دخولتسجيل الدخول

الدرس 19 - من صفحة 142 إلى صفحة 157

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا التاسع عشر من مجالسنا في شرح الكتاب المبارك دلائل الإعجاز للإمام الشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه في الدارين آمين. تعلمون أيها الإخوة أننا في أثناء المحاضرة الماضية توقفنا عند الصفحة الثانية والأربعين وما بعدها، عند قوله -طبعا نحن قرأنا بعدها- إنما أريد التعليق الذي طلبته من بعضكم أو من جميعكم على قوله: «ليس يصلح من ذلك إلا على ما تراه، ليس يصلح شيء من ذلك إلا على ما تراه»، لو قلت: رأيته ويكتب، ودخلت عليه ويملي الحديث، وتمزجها، ويدعو الديك صباحه، لم يكن شيئا.

وحاورني وناقشني بعض إخوانكم في ذلك، ووقع كذلك النقاش خارج التسجيل مما لم يسجل، وانتهينا في الأخير إلى أصل جامع أيها الإخوة، وهو أن الأمر يتعلق بصلات الكلام، وأن كل صورة لها ما يقضي فيها، وأن هناك من الصور ما هو معقد ليس على ظاهره. ولكن في عين ما نحن بصدده أقول: الجملة الاسمية تستقل ببنائها ولا ترتبط بما قبلها؛ الجملة الاسمية في صدد ما نحن فيه، لو قلنا: هو يكتب.

فأقول: الجملة الاسمية تستقل ببنائها وبإسنادها ولا ترتبط بما قبلها بسبب، وهو الضمير الذي يشد الجملة الحالية إلى ما منه الحال؛ فهنا تقع الملابسات الحالية إذا ما صدر الفعل، خلاص دون ما إشكال، كما رأيته في «رأيته يكتب». لماذا جاز «رأيته يكتب»؟ لماذا جاز «رأيته يكتب» دون «رأيته ويكتب»؟ لماذا جاز «جئته يقرأ» دون «جئته وهو يقرأ»؟ نتكلم يا عقيل عن خصوص ما نحن فيه، خصوص هذا الموضع لا الفواصل الأخرى بـ «قد» أو نحو ذلك؛ لأن النقاش قد حصل في هذه الفروع، وانتهينا إلى أن القضية قضية علاقات في استقلال الجملة وتأثير الإسناد الذي يحصل فيها. قل يا عقيل مقصدك؛ لأنه «رأيته هو يكتب»، هذا الضمير إذا كان ضمير الفصل فهو في موقع آخر، لكن إذا كان مبتدأ وخبرا فيكون الكلام... نعم، الكلام على الموضع الذي يتكلم فيه عبد القاهر، لذلك نبهت، قلت: عين ما نحن فيه، ونبهت، قلت: هناك صور كثيرة، ويكون لكل صورة حكمها، لكن في عين ما نحن فيه، يعني إذا نحن الآن نربط السياق بكلام عبد القاهر.

لو في هذا الموضع لو قلت: «رأيته ويكتب»، لم يكن شيئا كما قال عبد القاهر، لو قلت: «رأيته يكتب»، كان صحيحا؛ لماذا؟ «جئته يقرأ»، كان صحيحا؛ لماذا؟ لأنك سترى في الجملة الفعلية «يكتب» صلة، هي صلة الضمير الفاعل، تشد الكلام إلى بعضه، تشد الحال إلى موضع الحال أو ما منه الحال، بخلاف ما لو قلت: «هو يكتب»، لو قلت: «رأيته هو يكتب»، كان ذلك كالكين. نعم، هما في موضوع واحد، أنك رأيته ثم قلت هو يكتب، لكن صار كأنك تستأنف كلاما جديدا في نفس الموضوع، تخبر خبرا جديدا، فاحتج إلى شيء من الصلة. هذه الصلة هي الواو التي فيها معنى الحال، والتي بقي فيها معنى العطف كما قال العلماء؛ لأن بعض المحققين يقول: الحق أن الواو لا تخلو من معنى العطف، هو قدر فيها حاصل. مهما جاءت هذه الواو، كانت للابتداء، كانت للعطف، كانت للتفسير، كل ما تشكلت فيه من المعاني لا يمنع أنها تحمل في جسمها معنى العطف، ومعنى العطف هنا يحدث ربطا بين الكلامين.

فلو قلت: «جئته وهو يكتب»، كنت مبتدئا كلاما جديدا مستغنيا بنفسه، لكن لما تقول: «يكتب» وتسكت عند هذا، فالضمير المكتوم في «يكتب» يشد الكلام إلى بعضه، فلا تحتاج إلى الواو، فلو جئت بالواو وقلت: «رأيته ويكتب»، كنت واضعا وظيفة في غير موضعها وزدت كلاما أخل بسبيكة الكلام وبنظم الكلام؛ لماذا؟ لأن وظيفة هذه الواو قام بها الضمير المكتوم في «يكتب»؛ لأنك لن تفهم «يكتب» إلا على أنها حال بسبب الضمير العائد. ولو قلت: «هو يكتب»، صارت «يكتب» خالية من ذلك؛ لإسناد جملتها بما فيها إلى الضمير إلى المبتدأ، خلاص «هو يكتب»، فأنت أخبرت عنه، فصارت الجملة كلها راجعة على هذا المبتدأ، فصار الكلام مستقلا بذاته، وصار المدلول في كلمة «هو» ما هو مفهوم من السياق في الكلام، أما العبارة فاستقلت، أما تخصيص كونها حالا فلا شيء يستدل عليه من العبارة؛ فجيء بواو الحال التي ربطت، أي: جئته والحال أنه يكتب، جئته وهو يكتب.

فإذا قلت: «رأيته هو يكتب»، «جئته هو يقرأ»، انقطعت صلة الكلام وصار كلامين، فاحتيج إلى الرابط وهو واو الحال، فلو استعملت الواو في «جئته يكتب» أو «رأيته يكتب»، كنت مضيفا وظيفة في غير توظيف، والله تعالى أعلم. ونحن تناقشنا قبل قليل حول هذا وأتينا بصور، وأخونا الحماري قال: طيب وماذا لو كانت... لو كانت، لو كان الفعل الماضي وقلنا: رأينا كيف دخل قد عليها؟ وسألت لأجل كذا، وأختنا تولين ذكرت الآية من القرآن وقلنا يقدر فيه كذا، فهذا الكلام كله -وأخونا عقيل قال لذا الفصل- خلاص، وهو الذي جعل «قد» في الماضي تتناثر مع الاسم في الجملة الاسمية إذا وقعت حالا ولم يصدر الفعل.

وهذا كله يا إخوة في الحقيقة إعمال لسر النحو؛ يعني هذه معاني النحو التي نتكلم فيها ومعاني التركيب. وسترى عبد القاهر، يعني من مزية عبد القاهر ومن انفراده عن كل العلماء، علماء البلاغة من بعده وأيضا من قبله -وإن كان وقع في كلامهم شيء من هذا وإشارات من هذا- لكن مما يميزه عمن جاء بعده من علماء البلاغة التقريرية أنك تراه يعلل بالمعاني والخصائص الشعرية كما سيأتي المعنى اليوم إن شاء الله تعالى، كما سترون يعلل بخصوص معنى البيت: أنه أراد كذا، فلما أراد كذا فعل كذا؛ فهو يأتي القواعد النحوية أو الأصول النحوية والمسائل النحوية من جهة المعنى. وهذا لا يعترض عليه النحاة، ولكنهم يأتون الأصول من حيث نفسها؛ ولهذا، كما نبه عبد القاهر، يقع المفسرون الذين يعلمون النحو فقط، يقعون في مشكلات تفسيرية كبيرة حينما يعملون مطلق المعاني النحوية دون ما يختاره الوجه من المعاني النحوية، ودون علم بالنقد الذي هو علم، وعلم الشعرية التي هي علم مستقل قائم بذاته.

هذه نقطة خطيرة وفاصل كبير بين نحوي صرف، ونحوي أديب كعبد القاهر؛ ولهذا قال ابن رشيق في العمدة: قال أهل العلم بالشعر يبصرون بها أكثر من العلماء بآلتها. أهل العلم بالشعر هم يبصرون أسرار الشعر أكثر مما يبصره العلماء بآلته من نحو وصرف إلى آخره، قال: وإن كانوا دونهم بدرجات، فكيف إذا قاربوا؟ لأنهم كما قلت هنا يوظفون المعاني في النحو وليس العكس. ولهذا يقول عبد القاهر -يقول محمود شاكر-: العلم بالشعر وبالنقد زاد عبد القاهر بصيرة في النحو، جعله مميزا على غيره من النحاة. النحاة لا يعترضون على أن الإعراب يتبع المعنى، وأن المعنى يراد أولا ثم يخدمه الإعراب، ولكنهم يدرسون المسائل من حيث الإعراب، يبدؤون بالإعراب من جهته؛ فعملهم الدائب تناول المسائل، بخلاف علماء النقد والشعر الذين يلجون إلى الإعراب من جهة مرادات الشعراء؛ ولهذا يهتدون، بالضبط يا عقيل، ولذلك يهتدون إلى الوجوه التي لا يهتدي إليها النحاة، يهتدون إلى وجوه من النحو من الجواز، لم يفكر النحاة في أن الشاعر قصد هذا، وهذه قضية خطيرة جدا جدا يا إخوة.

ونستأنف مجالسنا إذ وصلنا إلى الصفحة الثالثة والأربعين، وما قال عبد القاهر رحمه الله: «فصل»، هذا كلام في النكرة إذا قدمت على الفعل أو قدم الفعل عليها، وهذا آخر كلامه يا إخوة في التقديم والتأخير؛ ذكره في الاستفهام، ذكره في النفي، ذكره في الخبر والفعل وكذا، والآن يذكره في النكرة إذا قدمت على الفعل. ما هذه الوجوه؟ خصائص ووجوه ذهب إليها عقل عبد القاهر ليدلل لك على هذا، تسأل: لماذا أتى بكذا ولم يستوعب كذا؟ هو لا يضع لك كتابا في النحو، هو كالمرآة لك وجوها يظهر بها ذلك، هو كالمرآة تجلو لك وجوها يظهر بها ذلك. هذا كلام في النكرة إذا قدمت على الفعل أو قدم الفعل عليها، كل هذه يا إخوة من صور التقديم والتأخير تؤثر في المعنى، وكل تقديم وتأخير كما مر معنا يؤثر في المعنى.

قال: ماذا يا محمد مولانا؟ أتعني الآن أن هذه الأبواب أوردها من باب أن يمثل، لا من باب أن يأتي بكل أبواب التقديم والتأخير؟ تقول: لحظة، ماذا قال الإخوة؟ أنتم تسألون؟ آه يعني أخونا مثلا محمد يقول: تعني أن هذه الأبواب من باب التمثيل؟ نعم، طبعا من باب التمثيل، وهي أبواب ذكرها تظهر بها المزية؛ يعني يا إخوة، هل عبد القاهر مثلا لما ذكر الآية: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود: 44]، هل لأن هذه الآية تتفوق على غيرها من القرآن؟ الراجح أن القرآن على قدر واحد من البلاغة لا يتفاوت. هل عبد القاهر يرى أن هذه الآيات الأخرى في القرآن الكريم لا تفسر بنفس التفسير؟ تفسر بنفس التفسير، لكن اتفق أن في هذه الآية من الوضوح ومن الصور والتأثير في النفس ومن سرعة ذهاب الخيال إليها ما ليس مثلا في سورة الفاتحة، مع تساوي الفاتحة مع ما في قدرها من القرآن، يعني الفاتحة يمكن إذا كنت من المشتغلين بالقرآن وببلاغته وطال عليك ومد في عمرك يمكنك أن تنفعل بها انفعالك بهذه الآية، وكذلك بقصار السور. نعم، فهذه كلها نعم صور من التقديم والتأخير تؤثر في المعاني، وكما مر معنا كل تقديم وتأخير يؤثر في المعاني، هو عبد القاهر اختار لك... انظر لماذا قدمت؟ هو الآن لم أقل عبد القاهر اختار لك، قلت هو، عبد القاهر اختار لك لماذا جئت به؟ هو عبد القاهر لماذا أكدت بهذا الأسلوب؟ لأقول لك هو فعل هذا، يعني هو يقصد إلى هذا وليس شيئا شائعا، أقول هو عبد القاهر قصد إلى انتقاء وجوه يظن أنها تظهر لك بها المزية، كما شرح لك على أبيات وعلى آيات تظهر لك بها المزية. نعم، يعني عنى ذلك وقصد إليه.

قال: «إذا قلت: أجاءك رجل؟ فانت تريد أن تسأله هل كان مجيء من واحد من الرجال إليه، فأنت سألت عن المجيء، لا تعلم أن المجيء قد حصل». فإن قدمت الاسم، فقلت: «أرجل جاءك؟»؛ يعني رجل نكرة، «أرجل جاءك؟»، فأنت تسأله عن جنس من جاءه، يعني عن الذكور والأنوثة، أرجل هو أم امرأة؟ ويكون هذا منك إذا كنت علمت أنه قد أتاه آت، ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتي. فسبيلك في ذلك، إذا أردت أن تعرف عين الآتي، فقلت: «أزيد جاءك أم عمرو؟»، يعني في كل من الحالين أنت قدمت الاسم، لما قدمت الاسم العلم أو قدمت النكرة، فأنت لا تسأل عن الفعل أو عن وقوع الفعل الذي وقع من علم مرة أو معرفة، ووقع من نكرة مرة. نعم، فيقول: فسبيلك في ذلك، يعني حين تقدم الاسم حتى وإن كان نكرة، سبيلك إذا أردت أن تعرف عين الآتي، فقلت: «أزيد جاءك أم عمرو؟»؛ يعني في كل من الحالين سواء سألت عن النكرة عن الجنس فقلت: «أرجل؟»، أو سألت عن العين فقدمت العلم أو المعرفة فقلت: «أزيد جاءك أم عمرو؟»، في كل من الأمرين أنت لا تسأل عن الفعل، إنما يكون هذا منك إذا -كما يقول- كنت علمت أنه قد أتاه آت، بعد الفعل، وقع بعد ذلك تسأل عن الاسم. إذا كنت تسأل عن جنسه نكرت: «أرجل جاءك؟»، إذا كنت تسأل عن عين عرفت: «أزيد جاءك؟».

قال: ولا يجوز، كما في اللامية المنسوبة إلى الشنفري، المعروفة بلامية العرب، فقالوا: لقد هرّت بليل كلابنا، فقلنا: أذئب عسّ أم عسّ فرعلُ أذئب أم فرعل هو الذي عسّ؟ خلاص. فقالوا: فقلنا: «أذئب عسّ أم عسّ فرعلُ؟». انظر إلى القول الأول، السؤال الأول: «أذئب عسّ؟»؛ يعني الذي عسّ ذئب، ثم قال: «أم عسّ فرعل؟». هل السؤال الثاني، ركز معي الآن، هل السؤال الثاني غير مجرى معرفة الفعل أنه وقع؟ تعال الآن أقف على هذه، سر جميل. هو طبعا زائد على كلامنا هذا، لكن سر جميل؛ ذئب عسّ، هكذا جاء وتجسس في ليل وتسلل ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: 17]، أم عسّ فرعل؟ أنت لو بدأت وقلت: «أعسّ فرعل؟»، اسمع اسمع، لو بدأت وقلت: «أعسّ فرعل؟»، السؤال هنا عن نفس الفعل وقع أم لا، أم عن الفاعل؟ السؤال هنا عن عين الفعل، أحسنتم، السؤال هنا عن عين الفعل. ولكن هنا لا يمكن أن يكون كذلك؛ لأنه أوضح لك... شوف، انظر القضية تتبع كل سياق، وفي كل سياق عندك له من التأويل النحوي والتأويل الأدبي. «أذئب عسّ؟»، خلاص أنت بتقديمك الاسم وهل هو ذئب أم هو...

كذا من جنس الحيوان أو من جنس المخلوقات، أذئب عس؟ فتسأل عن الذي عس أهو ذئب أم لا مع علمهم كما هو واضح في سياق القصيدة أنه وقع هذا الفعل؛ أم عس فرعل؟ هنا لا يمكنك أن تقول إنهم لا يعلمون الفعل ويسألون عنه، ولكنك يمكنك أن تقول إنهم أنزلوا الفعل منزلة الذي لا يعرف أنه وقع.

وهذا يقتضي الارتقاء والزيادة فيما أسند إليه الفعل مجددًا وهو الفرعل؛ أم عس فرعل؟ شوف أذئب عس أم عس فرعل؟ فتشعر بخطورة أكبر في أن يكون عس فرعل، خطورة ليس في الفرعل نفسه، لا عمومًا، أن يكون ذلك أشد خفاء أو كذا أو كذا. المهم أنه انتقل إلى تغريب جديد، إلى تعجيب جديد على رأي الجرجاني، فقدم الفعل. ولو كان الأمر سيان؛ أذئب عس أم فرعل؟ كان يصح أن يقول؛ صح ولا لا يصح أن يقول أو لا، أذئب عس أم فرعل؟

لكن انظر مما يدلّك على أن تقديم الفعل هنا على غير وجهه وأنه ارتفع في البلاغة في البيت «أم عس فرعل»، هذا يبدأ كلامًا جديدًا وكأنه لا يعلم لما كان الفرعل أمره أشد خطراً وأخفى من الأمور التي يحصل بها التغريب أو شرف المعنى، لما كان كذلك كان كأنه ابتدأ كلاماً جديداً وقال «أم عس فرعل»، فيسأل عن عسعسة جديدة وفعل جديد، رأيتم؟ «أم عس فرعل».

أو ربما قصد بل عس فرعل، وجاء بها على صيغة هذا سيكون من وجوه التغريب، وليس أن «أم» هنا بمعنى بل مباشرة؛ لأن السياق في القصيدة لا يدل على ذلك.

قال: ولا يجوز تقديم الاسم في المسألة الأولى التي فيها ماذا؟ فيها السؤال عن الفعل، عن نفس المجيء التي قلت فيها أجاءك رجل؟ ولا يجوز تقديم الاسم في المسألة الأولى. يا إخوة، لما تقرأ الشعر لا تقرأ هكذا «أذئب عس أم عس فرعل»، لا، أذئب عس أم عس فرعل؛ لأنك إذا قلت أذئب عس أم عس فرعل، كأنك تقول أذئب عس أم فرعل، فحددت تكرار الفعل وتقديمه مع ثبوت أنك في الأول تسأل عن الفاعل لا عن الفعل، وأن الفعل مقرّر، ثم تأتي بنفس العين؛ لأنك لما جئت قلت «أم» فهو الفعل هو الفعل الذي وقع في الكلام «أم عس فرعل» تكرره وتقدمه دون أن تنتبه إلى النكتة البيانية؛ هذا غلط، أكثر الناس يقرأ الشعر هكذا للأسف الشديد، حتى ممن ينسبون إلى العلم والعالمية، يعني أنهم علماء، للأسف.

ولا يجوز تقديم الاسم في المسألة الأولى التي تسأل فيها عن نفس المجيء، جاءك رجل، تريد أن تسأله: هل كان مجيء من واحد من الرجال إليه؟ لماذا؟ يقول: لأن تقديم الاسم يكون إذا كان السؤال عن الفاعل، يعني بعد العلم بالفعل نفسه؛ لأن تقديم الاسم يكون إذا كان السؤال عن الفاعل، والسؤال عن الفاعل يكون إما عن عينه أو عن جنسه ولا ثالث.

وإذا كان كذلك، كان محالاً أن تقدم الاسم النكرة، وهو طبعاً الفصل في النكرة، كان محالاً أن تقدم الاسم النكرة وأنت لا تريد السؤال عن الجنس؛ لأنه لا يكون لسؤالك حينئذ متعلق من حيث لا يبقى بعد الجنس إلا العين، والنكرة لا تدل على عين شيء فيسأل بها عنه.

يعني لو أن شخصاً الآن قال: أنا أريد أن أسأل عن نفس فعل المجيء، فقل: أرجل جاءك؟ فنقول له هذا غلط، سيقول لماذا؟ نقول له: لأنك قدمت الاسم، وتقديم الاسم إما لطلب العين فتأتي به معرفة، أو لطلب الجنس فتأتي به نكرة، وأنت قلت أرجل جاءك، وأنت أمامك شيء من اثنين: إما أن تسأل عن الفاعل العين، عن صاحب الاسم العين، أو تسأل ويكون مدلول الاسم هو الجنس، ولا ثالث.

تقديم كما قال عبد القاهر: تقديم الاسم يكون إذا كان السؤال عن الفاعل، والسؤال عن الفاعل عن شيء من اثنين ولا ثالث، إما عن عينه وإما عن جنسه، إذا سألت بعلم أو معرفة فأنت تسأل عن العين، إذا سألت بنكرة فأنت تسأل عن الجنس، وأنت جئت بالجنس بالنكرة، وأنت جئت بالنكرة فقلت أرجل وقدمته، فإما أن تسأل عن العين أو عن الجنس، والسؤال عن العين لا يكون بالنكرة، بقي لك شيء واحد: السؤال عن الجنس.

طيب ولماذا لا يكون السؤال عن الفعل؟ نقول: قلنا لك السؤال عن الاسم أو تقديم الاسم يقتضي السؤال عن الفاعل، والفاعل السؤال عن الفاعل يكون عن عينه أو عن جنسه، ولا يكون سؤالاً عن الفعل نفسه. فنقول: لم يبق لقولك أرجل جاءني بأن جئت به اسماً وبأن جئت به نكرة إلا السؤال عن الجنس، ولو جئت به معرفة كان السؤال عن العين، ولأنك جئت به على كل حال اسماً فلا تخرج عن العين والجنس، وليس في أحوال تقديم الاسم سؤال عن الفعل بحال.

فإن قلت أرجل طويل جاءك أم قصير؟ كان السؤال عن أن الجائي كان من جنس طوال الرجال أم قصارهم. فإن وصفت النكرة بالجملة، فقلت أرجل كنت عرفته من قبل أعطاك هذا أم رجل لم تعرفه؟ كان السؤال عن المعطي، أكان ممن عرفه قبل أم كان إنساناً لم تتقدم منه معرفة؟ وفي كل هذه الصور أنت قد عرفت حصول الفعل من قبل، بدليل أنك قلت أرجل كنت عرفته من قبل أعطاك هذا أم رجل لم تعرفه.

وإذ قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في الاستفهام، هذا فيما مضى في التقديم والتأخير، وإذ قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في الاستفهام، فابنِ الخبر عليه، سواء كان هذا الخبر جواباً في الاستفهام أو كان خبراً ابتداءً؛ لأن من تخبره فيما تريد أن توصله إليه هو في حكم المستفهم.

لهذا يقول: فإذا قلت رجل جاءني، لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لا امرأة، ويكون كلامك مع من قد عرف أن قد أتاك آت، فإن لم ترد ذاك كان الواجب أن تقول جاءني رجل، فتقدم الفعل. وكذلك عند افتراض السؤال، هو قدّم لك الاستفهام لأن المخبر بالجواب عن استفهام كالمخبر ابتداءً بجامع أن كلاً منهما تضعه في موضع المحتاج إلى الخبر.

يعني إذا جاء رجل وقال لك أرجل جاءك؟ كان محتاجاً إلى معرفة جنس الجائي، فتقول له رجل جاءني، لا تقول له جاءني رجل؛ هذا في كلام العامة سخيف مهدور، لكن تقول له جاءني رجل. طيب، وإذا ذهبت إلى رجل ابتداءً قلت له جاءني رجل، معذرة رجل جاءني، أنت أنزلته منزلة المستفهم عن جنس الجائي وإن لم يسأل، يعني جعلته في مقامه في نفس الاحتياج.

فهمتم هذا يا إخوة؟ ها فهمتم هذا؟ هذا مفهوم كيف أن المخبر دون استفهام في حكم المستفهم في أن كلاً منهما يتلقى الخبر على نفس الوجه الذي يحتاج إليه، فهمتم؟ طيب، قال: وكذلك إن قلت رجل طويل جاءني، لم يستقم حتى يكون السامع قد ظن أنه قد أتاك قصير، أو أنزلته منزلة من ظن ذلك، أو كأنه سألك أرجل طويل جاءك أم قصير؟ فقلت له رجل طويل جاءني.

وقولهم، انتبهوا أيها الإخوة، وأستأذنكم أن تجهزوا معكم الأقلام؛ لأننا سنرى أن نصحح شيئاً هنا من ترتيب الكلام على خلاف نسخة الأستاذ محمود شاكر رحمه الله، وسأنبه إلى هذا بالدليل الواضح.

قال: وقولهم «شر أهر ذا ناب»، إنما قدّم فيه «شر» لأن المراد أن يعلم أن الذي أهرّ ذا الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير، فجرى مجرى أن تقول رجل جاءني، تريد أنه رجل لا امرأة. وقول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى ما أهرّ ذا ناب إلا شر، بيان لذلك.

انتبه هنا، قد أخل الأستاذ محمود شاكر رحمه الله بترتيب الكلام وإعرابه؛ لأن العبارة المنقولة هي من كلام العلماء لا من كلام عبد القاهر، وهذا في كتاب سيبويه. يا إخوة نأتِ لكم به، من كان عنده الكتاب فليحضر الكتاب بدون الشروح، الذي حققه عبد السلام هارون وطبع في الخنجي في مصر، المجلد الأول صفحة 329، لحظة أحضر الكتاب، هذا كتاب سيبويه المجلد الأول.

دعونا نقرأ كلمة عبد القاهر مرة أخرى: يقول: وقولهم «شر أهر ذا ناب» إنما قدّم فيه شر لأن المراد أن يعلم أن الذي أهرّ ذا الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير، فجرى مجرى أن تقول رجل جاءني تريد أنه رجل لا امرأة. وقول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى ما أهرّ ذا ناب إلا شر، بيان لذلك.

هنا على ترتيب كلام محمود شاكر يقول: وقول العلماء إنه إنما يصلح، لأنه بمعنى، فهو جعل قوله لأنه بمعنى... وقول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى ما أهرّ ذا ناب إلا شر، هو جعل تمام الكلام هنا ثم قال بيان لذلك. ألا ترى أنك لا تقول؟ فجعل قوله بيان لذلك من كلام عبد القاهر، خلاص أنه سيبين، وبيان لذلك، وهذا غير صحيح. بل ينبغي أن يتصل الكلام من بعد قوله لأنه بمعنى ما أهرّ ذا ناب إلا شر، بيان لذلك، يعني وقول العلماء قول مبتدأ وبيان خبر.

هذا فضلاً عن الركاكة في قوله بيان لذلك ألا ترى، وهكذا يعني على تقدير هذا بيان لذلك؛ وكان الأستاذ شاكر رحمه الله طالت عليه جملة عبد القاهر، مع أن هذه عادة عبد القاهر في كتابه.

ننظر في كلام سيبويه كما قلنا في الجزء الأول من الكتاب صفحة 329 يقول: وأما قوله «شيء ما جاء بك» فإنه يحسن، وإن لم يكن على فعل مضمر، الأمر في التنسيق، التنسيق ووضع العلامات، يعني هو أنزل كلمة بيان لذلك تحت وجعلها ابتداء كلام جديد ووضع بعد لذلك نقطتين.

سيبويه يقول: وأما قوله «شيء ما جاء بك» فإنه يحسن وإن لم يكن على فعل مضمر، لأن فيه معنى ما جاء بك إلا شيء، ومثله مثل للعرب «شر أهر ذا ناب». أستاذنا أخونا عقيل يقول: أخشى أن تكون الدار والله أعلم لا تفعل ذلك كله، الدار والله أعلم لا تفعل ذلك كله، يعني لا تنزل بها إلى أسفل وتقول بيان لذلك كذا. واضح والله تعالى أعلم.

نعم، فيقول عبد القاهر وقولهم «شر أهر ذا ناب»، إنما قدّم فيه شر لأن المراد أن يعلم أن الذي أهرّ ذا الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير، فجرى مجرى أن تقول رجل جاءني، تريد أنه رجل لا امرأة. وقول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى ما أهرّ ذا ناب إلا شر، كما رأينا في كتاب سيبويه، بيان لذلك؛ يعني هم شرحوا ذلك بذلك. ثم يبتدئ كلامه، ثم يبتدئ كلام عبد القاهر هنا، وهذا كله يشرح لك أن الفعل واقع، وإنما نريد نسبته إلى معلوم حصل منه، خلاص لذلك يشرح قصره على علم مرة وعلى اسم الجنس مرة، تراه يراوح بين هذا وهذا، ثم سيشرح لك المراد من اسم الجنس، فانتبه إلى مراد عبد القاهر وإلى طول نفسه في الكلام.

أخونا عقيل يقول: ألا يمكن أن يكون ذلك بسبب الدار؟ يعني الدار لا تضع نقطة ثم تنزل بيان لذلك وتضع نقطتين فوق بعضهما؟ والله أعلم، لكن هذا يجري كثيراً حتى على العلماء الكبار، يطول الكلام ويحصل السهو، علماء كبار جداً وقع منهم السهو، نحن فقط ننبه إليه ليس أكثر حتى يفهم الكلام على وجهه، لكن لا يعيبهم ذلك، السهو يقع أشد من ذلك أصلاً، بالضبط هذا سهو يقع أشد من ذلك. رجل ما شاء الله حقق كل هذا الكتاب، طبيعي أن يقع منه سهو.

قال: وقول العلماء إنما يصلح، بل يحسن بعبارة سيبويه، ماذا قال سيبويه؟ قال: وأما قوله «شيء ما جاء بك» فإنه يحسن، ويحسن، انظر يحسن.

سيبويه قال يحسن وإن لم يكن على فعل مضمر، لأن فيه معنى ما جاء بك إلا شيء، ومثله مثل للعرب: شر أهر ذا ناب. قالوا: يحسن أيضاً، لا يصلح فقط؛ لأنه بمعنى ما أهر ذا ناب إلا شر.

بيان لذلك، يعني قول العلماء بيان لذلك الذي قاله قبله. نعم، الأستاذ محمود شاكر قال: وقول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى ما أهر ذا ناب إلا شر، وقولهم شر أهر ذا ناب إنما قدم فيه شر؛ لأن المراد أن يعلم أن الذي أهر الناب هو من جنس الشر لا من جنس الخير، فجرى مجرى أن تقول: رجل جاءني، تريد أنه رجل لا امرأة. هو محمود شاكر قال هذا؛ جعل جواز قولهم شر أهر ذا ناب، جعل هذا الجواز لأنه بمعنى قولهم ما أهر ذا ناب إلا شر. هكذا فسر محمود شاكر، وهذا يمكنك أن تحمله على وجه صحيح لكن مع شيء من التعسف إذا ما أنصفت وتجردت. لكن لو قلت وقول العلماء إنه إنما يصلح -لا تنسَ أن هذا كلام عبد القاهر، يعني هو كتبه بيده فهو يستدل- فيقول: وقول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى ما أهر ذا ناب إلا شر، بيان لذلك. يعني بيان لما شرحه عبد القاهر لما أوضح كيف أن تقديم الاسم جعل المراد أن الذي أهر الناب هو كذا وكذا.

فيقول لك: قول العلماء إنه يصلح لأنه بمعنى ما أهر ذا ناب إلا شر، بيان لذلك؛ يعني بيان الذي شر. وضحت الفكرة يا إخوة؟ سننظر في النسخة الأخرى، نسخة محمد إبراهيم شادي أظنه قلد فيها هذا أو جرى على مجراه، لكن سنرى النسخة القديمة الآن. المهم فهمتم المقصود لماذا كان وصل الكلام أجود؟ يعني لو قال تعالوا على وجه محمود شاكر حتى نفهم ونطمئن: وقولهم شر أهر ذا ناب إنما قدم فيه شر، لأن المراد أن يعلم أن الذي أهر الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير، فجرى مجرى أن تقول: رجل جاءني، تريد أنه رجل لا امرأة. وقول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى ما أهر ذا ناب إلا شر. ماذا فعل إلا أن أعاد الكلام الآخر؟ بل على وجه غير موضح، على وجه أقل. فهمتم؟ لكن لما قال بعد أن شرح وأوضح لماذا وكيف يحصل هذا قال: وقول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى ما أهر ذا ناب إلا شر، بيان لذلك. يعني فيه بيان ما قلته وشرحته.

يعني هو يقول لك ما قلته بيان ما قالوه في معنى كذا، بيان لذلك. لكن لو قلنا وقول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى كذا، طيب إذاً ماذا كان يفعل عبد القاهر في كل ما نقرأ العلماء من قبل من شرح؟ أيضاً هو قال لك ينبهك أن قولهم كذا وكذا وكذا من المجمل بيان لذلك الذي شرحته. فهمتم؟ طيب تعالوا نرى النسخة القديمة جداً، وهي أصح من نسخة الأستاذ شاكر -رحمه الله- في كثير من المواضع. انظر، ما في هذه النسخة على ما شرحت تماماً؛ يقول: انظر قال ووضع بعد بيان لذلك نقطة واحدة، وابتدأ بعدها كلاماً جديداً. هو يقول: لأن المراد أن يعلم أن الذي أهر الناب هو من جنس الشر لا من جنس الخير، فجرى مجرى أن تقول: رجل جاءني، تريد أنه رجل لا امرأة. وقول العلماء -شوف بعد امرأة وضع نقطة ثم أتى بعبارة متصلة كاملة- وقول العلماء دون أي حتى علامة ترقيم، وقول العلماء إلا فقط قوسين على الجملة (ما أهر ذا ناب إلا شر)، وقول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى ما أهر ذا ناب إلا شر بيان لذلك. نقطة، وهي كلها جملة في وسط الكلام، ليست لم يبدأ بعدها كلاماً من سطر جديد، لكن وضع نقطة، ثم بعد النقطة: ألا ترى أنك لا تقول... كلام عبد القاهر. رأيت؟ فالنسخ القديمة تؤيد ذلك. وأنا أذكر أنني تأكيداً لصحة هذا أنني صححت ذلك أولاً في النسخة ثم راجعت هذه النسخة أو قرأتها، فوقفت أو لما عارضتها بهذه النسخة وقفت على ذلك، والحمد لله؛ يعني أذكر أنني انتبهت إليها دون مراجعة النسخ؛ لأنني شعرت بركاكة في قوله بيان لذلك كذا وكذا، ثم شعرت أن العبارة الأولى لا تؤدي شيئاً.

يعني أن يقول: وقولهم شر أهر ذا ناب إنما قدم فيه شر، لأن المراد أن يعلم أن الذي أهر ذا ناب هو من جنس الشر لا من جنس الخير، فجرى مجرى أن تقول: رجل جاءني تريد أنه رجل لا امرأة، وقول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى ما أهر ذا ناب إلا شر. نقطة، قول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى... يعني هو يصلح لأنه بمعنى، طيب ماذا فعل؟ ماذا قدمنا بعد الشرح الذي سبق؟ ولا شيء. لكن بيان لذلك يعني لذلك الذي شرحته لك، هو شرح لك بصيغته. يعني وقولهم شر أهر ذا ناب إنما قدم فيه شر لأن المراد كذا، خلاص، ثم يقول هذا كلام عبد القاهر، خلاص، ثم يقول لك: وقول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى ما أهر ذا ناب إلا شر بيان لذلك الذي شرحته لك، هذا هو. يعني أخونا الحميري يقطع خطوة جديدة يقول: كان سيقول بيان ذلك أنه أما بيان لذلك ثم نقطتين فوق بعضهما. يعني شعرت بركاكة شديدة هنا. قال: ألا ترى أنك لا تقول ما أتاني إلا رجل إلا حيث يتوهم السامع أن قد أتت امرأة، ذلك لأن الخبر... أيضاً هنا يا إخوة مهم؛ الأستاذ محمود شاكر يقول -وهو أيضاً نبه إلى النسخة القديمة واختار شكلاً معيناً- قال: ذلك لأن الخبر ينقض النفي يكون حيث يراد أن يقصر الفعل على شيء، خلاص. يقول محمود شاكر في المطبوعة بنقض النفي، هذا هو الصواب أصلاً العبارة. ذاك لأن الخبر ينقض النفي يكون حيث يراد أن يقصر الفعل على شيء، عبارة فيها اختلال، ضعيفة، ذلك لأن الخبر ينقض النفي، لماذا المضارع هنا؟

ثم بعد الخبر ينقض النفي يكون الخبر بنقض النفي؟ ما الخبر ينقض النفي؟ المطبوعة وهي الصحيح: الخبر بنقض النفي. الخبر بنقض النفي، ها قال: ذاك لأن الخبر بنقض النفي، يعني ما أتاني ما أتاني إلا رجل، أنت نقضت الخبر بماذا؟ بنقض النفي. أخبرت بنقض النفي، أخبرت بنقض النفي، ما أتاني ثم نقضت النفي بـ (إلا رجل)، خلاص. الخبر بنقض النفي، ما الخبر ينقض النفي؟ يعني غريبة الصراحة، فيها ركاكة وذهاب إلى صيغة لا أعرف علتها، يعني ما علتها؟ ذاك لأن الخبر ينقض النفي، يكون حيث يراد أن يقصر الفعل على شيء. رأيت؟ أما قولك ذاك لأن الخبر بنقض النفي، كما في نسخة المراغي أقل، يقول لها وجه لكن بعيد. ما هو يا سيدي محمود شاكر لن يأتي بوجه غلط من حيث اللغة تماماً، ولا حتى ذلك في بيان لذلك بيان لذلك كذا، لكن لا نحتاج إلى هذه الصيغة. كذلك هنا، أنت عندك النسخة حتى المخطوطات وارد أن يقع ما يشبه النقطتين تحت باء وأن تكون بنقض النفي، فيقع في المخطوطة القديمة ما يشبه أن يكون ينقض النفي. هي هي طبعاً لها وجه الصحة، لكن لماذا ونحن عندنا الوجه الذي يؤدي على الثقل والتمام دون إشكال؟ ذاك لأن الخبر ينقض النفي، هذا صحيح، لكن لماذا الخبر ينقض النفي ثم يقول يكون حيث يراد؟ لا، الخبر بنقض النفي؛ تخبر عنه أنه بنقض النفي، أن تخبر بنقض النفي، لماذا؟ الخبر حال كونه ينقض النفي، حال كونه ينقض النفي.

قال: علاوة على أن الصيغة نفسها كان غيرها أفضل منها لو أراد الحالية، يعني ذاك لأن الخبر بنقض النفي يكون حيث، هو يبين صورة نحوية مباشرة لا نحتاج إلى هذا الإبعاد، وهكذا نسخة المراغي. وأنا كما قلت لكم ثبت عندي أن نسخة المراغي أصح من نسخة محمود شاكر في مواطن كثير، وأنا درست الكتاب درست الكتاب في يعني من من هذه النسخة وهذه النسخة وعارضت المواضع في هذا وفي هذا، ووجدت أن نسخة المراغي لا يمكن الاستغناء عنها. هذه النسخة القديمة التي ترونها الآن هذه القديمة المتواضعة المهترئة الصفراء التي اشتريتها منذ سنين طويلة، وهي قديمة أصلاً من مكتبة الحلبي في الحواري خلف الجامع الأزهر، هذه النسخة أصح في مواضع، بل صواب في مواضع، ليس فقط أصح. نعم قال: ذاك لأن الخبر بنقض النفي يكون... طبعاً البعض ماذا يفعل يا إخوة؟ بعض الناس عنده هوس التطبيل وعنده بلسان الحال وإن لم يكن بلسان المقال، سيرفض، يقول لك: أنت كيف تنقد محمود شاكر وكيف كذا؟ وسيذهب يستمرئ الوجه الآخر، يستمرئ يعني يجعل نفسه يستمرئ هكذا، يعني يقهر نفسه على استمرائه خلاص، حتى لا يكون محمود شاكر هنا يعني اختار وجهاً دون الوجه الأقرب والأصح. سيذهب يفعل هذا، ولا محمود شاكر كان على هذا مع العلماء، ولا طلابه الذين نعرفهم من حوله وهم أساتذة كبار الآن يفعلون هذا، ولا شيء، ولا محمود شاكر على هذا المنهج أصلاً. خلاص، فهذه مشكلة، كيف تخطئ؟ وكيف يقول عندهم هالة حول الشخص؟ لا يعترفون بهذا بلسانهم لكن بحالهم، وأحياناً بلسانهم بحال هكذا، أحياناً بلسانهم لكن عادة بحالهم يريدون صناعة نموذج لا يمكن نقده أو لا يمكن الاستدراك عليه، وكأنهم يظنون أن الأنموذج لا يمكن أن يكون إلا بدون خطأ أو بدون ضعف أو بدون استدراك أو بدون نقد أو نقد بالضاد أحياناً، ليس فقط نقد بالدال، بل نقد بالضاد أحياناً.

ما المشكلة؟ يصير الإنسان أنموذجاً عظيماً كبيراً وهو مستدرك عليه. نعم انتبهوا إلى هذا، والحمد لله ليس منكم أحد يفعل هذا، وليس منكم أحد أيضاً عنده خفة النقد الكبار دون وجه ودون استدلال ودون تريث وتحرير. قال: ذاك لأن الخبر بنقض النفي يكون حيث يراد أن يقصر الفعل على شيء وينفى عما عداه، فإذا قلت ما جاءني إلا زيد، شوف الخبر بنقض الفعل، لا يكون إلا، ها لا يكون إلا أو يكون حيث يراد أن يقصر الفعل على شيء، يعني أنت تأتي بالخبر بنقض النفي، أنت نفيت فنفيت الفعل كله ثم نقضت فاستثنيت، نقضت به وأنت تنفيه عما عداه باعتبار النفي الأصلي. فإذا قلت ما جاءني إلا زيد، ما جاءني نفي إلا زيد نقضت النفي، كان المعنى أنك قصرت المجيء على زيد ونفيت عن كل من عداه. وإنما يتصور قصر الفعل على معلوم، انتبه، ومتى لم يرد بالنكرة الجنس الذي هو جنس الذكورة والأنوثة، خلاص، ومتى لم يرد بالنكرة الجنس، لم يقف منها السامع على معلوم حتى تزعم أني أني أقصر له الفعل عليه وأخبره أنه كان منه دون غيره.

هو يقيس لكم يا إخوة هنا، يقيس لكم تقديم النكرة (رجل أتاني) على جملة القصر. انظر هو بدأ الكلام بماذا؟ ألا ترى أن لا تقول... سيأتي لك بعبارة ليدلك على أن المراد هنا هو الجنس، إذا قدمت ليثبت لك أنك إذا قدمت النكرة لا يمكن أن يكون السؤال عن الفعل، وأنا أعتقد أنكم آمنتم بهذا من أول المجلس أصلاً، صح؟ انظر ماذا يفعل عبد القاهر لتعرف نفس المتكلم الطويل، يقول: ألا ترى أنك، ها يعني لما تقدم أنت لا تسأل عن لا تسأل عن الفعل، بل تسأل عن... وأتى لك بـ شر أهر ذا ناب، لا يسأل لك عن الإهر، بل عن فاعل أهر، لا يسأل لك عن الفعل أو لا يتكلم عن الفعل بل عن فاعل الفعل. كذلك يقول: ألا ترى أنك لا تقول ما أتاني إلا رجل، ما أتاني إلا رجل، فنفيت ثم نقضت النفي، فأردت أن تقصر الفعل على أحد. انظر ماذا يقول، يعني هو يستدل لك على أنه لا بد أن يكون معلوماً سواء كان هكذا أو هكذا. يقول: كان المعنى أنك قد قصرت المجيء على زيد ونفيت عن كل من عداه، وإنما يتصور قصر الفعل على معلوم، ومتى لم يرد بالنكرة الجنس لم يقف منه السامع على معلوم حتى تزعم أني أقصر له الفعل عليه.

يعني السؤال الآن: هل النكرة تدل على زيد (رجل أتاني أو رجل أتاك)؟ هل النكرة تدل على زيد؟ لا. طيب إذا لم يدل على زيد ولم يدل على الجنس، وتريد أن يدل على الفعل، ونحن قررنا أنه يدل على على العين، على زيد يعني أو على الجنس، وأنت لا تريد أن يدل على الجنس، وهو بطبيعته لا يدل على زيد، على العين يعني، فإذا صار الكلام لا يدل على شيء؛ لأنه قرر لك أن الاسم إما أن يدل على الجنس إذا كان نكرة وإما أن يدل على زيد، وإذا كان نكرة نتفق جميعاً أنه لا يدل على زيد، على العين. بقي الجنس، أنت تريد أن يدل على الفعل وهو لا يصلح، لأنه ليس عندنا إلا العين وقد خرجت، والجنس وقد بقيت، فإذاً يؤول كلامك إلى ألا يدل على شيء. وانتهينا، هذا ما يريد عبد القاهر أن يقوله من هذا الكلام. يقول: انظر، فإذا قلت ما جاءني إلا زيد كان المعنى أنك قد قصرت المجيء على زيد ونفيت عن كل من عداه، وإنما يتصور قصر الفعل على معلوم.

معلوم جميل. ومتى لم يرد بنكرة الجنس، وطبعاً كلام عبد القاهر مضمن أنه أيضاً لا يريد منه زيد العين؛ ثم لا تقول إن المراد الجنس، يعني لا زيد ولا الجنس؛ لم يقف منها السامع على معلوم حتى تزعم أني أقصر له الفعل عليه خلاص، وأخبره أنه كان منه دون غيره. يعني إذا هو يقيس لك تقديم النكرة «رجل أتاني» على جملة القصر «ما أتاني إلا رجل»، خلاص بعد نقل اتحاد حاصلها عن العلماء، لينتهي بك في الأخير إلى إثبات ما قاله من أن تقديم النكرة يفيد الإعلام بجنس من كان الفعل منه لا بذات الفعل. كل هذا لأقول لك إذا قدمت النكرة على الفعل فالسؤال عن الفاعل مع العلم بوجود الفعل، أو على الأقل توقع الفعل، يعني أن يكون شيئاً وارداً مستقراً حاصلاً. مثلاً ولا يُسأل برجل «أرجل أتاك» أو «أرجل جاءك» عن الفعل نفسه.

ثم قال: واعلم أنا لم نرد بما قلناه، انتبه، هنا سينبه إلى شيء أعجل لكم به، سينبه إلى أن المراد من لفظ الجنس في هذا المقام، لما نقول المراد الجنس ليس هو إسناد الفعل إلى كل جنس الرجال، وإنما أن الفاعل واحد من هذا الجنس فقط، يعني هو واحد، وليس غرضك أن تبين أنه واحد لأن هذا ظاهر أو منطقي، وإنما مرادك أن هذا الواحد من جنس الرجال؛ يعني ينبهك لما نقول «أرجل جاءك» ونقول رجل لجنس الرجال، لا نريد أن كل الرجال لا، وإنما هذا الواحد الذي هو الرجل هو من جنس الرجال.

يقول عبد القاهر: واعلم أنا لم نرد بما قلناه من أنه إنما حسن الابتداء بالنكرة في قولهم «شر أهر ذا ناب» لأنه أريد به الجنس، أن معنى «شر» و«الشر» سواء، لأن «الشر» تريد بها جنس الشر كل أفراد الشر، لا يريد هذا، لا يريد هذا أن الشر كله جاء أهر ذا ناب، وإنما أردنا أن الغرض من الكلام أن نبين أن الذي أهر ذا ناب هو من جنس الشر لا جنس الخير. كما أن إذا قلنا في قولهم «أرجل أتاك أم امرأة» أن السؤال عن الجنس، يعني إذا قلنا كذا أن السؤال عن الجنس، لم نرد بذلك أنه بمنزلة أن يقال «الرجل الرجل أم المرأة أتاك»، ولكننا نعني أن المعنى على أنك سألت عن الآتي أهو من جنس الرجال أم من جنس النساء. فالنكرة على أصلها من كونها لواحد من الجنس، وقولنا للجنس لا يعني أننا نجمع كل الجنس. هذا صار الآن في النحو خلاص مفهوماً. النكرة واحد شائع في جنسه، هو يريد أن يقول لك الشيوع في الجنس لا يعني الاستغراق، يعني كأنه يفرق لك بين الشيوع على سبيل البدل والاستغراق على سبيل العموم، وهذا صار الآن مفهوماً والحمد لله سهلاً واضحاً في أو عند كل من درس أو يدرس النحو، نعم.

قال: فالنكرة من الجنس، إلا أن القصد منك لم يقع إلى كونه واحداً، وإنما وقع إلى كونه من جنس الرجال، نعم. وعكس هذا أنك إذا قلت «أرجل أتاك أم رجلان» كان القصد منك إلى كونه واحداً دون كونه رجلاً، فاعرف ذلك أصلاً وهو أنه قد يكون في اللفظ دليل على أمرين، ثم يقع القصد إلى أحدهما دون الآخر، فيصير ذلك الآخر -بأن لم يدخل في القصد- كأنه لم يدخل في دلالة اللفظ أصلاً. يعني هو أول ما قال لك «أرجل أتاك» إلى هنا أنت قد تفهم ماذا، يسأل عن الجنس أم رجلان، إذاً هو يسأل عن العدد مع كونه علم أنه وقع مجيء، ويعلم أنهم رجال، يسأل «رجل أم رجلان».

خلاص ما الذي أريد تنبيهك إليه في هذا السياق، أن تتريث حتى تتم أركان الجملة، لأن الكلام يؤخذ بتركيبه، فبعض الكلام يعلق إلى أن يتم، فإذا قلت لشخص «أرجل» ما لم يقف فالكلام محتمل ولم يترجح. ويظهر هذا يا إخوة -يعني البعض يقول: طيب كيف يعني نعلق الكلام؟- نقول نعم ما لم تتم أركان الجملة الكلام معلق. يظهر هذا في النوع الذي ذكره عبد القاهر، وتناقشنا فيه طويلاً، واختلفنا ربما في موضوع التراكيب التي تتشابك وتتداخل وتوضع وضعاً واحداً، ولا يمكن إلا أن توضع وضعاً واحداً وأن تفكر فيها جملة. ونص على أن منها التقسيم، ونص على أن منها ما أو قلنا قد يدخل فيها التصدير، وهذا الكلام خلاص. طيب هذه الصياغات لا يمكن أن تقف فيها على المراد حتى يتم الكلام، فهذه دليل على أنك تحتاج إلى تمام الكلام، يعني «ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى»؛ طيب ما المشكلة ما أنت منتظر أهو، ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى لما كنت أدري علة للتيمم حتى أن... إلى أن يقول التيمم البيت لم ينفجر، إلى قوله التيمم البيت لم ينفجر، معلق لكن لم يختل أيضاً، لم يختل أيضاً، فانت ينبغي أن تظل معلقاً نعم.

وإذا انظر: فاعرف ذلك أصلاً وهو أنه قد يكون في اللفظ دليل على أمرين، يعني في جسمه، ثم يقع القصد إلى أحدهما دون الآخر، يعني في تمام الكلام، فيصير ذلك الآخر بأن لم يدخل في القصد -أي حين لم يدخل في الأصل- كأنه لم يدخل في دلالة اللفظ. يعني تسمعه كأنه في الأصل لا يدل عليه، خلاص صارت الكلمة بنت عبارتها كما نقول. هذا واضح يا إخوة، هذا واضح؟ ها هذا هذا الذي قيل إلى الآن واضح؟ لا، لابد من جواب أجيبه، ليس واحد واثنان، ها واضح؟ طيب واضح، الحمد لله، لابد من إتمانان يا إخوة.

وإذا اعتبرت ما قدمته من قول صاحب الكتاب، هو من صاحب الكتاب؟ سيبويه، وإذا اعتبرت ما قدمته من قول صاحب الكتاب -إنما قلت هو كلمة سيبويه التي مرت معنا من قبل- «إنما قلت عبد الله فنبهته له، ثم بنيت عليه الفعل»، وجدته يطابق هذا، وذاك أن التنبيه لا يكون إلا على معلوم، كما أن قصر الفعل لا يكون إلا على معلوم. قصر الفعل لا يكون إلا على معلوم، فإذا بدأت بالنكرة فقلت «رجل» وأنت لا تقصد بها الجنس، شوف عبد القاهر يصر على نفس القضية والدليل، ويذهب لك في الدليل نفسه إلى استدلال له، يعني يستدل لك في الدليل، رأيت الإخلاص في العلم، رأيت الحرص عليك؟ أنت تقول أنا خلاص فهمت آمنت، عنده إخلاص غريب، لو لم يكن إلا إخلاصه لكان قد كفاه في تقديره واعظاً. قال: فإذا بدأت بالنكرة فقلت «رجل» وأنت لا تقصد بها الجنس، وأنت تعلم السامع أن الذي أردت بالحديث رجل لا امرأة، كان محالاً أن تقول إني قدمته لأنبه المخاطب له؛ لأنه يخرج بك إلى أن تقول إني أردت أن أنبه السامع لشيء لا يعلمه في جملة ولا تفصيل، لأنه أثبت لك الآن أنك إذا قلت رجل ولا تريد الجنس، وكان اتفاقنا على أنك لا تريد العين، خلاص لا يدل على شيء آخر، كيف تريد الفعل وهو لم يقدم؟ خلاص، لأنه يخرج بك إلى أن تقول إني أردت أن أنبه السامع لشيء لا يعلمه في جملة ولا تفصيل، وذلك ما لا يشك في استحالته. فاعرفه.

القول في الحذف. بدأ، أذكركم، بدأ بدلالة اللفظة على غير ظاهرها، وتكلم عن الاستعارة والكناية، ثم تكلم عن التقديم والتأخير، يعني بدأ أولاً من هذه الخصائص واللطائف التي تظهر في اللغة، بدأ باللفظ تطلق ويراد بها غير ظاهرها، وحصر كلامه في الاستعارة والكناية، ثم تكلم في التقديم والتأخير، والآن ليس يغير معنى اللفظة وهي في مكانها كما في الاستعارة والكناية، وليس يغير مكانها بتقديم وتأخير كما في التقديم والتأخير، على نية أو على غير نية، إنما هنا يحذفها تماماً. ما الجامع بين كل ذلك؟ أنه عمل في النظم، كل ما يأتي عمل في النظم. إذاً شوف شوف، قلت لك سألمس سنتم معاً الأشياء وراء عمل العقل في الانتقال.

الأول: الكلمة تتغير في دلالتها وهي في مكانها، تطلق ويراد غير ظاهرها، وعلى رأس هذا الاستعارة والكناية. ثم جعل الكلمة تغير مكانها بعد أن غيرت دلالتها نفسها وهي في مكانها، غيرت دلالتها وهي في مكانها النحوي، غيرت دلالتها، جعلها تتقدم لك وتتأخر، أما على نية التأخير، تتقدم على نية التأخير بابقاء الإعراب، فيكون تحرك أجرام في داخل العبارة، تحرك أجسام. وأما على غير النية فيكون تغييراً عن الأصل وعن المتوقع الذي كان ينبغي أن يكون فيه، وهذا كما نقول تغيير أدوار، تغيير وظائف أو أدوار، يعني الكلمة جاءت على الأصل النحوي نعم، لكن تغيير أدوار، تغيير أعمال في القيمة الدلالية الأصلية، فهذا أيضاً تقديم وتأخير لكن على غير نية، تقديم على غير نية التأخير، فكلم في التقديم والتأخير للأجرام أو للمعاني، للأجرام على النية، للمعاني على غير النية، خلاص.

والآن يكلمك عن حذف، أنا لن أغير لك دلالتها، ولن أغير لك مكانها، أنا سأحذف، ساحذف. رأيتم؟ وكل هذا من وجوه التصرفات في النظم. قال: هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد في الإفادة، وتجد أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بياناً إذا لم تبن. سلام، أنا تسحرني هذه الحذف العجيبة، «ليالي يا سلمى، إذ تريك منصباً، وجيداً كجيد الرئم ليس بمعطيات»، أذكر ليالي يا سلمى، أذكر ليالي يا سلمى، وكأنك كتمتها في كلمة «ليالي» وأفهمتني المحذوف من كلمة ليالي، «ليالي يا سلمى إذ تريك منصباً». ليالي يا سلمى هذا برنس الحذف ده، برنس الحذف صح.

ليالي يا سلمى، لما أقول لك «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي، وهل يعمن من كان في العصر الخالي؟ وهل يعمن إلا سعيد مخلد، قليل الهموم ما يبيت بأوجال؟ وهل يعمن من كان أحدث عهده، ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال؟ ديار لسلمى»، أي هذه ديار، حذف، «ديار لسلمى عافيات بذي خال، ألح عليها كل أسحم هطال، وتحسب سلمى لا تزال تراطن من الوحش أو بيضاً بميثاء محلال، وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا، لوادي الخزامى أو على رأس أوعال، ليالي يا سلمى». يعني بعد أن ذكر الماضي، «وتحسب سلمى»، وتحسب سلمى، جعلك في صورة وضعك أمام صورة المتذكر، فضم وكافح على المفعول به «ليالي سلمى» وحذف الفعل العامل. نعم، باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجد أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بياناً إذا لم تبن. وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر، ربما في الأول تنكر، وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر وتدفعها حتى تنظر، وأنا أكتب لك بديئة، آه والله:

اعْتادَ قَلْبُك مِنْ لَيْلى عَوائِدُهُ ... وَهّاجَ أهْوائُكَ المَكْنُونةَ الطَّلَلُ رِبْعٌ قِواءٌ أذاعَ المُعْصِراتُ بِهِ ... وَكُلُّ حيرانَ سارٍ ماؤُهُ خَضِلُ

قال أراد ذاك ربع قواء أو هو ربع، ذاك ربع أو هو ربع، ليالي سلمى أو ديار لسلمى أي هذه أو هي ديار لسلمى على حسب موقف الشاعر الزماني، هذه أو هي، قال أراد ربع قواء أو هو ربع، قال ومثله قول الآخر:

هَلْ تَعْرِفُ اليَوْمَ رَسْمَ الدّارِ وَالطَّلَلِ ... كَما عَرَفْتَ بِجَفْنِ الصّيْقَلِ الخَلَلا دارٌ لِمَرْوَةَ إِذْ أهْلِي وَأهْلُهُمُ ...

دار أهي دار، وهذا سيذكر أنها عادة للشعراء في الديار، ويمكنك أن تضيفها إلى رصيد امرئ القيس مما حاكوا امرأ القيس فيه، وهذا مما لم ينص عليه ولكني الآن أنص عليه، «دار لمروة إذ أهلي وأهلهم بالكانسر على اللهو والغزل»، كأنه قال تلك دار.

قال شيخنا رحمه الله، وهو الشيخ أبو الحسن الفارسي ابن أخت أبي علي الفارسي، انتبهوا الشيخ النحوي الكبير أبو علي الفارسي ابن أخته أبو الحسن الفارسي، أستاذ لعبد القاهر، من أساتذة أو هو أستاذ عبد القاهر نعم. كانه قال ترفون عبد القاهر لم يخرج من دياره ولم يتتلمذ لأساتذة كثر لا محصور، لكن طبعاً تكلمنا عن هذا ربما في غير هذا الموضع، لكنه كان إماماً كبيراً. وقلت إذا الرحلة لا تطلب لذاتها، ربما ترتحل إلى التافهين، وقلنا يكفيك شيخ، يكفيك إمام إذا كان قد أحاط بعلم عظيم، لأن العلم الذي سيكون عندك بعد ذلك سيكون تثميناً لهذا العلم، وليس نسخاً لعلمه، ستنسخ ولكن ستثمر. كأنه قال تلك دار، قال شيخنا رحمه الله أبو الحسن الفارسي ابن أخت أبي علي الفارسي، ولم يحمل البيت الأول على أن الربع بدل من الطلل، ولم يحمل البيت الأول على أن الربع بدل من الطلل الذي هو ربع قواء، ربما تقول وهاج أهواءك المكنونة الطلل ربع قواء أنت.

ترى الشروح ربما لو تصورت هكذا ما تفعل الشروح، ويجوز أن يكون بدلًا من الطلل، ما هو شغال عقله نحوي ينتقي ما يجوز في النحو لا في الشعر، ولم يحمل البيت الأول على أن الربع بدل من الطلل؛ لأن الربع أكثر من الطلل، والشيء يبدل مما هو مثله أو أكثر منه، فأما الشيء من أقل منه ففاسد لا يتصور. خلاص إذا لا ينبغي للنحويين أن يقول هذا، لكن على هذا القياس ترون في أو على هذه الصورة ترون في كتب الشروح الشعرية كل الوجوه الجائزة يذكرونها، بل في تفسير القرآن وإعراب القرآن قال: وهذه طريقة، انظر وهذه طريقة مستمرة لهم إذا ذكروا الديار والمنازل يحذفون المبتدأ ويأتون بالخبر دار أو ديار. خلاص، ولكم أن توظفوها معشر الشعراء، هكذا تعلمتموه الآن، عبد القاهر يخبركم أنه مسلك، وامرؤ القيس من قبل أخبركم في ألا عم صباحًا أنها مسلك.

وأنا كما قلت عندي هاجس وظن أو نقول ظن أرقيّه إلى ظن غالب بأن هذا المسلك من تتبع الشعراء الذي شاع فيهم، يعني هذه الطريقة هي من تتبع الشعراء لامرئ القيس الذي خُسِف لهم عين الشعر: ﴿دِيارٌ لِسَلمى عافِياتٌ بِذي خالِ﴾. وكما يضمرون المبتدأ فيرفعون فقد يضمرون الفعل فينصب، هاه كبيت الكتاب أيضًا يعني كتاب سيبويه: ديار مية إذ مي تضاعفنا ولا يرى مثلها عجم ولا عرب، هاه ديار مي؛ يعني أنشده بنصب ديار على إضمار فعل، كأنه قال: اذكر ديار مية، اذكر ليالي يا سلمى، ليالي يا سلمى إذ تريك منصبًا. والله كان بيت امرئ القيس أولى من هذا البيت؛ أشهر والشاعر أقدم وأكبر والموقع أبلغ.

ماذا تقصد يا عقيل بدون يعني؟ أنا أظهر ما قلت، أخوكم عقيل يقول حبك الشديد للضليل هو ولاء، كأنه لماذا قال ولاء كأنه ولم يقل كأنه؟ ولاء نعم يا أخي أنا قبل أن تقول هذا وأن تقرره انظر إلى المقدمات؛ بيت الضليل هنا أبلغ أم البيت الذي ذكره عبد القاهر؟ يا رجل هو الضليل، شوف قد كان يقول لك الضليل الهادي، يعني الضليل. الحمار يقول يريد التأكيد على كونه ولاء ولكن مع الأدب. أنا قديمًا قلت كثيرًا، الحمد لله أن كان تعلقي الشديد واستقرار رأيي على تقديم الضليل؛ لأنني لو كنت رأيت ذلك في غيره كنت سأقع في مشكلات كبيرة، لكن أنا مع الجمهور أصلًا، الجمهور معي أصلًا، وإني والله أرى من شعره ما لا ترون، هذا ما ليس من فراغ، يعني أنتم تعلمون أعتدي بنفسي، تعلمون هذا، تعلمون أنني أربأ بنفسي عن الثناء الزائد وعن أن أُهلل لأحد وكذا، هذا أبغضه حتى مع المحسنين الذين يستحقون شيئًا من ذلك أكون مقترًا. الضليل لم يأخذ حقه، إني والله أرى من شعره ما لا ترون بالفعل، الرجل ليس عاديًا يا إخوة.

قل يا عقيل الجودة يقينًا من ذي الرمة أمام الضليل، لكن هو هذا ترجيحه غير مرجح، يستدلون بقول عربي ما كان بالعربي، وبغض النظر عن جودته يعني صحيح أنا عارف بس كنت عايز الكتاب يبقى أجمل، بس تعصب يعني إحنا لو أتينا بالأمثلة الأشهر والأكمل وكذا، طبعًا عبد القاهر أتى بالأمثلة التي أتت على باله، فهي أتت في طريقه من سيبويه من كذا، لكن بالضبط سيكون أجمل. كأنه المجلس الذي فيه امرؤ القيس بن حجر، شوف هو أعطانا الفرصة لذكره، وأن ننشئ ذكره فيكون لنا الأجر.

قال: ومن المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ. إذًا كلامه من أول الفقرة الثانية التي هي الثالثة بعد الأربعين ومائة، كلامه عن حذف المبتدأ، خلاص، طيب كل الأمثلة عن حذف المبتدأ إلا في الفقرة الرابعة بعد الأربعين ومائة قال: وكما يضمرون المبتدأ فيرفعون قد يضمرون الفعل فينصب، ثم رجع في الفقرة الخامسة بعد الأربعين ومائة إلى الإسهاب أو الشرح في إضمار المبتدأ، خلاص أو حذف المبتدأ يعني، طبعًا ترى كلمة إضمار هنا واستمرت مع الحذف وكذا، يعني إضمار في الموضع.

يقول حتى ابن مالك يقول استكن، تعرفوا ﴿وَإِن تُخَفِّفُ أَن فَاِسمُها اِستَكِن وَالخَبَرُ اِجعَل جُملَةً مِن بَعدِ أَن﴾، ﴿وَإِن يَكُن فِعلاً وَلَم يَكُن دُعاء وَلَم يَكُن تَصريفُهُ مُمتَنِعاً فَالأَحسَنُ الفَصلُ بِقَد أَو نَفِيٍ نَو تَنفيسٍ نَو لَو﴾، وقليل ذكر لو في الكلام على أن المخففة من الثقيلة، فيقول وإن تخفف أن فاسمها استكن، يعني إذا قلت أن مكان أن فاسم أن هنا ضمير هو ضمير الشأن محذوف وخبرها يكون جملة، والجملة إذا لم تكن إذا كانت فعلية الجملة إذا كانت فعلية ولم تكن دعاء، والخامسة ﴿أَن غَضَبُ اللَّهِ عَلَيها﴾ على روايات من قرأ أن غضب الله عليها، والخامسة أن غضب الله عليها إذا لم تكن كذلك، ولم تكن ممتنعة عن التصرف يعني كان الفعل جامدًا، فالأحسن الفصل بقد أو نفي أو تنفيس أو لو، وقلل ذكر لو. فانظر كلمة استكن وأنا أقول ضمير أو أضمر، ويقول حذف.

نعم، قال: ومن المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ القطع والاستئناف، يعني في المعاني حين يبدؤون معاني جديدة في الموضوع، لا أنهم يغيرون الموضوع، انتبه حتى لا تظن أن قطع واستئناف يعني بدا كلامًا جديدًا الذي يحتاج فيه إلى الخروج والتخلص، لا هو أراد تمامًا الكلام النحوي حتى لا يشتبه معك في الأبيات الآتية ولا في الأبيات التي تقابلك في الشعر، انتبهوا يا إخوة، أنتم الآن تتعلمون أشياء وأنتم شعراء تستعملونها في شعركم.

ومن المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ يطرد القطع والاستئناف، يبدؤون بذكر الرجل ويقدمون بعض أمره، ثم يدعون الكلام الأول ويستأنفون كلامًا آخر، انظر هنا يظهر لي أن الأنواع التي يذكرها عبد القاهر هنا يريد بها وجوه تصرف العرب كما في الطلل، هي وجوه التصرف، يعني هو يعطيك صورًا من الأساليب والتركيب. فهذه جملة من المعرفة يعطيك إياها عبد القاهر عن الأدب حسنة مفيدة للشاعر والناقد. قال: القطع والاستئناف، يبدؤون بذكر الرجل ويقدمون بعض أمره، ثم يدعون الكلام الأول ويستأنفون كلامًا آخر يعني عن الرجل أيضًا، وإذا فعلوا ذلك أتوا في أكثر الأمر بخبر من غير مبتدأ، أتوا بخبر من غير مبتدأ، مثال ذلك قوله: هذا عمرو بن معدي كرب، وعلمت أني يوم ذاك منازل كعبًا ونهدًا، قوم إذا لبسوا الحديد تنمروا حلقًا وقدًا، أي هم قوم قطع واستأنف.

وقوله: هذا قاسم بن حنبل، هم حلوا من الشرف المعلى ومن حسب العشيرة حيث شاؤوا، بناة مكارم، أساة كلم، شوف أي هم بناة مكارم دماؤهم من الكلاب الشفاء. وقوله: هذا ابن عتقاء الفزاري، راني على ما بيع ميله فاشتكى إلى ماله، راني على ما بيع ميله فاشتكى إلى ماله حالي أسر كما جهر، ثم قال بعده غلام رماه الله بالخير مقبلًا، قطع واستأنف، أي هو غلام له سيمياء لا تشق على البصر.

وقوله: هذا موسى بن جابر الحنفي، إذا ذكر ابن العنبرية لم تضق ذراعي وألقى بسته من أفاخر، هلالان، يعني هما هلالان، هلالان حمال في كل شتوة، انظر هنا سينبه تنبيهًا جميلًا، هلالان حمالان في كل شتوة من الثقل ما لا تستطيع الأباعر، قطع واستأنف هما هلالان، قال حمال خبر ثانٍ وليس بصفة، هما هلالان حمالان صفة لا ليس بصفة، هلالان حمالان. لماذا يقول حمالان خبر ثانٍ وليس بصفة كما يكون كما يكون لو قلت مثلًا رجلان حمالان؟ لماذا؟ لأنه لا يوجد. طيب قل يا حميري، حمالان صفة الحمل لا تصلح للهلالين، أحسنت، لا يمكن أن يضاف الحمل إلى الهلالين إنما هما حمالان وهما هلالان.

نعم، ومما اعتيد فيه أن يجيء خبرًا قد بني على مبتدأ محذوف قولهم بعد أن يذكر الرجل فتى من صفته كذا، وأغر من صفته كيت وكيت، كقوله: هذا الوليد بن الحنفية أو الوليد بن حنفية، ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى، ولا عرف إلا قد تولى وبرأ فتى حنظل، أي هو فتى حنظل، قطع واستأنف فتى حنظل. انظروا قلت لكم يقطع تمام الكلام الاتصال وليس يقطع الموضوع، انتبه حتى لا تبحث عن التخلص، فتى حنظل ما تزال ركابه تجود بمعروف وتنكر منكرًا. وقوله هذا محمد بن سعد الكاتب، سأشكر عمرًا إن تراخت منيتي أيادي لم تمنن وإن هي جلّتِ فتن، أي هو فتن، فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلّتِ.

السلام على كثير اللي بيتسرق وهو قاعد، آه قل يا محمد، مولانا أنا فقط رأيت أن هذا الباب أو يعني هذا المثال الآخر تقريبًا هو نفس المثال الأول يعني لا غلام رماه الله كما قال قبل قليل هلالان حمالان نفس الأمر يعني لا فرق، وما المشكلة؟ هو يكثر لك من الأمثلة، ما المشكلة؟ لا لا لا أنا أقصد هو هنا أتى كأنه وجه آخر يقول ومما اعتيد يعني كأنه وجه آخر، فأنا أستغرب.

يعني لصفة أو قبل صفحتين نبهتك إلى شيء وهو أن عبد القاهر ينبهك إلى أشياء موجودة في الأدب أنت تجدها، هو يقول لك منها كلمة فتى التي تجدها في الشعر، كما نبهك إلى قضية الأطلال الديار، فقط أنت لا ترى فرقًا من جهة النحو ومن جهة الإجراء الأدبي الفني عمومًا، لكن هو ينبهك لتفهم أكثر، يوسع لك، ينبهك إلى ألفاظ بعينها تستعمل في الأدب، مر في الديار أو يقولون دار أو ديار، ومر في الفتى، بس هذا الفرق. آه نعم.

قال ومن ذلك، طبعًا أنا أيضًا قلت نجدية تسب الحليم بنظرة عجلان وتطير قلب متيم، قل يا عقيل. هو الخبر المخصوص أنهم يجعلون الخبر فتن كذا فتن كما قال فتن من صفته كذا أغر من صفته كذا، يعني هذا الفرق هو في كل في كلت الحالة كان هناك حذف، لكن في الحالة الثانية الخبر كان مخصوصًا فقط. يعني هو أراد أن هو جاء بمخصص ثم بعام ثم بمخصص يعني جاء لك بديار هذا مخصوص، ثم انطلق في الأمثلة وهذا عام، ثم قال لك ومما اعتيد في ذلك كلمة فتى كما بدأ بديار، صح، يعني ليس هذا الذي يوقف عليه عبد القاهر يدور لك يقول لك أنت تجد كلمة فتى، فتن، فتن، هذه هذه من هذا الباب كما تجد ديار هذه من هذا الباب، طيب بلاش فتى خليها نجدية.

نعم، وكذلك قلت نجدية أي هي نجدية، تسب الحليم بنظرة عجلان وتطير قلب متيم. قال: ومن ذلك قول جميل: وهل بثينة، شفتوا بقى إزاي النجدية جابت سيرة بثينة، شفتوا إزاي الروح والحاجات دي كلها من عند ربنا كرامات، ها قال مع أنها ارتجال للكلام، ومن ذلك قول جميل وهل بثينة يا للناس قاضية ديني وفاعلة خيرًا فاجتزت، ترنو بعيني مهات أقصد بهما قلبي عشية ترميني وأرميها، هيفاء مقبلة، أي هي هيفاء مقبلة، هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة، آهو ساب لك الفتى يا سيدي، هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ري العظام بلا عيب يرى فيها، يا سلام هذه نزلت قريبًا منا هكذا في اللغة بلا عيب يرى فيها من الأوانس مكسال مبتلة خُود غذاها بلين العيش غاذ فيها.

أشعر يا إخوة أن العذر والغزل لا يمكن أن تفخم فيه وأن ترفعه حتى أتكلم عن مرتبة الكلام المتمحضات شديدًا جدًا، يعني لا يمكن أن تأتي فيها بصور البلاغة، أنت هكذا تسير بها نحو ماذا؟ نحو خاصة، خلاص تضيق نطاق المستفيدين المتذوقين وموضوعها يقتضي التعميم كقصائد السياسة نوعًا ما، ولكن يمكن أن يتحايل في ذلك عن طريق إلباسه أو إدخاله في غرض آخر يكون شأنه كذلك، وهذا ما فعله امرؤ القيس إذا تغزل إذا مجن إذا قال كلامًا عذريًا هو لا يحكيه من قصد ذاته وإنما يحكيه لنا على مرمى آخر.

طيب وقوله أيضًا يعني جميل: بثينة إني عشية رحت وهي حزينة تشكو إلي صبابة لصبور، إني عشية رحت وهي حزينة تشكو إلي صبابة لصبور، يا سلام يا حبيبي صادق وتقول بت عندي فديتك ليلة أشكو إليك فإن ذاك يسير غراء مبسام، أي هي غراء مبسام، غراء مبسام كان حديثها در تحدر نظمه منثور، محطوطة المتنين مضمرة الحشا ري الروادف خلقها ممكورة، فتركه حتى اجتمع القوم في ناديهم وهو فيهم، فشكاه إلى القوم وذمه، فوثب إليه ابن عمه فلطمه، فأنشأ يقول: سريع إلى ابن العم يلطم وجهه، سريع إلى ابن العم يلطم وجهه وليس إلى داعي الندى بسريع، حريص على الدنيا مضيع لدينه وليس لما في بيته بمضيع.

فتأمل الآن هذه الأبيات كلها، يعني شوف يعني هو سريع إلى ابن العم، هو حريص على الدنيا، شوف الكلام، فتأمل الآن هذه الأبيات كلها واستقر واحدًا واحدًا، وانظر إلى موقعها في نفسك، وإلى ما تجده من اللطف والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها ثم.

ثم فتشت في نفسك، ثم فليت النفس عما تجد، وألطف النظر فيما تحس به، ثم تكلف أن ترد ما حذف الشاعر، وأن تخرجه إلى لفظك، وتوقعه في سمعك؛ فإنك تعلم أن الذي قلت كما قلت، وأن رب حذف هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد.

وإن أردت ما هو أصدق في ذلك شهادة وأدل دلالة، فانظر إلى قول عبد الله بن الزبير يذكر غريماً له قد ألح عليه: عرضت على زيد ليأخذ بعض ما يحاوله قبل اعتراض الشواغل، فدب دبيب البغل يألم ظهره، وقال: تعلم أنني غير فاعلي. تثاءب حتى قلت داس على روحه؛ يعني كما يسع البعير حنجرته ولسانه إلى الخارج، تثاءب حتى قلت داس على نفسه؛ يعني دافع روحه إلى الخارج، وأخرج أنياباً له كالمعاملة، التثاؤب ومما به من الجهد يقذف نفسه روحه من جوفه، ويخرجها من صدره كما يسع البعير جرته.

ثم إنك ترى نصبه الكلام وهيئته تروم منك أن تنسى هذا المبتدأ، وتعده عن وهمك، وتجتهد ألا يدور في خلدك ولا يعرض لخاطرك، وتراك كأنك تتوقعه توقي الشيء تكره مكانه، والثقيل تخشى هجومه؛ هذا يعني لا تريد أن يزورك، لا تريد أن تتخيل المبتدأ وأنت تشرح وأنت تتذوق هذا يا إخوة.

في قاعدة من الشعر، وأما بعض الشعر في أهل الذوق الصحيح المرهف، فهناك شيء آخر؛ هناك من سيستوقفه الكلام ليسأل ما الشأن هنا؟ كيف؟ يعني مثلاً كحال أغلب الناس مع حذف الفعل في «ليالي يا سلمى»، هل هذا مما تتوقعه أنفس العامة؟ لا، أنا رأيت المبتدئ في الشعر يقف عنده ويسأل على أي شيء كان الحذف، وأنا كذلك في مبتدأ أمري في أول ما قرأت قديماً امرأ القيس وكذا، قلت: الحذف هنا على أي أساس؟ لأن هذا بهذه الطريقة يحتاج إلى نوع من الرهافة في الحس بتقدير الكلام؛ لأن كلمة ليالي أصلاً في أصلها ظرف، هي من أسماء الأزمان، فربما تظن أنها ظرف، والأزمان تكون منصوبة، فـ«ليالي يا سلمى» ماذا؟ فأنت تبحث عن العامل فيها في الأبيات قبل ذلك قبل أن تبحث عن العامل في الأول أنه محذوف، أي اذكر ليالي يا سلمى، وأنه مفعول وليس ظرفاً لشيء؛ يعني ربما تقول ليالي يا سلمى، أنت تريد أن تتذكر ما قيل من الأبيات، هو فين «ليالي يا سلمى»؟ ما العامل فيها على جهة الظرفية؟ تفهمون الكلام طبعاً. فبعد ذلك انتبهت، آه ليالي يا سلمى؛ اذكر ليالي سلمى، وهذا أيضاً كان بتنبيه من الشراح والمعربين.

فليس الكلام على هيئة واحدة، أما حذف المبتدأ مثلاً والمكافحة على الخبر في كثير من الأمثلة وفي كلامنا العادي فكما قال الشيخ: قال ومن لطيف الحذف قول بكر بن النطاح: العين تبدي الحب والبغض وتظهر الإبرام والنقض. درة ما أنصفتني في الهوى، ولا رحمت الجسد المنضام. ولا والله يا أهلها لا أطعم البارد أو ترضى.

يقوله في جارية كان يحبها وسعي به إلى أهلها فمنعوه منه، والمقصود قوله «غضباً»، وذلك أن التقدير: هي غضباً أو غضب هي، لا محالة. ألا ترى أنك ترى النفس كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوف، وكيف تأنُس إلى إضمار صحيح، وترى الملاحة كيف تذهب إن أنت رمت التكلم به؟

أيضاً: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء، وداوني بالتي كانت هي الداء. صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها، لو مسها حجر مسته سراء. فتخيل أن تقول: الأصل هي صفراء، لا صفراء، هذا خبر اقتحم على الخبر مباشرة، وترى نفسك تتحاشى ذكره، اقتحم ذكر المبتدأ المحذوف أو أن يأتي إلى ذهنك.

قال: ومن جيد أمثلة في هذا الباب قول الآخر يخاطب امرأته وقد لامته على الجود: قالت سمية قد غويت ببارتِ، حقاً تناوب مالنا ووفودِ. غيٌّ لعمرك لا أزال أعوده، ما دام مال عندنا موجودُ. المعنى ذاك غيٌّ، لا أزال أعود إليه، فدعي عنك لومي.

وإذ قد عرفت هذه الجملة من حال الحذف في المبتدأ، فاعلم أن ذلك سبيله في كل شيء؛ فما من اسم أو فعل تجده قد حذف ثم أصيب به موضعه، وحُذف في الحال؛ يعني في المقام، وحُذف في الحال ينبغي أن يُحذف فيه، إلا وأنت تجد حذفه هناك أحسن من ذكره، وترى إضماره في النفس أولى وآنَس من النطق به.

وإذ قد بدأنا في الحذف بذكر المبتدأ وهو حذف اسم؛ إذ لا يكون المبتدأ إلا اسماً، فإني أتبع ذلك ذكر المفعول به إذا حُذف خصوصاً؛ انظر، يعني هذا مما يدلك على أن عبد القاهر قصد التنويع، وأنه بدأ لك في النظم باللفظ تطلق ويراد بها غيرها، وشرح الاستعارة والكناية، ثم ذكر لك نوعاً آخر من النظم وهو تغيير الأماكن، ثم ذكر لك الآن نوعاً ثالثاً من النظم لا هو بتغيير دلالة الكلمة ولا بتغيير مكان الكلمة مع وجودها، وإنما هو بحذفها إطلاقاً.

رأيت قال: وإذ قد بدأنا في الحذف بذكر المبتدأ وهو حذف اسم؛ إذ لا يكون المبتدأ إلا اسماً، فإني أتبع ذلك ذكر المفعول به إذا حُذف خصوصاً وهو اسم كذلك؛ فإن الحاجة إليه أمس وهو بما نحن بصدده أخص، واللطائف كانها فيه أكثر، ومما يظهر بسببه من الحسن والرونق أعجب وأظهر؛ هذا في المفعول ليس المبتدأ، وكأنه بدأ لك بالمبتدأ لأنه أيسر في البيان والشرح، لكن قال لك حذف المفعول أخطر، ومما يظهر بسببه من الحسن والرونق أعجب وأظهر.

قال: وها هنا أصل يجب ضبطه وهو أن حال الفعل مع المفعول الذي يتعدى إليه حاله مع الفاعل؛ فكما أنك إذا قلت: ضرب زيد، فأسند الفعل إلى الفاعل كان غرضك من ذلك أن تثبت الضرب فعلاً له، لا أن تفيد وجوب الضرب في نفسه ولا على الإطلاق، كذلك إذا عديت الفعل إلى المفعول، فقلت: ضرب زيد عمراً، كان غرضك أن تفيد التباس الضرب الواقع من الأول بالثاني ووقوعه عليه؛ فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان من أجل أن يُعلم التباس المعنى الذي اشتق منه بهما؛ فعمل الفعل في الفاعل ليعلم التباس الضرب به من جهة وقوعه منه، وعمل الفعل النصب في المفعول ليعلم التباس به من جهة وقوعه عليه، لا من جهة وقوعه منه.

هذا كله يا إخوة عُرف بلاغياً بعد ذلك بمتعلقات الفعل؛ لأنها تتعلق بالفعل على الصفة التي تناسبها، قال: ولم يكن ذلك ليعلم وقوع الضرب في نفسه، بل إذا أريد الإخبار بوقوع الضرب ووجوده في الجملة من غير أن ينسب إلى فاعل أو مفعول أو يتعرض لبيان ذلك، فالعبارة فيه أن يقال: كان ضرب، أو وقع ضرب، أو وجد ضرب، وما شاكل ذلك من ألفاظ تفيد الوجود المجرد في الشيء.

وإذ قد عرفت هذه الجملة، فاعلم أن أغراض الناس تختلف في ذكر الأفعال المتعدية؛ تذكر لما تكلم عن قضية تقديم الخبر وتقديم الفعل وكذا تقديم الاسم وتقديم الفعل، وكيف يكون كذا وكيف يكون كذا، ومتى تسأل في الاستفهام وفي غيره، يقول لك نفس الكلام هنا في المفعول؛ الكلام في المفعول كالكلام في الفاعل من حيث تقديم الفعل أو تقديم الاسم الذي هو الفاعل أو المفعول.

ففي قولك: ضرب زيد عمراً، أنت تريد الإخبار عن الضرب؛ قال: وإذ قد عرفت هذه الجملة فاعلم أن أغراض الناس تختلف في ذكر الأفعال المتعدية؛ السؤال الآن لماذا خص الأفعال المتعدية؟ قل يا حميري، لأن يتكلم عن المفعول به؛ ليس لها مفعول به أصلاً، خص بالضبط المتعدي؛ ليس له مفعول به، ولأنه سينزل منزلة الفعل اللازم في صور كما سيأتي الآن إن شاء الله.

قال: وإذ قد عرفت هذه الجملة فاعلم أن أغراض الناس تختلف في ذكر الأفعال المتعدية؛ فهم يذكرونها تارة ومرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي اشتقت منها للفاعلين بس، انتبه فقط من غير أن يتعرضوا لذكر المفعولين، لا وجود لهم في الذهن ولا غاية ولا للاختصار ولا للتحايل كما سيأتي في أقسام أخرى، ولا لشيء، لا لنكتة بلاغية دقيقة خفية، ولا للاختصار؛ لا يريدونها أصلاً، ذكرها لا قيمة له غير مقصودة من الأساس، ولو مع الاختصار كما سيأتي في نوع آخر تكون مقصودة ومحذوفة للاختصار فقط لعدم ذكر فائدتها مع العلم بها، ليس حتى لفائدة بلاغية أعلى، لا ليس لشيء إطلاقاً؛ أصلاً هذا الفعل المتعدي الذي ينزل منزلة اللازم؛ انتبهوا إلى الطبقات الآن حتى لا تتداخل عندكم؛ تتداخل عند المبتدئين عادة حتى في البلاغة التقريرية؛ يعني هذا الباب لخص في البلاغة التقريرية، لكن تتداخل على الناس من المبتدئين.

قال: فهم يذكرونها تارة، أحسنت أختنا الكريمة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، طيب، فهم يذكرونها تارة ومرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي اشتقت منها للفاعلين، أحسنت يا حميري، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [المؤمنون: 80]، من غير أن يتعرضوا لذكر المفعولين؛ فإذا كان الأمر كذلك كان الفعل المتعدي كغير المتعدي مثلاً في أنك لا ترى له مفعولاً لا لفظاً ولا تقديراً أصلاً؛ يعني لن تقدر في الكلام شيئاً أصلاً، معناه في التعدية ضَمُرَ، تلاشى، اندثر، انقرض، انتهى.

ومثل ذلك قول الناس: فلان يحل ويعقد، ويأمر وينهى، ويضر وينفع، وكقوله: هو يعطي ويجزل، ويقر ويضيف؛ المعنى في جميع ذلك على إثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق، وعلى الجملة المعنى في جميع ذلك على إثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق، وعلى الجملة من غير أن يتعرض لحديث المفعول، حتى كأنك قلت: صار إليه الحل والعقد، وصار بحيث يكون منه حل وعقد وأمر ونهي وضر ونفع، وعلى هذا القياس؛ فذهنك كله في الفعل وفي الفاعل، لا تلحظ المفعول بوجه لا لفظاً ولا تقديراً أصلاً، لا تقدره في الكلام، كأنه فعل لازم بالضبط.

وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، المعنى هل يستوي من له علم ومن لا علم له؟ من غير أن يقصد النص على معلوم. وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [غافر: 68]، المراد إثبات الإحياء والإماتة لله، يحيي ويميت من الكلام على صفة لله على فعل لله يختص به الله سبحانه وتعالى؛ يحيي ويميت من ليس وارداً أصلاً، يعني كأن يحيي ويميت فعل لازم لازم، مع أنه ليس كذلك في الأصل.

وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: 43-44] على نفس القياس، خلاص عرفنا الأمر. وقوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ﴾ [النجم: 48]، المعنى هو الذي منه الإحياء والإماتة.

والإغناء والإقناع، كما تقول أيضاً: فلان من العارفين، المقصود هو إثبات المعرفة للموصوف دون التفات في هذا المقام إلى ما يقع عليه العرفان. وهكذا كل موضع كان القصد فيه أن تثبت المعنى في نفسه فعلاً للشيء، وأن تخبر بأن من شأنه أن يكون منه أو لا يكون منه، فإن الفعل لا يُعدَّى هناك؛ لأن تعديته تنقض الغرض وتغير المعنى.

أنت إذا ذكرته هنا في هذا المقام صرفتني بالكلية عن الغرض، وهو إثبات الفعل أو الصفة للموصوف، ولو على سبيل الفعل؛ لأنها في مقام إثبات الصفة. ألا ترى أنك إذا قلت: هو يعطي الدنانير، كان المعنى على أنك قصدت أن تعلم السامع أن الدنانير تدخل في عطائه، أو أنه يعطيها خصوصاً دون غيرها؟ وكان غرضك على الجملة بيان جنس ما تناوله الإعطاء لا الإعطاء في نفسه. ولم يكن كلامك مع من نفى أن يكون منه إعطاء بوجه من الوجوه، بل مع من أثبت له إعطاء إلا أنه لم يثبت إعطاء الدنانير. فاعرف ذلك فإنه أصل كبير عظيم النفع، ومنه تعلم أن أصل الصحة لا يصلح في الشعر.

أنت عارف لماذا؟ لأن التعدية للمتعدي ليست غلطاً بالأصل، يعني أنت لو عديت الكلام كان مصيبة. ومع ذلك، أنا أخطأت في حاجة يا جماعة؟ هل أخطأت؟ ده أنت تعلق على المشنقة! أنا ما أخطأت، هو يعطي الدنانير، يعني هي مشكلة الآن في الدنانير؟ لاحظتم يا إخوة، أنت إذا ذكرته وكان الفعل من هذا النوع صرفني عن الإرادة؛ إذا زعمت أن الإرادة أو إذا زعمت أنت المتكلم أن الإرادة على أنك تريد إثبات الفعل لما ذكرت المفعول، صرفني، لا يمكن، لا يصح زعمك هنا. خلاص، كلامك يصح لكن في أخرى، نعم.

فإذا قلت: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، أنت إذاً كلامك صار على علم مخصوص ولم تطلق العلم، ولم تطلق أنك تريد الكلام عليهم من حيث كونهم عالمين. فهمت الكلام أخذ جهة أخرى، تصح في جهة أخرى، لكن لا يمكنك أن تزعم أنك تريد هذه الجهة الأولى. طيب، هذا يا إخوة نوع منه، هذه تارة، هذا مرادهم أحياناً.

قال: فهذا قسم من خلو الفعل عن المفعول وهو ألا يكون له مفعول يمكن النص عليه. انتبه، تعبير عبد القاهر قد يُشكل، المقصود هنا أن يجعل المتعدي في منزلة اللازم، وليس أنه ليس له مفعول بالأصل. انتبه حتى لا تظن أن فين المتعدي وفين اللازم، هو خلاص صار يتكلم على الذي نزل منزلة المتعدي منزلة اللازم فعبر بهذه العبارة.

وهو ألا يكون له مفعول يمكن النص عليه؛ هل هذا على ظاهره ليس له بالأصل مفعول يمكن النص عليه؟ لا، لكن خلاص باعتبار الوجه والطبقة الأدبية التي صار فيها الكلام. ونبهت في بعض المجالس أن عبد القاهر يدخل كثيراً في الطبقة الأدبية، فيستعمل فيها المفردات ما يجوز وما لا يجوز على أساس الطبقة لا على أساس الأصل النحوي، نبهت إلى اللغة الأدبية عند عبد القاهر ولهذا تسمى البلاغة الأدبية، بلاغة أدبية. فهمتم؟

قال: وقسم ثانٍ وهو أن يكون له مفعول مقصود قصده معلوم، إلا أنه يحذف من اللفظ. الأول خلاص ليس له مفعول حتى في الكلام تجوه ل وتنوي ليس باعتبار الأصل، لكن هنا يكون له مفعول ويكون مقصوداً في الكلام فيكون معلوماً، لكنه يحذف من اللفظ لدليل الحال عليه. وينقسم إلى جلي لا صنعة فيه، وخفي تدخله الصنعة. وركزوا جيداً لأننا سنبني على معرفة هذا وهذا شيئاً من التميز يأتي بعد قليل، إذا أدركه في هذا المجلس.

قال: فمثال الجلي قولهم: أصغيت إليه، وهم يريدون أذني، يعني أصغيت أذني إليه، وأغمضت عليه، والمعنى جفني. ليس كالأول الذي لا يذهب العقل فيه إلى شيء أصلاً، هنا يذهب ولكن يتناسب في الكلام لعدم تأثير ظهوره. ركزوا معي الآن لتفهموا الفرق بين هذا وبين النوع الأول من القسم الثاني. ركزوا معي جيداً، هذا النوع فائدته في الحذف الاختصار فقط، ولو أظهرته تكون قد أطلت الكلام دون طائل: أصغيت أذني إليه، خلاص، أغمضت جفني عليه، خلاص.

فإذا حذف في هذا القسم الجلي، ما الغاية البلاغية من الحذف؟ لا شيء سوى الاختصار، لا يوجد شيء تلتمس له، هو جلي ليس خفياً. يبدأ الخفي عند العمل الشعري. تذكرون شطر البيت الذي نقده عبد القاهر على المتنبي في أسرار البلاغة وهو قوله: وكل امرئٍ يولي الجميلَ محببُ، فأثنى على البيت فقط من جهة من جهات معينة أو على الشطر ونفى عنه الشعرية وقال: ليس فيه من حقيقة الشعر شيء، ولكن قال: وإنما من جهة الاختصار وكذا وكذا. تذكرون شطر البيت، تذكرون تعليله لما ذكر لماذا ليس فيه من حقيقة الشعر ومن صميم الشعر؟ قال: وإنما فيه جمال الاختصار وكذا. هذا هو وقع فيه هذا الجلي، نوع جلي اختصار.

هذا ما أريد أن أقول، اختصار مجرد الاختصار الذي يكون عكسه الإطالة لا يعطي الكلام فضلاً كبيراً، لذلك قولك أصغيت أذني أو أصغيت إليه ليس فيه فضل، وإن حذفت أذني، وأغمضت عليه يعني أغمضت جفني عليه، ليس فيه فضل وإن حذفت جفني، لا يكفي. هذا نوع جلي، وقلت لكم كلام العربي لا يخلو من البلاغة، هي لغة شاعرة، ولكن يبقى كلام الناس كلام الناس. ومرت معنا مواضع نبهت فيها إلى وجوه من البلاغة تحصل ومع ذلك نص عبد القاهر على أنها ليس فيها كبير بلاغة مع أنها بالنسبة يعني بقياس كلام العربي إلى كلام غيرهم فيه بلاغة. نعم، وهذه من شاعرية لغة العرب الأصلية، وأن عامة العربي أفصح من عامة غيرهم في لغتهم، أفصح وأميل إلى اللغة وأحكم في لغتهم من عامة غير العرب في لغتهم. يعني العوام من العرب أفصح في لغتهم من العوام من الأعاجم في لغتهم، العرب في لغتهم أبلغ وأفصح من عوام الأعاجم في لغتهم.

فهذا قسم، انتبهوا وتذكروا هذا، إذا حصل وأظهره كان تطويلاً لما حذفه. أراد منه فقط الاختصار، ليس له فضل فوق ذلك، لهذا هو جلي، انتبه لهذا هو جلي ظاهر؛ لأنك إذا انتقلت إلى مرحلة الخفي انتقلت إلى عمل طبقة أخرى من الناس. قال: وستعلمون بعد قليل لماذا أكدت لكم على فهم حقيقة النوع الجلي، لأنه سيشتبه كما اشتبه علينا منذ سنين لما درسنا الكتاب، هذا النوع الثاني من القسم الثاني اشتبه علينا بهذا النوع الأول أو القسم الأول الجلي. لكن بالتركيز بالتأمل بإطالة التأمل تفهم الفرق.

قال: وأما الخفي الذي تدخله الصنعة، انظر فيتنوع، فنوع منه أن تذكر الفعل وفي نفسك له مفعول مخصوص قد علم مكانه، أما بجري ذكر أو دليل حال. انظر يقول لك في كل موضع علم مكانه لدليل الحال عليه؛ يعني في النوع الأول قال لدليل الحال عليه، وهنا قال أو دليل الحال، بجري ذكر أو دليل الحال. هذا شرط، اسمع اسمع جيداً وانتبه، ودون هذا شرط لصحة الحذف أصلاً حتى لا يحصل الخلل في أصل البيان، وليس نكتة الحذف. انتبه، هذا شرط لصحة الحذف وليس تعليلاً لنكتة، ليس تعليلاً للحذف أو ذكراً لنكتة الحذف وبالغة الحذف؛ كما أن وجود قرينة كانت ما كانت صورتها في المجاز شرط لصحة المجاز وليست علة، القرينة في المجاز ليست علة لجودة المجاز، إنما هي شرط لصحة المجاز، بعد ذلك جودة المجاز شيء آخر. كذلك هنا، أن يدل الحال على المحذوف شرط للحذف حتى لا يلتبس بما ليس له مفعول، حتى لا يلتبس بما ليس له مفعول، حتى لا يلتبس بالنوع الأول الذي ينزل منزلة المتعدي الذي ينزل منزلة المتعدي.

خلاص، أما علة الحذف فهي شيء آخر. قل يا محمد، هنا كانه نوع ويقول فنوع منه، بينما أنت قلت الآن أنه أصل، يعني أصل لكل النوع الثاني كيف لم أفهم؟ وأما الخفي الذي تدخله الصنعة فيتنوع ثم قال فنوع منه، وذكر هذا الذي كما قلت ينبغي أن يكون أصلاً، ينبغي أن يكون أصلاً في كل الذي هو ماذا يا محمد الذي قلت أن يكون له، يعني أن يكون له دليل، يكونه دليل من الجمل أو من الحال؟ لا، هو عبد القاهر ذكر هذا في كل الأقسام أصلاً. أنت تقول الآن لماذا ذكره هنا وذكره هنا خلاص مع أنه أصل، أنت اعتبرته أصلاً في الثاني أم أصلاً في الجميع؟ هذا سؤالي لك. هو هو أصلاً في الجميع طبعاً، لكن الأول يعني كما قال عقيل ظاهر، لكن أنا أقصد لماذا ذكره في الثاني كأنه نوع منه فقط؟ لا لا لا لا ليس يذكره، هو يقدم له على أنه شرط وهو مسحوب على كل الصور، يعني أنا أوقفتك على العبارة ولم نتم العبارة بعده فقط. أوه، هو لم يتم العبارة، نعم، سترى ذلك الآن سترى، وستلاحظ شيئاً فقط حتى لا يختلط عليك. ودلالة الحال على المحذوف تكون في أو تبدأ من القسم ماذا؟ من القسم الذي يقدر فيه المفعول، أما القسم الأول الذي نزل منزلة المتعدي فلا وجود لقرينة أو لدلالة حال؛ لأنه لا وجود للمفعول أصلاً. فهمت؟

لا لا ما قصدت الأول لما أقصدك، نعم أقصد الذي هو الظاهر والجلي، الظاهر والجلي نعم، أه الظاهر قال فيه إلا أنه يحذف من اللفظ لدليل الحال عليه، وهنا في الثاني سيذكر يقول لدليل الحال عليه، خلاص، ثم سيذكر علة ذلك يعني كأنه يؤكد لك على أن دلالة الحال شرط مسحوب ولا بد، فهمت؟ طب انظر إلى تعال تعال حتى أؤكد لك هذا، انتقل إلى الفقرة التاسعة بعد الخمسين، قال: وهذا نوع آخر منه، يعني نوع من الخفي وهو أن يكون معك مفعول معلوم مقصود قصده قد علم أنه ليس للفعل الذي ذكرت مفعول سواه بدليل الحال أو ما سبق من الكلام. نفس الشيء، ولكن بعد ذلك هذا له نكتة وهذا له نكتة. هو يؤكد لك فقط على أنه في كل الأنواع التي حذف فيها المفعول مع قصد مع القصد إليه ومع العلم به لا بد شرط، لا بد من وجود دلالة عليه كدلالة القرينة على الاستعارة أو المجاز، فهمت؟ وضحت، نعم نعم.

طيب نكمل هو الذي أشير إليه، فكما قلت أنه لم تتم العبارة، يقول: وأما الخفي الذي تدخله الصنعة فيتفنن ويتنوع، فنوع منه أن تذكر الفعل وفي نفسك له مفعول مخصوص قد علم مكانه، أما بجري ذكر أو دليل حال، إلا أنك تنسيه نفسك وتخفيه. تأمل عبارة تنسيه نفسك، فأنت لا تنساه حقيقة ولا يصح أصلاً لأن حذفه مقصود في البيان. هذا النوع الخفي الذي قال لك فيه، ها قال لك فيه ماذا تدخله الصنعة فيتفنن ويتنوع، تدخله الصنعة كيف تدخله الصنعة وأنت تنساه؟ إلا طبعاً الحداثي اللي بياخد برشام وبياخد مخدرات ويطلع يخرف، يقول لك خد مخدرات أو خد برشام وكذا وتقعد تكتب الهلوسات على طريقتهم، ممكن، أما هنا أنت تنسيه نفسك لكنك متحكم وتمسك بعجلة قيادة الشعر، إلا أنك تنسيه نفسك وتخفيه، وتوهم، تأمل لفظ توهم، هذا مكر الشعراء مكر الشعراء، وتوهم أنك لم تذكر ذلك الفعل إلا لأن تثبت نفس معناه، نفس معنى الفعل، توهم توهم، ليس كالنوع الأول الذي نزل منزلة المتعدي أنت على الحقيقة تفعل هذا، وفي النوع الجلي أيضاً أنت لا توهم، أنت فعلاً لا تريد المفعول في النوع الجلي، تختصر فقط، لا تريد المفعول خلاص، لكنه حاضر بالدلالة ليصح الكلام لكنك اختصرته للعلم به فقط. ما العلة، ما الحكمة الوحيدة في النوع الجلي؟ الاختصار، لأنه نص لا تفنن فيه، يعني لما آجي أقول لك، أسألكم سؤالاً الآن لكم جميعاً، هذا محذوف للعلم به ولا تفنن فيه، فما العلة؟ سؤال هل شيء غير الاختصار؟ اتفضل يا قحطان، اتفضل، الاختصار فقط.

صح الاختصار فقط، طيب وهذا الموضع يعني علموا عليه هكذا لأن البعض سترونه يعلل جودة الكلام وروعة البيان بالاختصار، قل له الاختصار لا علاقة له إلا بإزالة عيوب الكلام أما التفنن شيء آخر، أهو قال لك نوع يحذف للعلم به ودلالة الحال أو الكلام عليه دون تفنن، إذاً الحذف للاختصار، إذاً الزيادة زيادة غير مطلوبة فيكون شيء من الرداءة خلاص، وأما الذي فيه تفنن ففيه فوق الاختصار. إذاً الاختصار شرط لإجادة الكلام، ويبنى عليه، تبنى عليه الإجادة وليس به تحصل الإجادة.

وهذا ما جعل عبد القاهر، ضع هذا في عين من ينكر هذا، قل له: عبد القاهر لما قال: «وكل امرئ يولي الجميل محبب»، قال هذا محض معنى؛ قال هكذا: هذا محض صريح معنى، ليس فيه من حقيقة الشعر شيء إلا ما فيه من الاختصار. إضافات الأشياء هذه أساس في الإجادة وليست شروطاً في الإجادة. وهذا الموضع الذي هو في صفحة 157 اعتمدوه أصلاً في بيان ذلك، وأنتم تنسون ركناً في علمكم الشعري بالتدبر لا بالقراءة والمرور على الكلام وفهم ظاهره، بل فهم أصوله وفهم علله وفهم مقتضياته التي انطلق أو بني عليها.

هذه صفحة 155 التي فيها هذه القضية، قال: «إلا أنك تنسيه نفسك وتخفيه». لما كنت جئت في مرة وقلت للبعض ونقلت لهم هذا منذ شهور، نقلت لهم كلام عبد القاهر في الأسرار لما نفى الشعرية عن شطر المتنبي، البعض قال: هذا تشدد، وبالقطع ربما رد عليه في هذا، وبالقطع كثيرون سيرفضون هذا من عبد القاهر. وأنت هنا تقول بقوله، أحسب أنه ميل طبيعي مني إلى تشدد عبد القاهر، فقلت حينها في نفسي: والله عندي تأصيل ذلك من صفحات في الدلائل لا تعلمون كيف يؤثر منها ذلك. المشكلة في كلام الرويبضة ومن لا يحسن هذا هو ما ملت إليه، ما أقول بقول في أصول النقد إلا والله عندي تحريره، سواء من كلام عبد القاهر أو الزمخشري، بل من بعض كتب النحو، بل من بعض إطلالات سيبويه على البلاغة وعلى البيان، أما أمثال القرطجني فمنطقه ومنطوقه ومفهومه مليء بالكنوز في هذا.

فلم أنفِ أن الاختصار من هذا حتى اعترض عليّ أحد المشايخ في الأزهر، قال: حتى الاختصار يا شيخ؟ وما الكلام إلا الإيجاز والاختصار! نعم، أنا أصل لك أن الاختصار ليس شعرية، هو شرط للشعرية؛ كما أن صحة المعنى ليست شعرية، هي شرط للشعرية. قال: «إلا أنك تنسيه نفسك وتخفيه وتوهم أنك لم تذكر ذلك الفعل إلا لتثبت نفس معناه، أما في الذي نزل منزلة اللازم وفي الجلي فأنت بالفعل لا تذكره وتثبت نفس المعنى دون المفعول». قال: «ألا وتوهم أنك لم تذكر ذلك الفعل إلا لتثبت نفس معناه من غير أن تعديه إلى شيء، أو تعرض فيه لمفعول». أنا لا أدري لماذا ضبطها الأستاذ محمود شاكر هكذا «تعرض فيه لمفعول»، وقد تكون من ضبط الكتاب أو الذين صنفوا الكتاب، والله أعلم، وإنما هي «أو تعرض فيه لمفعول»؛ لا معنى لـ «تعرض فيه لمفعول».

ومثاله قول البحتري: شجو حساده وغيظ عداه أن يرى مبصر ويسمع واع المعنى لا محالة: أن يرى مبصر محاسنه ويسمع واع أخباره وأوصافه، ولكنك تعلم على ذلك أنه كأنه يسرق علم ذلك من نفسه، ويدفع صورته عن وهمه ويوهمك أنه مش مقصود، هذا مكر الشعراء يا إخوة، كما قلت ليحصل له معنى شريف. معنى شريف، هو صراحة عمود الشعر، المعنى الشريف، ليحصل له معنى شريف وغرض خاص؛ وذاك أنه يمدح خليفة وهو المعتز، ويعرض بخليفة وهو المستعين. فأراد أن يقول: إن محاسن المعتز وفضائله يكفي فيها أن يقع عليها بصر ويعي سمع حتى يعلم أنه المستحق للخلافة، والفرد الوحيد الذي ليس لأحد أن ينازعه مرتبتها.

فأنت ترى حساده، وليس شيء أشجى لهم وأغيظ من علمهم بأن هنا مبصراً يرى وسامعاً يعي، يكون في الدنيا من له عين يبصر بها وأذن يعي معها، كما يخفى مكان استحقاقه لشرف الإمامة، فيجد بذلك سبيلاً إلى منازعته إياه. تأمل كيف حصل هذا كله بالحذف فقط، وهذا من أرقى أنواع الإيجاز بالحذف، ولكن ليس لأجل الاختصار فقط كما رأيت. انظر سرّاً كبيراً وراء الكلام؛ هو يقول لك: شوف يا عقيل، يقول لك: شجو حساده وغيظ عداه، فقط أن تبصر وأن تسمع، بس كدة خلاص، أنا ما أقصدش بقى المفعول، مش في راسي خالص، المفعول ليس في بالي، أن تبصر وأن تسمع. يلا، هل المفعول فعلاً ليس في باله؟ قل يا عقيل، بهذا الحذف كأنه يقول إنه لن يرى غيره؛ إذا كان مبصراً فلن يرى غير الحسن، ولن يسمع إلا الجميل، كأن الدنيا امتلأت بمحاسنه فقط، أن يبصر وأن يسمع، سيرى، سيكفي ذلك لأن يرى أعداؤه لأنها تملأ الدنيا.

وهذا نوع آخر منه؛ وهو أن يكون معك مفعول معلوم مقصود قد علم أنه ليس للفعل الذي ذكرت مفعول سواه، بدليل الحال أو سبق من الكلام، إلا أنك تطرحه وتتناساه وتدعه يلزم ضمير النفس فقط، وتدعه يلزم ضمير النفس لغرض غير الذي مضى. ما الغرض الذي مضى؟ أنت تتوهم أنك لم تذكر ذلك الفعل في الذي مضى إلا لأن تثبت نفس معناه، لكن في الحقيقة أنت تثبته جداً. الغرض هنا مختلف فعلاً، أنت تتوفر العناية على إثبات الفعل للفاعل وتخلص له، وتنصرف بجملتها وكما هي إليه.

ومثاله قول عمرو بن معدي كرب: فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت، ولكن الرماح أجرت «أجرت» فعل متعد، ومعلوم أنه لو عداه لما عداه إلا إلى ضمير المتكلم، وأنه لا يتصور أن يكون هاهنا شيء آخر يتعدى إليه؛ لاستحالة أن يقول: فلو أن قومي أنطقتني رماحهم، ثم يقول: ولكن الرماح أجرت غيري. لا يتصور، إلا أنك تجد المعنى يلزمك ألا تنطق بهذا المفعول ولا تخرجه إلى لفظك، والسبب في ذلك أن تعتك له توهم ما هو خلاف الغرض؛ وذلك أن الغرض هو أن يثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس للألسن عن النطق، وأن يصحح وجود ذلك.

وهنا تفرق بينه وبين النوع الأول؛ القسم الجلي، الجلي إذا أظهر المحذوف سيؤول إلى عكس الاختصار فقط، تطويل ولن يختلف الكلام. «أصغيت أذني إليه»، فلما حذفت لم تضف شيئاً إلى «أصغيت»، «أغضيت جفني عليه» طويلة، طب ولما حذفت «أغضيت عليه» لم تضف شيئاً زائداً ونكتة خفية إلى «أغضيت» ولا إلى «أصغيت». لما زدت أطلت، لأنه كما قال لا فن فيه، فهو قال لا صنعة فيه، فلو زدت وقلت: «أغضيت جفني عليه، أصغيت أذني إليه» كان الكلام تطويلاً، فلو حذفت لم ينقص شيئاً من الدلالة الأولى. أما هنا فلو أظهرت وأضفت المفعول وعديته إلى المذكور، غيرت اتجاه الكلام.

ولو قال «أجرتني» جاز أن يتوهم أنه لم يُعنَ بأن يثبت للرماح إجراراً، بل الذي عناه أنها أجرته، أي أن هذا سيجعل الكلام مختلفاً والغرض مختلفاً، وسيُقصّر عن الغرض الحقيقي للكلام، فكأنه يفتح باباً جديداً للكلام وليس أنه يغلق الكلام الأول. فقد يذكر الفعل كثيراً والغرض منه ذكر المفعول، مثاله أنك تقول: «أضربت زيداً» وأنت لا تنكر أن يكون كان من المخاطب ضرب، وإنما تنكر أن يكون وقع الضرب منه على زيد، تستنكر أن يقع على زيد وأنت تعلم أنه وقع أصلاً، وأن يستجيز ذلك أو يستطيعه.

فلما كان في تعديته أجرته ما يوهم ذلك، وقف فلم يُعدِّ أي لم يجعل الفعل يتعدى إلى مفعول مذكور، لتخلص العناية لإثبات الإجرار للرماح وتصحيح أنه كان منها، وتسلم بكليتها لذلك؛ أي يغلق المعنى الأول الذي بدأه. وهذا كله كلام في المعنى الشعري يا إخوة، أما أصل المعنى فواحد في الجميع، محض المعنى، مجرد المعنى، المعنى المغسول، المعنى المحض المجرد من الفن المرشح، هذا واحد في الجميع بدليل أن المفعول مقدر حتى مع الحذف. ونقف هنا، فقد تعبت كثيراً، شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، وفقكم الله تعالى ورزقنا وإياكم العلم النافع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.