بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الخامس بعد العشرين من مجالسنا في شرح كتاب دلائل الإعجاز للإمام شيخ البلاغة والبلاغيين أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى، مؤسس علوم البلاغة. وصلنا إلى الصفحة التاسعة بعد المئتين، ويقول: هذا فصل في الذي.
ويحسن هنا التذكير أيها الإخوة بأن عبد القاهر ما قصد في كتابه هذا، وما نص على ذلك، بل نص على خلافه، وهو أنه ما قصد إلى أن يستوفي علوم البلاغة في هذا الكتاب، وإنما كان يأتي لك بالأبواب، يلد الباب من الباب، ويذكر اللائق بما يليق به، ويفرع الشيء عن الشيء. وفي غضون ذلك كله يقول لك: وعلى هذا انظر، وكذا، ويقول لك: وهذه أبواب لا يحصيها كذا، وهذا باب صعب، وهذا متشعب، ولكن أذكر لك ما تستدل به، إلى آخره. عبارات كلها تدل على اتساع هذه العلوم، ولكن ما حصل بعد ذلك هو أنهم قعدوا ما ذكره مثالا على البلاغة، فقعدوه.
ومن هنا جاء عدم التمام بالكلية والإحاطة التامة، مع كونها مفيدة في علوم البلاغة التقريرية؛ إذا نظرنا إلى أنها قاعدة ومفيدة وكذا فهذا صواب، أما إذا نظرنا إلى أنها حوت كل علم البيان بالمعنى العام لا بالمعنى التقسيمي -الذي يشمل كل الإبانة وكل البلاغة- فنقول: لا، لا يمكن هذا، بل الشعر مليء بالبلاغة التي لم ينص عليها.
وهذا الباب مثال، يقول: هذا فصل في الذي. وقال كلمة خصوصا ليشير إلى أن هذا الاسم الموصول هو يذكره لك بعينه فصلا هكذا، يفصله عن غيره، ويذكره حتى لا يقول: هذا فصل في الذي، فيتوهم أن الذي باب، وأنها أحاطت بكذا وكذا. يقول لك: لا، أنا سأخص لك اسما، سأخص لك أداة أتكلم عنها؛ فهذه أيضا إشارة منه إلى أن العلم أوسع من ذلك، وأن البلاغة أوسع من ذلك.
الذي، كما يقول الدكتور محمد أبو موسى، يقول: الذي ساق عبد القاهر إلى أن يكون هذا الفصل في الذي -يعني إلى أن يخصه بالذي- هو ذلك الوجه الرابع من وجوه تعريف الخبر بالألف واللام تحت زيد المنطلق. وهذا يا إخوة في الفقرات من التاسعة بعد المئتين إلى الفقرة الرابعة بعد المئتين. يقول الدكتور أبو موسى: الذي ساق عبد القاهر إلى أن يكون هذا الفصل في الذي، يعني إلى أن يخص في هذا الفصل الذي؛ إلى أن يكون هذا الفصل في الذي، مفعول خبر يكون هو ذلك الوجه الرابع من وجوه تعريف الخبر بالألف واللام تحت زيد المنطلق. ونبه إلى هذا وشرحه في المدخل إلى كتابي عبد القاهر الصفحات من هاء إلى زاي، لأن المدخل مرتب بالحروف الأبجدية: أبجد هوز، بخلاف الكتاب بعد ذلك مرتب أو مرقم بالأرقام بالأعداد.
نعم، وقال الدكتور كذلك في هذا في الصفحة زاي في كتاب المدخل: إنك لترى جملة من الأبواب في الكتب البلاغية المتأخرة هي في حقيقتها باب واحد في كتاب دلائل الإعجاز، يعني تراها هناك فرقت، وتراها عند عبد القاهر جمعت تحت معنى واحد، وجاءت في فصول متلاحقة تحت معنى واحد. وهذا أقول: هذه الفائدة لن تجدها في كتب البلاغة التقريرية، وإنما تجدها عند عبد القاهر؛ لذلك يظل عبد القاهر نسيج وحده. كما قال الأستاذ محمود شاكر في مقدماته في الإعجاز، يظل عبد القاهر في المقدمة أو المقالة الطويلة التي بعنوان تاريخ حيرني ثم اهتديت يقول: يظل عبد القاهر نسيج وحده، يظل متميزا عن غيره، يظل لا يغني غيره عنه، يظل كتابه أيها الإخوة فيه من الفوائد ما لا تأخذه من الكتب التقريرية أو البلاغة العلمية كما قد تسمى.
نعم، وحول هذا أيضا يقول الدكتور كلمة يحسن أن نرجع إليها في الصفحة طاء من المدخل، يقول بعد أن ذكر هذه العلاقات: وكل هذا قاطع في أن أبواب البلاغة وصلات بعضها ببعض في كتابي عبد القاهر، الكتابين الأسرار والدلائل، يقول: وكل هذا قاطع في أن أبواب البلاغة وصلات بعضها ببعض في كتابي عبد القاهر تختلف عن أبواب البلاغة وصلات بعضها ببعض في كتب من جاءوا بعده. وليس لهذا سبب إلا الذي قلناه من الفرق بين من يكون مجهوده في البحث والدرس موجها إلى كشف حقائق بلاغة الكلام من طول النظر في وفرة أساليب العرب وتتبعها، ومن يكون مجهوده في الدرس والبحث موجها إلى مراجعة كلام أهل العلم في الباب الذي يكتب فيه.
ما معنى هذا الكلام؟ يعني الذي يكتشف لك حقائق بلاغة الكلام من النظر في أساليب العرب سيخرج لك من أسلوب إلى أسلوب عن طريق وصلات وعن طريق جسور وعن طريق معانٍ تشترك، وتراه يربط بين أبواب بطريقة مختلفة، هذا يشرح هذا، يبين لك روح الشيء. بخلاف من أتى إلى هذا المجهود وراه أمام عينه ركاما يحتاج إلى تنظيم، فبدأ يعمل ماذا؟ بدأ ينظم هذا الكلام، فلما نظمه في أبواب تقعيد علمية، قطع هذه الصلات. أفهموا هذا يا إخوة، لما نظمه في أبواب، قطع هذه الصلات؛ لأنه بدأ يضع أطرا قاسية في الموضوع، هو يريد لطالب العلم أن يفهم، بدأ يضع الاستعارة كذا، التشبيه كذا، ربما لا يمر بعينه على أن الاستعارة أصلا تشبيه، ربما لا يمر.
لكن فقط يقول: الاستعارة مجاز علاقته التشبيه، مفهوم، لكن من يشرح له أنك تشبه بالأداة، فإذا أردت أن تقرب جدا أسقطت الأداة فصار تشبيها بليغا، وإذا ألغيت المشبه وأبقيت المشبه به وجعلت المشبه فردا من أفراده فهذه استعارة، ربما لا يمر على هذا. ربما لا يمر على أن علوم البيان تدخل أصلا في علوم المعاني، وأنها جزء من المعاني، ولكن خصت لأجل أنها اختصت بوجه من التصرف معين؛ بدأ يأخذ شكلا مجتمعا، كون فرعا، وهو إلحاق صورة بصورة أو التعبير بالشيء عن الشيء أو تمثيل الشيء في صورة أخرى أو في صور مختلفة وأبواب مختلفة في وضوح الدلالة، لكن هو المعاني في الأخير.
ربما لا يمر على أن البديع ما هو إلا صور للتراكيب، وأن الأصل فيها المعنى، ستراه يقول لك: بديع صوتي، بديع معنوي، ولا يعرف أن الجميع معنى، وأن هذا نص عبد القاهر في صدر كتابه الأسرار، وأن خلاف ذلك لغو، ربما لا يمر على هذا. فهذا تأخذونه من كتاب عبد القاهر، فما تأخذونه يا إخوة من كتابي عبد القاهر هو ماذا؟ هو زائد على ما في عين الأبواب. كيف انتقل من باب إلى باب؟ كيف خرج من الذي أو من الكلام على زيد المنطلق إلى الذي؟ الذي، زيد المنطلق، زيد الذي ينطلق، رايت هو الذي.
نعم، قل يا محمد، أقول إنه يشرح روح الأساليب وكيف تستخدم، يعني يأتيك بفلسفة كل أسلوب وليس فقط تفهمها بشكل كذا، وهذا ما تستعمله في النقد يا محمد. وهذا ما لا يفهمه النحوي الصرف، ولهذا نص العلماء كثيرون جدا على أن النحوي الصرف، من حيث كونه نحويا، لا يقول في هذا الكلام؛ لأنه لا يؤول إلى هذه الصلات من المعاني، وهذه الكذا وهذه الكذا، إلا أن يكون ممارسا للبيان، عبد القاهر، لأنك في الشعر تقول: هذا كقولك كذا، وهذا كما تفعل كذا، وسياتي معنى هنا أصلا في الكلام على فروق الحال، لما سيربط لكم بين الحال وبين الخبر.
نعم، قال: اعلم أن لك في الذي، الذي هو الاسم، اعلم أن لك في الذي علما كثيرا، وأسرارا جمة، وخفايا إذا بحثت عنها وتصورت أطلعت على فوائد تؤنس النفس وتثلج الصدر، بما يفضي بك إليه من اليقين، ويؤديه إليك من حسن التبيين. انظر إلى روعة هذه العبارة، يقول: أطلعت على فوائد تؤنس النفس وتثلج الصدر، يعني إذا عكس ذلك وحشة الصدر ويغار وحشة النفس ويغار الصدر، أو حرقة الصدر. قال: بما يفضي به إليك من اليقين ويؤديه إليك من حسن التبيين. عبد القاهر هنا أيها الإخوة يعبر تعبيرا رائعا عن نفس تتعامل مع البيان، لأنه إذا لم يفضي إليك بالمعنى الواضح، وإذا لم يحصل حسن التبيين، ففي ذلك وحشة للنفس وحرقة في الصدر.
الفرق بينها وبين وقوعها من غير البيان أنك لا تعرف على من تصب غضبك، يعني من الذي أذاك لما تسمع نصا قبيحا؟ فلا ترى إلا أن تقول: لقد أذيت الأمة كلها بهذا، ولا تملك إلا أن تعذر من يعذر، أو لا تعذر من لا يعذر، تقول له: أنت أجرمت لما اعتبرت ذلك بيانا وفعلت كذا، وأوحشت نفوس الأمة جميعا، وأحرقت أو أغرت صدورهم جميعا. نعم، انظر: أطلعت على فوائد تؤنس النفس -يعني بعد إيحاء- وتثلج الصدر -بعد إيغار- بما يفضي بك إليه من اليقين ويؤديه إليك من حسن التبيين.
والوجه في ذلك -يعني الجهة التي كان منها هذا أو تفهم منها هذا- في الذي: والوجه في ذلك أن تتأمل عبارات لهم فيه، لما وضع، يعني تتأمل عبارات لهم فيه لتجيب عن السؤال، أو لتعرف جواب السؤال: لم وضع؟ ولأي غرض اجتلب؟ وأشياء وصفوه بها. فمن ذلك قولهم: إن الذي اجتلب ليكون وصلة إلى وصف المعارف بالجمل؛ اجتلب ليكون وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، لأن الجمل نكرات لا توصف بها المعارف، فإذا جاءت الجملة بعد المعرفة تكون حالا، خلاص؛ لأن الصفة تتبع الموصوف في التعريف والتنكير، فإذا جئت بمعرفة وجئت بعدها بجملة والجملة نكرة، وسيعرض الآن لماذا هي نكرة الجملة نكرة، فإذا جاءت النكرة بعد المعرفة كانت حالا ولم تكن صفة.
ولكن كيف تأتي الجمل التي هي نكرات لتصف بها المعارف؟ بالذي، لأنه من الأسماء المبهمة ومن المعارف الموصولة. قال: ليكون وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، كما اجتلب ذو ليتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس؛ يعني أنت لا تستطيع أن تصف باسم الجنس -جنس يعني مال- فتقول: رجل مال، لا يمكن، فإنما تقول: رجل ذو مال، فأتيت بذو لتتوصل بها إلى وصف الأجناس، أو الوصف بأسماء الأجناس، سواء كانت معارف أو غير معارف، رجل ذو المال.
نعم، قال: ليكون وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، كما اجتلب ذو ليتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس، يعنون بذلك أنك تقول: مررت بزيد الذي أبوه منطلق، يعني أنت لو قلت: مررت بزيد أبوه منطلق، كانت عبارة أبوه منطلق، قطع النظر عن بلاغتها في هذه الصورة من حيث الواو وغير الواو، خلاص هذه قضية أخرى سنعرض لها إن شاء الله في كلام في الفصل الآتي في كلام عبد القاهر، لكن ستكون العبارة حالا ولن تكون صفة. لكن لما قلت: الذي أبوه منطلق، انقلبت صفة؛ تقول: مررت بزيد الذي أبوه منطلق، وبرجل الذي كان عندك أمس، أو الذي كان عندنا أمس، فتجدك قد توصلت بالذي إلى أن أبنت زيدا من غيره، يعني بينته عن غيره بالذي وصفته بالجملة، وصفته بالجملة عن طريق هذا الاسم الموصول الذي.
يقول: فتجدك قد توصلت بالذي إلى أن أبنت زيدا من غيره بالجملة التي هي قولك: أبوه منطلق، ولولا الذي لم تصل إلى ذلك، كما أنك تقول: مررت برجل ذي مال؛ الآن يشرح لك قضية الوصف بأسماء الأجناس، مررت برجل ذي مال، فتتوصل بذي إلى أن تبين الرجل من غيره بالمال، ولولا ذو لم يتأتَّ لك ذلك؛ إذ لا تستطيع أن تقول: برجل مال.
قال: فهذه جملة مفهومة، يعني فكرة مفهومة، أو هذه قضية، أو هذا مفهوم. وعندكم علامة الاستفهام خطأ، علامة الاستفهام خطأ. نعم، قال: فهذه جملة مفهومة، إلا أن تحتها خبايا تحتاج إلى الكشف عنها، فمن ذلك أن تعلم من أين امتنع أن توصف المعرفة بالجمل؛ هنا سيكلم عن قضية أن الجمل نكرات، خلاص، وأن الجمل نكرات ولا توصف بها المعرفة، وسأذكر لك لماذا هي نكرات، وسأشرح هذا إن شاء الله. قال: فهذه جملة مفهومة، إلا أن تحتها خبايا تحتاج إلى الكشف عنها، فمن ذلك أن تعلم من أين امتنع أن توصف المعرفة بالجمل، ولما لم يكن حالها في ذلك حال النكرة التي تصفها بها في قولك: مررت برجل أبوه منطلق؛ يعني إذا قلت: مررت برجل أبوه منطلق، هذا وصف الرجل، منعوت أو موصوف بأن أباه منطلق، مررت برجل أبوه منطلق، ورأيت إنسانا تقاد الجنائب بين يديه؛ الجنائب جمع.
الجنيبة الدابة تقاد، ويشار بذلك إلى أنه أمير أو سلطان. رأيت إنساناً تقاد الجنائب بين يديه، فالعبارات «تقاد الجنائب بين يديه» هي صفة لإنسان، فلماذا لا تقول رأيت الإنسان أو رأيت زيداً تقاد الجنائب بين يديه وتكون هذه العبارة نعتاً كذلك؟ ولماذا نقول هي حال؟ يقول عبد القاهر: وقالوا إن السبب في امتناع ذلك أن الجمل نكرات كلها، بدلالة أنها تستفاد، وإنما يستفاد المجهول دون المعلوم. تستفاد يعني أنت تتحدث بها لا تتحدث عنها، أنت تسندها لا تسند إليها، تخبر بها، فإذا كنت تخبر بها ولا يمكنك أن تخبر عنها وأن تسند إليها بذاتها، فهذا يعني أنها نكرات. هذا معنى قوله: «أن الجمل نكرات كلها بدلالة أنها تستفاد، وإنما يستفاد المجهول دون المعلوم»، يعني نحن نخبر بها، فنكشف بها حالاً أخرى، نكشف بها المسند إليه، ولهذا كان الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة لا نكرة، وأجاز للمبتدأ أن يكون نكرة بشروط تقربه من المعرفة. الأصل في المبتدأ كما يعرف دارس النحو الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة، وأجاز أن يكون نكرة بشروط، لو تأملت وجدتها تقربه من المعرفة.
طبعاً هنا لا بد من الانتباه إلى شيء وهو أن ابن هشام في كتابه المغني، وهذا كتاب مهم جداً، قال إنهم يقولون الجمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال على سبيل التقريب، وذكر أحوالاً أخرى مختلفة تعامل فيها النكرة التي هي في ظاهرها نكرة معاملة الحال، معاملة المعرفة، فتأتي الجملة بعدها حالاً، وأتى بمواضع تعامل فيها المعرفة معاملة النكرة فتأتي الجملة بعدها صفة. وهذا موضع دقيق في العلم أيها الإخوة، هذا موضع دقيق في العلم، وأقول لكم شيئاً وهو في الشعر أوسع مما هو في كتب النحو أيضاً. هو في الشعر أوسع مما هو في كتب النحو، يعني مثلاً لما قالوا في النكرة إذا كانت موصوفة أو وصفت واقتربت من المعرفة جازت أن تكون جملة بعدها حالاً لها، وكذا أقول في الشعر ما هو زيادة من دلالات السياقات، ولهذا اخترت في قول امرئ القيس:
أسمَا لك شوقٌ بعد ما كان أقصرا وحلت سليمى بطن قوٍ فعَرعرا
كنان بانت، طيب جملة بانت هذه جملة صح، بانت جملة. يتوقف كونها حالاً أو صفة على ماذا؟ على حال الكنّانية، الظاهر أن الكنّانية نكرة، والظاهر أن الكنّانية نكرة، وأنها نعت لنكرة، وأنها صفة استغني به عن الموصوف والموصوف نكرة، تقديرها فتاة، ولكن فتاة نفسها هي خبر لمبتدأ محذوف، وهذا المبتدأ ضمير يعود على سليمى في البيت الأول: «أسمَا لك شوقٌ بعد ما كان أقصرا، وحلت سليمى بطن قوٍ فعَرعرا، هي فتاة كنان بانت»، وفي الصدر ودّها. فقوله بانت هنا وقعت في النفس، في نفسي وأنا أتذوق امرأ القيس، وقعت موقع الحال؛ لأن الكنّانية الفتاة الكنّانية ما هي إلا سليمى، وهي قريبة ظاهرة بوصفها كنان، وظاهرة بكونها خبراً، وهذا الخبر ضمير يعود على سليمى في الشطر قبله في البيت السابق، فلم أشعر بالنكرة إلا بقدر ضئيل لغرض الشاعر، ولم يكن ذلك الأصل، وإنما كانت سليمى حاضرة موصوفة، والوصف هو الذي جاء على هيئة النكرة. ولهذا أخوكم محمد الحماري وهو ذو ذوق يقول: وقعت في نفسي كذلك أنها حال، وهذا هو الذي يؤيده سياق الكلام عن سليمى في المقام، وعن فجيعة الشاعر، أن تكون بينونتها حالاً وليست صفة. ماذا أستفيد من مساحة الصفة الثابتة إذا كان الذي أعنيه هو توافق أحوال معينة اجتمعت على الشاعر؟ لما قال: «سما لك شوق» يعني الآن شوف، سما حادثة سما لك شوق بعد ما كان أقصرا، وحلت سليمى بطن قوٍ فعَرعرا، كنان أي هي كنان، هي فتاة كنان بانت وفي الصدر ودّها، وجاء بعدها بعبارات الأحوال، وهذا مما يؤيد الحالية للاتساق، بانت وفي الصدر ودّها، مجاورة هذا حال أيضاً، مجاورة النعمان والحي يعمر، كنان بانت وفي الصدر ودّها، فاتفاق البانت مع «وفي الصدر ودّها» ومجاورة في سياق الكلام يؤيد أن بانت هنا جملة حالية، وأنها حال من الفتاة المحذوفة، أضف إلى ذلك أنها خبر لضمير يعود على سليمى المعينة المعرفة.
هذا هو، وهذا مما قال الله تعالى في الكتاب العزيز: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنعام: 92]. ربما جرت العادة أن يقول هو موصوف بالمبارك فقربه من المعرفة، وكان جديراً وربما أولى أن نقول الخبر المبتدأ؛ لأن كتاب خبر لمبتدأ هو اسم الإشارة هذا أي القرآن: وهذا القرآن كتاب مبارك أنزلناه. ففي نفسي أن الذي جعل النكرة وهو كتاب معرفة ليس أنه وصف بالمبارك بقدر أنه خبر لهذا الذي يشار به إلى القرآن الكريم: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾، فالذي قربه من المعرفة وجعل جملة أنزلناه حالية وليست نعتاً وليست صفة هو ليس الوصف بالمبارك أو بالبركة بقدر ما أنه خبر لهذا الذي يشار به إلى معرفة ومعين وهو القرآن. نعم، فهذه معرفة وتنظر بعدها في البلاغة هنا، تحتمل القضية نقول نرجح الظاهر ونقول بالنعت، فانزلناه نعت له، أم نرجح الذي يؤول إليه بعض التأمل ونقول إنه معرفة وآل إليه اللفظ بوصفه وبكونه خبراً لهذا وهو المبتدأ المشار به إلى القرآن، فنرجح أنها حالية هنا تنظر. نعم، وذكر هذه الوجوه ابن هشام في المغني، وأما الذي رأيته في كلام امرئ القيس في «أعدّ صباحاً» في «سما لك شوق» أنها آلت إلى معرفة، وربض في القلب، سليمى هي فتاة كنان بانت وفي الصدر ودّها. وأنا قلت في الشعر زيادة في النص نفسه، تأتي زيادة على ما في كتب النحو في كل موضع بحسبه، وسترى هنا الزيادة فيه أنه خبر لمبتدأ ضمير يعود على سليمى، وتوالي الجمل الحالية بعدها، وهكذا.
قال: وقالوا إن السبب في امتناع ذلك أن الجمل نكرات كلها بدلالة أنها تستفاد، وإنما يستفاد المجهول دون المعلوم، قالوا فلما كانت كذلك كانت وفقاً نكرة، يعني كانت توافق النكرة، فتصف النكرة بالنكرة؛ لماذا؟ لأن الوصف يتبع الموصوف في التعريف والتنكير، نعم، يعني أنت تقول: جاء رجل عالم، وجاء الرجل العالم، لا تقول جاء رجل العالم، أو جاء الرجل عالم، وتريد الوصف. لا، قالوا فلما كانت كذلك، يعني الجمل كانت وفقاً نكرة، يعني توافق النكرة فتصف، فجاز وصفها بها ولم يجز أن توصف بها المعرفة إذ لم تكن وفقاً لها. خلاص هذا واضح جداً، قال: والقول البين في ذلك أن يقال... إلى الآن المسائل واضحة يا إخوة، يوجد أي سؤال؟ يوجد أي إشكال أو غموض؟ واضح؟ طيب، الحمد لله، رضي الله عنكم.
قال: والقول البين في ذلك أن يقال: إنه إنما اجتلب... يعني الذي، لفظ الذي، القول البين يعني الظاهر الواضح، خلاص، يعني يريد... انظر عبد القاهر يدور لك ويحور ويذهب ويجيء ليقتنص لك التعبير القوي، هذه معنا بالمناسبة يا إخوة، وستشعرون بها وأنتم إن شاء الله أساتذة تدرسون، لما تكون في أنفسكم مسؤولية تجاه الطلاب وتقتنص التعبير الناجع في الإفهام، هذه معاناة، ولذلك أنا أقدر جداً أهل العلم مهما اختلفنا معهم؛ لماذا؟ لأن هذه المعاناة أعرفها، قضية أن آتي لك بالعبارة التي يعبر بها عن المعنى الذي يريد إيصاله إليك، ولذلك لا تستغرب إذا وجدت لك أستاذاً يتصل بك في أي وقت من اليوم، أقول لك: اسمع، المسألة الفلانية كذا، ربما كان ينكث ساعات يفكر فيها، ولما اقتنصها أراد إفادتك، فهذه لا بد أن تقدرها، ونحن نقدرها للمشايخ والعلماء، باشرنا الطلب منهم أو لم نباشر كعبد القاهر رحمه الله.
يقول: والقول البين في ذلك أن يقال إنه أي لفظ الذي إنما اجتلب حتى إذا كان قد عُرف رجل بقصة وأمر جرى له فتخصص بتلك القصة وبذلك الأمر عند السامع، ثم أُريد القصد إليه ذكر الذي. خلاص، يعني أنت تخبر عنه وتصفه بالجملة باستعمال الذي، وهذا شيء والحديث بالإخبار شيء آخر، انتبه لأن سيأتي الكلام في الإخبار، الإخبار فيه مشكلة، كيف تخبر بما قد عُرف له؟ سيأتي الكلام. قال تفسير ذلك أو تفسير هذا أنك لا تصل الذي إلا بجملة من الكلام قد سبق من السامع علم بها وأمر قد عرفه له، مرة أخرى لا تصل الذي إلا بجملة من الكلام قد سبق من السامع علم بها وأمر قد عرفه له، نحو أن ترى عنده رجلاً ينشده شعراً فتقول له من غدٍ: ما فعل الرجل الذي كان عندك بالأمس ينشدك الشعر؟ هذا حكم الجملة بعد الذي، يعني أنك تأتي بجملة قد عرفها المتلقي فاستعملت الذي في تذكيره بها أو في التنبيه إليه وفي وصف المعرفة بها. قال هذا حكم الجملة بعد الذي إذا أنت وصفت به شيئاً، يعني بالذي، هذا حكم الجملة بعد الذي إذا أنت وصفت به شيئاً، فكان معنى قولهم إنه اجتلب ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل، أنه جيء به ليفصل بين أن يراد ذكر الشيء بجملة قد عرفها السامع له وبين ألا يكون الأمر كذلك، يعني الجمل مخصوصة بالتي قد عرفها السامع لمن يوصف بها، جاء الذي كان عندك بالأمس، جاء الذي كان عندك بالأمس ينشد الشعر، إذا أنت تعلم عبارة «كان عندك بالأمس ينشد الشعر»، كان عندي بالأمس ينشد الشعر، فقال الذي كان عندك فوصفه بها.
طيب هنا ترد مشكلة أو ترد مشكلة، ما هي هذه المشكلة؟ يقول فإن قلت، فإن قلت قد يؤتى بعد الذي بالجملة غير المعلومة للسامع، آه عادي، وذلك حين يكون الذي خبراً، أنت يا عبد القاهر هو يخترع، يعني على لسان عبد القاهر، أنت يا عبد القاهر كنت تتحدث عن الصلة والاسم الموصول، جملة الصلة والاسم الموصول إذا كان ذلك صفة، فماذا لو كان خبراً؟ وذلك حيث يكون الذي خبراً كقولك: هذا الذي كان عندك بالأمس، وهذا الذي قدم رسولاً من الحضرة. أنت في هذا وشبهه تعلم المخاطب أمراً لم يسبق له به علم، وتفيده في المشار إليه شيئاً لم يكن عنده، يعني هو لا يعلم أن هذا الذي قدم رسولاً من الحضرة، أنت في هذا وشبهه تعلم المخاطب أمراً لم يسبق له به علم، وتفيده في المشار إليه شيئاً لم يكن عنده، يعني هو لا يعلم أن هذا الذي قدم رسولاً... أن هذا كان عندي أمس. قال إكمالاً لشبهه، ولو لم يكن كذلك لم يكن الذي خبراً، يعني إذا لم تكن تخبر به عن شيء لا أعلمه لم يكن خبراً؛ إذ كان لا يكون الشيء خبراً حتى يفاد به، هذا الأصل في الخبر، أنت تخبر، تعلم بما لم يكن معلوماً قبل الإعلام، هذا معنى قوله: «إذ كان لا يكون الشيء خبراً حتى يفاد به».
قال عبد القاهر: فالقول في ذلك أن الجملة في هذا النحو، وإن كان المخاطب لا يعلمها لعين من أشرت إليه، فإنه لا بد من أن يكون قد علمها على الجملة وحدث بها، يعني آه هو أنا لا أعلم الذي كان عندي بالأمس، لم أكن موجوداً لم أرَ وجهه، ولكنني أعلم أن أحداً كان عندي بالأمس، آه أنا لا أعلم أن هذا، أن فلاناً هو الذي قدم رسولاً من الحضرة، ولكنني أعلم أن أحداً جاء رسولاً من الحضرة، هذا معنى قول عبد القاهر: «أن الجملة في هذا النحو، يعني في إذا وقعت في جهة، في نحو الإخبار، نحو يعني جهة، في جهة الإخبار لا جهة الصفة، وإن كان المخاطب لا يعلمها لعين من أشرت إليه، آه هو لا يعلمها لعينه فقط، لعين من أشرت إليه، وليس أنه يجهلها بالجملة»، قال: «وإن كان المخاطب لا يعلمها لعين من أشرت إليه فإنه لا بد من أن يكون قد علمها على الجملة وحدث بها».
فإنك على كل حال لا تقول «هذا الذي قدم رسولاً» لمن لم يعلم أن رسولاً قدم ولم يبلغه ذلك في جملة ولا تفصيل، خلاص، لأن لفظ الذي يستعمل في العالم، عالم بمضمون الجملة، عالم فتأتي بها خبراً لتثبت للعين، عالم بالجميع فتأتي بها في الصفة، المهم هي للعالم، نعم. ولكن أقول هناك شيء جدير بالتنبيه وهو أنه يمكن أن تخبره، أن تخبر بها لمن لا يعلم إطلاقاً إذا كنت تنزله منزلة... إذا كان جاهلاً تنزله منزلة العالم، توبيخاً أو تنبيهاً إلى أنه ينبغي أن يكون عالماً، «جاء هذا الذي كان عندك بالأمس»، أنا كان أحد عندي بالأمس، أو أنت ما تعرفش، كان المفترض أنك تعرف ولذلك خاطبتك على أنك تعرف، «هذا الذي قدم رسولاً من الحضرة»، أهناك رسول قدم من الحضرة؟ آه، أنت لا تعرف، حسبتك تعرف لكنك تجهل من هو، فتنزل الجاهل منزلة العارف وتخاطبه بذلك توبيخاً أو تنبيهاً أو بياناً لاستغفاله لغفلته أو نحو ذلك، فهذا كله جائز أيها الإخوة، موجود في العربية.
الأصل رحمه الله: وكذا لا تقول هذا الذي قدِم رسولًا لمن لم يعلم أن رسولًا قدِم ولم يبلغه ذلك في جملة ولا تفصيل. وكذا لا تقول هذا الذي كان عندك أمس لمن قد نسي أنه كان عنده إنسان وذهب عن وهمه، وإنما تقوله لمن ذاك على ذكرٍ منه، إلا أنه رأى رجلًا يُقبل من بعيد، فلا يعلم أنه ذاك ويظنه إنسانًا غيره.
نعم، وعلى الجملة فكل عاقل يعلم بون ما بين الخبر بالجملة مع «الذي» وبينها مع غير «الذي»، يعني أن تخبر بالجملة مع الذي ومع غير الذي. شوف عبد القاهر هنا ينبثق ذهنه لك، ويثلج لك بالفوائد التي قعدت في كتب البلاغة: متى نستعمل «الذي» في البلاغة التقريرية؟ متى نستعمل «الذي»؟
يقول: وعلى الجملة فكل عاقل يعلم بون ما بين الخبر بالجملة مع «الذي» وبينها مع غير «الذي»، فليس من أحد به طرق، والمقصود هنا قوة التفكير خاصة، فليس من أحد به طرق يعني قوة وقدرة، إلا وهو لا يشك أن ليس المعنى في قولك «هذا الذي قدِم رسولًا» كالمعنى إذا قلت «هذا قدم رسولًا» من الحضرة، ولا الذي يسكن في محلة كذا كقولك «هذا يسكن محلة كذا».
وليس ذاك إلا أنك في قولك هذا قدِم رسولًا من الحضرة مبتدئٌ خبرًا بأمر لم يبلغ السامع ولم يبلغه ولم يعلمه أصلًا، وفي قولك «هذا الذي قدِم رسولًا» مُعلِمٌ بأمر قد بلغه، أن هذا صاحبه، فلم يخلُ إذاً من الذي بدأنا به في أمر الجملة مع الذي، من أنه ينبغي أن تكون جملة قد سبق من السامع علمٌ بها فاعرفه، فإنه من المسائل التي من جهلها جهل كثيرًا من المعاني، ودخل عليه الغلط في كثير من الأمور، والله الموفق للصواب.
كل ما قاله عبد القاهر أيها الإخوة، انتهى الكلام في فصل «الذي»، كل ما قاله عبد القاهر إنما هو في وظيفة «الذي». بعد ذلك حينما يتمثل هذا في الشعر ترى عجبًا، ترى والله عجبًا، يعني لما يقول مثلًا النابغة الذبياني: لعمري نعمةٌ بعد نعمةٍ لوالدةٍ، ليست بذات عقاربه. حلفت يميناً غير ذي مثنوي، ولا علم إلا حسن ظن بصاحبي. لأن كان للقبرِ، شوف للقبر هذه، لأن كان هذا للقرين أي لصاحبي القبرين، كل هذا مهم قبل أن ندخل على الذي؛ لأنه يشحذ الذي يملأها، يشحذ ويملاها، يقول: لأن كان للقرين قبرٌ بجلقٍ، وقبرٌ بصيدا الذي عند حاربه. انظر كيف وظف الذي في استعمال أو في إحضار معنى معروف عند الناس للقبر، ليعظم الكلام ويعظم صاحب القبر، بل يعظم ابن صاحب القبر ويرفع بذلك شرف المعنى، لأن كان للقبرين قبرٌ بجلقٍ وقبرٌ بصيدا الذي عند حاربه.
وامرؤ القيس يقول: أو المرقّعة، يلين قصر المشقرة، فهو يصل بك إلى نخلات معينة وإلى حائط معين من النخيل السامع يعرفه ومن لا يعرفه يستنبطه، «ويستنبئونك». أو المرقّعة من نخيل ابن يامن، دوين الصفا اللائي يلين المشقرة. وأنت دون أن تفهم هذه الدلالات اللغوية -دائمًا نقول الشعر دلالات لغوية- دون أن تفهم هذه الدلالات اللغوية تقول يعني ما الذي أراده من ذكر ما هو، أنت منتظر أجرامًا من المعاني الصريحة ليس الإشارات والدقائق في الذي، مثلًا أنت عايز حاجات واضحة صريحة كده مقلبظة ثخينة وحدها كده، يعني بلغت العوام.
ثم يقول: فروق في الحال لها فضل تعلق بالبلاغة، يا سلام! هقول طيب، ما هو انتقل من «الذي» من «زيد المنطلق» إلى «الذي»، طب والآن إلى جملة الحال. لماذا؟ يقول لك الدكتور محمد أبو موسى هنا: ساق عبد القاهر إلى الحديث في الجملة الحالية بعد الحديث في «الذي» وجملة الصلة، أن جملة الصلة جملة فرعية تابعة لا يقع لها استقلال بذاتها، وهي مكملة للموصول الذي هو الذي، وهي مع الذي جزء جملة، وكذلك جزء كلام متصل، وكذلك جملة الحال هي موصولة بغيرها وهي مكملة لغيرها، لا تستقل بالفائدة. يعني هو رأى نوعًا من الجمل؛ الاسم الموصول الذي اتصلت به جملة، وهذه الجملة لم تؤدِّ شيئًا وحدها، وإنما اجتمعت مع الاسم الموصول؛ يعني الاسم الموصول وجملة الصلة اجتمعا وصارا جزءًا من جملة أطول وأقوى وأتم للمعنى، أو هي المرادة بالمعنى أصلًا، فرأى أن هناك جملة أخرى أيضًا لها معنى في ذاتها ولكنها لا تستقل، فرأى ذلك الشبه فتدرج أو فانسل من «الذي» إلى جملة الصلة، أو من جملة الصلة إلى جملة الحال.
قل يا محمد؟ نعم مولانا، هي فقط أنا أرى أيضًا وجود سبب آخر لأن أتى بباب الحال في هذا الموضع، وهو أصلًا باب «الذي» هو كان بابًا فرعيًا كما قال، تفرع عن الوجه الرابع. أما باب الحال فأنا أرى أن فكرة عبد القاهر في السابق كان يتكلم، كان يقول إن الحال يدخل في عموم الخبر، يعني هو مثل الخبر، لكن كان يقول إنه يعتبر كأنه جزء متفرع من الخبر، ولذا فأنت ترى أن علاقة جملة الصلة أيضًا تقع خبرًا وجملة الحال في معنى الخبر كذلك.
نعم، وكذلك الفصول التي سبقت كانت كلها في التقديم والتأخير، وتناول فيها أنواعًا؛ يعني كأنه عبد القاهر هنا، كأنك تقول عبد القاهر هنا تدرج إلى نوع من الخبر بالجملة كما كان الخبر «الذي»، يعني هذا أشمل للفكرة، صحيح، أحسنت.
قال: فروق في الحال لها فضل تعلق بالبلاغة. قال: اعلم أن أول فرق في الحال أنها تجيء مفردة وجملة، والقصد هاهنا إلى الجملة. كلامه هنا على الجملة، طبعًا هذا أصعب أصلًا؛ يعني تكلمني عن الحال، «جاء زيد راكبًا»، راكبًا مفرد، لكن «جاء زيد كذا ويركب ناقته»، فما إعراب العبارة؟ ومتى نأتي بالواو ونأتي؟ هذا الذي فيه عمل، أما المفرد ليس فيه عمل كبير.
قال: اعلم أن أول فرق في الحال أنها تجيء مفردة وجملة، والقصد هاهنا إلى الجملة، وأول ما ينبغي أن يضبط في أمرها أنها تجيء تارة مع الواو وأخرى بغير الواو، هي هذه المصيبة، متى نأتي بالواو وغير الواو؟ سيصور بك عبد القاهر ويجول، وبعد أن تشعر أنك غرقت سيعطيك ضابطًا. لما درست هذا الكتاب منذ دهر وكلما قرأته -طبعًا قرأته ما لا أحصي- وكلما قرأته أرى أنني بعد أتيقن ما وجدته منذ أول قراءة، أنه بعد أن يذكر الضابط الكبير في هذا نحتاج للعود لقراءة كل ما كتبه من هذه الفقرة السادسة بعد المئتين حتى نطبق ما قاله. ولهذا الشيء الذي سأسلكه معكم هو أنني سأنبهكم على هذا في الأثناء عند التفصيل، وأظل أتدرج من مثال إلى مثال أو من فقرة إلى فقرة، من صورة إلى صورة، لأؤكد لكم هذه الفكرة، ثم يأتي كلام عبد القاهر متوجًا لها مؤكدًا عليها، فترون أنكم قد طبقته قبل أن تأخذوا الضابط، وأنا سأعطيكم الضابط تطبيقًا في الأثناء، يعني سنناول الضابط مع الوجوه المختلفة، ثم يأتي كلامه الضابط فنكون قد طبقناه في القراءة السابقة.
تعالوا نأخذ هذه الرحلة الشائقة الممتعة، الآن هي عندي شائقة ممتعة، وكانت في الأول في القراءات الأولى قبل دهر كانت شائكة موجعة كانت عسرة. كيف؟ نعم أنا أراها هنا بدون واو حلوة جيدة، وهنا بالواو قبيحة، ولكن جاءت في صورة أخرى مع الواو أحسن وبدون الواو لا، ما الضابط؟ رأسي ساجن، رأسي يدور الآن.
بحمد الله تعالى وبفضله من أيسر الأشياء أن أعلل وأن أشرح من جهة النحو واللغة ما الذي جرى في التراكيب وما الذي حصل من فلسفة البيان حتى أوقعها كذلك، وهذا هو النقد يا إخوة، وهذا مما نبه إليه محمود شاكر بمناسبة قال: فرق بين الناقد والمتذوق، الناقد أعلى درجة؛ لأنه متذوق، فهو يتفق مع المتذوق في القدر؛ يعني الناقد ليس كما يظن البعض ناقد علمي، يأتي بقواعد ويتكلم ببرود كالإنسان الآلي كمدرس النحو، لا، الناقد متذوق للشعر، مصاحب للشعراء، وقد يكون شاعرًا، ثم إذا أراد أن يبين فإنه يستطيع التعليل.
ولهذا قال محمود شاكر: ناقد الشعر فوق المتذوق، المتذوق كثر الذين يشعرون بالحسن والرداءة، كثر الذين يشعرون أن هذا النص حسن، هذا النص لم يحسن، كثر، الذي يستطيع أن يعلل وأن يشرح الأسباب هذا هو النادر جدًا، الذي يستطيع هذا كما قال نقل الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، أو الأصمعي يقول: يقول علماء الشعر أو فرسان الشعر العلماء به أقل من فرسان الحرب. ويقول أبو عمرو بن العلاء هذا في زمانهم: العلماء بالشعر أندر من الكبريت الأحمر، هذا كلام أبي عمرو بن العلاء: العلماء بالشعر أندر من الكبريت الأحمر، هذا من قديم يا إخوة، من قديم.
فقضيت أن تستطيع التعليل هذه خطيرة، ليس كل أحد كعبد القاهر، ليس كل نحوي أو لغوي كعبد القاهر، هذه لابد أن تفهموها، ولذلك أنا أفهم ما كان في نفس المتنبي حين عنّف ابن خالويه، وهو قوي خريت فحل؛ لما كان بين يدي سيف الدولة، ذكر هذا ابن الأنباري في «نزهة الألباء» في ترجمة المتنبي، قال كان المتنبي وابن خالويه بين يدي سيف الدولة، فأنشد المتنبي قصيدته: «وفاؤكما كالربع أشجا طاسمة، بأن تسعد والدمع أشفاة ساجمة». فقال له ابن خالويه: ليس هكذا يا أبا الطيب، وإنما شجاه، لأنه قال وفاؤكما كالربع أشجا طاسمة، فقال: ليس هكذا يا أبا الطيب وإنما شجاه. فغضب المتنبي وقال له: اسكت، ما وصل إليك الأمر هكذا بالنص، اسكت ما وصل إليك الأمر.
ما الذي قصده المتنبي؟ يقول ابن الأنباري: يقول لأنه ما قصد باشجا وجه الاعتراض أو الإيراد أنه شجاه وليس أشجا، ما هو لغوي وابن خالويه لغوي، خلاص، وعمله في اللغة والقياس، فقال له أو قياس الصرف والنحو فقال له شجاه، فقال له: اسكت فما وصل إليك الأمر، عبارة في نظري مهينة جدًا؛ لماذا؟ أو أو جارحة؛ لأنه لم يفصل، وإنما ذكر له اللازمة منها، ذكر له سببها وأساسها. اسكت، اسكت، ما وصل إليك الأمر، لماذا يقول ابن الأنباري؟ لأنه أراد باشجا وجه التفضيل وليس الفعل الماضي، ابن خالويه حسب أنه أراد الماضي، فما قصد المتنبي «بما وصل إليك الأمر» يعني أنت مالك والشعر؟ أنت حسبتني أقصد شجاه الماضي، وأنا أقصد أشجى، فكون ابن خالويه يفهم أنها ماضية ولا يفهم أنها أفعل التفضيل، هذا هو الذي يعنّيه المتنبي بأن لم يصل عليه الأمر، يعني أمر الشعر أنت لم تفعل.
إن وفاؤكما كالربع أشجا طاسمة، يعني أكثره شجًا وليس شجاه، طاسمة يعني فعل له فعل الشجى طاسمة، وفاؤكما كالربع شجاه طاسمة، أنت لم تنتبه إلى الشعر أصلًا، فما وصل إليك الأمر، إنما هو أشجى يعني أكثره شجى طاسمة. رأيتم الفرق بين العلم بالعربية وبين تعليل الشعر بالعربية؟ هذا شيء آخر، أن تفهم الشعر تتذوق أولًا ثم تبدأ تعلل، أما الذي يبدأ التعليل مباشرة دون أن يفهم الشعر، هذا ليس ناقدًا، هذا ليس ناقدًا.
نعم، طيب.
يقول: وأول ما ينبغي أن يضبط من أمرها أنها تجيء تارة مع الواو وأخرى بغير الواو، وأخرى بغير الواو، فمثال مجيئها مع الواو قولك: «أتاني وعليه ثوب ديباج»، «أتاني وعليه ثوب ديباج»، ورايته وعلى كتفه.
سيف، ولقيت الأمير والجند حواليه، وجاءني زيد وهو متقلد سيفه. ومثال مجيئها بغير الواو: جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه، وأتاني عمرو يقود فرسه. وفي تمييز ما يقتضي الواو مما لا يقتضيه صعوبة، قال: والقول في ذلك سيبدأ بها بطرح صور، وسنبدأ نحن باستنباط العلل، وأبدأ أنبهكم على العلة إلى أن ينص عليها عبد القاهر، أن يتوج بها هكذا ويتوج عقولنا بها.
دعونا نعمل تطبيقا ليكون الإجمال في كلام عبد القاهر، ويكون التطبيق فيما قبلها؛ كما قلت دراستي وخبرتي مع الكتاب كانت هكذا، ما قرأته مرة إلا وجدت أنه كان ينبغي أن أفهم من الأول أو أن أرجع مرة أخرى إلى الصفحات أقرؤها مرة أخرى من أول الفصل بعد أن ينص على العلة في صفحات آتية. قال: والقول في ذلك أن الجملة إذا كانت من مبتدأ وخبر فالغالب عليها أن تجيء مع الواو.
تلاحظ هنا أنك يمكنك أن تلتمس علة وهي تمام الانفصال والاستقلال؛ الجملة إذا كانت من مبتدأ وخبر يعني أفادت إفادة مستقلة، فكأنك بدأت كلاما جديدا، فاحتاجت إلى ماذا؟ إلى أن تربطها بالواو لتشد إلى ما قبلها. قال: الجملة إذا كانت من مبتدأ وخبر فالغالب عليها أن تجيء مع الواو كقولك: جاءني زيد وعمر أمامه. لو قلت هنا: جاءني زيد عمر أمامه، ربما فهم أنك تبدأ كلاما جديدا، فتبدأ بذلك كلاما جديدا.
وكذلك: أتاني وسيفه على كتفه. طيب، أتاني سيفه على كتفه، ربما يظن أنه إخبار جديد لأن العبارة من مبتدأ وخبر استقلت بذاتها وضعفت الوصلة التي تشد بها إلى ما قبلها. اسمع: فإن كان المبتدأ من الجملة ضمير ذي الحال لم يصلح بغير الواو البتة. فإن كان المبتدأ من الجملة ضمير ذي الحال لم يصلح بغير الواو البتة، مر منا مثل هذا، أظن في صفحة 137.
خلاص، ما العلة هنا؟ لماذا حين كان المبتدأ ضميرا انتفى أي احتمال لترك الواو؟ نحن ألمحنا في المثال السابق إلى قضية الاستقلال، الاستقلال يعني أنك إذا قلت: جاءني زيد، ثم قلت: عمر أمامه، ربما فهم منه أنه كلام جديد. فالغالب كما قال بالنص فالغالب عليها أن تجيء مع الواو، لكن لما يكون المبتدأ ضمير ذي الحال، ضمير يعود على ذي الحال، لم يصح أصلا بدون الواو. لو تأملت على نفس المبدأ وانتقلنا من المبتدأ العادي إلى المبتدأ الضمير الذي يعود على ذي الحال، سترى أن بناء الجملة الحالية على الضمير أغرقها في الاستقلال، أغرقها في الاستقلالية الإخبارية.
تعال انظر يقول: وذلك كقولك جاءني زيد وهو راكب، يقول لك: لا تصلح بدون الواو، لما بنيت على الضمير يعني كان صدر الكلام لضمير يعود على ذي الحال. جاءني زيد وكان المبتدأ في هذه الجمله ضميرا لذي الحال وهو مبتدأ، جاءني زيد هو راكب؛ شوف الكلام، جاءني زيد هو راكب، ابتدأت بضمير من صاحب ذي الحال فكأن الكلام على أنك تبتدئ عنه كلاما جديدا، لأنك في الكلام عنه أصلا، فلما ابتدأت بالضمير العائد عليه أغرقت في الانفصال، لأنه لا معنى أن تأتي بالحال عنه منه وأنت تتحدث عنه، فصدرت الضمير، فالصواب هنا أنك تبتدئ كلاما جديدا، قلت: جاءني زيد هو راكب. لماذا؟ لأنك أكدت الاستقلال وأنك تبدأ كلاما جديدا بالضمير، لأنه لا معنى لذكر الضمير وهو ما زال حاضرا في الكلام إلا أنك تبدأ كلاما جديدا مرة أخرى. لا معنى لذكر الضمير إلا أن تبدأ كلاما جديدا لأنه ما زال حاضرا في الكلام، جاءني زيد هو راكب، ما هو راكب كلام جديد.
ما هو جاءني زيد خلاص ما الكلام فيه زيد مذكور، لما تبدأ ضمير فأنت أكدت استقلال الكلام، واضح هذا يا إخوة؟ تفهمون ما أقول؟ تشعرون به؟ يعني أنت أغرقت في الاستقلالية الإخبارية فلم يكن في الذهن أي احتمال لأن تشد الجملة إلى ما قبلها بالحال. لم يكن ذلك، دخلت عليه هو يملي الحديث، هذا كلام جديد لأنه لا معنى لذكر الضمير وأنت ما زدت في ذكره إلا أنك تبدأ خبرا جديدا.
بخلاف ما لو قدمت الفعل مثلا الذي تخبر به، فقلت: دخلت عليه يملي الحديث، جاء زيد يركب، رأيت زيدا يجلس. لو ذكرت الفعل خلاص، دخلت عليه يملي الحديث ظهرت القوة، لماذا؟ لأنك قدمت شيئا يمكن أن يلتحم بما قبله، لأن الفعل يبنى به، لا يبنى عليه، يخبر به لا يخبر عنه. ركز معايا لأن في الأخير عبد القاهر سيعطينا الضابط العام، أنت هنا قدمت الفعل والفعل يخبر به، فانت أخبرتنا من الأول، دخلت عليه يملي الحديث؛ شوف الكلام، فأخبرت بدخولك وأخبرت بـ... دخلت عليه يملي الحديث، دخلت عليه يكتب دروسه.
ستقول لي: لحظة، الأولى فعل بنيت عليه الكلام، والثانية حال، والأولى أخبرت بها. نعم، الخبر الذي هو الفعل ليس خبر المبتدأ، هناك نوعان من الخبر كما سيأتي في كلام عبد القاهر في اصطلاحه، هناك نوعان من الخبر: هو الفعل، لأن الفعل في حكم الخبر؛ لأنك كما أسندت الخبر إلى مبتدأ في الاصطلاح النحوي، أسندت الفعل كذلك إلى الفاعل. أسندت الفعل فهو في معنى الخبر في نص كلام عبد القاهر كما سيأتي. فتقول: ولكن يملي هذه ليست خبرا، هذه حال، أقول لك: هي خبر في معنى الخبر، وسياتي أن الحال في معنى الخبر، وكل ما يصلح أن يكون خبرا وينشد إلى الكلام سقطت معه الواو، والتحم مع أصل الكلام في خبر واحد كأنه سياق واحد، ولم تحتج إلى الواو.
وما يحصل فيه استقلال يحتاج فيه إلى الواو، فلما تقدم المبتدأ يغلب أنك تحتاج إلى الواو لأنك مبتدئ كلاما جديدا، فتحتاج إلى رابط يشده. يعني لما قلت: جاءني زيد عمر أمامه، أين الانشداد؟ أين ما أخبر به خبرا جديدا؟ المتصدر لا يوحي بالاستقلال، لو صدرت المبتدأ أوحيت بالاستقلال، لو صدرت الخبر سيصلح خلاص، لأن الحال خبر في الحقيقة.
نعم، ها، نبدأ نحن الآن نسير خطوة بخطوة حتى إذا وصلنا إلى ضابط عبد القاهر كنا قد نضجنا في المسألة ووصلنا إلى قناعة، ويأتي كلامه رابطا عاما متمما لها ونكون قد تدربنا عليها. قال: وذلك كقولك: جاءني زيد وهو راكب، ورايت زيدا وهو جالس، ودخلت عليه وهو يملي الحديث، وانتهيت إلى الأمير وهو يعبئ الجيش. فلو تركت الواو في شيء من ذلك لم يصلح، فلو قلت: جاءني زيد هو راكب، ودخلت عليه هو يملي الحديث، لم يكن كلاما خلاص، ليست الكلام صارت العبارة الثانية عبارة مستقلة لا تنشد بالخبر أو الحال إلى الأولى خبرية بالمعنى الذي نتكلم عنه.
قال: فإن كان الخبر في الجملة من المبتدأ والخبر ظرفا؛ ظرفا يعني حروف الظرفية، انتبه إلى الاصطلاح حروف الظرفية، أنا هيأتي لك حروف الجر بـ في وعلى، تقول لي ظرف فين بقى؟ أنا أعرف أن الظرف منصوب، حروف الظرفية، يعني فإن كان الخبر في الجملة من المبتدأ والخبر ظرفا، ثم كان قد قدم على المبتدأ، كقولنا: عليه سيف، وفي يده سوط، كثر فيها أن تجيء بغير الواو، يا سلام! ليه بقى؟ استنى، تعال، فمما جاء منه كذلك قول بشار: إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها خرجت مع البازي علي سواد قال: خرجت مع البازي علي سواد، لم يقل: وعلي سواد. قال: يعني علي بقية من الليل. وقال أمية بن أبي الصلت: فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا في رأس غمدان دارا منك محلال فاشرب هنيئا عليك التاج، وقول الآخر وهو واثلة بن خليفة السدوسي: لقد صبرت للذل أعواد منبر تقوم عليها في يديك قضيب
قال: كل ذلك في موضع الحال وليس فيه واو كما ترى، ولا هو محتمل لها إذا نظرت، لماذا؟ يعني خرجت مع البازي علي سواد، لماذا ليس وخرجت مع البازي وعلي سواد؟ فاشرب هنيئا عليك التاج، لماذا فاشرب هنيئا وعليك التاج؟ لقد صبرت للذل أعواد منبر تقوم عليها في يديك قضيب، لماذا أقول تقوم عليها وفي يديك قضيب؟ طبعا دعوكم من العامة، دعوكم من العامة. نعم، قال: كل ذلك في موضع حال وليس فيه واو كما ترى ولا هو محتمل لها إذا نظرت.
تعالوا نحاول أن نطبق هو قال ما يصلح، يعني دعونا ننظر إلى قضية الإخبار ما يصلح أن يكون خبرا، لو نظرتم هنا ستروا هو قال ماذا؟ قال: إذا قدم الظرف. سترى هنا أن تقديم الظرف يعني تقديم الجملة خلاص، لأن الظرف متعلق وأصل التعلق للأفعال. وانتبهوا لا توجد أشباه جمل في الحقيقة كما نص النحاة المتقدمون؛ أي المتقدمون في الدراسة النحوية، لأن المبتدئ في النحو يقال له جملة وشبه جملة، وهي الظرف شبه الجملة من الظرف والجار والمجرور. النحاة ترون مثلا في مستوى شروح ابن الحاجب وكذا يقولون لك: لا يوجد أصلا شبه جملة، هي جملة، لكن من كثرة وقوع المتعلق بها وهو الأفعال على مذهب الجمهور خلاص سموها شبه جملة، لكن هي لا توجد، هي جمل أصلا.
فلان على سطح البيت، فلان على سطح البيت يعني فلان يكون أو كائن على سطح البيت، فلان كائن على سطح البيت أو يكون على سطح البيت، فلما تقدم هذا الفعل على مذهب الجمهور أو الاسم على مذهب البعض، فأنت في الحقيقة قدمت ما يصلح أن يكون خبرا، فلما تقول: خرجت مع البازي علي سواد، أن يكون علي سواد خلاص، يكون عليك التاج، يكون في يدك قضيب. رأيتم هذه الفكرة؟ أشباه الجمل هي جمل أصلا كما قال النحاة، فأشبهت الاستقلال خلاص. ومن حيث إمكان أن يأتي ذلك خبرا متعلقا وإن كانت صفته الحال، لأن الأحوال أخبار في حقيقتها كما سينص لكم عبد القاهر.
شوف، نحن قاعدين ننبت في كل جزء ونميز قطعة قطعة، حتى إذا وصلنا إلى الأخيرة الفكرة التي سيعطينا إياها عبد القاهر في الصفحتين من الضبط نكون قد نأخذها نافلة، وتكون مصدقة لما في البال وليست أننا نحتاج بها أن نكتشف ما سبق مرة أخرى ونرجع إلى قراءتي كما فعلت في قراءتي الأولى للكتاب.
قال: وقد يجيء ترك الواو فيما ليس الخبر فيه كذلك، يعني ليس كالصور التي ذكرها، كيف؟ تعال نرى: وقد يجيء ترك الواو فيما ليس الخبر فيه كذلك ولكنه لا يكثر، فمن ذلك قولهم: كلمته فوه إلى فيه، فوه إلى فيه، أي كلمته والحال أن فاه إلى فيه، ورجع عوده على بدئه، رجع عوده على بدئه يعني رجع والحال أن عوده على بدئه، طبعا قال في قول من رفع، يعني هناك كمان قال: رجع عوده على بدئه خلاص، هنا خرجت عن القضية وعن المثال. رجع عوده على بدئه يعني رجع وحاله أن عوده على بدئه في قول من رفع.
ومنه بيت الإصلاح يعني إصلاح المنطق لابن السكيت، ومنه بيت الإصلاح لأن هذه الكتب كانت يقوم عليها العلماء ويتلقونها ويحفظونها في بدايات طلبهم أصلا، إصلاح المنطق وكذا، فهذا البيت عنده من الشهرة حيث يكون يقول بيت الإصلاح يعني إصلاح المنطق لأن الذين كتب لهم هذا في زمانه يعرفون خلاص، يعني يعرفون إصلاح المنطق ويدرسونه وكذا وكذا كما أقول لكم الآن: بيت الدلائل، بيت كذا، وأنتم تعرفون الدلائل. طبعا إصلاح المنطق الآن ليس عندنا للأسف، وليس من ثقافة الناس للأسف الشديد.
نعم، يقول ومنه بيت الإصلاح، نصفا الآن تقول لشخص نقرأ لسان العرب أو كذا أو نصول ونجول فيه، يقول لك اتخذ مرجع، لا أنت تقرؤه وتقرأ أساس البلاغة للزمخشري، وتقرأ فقه اللغة للثعالبي، وتقرأ إصلاح المنطق، اقرأ وتنتهي من الكتاب وتعود، لا تظن أن هذا، وتقرأ ليس فقط الألفاظ الكتابية للهمذاني، تقرأ جواهر الألفاظ لقدامة بن جعفر، مستحيل ألا يظهر أثر ذلك في شعرك، مستحيل، وستكون لشعرك هيبة، ستكون لشعرك هيبة بهذه العبارات وهذه الأساليب وهذه... طبعا أقول الأساليب والعبارات لأنك ستقرأ أساس البلاغة للزمخشري هذا كنز في مجازات العرب.
لما تقرأ إصلاح المنطق، تقرأ لسان العرب ستقف على أشياء هي الفصيح في ذاتها ولكن الناس هجروه. الشاعر ينبغي ألا يكون أسير الناس، أنت لست روائيا تافها، أنت شاعر، أنت الذي يعلم الناس ويمد لهم الجسر إلى اللغة، يسألونك: ما هذا؟ ما معناه؟ تقول له: هذا كذا، يقول لك: آه نعم فهمت. أنت تستعمل الفصيح وإن لم يستعمله الناس، لكن لا تستعمل الذي تركته العرب الموحش، لا تذهب وتذكر الهعخع والبعبع والقعقع، لكن تذكر الفصيح المستعمل، تراه في لسان العرب، تراه في جواهر الألفاظ، تراه في فقه اللغة للثعالبي، تراه في هذه المصنفات، إياك وهجر هذه المصنفات، إياك. نعم.
ستظهر في شعرك، لا أقول لك احفظها، بل أنت مع الوقت ستحفظ بعضها. ومع الوقت ستحصي؛ اقرأها واقرأها ثانية، اجعلها ديدنا لك، عادة؛ ووالله لتظهرن في شعرك وسترى، ومنه بيت: نصف النهار الماء غامره، ورفيقه بالغيب لا يدري.
نصف النهار الماء غامره، قوله: الماء غامره، هذا مبتدأ وخبر. ولكنه ذكر فيه أنه، هو لما قال في أول الفقرة: وقد يجيء ترك الواو فيما ليس الخبر فيه كذلك، قصد الفقرتين الماضيتين؛ الفقرة الثامنة بعد العشرين ومئتين لما يكون الظرف خبرا مقدما، هنا أتى بالظرف خبرا مؤخرا، كلمته فوه في فيه، رجع عوده على بدئه، خلاص، ويعارض أيضا أو يخالف السابعة بعد العشرين ومئتين لما قال: الجملة إذا كانت من مبتدأ وخبر، فالغالب عليها أن تجيء مع الواو، فالغالب عليها أن تجيء مع الواو، خلاص، فخالف ما سبق. طبعا هنا إن كان الخبر إذا قدم الظرف لا تجيء مع الواو، لا تجيء مع الواو، فهنا قال: تترك الواو، تترك الواو تخالف المبتدأ والخبر، خلاص، تخالف المبتدأ والخبر إذا جاء على هيئته، ولهذا ذكر لك هذا البيت: نصف النهار الماء غامره، نصف النهار الماء غامره.
نعم، فقال: لكنه لا يكثر؛ يعني لا يكثر ترك الواو. نصف النهار الماء غامره، ورفيقه بالغيب لا يدري. هذا البيت هو للمسيّب بن علس، خال الأعشى، ويقول محمود شاكر في قصيدة: هذا البيت هي من جياد القصائد النوادر، يقول: وضبطت أنا أبو فهر أو ربما أبا فهر النهار بالنصب أيضا، وضبطت أنا النهار بالنصب أيضا؛ يعني نصف النهار، لأنه يقال: نصفت الشيء، بلغت نصفه، ويقال: نصفت القرآن، يعني بلغت منه النصف. ونصف عمره أي بلغ نصفه أو بلغ نصفه.
طيب، يقول: نصف النهار الماء غامره، شاهده الماء غامره، يعني دخل في وقت النهار والماء غامره. هناك للدكتور محمد إبراهيم شادي في شرحه على الكتاب الدلائل تأويل آخر على أن هذه العبارة التي أوردها هنا عبد القاهر أنها حالية، أنها للاستئناف، وأن ذلك هو الأولى فيها لما في ذلك من إثارة المخاطب، إثارة ترقبه. وأرى من باب الشعر والتذوق والنقد، أرى قراءة كلامه هنا مفيدا وجديرا، هو في صفحة 286 يقول بعد أن قال البيت للمسيّب بن علس في وصف محبوبته، وتشبيهها بجمان البحر التي استخرجها غواص بعد جهد جهيد وغوص طويل، وذلك في قوله قبله: كجمان البحر جاء بها غواص من لُجّة البحر، نصف النهار الماء غامره، ورفيقه بالغيب لا يدري.
يقول: والشاهد مجيء جملة الحال المبتدأ والخبر من غير الواو، والشاهد مجيء جملة الحال المبتدأ والخبر من غير الواو وهو قليل، ومعناه انتصف النهار وما زال الماء غامره، لم يخرج. وترك الواو هنا رغم أنه قليل مع هذه الصياغة، إلا أنه أنسب لحال القلق المتوتر؛ يعني انتصف النهار الماء غامره، سقطت منه الواو، هذا في الشعر طبعا. يعني من كان مشدودا إلى الكلام شعرا سيفهم وجه إسقاط الواو، لكنه قليل. نصف النهار الماء غامره.
وطبعا ميراث هذا مهم يا إخوة، لأنك إذا جاءك شخص الآن وعرض لك هذا البيت، ستقول له: نصف النهار الماء غامره، ستُقال له: الماء غامره، لم أفهمها، سأقول لك: تقول له لا، تظهر أنها حال مع أن حبك الكلام قد يطلبها، وإن كان هذا مرجوحا عندي بالمناسبة، لكن لابد أن نعمل حسابا واعتبارا لوجوه حاله، لأنها والهياج الشعري، وهذا تكلم عليها عدد قليل للأسف من النقاد. استحضار حالة الهياج، لا تستحضر وأنت تقول الشعر أن يكون الشاعر فقط رزينا هادئا مؤديا، لا، قد يكون على هيئة الاضطراب، فإذا استعمل في ذلك وجها جائزا في العربية ينبغي اعتباره. فيقول: وترك الواو هنا رغم أنه قليل مع هذه الصياغة، إلا أنه أنسب لحال القلق المتوتر.
هنا يبدأ الدكتور محمد إبراهيم شادي في ذكر وجه أعجبني في الحقيقة، يمكن أن يعتبر وسيزول به بعض الحرج الذي في نفسي تجاه ترك الواو، لأنني قلت: أنا أقر حالة القلق المتوتر، ولكن أيضا كونها حالية أيضا لم تبعد عني القلق والتوتر من جهة البيان، خلاص. أما الوجه الذي سيذكره الدكتور محمد إبراهيم شادي حفظه الله وهو من شيوخ الأزهر، فهو له اعتبار. يقول: ولو وقف الناطق بهذا البيت على نصف النهار لحظة، ثم نطق بعده بالماء غامره، لأشعر هذا الأداء الفاصل بين الجملتين بأن الثانية استئنافية، وهو أولى لأن فيه مزيد إثارة وتتبع لحركة الاستشراف والترقب عند المخاطب. شوف بقى التوتر موجود والقلق موجود، حالة القلق المتوتر حاضرة، ولكن استقامت أيضا في اللغة أفضل في البيان، مع أن الوجه الآخر جائز، لكن استقامت أكثر. نصف النهار، ماء غامره، نصف النهار، ماء غامره، فأنت صرت تقطع الكلام وتستأنف الجمل على هذه بأخبارات متوالية، نصف النهار خبر، خلاص أخبرت، نصف النهار، أخبرته، الماء غامره، أخبرت خبرا جديدا، وربطت بينهما بالحبك لا بالسبك، يعني باتصال المعنى، لا حبكي، يعني ليست له وصلة نحوية بارزة، وإنما استأنفت كلاما جديدا، لذلك قال: جملة استئنافية، إذا بالحبك لا بالسبك.
أنا ما زلت أزعم أن علم البيان أدق علم، وأدق من كل العلوم الشرعية، بل ما يعسر في العلوم الشرعية والعقلية وأي علوم تتعلق بالشريعة والاعتقاد، إنما بابها اللغة. أي علوم تعسر هناك إنما سببها اللغة، ومن يمارس علوم اللغة تكون عنده من القدرة التي يمارس بها أي علم آخر لو خاضه. والله يا إخوة لولا الرفق ولولا المروءة لأبديت عجبي أمام كثيرين من المشايخ، ومشايخ مشهورين يتكلمون في العلوم، في علم الكلام وفي كذا والمنطق والعقائد وكذا والفقه والأصول، ويتحدثون في هذه الآلات والمعارف وتفسير النصوص وتأملات النصوص، تأتيني وأخذه هكذا، أنتم تغشون الناس، أنتم تغشون الناس! لولا أن المقامات تحفظ لأبديت، والله أقابل الواحد منهم: أهلا أهلا مولانا، أهلا شيخنا، وأجلس أمام الناس أقدره جدا، فإذا خلونا سمعته الشيء الكثير، كيف تقول كذا وكيف؟ ومن أي شيء إذا ينبغي عليك أن تدرس كذا وكذا؟ ولا لأن هيبته، لأن تقديري له أمام الناس هو لمقامه، وإنزال الناس منازلهم وجبر الخاطر ولحرمة جرح الناس في الغالب، في غالب الأحوال حرمة جرح الناس أو إحراج الناس، إنما بيننا أفعل ما أشاء وليست له هيبة من لا أرى عنده تضلع من هذا البيان وفهما للكلام.
رأيتم الدقة، الفرق بين نصف النهار ماء غامره استئنافية ونصف النهار الماء غامره، وقالوا هذا خلاف يدعم هذا يا إخوة، يعني ترون بعض العلماء بالفعل استقبح هذا البيت في بعض مصنفات النحو، استقبحه حذف الواو، استقبح بالفعل. طيب، هذا أيضا له دلالة ستأتي معنا في الكلام يا إخوة، له دلالة ستأتي معنا في الكلام ونحن نؤول.
ألا تلاحظ ونحن هنا نتعامل أن كلمة كلمته فوه في فيه أو إلى فيه، ورجع عوده على بدئه، أن هناك ضميرا في كلمة فوه في المبتدأ الذي تقدم وبني عليه الكلام، وكلمة عوده، هناك ضمير يعود على صاحب الحال؟ فهذا قرب الخبرية، قرب أنك تخبر بالجملة، رأيتم قربها؟ كلمته فوه في فيه، رجع عوده على بدئه، فهذا قرب الخبر، الضمير تأخر، جاء في الخبر في الماء غامره، نصف النهار الماء غامره، فاستقلت الجملة أكثر فقبح ترك الواو. قال: ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو علي في الإغفال، أبو علي الفارسي، قال: ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو علي في الإغفال: ولولا جنان الليل ما آب عامر، إلى جعفر سربه، لم يمزق، ومما ظاهره أنه منه قوله: إذا أتيت أبا مروان تسأله، وجدته حاضرا الجود والكرم، وجدته حاضرا الجود والكرم، فقوله حاضرا الجود جملة من المبتدأ والخبر كما ترى، وليس فيها واو، والموضع موضع حال، ألا تراك تقول: أتيته فوجدته جالسا، فيكون جالسا حالا، وجدته حاضرا، وجدته جالسا، فيكون جالسا حالا. ذلك أو ذاك لأن وجدت في مثل هذا من الكلام لا تكون المتعدية إلى المفعولين، ولكن لأنك لست فعلته، وجدته جالسا، يعني فعلته هكذا، صيرته هكذا.
تركنا الخيل عاكفة عليهم، عاكفة، ما إعرابها؟ تركنا الخيل عاكفة عليهم، كان الخيل تضحد في غديري، طبعا عاكفة هنا ستكون حالا أم ستكون مفعولا ثانيا؟ تركنا الخيل عاكفة، إذا ضمنت معنى السيرورة، ضمنت معنى الجعل، جعلنا الخيل عاكفة عليهم، لو قلت: جعلنا الخيل عاكفة، فهذا ينصب مفعولين، جعلنا الخيل عاكفة عليهم، أما تركنا الخيل عاكفة عليهم، فيكون عاكفة حالا، يعني تركنا الخيل حال كونها عاكفة عليهم. ولكن هناك لقطة هكذا، ماذا لو ضمنا تركنا؟ ولا سيما أننا في شعر، يعني التضمين والإشارة والتهييج هذا في هذا الباب، هذا عمل الشعر، ضمنتها السيرورة، تركنا الخيل عاكفة عليهم، فضمن، ذكرت معنى الترك بالتصريح وضمنت معنى الترك بأن نويت أن يكون عاكفة مفعولا ثانيا، يعني جعل ضمنتها معنى الجعل، كأنك قلت جعلناها متروكه عاكفة عليهم، جعلنا الخيل عاكفة عليهم، خلاص، المهم هذه فقط إشارة هكذا ليعمل ليتحرك عقلك وذائقتك وليس لشيء آخر، يعني المهم.
يقول: ذاك لأن وجدت في مثل هذا من الكلام لا تكون المتعدية إلى مفعولين، ولكن المتعدية إلى مفعول واحد كقولك وجدت الضالة. إلا أنه ينبغي أن تعلم أن لتقديمه الخبر الذي هو حاضرا تأثيرا في معنى الغنى عن الواو، قدمت الخبر وجدته حاضرا، تذكرون لما تكلمنا عن قضية الخبر؟ طيب، وأنه لو قال وجدته الجود والكرم حاضرا لم يحسن حسنه الآن، وكان السبب في حسنه مع التقديم أنه يقرب في المعنى من قولك وجدته حاضره الجود والكرم أو حاضرا عنده الجود والكرم، طبعا حاضره هذا فعل حال مفردة، وحاضرا حال مفردة، أشبهت، لكن أشبهت في ماذا؟ هذا هو فعبد القاهر بدأ يظهر في هذا المثال الأخير، وترك هذه الإشارات القوية أو الإشارة القوية في الأمثلة السابقة، وأنت سترى في الأخير القاعدة: أن كل ما يصلح أن الحال في معنى الخبر، والخبر تابع لا يستقل، فكل ما يقرب من أن يكون خبرا، وأن يكون فرعا كالخبر، جاز فيه ترك الواو، وكلما ابتعد واستقل الكلام بالجملة، احتيج فيه إلى الواو، احتيج فيه إلى الواو.
تعال نتقدم خطوة لنرى، قال: وإن كانت الجملة من فعل وفاعل والفعل مضارع مثبت، مثبت أيضا لها أثر، قال: وإن كانت الجملة من فعل وفاعل والفعل مضارع مثبت غير منفي، لم يكد يجيء بالواو، الله! بل ترى الكلام على مجيئها عاريا من الواو، كقولك: جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه، لماذا لم تقل: جاءني زيد ويسعى غلامه بين يديه؟ سخيفة جدا، صح؟ جاءني زيد ويسعى غلامه، لماذا؟ جاءني زيد يسعى غلامه، تعال أقول لك كلمة سر هكذا، أغششك إياها كما نقول في مصر بسرعة هكذا على جنب: لماذا يقول؟ هو أخبر بالمجيء وأخبر بالسعي وهذا من ذاك، وكلاهما خبران، كلاهما خبر، لماذا الواو؟ الواو رباط زائد لا أحتاج إليه، هذه كلمة بسرعة هكذا بعيدا عن عبد القاهر، لم يخبرنا بعد.
قال: بل ترى الكلام على مجيئها عاريا من الواو، كقولك: جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه، وكقوله هذا علقمة بن عبدة: وقد علوت قود الرحل يسعني، يوم قد ديمة الجوزاء مسمومة، علوت قود الرحل يسعني، يعني يخبر بأنه على قود الرحل وفي نفس الوقت يسعني. نعم، يوم قد ديمة الجوزاء مسمومة. وقوله هذا أبو دؤاد الإيادي: ولقد أغتدي يدافع ركني أحوى ذو ميعة أضري، ولقد أغتدي يدافع ركني، لماذا ويدافع ركني؟ وكذلك قولك: جاءني زيد يسرع، لا فصل بين أن يكون الفعل لذي الحال وبين أن يكون لمن هو سببه، فإن ذلك كله يستمر على الغنى عن الواو، وعليه التنزيل والكلام. التنزيل القرآن، الكلام كلام الناس، ومثاله في التنزيل، يعني أقول: كيف وعليه تنزيل والقرآن؟ أو يكون الكلام كالقرآن يا أخي، يعني في استعمال الأداء الرتبة شيء آخر، وعليه التنزيل والكلام، هناك من يفعل هذا أصلا يا إخوة، لما ننتقد على الحداثيين نقول له: القرآن على منهج آخر، يقول لك: القرآن شيء آخر، يعني أي شيء آخر؟ يعني زبيب مثلا، عنب!
قال ومثاله في التنزيل قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6]. تستكثر جملة فعلية، لكن لم تحتج إلى الواو؛ مشدودة إلى ما قبلها، ولا تمنن تستكثر. وقوله تعالى: ﴿يُزَكَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ﴾ [عبس: 7]، يا أخي شوف انشداد الفعل للفعل؛ تمنن تستكثر، يؤتي ماله يتزكى، وكقوله عز اسمه: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: 186].
قال: فأما قول ابن همام السلولي: فلما خشيت أظافره نجوت وأرهن مالكا. هذه ليست واو الحال يا إخوة، هذه ليست واو الحال، هذه كالواو التي في: فضربت بالسيف وأصيح أنا لها. أنا لها؛ هذا مضارع في معنى الماضي، وهو في كلام العرب الفصيح كثير. يقول: فلما خشيت أظافره نجوت وأرهن مالكا. يقول: في رواية من روى وأرهن؛ لأن الرواية الأخرى وأرهن مالكا فهذه لا تدخل معنا أصلا، خلاص في رواية من روى وأرهن.
وما شبهوه به من قولهم: قمت وأصك وجهه، هذه أيضا ليست واو الحال؛ يعني ربما يقال هذه أمثلة جاء الفعل وجاءت واو الحال، ليست واو الحال، ليست واو صدرت الفعل المضارع المثبت، ليست واو الحال، ليست واو الحال. قال: وما شبهوه به من قولهم: قمت وأصك وجهه؛ فليست الواو هذه للحال، وليس المعنى نجوت راهنا مالكا وقمت صاكا وجهه، ولكن أرهن وأصك حكاية حال. ضعوا علموها بالأحمر، حكاية حال، وافهموها؛ لأنها في شعر العرب للأسف المندثر الآن في كلامنا، أو من الوجوه التي في شعر العرب وهي مندثرة الآن في كلامنا مع أنها في كلام العرب العاديين الفصحاء كثير.
فضربت بالسيف وأصيح أنا لها، أنا لها، وأصيح؛ يعني فضربت بالسيف وصحت، ولكن وأصيح تحكي الحال لتصور الوقوع، تحكي الحال وتصور الوقوع. والعجب كل العجب من إمام في علم آخر ينقد امرأ القيس، أو في نص يزعم أنه نقد وليس بنقد، ويغفل عن هذا الوجه، ويأخذه على امرئ القيس كما سترون ذلك إن شاء الله في تعليقي على هذا النقد، أو على المزعوم نقدا، يعني وليس بنقد، هذا في كلام العرب كثير.
يقول: ولكن أرهن وأصك حكاية حال، مثل قوله هذا شمر بن عمرو الحنفي: ولقد أمر على اللئيم يسبني، فمضيت ثم فقلت لا يعنيني. فكما أن أمر هاهنا في معنى مررت، كذلك يكون أرهن وأصك هنا؛ هناك في معنى رهنت وسقط، ويبين ذلك أنك ترى الفاء تجيء مكان الواو في مثل هذا. ويبين ذلك أنك ترى الفاء تجيء مكان الواو في مثل هذا؛ وذلك كنحو ما في الخبر من حديث عبد الله بن عتيك حين دخل على أبي رافع اليهودي حصنه؛ قال: فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم، لا أدري أين هو من البيت، فقلت: أبا رافع! فقال: من هذا؟ فأهوى نحو الصوت فأضربه بالسيف وأنا دهش. فأهوى نحو الصوت فأضربه بالسيف وأنا دهش.
فكل فكما أن أضربه مضارع قد عطفه بالفاء على ماض؛ لأنه في المعنى ماض، في الصيغة مضارع وفي المعنى في سياق الكلام في الماضي، كذلك يكون أرهن معطوفا على الماضي قبله، وكما لا يشك في أن المعنى في الخبر: فأهوى فضربت، كذلك يكون المعنى في البيت: نجوت ورهنت، إلا أن الغرض في إخراجه على لفظ الحال أن يحكي الحال مرة أخرى؛ حكاية الحال مرة أخرى تقابلها في الصفحة، إلا أن الغرض في إخراجه على لفظ الحال أن يحكي الحال في أحد الخبرين ويدع الآخر على ظاهره كما كان ذلك في: ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت، إلا أن الماضي في هذا البيت مؤخر معطوف، وفي بيت ابن همام وما ذكرناه معه مقدم معطوف عليه، فاعرفه كما قلت.
فضربت بالسيف وأصيح، تحكي الحال بس فقط، لكن أنت كأنك قلت: فضربت بالسيف وصحت. أنا لها، أنا لها، هل نتوقف يا إخوة في التسجيل؟ وصلنا الساعتين أم ندخل في الفقرة التي تليها، ماذا ترون؟ ارتقوا من الفقرة التي تليها، يعني موضوعا آخر، يعني إذا دخل النفي، نفي الفعل المضارع، نعم، نعم، شكرا لكم وجزاكم الله خيرا أيها الأحباب في رواد القصيد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد