يكن ما استخرجه أقل مما أفاده.
ولم يتُح لعبد القاهر أن يسمع علم دلائل الإعجاز من كوكبة كتلك الكوكبة أو من كوكبة كتلك التي سمع منها سيبويه، فاتكأ على نفسه، ثم إنه لم تكن هناك مادة بلاغية متوفرة، ليس مادة بليغة فالأشعار كثيرة يستنبط منها لكن مادة بلاغية، ثم إنه لم تكن هناك مادة بلاغية متوفرة ولها رجال ولها طبقات كما كان الحال في النحو. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على عبد القاهر وعلينا، لأنه لم يجد أمامه إلا كلام العرب ولمعاً من كلام العلماء، فأدخل نفسه في معمعة تجربة علمية هاديه فيها هو الطبع والعقل واليقظة والصبر، وكل ذلك من عطاء الله سبحانه وتعالى لنا إذا رزقنا حسن الانتفاع.
ولا يمكن أن يكون واحد من العلماء مهما كان قدره صانعاً لمادة كتاب سيبويه لأن استخراج القاعدة النحوية لا يكون إلا باستقراء كلام العرب، فلا بد من طائفة من أهل السماع والرواية حتى يقرر النحو ضابطاً واحداً يقول فيه هذا مما أجمعت عليه العرب أو خالف فيه بعضهم، وذلك بخلاف المسألة البلاغية؛ لأنها لا تحتاج إلى سماع، وإنما تحتاج إلى الذي بيناه مما كان عبد القاهر يسلكه وهو صعب جداً، ولكنه ليس منتشراً انتشار ضوابط الإعراب؛ لأن الضابط النحوي لا يتم إلا باستقصاء السماع من هذه العرب المنتشرة في طول بلاد العرب وعرضها.
معذرة، الكلام كان ممتعاً وأخذني، كان حلواً. آه والله كان ممتعاً، أسلوب الدكتور محمد بن موسى جميل في عرض حتى المسائل العلمية، يمتعك وأنت تقرأ. قال: اعلم، يا سلام، هذه العبارة أعجبتني جداً في أول ثلاثة أسطر حتى صنعت كما ترون حولها إطاراً، قال: اعلم أن لك في الذي علماً كثيراً وأسراراً جمة وخفايا، إذا بحثت عنها وتصورتها اطلعت على فوائد تؤنس النفس وتثلج الصدر بما يفضي بك إليه من اليقين، ويؤديه إليك من حسن التبيين. تعرفون يا إخوة من آثار الذي -الموصول يعني- أنني حملت عليه ما التي ترددت بين الموصولية والاسمية الموصولية والحرفية المصدرية في قول امرئ القيس: سَمَا لَكَ شَوْقٌ بَعْدَمَا كَانَ أَقْصَرَا.
فأكثرهم ينظر إلى ما هنا على أنها حرفية مصدرية، يعني سما لك شوق بعد إقصاره أو بعد كونه أقصر، وبعد ما كان كذا هذه مصدرية أو حرف مصدر، وتعرفون المصدر يؤول بما بعده، يعني الذي هو غير الصريح يؤول بالصريح. وظللت على ذلك كالجميع لسنوات لعقد من الزمان أو أكثر، والله لعقد ونصف من الزمان وأنا أفسرها بحرفية مصدرية، ولكن مع تطور الملكة عندي ومع اتساع درايتي بخبايا نفس امرئ القيس وأنه أبلغ من ذلك، بدأ يحصل في نفسي شيء من الحرج حول ذلك. تعلمون أنني في العام 2018 كتبت شرحاً على سَمَا لَكَ شَوْقٌ كاملاً، ولكن كنت أؤمن بأن قصيدة مثل هذه في علوها وسموها تحتاج إلى أن أصبر حتى لأنني أيضاً كنت أعلم أن ملكتي ستتطور وأن ذوقي سيعلو، وما زال الإنسان يتطور ذوقه بالميراث، فقلت قصيدة مثل هذه تحتاج إلى أن تصبر عليها، لك أن تشرح من قصائد العذريين وقصائد الغزليين التي قد أقول فيها المطبوع الخفيف الذي هو قريب الغور، الذي لو ذهبت تتكلف دلالات التركيب والحروف يقال هنا أنت تتكلف؛ هذا يتغزل بالنساء وهذا يشكو شكوى قريبة من أن تكون مباشرة لكن فيها المسحة البلاغية التي هي شرط شرف المعنى في الشعر، لكن لا ترى فيها هذه البراعات التي تجدونها في الأبيات الفريدة التي يأتي بها عبد القاهر مثلاً، وهذا الذي تجدونه عند النابغة وعند امرئ القيس وزهير، لا ترون هذا؛ فشغلت بهذا الشرح هذه الشروح، وكان مما نما إليه ذوقي بعد عقود، قلت ما هذه؟
واتسعت درايتي واستحضاري، أقول استحضاري كنت أقرأ في النحو ومعاني النحو ومعاني الحروف من قديم طبعاً، لكن قضية استحضارك في النصوص الرفيعة لمعاني النحو، فانتبهت إلى أن ما المصدرية يذهب بعض النحاة إلى تأويلها أو يجعلون من علامتها أنها قد تكون اسمية التي الموصولة التي بمعنى الذي، واعترض نحاة آخرون عليه على من قال ذلك ضابطها واستشهدوا به. المهم يعني، فأنا لما تقدم ذوقي وظللت أقرأ امرأ القيس على طول هذه الأعوام كل يوم يا إخوة، يعني امرؤ القيس لا يفارقني كل يوم على طيلة اليوم أتأمل، هذا الرجل لم يجعلوه ملك الشعراء من فراغ، فبدأت أشعر بحرج في الشطر الأول خف قليلاً عندي عما كان قديماً: سَمَا لَكَ شَوْقٌ بَعْدَمَا كَانَ أَقْصَرَا. الشطر ليس بهذا الانفجار الذي ينفجر به امرؤ القيس في قصيدة فحلة طويلة لما انفجر بقفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل، نبكي جميعاً، يعني أبكي وأذكر وأنوح وأذكر وأقص وأتلو هذه الذكريات وتبكون معي من ذكرى، يعني سنطيل لأن البكاء سيأتينا من الذكرى، ومن هنا السببية.
ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي، وهل يعمن من كان في العصور الخوالي؟ فسما لك شوق بعد ما كان أقصر.
بعد كونه أقصر، بعد أن كان أقصر عني، فسما لك شوق هو الشوق القديم. انتبهت إلى أن البيت يقودني إلى أن ما هنا اسمية وليست حرفية مصدرية، وما هنا بمعنى الذي. فهو يقول: سما لك شوق بعد ما كان أي بعد الذي كان أقصر. وهنا يقول لك سما لي شوق جديد، والتقطت ما الموصولة بمعنى الذي مع السمو بمعنى الارتفاع، وإلا لكان قد قال عاد لي رجع. لكن سما شوق ارتفع شوق جديد بعد الذي كان أقصر، فهما شوقان: شوق قديم ذاهب وشوق جديد سما عليه.
وقوله بعد الذي كان أقصر بمعنى الموصولة يعني أن ما موصولة، أي بعد الذي كان أقصر فيه تهويل من الذاهب، ففخم هذا القديم الذاهب وجعل الجديد ساميًا عليه، سما شوق بعد هذا الرهيب القديم الذي أقصر عني. وتراه وهو يقول بعد ما كان أي بعد الذي كان أقصر، كأنه يتذكر هذا القديم وما كان عليه من الهول ثم سما شوق فوقه.
ويلتقي ذلك كله بحديثه لنفسه بضمير المخاطب، على طريقة التجريد على مذهب قوم، وعلى طريقة الالتفات على مذهب السكاكي. وأنا أذهب إلى أنه التفات باعتبار ما كان ينبغي أن يكون، لكن جمهور البلاغيين يقولون هذا تجريد مخاطبة للنفس وليس التفاتًا، المهم المآل واحد، وهذا اصطلاح بلاغي سيأتي وقته إن شاء الله. سما لك شوق بعد الذي كان أقصر، شفت بعد الذي تحتاج فقط إلى إحضار الموصولية في ما، وما هنا أشد من الذي. سما لك شوق بعد ما كان أي بعد الذي كان أقصر، فسما شوق جديد يكلم نفسه وكأنه يشفق على نفسه شديدًا، سما لك شوق بعد ما كان أقصر.
في هذه اللوعة، هذا الجرى، هذا الشجا، ما الحل؟ وحلت سليمة بطن قو فعرعرا، فماذا أفعل؟ وحلت سليمة بطن قو فعرعرا، كنانية بانت وفي الصدر ودها يلتقي مع هذا الشجا في الأول، مجاورة نعمانًا والحيا يعمرا. أحدهم قال لي مرة: ماذا بقي في الشعر الجاهلي لم يقل؟ فقلت له: وماذا قيل أصلا في الشعر الجاهلي؟
نكتفي اليوم يا إخوة، عندي لقاء مهم، شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد