غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، أصلّي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي على مذهب السادة الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين، وزدنا علماً.
وصلنا يا أحبائي في مدارستنا لهذا الكتاب إلى باب المسابقة. والمسابقة باللغة وفي الفقه هي التنافس بين اثنين فأكثر، أو التنافس بين شيئين فأكثر. هذا بالمفهوم العام في الحقيقة، وإن كان الحنابلة يقولون: المسابقة هي المجاراة بين الحيوان وغيره، ويعرفون المناضلة أيضاً بتعريف آخر غير المسابقة، لأن المناضلة تقوم بالسهام، لكن من باب التقريب والتسهيل نقول: المسابقة هي المجاراة والمنافسة بين شيئين فأكثر، سواء كان بين انسانين يركضان، أو بين فرسين، أو بين زورقين، إلى آخر أشكال المنافسات، فهذه هي طبيعة المسابقة جيد.
هذا إذن من حيث المفهوم اللغوي، ومن حيث المفهوم الشرعي أيضاً، لأن هناك تقارباً في تقرير أصل هذا المفهوم. والمسابقة أحبائي عموماً، كما سيظهر معنا، قد تكون على عوض، وقد تكون على غير عوض مجاناً. فالمسابقة بلا عوض المراد بالمسابقة بلا عوض أن الفائز لا يأخذ عوضاً، لا يأخذ جائزة، وإنما مجرد مسابقة هكذا على إطلاقها من دون عوض. المسابقة بلا عوض هذه الحمد لله مفتوحة في الشريعة الإسلامية، لك أن تتسابق أو أن تجري أي مسابقة بدون عوض، اللهم إلا في الأمور المحرمة، كالمسابقة في شرب خمر، أو نحو ذلك من الأشياء التي لا ترضي الله سبحانه وتعالى، فهذه معلوم حرمتها. وما سوى ذلك فتجوز المسابقة بغير عوض على أي شيء مما لا حرام فيه.
وأما المسابقة بعوض، كما سيظهر معنا، بحيث إن الفائز يحصل على عوض وعلى جائزة وعلى هدية، فهذه محصورة صورها وأشكالها بنص الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم. إذن المسابقة والتنافس قد يكون بعوض، وقد يكون بغير عوض. إذا كان بغير عوض فهو مفتوح، له صور وأشكال عديدة مفتوحة للناس أن يبدعوا فيها ما شاءوا في غير غضب الرب سبحانه وتعالى، يعني في غير المنافسات التي تغضب الرب، لأن المنافسات التي كما قلنا تتضمن حراماً لا، فهذه لا مجال فيها البتة، لا بعوض ولا بغير عوض. وأما المسابقة بعوض فلها صور محددة سنأتي إليها بإذن الله.
لذلك ماذا قال؟ قال: باب المسابقة، وهي جائزة، أي مسابقة والتنافس جائز في السفن، فلو أن إنساناً عنده سفينة، وإنساناً آخر عنده سفينة، ويريدان أن يتسابقا في البحر، هل هناك مشكلة؟ قال: ما في مشكلة. قال: والمزاريق، والمزاليق هي الرماح، المزاريق هي الرماح، فلو أن إنساناً عنده رمح، واخر عنده رمح، يريد هذا أن يرمي وهذا أن يرمي، وينظرا مثلاً من الذي يصيد فيهما؟ هل فيه حرج؟ لا يوجد حرج.
إذا هو الآن بدأ بالحديث عن المسابقة بغير عوض. انتبهوا. الآن اكتبوا: بدأ الحديث عن المسابقة بغير عوض. وذكر أمثلة لها ولم يحصروه، وذكر أمثلة للمسابقة من دون عوض، قالوا: وهي جائزة في السفن والمزاريق والطيور. الطيور مثلاً شخص عنده نسر وشخص آخر عنده نسر يريدان أن يتسابقا وينظرا أي النسرين الأكثر صيدا، فهذا يرسل نسره وهذا يرسل نسره، وينظر وكذلك وغيرها، قال: وغيرها، إذاً على العموم بالتالي هو لا يريد أن يحصر، وهي جائزة في السفن والمزاريق والطيور وغيرها، قال: وعلى الأقدام، هذا يجري وهذا يجري وينظران من الذي يسبق، قال: وبكل الحيوانات، قال: كالابل والخيل والبغال والحمير والفيلة، إجراء مسابقات بين الحيوانات أيضاً هذا كله جائز، لكن لا يجوز اخذ العوض إلا، الآن بدأ يبين المسابقة إذا كان فيها عوض، يعني إذا كان السابق سيحصل على عوض على جائزة، فقال: لكن لا يجوز أخذ العوض إلا في مسابقة الخيل والإبل والسهام.
آه إذاً إذا كانت المسابقة سيتم فيها اخذ العوض فهذا لا يجوز إلا في ثلاثة أشكال من المسابقات: المسابقة بالخيل، والمسابقة بين الإبل، والمسابقة برمي السهام. لماذا هذه الثلاث بالتحديد؟ قالوا: لأنها هي التي ورد فيها النص في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا سبق إلا في خف» وهذا رمز الإبل «أو نصل» وهذا رمز السهام «أو حافر» وهذا رمز الخيل، قالوا: فهذا الحديث النبوي حصّل لنا أشكال المنافسات التي يجوز أخذ العوض فيها، فما سوى هذه الثلاث لا يجوز التسابق فيها على عوض، ويجوز التسابق فيها على غير عوض. هذه القاعدة باختصار.
إذاً أشكال المسابقات عموماً جائزة بلا عوض، واما إذا كان هناك عوض فعند الحنابلة لا يجوز أخذ العوض إلا على ثلاثة أشكال من المسابقات فقط: الخيل والإبل والسهام. تقول لي: لماذا يا شيخ فقط هذه الثلاث؟ أقول: لأنها هي التي ورد فيها النص بالحصر. فقوله صلى الله عليه وسلم: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر». والسبق هو العوض الذي يؤخذ في المسابقة، هذا معنى كلمة السبق، ويقال سبق أيضاً هذا يراد به العوض الذي يؤخذ في المنافسات. فقوله صلى الله عليه وسلم: «لا سبق» المراد به يعني لا عوض يؤخذ في مسابقة إلا إذا كانت المسابقة على الخيل وعلى الجمال أو في رمي السهام. وبالتالي الحصر الوارد في الحديث هو الذي دفع الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم لحصر العوض في هذه الثلاث أو حصر المسابقة بعوض في هذه الثلاث.
طبعا هذا رأي الحنابلة، هناك من يوسع ويقيس عليها كل ما كان في معناها، يعني من تعمق أكثر وأكثر. هناك بعض العلماء قالوا: هذه الثلاث لها علة لجواز اخذ العوض فيها، ألا وهي ان كون المسابقة عليها نافعة للناس، فبالتالي يجوز اخذ السبق على أي مسابقة نافعة بخلاف المسابقة التي لا نفع فيها فهذه لا يجوز أخذ العوض فيها. فالبعض إذا نظر إلى علة هذه الثلاث وحاول أن يستنبط علة ظاهرة منضبطة يقيس عليها غيرها فلم يحصل في هذه الثلاث. وأما الحنابلة قالوا: لا، هذه الثلاث بالتحديد، ولا ينتقل إلى غيرها. وهذه مشارب لأهل العلم.
طبعا أنا اختصر الكلام كثيراً في قضايا الاستدلال وإلا فالحوار طويل، وإن شاء الله في مراحل متقدمة نتحاور وننظر في طبيعة هل هذه العلة علة صحيحة وليست بصحيحة وهل هناك رواية داخل المذهب يمكن أن يتكأ عليها لتصحيحها إلى آخر هذه الأمور. لكن المهم الآن أن نضبط أصل المذهب.
إذن قال: لكن لا يجوز أخذ العوض إلا في مسابقة الخيل والإبل والسهام. بعد أن بين المواطن التي يجوز فيها المسابقة على عوض وهي هذه الثلاثة، أراد أن يبين أنه حتى هذه الثلاثة، الإبل، المسابقة على الإبل وعلى الخيل وعلى السهام، حتى يجوز أخذ العوض فيها هناك شروط خمسة. إذا أخذ العوض في هذه المنافسات الثلاث أيضاً ليس على إطلاقه، بل له شروط عند السادة الحنابلة. لذلك قال: لكن لا يجوز أخذ العوض إلا في مسابقة الخيل والإبل والسهام بشروط خمسة إذا لم تتحقق فلا يجوز حتى أخذ العوض حتى في هذه المنافسات الثلاث.
ما هي الشروط الخمسة؟ قال: أحدها تعيين المركوبين أو الراميين بالرؤية. إذن هذا أول شرط، إذا كانت المسابقة على خيل أو إبل فلا بد يتم تعيين المركوبين، أنه هذا الخيل سيتنافس مع هذا الخيل، تعيين مركوب هذا الخيل مع هذا الخيل أو هذه الناقة مع هذه الناقة، ويكون ذلك بالرؤية، لذلك حددها وليس بالوصف. هنا لا بد من رؤيا، فلا بد إذن إذا كانت على خيل أو إبل أن نعرف ما هي الخيول التي ستتنافس باعيانها هذا مع هذا أو هذه الناقة مع هذه الناقة، ولا يقول والله أعطنا وصف عام، لا، ما ينفع، لابد أن يحدد وأن ترى ما الذي سيتنافس. وقال أو إذا كانت المسابقة بالسهام فلا بد نعرف من هو الرامي، زيد مقابل عمرو، خالد مقابل موسى، فلا بد إذن أولاً من تعيين المركوبين إذا كانت مسابقة خيل أو إبل، أو تعيين الراميين إذا كانت مسابقة سهام من خلال الرؤية ولا يجزئه هنا الوصف.
اثنان: لابد من اتحاد المركوبين أو القوسين بالنوع. لا بد إذا كانت المسابقة على خيل أو إبل من اتحاد المركوبين في النوع. ما معنى هذا الكلام؟ يعني إذا كانت الخيل، هناك خيل عربية أصيلة وخيل هجينة، لا تصلح، لا تصح المسابقة بعوض عليها. ليه؟ قالوا: اختلف النوع، فالخيل العربي سرعة مواصفاته طبيعة حركته تختلف عن الخيل الهجين، وكذلك بالنسبة للناقة، فإذا كانت هناك مثلاً ناقة عربية أو أصيلة وناقة هجينة أو ناقة من نوع البخاتي الذي له سنامان وناقة سنام واحد، هذه كلها أنواع مختلفة وكل نوع له مواصفاته له طريقة في الحركة في السرعة تختلف عن الآخر، فالمسابقة بينها لا تكون عادلة، هذا باختصار. المسابقة بينها لا تكون عادلة، فالمسابقة بين الخيل العربي والخيل غير العربي الهجين لا تكون عادلة، فبالتالي لا يجوز أخذ العوض عليها.
الآن لو تسابق اثنان على خيل عرب مقابل خيل هجين من دون عوض، ما عنا مشكلة، خلص، هو ما في شي يخسر هنا، لكن المشكلة إذا أصبح في هناك أخذ عوض وجائزة، لا، هنا لابد من اشتراط اتحاد المركوبين في النوع. وكذلك اتحاد القوسين، إذا كانت المسابقة بالسهام، لا بد من اتحاد القوس، هنا قوس عربية وهناك القوس الفارسية، فالقوس العربية هي التي تسمى النبل، والقوس الفارسية هي التي تسمى الشاش. فإذا كان زيد معه قوس عربية وهذا معه قوس فارسية أيضاً لا تصح المسابقة بعوض، لأن كل قوس لها قوتها في الرمي، كل قوس لها قوتها واندفاع السهم منها يختلف عن القوس الأخرى، وهذا بالتالي يسبب عدم عدالة في المسابقة بين قوس عربية وقوس فارسية. فلا بد إذن، كما قال، من اتحاد المركوبين إذا كانت خيل أو إبل أو القوسين إذا كانت مسابقة سهام، عادة في إيش؟ قال في النوع، عربي مقابل عربي، هجين مقابل هجين، قوس عربية مقابل قوس عربية، قوس فارسية مقابل قوس فارسية.
بسم الله الحمد لله. الشرط الثالث قال: تحديد المسافة فيما جرت به العادة. الآن إذا كانت مسابقة على خيل أو على إبل فلا بد من تعيين مكان البداية ومكان النهاية. انتبهوا ماذا أقول؟ إذا كانت المسابقة على خيل أو على إبل فلا بد من تحديد مكان البداية ومكان النهاية فيما يعني فيما أيضاً تجري به العادة. ايش يعني فيما تجري به العادة؟ يعني ما بنفع تكون مسافة البداية والنهاية بينها مناطق شاسعة جداً لا يمكن في العادة أن تقطعها الإبل والخيل. لا يمكن في العادة أن تقطعها الإبل والخيل. ايش يعني يا شيخ؟ يعني ما بنفع يكون مكان البداية في عمان والله يلا المسابقة ستتبدأ من عمان بهذه الخيل وبهذه الإبل، والنهاية في إسبانيا، بنقول: يعني هذه ما هي مسابقة أن الإبل ستقطع كل هذه المسافة في العادة، نقول في العادة الإبل لا تقطع كل هذه المسافة مرة واحدة، وكذلك الخيل لا تقطع هذه المسافة مرة واحدة.
طبعا إسبانيا هي الأندلس ونعيدها إلى بلاد الاسلام والمسلمين وإلى حياضنا، لكن أنا فقط رمزت بها لقضية المسافة الشاسعة. فلا بد إذن من تحديد، إذا كانت المسابقة الآن أركز على قضية الخيل والإبل، إذا كانت المسابقة على خيل أو إبل فلا بد من تحديد مكان البداية الانطلاق ومكان النهاية، ويكون هذا المكان جرت العادة أن تقطعه الإبل أو جرت العادة أن تقطعه الخيل.
وأما إذا كانت المسابقة برمي السهام قالوا هنا فلا بد من تحديد مدى الرمي. ما المراد تحديد مدى الرمي؟ الآن إخواني عندما تكون مسابقة بالسهام، يعني دعوني فقط أن أبين الفكرة بالصورة حتى أختصر على نفسي، لا بد نعرف المدى الذي سيرمي به أو سيرمي منه المتسابقون، فمثلاً نقول هذا هو الهدف، مثلاً هذا هو الهدف، مش هكذا يفعلوا مسابقة السهام، هذا هو الهدف، لا بد يكون المدى الذي سيرمي منه المتسابقون معلوم ويكون أيضاً متحد بينهم. فمثلاً نقول نرمي من مدى خمسين متر، فيقف الرامي الأول هنا والرامي الثاني هنا على نفس المدى ويرميان، وننظر من الذي سيصيب الهدف، فلا بد إذن من تحديد مدى الرمي. هذا المراد تحديد مدى الرمي، ما هي المسافة التي سيتم الرمي من خلالها باتجاه الهدف جيد؟ ولا بد أن تكون أيضاً هذه المسافة أيضاً من المسافات التي يتم فيها إصابة الهدف عادة.
فلذلك يقول الحنابلة: لا يجوز أن تكون من مسافة مدى الرمي أكثر من ثلاثمائة ذراع. لا يجوز أن يكون المدى الذي سيتم الرمي منه لإصابة الهدف أكثر من ثلاثمائة ذراع، لأنه لم تجد العادة أن تتم الإصابة في أكثر من ثلاثمائة ذراع، يعني هذا أكثر شيء يمكن أن تجري أن تتم فيه الإصابة في العادة، أكثر شيء يمكن أن تتم فيه الإصابة في العادة عند العرب وعند الرماة هي ثلاثمائة ذراع. أكثر من هيك لا تتم الإصابة في عادة الناس، وبالتالي لا يجوز أو لا تصح المسابقة بعوض، ركزوا: لا تصح المسابقة بعوض إذا كان مدى الرمي أكثر من ثلاثمائة ذراع.
تنقول لهم أنت وقف هون، أنت وقف هون، والهدف على بعد خمسمائة ذراع، ستمائة ذراع، بنقول لها هذه المسابقة ما بتنفع، إنه مدى الرمي لم تجد العادة أن تحدث فيه الإصابة، فالمسابقة فيه غير عادلة، فلا تصح المسابقة بعوض عليه، فهذه أو هذا هو المقصود بتحديد مدى الرمي.
إذاً لابد إذاً من تحديد المسافة إذا كانت المسابقة على خيل أو إبل، وكذلك تحديد مدى الذي سيتم فيه الرمي إذا كانت المسابقة بالسهام، ويكون هذا المدى وهذه المسافة جرت بها العادة، جرت بها العادة. فإذا كانت المسافة فوق العادة أو المعتاد، فحينئذ لا تصح المسابقة بعوض.
رابعاً، انتهينا إذاً من ثلاثة شروط، الشرط الرابع للمسابقة بعوض قال: علم العوض وإباحتهما. علم العوض وإباحته: أن يعرف المتسابقون ما هو العوض، هل سنأخذ أموالاً؟ هل سنأخذ نقدية مثلاً؟ أو هل ستكون الجائزة مثلاً إلكترونيات؟ هل ستكون الجائزة سيارة؟ علم العوض، لا بد يُعرف ما هو العوض وإباحته.
وإباحته يعني لا يصح أن يكون العوض شيئاً محرماً؛ والله الذي يفوز يأخذ آلات المعازف أو يأخذ خنزيراً أو يأخذ شيئاً حرمه الله سبحانه وتعالى عموماً. إذن الشرط الرابع: لا بد أن يكون العوض معلوماً ومباحاً شرعاً.
الخامس، الشرط الخامس: الخروج عن شبه القمار. الخروج عن شبه القمار يعني أن لا تكون المسابقة بعوض تشبه القمار الذي لا يرضي الله سبحانه وتعالى. فكيف يتم الخروج عن شبه القمار؟ الآن إخواني هم يقولون: إذا كان العوض مأخوذ من جميع المتنافسين المتسابقين فهذا قمار.
يعني مثلاً هناك خمسة سيتسابقون بالخيل، أو خمسة سيتسابقون بالإبل، أو خمسة سيتسابقون برمي السهام، وأخذنا من الخمسة من كل شخص، قلنا مثلاً: أنت تدفع عشرة دنانير، وأنت تدفع عشرة، وأنت تدفع عشرة، وأنت تدفع عشرة، وأنت تدفع عشرة؛ أصبح عندنا خمسون ديناراً نضعها، نقول: الذي يفوز يأخذ هذه الخمسين.
قالوا هذا قمار، إذا أخذ العوض من جميع المتنافسين فهذا ايش؟ قالوا هذا قمار. وهذا كثير للاسف ما يحدث، يشترك خمسة في مسابقة، وكل شخص يخرج من عنده وتوضع هذه الجائزة على جنب، ونقول الذي يفوز يأخذها، هذا قمار. يجب أن يخرج منه حتى تصح المسابقة بعوض، كيف يتم الخروج منه؟
قالوا: طريقة الخروج منه بألا يخرج جميع المتسابقين، لا يؤخذ العوض من جميع المتسابقين. هذه الطريقة الأولى، بحيث ايش يعني ألا يخرج العوض من جميع المتسابقين؟ يعني أن هذا العوض يدفعه بعض المتسابقين، والبعض الآخر لا يدفع شيئاً. فمثلاً عندنا أربعة سيتسابقون، اثنان قال: نحن الجائزة منا نضعها على جنب، واثنان قالا: نحن لا ندفع شيئاً، نحن نتسابق معكم عادى، إذا فزنا نأخذ العوض، ما فزنا نحن لم نخسر شيئاً، وأنتم إذا فزتم يا من دفعتم العوض اخذتم عوضكم، وإذا لم تفوزوا خسرتموه.
فهذا قالوا: هكذا نخرج عن مشابهة القمار لأن البعض أخرج والبعض لم يخرج، فما عادت هذه صورة قمار. صورة القمار إنما تكون إذا أخرج الجميع، أما إذا أخرج البعض ولم يخرج البعض ووضعت الجائزة على جنب فهنا لا إشكال في ذلك، لأن الذي يعني تبرع هكذا قالوا، أن يتبرع أن يخرج من عنده يعني هذا جزاه الله خيراً نوع من أنواع التبرعات، هو رضي أن يتبرع بهذا ولم تحدث القمار لأن ليس الجميع هو الذي أخرج. فيه نوع تبرع وفيه نوع من الخروج من القمار من جهة أن ليس الجميع هو الذي أخرج، هذه طريقة أولى للخروج عن مشابهة القمار ألا يخرج جميعهم.
الحالة الثانية من الخروج عن شبه القمار أو الطريقة الثانية هو أن يكون الذي يدفع الجائزة طرف من خارج المسابقة، وهذا جيد. أن يكون الذي دفع الجائزة أصلاً هو طرف خارج المسابقة، يعني هناك خمسة سيتسابقون، ومن الذي تكفل بالجائزة؟ شخص من خارج المسابقة، هيئة رسمية، مؤسسة دولية، ما شابه ذلك، فهذه أيضاً صورة أخرى للخروج عن مشابهة القمار.
إذاً الخروج عن مشابهة القمار إما أن تكون الجائزة من طرف خارج المتسابقين تماماً. طيب هل يجوز أن يخرج العوض من المتسابقين؟ نقول: نعم، إذا أخرج بعضهم ولم يخرج البعض الآخر فهذا أيضاً خروج عن مشابهة القمار. وأما إذا أخرج الجميع فأصبحنا في القمار، فهذه الصور التي يتحدث عنها الحنابلة.
إذن الشرط الخامس: الخروج عن شبه القمار بأن يكون العوض من واحد، فإن أخرجا معاً لم يجوز إلا بمحلل. الآن لماذا قال بأن يكون العوض من واحد؟ الآن هو الشيخ مرعي افترض أن المسابقة بين اثنين فقط، الشيخ مرعي افترض أن المسابقة هي بين اثنين فقط، بالتالي نعم يخرج أحدهما العوض ولا يخرج الآخر حتى نخرج من مشابهة القمار.
طيب إذا كانت المسابقة بين أربعة يخرج مثلاً واحد أو يخرج اثنين ولا يخرج البعض؟ فالعبرة ليس بأن يكون العوض من واحد، يعني لا بد فقط واحد، فإذا كانت المسابقة من خمسة فقط الذي يخرج واحد؟ إذا كانت مسابقة بالمئة فقط الذي يخرج واحد؟ لا لا، والشيخ مرعي افترض المثال أن المسابقة بين اثنين فقال: يخرج واحد ولا يخرج الآخر، هذا الذي يقصده.
لكن لو كانت المسابقة بين عشرة المهم عندنا أن البعض يخرج والبعض لا يخرج، هذا المهم عندنا أن البعض يخرج والبعض لا يخرج، هذا الضابط العام، ولذلك نقول: الخروج عن شبه القمار بأن يكون العوض من البعض دون البعض، هذا كله يعني هذه هي الطريقة الأولى للخروج عن مشابهة القمار إذا كان العوض سيدفع من قبيل أو من جهة المتنافسين.
فنقول لهم إذا كان العوض سيدفع من جهة المتنافسين حتى نخرج عن مشابهة القمار يخرج البعض ويترك البعض، وأما إذا أخرج العوض أصلاً شخص منفصل عن المسابقة بأن كان إمام الدولة المسلمة أو حتى قالوا يجوز بيت مال المسلمين لما فيه من مصلحة تعلم الجهاد أو تكون الهيئة مستقلة، فهنا أصلاً اكتفينا وكفى الله لهم منها القتال كما قالوا وخرجنا من شبه القمار بالكلية.
جيد إذاً قال الخروج عن شبه القمار وهو ذكر هذه الطريقة بأن يكون العوض من واحد. اكتبوا: إذا كانت المسابقة بين اثنين فيخرج العوض واحد ويترك الآخر. طيب فإن أخرجا معاً، إذا إذا كانت المسابقة بين اثنين وكلاهما أخرج عوضاً هذا دفع خمسين وهذا دفع خمسين وصرنا بصورة القمار، قال: فإن أخرجا معاً لم يجز. طيب هل يمكن تصحيح هذا الأمر؟
قال: يمكن تصحيحه، قال: فإن أخرجا معاً لم يجوز إلا بمحلل لا يخرج شيئاً. إذا كانت المسابقة بين اثنين وكل واحد وضع عوضاً قلنا هيك أصبحنا بصورة القمار فلا تجوز. طب هل يمكن أن نصححها؟ نقول: نعم، يمكن أن تصحح هذه المسابقة بأن تدخل رجلاً ثالثاً معكم في المنافسة لا يدفع شيئاً، صح، هكذا نقول لهم: عليكما إذا أردتم تصحيح هذه المسابقة أن تدخلوا معكم رجلاً ثالثاً في المنافسة، وهذا الرجل الثالث لا يدفع شيئاً بحيث نخرج عن شبه القمار ويكون البعض دفع والبعض لم يدفع، ولو كان البعض الذي لم يدفع هو واحد، لكن المهم نقحم شخصاً ثالثاً لا يدفع، هذا الشخص الثالث لما دخل في هذه المنافسة ولم يدفع صححها وحللها، لذلك يسمى هذا الشخص الثالث المحلل.
هذا الشخص الثالث الذي سيدخل ونقول له أنت لا يدفع شيئاً، وإنما ادخلناك لتحللنا أو لتحلل هذه المسابقة، نصفه بأنه محلل. فلذلك قال: فإن أخرجا معاً لم يجز إلا بمحلل لا يخرج شيئاً. فلو مثلاً أنت جالس، جاءك أناس قالوا: يا شيخ، نحن خمسة تسابقنا على رمي سهام وكل شخص منا أخرج عوضاً، فعرفنا أن هذا قمار، فكيف نصحح هذه المنافسة وهذه المسابقة؟ نقول لهم: ادخلوا معكم محللاً. ايش يعني؟ يعني ادخلوا معكم شخصاً سادساً لا يدفع شيئاً، هكذا حلل لكم هذه المسابقة.
جاءك مئة شخص قالوا: يا شيخ، نحن مئة اتفقنا على المسابقة بالخيل، وكل واحد منا أخرج عوضاً، وعرفنا أن هذا قمار، كيف نصححها؟ نقول: أردتم أن تصححوها؟ ادخلوا رجلاً يكون هو مئة وواحد، هو الرقم مئة وواحد، هذا الرجل الذي تضيفونه قولوا له: أنت لا تدفع شيئاً. بكفي واحد؟ نعم، بكفي واحد، يعني لو شيخ مئة أخرجوا عوض وفقط ادخلوا شخصاً واحداً زائداً لم يدفع شيئاً، هكذا خلاص خرجنا عن القمار؟ نعم، هكذا يرى الحنابلة، بمجرد إدخال شخص واحد على المنافسة لا يدفع عوضاً فإنه حللها، ويسمى هذا الشخص الجديد الذي لا يدفع عوضاً يسمى محللاً بأن أخرجكم عن مشابهة القمار.
جيد، إذاً عرفنا كيف نخرج عن مشابهة القمار بهذه الطرق وبهذه الصور؟ قال: ولا يجوز أكثر من واحد يكافئ مركوبيهما أو رمييهما. ايش يعني هذا الكلام؟ لاحظوا هو ما زال يكمل في هذه القضية، أنه إذا كان عندنا اثنان أو ثلاثة أو عشرة كل واحد دفع عوضاً من عنده، فعرفوا أن هذه الصورة صورة قمار، فجاؤوا ليصححوا هذه المسابقة، فقلنا لهم: ادخلوا معكم شخصاً محللاً لا يدفع عوضاً. نحن نقول لهم: ادخلوا محللاً واحداً، لا يحتاجون بل لا يجوز، مش نقول لا يحتاجون، حتى لا يجوز أن نطالبهم بادخال أكثر من محلل.
قالوا: ولا يجوز أكثر من واحد، يطالبون بمحلل واحد ولا يجوز كون المحلل أكثر من واحد. قالوا لماذا؟ ليش ما نجي مثلاً محللين اثنين، ثلاثة، أربعة؟ لا لا، قالوا الذي سيحلله هو طرف واحد، لأن الحاجة تندفع به، فلماذا نلزمهم أن يأتوا بأكثر من واحد؟ فإذا قالوا: لا يجوز أكثر من محلل، يكفي محلل واحد. إذاً ولا يجوز أكثر من واحد يكافئ مركوبيهما أو رمييهما.
يعني هذا المحلل يكون فقط شخص واحد والذي يدخل حتى يحلل، لا حاجة إلى أكثر من شخص. ثانياً، هذا المحلل لابد أيضاً أن يكافئ، يكون كفء للمتنافسين، فإذا كانت المنافسة بخيل أو إبل لابد يكون يكافئ خيله وإبله خيل المتنافسين وإبل المتنافسين، وإذا كانت المسابقة بالسهام لابد يكون هذا المحلل يكون رميه يكافئ رمي المتنافسين الآخرين.
لماذا برأيكم هذا إخواني هذا الشرط أن يكافئ مركوبيهما أو رمييهما؟ قالوا: لأن بعض الناس يحتالون على الشريعة للأسف، كيف يحتالون؟ يعني اثنان يريدان التنافس على خيل أو على إبل أو على سهام، وكل شخص منهم أخرج عوضاً فعرف أن هذا قمار، فجاؤوا أو فجاء استفتيا شيخاً فقال الشيخ لهما: ادخلا محللاً واحداً، فقالوا: آه، إذاً الآن بدنا ندخل معنا طرف ثالث، فقال أحدهما للآخر: ما رأيك أن نأتي بطرف ثالث خيله هزيلة أو ناقته هزيلة بحيث يكون وجوده كعدمه، فقط بالشكل يعني بالديكور العام هو محلل، لكن في الواقع هو ليس منافساً وليس منافساً حقيقياً، لأن نأتي به خيل هزيلة أو ناقته هزيلة بحيث يضمن هذان الاثنان أن الطرف الثالث المحلل لا يمكن أن يفوز بالسبق، لا يمكن أن يحصل على الجائزة، وإنما دخوله شكلي.
أه بنقول لهم: لا، بهذه الطريقة ما بنفع، الطرف الثالث الذي سيدخل محللاً لهذه المنافسة يجب أن يكون مكافئاً لكما بحيث يمكن أن يحصل على العوض، يمكن أن ينافس بشرف كما يقولون ويحصل على العوض. وكذلك إذا كان الرمي اثنان أو ثلاثة قالوا: نريد مثلاً أن نتسابق بالرمي وكل شخص أخرج عوضاً فعرفوا أن هذا قمار، فجاؤوا ليستفتوا، قلنا لهم: ادخلوا محللاً واحداً، شخص مثلاً رابع لا يدفع شيئاً، فاتفق هؤلاء الثلاثة أن يأتوا بشخص رابع لا يدفع شيئاً، لكن هذا الشخص الذي أتوا به يعلمون أنه لا يحسن الرمي بحال، فبالتالي إمكانية فوزه صفر بالمئة أو اثنين بالمئة أو ثلاثة بالمئة فقط.
بنقول لهم: ما بنفع، المحلل يجب أن يكون مكافئاً لكم في القدرة على الرمي، بحيث يكون هناك إمكانية أن يحصل على العوض مثلكم مثله، وإلا فالشريعة الإسلامية معقولة المعنى، ولا تريد فقط شخص وظيفته ديكور يعني يدخل معكم ليحلل، وإن كان لا يستطيع أن يأخذ العوض، لا هذه نوع من اللف على أحكام الشريعة فلا تصح.
إذاً لا يجوز إدخال أكثر من واحد ليحلل، لأنه خلص شخص واحد، قالوا: تندفع به الحاجة فلماذا ندخل أكثر من شخص؟ ولابد أن يكون هذا الشخص المحلل يكافئ مركوبيهما أو رمييهما.
جيد، قال: فإن سبق قام عنه، وما زال يكمل، قال: فإن سبقا معاً أحرزا سبقيهما، يعني هؤلاء مثلاً ثلاثة، خلينا نرسم الفكرة، الآن هذه الصورة التي يفترضها في أي مسابقة، شخصان يريدان مثلاً المسابقة على خيل، فهذا أخرج عوض وهذا أخرج عوض، قلنا لهم: هذا قمار، طب قالوا لنا: صححوها؟ قلنا لهم: ادخلوا محللاً ثالثاً، ادخلوا محللاً ثالثاً، فصار عندنا شخص شخص وهذا هو المحلل، أنا استخدم الخط العريض، هذا هو المحلل.
ممتاز، الآن ماذا ما هي الاحتمالات التي ستحدث؟ قال: فإن سبقا معاً، هذا هو خط النهاية، هذا المتسابق رقم واحد، متسابق رقم اثنين، والمحلل، إذا وصل المتسابق رقم واحد والمتسابق رقم اثنين معاً إلى خط النهاية، إذا وصل المتسابق رقم واحد ورقم اثنين معاً إلى خط النهاية، وأما المحلل فتأخر، من الذي فاز؟ تقول: الذي فاز رقم واحد ورقم اثنين وصلا معاً. في هذه الحالة ماذا يقول؟ قال: أحرزا سبقيهما، السبق هو الجائزة، خلاص احفظوا السبق هو.
إذا؛ فإذا وصل رقم واحد ورقم اثنين معا إلى خط النهاية، والمحلل تأخر، فالفائز هو رقم واحد ورقم اثنين. يأخذان الجائزة ويقتسمان بينهما. طبعا هذه الجائزة؛ هو فعليا من الذي دفعها؟
هم يعني رقم واحد وضع خمسين دينار، ورقم اثنين وضع خمسين دينار، صارت الجائزة مئة دينار. الآن ودخلنا محلل لنصححها، هؤلاء الثلاثة بدأوا السباق، وصل إلى خط النهاية رقم واحد ورقم اثنين معا، إذا هذه المئة دينار ستوزع عليهما بالتساوي.
هذا يأخذ خمسين وهذا يأخذ خمسين، وجزاهم الله خيرا. طيب؛ إذا فإن سبقا معا معا، أحرزا سبقيهما ولم يأخذا من المحلل شيئا، آه ما بنفع، آه بواحد واثنين لما فازوا ما بنفع يجوا على المحلل، آه ويقولون له، آه يلا ادفع.
وهذا وظيفته محلل، ما بدفع شيء، كيف تطالبانه بالدفع؟ فهنا المحلل لا يدفع شيئا، وبنقول له أنت أيها المحلل خسرت، لكن ما عليك أي غرامة. إذا ولم يأخذها من المحلل شيئا، طيب وإن سبق أحدهما.
أو سبق المحلل أحرز السبقين، آه إذا الذي وصل إلى خط النهاية أولا هو رقم واحد فقط، سبق رقم واحد رقم اثنين والمحلل، أو وصل رقم اثنين فقط، وسبق رقم واحد والمحلل، أو وصل المحلل أولا، سبق واحد واثنين. آه الذي سيسبق هو الذي سيأخذ الجائزة كاملة. فإذا رقم واحد سبق غيره أخذ الجائزة كاملة، إذا رقم اثنين هو الذي سبق الجميع أخذ الجائزة كاملة.
إذا المحلل هو الذي سبق الجميع سيأخذ الجائزة كاملة، فهذه يعني صورة المحلل عند الحنابلة في قضية المسابقة بعوض، ثم قال: والمسابقة جعالة، والمسابقة جعالة. إذا المسابقة يصورها الحنابلة على أنها من عقد الجعالة.
يصورها الحنابلة على أنها من عقود أو شكل من أشكال الجعالة. طبعا يصح أن تقول جعالة وجعالة وجعالة، وسنأتي إن شاء الله لعقد الجعالة وجعالة في آخر كتاب المعاوضات أو في آخر كتاب المعاملات بإذن الله، وعقد الجعالة.
طيب هل هو بالتالي من عقود المعاوضات ولا الإرفاق ولا توثيق ولا التبرعات؟ جعلها في دقيقة هي من عقود المعاوضات، الجعالة من عقود المعاوضات لأن هناك عمل سيبذل ومقابل تحصل على جائزة. المسابقة بعوض نقول المسابقة بعوض بهذا التحديد تقول هي من عقود المعاوضات. لماذا؟ لأن هناك عمل سيبذل، منافسة ستحدث، ومقابل ذلك مقابل هذا العمل سيتم حصد جائزة، فبالتالي هناك شكل من أشكال التعاوض.
لذلك نكتب المسابقة بعوض على مخطط العقود الذي نرسمه دائما، نعتبرها من عقود المعاوضات. ليه؟ بتقول لأنه المسابقة بعوض هي جعالة، والجعالة عقد معاوضة، ثم قال: والمسابقة جعالة لا يؤخذ بعوضها رهن.
لأن هذه هي طبيعة الجعالة، بالجعالة لا يؤخذ رهن على العوض، إذا لا يجوز بعوضها رهن. قال الشيخ ابن عوض في الحاشية، يعني أخذا من كلام الشيخ منصور البهوتي، قال: لا يجوز بعوضها رهن، لأنه جعل على ما لا تتحقق القدرة على تسليمه، وهو السبق أو الإصابة، فأشبه الجعلة في رد الآبق.
فإعموما هذا طبيعة عقد الجعالة؛ لأنه لا يصح أخذ رهن مقابل عوضها، اعمل العمل وخلصه تأخذ العوض، أما أنك تعمل أو عفوا أنك ما تعمل العمل حتى تأخذ رهن.
تقول مثلا في الدعاء الذي سيأتي إن شاء الله، يأتي شخص يقول: من يفعل هذا الفعل ويحصله لي، يحصل لي محفظتي الضائعة، أو يحصل لي عبدي الآبق، أو يحصل لي ناقتي الشاردة؟ أعطيه جعل مئة دينار.
فلا يصح أن يأتي شخص يقول له: اسمع أنا أريد رهن، أنا أريد رهنا بحيث إذا سلمتك العمل أحصل المئة دينار. ونقول له: ليس لك أن تأخذ رهنا في عقد الجعالة. حصل العمل وأنجه شرعا تستحق الجعالة.
أما أن تطالب برهن قبل أن تقوم بالعمل، والله أنا ما بعمل حتى تعطيني رهن اضمن، وأيش بعض بعمل هيك؟ بقول لك أنا بدي رهن اضمن من خلاله أنه في حالة أنني قلت لك مقصودك أستطيع أن أخذ الجعل منك.
لأن البعض بقول لك: افرض أنا تعبت وحصلت لك هذه الناقة أو هذا العبد الآبق أو هذه المحفظة، ولما سلمتها لك أنت اضحكت علي وما أعطيتنيش العوض؟ البعض يتصور أنه بيقول لك: لأ أنا بدي رهن توثقه، حتى لما اعمل اعمل وأنا مطمئن.
اعمل وأنا مطمئن أنني إذا ظفرت بالمطلوب أحصل على عوض الجعالة. فالجعالة في الحقيقة لا يجوز أخذ الرهن فيها عند السادة الحنابلة. طب ليش؟ مش يعني نايم أنه أنت لو نظرت ممكن تكون طمنتك، أن العامل قبل أن يعمل فيها يطالب برهن.
أيش بدبي ممكن يخلص عمله وأنت تضحك عليه؟ ليش ما يحفظ حقه؟ قالوا هو في الحقيقة الجعالة لم تبنى على هذا، الجعالة لم تبنى على هذا؛ لأن هذا الشخص هو لم يلزمك أن تعمل، أنت بدك تعمل أيها العامل تبحث عن الناقة، تبحث عن العبد، تبحث عن المحفظة، هذا أنت جزاك الله خيرا، يعني أنت في النهاية تقوم بهذا العمل بإرادتك الشخصية.
هو لم يجبرك على هذا، هو أنت تقوم بهذا العمل بإرادتك الشخصية، وأن نجبر على أن يضع رهنا من ماله، وأن نحصر هذا الرهن أنه إذا صار رهن أنت في الحقيقة تمنعه من التصرف فيه.
طب هو لا يعرف متى ستحصل أنت ناقتك، ممكن ما تحصلها، متى ستحصل محفظتك وممكن ما تحصلها، فهل يعقل أن نطالب هذا الإنسان الآن بأن يضع رهنا وينتظر حتى أنت تظفر له بناقته أو بعبده أو بمحفظته؟ هذا في الحقيقة إضرار به وتعطيل لجزء من أمواله من دون مردود حقيقي في اللحظة الآنية، من دون مردود حقيقي في اللحظة الآنية.
فلذلك فعلا هناك منطقية في عدم صحة الرهن في عوض الجعالة، هناك منطقية في عدم صحة الرهن في عقد الجعالة؛ لأنه لا يقبل أن نقول للذي يضع جعلا: والله ضع رهنا بهذا الجعل، واقتطع جزءا من مالك رهن، ولحتى عندما يأتي العمال الذين اشتغلوا ويظفروا بحاجتك، والله يحصرون على حقهم من خلاله.
لا نقول هذا ما راح ينفع؛ لأنه لا نعلم متى سينتهي العمل، متى سيظفرون بالناقة، متى سيظفرون بالمحفظة، ويمكن لا يظفرون بها إلا بعد سنين، ليس عمليا، يعني مش عملي أن يطالب الذي يضع جعلا برهن مقابل جعله.
إذا والمسابقة جعالة، والجعالة بطبعها لا يؤخذ بعوضها رهن، لا يؤخذ بعوضها رهن ولا كفيل، ولا يؤخذ أيضا بها كفيل. هذه مثلها مثل ايش يا إخواني؟ مثلها مثل مرت معنا بعض العقود التي مثل السلم.
السلم لا يجوز كما قلنا أن نأخذ بها كفيل أو ضامن، ولا تجوز الحوالة بها ولا عليها. فعقد المسابقة والتي هي جعالة مثلها مثل عقد السلم في مثل هذه الأمور، لا يجوز أخذ رهن بها، ولا يجوز أخذ كفيل بها.
قال: ولكل فسخها بشرط. الآن المسابقة بما أنها جعالة سنطبق عليها أحكام الجعالة، بأحكام الجعالة ابتداء، الجعالة لها عقد جائز ابتداء، يجوز لأي طرف أن يفسخه، يجوز لأي طرف أن يفسخه. فيجوز للذي وضع جعالة أن يفسخ، ويجوز للعامل أن يفسخ.
سابقته نفس الشيء، بمعنى جعالة مثلا أنا وضعت عوض للمنافسة وصاحبي وضع عوض، وأتينا بمحلل، ممتاز خلينا على هاي الصورة الآن، قبل أن نبدأ بالمسابقة أو في أثنائها، قبل أن يظهر فضل أحدنا على غيره.
قال أحد المتسابقين: أنا بدي أفسخ المسابقة وأنهيها، هل يجوز له أن يفسخ؟ قالوا: نعم، أما إذا ظهر الفضل لصاحبه، كما قال: ما لم يظهر الفضل لصاحبه. إذا ظهر الفضل لصاحبك ثم أنت قررت أن تفسخ حتى لا يحصل صاحبك على العوض؟ لأ في هذه الحالة نقول لا يجوز فسخ المسابقة، وأصبحت عقدا ملزما.
إذن ضمن هذا الكلام إذا في صور خليني أحللها أنا أحب التحليل حتى نصل إلى الحكم الشرعي الكامل. هناك صور صور الفسخ في المسابقة، صور ضمنية يجب أن تظهر لكم.
الصورة الأولى: إذا فسخ قبل البدء، أو أيهما، أو أحدهما، هل تصح ولا لأ الفسخ؟ نقول يصح، ما عندنا مشكلة إذا كان قبل البدء بالمسابقة.
طيب إذا فسخ أثناء المسابقة أو أحدهما، هو الذي طلب الفسخ، أو أحدهما بحيث لم يظهر فضل أحدهما على الآخر، هل يصح الفسخ؟ يصح، يعني الاثنان أو الثلاثة إذا بدأوا بالمسابقة، وفي أثناء المسابقة وكانوا جميعا متساويين في الفضل لسا ما سبق أحدهما الآخر، كانوا جميعا متساويين، أحدهما أو كلهم طلبوا الفسخ، هل يصح الفسخ؟ يصح الفسخ؛ لأنه ما في حدا انضر.
الحالة الثالثة: إذا فسخ أثناء المسابقة، لأ بديش الغرفة هنا بدنا نعدل، ولا بنفعش الاثنين هنا، نقول إذا فسخ أحدهما، إذا فسخ أحدهما أثناء المسابقة وكان هو السابق وكان هو صاحب الفضل، هل يجوز له أن يفسخ؟ قالوا: نعم.
يعني نحن الثلاثة نتسابق، وأحدنا هو السابق، هو صاحب الفضل، واضح أنه هو الذي سيفوز، أو هو الذي سيصل أقرب، وهذا السابق صاحب الفضل علينا هو الذي قرر أن يفسخ، قال: يا عمي أنا سابق وصاحب فضيل، يعني أنا المتقدم وأنا قررت أني أفسخ.
طبعا الأصل أن المتأخرين يسرهم بهذا القرار؛ لأنه واضح أننا سنخسر العوض، فالسابق الفاضل من بينهم هو الذي قرر أن يفسخ أيضا، ما في مشكلة؛ لأنه كان هو الذي سيحصل على الظفر، ولكنه قال: خلاص أنا أفسخ ولا أريد أن أكمل، جزاه الله خيرا على هذا الخلق النبيل.
ففي هذه الصور الثلاث يصح الفسخ، إذا فسخ قبل البدء أو أحدهما، إذا فسخ أثناء المسابقة أو أحدهما فسخ، وكنا في اللحظة التي لم يظهر فضل أحدهما على الآخر. قرن الحالة الثالثة: إذا فسخ أحدهما أثناء المسابقة وكان هذا الذي قرر أن يفسخ هو الفاضل، يعني هو السابق على الجميع، وهنا منطقي أن يجوز الفسخ.
أما الصورة التي لا يجوز فيها الفسخ، اكتب الصورة الرابعة: إذا فسخ أحدهما أثناء المسابقة وكان السابق هو الشخص الآخر، آه في هذه الحالة لأ نقول لا يجوز الفسخ. اثنان أو ثلاثة شرعاء أو شرعوا في التسابق، ولاحظ أحدهما أنه سيخسر، وأن صاحبه يسبقه، فقرر هذا الخاسر أو الذي ظهرت عليه نقول: ظهرت عليه علامات الخسارة، قرر أن يفسخ، قال: يا عمي أنا بدي أوقف المسابقة وبدي أفسخ وأخذ عوضي وأذهب به.
بنقول له: لأ ما بنفع، بما أنه صاحبك ظهر فضله واجتهد وتقدم عليك، وما بقي إلا خطوات ويفوز، تروح في لحظة تقول: والله أنا فسخت؟ لا والله استفدنا، ما بنفع أنك هيك، أنت ضريته بعد أن اجتهد وكسب وأصبح صاحب الحق، نسلب الحق منه.
فهذا نوع من التحايل لا يجوز، فاذا اكتبوا الصورة الرابعة -أنا لا أكتبها لأنه ما لي جا لعندي، لكن هي الصورة التي لا يجوز الفسخ فيها- إذا فسخ أحدهما أثناء المسابقة وكان صاحبه هو الذي ظهر فضله وسبقه، هنا أقول: هذا احتيال لإسقاط حق الآخرين فلا يجوز الفسخ.
إذا قال: ولكل فسخها، أي فسخ المسابقة، ما لم يظهر الفضل لصاحبه، اللي هي الصورة الرابعة والأخيرة. فإذا ظهر الفضل لصاحبه أثناء المسابقة فلا يجوز له أن يفسخ، فلا يجوز له أن يفسخ.
هكذا انتهى الشيخ رحمة الله عليه من أحكام المسابقة، يعني لاحظت من أحكام خفيفة، من العقود الخفيفة. إذا المسابقة اكتبوا عقد جعالة، بالتالي هي من عقود المعاوضات، توضع تحت بند المعاوضات.
وعرفنا أن المسابقة على عوض وعلى غير عوض، وأن المسابقة بعوض في الخف والخيل والسهم، ولها خمسة شروط على ما تم تقريره. ننتقل إلى العقد الثاني سريعا، وهو عقد العارية.
بسم الله، بسم الله. والعارية في الحقيقة ليس هو اسم العقد، وإن قلنا عقد العارية، لكن التحقيق كما سيأتي معنا الحمد لله لوحنا، العارية ليس اسم العقد، العقد اسمه الإعارة.
العقد هذا الجديد الذي ندرسه إن شاء الله هو اسمه عقد الإعارة. طب ما هي العارية بتشديد الياء؟ ويجوز تخفيفها أيضا، فنقول عارية؟ آه العارية أو العارية بالتخفيف هي العين المأخوذة في عقد الإعارة.
لذلك ايش يقول الشيخ ابن عوض في الحاشية؟ قال: وهي أي العارية أو العارية بالتخفيف هي العين المأخوذة من مالكها أو من وكيل مالكها إذا كان إنسان وضع وكيلا له، أي العين المأخوذة من مالكها أو من وكيله للانتفاع بها مطلقا أو زمنا معلوما بلا عوض.
طيب إذا إخواني، دعوني أنا الآن مضطر أني أرسل خلاص خارطة العقود من جديد سريعا.
العقود، الخارطة الشهيرة: معاوضات، إرفاق، توثيق، تبرعات. درسنا في المعاوضات: عقد البيع، درسنا عقد الإجارة، درسنا وكالة بأجرة، درسنا عقود الشركات بما فيها طبعا من المساقات والمزارعة، واليوم اخذنا أيضا الجعالة، وأن نضعها أو أخذنا المسابقة، عفوا أخذنا المسابقة، ومسابقة من المعاوضات لأنها جعالة، فهذه التي مرت معنا.
في الإرفاق: اخذنا عقد القرض، اخذنا القرض، اخذنا الصلح قبل الحوالة. في التوثيق: ماذا أخذنا؟ أخذنا رهن، أخذنا ضمان، أخذنا كفالة. التبرعات: أخذنا وكالة مجانية حيث تبرع هنا الوكيل بعمله، هذه وكالة مجانية. نريد، يعني أظن هذه هي العقود التي سبقت معنا، وأنا دائما أهتم بالمراجعة لشكل من أشكال المراجعة حتى تعرف مقاصد العقود التي تم دراستها.
العارية إخواني، قلنا هي العين التي تم عقد الإعارة عليها. الآن الإعارة، إذا خلينا نعرف الإعارة كعقد، هل هي من عقود المعاوضات أو الإرفاق أو التوثيق ولا التبرعات؟
أما الإارة فهي عقد على عين، تؤخذ هذه العين من مالكها أو من وكيل مالكها، تؤخذ للانتفاع بها مطلقاً من دون تحديد مدة، أو تؤخذ للانتفاع بها مدة معلومة تم الاتفاق عليها، ولا يكون هناك عوض مقابل الانتفاع بها.
فإذاً هي ليست مثل الإجارة؛ ففي الإجارة كان المستأجر يأخذ العين ليحصل على نفعها مدة معلومة، لكنه سيدفع مقابل ذلك عوضاً. أما في عقد الإعادة هنا، لا، هناك مستعير سيأخذ عيناً ليحصل على نفعها مدة -طبعاً هنا في الإعارة يجوز أن تكون المدة مفتوحة، ويجوز أن تكون مدة معلومة- لأن هذا يعني، كما سيظهر معنا، هو عقد تبرع، فالأمر فيه أوسع من الإجارة.
فالإعارة إذاً عقد على عين تسلم للمستعير، ينتفع بها مدة مطلقة أو مدة معلومة، ولا يدفع عوضاً مقابل هذا الانتفاع. بالتالي، عقد الإعارة هو عقد من عقود التبرعات، لأن هناك شيئاً بذل مجاناً تبرعاً لوجه الله. ما هو هذا الشيء الذي بذل مجاناً؟ هو نفع العين. أنا إنسان عندي عين، عندي سيارة، عندي قلم، عندي كتاب، عندي جوال، أعرته لشخص؛ ما معنى أعرته؟ أني أعطيته حق الانتفاع بهذه العين من دون أن أطالبه بعوض. أعطيته حق الانتفاع بهذه العين: انتفع بهذه السيارة، انتفع بهذا القلم، انتفع بهذا الجوال، ولا أريد منك عوضاً مقابل هذا الانتفاع.
فإذاً هنا أنت بذلت نفع هذه العين للمستعير مجاناً، فجزاك الله خيراً. لذلك هي عقد من عقود التبرعات. إذاً، الإعارة من عقود التبرعات. ممتاز، إذاً اليوم أخذنا عقد معاوضة وهو السبق، والآن أيضاً نأخذ عقد تبرع وهو الإعارة، فالطرفة أو العقد هو الإعارة.
وأما العارية فهي نفس العين، انتبهوا بتشديد الياء أو بتخفيفها، فهي نفس العين التي وقع عليها عقد الإعارة. فإذاً العارية هي عين، لاحظوا ايش عرفوها؟ عين تؤخذ من مالكها أو من وكيل مالكها، وتعطى للمستعير مدة مطلقة، يمكن ألا يتفقا على مدة. طيب يا شيخ، إذا ما اتفقوش على مدة، مش هذا غرر أو جهالة؟ بنقول: لا اشكال في ذلك. ليه؟ لأن صاحب العين سيسترد إن شاء الله، له أن يسترد عينه متى شاء. يعني إذا أعرت شخصاً جوالاً، أنا أستطيع وقت ما شئت أن أسترده؛ إذا أعطيت شخصاً كوباً، إذا أعرته قلماً، إذا أعرته سيارتي، هذا عقد تبرع، أستطيع أن أسترد فيه العين في الوقت الذي أشاء.
بالتالي، حتى لو لم يتم الاتفاق على مدة فلا حرج في ذلك، لأن صاحب العين يستطيع أن يسترد عينه متى شاء، اللهم إلا إذا كان هناك ضرر وسنأتي، فحينئذ لا نقول له: لا تسترد عينك حتى ينتهي الضرر على المستعير. إذاً، فيمكن أن تكون الإعارة مطلقة من دون تحديد مدة، ويمكن أن تكون لا، لمدة تم الاتفاق عليها زمناً معلوماً. وفي المقابل، المستعير الذي أخذ هذه العارية لا يعطيك عوضاً على انتفاعه بها. إذاً، هي العين المأخوذة من مالكها أو من وكيله للانتفاع بها مطلقاً أو زمناً معلوماً بلا عوض.
جيد، إذاً عرفنا عقد الإعارة وعرفت ما هي العارية، وهي العين. طبعا لماذا سميت عارية؟ ممكن شخص هيك يحللها سريعا. لماذا سميت عارية هذه العين التي تدفع للمستعير لينتفع بها مجاناً؟ سماها العرب والفقه عارية لأن العارية والعارية هي المتجردة، صح؟ عندما تقول مثلاً امرأة عارية أو ما شابه ذلك، معناه ايش؟ متجردة. طيب، وهذه العين التي ستدفع للمستعير هي متجردة عن العوض، فلذلك سميت عارية. العين التي سنعطيها للمستعير لينتفع بها مجاناً هي متجردة؛ متجردة عن ماذا؟ متجردة عن العوض، فمن هنا استعاروا كلمة العارية والعارية وأطلقوها على هذه العين لأنها تجردت عن العوض.
طيب، ما حكم العارية؟ قالوا: هذا عقد، طبعا هم يسموها عارية وما يقولون بها، حكم العارية إلى آخره. يعني أنا أطلق العارية وأقصد بها العقد عموماً. إذا قلت لكم عارية فإنا صحيح، العارية هي نفس العين، لكن تجوزاً أنا أطلقها وأريد بها العقد، وإن كانت الدقة تقتضي أن أقول عقد الإعارة لأن الإعارة هي العقد.
ما حكمها عقد الإعارة؟ قالوا: مستحب، إنه من باب التعاون على البر والتقوى، لذلك قالوا: وهي مستحبة، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]. طيب، وهي مستحبة.
كيف ينعقد عقد الإعارة؟ ينعقد بإيجاب وقبول. ويكون الإيجاب والقبول لفظياً؛ يكون الإيجاب والقبول لفظياً: أعرتك هذا الجوال، وذاك يقول: قبلت. ويكون فعليا؛ كيف يكون فعلياً؟ مثلاً، تكون معي سيارتي، أنزل أنا من السيارة وأعطيها لصاحبي من دون ما أتكلم؛ أنزل وأعطيها لصاحبي ويلا السلام عليكم بشوفك بكرة إن شاء الله، وهو اخذ سيارتي وذهب. عملية نزولي من السيارة وإعطائها له وهو نزل وأخذ مكاني في القيادة، هذا كله إيجاب وقبول، لكنه فعلي من دون الحاجة إلى القول.
طيب، مثلاً، أعطيك صورة أخرى للإيجاب والقبول الفعلي: شخص يشعر بقشعريرة برد، فقمت أنا بخلع ردائي، خلعت ردائي أو الملحفة من دون أي كلمة، خلعت ردائي ووضعتها عليه، وهو قبل ذلك ما رفض. قالوا: هذا عارية، ما بينفع يقول هذا الشخص الذي مرض: آه والله، هذه أصبحت ملك لي! لأ، ما نقول له؛ هو نزعها لأنه رآك تشعر بالقشعريرة، فأراد أن يساعدك فوضع عليك منفلته. الأصل هذا عقد عارية، هو ما قال لك وهبتك الملحفة أو شيء آخر، لكنه ما قال ذلك، فهذا عقد عارية. حدث الإيجاب والقبول بصورة فعلية من دون قول؛ هو خلع الرداء ووضعه عليك وأنت قبلت وضعه عليك، لم ترفض ذلك، هذا إيجاب وقبول فعلي تلقائي.
فإذاً، الإيجاب والقبول في عقد الإعارة قد يكون بالقول: أعرتك، وتقول: قبلت. وقد يكون بالفعل، كما صورناها في صورة السيارة وفي صورة الملحف والرداء. لذلك قال: وهي إذاً منعقدة بكل قول أو فعل يدل عليها. كل قول أو فعل يدل على الإيجاب والقبول، إعارة، يصح أن ينشئ هذا العقد.
لكن هناك شروط، مثله مثل أي عقد، له شروط حتى يكون صحيحاً. قال: إذاً منعقدة بكل قول أو فعل يدل عليها بشروط ثلاثة. ما هي هذه الشروط الثلاثة؟
الشرط الأول: كون العين منتفعاً بها مع بقائها. وهذا مثله مثل شرط الإجارة، تذكروا لما تكلمنا في إجارة الأعيان، قلنا: من استأجر عيناً يجب أن تكون هذه العين يمكن تحصيل النفع منها مع بقائها بحيث لا تستهلك العين، تحصل النفع منها مع بقائها. فإذا كانت العين لا يمكن تحصيل النفع منها إلا باستهلاكها، وضربنا مثال التفاحة، أنه ما بينفع شخص يستأجر تفاحة ليأكلها أو يعير تفاحة لشخص ليأكلها، بنقول: هذا ما بينفع، لأن طبيعة الانتفاع بهذه العين يقتضي أن تستهلك وأن تذهب تماماً، فلا يصح إنشاء عقد إجارة أو إعارة عليها، بل إما تبيعها أو تهبها، أما إجارة أو إعارة عليها ما بينفع. لأنه الشرط هناك شرط مشترك في عقد الإيجار وعقد العارية، وهي كون العين التي تؤجر أو تعار يمكن تحصيل النفع منها من دون أن تستهلك هذه العين، يعني مع بقائها في العادة. إذاً، كون العين منتفعاً بها مع بقائها، هذا أول شرط؛ العين التي تستعار وهي العارية يجب أن تكون هذه العارية، هذه العين ينتفع بها مع بقائها، مثل أن تعاطيه سيارة، تعاطيه كتاباً، تعاطيه جوالاً، غير ذلك من المتاع الذي ينتفع به مع بقائه.
الشرط الثاني: وكون النفع مباحاً. إذا أراد أن يعير شخص شيئاً، لابد أن يكون النفع الذي سيحصله من هذا الشيء نفعاً مباحاً يرضي الله سبحانه، أما أن أعيره شيئاً وأنا أعلم أنه سينتفع به نفعاً حراماً يغضب الرب سبحانه، والله أعيرك التلفاز اللي عندي، ليش بدك تعيره؟ قال: والله بدي شوف مسلسل الليلة فيه ما يغضب، بنقول له: هاي الإعارة لا تجوز. من هنا، النفع الذي يريد تحصيله من هذه العين نفع محرم، فلابد إذاً أن يكون النفع الذي سيحصل من هذه العين نفعاً مباحاً يرضي الرب سبحانه وتعالى.
الشرط الثالث إخواني، قال: وكون المعير أهلاً للتبرع. الآن، بشكل عام، في عقود التبرعات، في عقود التبرعات، لابد للطرف المتبرع من وجود شرطين فيه. في عقود التبرعات، هذه قاعدة عامة، لابد أن يكون الطرف المتبرع لابد فيه من شرطين؛ لابد أن يكون جائز التصرف، يعني بالغ، عاقل، حر، رشيد، وأن يكون مأذوناً له في التبرع بالمال، سواء تبرع بالعين إذا كانت هبة، أو التبرع بالمنفعة إذا كانت إعارة. إنه فرقت إن شاء الله من عقود التبرعات الهبة. بيقول لي: شو الفرق بين الهبة والإعارة؟ بقول لك: الهبة أنت هنا تملكه العين، لكن في الإعارة لأ، أنا لما أعطيتك هذه العين أنا ما ملكتك العين، أنا ملكتك الانتفاع بهذه العين. دائماً أنا أحب أن يكون الطالب متصوراً تمام التصور للفروق بين العقود. المهم، في عقود التبرعات عموماً، سواء كان هبة أو كان إعارة، عموماً في عقود التبرعات، الطرف المتبرع لا بد فيه من شرطين: أن يكون جائز التصرف وهو البالغ العاقل الحر الرشيد، وثانياً أن يكون مأذوناً له أن يتبرع.
لأنه ممكن يكون شخص جائز التصرف لكنه ليس مأذوناً له أن يتبرع بالعين أو أن يتبرع بنفع العين، مثل ولي اليتيم وناظر الوقف، لا يجوز له أن يتبرع بما تحت يده من أموال الأيتام أو من أموال الوقف، وإن كان هو جائز التصرف ابتداءً، لأنه هذه التبرعات لابد من أن تكون أنت جائز التصرف أيها المتبرع، وأن تكون مأذوناً لك أن تتبرع بهذه العين أو بنفعها، ولابد من الأمرين. وأما المتبرع له، فلا؛ هنا لا يشترط أن يكون فيه هذه المواصفات، هل يجوز أن أهب طفلاً ما لم يجوز ولو كان الموهوب له غير جائز التصرف؟ فهنا الطرف الآخر المتبرع له لا يشترط فيه هذه الشروط أن يكون جائز التصرف مأذوناً له في التبرع، لأ، هذا فقط شروط نحتاجها في المتبرع الطرف الآخر. فإذاً، وكون المعير وهو المتبرع أهلاً للتبرع بأن كان جائز التصرف مأذوناً له في التبرع بمنفعة هذه العين، في التبرع بالانتفاع بهذه العين.
إذاً، هناك شروط ثلاثة لصحة عقد الإعارة: كون العين منتفعاً بها مع بقائها، ثانياً كون النفع مباحاً، ثالثاً كون المعير أهلاً للتبرع.
ثم قال: وللمعير الرجوع في عاريته أي وقت شاء، ما لم يضر المستعير. القاعدة العامة أن الإعارة عقد تبرع، متبرع به هو الانتفاع بالعين، الذي تبرع به هو الانتفاع بالعين -طبعا بعد قليل إن شاء الله هناك عندي تقسيم، هناك فرق بين منفعة العين وبين الانتفاع بالعين، هناك فرق دقيق وسنعرف إن شاء الله أن الاستعارة هي انتفاع بالعين أو ملك للانتفاع بالعين وليس ملك لمنفعة العين، وسأبين الفرق بينهما- لكن المهم، دعونا في المسألة هذه.
قال: إذاً بما أن عقد الإعارة هو من عقود التبرعات جيد، وأنا تبرعت بماذا؟ بالانتفاع بالعين، أنا أعطيتك هذه العين ليس لأنك مالك لها أيها المستعير، أنا لم أملكك إياها، لو كانت هبة وأنت قبضتها لزمت وانتهى الأمر، لا أعود، لكن أنا ملكتك فقط الانتفاع بهذه العين وأنا متبرع، جزاني الله خيراً. بالتالي لي أحقية الرجوع في هذه العارية متى شئت، هذا هو الأصل العام: المعير له أن يرجع في عاريته أي وقت شاء، متبرع ويريد أن يسترد عينه، لا أحد يلومه على العودة فيها متى شاء. حتى لو كان يا شيخ محددين مدة؟ قالوا: حتى لو كانوا حددوا مدة، مثلاً قالوا: أعيرك إياه خمسة أيام أو أسبوع، خمسة أيام، صاحب العين المعير قال: أنا بدي أسترده، ما بدي أكمّل الخمسة الأيام. حقه، حقه، لأنه هو بذل الانتفاع مجاناً، فله أن يعود في عينه متى شاء.
إذاً، وللمعير الرجوع في عاريته أي وقت شاء، لكن هناك استثناء، قال: ما لم يضر بالمستعير. إذاً نحن نقول للمعير: لك أن ترجع في عينك متى شئت، إلا إذا كان رجوعك في هذه العين في هذه اللحظة سيسبب ضرراً للمستعير، فكل أمان ما بينفع. مثل ايش يسبب ضرراً للمستعير؟ ذكر أمثلة، قال: فمن أعار سفينة لحمل، أو أرضاً لدفن أو زرع، لم يرجع حتى ترسى السفينة ويبلى الميت ويحصد الزرع. انظروا هذا المثال: أنا أعرت شخصاً سفينة حتى يحمل بضاعته عليها في البحر المتوسط، فهو أخذ هذه السفينة ووضع عليها الأمتعة وأصبحت السفينة الآن في عرض البحر وهي في وسط المحيط، المعير يتصل بالمستعير: السلام عليكم، أريد أن أسترد سفينتي! والمستعير قال له: والسفينة في وسط المحيط، وأنا حملت عليها البضائع، كيف أردها لك الآن؟ عملية ردها خسارة فادحة عليّ، فهل للمعير أن يقول: والله أنا ما لي علاقة، أنا أعرتم وهذا عقد تبرع، لي أن أسترد عيني متى شئت؟ نقول: لا ما بينفع هيك، أنت توقيع ضرر عليه، أنت تسترد عينك ما عنا مشكلة، لكن بحيث لا توقيع الضرر به، فبالتالي في هذه الصورة سيحدث الضرر بالمستعير، فلا يصح ولا يجوز للمعير أن يسترد عينه، وهي هذه السفينة التي هي الآن في منتصف المحيط، حتى تصل إلى المرسى، ينزل البضاعة، وحينئذ لك أن تطالبه بعينك.
جيد، ثم قال: أو أرضاً لدفن. ما معنى هذا؟ إذا أنا أعرت شخصاً بقعة ليدفن فيها ميته، ليدفن فيها والده، فهو دفنه مثلاً اليوم، بعد شهر والله المعير يتكلم مع المستعير: السلام عليكم، أنا أعرتم هذه الأرض أو هذه البقعة لتدفن فيها والدك، يلا، أريد أن ترد لي.
هذه البقعة كما كانت، قل يعني ماذا يفعل المستعير؟ هل يخرج الميت من قبره؟ هذا ضرر، هذا ضرر كبير واعتداء على حرمة الأموات. فبالتالي هنا نقول للمعير: يا معير، أنت أعرت هذه البقعة وأنت تعلم أنك أعرتها ليدفن فيها، وبالتالي عليك أن تتحمل نتائج هذه الإعارة ويلزمك أن تبقي عليها حتى يفنى الميت. يبلى، طب كم يبلى يا شيخ؟ عشرين ثلاثين سنة بحسب تقدير الخبراء، عليه أن يرضى بذلك. أليس هذا ضرر على المعير؟
نقول: هو دخل على بينة، يعني هو الآن لما آتاه المستعير ايش قال له؟ قال: أريد منك بقعة أدفن فيها والدي. المعير رضي بذلك، ما أحد أجبره؟ فنقول للمعير: بما أنك رضيت أن تعير بقعة ليدفن فيها، عليك أن تتحمل نتائج هذه الإعارة، فتبقى هذه العين مستعارة للدفن حتى يبلى الميت تماماً. إذا وصلنا لمرحلة أنه بلى الميت، صار لها مثلاً ثلاثين أربعين سنة والخبراء يقولون بعد أربعين سنة لا يبقى شيء، حينئذ للمعير أن يسترد أرضه، للمعير أن يسترد أرضه، لذلك قال: ويبلى الميت.
الحالة الثالثة: الزرع. إذا أعرت أرضاً للزرع، والزرع غير الغرس. دائماً إخواني لما تسمعون كلمة زرع، فالمراد بالزرع المحاصيل الزراعية القصيرة التي ليست أشجاراً. فإذا أنا أعرت أرضاً ليتم فيها زرع محصول، محصول زراعي من هذه الفصائل كالقمح والشعير والرز والشاي وما شابه ذلك، ليس للغرس، لأنه في فرق في الحقيقة بين الأمرين. فمن أعار أرضاً ليزرع فيها، والمستعير والله زرع وبدأ يسقي، والحمد لله بدأ المحصول ينتج ويخرج، ليس للمعير فجأة أن يقول للمستعير: والله أريد هذه الأرض.
ليس للمعير أن يقول للمستعير قبل أن يحصد هذا المستعير محصوله، ليس له أن يقول له: يلا، أريد هذه الأرض، ردها لي. لأن هذا في الحقيقة إجحاف بالمستعير، إجحاف بالمستعير وإلحاق للضرر به، لذلك قال: ويحصد الزرع. إذاً، من أعار سفينة لحمل، أو أرضاً لدفن، أو لزرع، لم يرجع في إعارته حتى ترسى السفينة وتصل إلى الميناء إذا كانت السفينة، أو إذا كانت أرضاً للدفن حتى يبلى الميت في قبره، أو إذا كانت أرضاً للزرع قال: حتى يحصد الزرع.
لأن إذا رجع المعير أثناء المدة، والسفينة في عرض البحر، أو الميت ما زال في القبر لم يتحلل، أو الزرع ما زال لم يحصد، فهذا فيه إضرار بالمستعير، والشريعة تأبى ذلك. أنت أعرته وأنت تعلم ماذا سيفعل بها، فتتحمل النتائج وليس لك أن تضر أخاك، والقاعدة العامة: لا ضرر ولا ضرار. هذه القاعدة العامة.
ثم قال: ولا أجرة منذ رجع إلا في الزرع. الآن قضية الزرع صار فيها نوع من الاستثناء، قالوا: ولا أجرة منذ رجع إلا بالزرع. يعني قضية الزرع صار فيها استثناء، وحديثي قضية الأجرة. ما هو هذا الاستثناء؟
الآن إخواني، بدي أفرق بين أرض أعيرت لغرس شجر كبير وبين أرض أعيرت للمحاصيل الزراعية. ممتاز، تقولون الأرض إذا أعيرت للغرس بغرس الشجر، فهنا المعير في أثناء المدة، يعني الآن المستعير أخذ هذه الارض وبدأ يغرس بها نخلاً ما شاء الله ويسقي هذا النخل، الآن هل يستطيع المعير في أثناء المدة قبل أن يحصل المستعير على الثمر هل يستطيع المعير أن يسترد أرضه؟
قالوا: نعم، يستطيع المعير أن يسترد أرضه، حتى ولو كان المستعير لم يحصد الثمر. طب مش هون في ضرر يا شيخ على المستعير؟ قالوا: لا. ليش؟ لأن هناك المعير في هذه الحالة يطالب بأشياء إذا كانت أرض أعيرت لغرس شجر. والمعير في أثناء مدة الإعارة طالب بأرضه، نقول لك: أن تأخذ أرضك أيها المعير، لأنه في النهاية أرضك، لكن عليك إما أن تدفع للمستعير قيمة هذه الأشجار، هذا الحل الأول، يدفع قيمة الأشجار للمستعير، أو يطالب المستعير أن ينزع هذه الأشجار ويعوضه في مقابل هذا النقص. هيدي حل آخر، أن المعير يقول للمستعير: انزع شجرك وأنا أعوضك بقيمة النقص الذي طرأ على هذه الأشجار.
الآن قالوا: وهكذا نظرة الحنابلة، قالوا: الأشجار إذا نزعت يمكن أن تزرع في مكان آخر فلا تذهب ماليتها، والمعير عوض المستعير بقيمة النقص. إذاً الطريقة الثانية: تنزع الأشجار ويعوض بقيمة النقص، المعير يعوض المستعير قيمة النقص الذي طرأ. طب هذا، مش هذا إتلاف؟ قالوا: لا، ما في إتلاف، لأنه الشجر يمكن أن ينقل من مكان إلى مكان آخر، يأتي شخص متخصص ينزع هذه الشجرة بجذورها ويضعها في مكان مناسب لها وينقلها إلى أرض أخرى بحيث يمكن إعادة استنباتها وإبقائها حية، ويدفع فقط المعير قيمة النقص الذي حدث.
إذاً، المعير يستطيع أن يسترد الأرض إذا كانت أعيرت لغرس شجر، لكن إذا استردها أثناء المدة، إما أن يدفع قيمة الاشجار، يعني خلص يقول للذي غرس للمستعير: هذه الأشجار كلها كم قيمتها؟ قال: والله ألف دينار. فيقول: خلاص، خليها عندي وخذ هاي ألف دينار والسلام عليكم. إذن يبقى الشجر ويدفع قيمته للمستعير، ويتسهل المستعير. أو أنه: لا، ما بدي هذا الشجر، انزعه. يطالب بنزع الشجر، لكن إذا طالب بنزع الشجر عليه أن يدفع قيمة النقص، فهنا المستعير أخذ شجره، لكن المعير عليه أن يدفع قيمة النقص الذي سيطرح على هذا الشجر بسبب نزعه، وهذا الشجر المستعير ينقل إلى أي مكان شاء.
فبالتالي إذا كانت الأرض أعيرت لغرس شجر، يمكن للمعير أن يستردها وهكذا يتم حل المشكلة. أما أن المعير يدفع القيمة، أو طريقة أخرى وهي طريقة أن تنزع الأشجار وتدفع قيمة النقص.
أما إذا أعيرت الأرض للزرع، وهي المسألة التي كنا نتحدث عنها، فقالوا: الأرض إذا تعينت لزرع محصول، فالمعير هنا لا يستطيع أن يسترد أرضه، لا يستطيع أن يسترد أرضه حتى يتم الحصاد، حتى يتم الحصاد لهذا الزرع. طب ما بنفع يا شيخ مثلاً أنه المعير يسترد أرضه ويأخذ هذا المحصول له ويدفع القيمة؟ أو أنه هذا المعير ينتزع هذا المحصول ويعطيه للمستعير ويدفع قيمة النقص، والمستعير يأخذ هذا المحصول ويذهب به إلى مكان آخر؟
في الحقيقة مثل هذه الصورة لا يمكن في قضية المحاصيل الزراعية. ليش لا يمكن مثلاً؟ يعني ما هي الفرضية؟ قالوا: بالنسبة لقضية القلع، اللي مثلاً أن المعير يكون للمستعير: اقلع هذا المحصول وانقله إلى مكان آخر وأنا أدفع قيمة النقص. قالوا: الزرع بطبعه لا يستحمل القلع، الزرع لا يستحمل القلع، فإذا تم قلعه ذهب وتلف. هذه طبيعة محاصيل القمح والشعير، بخلاف الأشجار، الأشجار تستحمل أن تقلع وتوضع مباشرة في تربة وتنقل لمكان آخر، أما المحاصيل ففي حالة أن قلعت تلفت وذهبت، فلا يمكن بالتالي يعني ما راح يدفع أن يعوضه بنقص في مقابلها.
طيب، وأما بالنسبة، طيب لماذا ما نقول إن المعير يتملك الزرع بقيمته؟ الحل الأول أن المعير يتملك الزرع بالقيمة، بما أنكم قلتم إنه ما بينفع القلع، خلص المعير يأخذ هذا الزرع ويدفع قيمته. قالوا: لأنه هكذا الحنابلة عللوا، كما يذكر الشيخ منصور، قالوا: لا داعي لهذا. لماذا لا داعي لهذا؟ قالوا: لأن مدة المحصول مدة محدودة معلومة، يعني المحصول الزراعي خلال أشهر، أربعة خمسة أشهر، خلاص يتم حصده وينتهي الأمر، بخلاف الأشجار، الأشجار بطبعها تأتي سنوات خمس ست سبع سنوات بعد عشر سنوات، ففعلا يحتاج إلى مثل هذا المخلص أو المخرج. لكن أنت أيها المعير اصبر، بقول لك: شهرين ثلاث أربع ويتم حصد هذا المحصول الزراعي. فبالتالي قالوا: المحاصيل الزراعية لا داعي لأن نملكها للمعير، والمستعير له حق المحافظة عليها لأن بطبيعتها لها أمد قريب تنتهي إليه ويتم حصدها وينتهي الأمر.
لكن مع كل هذا، يعني لاحظوا كيف الشريعة؟ في النهاية لاحظت، قالت: بالنسبة للمحاصيل الزراعية لا يمكن قلعها وتعويض النقص عنها، ولا يمكن أيضاً أن نعطيها للمعير بأن يتملكها ويدفع قيمتها للمستعير، لا داعي لهذا. طيب ايش الحل؟ هسا الحل ابتداء، كما قلنا، إن المعير لا يستطيع أن يرجع في أرضه حتى ينتهي حصاد الزرع، لكن نقول: إذا المعير طالب بأرضه، فالمستعير قال له: والله يا عمي أنا هذه مزروعة بمحصول زراعي، والشريعة تقول لي الحق في أن أبقى حتى أحصد مزروعي أو زرعي.
نقول في هذه الحالة: لا نقول للمستعير، صحيح إحنا اعطيناك الحق أن تبقى أو أن يقيم محصولك الزراعي، لكن عليك أن تدفع للمعير أجرة المثل. عليك أن تدفع للمعير أجرة المثل منذ رجع. ايش يعني منذ رجع؟ يعني هذا المحصول الزراعي باقي له، باقي له شهرين وخلص ويتم حصاده، قبل شهرين من الحصاد المعير رجع، قبل شهرين من الحصاد المعير رجع، هس نقول: تعال أيها المعير، ما رح ينفع ترجع أنك ترجع وتسترد عينك، ما رح ينفع، وهذا المحصول يجب أن يبقى حتى يتم حصاده، ويكون للمستعير، ما بينفع، لكن سنطالب المستعير بأن يدفع لك أجرة المثل لهذين الشهرين.
أنت ما ترجعت؟ قال: والله أنا رجعت قبل شهرين من الحصاد. بنقول له خلص، المستعير له أو عليه أن يدفع لك أجرة المثل، يعني نقول: هذه الأرض مثلها إذا استؤجر لشهرين، كم عليه؟ والله قالوا: خمسمائة دينار. نقول للمستعير: عليك أن تدفع خمسمائة دينار للمعير. ليه؟ طب ليش؟ قال: لانه هو المعير رجع، هو بده يرجع، ما بده يكمل معك، لكن إحنا منعناه وقلنا له: أنت بتضر المستعير، ما بينفع ترجع بتخلي الأرض مع المستعير حتى يحصد زرعه، لكن وما بدنا ننساك أيها المعير برضه حتى ما تزعل منا، أنا بقول لك يا عمي أنت رجعت قبل شهرين من الحصاد، المستعير ملزم بأن يدفع لك أجرة شهرين، أجرة شهرين وتقدر هذه الأجرة بالمثل. حتى قالوا: لا يتم الإجحاف لا بهذا ولا بهذا.
فبالنسبة إذاً لمسألة زرع، صحيح أن المعير لا يستطيع أن يسترد عينه حتى يتم حصاد الزرع، لكن المستعير ملزم بأن يدفع أجرة المثل لهذا المعير منذ اللحظة التي قرر فيها هذا المعير أن يرجع. وأما بالنسبة للغرس لا، فموضوعه بختلف. إذا قرر معير الأرض للغرس أن يرجع يستطيع أنه يرجع وياخذها، والمستعير بده يسلم جبراً، لكن عندنا حلان: إما أن يدفع المعير قيمة الأشجار ويمتلكها، يدفع المعير للمستعير قيمة الأشجار ويمتلك هذه الأشجار، وإما أن يقلع، يقول: لا، اقلع شجرك وأنا أعوضك النقص، وبالتالي يقلع المستعير شجره ويأخذ النقص ويزرع شجره في مكان آخر.
فهذه يعني فقط فائدة جلبها قوله: ولا أجرة منذ رجع إلا في الزرع. ايش يعني ولا أجرة منذ رجع إلا في الزرع؟ يعني في المسألة الأولى مسألة السفينة التي أعيرت للحمل، ومسألة الأرض التي أعيرت للدفن، هذه لو رجع المعير في أثناء المدة، لو رجع المعير في أثناء المدة لا يقبل رجوعه، ويلزمه أن يبقى على إعارته، ولا أجرة له بحال من الأحوال، ما في أجرة.
أما الصورة الثالثة، وهي صورة الزرع، هذه تختلف، هذه إذا قرر المعير أن يرجع فنمنعه من الرجوع، لكن له أجرة المثل منذ مدة الرجوع. فبالتالي فرق بين الصورة الثالثة وبين الصورة الأولى والثانية. في صورة السفينة التي أعيرت للحمل وفي صورة الأرض التي أعيرت للدفن، إذا قرر المعير الرجوع في أثناء المدة ما بنفع، وليس له أيضاً أجرة مقابل بقاء العين مع المستعير. أما في مسألة الزرع: لأ، إذا رجع بنقول له: ما بنفع ترجع، لكن لك أجرة المثل على بقاء العين في يد المستعير، وهذه الأجرة تبدأ منذ وقت رجوعك، لذلك قال: ولا أجرة منذ رجع إلا في مسألة الزرع.
طيب، والمستعير يعني أحياناً البعض يقول: يعني ممكن هذا سؤال، لماذا يا شيخ فرق بين المسألة الأولى والثانية وبين المسألة الثالثة؟ لأنهم يقولون أيضاً من أسباب التفريق بينهم: إن المسألة الثالثة مسألة الزرع يمكن أن تضبط الأجرة فيها، لكن المسألة الأولى والثانية لا يمكن أن تضبط الأجرة فيها، ويمكن يعني بالنسبة مثلاً لمسألة الميت الذي دفن هذا يمكن أن يبقى في الأرض ثلاثين أربعين سنة، فهل نكلف المستعير أن يدفع الأجرة منذ قرر المعير أن يرجع؟ هذا فيه إرهاق وإضرار، وخرج بالتالي عقد العارية عن مقصوده.
وكذلك السفينة، الآن هذه سفينة، متى ترجع؟ الله تعالى أعلم متى ترجع إلى المرسى، يمكن ما ترجع أصلاً، يمكن أن تطول مدة السير في البحر، أحياناً الرياح تساعد، الرياح أحياناً لا تساعد، خاصة في الزمن القديم، فلا يمكن في العادة ضبطه، وقد يكون إلزام المستعير باجرة المثل فيه إرهاق مادي عليه يخرج عقد الإعارة عن كونه عقد تبرع من باب التعاون على البر والتقوى.
وأما المحاصيل الزراعية فمدتها كما قلنا محصورة عادة، مدتها محصورة في العادة وقريبة يمكن أن تتحمل، فبالتالي الصورة الأولى والثانية فرض أجرة المثل على المستعير سيكون فيه غرر ومشقة كبيرة ترفضها الشريعة، لكن في الصورة الثالثة لا، يمكن أن يحتمل فيها أجرة المثل لأن المحصول الزراعي مدته تكون منضبطة عادة، والله تعالى أعلم.
ثم قال: والمستعير في استيفاء النفع كالمستأجر إلا أنه لا يعير ولا يؤجر. شو هذه العبارة الجميلة؟ والمستعير في استيفاء النفع كالمستأجر إلا أنه لا يعير ولا يؤجر.
الآن إخواني بدكم تنتبهوا على هذا التقسيم الذي سأرسمه لكم، الملك عند الحنابلة في المعاملات عموماً: هناك من يسمى العين، وهناك ما يسمى ملك المنفعة، وهناك ما يسمى الانتفاع. جميل.
ملك العين: وأن تملك العين برأسها؛ من خلال عقد بيع، أو من خلال عقد هبة، أو بأي طرقة من طرق ملك الأعيان المشروعة، ويمكن أن تملكها بالميراث أصلاً من دون عقد. فالمهم ملك العين أن يمتلك الإنسان عين الشيء، وهذا أقوى أنواع الملك. ليه؟ لأنه قال: من امتلك عين شيء فله أن يملك هذه العين لغيره، وله أن يملك منفعة هذه العين لغيره من خلال عقد إجارة مثلاً، وله أن يملك الانتفاع بهذه العين لغيره.
فنقول: إذا من ملك عيناً -اكتب هذا الضابط- من ملك عيناً له أن يملك عينها، أو النفع بها، أو الانتفاع بها لغيره، لأنه أنا خلص أنا أملك العين، فلي أن أملك هذه العين لغيري بعقد هبة مثلاً، ولي أن أملك غيري المنفعة، ولي أن أملك غيري الانتفاع. وسنعرف إن شاء الله إيش الفرق بين المنفعة والانتفاع. إذا هذا أقوى أنواع الملك: ملك العين.
النوع الثاني: ملك المنفعة. بملك المنفعة هنا أنا لا أمتلك العين، أنا أمتلك منفعة هذه العين، أنا لا أمتلك العين بل أمتلك منفعة هذه العين. وملك المنفعة له صورتان؛ أما أن يكون مؤبداً أن أمتلك المنفعة على وجه التأبيد، وهذا كما قلنا يكون مثلاً ببيع، أو حتى بوصية مثلاً أن أوصي بمنفعة شيء لشخص. المهم ملك المنفعة إذا كان مؤبداً كان ببيع، هذه صورة من صور ملك المنفعة. ويمكن أن يكون مؤقتاً كما هو الحال في الإجارة.
فإذا امتلكت منفعة عين، إما أن أمتلك هذه المنفعة على وجه التأبيد كما هو الحال في البيع مثلاً، لأنه البيع كما عرفنا ممكن يكون البيع أعيان، ممكن يكون بيع منافع وكلاهما على التأبيد، واما أن يكون أن أمتلك المنفعة على وجه مؤقت: والله اريد أستأجر السيارة لخمسة أيام. امتلكت منفعة السيارة لكن لمدة محدودة وليس مطلقاً مؤبداً. جيد. إذا ملك المنفعة أما أن يكون مؤبداً ومثال ذلك البيع، وأما أن يكون مؤقتاً ومثال ذلك الإجارة.
من ملك المنفعة هذا أقوى في المفهوم الشرعي ممن ملك الانتفاع. ليه؟ يقول: من ملك منفعة شيء فله أن يملك هذه المنفعة لغيره، من ملك منفعة شيء فله أن يملك هذه المنفعة لغيره، وله أن يملك الانتفاع بها لغيره. اكتبوا هذه القاعدة: من ملك منفعة شيء فله أن يملك هذه المنفعة لغيره. وهذي إذا بتذكر مثلنا لها في عقد الإجارة سابقاً: أنه أنا إذا استأجرت عين للركوب، اصبحت أمتلك هذه المنفعة؛ منفعة ركوب هذه العين لمدة خمسة أيام. بما أني أمتلك هذه المنفعة أستطيع أن أملكها لغيري بعقد إيجار آخر، فأستطيع أن أعقد عليها عقد إيجار مع طرف ثالث وأبيعه، أو عفواً أؤجره هذه المنفعة لمدة خمسة أيام. طب كيف أنا؟ أنا استأجرت هالموديل خمسة أيام، كيف نقلت هذا الملك لغيري؟ لأن القاعدة تقول: من ملك منفعة العين له أن يملك هذه المنفعة لغيره، وله أن يملك الانتفاع بها لغيره. إذا من ملك منفعة شيء فله أن يملك هذه المنفعة لغيره، أو الانتفاع بها لغيره. الانتفاع يعني بالإعارة. إذا أما أن أملك غيري المنفعة بعقد إجارة آخر معه، أو أن أملكه الانتفاع وذلك بعقد الإعارة.
أضعف أنواع الملك: أن تملك الانتفاع بالشيء فقط. والانتفاع هذا أمر يعني أخذ من الفعل اللازم: انتفع محمد بالشيء. الانتفاع هو أن تنتفع أنت بالشيء، لكن ليس لك أن تملك هذا الانتفاع لغيرك. ففي الحالة الثالثة: ملك الانتفاع، هو أن أمتلك انتفاعي بعيني من الأعيان، لكنني في هاي الحالة -لأنها هي أضعف أنواع الملك- لا أستطيع أن أملك هذا الانتفاع لغيره، لا أستطيع أن أملك هذا الانتفاع لغيرك. إذا في ملك الانتفاع أنت امتلكت استعمال هذا الشيء، لكنك لم تمتلك المنفعة. ركزوا: من ملك الانتفاع لم يمتلك المنفعة.
بخلاف العكس: من ملك المنفعة هو مية بالمية ملك الانتفاع، لأنه من ملك المنفعة له أن ينتفع هو بنفسه فهذا هو انتفاع، وله أن يملك هذه المنفعة لغيره وينقلها لغيره. وأما من ملك الانتفاع فمعناها: أنت امتلكت أن تستعمل هذه العين، لكنك لم تملك المنفعة، بالتالي لا تستطيع أن تنقل هذه المنفعة لغيرك، أو أن تنقل هذا الانتفاع لغيرك، فقط المستعير هو الذي يأخذ هذا الانتفاع. المستعير هو الذي يأخذ هذا الانتفاع.
وهذا مثاله عقد العارية، فيقولون: عقد الإعارة أو عقد العارية هو ملك للانتفاع، ملك للانتفاع. فأنت في العارية تعطي شخص عيناً أنت لم تملكه المنفعة، أنت ملكته الانتفاع. بدكم الفرق بين المفهومين؟ بعقد العارية المستعير امتلك ماذا؟ هل امتلك المنفعة؟ غلط. امتلك إيش؟ يا شيخ امتلك الانتفاع. طب شو الفرق؟ يقول لك: إذا ملك المنفعة هو يستطيع أن يملك هذه المنفعة لغيره بعقد إجارة، أو أن يعيرها حتى لغيره. فالمستأجر له أن يعطي العين لشخص على وجه الإعارة. يعني المستأجر دي ملكة منفعة شيء، أما أن يملك المنفعة لغيره بعقد إجارة آخر، واما أن يملك الانتفاع لغيره بعقد عارية.
وأما في العارية، لا، أنت امتلكت فقط الانتفاع، فليس لك أن تملك منفعة لغيرك لأنك أنت أصلاً ما امتلكت منفعة، وليس لك أيضاً أن تنقل الانتفاع لغيرك من خلال أنه معير يعير شخص آخر ما بنفع، لأنه ملك الانتفاع يقتضي ويستلزم أن المستعير هو الذي ينتفع بالشيء، ولا ينقل هذا الانتفاع لغيره. هذا واحد. اثنين: هو لم يملك المنفعة، فبالتالي لا يستطيع أن يؤجر العين المستعارة، لا يستطيع أن يؤجر العين المستعارة.
لذلك جداً وهذه قاعدة، لأن هناك عقود تندرج تحت ملك الانتفاع، وعقود تندرج تحت ملك المنفعة، وعقود تندرج تحت ملك العين. لابد يكون تصورك لأنواع الملك واضحاً: هناك ملك لعين، وهناك ملك لمنفعة، وهناك ملك لانتفاع. أقوى الأواع ملك العين، ثانياً ملك المنفعة، ثالثاً ملك الانتفاع، أو الملك الأعلى ملك الأدنى هيك أحفظها. فمن ملك العين: ملك العين، وملك النفع، وملك الانتفاع، فيستطيع أن يفعل أي شيء من هذه الثلاث أشياء: أن أملك العين، أن أملك غيري المنفعة، أن أملك غيري الانتفاع. ومن ملك المنفعة: امتلك المنفعة وما هو أدوم منها، فاستطيع أن أملك غيري المنفعة واستطيع أن أملك غيري الانتفاع. ومن ملك الانتفاع؟ لا، هذا خلاص، هذا لا يستطيع أن يملك غيره العين مية بالمية، لا يستطيع أن يملك غيره المنفعة لأنه لا يملكها، بل لا يستطيع أن يملك غيره حتى الانتفاع، حتى الانتفاع لا يستطيع أن يملكه لغيره.
فإذاً هذه أنواع الملك من الأعلى إلى الأدنى. لذلك قال: والمستعير في استيفاء النفع كالمستأجر إلا أنه لا يعير ولا يؤجر. إلا أنه لا يعير: فالمستعير لا يستطيع أن يعير غيره إلا بإذن ربه. طبعا قضية إذن ربه هذه قضية أخرى، لكن في الأصل المعير لا المستعير لا يستطيع المستعير لا يستطيع أن يعير. ليش بتقول لي هيك؟ يا شيخ؛ لأن المستعير ملك الانتفاع فقط، ومن ملك الانتفاع لا يستطيع أن يملك هذا الانتفاع لغيره بعقد عارية. قال: ولا يؤجر. ليش ولا يؤجر؟ لأنه هو أصلاً لا يستطيع لا يملك إلا الانتفاع ولا يملك المنفعة، بالتالي لا يستطيع أن يؤجر هذا الشيء لغيره. إذاً هو لا يستطيع أن يعير لأنه من ملك الانتفاع لا يستطيع أن يملك الانتفاع لغيره، ولا يؤجر لأن من ملك الانتفاع هو لم يملك المنفعة، بالتالي لا يستطيع أن يؤجرها. جيد. قال: إلا بإذن المالك. اه فبالتالي للمستعير أن يعير غيره وأن يؤجر غيره بإذن المالك، وهذا يكون شكل من أشكال التوكيل في الحقيقة، أن المالك وكلك في أن تعير غيرك أو أن تؤجر غيرك.
ثم قال: وإذا قبض المستعير العارية فهي مضمونة عليه بمثل مثلي وقيمة متقوم يوم تلف فرط أو لا. إلى أن مسألة الضمان في عقد إعارة هذه أشرت إليها أظن سابقاً، لما تكلمنا عن أحكام الضمان، قلنا الضمان أما ضمان عقود، وأما ضمان يد، وأما ضمان إتلاف. ولما تكلمنا عن ضمان اليد قلنا اليد أما أن تكون يد عادية، واما أن تكون يد صحيحة.
فإذا كانت يد صحيحة أما أن تكون أنت قبضت هذا الشيء وهو ليس ملكك قبضته أما لصالح مالكه كما هو الحال في الوديعة، واما لصالحك أيها القابض المحض، وهذا هو عقد الإعارة، واما أن يكون لمصلحة مشتركة بين المالك وبين القابض. وعرفنا أن من قبض عيناً أو من وضع يده على عين وهو لا يملكها، من وضع يده على عين وهو لا يملكها، وكان وضعه لليد وضعاً صحيحاً شرعياً ووضعها لصالحه هو لمصلحة القابض -أه نعيد العناصر أنا عارف العبارة الطويلة وتضيعها الطالب- من وضع يده على شيء وضعاً صحيحاً وكان وضعه لمصلحته هو لمصلحة القابض وليس لمصلحة المالك، فهذا عند الحنابلة الأصل فيه أنه يكون ضامناً ضماناً مطلقاً، وهو ما يعبر عنه: يده هي الضمان.
ما معنى يده هي الضمان؟ أنه يضمن هذه السلعة إذا تلفت، سواء بتعد وتفريط أو بدون تعد ولا تفريط. لذلك نقول: يد المستعير على العارية يد ماذا؟ هي الضمان وليست يد أمان. طب ما معنى أن يد ضمان؟ أنه يضمن مطلقاً، تعدى أو فرط أو لم يتعد ولم يفرط. بتقول ليش؟ نقول صح يا شيخ، هو يده يد صحيحة، لكنه اخذ هذه العين ووضع يده عليها لصالحه هو فقط لصالح القابض المحض، فبالتالي عليه أن يضمنها ضماناً مطلقاً.
هذا وجهة نظر الحنابلة، والمسألة فيها خلاف، أن بعض المذاهب ترى لا، تقول لك المستعير يده يد أمانة، مثله مثل المستأجر يده على العين يد أمانة. طب ليش المستأجر يده يد أمانة والمستعير يده يد ضمان؟ بنقول: لأن المستأجر وضع يده على عين، لكن المنفعة في وضع اليد هنا متبادلة، المؤجر يأخذ مالاً وأنت أيها المستأجر تأخذ نفعاً، فهناك وضع يد لمصلحة طرفين. لكن في العارية لا؛ وضعت اليد على العارية لمصلحة القابض فقط، فالنفع متمحض للقابض فقط، فبالتالي سيضمن ضماناً مطلقاً. هذه وجهة نظر الحنابلة وهي قابلة للنقاش.
إذاً: وإذا قبض المستعير العارية فهي مضمونة عليه، يعني اكتبوا يده عليه هي الضمان. وتذكروا المخطط الذي رسمته في المجلس أظن في المجلس السابق على قضية أحكام الضمان. طب كيف تكون مضمونة عليه؟ مضمونة عليه يعني إذا تلفت هذا معناه أنه مضمون عليه.
الآن وعقد العارية أو الإعارة عرفنا أنه الأصل أن ترد العين التي استعرتها لمالكها، لكن لو تلفت هذا هو السؤال: ماذا نفعل؟ إذا تلفت العين فهنا إذا كانت العين مثلية، وعرفنا ما هو المثلي عند الحنابلة: كل مكيل أو موزون لم تدخله صنعة مباحة ويصح السلم فيه. تذكر هذا الضابط؟ كل مكيل كل عين مكيلة أو موزونة لم تدخلها صنعة مباحة ويصح أن يسلم فيها لكونها تضبط بالصفات، هذه العين هي التي تسمى مثلية. فمن إذا كان المستعير قبض عيناً بهذه المواصفات فهذه عين مثلية، إذا تلفت عليك أن ترد مثلها.
وأما إذا كانت العين التي قبضها متقومة، والعين المتقومة هي كل عين لا يوجد فيها ضابط مثلي، ففي هذه الحالة إذا تلفت هذه العين المتقومة في يد المستعير، فعلى المستعير أن يرد قيمتها يوم التلف، عليه أن يرد قيمتها يوم التلف إلى مالكها، سواء تلفت بتعد أو بتفريط أو بدون تعد ولا تفريط. طب ليش يا شيخ -أني هاي من باب يعني تشغيل الذهن-: لماذا قلنا المستعير إذا تلفت العين المتقومة عنده يرد قيمتها يوم التلف، بينما في عقد القرض كنتم تقولون أن المقترض عليه أن يرد قيمة القرض، عليه أن يرد قيمة القرض، طبعا إذا كان القرض في المتقومات عليه أن يرد قيمة القرض باعتبار يوم القبض، أو باعتبار يوم يعني باعتبار يوم القبض وباعتبار يوم القبض على الخلاف الذي ذكرناه بين المتقومات التي لا تختلف في الزمن اليسير والمتقومات التي تختلف في الزمن اليسير؟ لأنه قلنا ما كان متقوماً لكنه لا يختلف في الزمن اليسير فعليه أن يرد قيمته باعتبار يوم القرض، وما كان من المتقومات يختلف في الزمن اليسير عليه أن يرد قيمته يوم القبض، لكن عموماً في عقد القرض قلنا: المقترض يرد القيمة باعتبار يوم القبض أو باعتبار يوم القبض -الألفاظ دخلت في بعضها- باعتبار يوم القرض أو باعتبار يوم القبض.
وأما في عقد العارية فقلنا: إذا تلفت العين فان المستعير عليه أن ترد قيمتها باعتبار يوم التلف، يوم التلف. فتقول لي يا شيخ: الفرق بينهما أنه في عقد القرض المقترض يملك القرض، يعني أنا أقرضت شخص مئة دينار، في القرض المقترض امتلك المئة دينار جيد، أو أنا أقرضته جوالاً، هنا المقترض يمتلك العين، وبمجرد أن يمتلك المقترض العين فإذا كانت العين مثلية عليه أن يرد مثلها كما قلنا، وإذا كانت عين متقومة فبمجرد عقد القرض وانتهائه امتلكها، امتلك المقترض هذه العين امتلكها مباشرة، ولزم في ذمته إن كانت العين متقومة لزمت في ذمته القيمة فقط للمقرض.
بخلاف عقد الإعارة، في عقد الإعارة بانتهائه -يعني بانتهاء الإجابة والقبول- المستعير لم يمتلك العين، المستعير امتلك ماذا؟ الانتفاع. هنا ستلاحظون ما أهمية أن تفهم امتلاك العين، أو امتلاك المنفعة، أو الانتفاع. في عقد القرض تقول: عقد القرض هنا عقد القرض المقترض امتلك إيش؟ المقترض امتلك العين بنفسها، أنا أقرضتك جوال، ما معنى أنا أقرضتك جوال؟ يعني أنا ملكتك جوال، هيك معنى عقد القرض، وعليك بما أن الجوال من المتقومات وليس من المثليات عليك أن ترد لي قيمته.
فعقد القرض بالنسبة لأنواع الملك هو ملك عين. فمن امتلك عينا بعقد قرض له أن يملكها لغيره، له أن يملك منفعتها لغيره، له أن يملك الانتفاع لغيره. فبمجرد انتهاء عقد القرض بصورة صحيحة، المقترض امتلك العين، صح؟ وعليه أن يرد للمقترض -إذا كانت العين متقومة- أن يرد قيمتها فقط، ممتاز.
فثبوت القيمة في ذمة المقترض إنما يكون باعتبار يوم القرض؛ إذا كانت هذه العين المتقومة لا تختلف في الزمن اليسير. وإذا كانت تختلف قيمتها في الزمن اليسير باعتبار يوم القبض. لكن عموما، بمجرد انتهاء عقد بصورة صحيحة، المقترض امتلك هذه العين ومباشرة سيثبت في ذمته قيمتها باعتبار يوم القبض.
لكن في عقد الإعارَة، لا؛ المستعير لم يمتلك العين أصلا، وإنما امتلك الانتفاع، وعليه أن يرد نفس هذه العين إلى صاحبها. طيب، متى ننتقل إلى المثل أو إلى القيمة؟ إذا تلفت العين فقط. هنا أنت امتلكت الانتفاع، فالعين نفسها ترد إلى المعير. لكن -لا قدر الله- أن تلفت هذه العين، هنا ننظر: هل هي مثلية فترد بمثلها؟ وإذا كانت متقومة فعليك أن ترد قيمتها.
فترد قيمتها متى؟ باعتبار يوم التلف. لأن القيمة إنما تثبت في ذمتك أيها المستعير في يوم التلف فقط. وأما قبل أن تتلف فلم تثبت قيمة في ذمتك، وإنما هذه العين هي نفسها تردها إلى المعير.
هنا يعني عملية التفريق بين العقود أمر مهم. في عقد القرض المقترض امتلك العين، أصبحت ملكا له. فبالتالي هي ملك أعيان عقد القرض، ومباشرة بما أنه امتلك العين، المقابل في ذلك أنه مباشرة في يوم القرض أو يوم القبض عليه أن -يعني- ثبتت القيمة في ذمته.
لكن في الإعارة، لا، الأمر يختلف تماما؛ المستعير امتلك الانتفاع ولم يمتلك العين، والعين نفسها سترد إلى المعير. وبالتالي إذا العين -هنا سننتقل لقضية المثل أو القيمة- وبالتالي لابد أن تعتبر القيمة باعتبار يوم التلف، لأنها في يوم التلف ثبتت عليه. وأما قبل التلف فلم تثبت، لم تكن قيمة في ذمته، وإنما كان عليه أن يرد العين فقط. هذا فرق بين العقود يجب أن ينتبه إليه.
إذا عقد القرض، أو عفوا عقد الإعارة، يمتلك -تكون يد المستعير فيها على العين يد ضمان- وبالتالي إذا تلفت العين عليه أن يرد مثلها إن كانت مثلية أو قيمتها متقومة باعتبار يوم التلف، فرط أو لم يفرط.
ثم فقال: لكن لا ضمان. ها الآن القاعدة العامة أنه المستعير يده هي الضمان، فاذا تلفت العين سيضمنها فرط أو لم يفرط. لكن ما من قاعدة إلا ولها استثناءات. ولذلك قال: لكن لا ضمان على المستعير في أربع مسائل إلا بالتفريط. هناك أربع مسائل لا يضمن فيها المستعير إلا إذا فرط، فكانت يده فيها أصبحت يد أمان، وإن كانت في الأصل يد ضمان، لكن في هاي المسائل الأربع تكون يد المستعير يد أمان، لا يضمن إلا بالتفريط.
إيش هي؟ قال: واحد، فيما إذا كانت العارية أو العارية وقفا ككتب العلم وسلاح وما شابه ذلك. إذا كانت العارية أو العين التي استعرتها وقف، مثل سلاح موقوف للجهاد به في سبيل الله فجاء شخص ليجاهد فاستعار هذا السلاح، أو كتب علم موقوفة فجاء شخص -إذا كانت موقوفة للي حتى ايش؟ حتى يقرأ فيها الطلبة- فجاء طالب استعار كتابا وقرأ في هذا الكتاب. يقول: إذا كانت العارية وقف، ففي هذه الحالة إذا تلفت بتعد أو تفريط سيضمنها المستعير، إذا تلفت بدون تعد ولا تفريط فهنا لا يضمنها المستعير، لأن المعير ليس شخصا، المعير هنا جهة وهي جهة الوقف. المعير هنا ليس شخصا، وإنما المعير هنا جهة، وهي جهة الوقف بالتحديد. فبالتالي جهة الوقف لا يضمن لها إلا ما كان بتعد أو تفريط فقط.
طيب، إذن هذه الصورة الأولى قالوا: إذا كانت العارية بطبيعتها وقف ككتب علم وسلاح، ففي هذه الحالة لا يضمن المستعير إلا إذا كان هناك تعد أو تفريط منه، أما إذا لم يتعد ولم يفرط فلا، لأن هنا المعير كانت جهة الوقف، وجهة الوقف لا يضمن عليها إلا إذا تعدي أو فرط.
الحالة الثانية: وفيما إذا اعارها المستأجر. الآن ركزوا، المستأجر الآن -أخواني- أنا شخص استأجرت سيارة بعقد إجارة لمدة خمسة أيام، امتلكت المنفعة، فاذا امتلكت المنفعة استطيع أن أملك الانتفاع لغيري من خلال عقد عارية. فإذا أنا امتلكت سيارة -عفوا- امتلكت منفعة السيارة بعقد إجارة، لي أن أعير هذه مدة خمسة أيام، نعم، وهي مدة استئجاري لها، فإذا أنا أعرت هذه السيارة -إذا أنا أعرت هذه السيارة لصاحبي، أنا مستأجر وأعرت هذه السيارة خلال مدة الإجارة لصاحبي، وصاحبي الذي استعارها تلفت السيارة بيده من دون تعد ولا تفريط- هنا المستعير قالوا: لا يضمن.
بدون تعد ولا تفريط طبعا، لا يضمن، ليه؟ قالوا: لأنه هذه السيارة عليها يدان في الحقيقة؛ عليها يد أمان وهي يد المستأجر، وعليها يد ضمان وهي يد المستعير، واليد الاقوى عليها هي يد الامان. لأن المستأجر يملك المنفعة، والمستعير يملك الانتفاع، وملك المنفعة أقوى من ملك الانتفاع. بالتالي يد الأمان التي سببها يد المنفعة أقوى من يد الضمان التي سببها يد الانتفاع. جميل، وبالتالي الأقوى في هذه العين أن تبقى على يد الأمان.
طيب، ما مقتضى يد الأمان؟ مقتضى يد الأمان أنك لا تضمنها إلا إذا تلفت بتعد أو تفريط. جيد، فلذلك قال: وفيما إذا أعارها المستأجر فتلفت العين في يد المستعير، فلا يضمن المستعير إلا إذا تعدى أو فرط، لأننا خلاص اعتبر الجميع الآن يده يد أمان من باب تغليب يد الأمان على يد الضمان. لماذا؟ تقول: لأنه هنا في ملك منفعة وفي مقابلها ملك الانتفاع، وملك المنفعة هو الذي يسبب يد الأمان، وملك الانتفاع هو الذي يسبب يد الضمان، وبالتالي أيهما أقوى؟ ملك المنفعة ولا الانتفاع؟ بتقول لي: المنفعة.
أو الصورة الثالثة من الصور التي لا يضمن فيها مستعير إلا بتعد أو تفريط: قال: أو بليت فيما أُعيرت له. إذا أُعيرت عينا لشخص وهذه العين معروف إيش استعمالها، فالمستعير وهو يستعملها استعمالا بالمعروف -يعني الاستعمال المعروف، الاستعمال المعروف لها أثناء الانتفاع بها- حدث فيها تلف وبدأت تتلف، وفي هذه الحالة التلف الذي يحدث في العين المستعارة أثناء استعمالها بالمعروف فيما استعيرت له لا يكون مضمونا عليه.
كيف يعني يا شيخ؟ أعطينا مثال نفهم به. لو أنني أُعرت شخصا منشفة -تعرفوا المنشفة التي يمسح بها الوجه أو منديل يمسح به وجهه؟- لو أعرته منشفة أو منديلا قلت له: خلاص استعمله وأستردك في وقت لاحق، وهو -ما شاء الله- بعد كل وضوء يستعمل هذه المنشفة ينشف وجهه وينشف يديه وجسمه، أو -يعني- إذا كانت منشفة كبيرة ينشف بها جسده بعد الاستعمال.
إذن هو يستعمل هذه العين المعارة فيما أخذها فيه واستعمالا بالمعروف، ما يعني يشد عليها شدا زائدا عن اللازم، لا، هو يستعملها بالمعروف. لكن -أخواني- مع الوقت بدأت هذه العين تهترئ ويحدث فيها خرق؛ تركها معه لمدة خمس سنين. طب المنشفة مدة خمس سنين ينشف بها الوجه واليد والجسد، مع الوقت تستهلك، تستهلك وتبدأ -يعني- تذبل، ويمكن للخيوط تتقطع ويبدأ يظهر فيها الخروق.
الان هل بعد خمس سنوات إذا جاء المعير يطالب بهذه المنشفة يقول: والله اه أنا سلمتك اياها ممتازة وأنت سلمتني إياها فيها خروق بدك تضمن، أو والله تلفت معاك المنشفة خلال الخمس سنوات من كثرة ما استحممت، عليك أن تضمن؟ لا، نقول: لماذا؟ لأنها تلفت -تلفت بالشيء الذي أُعيرت له-.
يعني معروف أنه المنشفة أُعيرت لماذا؟ للتنشيف، والرجل استعملها بالمعروف بما هو متعارف عليه، ما زاد، وأثناء الاستعمال ومن كثرة الاستعمال والاستهلاك بدأت تظهر عليها التلف بالتلف جزء منها. فنقول هنا: أنت أيها المعير دخلت في الإعارة وأنت تعرف في ماذا ستستخدم هذه العين، وأنت تعرف أن هذه العين إذا استعملت مدة خمس سنوات أو ست سنوات وأُطيل استهلاكها خلص مع الوقت ستذبل وتبدأ تظهر عليها علامات التلف. إذا هذا نوع رضا منك بما سيحدث بها، هذا نوع رضا منك بما سيحدث بها فتحمل النتائج. هذا معنى: أو بليت بما أُعيرت له. لكن بدكم تقيدوا أنه بشرط أن يكون المستعير استعملها بالمعروف، ما حمل هذه العين ما لا تطيق؟ لا، استعملها بالمعروف.
قال: أو أركب دابته. الصورة الرابعة والأخيرة: منقطعا لله تعالى فتلفت تحتها. اهو، لو كنت أنا -أخواني- أقود دابة في طريق، معي خيلي أقودها وفي طريق صحراوي وجدت رجلا منقطعا يبحث عن من يركبه، فأشفقت عليه، قلت له: اركب معي يا فلان. فركب معي على الدابة، سواء كنت أنا صاحب الدابة راكب عليها أو كنت أقودها وأنا أمشي على قدمي، لكن المهم الدابة معي في يدي وأنا فقط ساعدت هذا الشخص بأن يركبها حتى أُوصِله إلى بلده.
بهذه الحالة لو تلفت هذه الدابة بسبب ركوب هذا الشخص عليها، ليس لك أن تضمنه، ما بتقول: والله يا شيخ أنا أعرته أن ينتفع بهذه الدابة ويصل بها إلى وطنه، وبالتالي تلفت الدابة تحته فعليه أن يضمن، والله هذا عقد إعارة! بنقول: ما ينفع. ليه؟ إيش الفرق؟ بنقول: لأن الدابة هنا لم تخرج عن يدك، هو بقي معك، أنت بقيت تقود هذه الدابة يا صاحبها أو كنت راكب عليها معه وأنت ساعدته فقط بأن يركب معك أو أن تقود به هذه الدابة ليصل. لم تخرج عن يد مالكها، هذه هي العلة في هذه المسألة: الدابة لم تخرج عن يد مالكها.
آه لو أنت أُعطيته دابة، أُعرته اياها وتركتها معه وذهبت، وتلفت الدابة معه، هذا شيء آخر، يضمن، يضمن سواء عدى أو فرط أو لم يتعد أو لم يفرط. أما ما دمت معه أنت، أنت الذي تقود الدابة أو أنت راكب عليه وهو خلفك، ولم تخرج الدابة عن يدك، ففي هذه الحالة هي ليست إعارة كاملة -خلينا نقول- لأنه صاحب العين ما زالت يده على العين، وإنما فقط يعني ساعد شخصا قطعا لله تعالى فأركبه معه.
فإذا تلفت هذه العين، ليست هذه إعارة كاملة، والعين لم تخرج عن يد مالكها، بقيت في يده، فلا يضمن هذا المستعير شيئا. هم اعتبروه وكأن نوع من أنواع الاستعارة هنا في الحقيقة، لكنها ليست استعارة كاملة لأن العين لم تخرج عن يد مالكها، فإذا تلفت فهي في الحقيقة تلفت في يدك أيها المالك.
إذا، لكن لا ضمان في أربع مسائل إلا بالتفريط؛ هذه المسألة الأولى: فيما إذا كانت العارية وقفا. المسألة الثانية: إذا كانت العارية حصلتها من المستأجر وليس من صاحب العين. الثالثة: إذا بليت العارية في الأمور التي أُعيرت من أجلها وكان استعمالي لها بالمعروف. رابعة: إذا أركبه الدابة وبقي معه، لم يتركه، لا، أركبه الدابة وهو معه، أركب دابة منقطعا لله فتلفت تحته. في هذه الصور لا يضمن المستعير إلا بتعد أو تفريط.
ثم قال: ومن أعار عينا -أي من عندي ليرهنها المرتهن- أمين ويضمن المستعير. الآن عموما إذا استعرت عينا يجب أن أخبر صاحب هذه العين في ماذا سأستعمل هذه العين، فإذا أنا مثلا استعرت جوالا أو استعرت سيارة بده يعرف المعير بماذا أنا استعرت، فإذا استعرت لارهنها بده يكون هو على بينة، فبالتالي اكتب: ومن استعار لارهن وكانت هذه الاستعارة للرهن بإذن رب العين. يعني أنا قلت له: هل تعيرني هذا الجوال أو هذه السيارة لأرهنها؟ فإذا هو أذن لي خلاص، ممتاز. أما أن أقول له: هل تعيرني هذه السيارة لأركبها، ثم فجأة إذا به يكتشف أنني رهنتها له؟ أنا ما راح ينفع الرهن، أنه اهو أنا استعرت لأركب فاستعملتها في غيري ما استعرتها له بدون إذن ربها، فلا يصلح.
وهنا صورة المسألة: من استعار ليرهن بعد أن استأذن رب العين. قال: أعري هذه السيارة لأرهنها. بصير، بصير.
طيب إذا أنا استعرت سيارة لأرهنها وأصبحت هذه السيارة الآن في يد مين؟ في يد المرتهن. فهناك يدان على هذه السيارة، صح؟ أنا أصبح أكثر من يد -الفكرة من الأفكار الجميلة-. هناك إذن مالك، وهناك مستعير وهو الراهن، وهناك مرتهن. الآن المالك اسمه زيد مثلا أعطى هذه السيارة للمستعير، المستعير يريد أن يرهن، فنقول: يد المستعير على السيارة يد ضمان، لأنه مستعير، فيده على السيارة هي الضمان، قبض هذه السلعة لصالح الشخصي. وأما يد المرتهن على السيارة فهي على أصلها يد أمان، من هنا المرتهن قبض هذه السيارة لصالحه، وفي الحقيقة أيضا لصالح المستعير، فلذلك المصالح مشتركة، فاعتبرت يد المرتهن على السيارة يد أمان.
إذا، يمكن اليد الواقعة، يمكن العين الواحدة يكون عليها أكثر من يد، وهذه فائدة جميلة؛ العين الواحدة يمكن أن يكون عليها أكثر من يد مثل هذا المثال الذي ذكرناه: محمد استعار من زيد سيارته ليرهنها، فيدو محمد -وهو المستعير- على السيارة هي الضمان، يضمنها مطلقا، تعدت بتعد أو تفريط أو بدون تعد ولا تفريط. ويد -مثلا يقول- موسى المرتهن على السيارة يد أمان، فلا يضمنها إلا إذا تلفت بتعد أو تفريط. ولاحظوا إذن هنا السيارة أصبح عليها أكثر من يد؛ هناك يد ضمان عليها من جهة، وهناك يد أمان عليها من جهة موسى. جميل.
إذن: ومن استعار ليرهن بإذن ربه فالمرتهن أمين، وأما المستعير فيدو الضمان.
المسألة الأخيرة -أحبابي- قال الشيخ مرعي رحمة الله عليه: ومن سلم لشريكه الدابة ولم يستعملها.
أو استعملها في مقابلة علفها بإذن شريكه وتلفت بلا تفريط لم يضمن. ما صورة هذه المسألة أحبائي؟ انتبهوا معي؛ لأن هذه المسألة في الحقيقة فيها تفصيل حتى نفهمها. لو كان هناك أحبائي الكرام حصان اشترك فيه أنا وشريك لي، أنا وشريكي اشترينا حصانا، هذا الحصان بيني وبينه. طبعا أنت لما تقول حصان في الزمن المعاصر ممكن تكون سيارة، لكن أنا سأطبق هذا الحصان أنه من ذوات الأرواح.
عموماً، إذا كان هناك حصان بيني وبين شريكي، نحن اشتركنا فيه واتفقت أنا واياه فرضا أن هذا الحصان يكون لي أسبوعا وله أسبوع، لي أسبوع وله أسبوع؛ فأنا أركبه خلال هذا الأسبوع، بعد أن أنتهي أسلمه إياه وهو يركبه الأسبوع الآخر.
فإذا كان هذا حصان عند شريكه في أسبوعه، أي في نوبته، فبالتالي شريكي في نوبته له أن يركب هذا الحصان، هذا حقه. ولو تلف هذا الحصان معه، إما أن يتلف بتعد أو تفريط، أو بدون تعد ولا تفريط.
إذا تلف الحصان معه بدون تعد ولا تفريط، لا ضمان عليه في شيء؛ لأن هذا حقه أن يركبه في هذه النوبة. وإذا تلف بتعد أو تفريط منه، عليه أن يضمن لي نصيبي من هذا الحصان. هكذا هي الفكرة.
إذا هذا الحصان ركبه شريكي في نوبته، ركبه شريكي في نوبته، إيش يعني في نوبته؟ يعني في حصتي، هو حصته في هذا الأسبوع، وهو ركبه في أسبوعه الشخصي. بالتالي هنا نقول: إذا تلف بلا تعد ولا تفريط معه لم يضمن، وإذا تلف بتعد أو تفريط ضمن نصيبي من هذا الحصان. سامحوني الخط سريع لكن محتاج أسرع.
إذا ركبه شريكي في أسبوعه الخاص به، في هاي الحال هو حقه أن يركبه هذا أسبوعه، فإذا تلف تحت يده بناء تعد أو تفريط ما لا يضمن شيئا لي، وإذا تلف بتعد أو تفريط منه هنا سيضمن لي نصيبي من هذا الحصان؛ لأنه في النهاية شركة بيني وبينه، سيضمن لي نصيبي من هذا الحصان. هذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية: أن يركبه في نوبتي. الحالة الثانية أن الأسبوع أن الحصان الآن في أسبوعي، في نوبتي، لكن أنا ما استطعت أني أركبه أو اضطررت لسفر أو ما شابه ذلك، فقلت لشريكي: ضع هذا الحصان عندك. إن هذا الأسبوع أسبوعي أنا، فهو من نوبتي من حصتي، لكن عندي ظرف طارئ اقتضى أني أضع الحصان عند شريكي وهو ليس من حصته الآن.
جيد، إذا وضعت الحصان عند شريكي بنوبتي، يعني في حصة أنا منه، ففي هذه الحالة هناك أحوال: الحالة الأولى: لا يستعمل شريكي هذا الحصان فبالتالي سيكون عنده وديعة. الحالة الأولى أنه شريكي خلص ما استعمل الحصان، أنا وضعت عندي السيارة في الكراج أو وضعت الحصان عند باب منزله وربطه ولم يستعمله.
ففي هذه الحالة صورة الأمر صورة وديعة، أنه أنا في وقت حصتي ما استطعت استعمله، عندي سفر، فأضع هذا الحصان عنده وهو لم يستعمله، فتكون الصورة عندنا صورة وديعة، ويد المودع عنده يد ايش؟ يد أمان. فيد شريكي الآن على هذا الحصان يد أمان؛ لأنها فلا يضمن إلا إذا تلف بتعد أو تفريط، هذا مقتضى يد الأمان.
الحالة الثانية: استعمل شريكي الحصان ولم يستأذن مني. شريكي استعمل الحصان للأسف من دون أن يستأذنني، أو ممكن نقول: يا شيخ طب خلص ما هو يعني وضع عنده الحصان. لأ، هو أنا وضعت الحصان عنده، لكن هذا الأسبوع حصتي وقتي مش وقته، فانا لما وضعت الحصان عنده أنا رزقي ما قلت له اركبه، مش أسبوعه، فإذا هو استعمل الحصان من دون أن يستأذنني فهذا غصب.
هكذا قالوا، هذا ايش؟ غصب، عليه أن يضمن هذا الحصان مطلقا تلف بتعد أو تفريط أو بدون تعد ولا تفريط، فبالتالي يد ضمان، يده هي الضمان. إذا استعمل شريكي الحصان ولم يستأذن مني فهو غاصب ويده هي الضمان مطلقة.
الحالة الثالثة: استعمل الحصان باذني. حكى معي تلفون: يا إبراهيم، تسمح لي أستعمل هذا الحصان؟ تسمح لي أن أستعمل هذا الحصان؟ فانا أذنت له. اه، قالوا: إذا أذن له، إذا استعمل الحصان باذني، فهذه عارية.
إذا استعمل الحصان باذني فهذه عارية، اه، ايش يعني عارية؟ عارية يعني يده هي الضمان أيضا، أدركتوها هون؟ خلص يده ضمان أيضا. فهذه عارية، وتكون يده عليها يد ضمانة؛ لأنه استعار الحصان مني. طب كيف استعار وهو شريك فيه؟ أنه هو يستعمله في وقت نوبته، في وقت حصته، فانا قلت له أن يستعمله في وقت حصتي، هذه عارية، وبالتالي يد العارية هي يد ضمان أيضا.
لكن هناك استثناء؛ لأنه ايش قال هو الشيخ مرعي هنا؟ أو استعملها في مقابلة علفها بإذن شريكه. ايش يعني بإذن شريكي؟ وكيف هي مقابلة علفها؟ الآن إذا استعمل الحصان باذنه فالاصل أنه يد يد عارية. قالوا: إلا إذا كان استعماله للحصان باذني، وفي مقابل أن يعلفها، يعني هو عم يقوم بعلفها والانفاق عليها في أثناء غيبي، وفي مقابل علفها ويقوم ماذا؟ باستعمال الحصان. إذا هو استأذنني في استعمال الحصان، ولكن في مقابل العلف هو يقوم بالركوب.
ففي الحقيقة هنا لا يعتبر من قبيل العارية؛ أن هو يأخذ المنفعة، لكنه في المقابل يدفع، فكأنه شكل من أشكال الاستئجار؛ أنه أنا بنفق عليها في أثناء غيبتك، لكن مقابل هذا بدي أركب. شكل من أشكال الاستئجار، وبما أنه شكل من أشكال الاستئجار فهنا لا يضمن إلا بتعد أو تفريط، وتكون يده يد أمان.
فاكتبوا: إذا استعمل الحصان باذني فالاصل أنها عارية، إلا إذا كان استعمال الحصان باذني في مقابل علفه لها لهذه الدابة، ففي هذه الحالة هو يدفع عوضا مقابل الانتفاع، بالتالي هذا عقد إجارة في الحقيقة، وبالتالي يده تكون على الحصان يد أمان وليست يد ضمان.
لاحظوا المسألة فيها تفصيل، إذا المسألة فيها تفصيل: أن لا يستعمل شريك الحصان أصلا ويبقى واقف أمام البيت وهذا يده يد أمانة أنها وديعة، أن يستعمل شريك الحصان ومن دون أن يستأذن مني وهذا يكون غصب، وأن يستعمل الحصان باذني فهذه تكون عارية، والعارية هي الضمان أيضا.
لكن إذا كان استعماله للحصان باذني في مقابل علفه لها، فهذا أصبح عقد استئجار، وبالتالي يد المستأجر يد أمان وليست يد ضمان، بالتالي لا يضمن إلا بتعد أو تفريط.
لذلك هو ماذا قال؟ قال: أو استعملها في علفها بإذن شريكه، وتلفت بلا تعد ولا تفريط لم يضمن. بتقول؛ لأنه هذا نوع من أنواع الاستئجار، شكل استئجار، وبالتالي المستأجر لا يضمن إلا بتعد أو تفريط. وارسم هذه الخارطة هكذا عندك، يعني تحصل لباب هذه المسألة كما يقولون.
ولا أطيل عليكم أكثر من ذلك، إن شاء الله في المحاضرة القادمة نشرع في كتاب آخر وموضوع آخر، وهو موضوع الغصب. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل