الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا العشرون من مجالس شرح كتاب دلائل الإعجاز للإمام أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه. انتهينا من الصفحة السابعة بعد الخمسمئة، وما زلنا في معرض الكلام على حذف المفعول به. وقلنا إن عبد القاهر قسم في ذلك، وتحت الأقسام جاء بأنواع، وتحت الأنواع جاء بأنواع، أو لك أن تقول أيضاً تحت الأقسام جاء بأقسام، وتحت الأقسام جاء بأنواع أو جاء بأقسام كذلك، هو استعمل القسم في كل ذلك.
هذا متاح. فأول الأمر نراه ذكر نوعاً يلحق فيه الفعل المتعدي بالفعل اللازم، وهو الفعل المتعدي المنزل منزلة اللازم، وهو الذي لا تقدر فيه المفعول أصلاً؛ تنوسي المفعول أو نُسي المفعول، صار لا وجود له، لا يلحظ، فحذفه لا لنكتة بلاغية. انتبهوا إلى هذا، حذفه لا لنكتة بلاغية، وإنما هو غير موجود أصلاً. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، عقلك كله منصب بالتمام في العلم، وكأنه فعل لازم، يعلم ولا يعلم، لا يذهب أي قدر ولو على سبيل الاختصار من عقلك إلى محذوف، خلاص، ولو على سبيل الاختصار، هذا القسم الأول.
هناك قسم آخر وهو الذي يقدر فيه المفعول، يكون هناك مفعول مقصود معلوم، وهذا القسم ينقسم إلى جلي لا صنعة فيه، وخفي فيه صنعة، ينقسم إلى جلي لا صنعة فيه، وإلى خفي تدخله الصنعة. والذي لا صنعة فيه يحذف الكلام منه اختصاراً، وقلنا هذا النوع دليل على أن مجرد الاختصار في الكلام، وأن مجرد عدم التطويل لا يعد فناً من الكلام، بل هو من أصول الكلام ومن بلاغة العرب العادية، تختصر الكلام حتى لا تعبر عنه بكلام أطول، هذا من كلام الناس، عكسه الرداءة. ليس عكسه أن تنزل إلى مرتبة تداول الكلام العادي، لا، عكسه الرداءة. فهذا من كلام العرب في أصله، وتكلمت عن أن مرتبة العامة من العرب مع لغتها فوق مرتبة العجم، وهم دون العرب مع لغتها. فالقسم الأول جلي لا صنعة فيه، والقسم الثاني مما يقدر فيه المفعول هو الخفي الذي فيه صنعة.
فيقول: نوع منه خلاصة الكلام فيه أنك تقدر المفعول لأجل المفعول، أي لا تذكر هذا المفعول لأنك تريد التركيز عليه، كما في بيت البحتري: شجو حساده وغيظ عداه أن يرى مبصراً ويسمع واع فأنت تريد هنا المسموع، تقصد لفت النظر إليه، فحذفت أن تجعل مجرد الإبصار يرينا المفعول المحذوف. طب لماذا حذفته؟ لتضع كل شيء في الإبصار، هذا نوع من الأنواع. لما قال أبصار وسمع، أنت نظرت هنا لم تجد فائدة لهذا الفعل إلا في تفخيم المفعول، مجرد أن يسمع ماذا يسمع فقط؟ فمن فخامة المفعول حذفته، ودللت عليه بالآلة الموصلة إليه. النوع الثاني هو الذي تحذف لا لتفخيم المفعول، بل لتركيز أو لصرف العناية والاهتمام إلى الفعل والفاعل، وهذا النوع هو الذي سيطيل فيه عبد القاهر.
نعم، نغلق الصوت هنا. أقول: سنلاحظ أن عبد القاهر سيطيل في هذا النوع الثاني من الخفي الذي يتناسى فيه المفعول لأجل التركيز على الفعل والفاعل، لا لأجل تفخيم المفعول المحذوف كما في النوع الأول من الخفي وهو بيت البحتري.
انتهينا من قول لتخلص العناية لإثبات الإجرار للرماح، وتصحيح أنه كان منها، وتسلم بكليتها لذلك. ثم أقول في الصفحة الثامنة بعد الخمسمئة: ومثله قول جرير: أمنيت المنى وخلت حتى تركت ضمير قلبي مستهاماً الغرض أن يثبت أنه كان منها تمنيه وخلابه، وأن يقول لها: أهكذا تصنعين؟ وهذه حيلتك في فتنة الناس. وماذا لو قال يا إخوة: أمنيت المنى وخلت قلبي؟ ما المعنى الذي كان؟ وما المعنى الذي ذهب؟ يلا، أنتظر منكم الجواب. تفضل.
تقصد أنه يقول: أمنيت المنى وخلت قلبي، حتى هو يقول: أمنيت المنى وخلت حتى، فهو حذف مفعول خلبت. فالشاهد هنا أنه لو لم يحذف لقال: وخلت قلبي. أمنيت المنى وخلت قلبي، ماذا لو قال وخلت قلبي ولم يقل وخلت ثم حتى تركت ضمير قلبي مستهاماً؟ العلة أن محور الكلام هنا، أو محور المعنى، ليس على القلب أو على المفعول به، هو فقط يركز على الفعل، أنك أمنيت المنى ثم وخلبت قلبي أو وخلبت حتى، فلا علاقة أو يعني لا يضيف هنا أن يزيد المفعول به.
دعني أعبر أقول: هو ما قاله هنا، لكن أنا فقط أردت أن تعرف ما المعنى الذي سيذهب وما المعنى الذي سيجيء. هل هناك من أخ يريد الكلام؟ لو قال: أمنيت المنى وخلت قلبي، كان لومه إياها فقط على أنها خلبت قلبه، كقول مجنون ليلى: وأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي وأنت التي إن شئت أنعمت باليا جعلها تفعل هذا معه فقط لأنه عاشق عذري، والعمل عنده على عملها هي فيه، وليس على صفتها هي في كل الناس، يعني هذا الذي حصل لي أنت فعلتيه في أنا. فلو قال: وأنت التي إن شئت أشقيت، وأنت التي إن شئت أنعمت، مصيبة، جعلها تفعل ذلك مع كل الناس. لكن وأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي، وأنت التي إن شئت أنعمت باليا. ولو حذف عيشتي وبالي، كان مع الجميع، كان أنها تفعل هذا مع الجميع، وهذه ليست شكوى العاشق في هذا المقام. كذلك هنا وخلبت؛ بالضبط لما قال وخلت، جعلها تفعل ذلك يعني كما قال عبد القاهر: أهكذا تصنعين؟ هذه حيلتك في فتنة الناس. وهكذا عكس المجنون بالضبط.
قال: ومن بارع ذلك، طيب سؤال هنا، هل منه لما قال امرؤ القيس: ولست بمقلٍّ ولا قالٍ؟ هل هذا منه أو لا؟ ولست بمقلٍّ ولا قالٍ، نحن نرى هذا القول منه أو لا؟ يقول: صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ولست بمقلٍّ ولا قالٍ. يعني لست بمبرد الصُحبة، ولست بباغٍ أيضاً الصُحبة الذي يظهر هنا؛ لأن الصُحبة أو الخِلال المبغوض مذكور في الأول. الصواب أنه حذف لدلالة الكلام عليها، ولست بمقلٍّ ولا قالٍ، لو قال ولست بمقلٍّ الخِلال لكان تطويلاً لا فائدة منه، فهذا للاختصار، فيما يظهر. ونكمل بعد الأذان إن شاء الله.
نرجع، قال: ومن بارع ذلك ونادره ما تجده في هذه الأبيات؛ روى المرزباني في كتاب الشعر بإسناد، قال: لما تشاغل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأهل الردة، استبطأوه فكلموه، فقال: أما كلفتمونا أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما ذاك عندي ولا عند أحد من الناس، ولكني والله ما أُتى من مودة لكم ولا حسن رأي فيكم، وكيف لا نحبكم فوالله ما وجدت مثلاً لنا ولكم إلا ما قال طفيل الغنوي لبني جعفر بن كلاب: جزى الله عنا جعفراً حين أزلقت بنا نعل في الواطئين فزلت جزى الله عنا جعفراً، طبعاً هذا البيت يوطئ به للمعنى، وإلا فالشواهد في البيت الثاني ثم في الثالث أكثر: أبوا أن يملوا ولو أن أمنا تلاقي الذي لاقوه منا لملت هم خلطوا بالنفوس وألجأوا إلى حجرات أدفأت وأظلت قال فيها حذف مفعول مقصود، قصده في أربعة مواضع: قوله لملت، وألجأوا، وأدفأت، وأظلت. لأن الأصل: لملت التنا، وألجأونا إلى حجرات أدفأتنا وأظلتنا. إلا أن الحال على ما ذكرت لك من أنه في حد متناسى، حتى كان لا قصد إلى مفعول، وكان الفعل قد أُبهم أمره، فلم يقصد به قصد شيء يقع عليه، كما يكون إذا قلت قد مل فلان، تريد أن تقول قد دخله الملال من غير أن تخص شيئاً، بل لا تزيد على أن تجعل الملال من صفته، وكما تقول هذا بيت يدفئ ويظل، تريد أنه بهذه الصفة.
هنا سترون؛ لا، لحظة. في الأبيات التي استشهد بها أبو بكر وهي أبيات طفيل الغنوي لبني جعفر بن كلاب، هذا ظاهر في أنه من النوع الخفي. لكن قوله قد مل فلان الذي استشهد به على فكرة الملال لنفسها، هذا المثال هو الذي قد يكون من الجلي، مل فلان، أو تقصد به التركيز على الفعل الذي أو الشيء الذي مل لأجله، لقد مل فلان، يعني مل كذا، لقد مل كذا، خلاص، يعني على الشيء الذي جعله يمل، فهنا يكون من الخفي الأول الذي منه بيت البحتري. فهمتم؟ فالمثال يتراوح بين هذا وذاك، وهو في الأخير يشبه فقط لكلمة الملل، يعني يأتي لك فقط بمثال على أن الملل، وهذا عند عبد القاهر كثيراً في استطراداته، أنه يأتي بنوع في سياق البيان على الأنواع استشهاداً على، يستشهد فقط لأجل مثال؛ يعني كأنك إذا قلت، يضع في حسابه أنك ربما تقول: كيف مل ولم يذكر ما مل منه أو الشيء الذي مله؟ فيأتي لك بمثال، وهذا المثال يوضح به فقط أن الملل قد يأتي بلا مفعول، لكن لا يكون داخلاً في المثال الذي هو في سياقه. فهمتم؟
هذا لحظة واحدة، يقول عبد القاهر: إلا أن الحال على ما ذكرت لك من أنه في حد المتناسى حتى كان لا قصد إلى مفعول، وكان الفعل قد أبهم. هنا يوجد قصد إلى مفعول يا إخوة، انتبهوا، يوجد قصد إلى مفعول، لكن كأن لا قصد إلى مفعول. طيب والنوع الأول المنزل منزلة اللازم؟ لا يوجد قصد إلى مفعول. نعم، قال: كما يكون إذا قلت قد مل فلان، تريد أن تقول قد دخله الملال من غير أن تخص شيئاً، بل لا تزيد على أن تجعل الملال من صفته، وكما تقول هذا بيت يدفئ ويظل، تريد أنه بهذه الصفة.
قال: واعلم، لكن طبعاً قلت ما قلت في هذه الأمثلة التي ذكرها على الملال وعلى الإدفاء وعلى الإظلال في البيت، هذا من النوع الخفي؛ لأنه لما قال لملت، فيريد التركيز على ملال الأم، ولو قال ألجأوا، كما قال ألجأونا، ولو قال أدفأت وأظلت، أدفأت أنا وأظلتنا، فهذا يركز فيه على الفعل، بخلاف النوع الجلي لا فائدة إلا الاختصار. نعم، أما هنا فتوجد فائدة وهي وقوع الملال من الأم، وعلى ذلك فقس في الإلجاء والدفء والإظلال.
طيب، قال: واعلم، هذه فائدة أخرى حاصلة من حذف المفعول به، قال: واعلم أن لك في قوله أظلت ولملت فائدة أخرى زائدة على ما ذكرت من توفير العناية على إثبات الفعل. يعني هو يقول هناك في هذا النوع الثاني من النوعين الخفيين، هناك ماذا؟ هناك فائدة أخرى غير فائدة التركيز أو توفير العناية على إثبات الفعل. يعني أنا سأشرح مقدماً: أنه بعد توفير العناية على الفعل ليكون كذلك في نفسه، تظهر فائدة أخرى وهي التعميم؛ تظهر فائدة أخرى وهي التعميم في من يقع عليه الفعل، والتعميم وأنه من شأنه أن يخرس كل شاعر كما سيأتي في المثال، وليس أنا فقط. والحق عند التأمل، هذه كلمتي أنا، أقول الحق عند التأمل أن هذه الفائدة لصيقة بالأولى وفرع عنها، وهذا مثل الذي قلته في قول امرئ القيس: ولا تبعديني من جناك المعلل. لما قال: ولا تبعديني من جناك المعلل، وقعت فائدة، ما هي هذه الفائدة؟ التركيز على أن المعلل، وفيه معنى الفعل طبعاً، اسم الفاعل فيه معنى الفعل، أنه يعلل بذاته، هو يفعل. طيب ما هو إذا كان كذلك، فمن يعلل عام، لاحظتم القضية يا إخوة؟ يعني كأنه يقول: أنت من شأنك أن تعلِّي من فاز بك، يعني طوبى لمن فاز بك، سيجني من جناك المعلل، خلاص، سيجني من جناك المعلل الشاغل، الذي هو بطبيعته شاغل، فكل ما هنالك أن عبد
القاهر انتقل من الصفة التي في الشيء ومن تركيز أو توفير العناية على الفعل إلى أثره في التعميم، فهذه فائدة لصيقة وفرع عنها لا تنفك عنها؛ لأنها ترتبط بها ارتباط الفعل بموقع حصول الفعل بالمفعول. فهمتم؟ دعونا نقرأ وسيتضح لكم إن شاء الله. يقول: واعلم أن لك في قوله: «أجرتي وملتي» فائدة أخرى زائدة على ما ذكرت من توفير العناية على إثبات الفعل، وهي أن تقول: كان من سوء بلاء القوم ومن تكذيبهم عن القتال ما يجر مثله. كلمة التكذيب هنا تعني الإحجام عن الشيء، التكذيب يعني عدم إيقاع الشيء على ما يجب، هنا خلاص أحجم عن الشيء يعني أراد أن يفعل شيئاً ثم كذب عنه أو كذب عنه فلم يوقعه على حقيقته المطلوبة. قال: وهي أن تقول: كان من سوء بلاء القوم ومن تكذيبهم عن القتال، يعني من إحجامهم عن القتال وعدم تصديقهم، ما يجر مثله.
وما القضية فيه؟ أنه لا يتفق على قوم إلا خرس شاعرهم فلم يستطع نطقا، ولكن الرمح، تذكرون البيت: فلو أن قومي أنطقتني رماحهم.. نطقت، ولكن الرماح أجرتي. ولكن الرماح أجرتي، يعني ركز على فعل أجرت، وعلى أنها أجرت لسان كل شاعر غيري أيضاً. فهمتم؟ انتقل من الفعل أجرت إلى عموميته، وهذه فائدة عند إطلاق الفعل هكذا دون أن يتعدى أو دون أن يقيد بالتعدي الصريح إلى مفعول؛ فهذا الفعل على إطلاقه طبيعي أنه سيصدق على كل شاعر، فهذه فائدة مقرونة بالأولى، ويمكننا أن ننظر إلى جملة الفائدتين على أنهما فائدة واحدة.
قال: وما القضية فيه؟ أنه لا يتفق على قوم إلا خرس شاعرهم فلم يستطع نطقا؛ يعني مثل ذلك يسكت ويخرس كل شاعر إذا وقع مثله، وتعديت الفعل تمنع من هذا المعنى، لو قلت: ولكن الرماح أجرتني، يعني إذا صارت مشكلتك أنت النفسية ليست مشكلة كل شاعر، أنت تشكو من حال وقعت معك أنت فقط، أما الصيغة الأخرى بالإطلاق فستشكو من حالة وقعت معك، وفي ضمن الشكوى ستقول أو ستجعل هذا في ضمن معنى أعم؛ وهو أنك تشكو من شيء سيقع لكل شاعر لو وقع هكذا. أصل المعنى ماذا؟ ولكن الرماح أجرتني أنا، هذا أصل المعنى، لكن صارت تجر لسان كل شاعر فأطلق، لأجل هذا قال: وتعديت الفعل تمنع من هذا المعنى؛ لأنك إذا قلت: ولكن الرماح أجرتني، لم يمكن أن يتأول على معنى أنه كان منها ما شأن مثله أن يجر قضية مستمرة.
طيب، في نسخة المراغي ضبطت بالضم على نائب الفاعل، يعني يتأول قضية مستمرة، وهنا على نسخة الأستاذ محمود شاكر رحمه الله ضبطت على ماذا؟ على النصب وكأنه على الحال، يعني لم يمكن على قراءة أو ضبط محمود شاكر لم يمكن أن يتأول على معنى أنه كان منها ما شأن مثله أن يجر قضية مستمرة؛ أي حال كونها قضية مستمرة. طيب، وعلى نسخة المراغي وهي التي أميل إليها أنها على نائب الفاعل، أي ولم يمكن أن يتأول قضية مستمرة في كل شاعر على معنى أنه كان منها ما شأن مثله أن يجر، يعني سنعطف بالجملة على معنى إلى كلمة يجر، فنقرأ كالتالي: لم يمكن أن يتأول على معنى أنه كان منها ما شأن مثله أن يجر قضية مستمرة، يتأول منها؛ يعني نؤول الكلام على قضية مستمرة في كل قوم. وصل الوجهان يا إخوة، وصل الشرح؟ وأنا أميل إلى نسخة المراغي في هذا، أميل إلى نسخة المراغي في هذا وأنها على نائب الفاعل، وأن الكلام لم يمكن أن يتأول قضية مستمرة على معنى أنه كان منها ما شأن مثله أن يجر، والله تعالى أعلم. قال: لم يمكن؛ طبعاً أنا قرأت النسختين جميعاً وقابلت بينهما، عارضت بينهما وتبين لي أن بعض الضبط في نسخة المراغي القديمة المطبوعة بالحلبي القديمة جداً، هذه بعض الضبط فيها أصح من الضبط الذي في نسخة الأستاذ محمود شاكر رحمه الله، وربما رأيتم بعض ذلك.
قال: ولم يمكن أن يتأول على معنى أنه كان منها ما شأن مثله أن يجر قضية مستمرة في كل شاعر قوم؛ يعني أن تجعل هذا في كل شاعر قوم، لم يمكن أن تفعل هذا؛ بل قد يجوز مثله في قوم آخرين فلا يجر شاعرهم، بل قد يجوز أن يوجد مثله في قوم آخرين فلا يجر شاعرهم. طبعاً ومحض المعنى في الأخير أذكركم، محض المعنى أنه يشكو من فعله أو من فعلهم معه هو، فليس يشكو في الأصل من غير ما حصل معه، لكن قوى المعنى بهذه الخاصية واللطيفة والدقيقة الزائدة، بأن جعل الفعل عاماً وأصل المعنى واحد. يعني لو جاء شخص بصيغة أخرى قال: ولكن الرماح أجرتني، وجاء شخص أو هو نفس الشخص قال: وهذا هو نفس هذا المعنى، ويريد أصل المعنى وأصل الشكوى، آه صحيح لكن: ولكن الرماح أجرتي، آه هذا قدر زائد فني، زائد على أصل المعنى.
قال: ونظيره أنك تقول: قد كان منك ما يؤلم، أي ما يؤلم مثله عادة، قد كان منك ما يؤلم، تريد ما الشرط في مثله أن يؤلم كل أحد وكل إنسان، ولو قلت: ما يؤلمني، مع أن هذا هو محض المعنى، هذا هو محض المعنى ولو قلت: ما يؤلمني لم يفد ذلك، لأنه قد يجوز أن يؤلمك الشيء ولا يؤلم غيرك، وهكذا قوله: ولو أن أمنا تلاقي الذي لاقوه منا لملت، يتضمن أن من حكم مثله في كل أم أن تمل وتسام، وأن المشقة في ذلك إلى حد يعلم أن الأم تمل له الابن وتتبرم به مع ما في طباع الأمهات من الصبر على المكاره في مصالح الأولاد، وذلك أنه وإن قال أمنا، فإن المعنى على أن ذلك حكم كل أم مع أولادها، ولو قلت لملت لم يحتمل ذلك؛ لأنه يجري مجرى أن تقول: ولو لقيت أمنا ذلك لدخلها ما يملها منا، وإذا قلت ما يملها منا فقيدت، لم يصلح لأن يراد به معنى العموم، وأنه بحيث يمل كل أم من كل ابن. طبعاً وفي التعميم قوة والحكمة مبنية على هذا التعميم، التعميم فيه قوة.
وهذا الفرق يا إخوة الذي في هذا المثال، هذا الفرق هو كالذي بين قول طرفة بن العبد: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة. ذوي القربى، ولم يقل وظلم أقاربي أو ذوي قرابتي، قال: وظلم ذوي القربى، ولو كان قال: وظلم قرابتي أو ذوي القرابة لي، لو قال ذلك سيكون ماذا؟ سيكون أصلاً سيفقد الكلام معنى الحكمة التي انتشرت أصلاً، صح؟ لو قال: وظلم ذوي قرابتي أشد علي، آه هي مشكلة طرفة بن العبد، لاحظت أستاذة صح؟ صارت مشكلة طرفة بن العبد، لكن وظلم ذوي القربى، وأنت تشكو بهذه الحكمة من كبتك، لكن لما عمم وجاء بصيغة الحكمة، خلاص كأنه يقول هذا من شأن كل إنسان أن يؤذيه أكثر ظلم ذوي قرابته. نعم، نفس معنى الحذف، حذف الفعل في الإضافة إلى القرابة مع أن محض المعنى أنه يشكو، هنا حذف فقط أو التعديل في المضاف والمضاف إليه، أو التعديل في المضاف إليه.
وأما هنا فقضيت حذف الفعل، قال: وكذلك قوله: إلى حجراتٍ أدفت وأظلت، لأن فيه معنى قولك: حجرات من شأن مثلها أن تدفئ وتظل، حجرات من شأن مثلها أن تدفئ وتظل، أي هي بالصفة التي إذا كان البيت عليها أدفأ وأظل، ولا يجيء هذا المعنى مع إظهار المفعول، إذ لا تقول: حجرات من شأن مثلها أن تدفئنا وتظلنا، هذا لغو من الكلام، أن تقول: حجرات من شأن مثلها أن تدفئنا وتظلنا، لا، قل: حجرات تدفئ وتظل، لكن من شأن مثلها هذا لغو من الكلام. قال: فاعرف هذه النكتة فإنك تجدها في كثير من هذا الفن مضمومة إلى المعنى الآخر الذي هو توفير العناية على إثبات الفعل. هذه النكتة التي هي التعميم يقول تجدها في كثير من هذا الفن مضمومة إلى المعنى الآخر، ها: ولا تبعديني من جناك المعلل، وكذلك هنا: ولكن الرماح أجرتي، يعني أجرت لسان كل شاعر، من شأنها أن تجر لسان كل شاعر لو كان في موقعه؛ فهذه النكتة التي هي ماذا؟ التعميم. اكتبوا عليها التي هي تعميم، حتى لا يطول عليك الكلام، عبد القاهر مزدحم، يعني هذه النكتة، ارجع إلى أول الفقرة الثالثة بعد ستمئة، فائدة أخرى، هذه هي النكتة التي تجدها في كثير من هذا الفن مضمومة إلى المعنى الآخر، النكتة الأولى، الفائدة الأولى التي هي ماذا؟
الذي هو توفير العناية إلى إثبات الفعل والدلالة على أن القصد من ذكر الفعل أن تثبته لفاعله لا أن تعلم التباس بمفعوله، يعني أن تثبته للفاعل. جناك المعلل طبعاً المعلل هنا فيها معنى الفعل، يعني أنا الاستشهاد هنا واسع يا إخوة، الكلام واسع في الأدب وأنتم شعراء تفهمون، اعتمد على هذا كثيراً، حتى لا تقل لكن المعلل لست فعلاً، يا أخي المعلل اسم فاعل فيه معنى الفعل، المعلل الذي يعلل، أنه لم يقل من جناك المعلل الذي يعللني أنا، لا، المعلل هو يتصف بأنه المعلل، ففيه إثبات أو فيه توفير العناية على أن جناها يعلل في نفسه هو كذلك في نفسه، وفيه تعميم من يقع عليه التعليل، وإلاها؟ فهمتم؟
قال: لا أن تعلم التباس بمفعوله، يعني ليس فقط يعني أنه الذي يعللني أنا. قال: وإن أردت أن تزداد تبيناً لهذا الأصل، أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر العناية على إثبات، كل هذا يا إخوة في النوع الثاني من القسم الخفي في حذف المفعول. النوع الثاني من الخفي الذي يحذف فيه المفعول لأجل توفير العناية على الفعل وعلى النكتة الأخرى هذه التي هي التعميم في الذي يقع عليه الفعل، والنوع الأول من الخفي أنت تحذف المفعول لتفخيم المفعول المحذوف، كما قال: أن يرى مبصر ويسمع واعٍ. طيب، ما زلنا في النوع الثاني من الخفي، قال: وإن أردت أن تزداد تبيناً لهذا الأصل، أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر العناية على إثبات الفعل لفاعله ولا يدخلها شوب، قال: أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر العناية على إثبات الفعل لفاعله ولا يدخلها شوب، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: 23] وجد عليه أمة من الناس يسقون، يسقون ماذا؟ ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: 23] تذودان ماذا؟ قال: ما خطبكما؟ قالتا: لا نسقي، نسقي ماذا؟ قالت: لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، فسقى لهما، سقى ماذا؟ فسقى لهما ثم تولى إلى الظل. قال عبد القاهر: ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع، ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع، إذ المعنى: وجد عليه أمة من الناس يسقون أغنامهم أو مواشيهم، وأمرأتين تذودان غنمهما، وقالت لا نسقي غنمنا، فسقى لهما غنمهما. ثم إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ويؤتى بالفعل مطلقاً.
ثم إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ويؤتى بالفعل مطلقاً، وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي، ومن المرأتين ذود، وأنهما قالتا: لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء، وأنه كان من موسى عليه السلام من بعد ذلك سقي. فأما ما كان المسقي أغناماً، إبلاً، أم غير ذلك، فخارج عن الغرض، فخارج عن الغرض. نعمة تقول وفيه فائدة أن الغرض من القص القرآني ليس محض السرد والحكي بالضبط، وإنما الاعتبار والاستبصار، فخلا من كل زيادة لا تحصل بها عبرة. ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ﴾ [القصص: 20] لماذا رجل؟ ليس فلان ما اسمه، فخارج عن الغرض. تأمل استعمال كلمة الغرض، الغرض وهو قصد الشاعر الذي يكون المعنى الذي يكون المعنى الشعري، أو الذي به يكون المعنى الشعري، ويكون مجيء التركيب على هيئة مخصوصة. قال: فأما ما كان المسقي غنماً أم إبلاً أم غير ذلك، فخارج عن الغرض ومهم خلافه. وذاك أنه لو قيل: وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما، جاز أن يكون لم ينكر الذود من حيث هو ذود، بل من حيث هو ذود غنم، حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذود، كما أنك إذا قلت: مالك تمنع أخاك؟ كنت منكراً المنع لا من حيث هو منع، بل من حيث هو منع أخ، فاعرفه تعلم، فاعرفه تعلم أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الروعة والحسن ما وجدت إلا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة، وأن الغرض لا يصح إلا على تركه.
طيب، دعونا الآن يا إخوة نطبق ونختبر أفهامنا، ولا يسأل محمد أولاً، طيب أقول: دعونا نستظل ما فهمتم ونختبر الأفهام، لماذا قال المجنون: وأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي، وأنت التي إن شئت أنعمت باليا. إن شئت، وإن شئت، هل وقع حذف؟ ما شاء الله، جميعاً، لا لا لا، حلاوتكم، أهلاً.
أهلاً أختنا زينب، تقولين نعم، أين الحذف؟ وأين وقع؟ لكنه قالها وأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي، وأنت التي إن شئت أنعمت باليا. أيوه يا حميري، مفعول شئت، ولكن هذا سيأتي له كلام آخر. أنتم نظرتم إلى أشقيت وأنعمت لأنني ذكرته قبل قليل على أنه أظهره، ليس كـ "أصغيت"، كان لك سؤال يا محمد؟ قل.
نعم مولانا، في الآية الكريمة، هل وقع أيضاً فيها غرض التعميم؟ وكيف ذلك؟ أين الآية التي هي: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: 23]؟ طيب، ما هو ذكر... لحظة، هو عبد القاهر ذكر، بل نص على ذلك، قال... أنظركم يسأل هل الآية فيها غرض التعميم؟ ها، لا لحظة، هو قال هنا لما ذكر الآية: إذا أردت أن تبين وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر العناية على إثبات الفعل لفاعله، ليس قضية تعميم هنا. التعميم تلاحظ عبد القاهر قال ماذا؟ فإنك تجدها في كثير من هذا الفن وليس في كله، وهذا يرجع إلى طبيعة الفعل، يعني أنت هنا كيف يكون التعميم إذا كانت المرأة لا تستطيع أو العقل يقضي أن المرأة لا تستطيع أن تسقي كل الغنم؟ ليس فيه غرض تعميم طبعاً.
لكن لما مر القيسي قال "جناك المعلل" أو قال هنا الشاعر "ولكن الرماح"، نستطيع أن نقول إن من شأنها أن تجر لسان كل شاعر، ولكن هل منها "سقى لهما"؟ هل منها "يسقون"؟ هل منها "تذودان"؟ هل منها "نسقي"؟ لا طبعاً. طبيعة الفعل لا تسمح، ولهذا أنا قلت: هذا يلزم إذا كان الفعل ليست فائدة أخرى مطلقة، لا، هي تلزم إذا كان الفعل من طبيعته ذلك. حتى عبد القاهر بعد ذلك قال: فاعرف هذه النكتة، فإنك تجدها في كثير وليس في كل. طيب، متى تأتي في كثير؟ إذا كان الفعل يقبل التعميم عقلاً. طيب ما المرجع في هذا؟ منطق الفعل، طبيعة الفعل، هناك فعل لا يقبل التعميم، وهناك فعل يقبل التعميم.
وضحت مولانا؟ نعم وضحت، لكن الآية هذه من أي نوع؟ يعني أنها من النوع الذي ليس طبعاً تقبل التعميم فيها الفائدة الأولى فقط وهي توفير العناية على الفعل. أعلم، أعلم، لكن أنا أقصد الآن، هي من أي نوع؟ يعني هل هي من الذي هو اختصار فقط؟ لا طبعاً، لا، بل أنها من النوع الذي سيأتي؛ يعني من النوع الخفي الذي يركز على الفعل كما صرح بهذا. هنا أراد أن تذودان، الكلام كله على الذود، تذودان ماذا؟ لا هو فيه تركيز على تذودان، لاحظ أن الفعل موجود لكن حصل بدفعه رجوع إلى الفعل نفسه. أنت ستشعر في الكلام أنه وقع اختصار. انظر، لا ليس هناك... لا، ليس أننا لم نلتفت إلى المفعول أصلاً، المفعول موجود ونشعر به، لكن انظر: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: 23]، أصبح التفخيم في كلمة يسقون، خلاص يسقون، ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: 23].
لحظة، تذودان هذا ليس كـ "أصغيت إليه"، هذا ليس كـ "أصغيت إليه". تذودان، لا، هذا فيه توقع الذود، لكن لما حذفته رجعت الطاقة المختزنة التي هي نصيب المفعول، رجعت إلى تذودان، فأنت استفدت ماذا؟ أنني أقول لك ركز على أنهما تذودان. شعرت بالفرق الآن بين هذا وبين "أصغيت إليه" تذودان؟ نعم، خلاص قال: ﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي﴾ [القصص: 23]، الكلام كله لا نسقي، فحذفت المفعول من كلامها، لا نسقي غنمنا، فحذفت الغنم، فكأنها صارت تقول: المشكلة عندي في السقي الآن، بخلاف "أصغيت إليه". هذا النوع الجلي هو الذي بقيت له خطوة ليكون من منزلة اللازم أصلاً، لولا نوع ملاحظة أو نوع وجود للمفعول الذي حذف اختصاراً فقط.
قال اختنا تسأل هل الحذف في الآية في الفعلين الثاني والثالث والرابع كما في الأول؟ في الجميع واحد؟ لا، هل الدرجة نفسها؟ هذا شيء آخر يتعلق بدراسة الآية وبتأملها، وبحسب الأنصبة المأخوذة في كل موقع، هذا لا يكاد يكون موقعك الآخر أصلاً؛ ليس لتفاوت البلاغة، بل لتفاوت الحاجة إلى ذلك، هذه مرحلة أخرى من التدقيق. يعني كل واحد أخذ بقدره من هذا، وعوض عنه في موقعه بوجوه أخرى من البلاغة، ليحصل الثقل لعموم النص، ليكون على مستوى واحد. فهمتم؟ وصلت المعلومة، يعني الإجراء موجود، النكتة موجودة، النكتة نفسها على درجات، ليس على درجات في الجودة، بل على درجات في القدر الذي أخذه النص ليحقق جودته العامة. أيوه، أحسنتم، وأحسنت، لا، إحنا عندنا الأخوات تنافس الرجال، جميل.
قال: ومما هو كأنه نوع آخر، انظر قال: كأنه نوع آخر، يعني ليس صريحاً في أنه نوع آخر، وإنما زاد هنا. هذا هو، قال كأنه نوع آخر، لماذا نوع آخر؟ اشرح قبل أم بعد؟ تعال اشرح بعد، قال: ومما هو كأنه نوع آخر غير ما مضى، كأنه كأنه، انظر لم يقل هو نوع آخر، أو لا؛ هذا شك أو إظهار لأنه يشبه أن يكون نوعاً آخر لكن ليس نوعاً آخر. ومما هو كأنه، يعني كأنه يقول من الفائدة فيه يبدو وكأنه نوع آخر لكنه ليس نوعاً آخر. يقول: ومما هو كأنه نوع آخر غير ما مضى قول البحتري: إذا بعدت أبلت وإن قربت شفت، فهجرانها يبلي ولقياها يشفي.
رأيتم يا إخوة؟ هذا أستاذ البحتري في كثير من شعره، هذا التقسيم، اثنان في الأول واثنان في الأخير. وكقوله: إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى، ولج بها الهجر، وهذا كثير في شعره، وهنا "إذا بعدت أبلت وإن قربت شفت"، وهذا طبعاً تقسيم، "فهجرها يبلي ولقياها يشفي"، هو مصنع مطبوع وهذا من الجمال عنده. لماذا؟ لأنه لا يقدر على أن يكون على نفس المستوى إذا صفا الطبع، لأنه لا يمكن أن يكون على نفس الهوى، أخذ مزيجاً عجيباً. أبو تمام اعتمد على الصنعة اعتماداً شديداً، مسلم بن الوليد اعتمد على الصنعة اعتماداً شديداً. البحتري جاء من البادية أصلاً، بدوي، أبو تمام متحضر يا إخوة، أبو تمام حضري، أبو تمام يجالس الملوك، والبحتري جاءه جائعاً رث الثياب، خلاص حتى قال البحتري: ما أكلنا الخبز إلا لما جئنا لأبي تمام.
رأيتم، قال: ما أكلنا الخبز إلا لما جئنا، أكلنا بأبي تمام من الخبز، فهو أصلاً جاء رث الثياب جائعاً، جاء من البادية في وقت الخلافة العباسية، يعني شخص في البادية كان مهملاً في هذا الوقت، كانت مصر الأمصار وكذا. فالبحتري كانت عنده درجة من الطبع، ودرجة من الطبع وتعلم الصنعة من أبي تمام، ولو ظل البحتري على طبعه الأول ولم يتعلم الصنعة وغيرها من أصول الشعر على أبي تمام، كما اعترف البحتري نفسه أنه منه تعلم وأنه اعترف له بالأستاذ، لولا ذلك لكان شعر البحتري مطبوعاً بدوياً مما يستأنس به من الشعر الخفيف اللطيف كالذي يأتي في بعض أبواب ديوان الحماسة وغيرها. ما الذي رفعه إلى درجة الفحولة؟ أنه عوض ما نقص من الطبع بالصنعة، ولكنه أيضاً، الشيء الوحيد سبحان الله، يعني احفظوا هذا الكلام وقلبوه في رؤوسكم في هذه المحاضرة العاشرة من شرح الدلائل.
أقول: ولكن أيضاً كما أنه رفع نفسه بالصنعة، الشيء الذي جعله ينافس أبا تمام وجعل جمهرة ضخمة ترجحه على أبي تمام أستاذه، مع أنه هو نفسه لا يقول، هذا الذي جعله يتفوق عليه ما عنده من الطبع من الأول، أنه مطبوع أكثر من أبي تمام، ولكن ما أخذه من الصنعة من أبي تمام هو يعترف، هو يقول: ما قلت بيتاً إلا ونظرت في شعره، هو يعترف بهذا. البحتري يقول تقول هذا أو أنك أخذت من أبي تمام؟ لما اقتدى به في شيء في موضوع الاستطراد، فقال: إنهم يأخذون عليك أنك أخذت هذا من أبي تمام، فقال: وهل أؤخذ بمحاكاة أبي تمام؟ قال: وما قلت بيتاً إلا راجعت شعره. فسبحان الله، الذين حتى يرفعون السبب الذي جعل البعض يرفعه على أبي تمام ما عنده من الطبع الذي ليس عند أبي تمام أو ليس في طريقة أبي تمام.
رأيتم؟ أيوه، أخونا محمد الحماري يقول: مولانا هل أبو فراس هكذا أيضاً؟ أقصد أنه مصنع مطبوع؟ أبو فراس اكتفى بالقدر الذي عنده من الطبع، ومن هنا لم يرفع شعره لا في سبيل الطبع، ولا في طريق الصنعة، فجاء دون الشعراء، هو لم يتقدم لا في طريق الطبع ولا في طريق الصنعة يعوض بها ما عنده من قصور الطبع. قصور الطبع يعني عدم بلوغه المرتبة العليا في الفحولة، فلم يفعل هذا ولا ذاك، فظل شعره مطبوعاً خفيفاً لطيفاً، هذا ما قصر بأبي فراس. أبو فراس شاعر مطبوع، وهو عندي ما زلت أقول: أقوى في أصل قريحة الشعر من المتنبي، يعني معذرة، هذا الذي تراه من شعر أبي فراس وهو لم يُعنَ بالشعر ولم يقصد إلى المنافسة، فكيف إذا قصده؟ كيف إذا تفرغ؟ المتنبي ما وقف له، متنبي ولا غير متنبي، لكن هكذا كان أميراً مقاتلاً، ما كان ينشر شعره إلا أن يضعه عند ابن خالويه، وابن خالويه صرح بأنه ينشره الآن بعد موته، وأنه ما كان يسمح له بإخراجه. رأيتم؟ نعم.
طيب، "إذا بعدت أبلت وإن قربت شفت، فهجرها يبلي ولقياها يشفي"، قال: قد علم أن المعنى إذا بعدت عني أبلتني وإن قربت مني شفتني، إلا أنك تجد الشعر يأبى ذكر ذلك ويوجب اطراحَه، وذاك لأنه أراد أن يجعل البلا كأنه واجب في بعادها أن يوجبه، ويجلبُ. وذاك لأنه أراد أن يجعل البلا كأنه واجب في بعادها أن يوجبه، ويجلب، وكأنه كالطبيعي حال الشفاء مع القرب، حتى كأنه قال: أتدري ما بعادها؟ هو الداء المضني، وما قربها هو الشفاء والبرء من كل داء. نعم، ولا سبيل لك إلى هذه اللطيفة وهذه النكتة إلا بحذف المفعول ألبتة، فاعرفه. طيب، السؤال الآن الذي أجلت الجواب عنه، لماذا صار كأنه نوع آخر؟ لأنه زاد هنا، لأنه زاد هنا، أن دل بالحذف على صفة البعد وصفة القرب وصفة الهجر وصفة اللقية.
هو هو لكنه في الموضع الخاص زاد شيئاً، لذلك سيقول بعد شرحه، وليس لنتائج هذا الحذف في الصفحة التالية يقول: وليس لنتائج هذا الحذف، أعني حذف المفعول إلى آخره، يعني كأنه يقول لك: اعتبره نوعاً آخر. لماذا؟ يعني يا إخوة ما النوع الذي نتكلم فيه؟ هو النوع الذي إن حذفته وفرت العناية على الشيء فقط، هنا وقع شيء مختلف زائد وهو أنك لما حذفت جعلت دللت بالحذف على صفة البعد، يعني هذا شيء آخر زائد، أنت وفرت همتي نعم على الفعل والفاعل وكذا، طيب مفهوم على الفعل نفسه وعلى إسناده إلى الفاعل مفهوم، لكن أنت قلت ماذا؟ إذا بعدت أبلت وإن قربت شفت، فهجرها يبلي ولقياها يشفي.
قال: أراد أن يجعل البلا كأنه واجب في بعادها أن يوجبه، وكأنه كالطبع فيه هذا الشيء الزائد، وكذلك حال الشفاء مع القرب، كأنه قال: أتدري ما بعادها؟ هو الداء، وما قربها هو الشفاء. رأيت، يعني ليس فقط ركز على الإبلاء أو على البلا وركز على الاقتراب وركز على الهجران وعلى اللقيا، ليس فقط ركز بالحذف على هذا، وإنما جعل هذه الأشياء هي البعاد وهي القرب، لم يركز على البلا وعلى الشفاء وعلى يبلي فقط ويشفي فقط لذواتها، وإنما أضاف شيئاً زائداً على كونها كذلك، هو أنه جعلها عين البعد وعين القرب وعين الهجران وعين اللقية. واضح، يعني أمر زائد فوق مجرد التركيز على الفعل، أراد شيئاً آخر، ولهذا قال: كأنه نوع آخر غير ما مضى، لا هو نفس النوع لكن زاد شيئاً فجعل له كأنه هو، نعم كأنه نوع آخر، لكن غالباً هو نفس النوع، ولهذا قال بعدها أنظر: لأن بابه مفتوح، قال بعدها وليس لنتائج هذا الحذف، أعني حذف المفعول نهاية، فإنه طريق إلى ضروب من الصنعة وإلى لطائف لا تحصى.
شوف يعني كأنه نوع آخر، أتريد كأنه يقول لك: تريد أن تجعله نوعاً آخر، شيئاً زائداً، اصطلاح وتقسيم، لكن في الأخير لا نهاية لهذا، فإنه طريق إلى ضروب، يعني أنواع من الصنعة، وإلى لطائف لا تحصى، ولهذا أنا دائماً أقول: ما بقي الشعر لا يحصى، فهي لا تحصى، ما بقي الشعر لا يحصى، فهي لا تحصى. قال: وهذا نوع منه آخر، ها هنا يجزم، هذا نوع آخر خلاص، هذا نوع جميل وهذا نوع آخر، وهذا نوع منه آخر، اعلم أن ها هنا باباً من الإضمار والحذف يسمى الإضمار على شريطة التفسير، يا سلام، هذا الذي سنتناول فيه كلمة شئت وشئت. يقول طبعاً أنتم لم تنتبهوا إلى بيت المجنون في فعل شئت، تعرفون لماذا من الف...
الحذف ولم تنتبهوا إلى أن شئت فعل يحتاج إلى مفعول، وأنت التي إن شئت أشقيت، يعني إن شئت إشقاء عيشتي أشقيت عيشتي، وإن شئت إنعاماً بالياً أنعمت بالياً، خلاص صار مألوفاً من شدة الحذف أو من اعتياد الحذف. قال: بالضبط كان الأصل أن تحذف كـ "سير" كـ "الطبيعة". قال: وهذا نوع منه.
آخر، يقول: اعلم أن ها هنا باباً من الإضمار والحذف يسمى الإضمار على شريطة التفسير. أنت تضمر بشرط أن تفسر، وذلك مثل قولهم: أكرمني وأكرمتهم، تركت ذكره في الأول استغناءً بذكره في الثاني. فهذا طريق معروف ومذهب ظاهر وشيء لا يعبأ به. كما تقول: لاعبت ولاعبني أخي، خلاص أو لاعبني ولاعبت أخي، لاعبني ولاعبت أخي أي لاعبني أخي ولاعبت أخي. قال: فهذا طريق معروف ومذهب ظاهر وشيء لا يعبأ به؛ مثل في أكرمني وأكرمتهم مذهب ظاهر وشيء لا يعبأ به، ويظن أنه ليس فيه أكثر مما تريك الأمثلة المذكورة منه، اللي هو أكرمني وأكرمتهم ليس فيه أكثر مما تريك الأمثلة المذكورة منه، يعني حتى في النحو هو يقول الأمثلة مع أنه ذكر مثالاً، لماذا؟ لأنه يتكلم عن الأمثلة التي في النحو، تظن أنه لا يعطيك أكثر من ذلك. انتبهوا سيقول هنا كلمة خطيرة، عبد القاهر يقول: ويظن أنه ليس أكثر، هو قال في أول يسمى الإضمار على شريطة التفسير، يسمى الإضمار على شريطة التفسير، هذا في أي نوع من العلم؟ في أي نوع من الكتب والمصنفات؟ ها في أي نوع في أي نوع يا إخوة؟ علم النحو، علم النحو.
طيب فيقول: وطبعاً عبد القاهر نحوي أصلاً، فيقول: فهذا طريق معروف ومذهب ظاهر وشيء لا يعبأ به، ويظن أنه ليس فيه أكثر مما تريك الأمثلة المذكورة منه المذكورة في كتب النحو، وفيه إذا أنت طلبت الشيء من معدنه من دقيق الصنعة ومن جليل الفائدة ما لا تجده إلا في كلام الفحول، لحظة بس لحظة هذه توقفني، يقول: ويظن أنه ليس فيه أكثر مما تريك الأمثلة المذكورة منه، وفيه في هذا الباب إذا أنت طلبت الشيء من معدنه، يريد أن يقول لك: اطلب الدلالة الحقيقية من معدنها وهو الكلام العالي من القرآن وكلام الشعراء، لكن لو ظللت تأخذه من الأمثلة المذكورة في بابها في كتب النحو أو ظللت تأخذها من كلام الناس ومن ظنونهم أنه ليس فيه أكثر مما ترى هذه الأمثلة أو تري هذه الأمثلة المذكورة، لم تظفر بشيء. يعني اترك ما تريك الأمثلة المذكورة التي تجعلك لا تعبأ، واطلب الدلالة من معدنها وهو الكلام العالي، كلام الشعراء كما سيأتي، أول شيء سيأتي بيت للبحتري.
قال: فمن لطيف ذلك ونادره قول البحتري: لو شئت لم تفسد سماحة حاتم كرماً ولم تهدم مآثر خالدي الأصل لا محالة: لو شئت ألا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها، ثم حذف ذلك من الأول استغناءً بدلالته في الثاني عليه. ثم هو على ما تراه وتعلمه من الحسن والغرابة، وهو على ما ذكرت لك من أن الواجب في حكم البلاغة ألا ينطق بالمحذوف ولا يظهر إلى اللفظ، يريد ما ذكره من قبل من أنك تجد النفس تأبى إظهار المحذوف، تذكرون الكلام؟ وأنها لو أظهرته كان شيئاً تنفر منه النفس وتراه ثقيلاً على النفس كالزائدة بالمحذوف ولا يظهر إلى اللفظ؛ فليس يخفى أنك لو رجعت فيه إلى ما هو أصله، فقلت: لو شئت ألا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها، عدت إلى كلام غث وإلى شيء يمجه السمع وتعافه النفس.
وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام وبعد التحريك له أبداً لطفاً ونبلاً، لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك. يا سلام! تأمل كيف أن التحريك هو الغاية من الشعر، حرك آثارك على شرط أن يكون بواسطة اللغة التي تضيف هذه الدقائق والخصائص فوق محض المعنى، وهذا هو الإلهام، وهو إثارة النفس، وهو التخييل، كل ذلك ورد في كلام القرطاجني في المنهاج. قال: وذلك أن في البيان هذه قاعدة يا إخوة، يعني لو تضيئون هذا، يقول: وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام وبعد التحريك له أبداً لطفاً ونبلاً، لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك. وأنت إذا قلت لو شئت علم السامع أنك قد، اه شوف هو الآن يشرح، الآن سيشرح كيف ورد البيان بعد الإبهام وكيف أحدث هذا التحريك.
خلاص، يعني الفاء هنا كانت أجود أن يبدأ، فيقول: فانت إذا، وليس "وأنت إذا قلت" لأن "وأنت" كأنه سيضيف كلاماً، والواقع أنه يشرح العبارة التي قالها، لكن الواو تصلح أيضاً للتفسير، تصلح أيضاً للتفسير "وإن" يعقب بالشرح، وإن ذكر الشرح. نعم، وأنت إذا قلت لو شئت فقط، يعني وقفت "لو شئت"، يعني أنت حينما تقول لو شئت علم السامع أنك قد علقت هذه المشيئة في المعنى بشيء، فهو يضع في نفسه أنها هنا شيئاً تقتضي مشيئته له أن يكون أو لا يكون، فإذا قلت، يعني لم تذكر هذا الشيء، علقت النفس به، فإذا قلت، يعني في العبارة بعدها: لم تفسد سماحة حاتم، عرف ذلك الشيء. ومجيء المشيئة بعد لو وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معدات إلى شيء كثير شائع، وأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي وأنت التي إن شئت أنعمت بالياً، سيذكر أن لو لها أخوات هنا. طيب، قال: ومجيء المشيئة بعد لو وبعد حرف الجزاء هكذا موقوفة غير معدات إلى شيء كثير شائع، يعني هذا المجيء كثير شائع كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهَدَاكُمْ﴾، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، والتقدير في ذلك كله على ما ذكرت، فالأصل لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم، ولو شاء أن يهديكم أجمعين لهداكم، إلا أن البلاغة في أن يجاء به كذلك محذوفاً.
وقد يتفق في بعضه أن يكون إظهار المفعول هو الأحسن، يا سلام ركزوا معي، وقد يتفق في بعضه أن يكون إظهار المفعول هو الأحسن، وذلك نحو قول الشاعر هذا الخريمي: لو شئت أن أبكي دماً لبكيته عليه ولكن ساحة الصبر أوسع يا سلام! أنا سألتذ بشرح هذا البيت ولكن لا بد أن أصنع الشاي أولاً، نرجع تفضلوا الشاي. قال الشاعر: ولو شئت أن أبكي دماً لبكيت ولكن ساحة الصبر أوسع. رضي الله عنكم، قال: فقياس هذا لو كان على حد، يعني على غايتها أولاً، يقول: وقد يتفق في بعضه أن يكون إظهار المفعول هو الأحسن، يعني في هذا النوع من الكلام يا إخوة، فالكلام ما زال في السياق، في سياق ما نحن فيه النوع الثاني الخفي الذي يحذف للدلالة على أو لتوفير العناية على الفعل نفسه، فيحذف المفعول، فنحن ما زلنا في هذا النوع، والكلام ما زال في هذا السياق.
يقول: فقياس هذا لو كان على حد ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، معنى على حده يعني على غايته وطريقته المرادة منه، يعني على الغاية منها وما نسق لأجله الكلام، فقياس هذا لو كان على حد ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ أن يقول لو شئت بكيت دماً، لكن هو قال: ولو شئت أن أبكي دماً لبكيت عليه، يعني لبكيت دماً عليه، فأظهر المفعول، خلاص يعني لو لو أجراها على حد قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ لقال: لو شئت بكيت دماً، لو شئت أن أبكي دماً، يعني فحذف أن أبكي أو المصدر الصريح، لو شئت بكاء الدم، لأنك ستأتي بمصدر مؤول وهو "أن أبكي دماً" أو "بكاء الدم"، خلاص، لكنه قال هنا لو جرى على نفسها، لو شئت، فحذف يعني حذف المفعول الذي هو "أن أبكي دماً" أو "بكاء الدم" مصدر صريح أو مؤول. ولكنه، أيوه ما الذي حصل؟ لماذا قال الشاعر هنا "ولو شئت أن أبكي دماً" ولكنه كانه ترك تلك الطريقة وعدل إلى هذه، لماذا؟ قال لأنها أحسن في هذا الكلام خصوصاً، يا سلام! أتمنى تفعلوا كما فعلت منذ سنين في هذه العبارة، انظروا انظروا كيف فعلت فيها، ظللتها أنارتها بالقلم الفسفوري الأصفر، وعملتها بسحابة حمراء بالقلم، كما ترون ظاهر ظاهر انظر: لأنها أحسن في هذا الكلام خصوصاً، في هذا الكلام خصوصاً، يعني أصل ممكن واحد يأتي ثقيل الطبع عريض القفا فيقول يعني كان في ترك طريقة القرآن ما هو أحسن؟ يا أخي ده أنت غبي، طبعاً هؤلاء لن تستطيع أن تفهمهم، يعدل عن هذه الطريقة، والله كلام الله أرفع وأحلى وأحسن، ولو قلت ما قلت، هو جاهز، هو مش فاهم، هو عريض القفا كثيف العقل ميت الذوق غير مستعد للفهم لا يملك أدنى مقومات الفهم أو التفهيم، يقول: لأنها أحسن في هذا الكلام خصوصاً، يعني في سياق البحتري خصوصاً هي أحسن وليس أحسن من القرآن، لأن الكلامين ليس واحداً، الغرضين ليس واحداً.
نعم، طيب ما السبب؟ ما السبب في أن كانت في كلام البحتري خصوصاً أحسن أن يظهر المفعول؟ قال: وسبب حسنه أنه كأنه بدع عجيب أن يشاء الإنسان أن أبكي دماً، أصل ده شيء غريب ليس شيئاً تتركه، لو شئت أن أبكي دماً لبكيت دم، لو شئت أن أبكي دماً لبكيت دم، وسبب حسنه أنه كأنه بدع عجيب أن يشاء الإنسان أن يبكي دماً، فلما كان كذلك كان الأولى أن يصرح بذكره ليقرر في نفس السامع ويؤنس به، يا سلام! حب كلمة الأيناس والتحريك والهزة والك في كلام عبد القاهر، قال: وإذا استقريت وجدت الأمر كذلك أبداً، أهنا محمود شاكر وصل الكلام، قال: متى كان مفعول المشيئة أمراً عظيماً أو بديعاً عجيباً كان الأحسن أن يذكر، لا أنا أرى أن "كان الأحسن" هو جواب "متى"، خلاص الأحسن أن يكون كان جواب متى، وعلى ذلك يمكنك أن تضع فاصلة منقوطة بعد كلمة أبداً، ها اقرأ الآن: وإذا استقريت وجدت الأمر كذلك أبداً؛ متى كان المفعول -إذا ليس كذلك أبداً- متى كان المفعول، يعني وجدت الأمر متى كان المفعول، خلاص لا متى كان المفعول تبدأ جملة شارحة جديدة. بان لكم الفرق يا إخوة، بان لكم الفرق، فـ "متى" لا تتعلق بما قبلها بل تتعلق بما بعدها. وإذا استقريت وجدت الأمر كذلك أبداً؛ متى كان مفعول المشيئة أمراً عظيماً أو بديعاً غريباً كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر.
يقول الرجل يخبر عن عزة: لو شئت أن أرد على الأمير رددت، ولو شئت أن ألقى الخليفة كل يوم لقيت، فإذا لم يكن مما يكبره السامع، فالحذف، يعني فالحذف هو الأحسن حذف الخبر هنا. لاحظتم؟ فإذا لم يكن مما يكبره السامع فالحذف، يعني إذا كان الشيء الذي بعد المشيئة، إذا كان ما تشاءه إذا كان مفعول المشيئة الذي يعمل فيه "شئت" أو "شئت"، إذا كان شيئاً مما هو عظيم بديع غريب فالأحسن أن تظهره، وإذا كان شيئاً عادياً أو لا يكبره السامع فالحذف. قال كقولك، قل يا محمد مولانا على ذكر هذه القاعدة في في بيتي أو في بيت المجنون: أليس إشقاء العيشة أمراً عظيماً ينبغي أن يذكر؟ لا، سترى الآن، سيأتي سيأتي موضعها، لما أقول تعالوا الآن ننظر ونطبق في كلام المجنون. نعم، خلاص تعال الآن نعمل جولة وندور ثم نرجع لبيتي المجنون، أحسنت التفكير أصلاً ما شاء الله.
قال: فإذا لم يكن مما يكبره السامع فالحذف كقولك لو شئت خرجت ولو شئت قمت ولو شئت أنصفت ولو شئت لقلت، طبعاً يصح لو شئت أنصفت، يعني لعله الأصح، يعني لو شئت أنصفت ولو شئت لقلت، وفي التنزيل: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾، وكذا تقول لو شئت كنت كزيد، قال هذا عبد الله بن شبرمة: لو شئت كنت ككرسي أو كابن طارق حول البيت والحرم وكذلك الحكم في غيره من حروف المجازاة في غير لو، في غير لو، وكذلك الحكم في غيره من حروف المجازاة، أن تقول إن شئت قلت، وإن أردت دفعت، قال الله.
﴿فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ [الشورى: 24]. تأمل هنا عدم العناية بنفس الختم؛ لماذا يا إخوة؟ من يعرف؟ ها، ﴿فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ لماذا ليس: فإن يشأ الله أن يختم على قلبك؟ ختم على قلبك أو يختم على قلبك؟ ما هو غير متصور، لا.
أفهم، لا، لم أفهم. لا هو ما فيش غير الحماري، عايز حد تاني. ها، قفلت معايا، عايز حد تاني مش هينفع، عايز حد تاني يجيب كيف تذكر هذه فيما ليس يعني، ليس يكبره السامع، تفضلي أختنا قولي: لأن المراد أن يكون ذلك حاصلاً بمشيئة من الله عز وجل وهو غير مراد؛ فلو كان المراد من إرسال الرسول أن يكون الرسول بعد الإرسال ضالاً وذلك ممتنع، ولكنه أرسل الرسول واصطفاه ليكون هادياً، فكأن مشيئة الختم فيه شيء من ليس مقصوداً.
شوف تعليقك وتعليق بعضكم ذهب إلى أن الكلام في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك لم يذكر هذا. لا أولاً هو ذكر، هو ذكر ﴿فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ هو ذكر. ثانياً أن يكون تهويلاً، أولاً أن يكون تهويلاً أولى. لحظة يا محمد، أنا أعلم أنك ستجيب، أنا أريد غيرك أن يعمل. أولاً هو ذكر أختنا الكريمة، هو ذكر ﴿فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ فليس فيه تنزيه هذا أولاً ذكر، ثانياً العكس هو المطلوب أن يذكر تهويلاً، يعني أن الذي فيه تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال: فإن يشأ الله أن يختم على قلبك يختم على قلبك.
ها من رفع يده غير محمد؟ طيب تفضلي. طيب ما الذي يصرفه عن كونه ليس مراداً، وإنما هو من مساق الكلام في باب الإثبات؟ الله عز وجل قال للنبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: 44-46]. هو الفرق بين الإظهار وعدم الإظهار هو كون الأمر مهولاً أو غير مهول فقط، هذا هو الفرق، لا علاقة له بكونه قابلاً لوقوع أو غير قابل للوقوع. ﴿فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾، ﴿فَإِن يَشَإِ اللَّهُ أَن يَخْتِمَ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾، ختم على قلبك أو يختم على قلبك، خلاص. لكن في كل من الأمرين هو لم يقع، وفي كل من الأمرين أو الهيئتين أو الحالين المفعول موجود، لكن مرة ظاهر ومرة مقدر، هو موجود في الحالين أصلاً. لا يصرف تقديره شيئاً، تقديره هنا لا يصرف شيئاً هو موجود بأصله، لو نتكلم على أصل المعنى لن يصرف، والكلام على الصرف وعدم الصرف هذا رجع إلى أصل المعنى، وأصل المعنى حاصل بالتقدير، هو مقدر موجود. ولو قلنا بتنزيه وكذا، فالتنزيه في الذكر ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَن يَخْتِمَ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾، يعني أن يفعل هذا الأمر العظيم في حقك يختم على قلبك أو ختم على قلبك. طيب من عنده جواب آخر؟ لو تتكلم يا أيوب أفضل أنا حتى لا أفتح الـ...
آه، سهل. طيب على كل حال، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تفضل، فيما يبدو لي أن الإضمار هنا أو الحذف إنما كان للقطع والجزم بالمشيئة، هو ليس محتاجاً، يعني الأمر ممضي وليس بحاجة إلى أن يظهر الختم، أن يختم على قلبك ختماً أو كذا.
طيب، كان قطع! أقول: ألا ترون، وأنا لذلك أجلت الكلام على بيت المجنون؛ نفس الإشكال الذي وقع عند محمد في بيت المجنون وقع. طيب، آه نسيت محمداً، تفضل يا حماري.
أعني مولانا، نعم حتى إن إشكال المجنون تقريباً حل عندي أيضاً تماماً، وهو شفت إزاي الآية حلت إشكال المجنون صح؟ أيوه، لذلك قلت لك أجله إلى موضع آخر. نعم، نعم صحيح. الموضع هنا هو أن في هذا الحذف دلالة أكبر على القدرة. أحسنت، أنه حتى إذا كان الأمر هو ختم على قلب نبي فهو عند الله يسير، ﴿فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ وانتهى، صح، يعني فيه تهوين الأمر، أن كل شيء هين في فعل الله. ﴿فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾، فأنزله منزلة أي إنسان آخر، يعني هذا لا يكبره السامع، لا يكبر أن يختم الله على قلب نبي، لا، هذا منزلة الذي لا يكبره السامع، عادي، الله في حقه لا شيء يعظم. فانظر ﴿فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ تشبه إن شئت قلت، يعني إن شئت أن أقول، قلته بس لكن هي في النص في حق الله لا في حق الله تحصل عادية عادية في حق الله ﴿فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ هذا ليس مما يكبر في حق الله، لأن هذا الفعل فعل الله تعالى، رأيتم؟
طيب، تعال إلى المجنون، انظر: فأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي. لو قال: فأنت التي إن شئت أن تشقي عيشتي، كان قد أكبر شأن العيشة وهو يريد أن يجعل لها السلطان الأكبر، وكان يتكلم عن فعله عن فعلها هي لا عن فعله هو، فأنت التي إن شئت أنت تفعلي، وأضمر الكلام حذفه، وأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي بمجرد المشيئة، وأنت التي إن شئت أنعمت بالي. هذا كله يقولها في فتاة تنام ويقع ريقها على وسادتها، يعني شيء عجيب أمر العشاق هذا بلاء، وإحنا نقعد نشرح، وإحنا نقعد نشرح لوحدة بقى ربما لم تفهم الكلام. عجيب، لما كتبته قديماً كتابي تذكرت ليلى، هذا كتبته قديماً في الأول في عام 2014 تقريباً أو قبل ذلك ربما لا أذكر، المهم لما كتبته قديماً كنت متضايقاً، كنت ما زلت أتأثر به، ما قيمة القصة والموضوع؟ وأنا مالي أنا واحد عاشق فتاة الله أعلم بها وبشكلها وبعقلها وثقل ذهنها ولا تحبه أو لا تحبه! فحتى أستطيع المضي في الكتاب على راحتي النفسية قلت: أنا أعالج الرجل وشعره، لا أعالج حاله وحباً وكذا، خلاص إن شاء الله يكون كان يحب نعلاً في تعبيرنا المصري، بحب شبشب، إن شاء الله يحب شبشب أنا مالي، لكن أخرج قصيدة وكانت هناك حالة تحتاج إلى معالجة لغوية، بس خلاص، إن شاء الله يكون حب شبشب أنا مالي، لأن صورة ليلى تطاردني، يعني ما الذي يشفع لها؟ لا توجد دلائل ولا إشارات في الروايات على أنها كانت شيئاً يستحق هذا الذي يفعله، فكان هذا يضيقني على مستوى شخصي يعني.
طيب أما الآن فصارت طبيعة فينا كسجية أن نتعامل مع اللغة من حيث نفسها. قال الله تعالى ﴿فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ وقال عز اسمه: ﴿وَمَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 39]، ليس ومن يشأ الله أن يضله، لا، هذا في حق الله عادي. وبيت المجنون في المشيئة على هذا الحد، قال: ونظائر ذلك من الآي ترى الحذف فيها المستمرة، يعني هو الأكثر، هو المطرد المستمر، يعني الأكثر المطرد، ونظائر ذلك من الآي ترى الحذف فيها المستمرة.
طيب، قال: ومما يعلم أن ليس فيه لغير الحذف وجه قول طرفة: وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوي من القد محصحص يعني لو قال وإن شئت ألا ترقل لم ترقل، وإن شئت أن ترقل لأرقلت، هذا كلام سخيف جداً.
وقول حميد: إذا شئت غنتني بأجزاء بيشة ... أو الزرق من تثليث أو بيل لملمة مطوقة ورقاء تسجع كلما ... لنا الصيف وانجاب الربيع فأنجم
وقول البحتري: إذا شاء غادى صرمه أو غدا على ... عقائل سرب أو تقنص ربرب
وقوله: لو شئت عدت بلاد نجد عودة ... فحللت بين عقيقة وزرود
معلوم أنك لو قلت: وإن شئت ألا ترقل لم ترقل، أو قلت إذا شئت أن تغنيني بأجزاء بيشة غنتني، وإذا شاء أن يغادى صرمه غادا، ولو شئت أن تعود بلاد نجد عودة عدتها؛ أذهبت الماء والرونق، يعني معلوم أنك لو قلت هنا جواب لو، لو قلت كذا وكذا وكذا في الأمثلة السابقة أذهبت الماء والرونق، وخرجت إلى كلام غث ولفظ رث، أذهبت الماء والرونق وخرجت إلى كلام غث ولفظ رث. طبعاً إذاً لا يقول المعنى واحد إلا من لا يعرف البيان أصلاً، إلا من لا يعرف البيان. وتلاحظون يا إخوة هنا أن هذا عند العامة، يعني العبارات التي ذكرها الآن هي عند العامة نافقة سائرة، وإنما الكلام يؤخذ من أهل الذوق والفهم.
قال: وأما قول الجوهري، يا سلام، دخلنا في شيء جديد، وأما قول الجوهري، هنا نكتة جميلة جداً أيها الإخوة والله رائعة، يقول: وأما قول الجوهري: فلم يبق مني الشوق غير تفكري ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا فلم يبق مني الشوق غير تفكري، فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا. آه لا تعال بقى، قبل أن نقرأ دعوني أشرح لكم القضية، قبل أن نقرأ لأنها يسيرة جداً، وتعلمون ما شاء الله عبد القاهر يجتهد في إفهام وتراه يقلبه من الوجوه. تعالوا نلخصها الأول، هو يقول وقع الظهور هنا، ظهور المفعول ﴿أن أبكي﴾، فلو شئت أن أبكي بكيت تفكراً، يعني لم أبكِ دمعاً، لم أبكِ دماً، بكيت تفكراً. لو قال فلو شئت بكيت تفكراً أهدر الكلام، لماذا؟ لأن الغرض هنا هو المفارقة بين المفعول وتفسير المفعول، بينما كنت ستضمره وبين تفسيره، لأنك قلت في الباب من الأول ماذا؟ الإضمار على شريطة التفسير، صح؟ هذا الذي سيأتي تفسيراً ليس شرحاً للمضمر بل مباين، ليس شرحاً للمضمر بل مباين، ليس تفسيراً بل هو شيء مباين، فأراد أن يصدمك فوضع لك البكاء العادي، ثم وضع لك البكاء التفكر؛ ﴿أن أبكي﴾ التفكر. لما قال لك فلو شئت أن أبكي أنت استحضرت الدمع، قال بكيت تفكراً، فهو يقابل لك بين شيئين أصلاً. يقول فقد نحى به نحو قوله: ولو شئت أن أبكي دماً لبكيت، يعني في إظهار الشيء. لماذا قال فأظهر مفعول شئت ولم يقل فلو شئت بكيت تفكراً؟ لأجل أن له غرضاً لا يتم إلا بذكر المفعول، هذا الغرض أيها الإخوة هو المفارقة بين المفعول الذي حسبت أنه ينبغي أن يحذفه وبين تفسيره؛ فلو حذف أوهم التفسير والاتفاق، ولكنه أظهر لأجل غرض بيان الفرق، وأن الثاني ليس تفسيراً للأول، كما تقول مثلاً: تقول إن شئت هجرك هجرتك هجراً لا رجعة فيه ولا أمل، خلاص إن شئت هجرك هجرتك هجراً لا رجعة فيه ولا أمل، فأنت تفارق بين هذا وذاك.
طيب، قال كيف الآن سيشرح؟ قال: وذلك أنه لم يرد أن يقول ولو شئت أن أبكي تفكراً بكيت كذلك، ولكنه أراد أن يقول قد أفناني النحول فلم يبق مني وفي غير خواطر تجول، قد أفناني نحولي فلم يبق مني وفي غير خواطر تجول، حتى لو شئت بكاءً فمرت شؤوني، خلاص، يعني الشؤون هي مجاري الدمع، حتى لو شئت بكاءً فمرت شؤوني وعصرت عيني ليسيل منها دمع لم أجده، ولو خرج بدل الدمع التفكر، فالبكاء الذي أراد إيقاع المشيئة عليه مطلق مبهم غير معداً إلى التفكر البتة، والبكاء الثاني مقيد معداً إلى التفكر، وإذا كان الأمر كذلك صار الثاني كأنه شيء غير الأول، وجرى مجرى أن تقول: لو شئت أن تعطي درهماً أعطيت درهمين، في أن الثاني جرى مجراه في أن الثاني لا يصلح أن يكون تفسيراً للأول.
ها، بقطع النظر عن رأي في البيت، بقطع النظر عن رأي في البيت الآن لكن فهم الموضع، فهم الكلام أن تفارق بين المفعول وتفسيره أو ما كنت تريد أن يفسر بعد الإضمار، أن يفسر به نعم. طيب، طيب فهم الكلام يا إخوة؟ الجميع فهم؟
قال لحظة، قال: واعلم أن هذا الذي ذكرنا ليس بصريح أكرمت وأكرمني عبد الله، اللي هو ذكر أنه من الأمثلة كتب النحو وكلام الناس الذي لا يعبأ به إلى آخره ويظن أنه ليس وراءه إلا ذلك، قال واعلم أن هذا الذي ذكرنا ليس بصريح أكرمت وأكرمني عبد الله، ولكنّه شبيه به، يعني قضية شئت وكذا، طبعاً هو يرجع إليك بعد الاستطراد مع المشيئة، وقبلها مع كذا يقول لك طبعاً هو بدأ بأكرمته.
انظر في صفحة 163، قال: وهذا نوع آخر، خلاص الإضمار على شريط التفسير، فيقول لك هذا ليس منه، يقول ليس بصريح أكرمت وأكرمني عبد الله، ولكنّه شبيه به في أنه إنما حذف الذي حذف من مفعول المشيئة والإرادة؛ لأن الذي يأتي في جواب لو وأخواتها يدل عليه، يعني هو يلتقي معه في البلاغة وإن كان مختلفاً عن صورته النحوية في أكرمني وأكرمته، أو أكرمني وأكرمتهم، المفعول أكرمت وأكرمني عبد الله ليس بصريح في الصورة، ليس بصريح أكرمت وأكرمني عبد الله في الصورة النحوية للجملة التامة، ولكن هو شبيه به، يعني يشترك معه في الفائدة والنكتة البلاغية البيانية، في أنه إنما حذف الذي حذف من مفعول المشيئة والإرادة، لأن الذي يأتي في جواب لو وأخواتها يدل عليه. وحتى قال لك لو وأخواتها، قال: وإذا أردت ما هو صريح في ذلك، ثم هو، يعني كالذي أكرمني أو أكرمت وأكرمني عبد الله تريد صريح ذلك الهيئة.
النحوي، لكن انظر ماذا قال. ثم هو نادر؛ لأن الأول كان من الأمثلة الصريحة التي يُعبأ بها ولا يُظن وراءها شيء. خلاص، لكن إذا أردت ما هو صريح في ذلك، لكن ثم هو نادر لطيف، يعني ليس كـ "ضربت وأكرمت"؛ هذا مثال نحوي للشرح، لكن هذا نادر لطيف ينطوي على معنى دقيق وفائدة جليلة. فانظر إلى بيت البحتري: قد طلبنا فلم نجد لك في السؤدد والمجد والمكارم مثله.
قد طلبنا فلم نجد مثله، هذا هو؛ قال المعنى: قد طلبنا لك مَثَلًا، ثم حذف؛ لأن ذكره في الثاني يدل عليه. ثم إن للمجيء به كذلك من الحسن والمز والرَّوعة ما لا يخفى، ولو أنه قال: قد طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مَثَلًا فلم نجده، لم تَرَ من هذا الحسن الذي تراه شيئًا. وسبب ذلك أن الذي هو الأصل في المدح والغرض بالحقيقة هو نفي الوجود عن المثل، فأما الطلب فكالشئ يذكر ليبنى عليه الغرض ويؤكد به أمره. يعني أنت تريد أن تثبت له المِثلية أم تنفي المِثل عن الغرض؟ هل أنت الآن تمدحه بإثبات الصفات له أم بنفيها عن غيره؟ في هذا السياق لم أجد لك مثيلًا، أنت تمدحه بنفي المثيل أم بإثبات الصفات الحسنة التي لا مثيل لها أو لا يتلبس بها مثيل؟ بنفي المثيل.
طيب، وذكر الطلب، طلب المثيل أنت تذكره لتبني عليه النفي؛ إذاً مقتضى المقام أن تحذف المثيل من الطلب. قال وسبب ذلك، شوف يا أخي التعليل، هو ده الكلام هذا ما أراده في بلاغة عبد القاهر، وسبب ذلك أن الذي هو الأصل في المدح والغرض بالحقيقة، يعني أيضًا الذي هو الغرض بالحقيقة، هو نفي الوجود عن المثل، فأما الطلب فكالشئ يذكر ليبنى عليه الغرض ويؤكد به أمره. وإذا كان هذا كذلك، فلو أنه قال: قد طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مَثَلًا فلم نجده، لكان يكون قد ترك أن يوقع نفي الوجود على صريح لفظ المثل، وأوقعه على ضميره، ولن تبلغ الكناية مبلغ التصريح أبدًا. يعني أنه لما حذف المفعول في الأول أظهره في الثاني، ولم يُكَنِّ عنه بالضمير في الثاني. فلو ذكره في الأول، يعني هو لما حذف المفعول في الأول أظهره في الثاني ولم يكُنَّ عنه بالضمير، فلو ذكره في الأول كَنَّى عنه بالضمير في الثاني. فانتبه إلى المقصود، يعني تقول سنأتي، ربما بحثت فلم أجد مَثَلًا، هذا قوي؛ بحثت عن مثل فلم أجد، أو لم أجده، هذا ضعيف. بحثت فلم أجد مَثَلًا، بحثت عن مثل فلم أجد، هذا ضعيف.
قال: ويبين هذا -يعني أن الكناية لا تبلغ مبلغ التصريح- وانتبهوا هنا أيها الإخوة، المقصود بالكناية هنا الضمير، هو يسمى كناية في اصطلاح كثير من النحاة، يقولون الضمير هنا كناية عن فلان، يعني يرجع إلى فلان، إلى كذا، أو إلى الاسم الفلاني، فالضمير كناية عن كذا، كَنَّى عن كذا. راجعوا في ذلك شرح الأنباري على القصائد السبع الطوال، المعلقات المعروفة بالمعلقات، راجعوا شرح الأنباري على القصائد السبع الطوال، يذكر كلمة الكناية عن الضمير، في الضمير كثيرًا، نعم يجعل الضمير في مقابل التصريح، الضمير الكناية في مقابل التصريح.
قال: ويبين هذا كلام ذكره أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان والتبيين، طبعًا يقال البيان والتبيين، والبعض يعترض يقول البان والتبين، وأنا أكتب لك الفصل حتى تستبين الذي هو المراد، قال: والسنة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطب ويقصر المجيب. ألا ترى أن قيس بن خارجة كان الخطوبة والجواز بخُطبة الخاطب يقف، ليس إلا، أزوجني، زوجتك، لا زوجتك، قبلته، لا لا، هذا واني أطلب بنت الفلاني الذين هم، والسجع بقى والمزاوجة، يجيب يقصر أيضًا، يخطب ويمدح لكن بخُطبة قصيرة لأنه يرضي أبا العروس، كان العرب يخطبون بالاسم، يخطبون الفتاة بخُطبة، يخطبون الذي هو قبل النكاح الخطبة، بخُطبة كان يفعلون الخطبة بخُطبة، يعني القصة سوداء، هذا جميل والله جدًا، شوف يمدحها ويمدح أباها وكذا حتى إذا عاب أو تكلم فيها أو شيء في أهلها، أنت ناسي يطلع لك الرقاع اللي مسجلة الخطبة، نأتي لك بالحفاظ الذين حفظوها ويروون الناس ويدرسون في الحلقات.
والسنة في خطبة النكاح، شوف خطبة النكاح، كأنه بيتكلم عادي في خطبة نكاح عادي، يعني خِطبة، يخطب في النكاح، يعني بيخطبها في العرصة، والله أهل الذوق رحمهم الله فعلًا، بيخطبها في العرصة، عرصة الحي ولا ساحة الحي خارج في دار كده، أو جاي في عرصة الدار، ويحضر الناس وفلان بيخطب واحدة بيخطبها، ويخطب تعالوا نسمع خطبة النكاح. والسنة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطب ويقصر المجيب، ألا ترى أن قيس بن خارجة بن سنان لما ضرب سيفه مؤخرة راحلة الحاملين في شأن حمالة داحس والغبراء وقال: ما لي فيها؟ أيها العشمان، قال: لا ما قال، بل ما عندك؟ قال: عندي قِرى كل نازل ورضا كل ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل وأنهى فيها عن التقاطع. قالوا فخطب يوماً إلى الليل، خطب يوماً إلى الليل، طبعاً قال هنا العشمان، رجل عِشَمَة وعجوز عِشَمَة، يعني كبير هرم يابس من الهزال، قال: بل ما عندك؟ قال: عندي قِرى كل نازل ورضا كل ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل وأنهى فيها عن التقاطع.
قالوا فخطب يوماً إلى الليل فما أعاد كلمة ولا معنى، فقيل لأبي يعقوب، فقيل لأبي يعقوب، هو إسحاق بن حسان الخريمي، قال: فقيل لأبي يعقوب هلا اكتفى بالأمر بالتواصل عن النهي عن التقاطع؟ أو ليس الأمر بالصلة هو النهي عن القطيعة؟ قال: أوما علمت أن الكناية -هنا الكناية بالمعنى العام يعني عدم التصريح- أوما علمت اللي هو الإضمار يعني الإضمار أيضًا بمعناه الواسع، أوما علمت أن الكناية والتعريض يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف؟ الكناية والتعريض، كناية تضمر، تعريض تشير، انتهى الفصل الذي أردت أن أكتبه، فاقرأ بصرك هذا، أن لن يكون إيقاع نفي الوجود -شوف كله هذا يشرح ما فات- خلاص، أن لن يكون إيقاع نفي الوجود على صريح لفظ المثل كإيقاع على ضميره، ليقول لك في الأخير قد طلبنا فلم نجد مَثَلًا فلانه، يُمَنِّي في الوجود، أظهر الاسم عند النفي لم نجد مثله، وأضمر أو كَنَّى حذف يعني هنا عنده طلبنا فأضمر في طلبنا، نعم حذف المفعول كما ترى، كل الكلام هذا في حذف المفعول به.
قال: وإذ قد عرفت هذا، وإذ قد عرفت هذا، فإن هذا المعنى بعينه قد أوجب في بيت ذي الرمة أن يضع اللفظ على عكس ما وضعه البحتري، إيه ده؟ يعني اللي هو الاهتمام الذي هو أن تضع أن تضع الاسم الظاهر التصريح، أن تبرزه أن تذكره وألا تحذفه، ها أن تفعل هذا عند مرادك، وأن تُضْمِر عند الجزء الأخف، هذا قد دفع ذا الرمة أن يضع اللفظ على عكس ما وضعه البحتري، كيف؟ تعالى، قال فيعمل الأول من الفعلين، فيعمل الأول من الفعلين، وذلك قوله:
ولم أمدح لأرضيَه بشعري لئيمًا أن يكون أصاب مالا أعمل لم أمدح الذي هو الأول في صريح لفظ اللئيم، يعني ولم أمدح لئيمًا، وأرضه خلاص الذي هو الثاني في ضمير، يعني هو الكلام ولم أمدح لئيمًا لأرضيه، يعني عكس عكس موضوع البحتري، البحتري يقول طبعًا هو قالك عكس البحتري، البحتري يقول: قد طلبنا فلم نجد لك مِثلًا، قد طلبنا فلم نجد لك مِثلًا. هنا يقول: ولم أمدح لئيمًا لأرضيه، فعكس المواضع، أظهر في الأول.
خلاص، قال لماذا؟ لماذا فعل ذو الرمة هذا؟ وذلك لأن إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحًا والمجيء به مكشوفًا ظاهرًا هو الواجب من حيث كان أصل الغرض، وكان الإرضاء تعليلاً له، كان الإرضاء تعليلاً له خلاص ولم أمدح لئيمًا لأرضيه هو تعليل، هل الإرضاء هو الأصل؟ لا، المدح هو الأصل، هو المشكلة الكبرى هو الأساس، أما الإرضاء تعليل، نعم أمدحه لأرضيه، أنا أمدح هو أراد تفضي على المدح، ولم أمدح لئيمًا لأرضيه، ولو أنه قال ولم أمدح لأرضيَه بشعري لئيمًا، لكان يكون قد أبهم الأمر فيما هو الأصل، وأبان فيما ليس بالأصل فعرفه.
طيب هل واضح إلى الآن الكلام؟ ها واضح؟ جميل، ولهذا الذي ذكرنا ولهذا الذي ذكرنا من أن للتصريح عملاً لا يكون مثل ذلك العمل للكناية، ها لا يكون مثل ذلك العمل للكناية، كان لإعادة اللفظ في مثل قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: 105] وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 1-2] من الحسن والبهجة ومن الفخامة والنبل ما لا يخفى موضعه على بصير. وكان لو ترك فيه الإظهار، وكان هذا على نفس القاعدة مطرد، وكان لو ترك فيه الإظهار إلى الإضمار فقيل وبالحق أنزلناه وبه نزل، وقل هو الله أحد هو الصمد، لعدمت الذي أنت واجده الآن، لعدمت الذي أنت واجده الآن. وهذا تحت مبدأ عام أيها الإخوة، هو أن الإظهار يكون عند الغرض؛ لأن التصريح أقوى من الكناية على هذه المعاني التي قلناها، وقل مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: 1-4].
جلست في مرة زارني في البيت ملحد شاب ملحد، وعرض علي هذا، قال: مقتضى البلاغة أن تقول قل أعوذ برب الناس ملكهم إلههم، ولكن ملك الناس إله الناس، قل أعوذ برب الناس، فلماذا أظهرت الناس وكذا؟ هذا على نفس القاعدة فكرة، الفكرة العامة ليس في نفس الباب ليس من نفس النوع كما قال عبد القاهر، الفكرة العامة الفكرة العامة خلاص، ليس نفس الباب أصلًا، لكن فكرة أنك تظهر عند الاهتمام، فهو حَسِبَ أن ذلك ضد البلاغة لأنه لم يدرك الوجه الذي وقع به الاهتمام. وحينها شرحت وقلت أن الجر في ملك الناس إله الناس، أن الجر الذي وقع أو الاتباع الذي وقع هنا، إنما هو اتباع على وجه البدلية، والبدل إنما تكون في نية أو على نية إعادة العامل، وعلى هذا تكون كل آية كلامًا جديدًا، وكان الله تعالى يقول للنبي صلى الله عليه وسلم قل يعني يا محمد أعوذ برب الناس، أعوذ بإله الناس أو بملك الناس أعوذ بإله الناس، قل أعوذ برب الناس، قل أعوذ بملك الناس، قل أعوذ بإله الناس. نعم فالأمر في لفظ الناس ليس على ترديد صوت السين فقط كما قال، وإنما هو إظهار ما كان شأنه الإضمار لولا الغرض البلاغي، وهذا باب كبير يشمل البلاغة كلها، وهو مبدأ عام هو الإظهار في موضع الإضمار. وشكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد