دخولتسجيل الدخول

الدرس 60 - أهمية الصبر على تعلم مسائل المعاملات، تعريف البيع

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبائي إلى عودة جديدة في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله تعالى عليه على مذهب السادة الحنابلة. في المحاضرة السابقة التي كانت قبل أسابيع انتهينا من قسم العبادات تماما في كتاب دليل الطالب، واليوم بإذن الله ننتقل إلى مرحلة جديدة في مدارسة هذا الكتاب؛ مرحلة قسم المعاملات والمناكحات والأقضية، هذا القسم الذي يشعر بعض طلبة العلم بالوجل والخوف من الدخول فيه.

يشعر أن قسم العبادات سهل كونه يمارس في حياته اليومية، وأما قسم المعاملات والمناكحات والأقضية فإن كثيرا من طلبة العلم بينه وبين اقتحام هذه الأبواب حاجز، ويشعر بالثقل في تعلمها، مما يجعله ينفر سريعا من إكمال الكتب الفقهية. في الحقيقة أحبائي نحن اليوم بحاجة ماسة لطلبة علم متقنين لهذا القسم من الفقه الإسلامي. كثير من الناس تتكلم في الطهارة، في الصلاة، في الوضوء، في الحج، لكن الذين يحسنون ويتقنون الحديث في المعاملات وفي البيوع وفي الإيجارات وفي أحكام المناكحات وفي أحكام الأقضية والإقرارات قليلون في الحقيقة. الذين يحسنون ويتقنون هذا النوع قليل؛ لماذا؟ لأن إتقان هذا النوع يحتاج إلى نفس من طالب العلم.

وللأسف إن طلبة العلم اليوم يفقدون هذا النفس الطويل في المدارسة والمذاكرة، غاية همهم أن يقف عند باب العبادات. فإذا شرع في باب المعاملات أخذ محاضرة أو مجلسين، ثم شعر بعد ذلك أن هذا الباب يحتاج إلى توقد الذهن ويحتاج إلى معاركة ومذاكرة وسؤال واستفسار، وأن يشد ذهنه حتى يفهم ويتصور المسائل فيترك هذا الأمر. هذه مشكلة أجدها في الوقت المعاصر عند كثير من الطلبة يجب أن يتنبه لها. أحبائي نحن اليوم في مدارس تعليم العلوم الشرعية نفقد النفس الطويل في التعلم. الطلاب يرغبون في الوجبات السريعة، في الكتب التي تنتهي بشهر وشهرين، وهذا لم يكن دأب العلماء الأقدمين ولا دأب طلبة العلم في الأجيال السابقة.

الإمام إبراهيم الحربي، تلميذ الإمام أحمد بن حنبل، كان يقول: سمعت المسألة من أحمد بن حنبل ألف مرة. تصوروا وتخيلوا الرقم؛ ألف مرة كان يسمع المسألة الفقهية من الإمام أحمد بن حنبل. نحن اليوم الطالب لا يكاد يكمل قسم العبادات إلا والهمة تكاد تفتر ويترك المدارسة والمجالسة. فهذه مشكلة في الوقت المعاصر يجب أن ينتبه لها أحبائي من طلبة العلم؛ مشكلة عدم وجود النفس الطويل في القراءة والدراسة. الطالب غير مستعد أن يجلس على مدارسة كتاب فقهي سنة أو سنتين أو ثلاث، هو يريد شيئا سريعا يأخذه، وإخواني هذا الشيء السريع لا يمكن أن يصنع لنا طالب علم فقيها، لا يمكن أن يجعلك تضبط وتتصور المسائل الشرعية.

أنت لما تتكلم في أبواب المعاملات تتكلم عن البيع وعن شروطه وعن الخيار فيه، وتتكلم عن السلم وأحكامه وعقود التبرعات وعقود التوثيقات والوصايا وأحكام المواريث، ثم تنتقل للمناكحات فتجد مسائل طويلة تتعلق بها أحكام النكاح والزواج وشروطه وأركانه وعلاقة الزوجة بزوجها وأحكام الطلاق والخلع والظهار والإيلاء، ثم تنتقل إلى باب الأقضية والجنايات فتتكلم عن الجنايات وعن الحدود وعن كيفية تطبيقها وأحكام كل حد وشروطه. فتتكلم عن مسائل كثيرة، وكل مذهب فقهي له نظرته وله بناؤه في هذه الأبواب. فلا يصلح لطالب العلم أن يستعجل في أخذ هذه الأمور من مجرد الكتب المعاصرة التي تقتصر على أمهات وعلى رؤوس المسائل، لكنها لا تقتحم المسائل العميقة في كل باب من هذه الأبواب، وبالتالي يبقى طالب العلم ضعيفا.

لا يكاد يجلس في مجلس علمي يبين عن مسألة فقهية في الرهن أو في كفالة أو في أحكام الأقضية أو في شروط القاضي أو في مسائل الطلاق أو الخلع؛ لا يكاد يبين طالب العلم في هذه الأبواب. أين يختفي؟ أنا أعرف أين يختفي؛ هو لم يصبر على نفسه في هذه الأبواب حتى يتعلمها مسألة مسألة، وبابا بابا، وفصلا فصلا. كان يشعر أثناء مراحل الطلب بالتخوف من هذه الأبواب فبقي طوال عمره ضعيفا فيها. فيا طالب العلم استعن بالله، استعن بالله ولا تعجز، وشمر ساعد الجد، واعلم أن كل مسألة تتعلمها في باب البيوع، وفي باب الإيجارات، وفي باب المناكحات، وفي باب الأقضية والحدود؛ أنت تحفظ على الأمة دينها.

فاستشعر عبوديتك لله سبحانه وأنت تحفظ تعريف البيع، وأنت تحفظ شروط البيع، وأنت تدرس خيار البيع وأنواعه؛ تذكر أنك تحفظ على هذه الأمة دينها، تذكر أنك على ثغر عظيم وأن الأمة بحاجة لك. نعم أنت، أنت يا طالب العلم المثابر الجاد الصادق الذي لا تشعر بالفتور الكبير ولا تشعر بالتواني والكسل، يا صاحب الهمة العالية، أدعوك إلى أن تثبت في هذه المقامات، وأن تعرف أن الطريق طويل لكن نهايته الفلاح. ستسود الناس يا طالب العلم بعلمك، وسيستفيد الناس منك، وستحفظ على الأمة دينها، ويستعملك الله عز وجل في حراسة هذا الدين.

وعندما تلقى الله سبحانه ستجد شيئا تفتخر به، أنك يا رب في وقت انشغال الناس بالملهيات والقيل والقال ووسائل التواصل، في الوقت الذي كانت الدنيا بعيدة عن مجالس العلم، أنا يا رب ثابرت وواظبت، وقهرت هذه النفس على هواها، وجالست أهل العلم، وحفظت، وجلست مع الأحبة وذاكرت، وكنت دائما أراجع المواد العلمية، وأفدت الناس، وأقمت المجالس الشرعية، ونشرت العلم؛ هذا الشيء الذي نريد أن نلقى به ربنا سبحانه وتعالى. بماذا تلقى الله عز وجل أخي الكريم؟ تلقى الله بمجالس كلها فكاهات وضحك ونزهات وفرجات وقيل وقال؟ هذا الذي نلقى الله عز وجل به؟ فإخواني الله الله في المثابرة والمثابرة، وندرك أن الرحلة تحتاج لجهد ولتعب، لكن من استحضر أولا حسن القصد والنية ثم عظم ما هو مقيم عليه في هذه المذاكرة، صدقوني إخواني لا يمكن أن يمل، لا يمكن أن يشعر بالفتور.

لكن المشكلة أحبابي، وخذوا مني هذه الفائدة أحبابي الكرام قبل أن أشرع في محاضرة اليوم؛ طلبة العلم الذين يشرعون في تحصيل العلوم الشرعية على أربعة أنواع.

القسم الأول من الذين يطلبون العلم قسم لا يوجد عنده استعدادات نفسية لطلب العلم، لم يرزقه الله سبحانه وتعالى مواهب وقدرات لطلب العلم؛ ما يوجد عنده موهبة في الحفظ ولا في الفهم ولا في الاستيعاب ولا في التحليل، لا يوجد عنده استعدادات نفسية لطلب العلم، وفي نفس الوقت لا يوجد عنده كبير نية في الولوج في هذا الميدان. فلا هو عنده نية صالحة صادقة ولا هو عنده استعدادات ومهارات يمكن أن يوظفها في طلب العلم، فهذا النوع من الطلبة وللأسف هم أكثر الذين يشرعون في طلب العلم اليوم؛ هؤلاء سرعان ما ينقطعون عن مجالس التعلم لأنه لا يملك نية صالحة تعينه وتزوده كلما شعر بالفتور في هذا الطريق، وفي نفس الوقت لا يجد في نفسه مهارة على الحفظ والاستيعاب والتحليل.

فلماذا شرع في طلب العلم؟ لأنه لربما وجد شيخا من شيوخ العلم والطلبة يجتمعون حوله ويحترمونه ويوقرونه ويبجلونه، فطمحت نفسه أن يصل إلى حال هذا الشيخ، أن يوقره الناس وأن يعظمه الناس؛ فسلك في مسلك العلم لعله أن يحصل هذا الشرف في الدنيا. فلاحظوا هو لم يخلص لله ابتداءً في طلب العلم وإنما أراد هذه الأبهة وهذه المظاهر، وفي نفس الوقت المسكين لم يعرف أنه لا يملك استعدادات للطلب. فيشرع في طلب العلم في مجلس ومجلسين وثلاث وأربع، يبدأ يشعر بحرارة التعلم وطول الطريق فيترك العلم بالكلية ويذهب يفتش عن نفسه في مكان آخر؛ هذا هو النوع الأول.

القسم الثاني من الذين يطلبون العلم قسم عنده نية صالحة صادقة في الطلب، لكنه أحبابي لم يرزقه الله سبحانه وتعالى استعدادات نفسية للتعلم، فهو ضعيف الحفظ والفهم والتحليل وما شابه ذلك، كل هذه المهارات التي يحتاجها طالب العلم هو ضعيف فيها جدا، لكن عنده نية صالحة للتعلم. فهذا النوع إخواني، وإن كان ربما لا يصبح عالما من العلماء الكبار، لكن الله سبحانه وتعالى يأجره على هذه النية؛ فهذا حاله حال الذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق، فله أجران كما قال صلى الله عليه وسلم.

بعض الناس هو صادق يريد أن يخدم هذه الأمة، يريد أن يقدم شيئا يلقاه عند الله سبحانه، فسمع بالعلم وبشرف العلم ومكانته فأحب أن يلج في هذا الميدان، فشرع في مجالسة الأشياخ بنية صالحة صادقة يبتغي بها وجه الله، لكنه يشعر من نفسه ضعفا كما قلنا في مهارات التعلم. فهذا النوع أقول له: اصبر وصابر ورابط، وسل الله سبحانه وتعالى أن ينمي فيك هذه المهارات وأن يمنحك هذه القدرات. ولو بقيت ضعيفا تفقد المهارات فلا حرج عليك ولا تثريب، استمر في طلب العلم فإنك في عبادة ما دمت مواظبا لمجالس العلماء؛ فإنك في عبادة حتى ولو كان هناك مشقة، أن تتعلم بعض المسائل وأن تتفقه في دينك وأن تعرف أحكام الشريعة عموما، وأن يكون عندك حصيلة من الأخلاق ومن الفضائل ومن الآداب ومن الأحكام؛ حتى لو لم تصبح عالما لضعف ملكاتك، لكن سيصبح عندك شيء بإذن الله جميل تنفع به ولو أسرتك ولو عائلتك ولو الناس من حولك ولو المجتمع الصغير. واظب على هذا الأمر وسيثيبك الله سبحانه ولا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا؛ هذا خطابي لهذا النوع. لا تدري لعل الله عز وجل مع الوقت عندما يطلع على صدقك وعلى حبك وعلى عشقك للعلم الشرعي أن الله سبحانه وتعالى يمنحك موهبة من هذه المواهب بعد أن كنت فاقدا لها، هل الله سبحانه وتعالى عاجز عن ذلك؟ فاسأل الله التوفيق وواظب حتى ولو لم تصبح عالما فإن حسن النية وحسن القصد يرفعك عند الله سبحانه وتعالى مراتب.

النوع الثالث أحبائي من الذين يطلبون العلم هم الذين رزقهم الله سبحانه وتعالى مهارات التعلم لكنهم لا يمتلكون نية صادقة في طلب العلم، لا يمتلكون الإخلاص وحسن القصد في الولوج في هذا الباب. فهؤلاء إخواني قوم يحبون القراءة وعندهم حفظ وفهم وقدرة على التحليل والنظر في كلام الأقدمين، لكنهم لما ولجوا في هذا الباب لم يكونوا مخلصين لله سبحانه وتعالى؛ فهؤلاء يخشى عليهم أن يكونوا وبالا على أمتهم. وهذا الصنف موجود من طلبة العلم؛ بعض الناس أحبابي يتعجب من شيخ متصدر ويكون عنده تبحر في كثير من العلوم الشرعية لكن تصرفاته تصرفات المنافقين، لكنه يقف مع الظالمين، لكنه يزور لأهل الباطل أفعالهم. فيتعجب فيقول: كيف هذا الشخص الذي عنده قدرة على الحفظ ومهارة في الفهم والقراءة والتحليل كيف يكون في صف الظالمين؟ وكيف يكون في تصرفاته يظهر مظاهر النفاق والرياء والعجب وحب الظهور؟ أين العلم؟

فنقول إخواني هذا الصنف عليكم أن تعرفوه؛ هذا صنف نعم عنده مهارات في التعلم لكن لم يرزق النية الصالحة، فكان وبالا على نفسه وعلى أمته. وهؤلاء هم الذين ترونهم ممن أوتوا شيئا من العلم لكنهم يقفون مع الظلمة ومع المتجبرين ويزورون لأهل الباطل، وتجدونهم يهتمون بالمظاهر والأشكال وتلاحظ مظاهر النفاق والرياء في تصرفاتهم؛ هؤلاء نعم صنف موجود فهو قد يفتى عليه في العلوم وقد يتعلم ويقرأ الكتب وما شابه ذلك، لكن كل ما فعله سيكون وبالا عليه وحجة عليه يوم القيامة، فنسأل الله العافية.

وهذا الصنف أحبابي إذا طلب العلم واستفاد من العلوم الشرعية ثم لم يجد تعظيما من الناس له ولا تكريما ولا غير ذلك من المظاهر التي كان يبحث عنها في طلبه للعلم فإنه قد ينصرف عن العلم الشرعي بالكلية، وتتحول حاله من طالب للعلم إلى محارب للعلم. هناك كثير من الأمثلة المعاصرة والقديمة ممن كان مبرزا في ميدان العلوم الشرعية ثم انقلب ملحدا ويحارب الإسلام ويأتي بأفكار هدامة. هذه النفسيات المريضة أحبابي تستغرب منها كيف يكون طالب علم مجد ثم بعد ذلك يلحد أو ينقلب إلى إنسان يدافع عن أفكار الغرب وأفكار الصليبيين وما شابه ذلك ويحارب التيارات الإسلامية والفكر الإسلامي الناضج؛ تستغرب! لكن في الحقيقة من عرف حقيقة هذا الرجل لا يستغرب، من عرف أن هذا الرجل عنده مواهب في التعلم وفي القراءة وفي التحليل لكن لا يوجد عنده نية صالحة؛ يعرف كيف أن الله سبحانه وتعالى فتن هذا الرجل في علمه فكان علمه وبالا عليه.

إنسان طالب للشهرة، طالب للسمعة، طالب لأن ينظر إليه وأن يصبح له مكانة وأبهة، فلما لم يجد ذلك في ميدان العلم بحث عن ذلك في ميدان الإلحاد أو في ميدان النفاق أو في ميدان حمل الأفكار الضالة والمنحرفة عن منهج الإسلام العظيم. فإياك يا طالب العلم أن تكون ممن يطلب العلم بدون نية.

النوع الرابع والأخير من طلبة العلم هم الذين يطلبون العلم أحبابي، وعندهم استعدادات نفسية -يعني مهارات رزقهم الله سبحانه وتعالى إياها لطلب العلم- وعندهم في نفس الوقت كبير نية، عندهم إخلاص وصدق مع الله في طلب العلم، وهؤلاء هم العلماء الذين ننظر إليهم، وهؤلاء هم العلماء الذين ينظر إليهم.

عنده قدرات على الحفظ والفهم والتحليل والنظر، وعنده صدق نية في طلب العلم، فهو يستخدم هذه المهارات التي منحه الله عز وجل إياها ليس من أجل جلب أنظار الناس إليه، ولا ليقبل رأسه وتقبل يداه، لا لا لا، هو طلب العلم من أجل رفعة هذا الدين، ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى.

فهذا النوع أحبابي هم الذين يرجى فيهم صلاح حال هذه الأمة. هذا النوع، لأنه عنده مهارات وعنده صدق، هو الذي يرجى فيه أن يكون عالماً، هو الذي يرجى فيه أن يغير واقع هذه الأمة وأن ينقلها من حال إلى حال، ونسأل الله أن يكثر هذا الصنف من طلبة العلم، هذا الصنف الرابع هو محط الآمال في هذه الأمة. فنسأل الله أن يكثرهم وأن يستعملنا في إعدادهم وفي تنشئتهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

لا أطيل أكثر من ذلك أحبابي في هذه القضية، ندرك أن هذه مقدمة بدأت بها قبل أن أشرع في كتاب المعاملات حتى نرفع الهمم ونعيد التفكير بشكل صحيح فيما نحن مقبلون عليه. موعدنا اليوم أحبابي مع كتاب البيوع، موعدنا اليوم مع كتاب البيوع، سنشرح فيه إن شاء الله. وهذا أول قسم من أقسام المعاملات؛ لأن عقود المعاملات أحبابي متنوعة في الحقيقة، عقود المعاملات متنوعة. فهناك عقود تسمى المعاوضات، الآن دعني أذهب إلى السبورة حتى أقسمها لكم سريعاً. عندما نتكلم عن باب المعاملات نحن نتكلم عن مجموعة من العقود.

بسم الله، عقود المعاملات: هناك أحبابي عقود تسمى عقود المعاوضات، شخص يعطي وشخص يأخذ، معاوضة. شخص يعطي وفي المقابل هناك شخص يأخذ، ومن أشهر هذه العقود البيع والإجارة. طبعاً تحت البيع تدخل أنواع البيوع مثل السلم وبيع الأصول والثمار وغير ذلك من البيوع التي ستأتي معنا إن شاء الله، فالبيع والإجارة من أشهر الأمثلة على عقود المعاوضات.

هناك قسم آخر من العقود تسمى عقود التوثيقات، عقود التوثيقات مثل عقد الرهن والكفالة وعقد الضمان، ويمكن البعض يدخل أيضاً الحوالة هنا، يدخلها تحت هذا النوع. هذه عقود التوثيقات هذه ليس المراد منها المعاوضة ابتداءً، وإنما المراد منها أن يوثق الإنسان حقه عند شخص آخر. فأنا لي مال عند فلان، أو داينته مبلغاً من المال، أريد أن أوثق حقي حتى لا يضيع؛ فأستعمل الرهن أو أستعمل الكفالة أو أستعمل الضمان في توثيق هذا الحق لي. أنا أعطيت شخصاً مالاً، داينته أو بعته سلعة مقابل ثمن مؤجل وأريد أن أحفظ حقي، أوثقه، فأستعمل عقداً من عقود التوثيقات مثل الرهن أو الكفالة أو الضمان، والحوالة البعض كما قلت يدخلها مع عقود التوثيقات من باب التبع. وسنعرف إن شاء الله صورة الحوالة، كيف أن الإنسان يحيل حقاً بحق على حق، يحيل بحق على حق كما سيأتي معنا إن شاء الله.

النوع الثالث من العقود هي عقود التبرعات، عقود التبرعات هي التي يكون فيها الإعطاء من طرف واحد، والطرف الآخر فقط هو آخذ، لا يوجد مبادلة بين طرفين. في عقود التبرعات لا يوجد مبادلة بين طرفين، هذا طبعاً في الجملة، أقول في الجملة، وإنما تكون المبادلة فقط من طرف واحد، هو الذي يعطي ويمنح والطرف الآخر هو مجرد آخذ، مثل ماذا أحبابي؟ مثل الوصية وإن كان البعض لا يسميها عقداً، الوصية هي من طرف واحد من طرف الذي يوصي والطرف الآخر الموصى له هو فقط آخذ، مثل الوقف، مثل الهبة. لاحظوا في هذه العقود الوصية الوقف الهبة هناك فقط شخص يعطي والطرف الآخر آخذ، لا يوجد مبادلة من طرفين.

النوع الرابع والأخير، وأنا ربما لم أترك له مساحة جيدة، عقود الإرفاق، ما يسمى عقد الإرفاق، اكتبوها عندكم، عقود الإرفاق مثل القرض. الآن القرض أحبابي يسمى عقد إرفاق، المراد به التسهيل والتيسير على الناس، ومن أيضاً يمكن أن نلحق بعقود الإرفاق الصلح، عقد الصلح وسيأتي معنا الصلح، فمثل هذه العقود القرض مثلاً. في القرض، القرض لماذا يا شيخ ما اعتبرته من تبرعات؟ لأنه في القرض أنا أعطي شخص مالاً وسيرده لي، ففي الحقيقة هناك معاوضة، هناك مبادلة، أنا أعطي مالاً لكنه سيعود لي، لكن ما هو المقصد من هذا العقد؟ هل المقصد منه المعاوضة حتى أضعه مع المعاوضات؟ لا، القرض ليس المراد منه المعاوضة وإنما المراد الإرفاق، يعني مساعدة الناس، فأنا بساعدك بعطيك 100 دينار أنت تقضي بها حوائجك ثم تردها إلي في المستقبل حسب الاتفاق الذي سيأتي، فالقرض إذاً يسمى عقد إرفاق مع أنه في مبادلة. كذلك الصلح، الصلح من عقود الإرفاق، لما تحدث مشاكل مالية بين أطراف متعددة ونستطيع أن نحل هذه المشاكل المالية من خلال الصلح بأنواعه، يمكن أن نعتبر الصلح بناءً على هذا من عقود الإرفاق لأن فيه تيسيراً على الناس بدلاً من أن تصل القضية للمحاكم ومنازعات ويكثر الهرج والمرج، نحل الأمور بين الناس من خلال إنشاء عقود الصلح.

فبالجملة أو في الجملة هذه هي العقود أحبابي التي سيدور حولها كلامنا في باب المعاملات: عقود المعاوضات، عقود التوثيقات، عقود التبرعات، وعقود الإرفاق. جيد؟ هي التي سيحوم حولها الكلام. طبعاً أنت بدك تصير كل ما باب ندرسه بدك تحاول تصير تصنف، والله هذا العقد مثلاً أبواب الشركات، أبواب المزارعة، المساقاة إلى غيرها، أين توضع؟ تمام؟ بدك تصير أنت تفهم، إذا فهمت فكرة الباب ستعرف أين تصنف المزارعة وغيره. مثلاً أنت تقول المزارعة والمساقاة والله فيها معاوضة، في واحد بيقدم عمل وفي واحد مثلاً بيقدم مال، آه إذاً بنضعها في المعاوضات، كذلك الشركات بأنواعها وعلى ذلك، تمام؟ فهذا تصور عام لعقود المعاملات، احفظوه جيداً.

هناك عقود معاوضات: مبادلة بين طرفين. عقود المراد منها التوثيق وليست هي عقود مبادلة ابتداءً مثل الرهن، الكفالة، الضمان، الحوالة. عقود تبرعات: العطاء يكون من طرف واحد مثل الوصية والوقف والهبة. وعقود المراد منها الإرفاق مثل القرض والصلح. سنشرع اليوم الآن إن شاء الله بأول نوع من أنواع العقود، عقود المعاملات، ألا وهو عقد البيع. وهذا هو الذي يبتدأ به بالعادة في المعاملات، يبتدئون بماذا؟ بالبيع؛ لأنه هو الأساس والعمدة في عقود المعاملات.

الآن أحبابي الكرام أنا سأشرع ببعض المقدمات لأن الشيخ مرعي مباشرة دخل في التفاصيل، لكن لابد من المقدمات ولابد من أن نعرف ما هو البيع ابتداءً في الفقه. الآن البيع خلينا نأخذه من حيث اللغة، من حيث اللغة لما يتكلمون عن الاشتقاق الكبير يقولون: البيع مأخوذ من الباع، من الباع، هذا هو الباع. قالوا: لماذا البيع في الاشتقاق الكبير مأخوذ من الباع؟ قالوا: لأن كل طرف يمد باعه لصاحبه في أثناء هذه المعاملة، لما أنت تروح تشتري شيئاً أنت تمد باعك بالمال والبائع يمد باعه بالسلعة، أليس كذلك؟ في العادة، تمام؟ فقيل أن البيع في الاشتقاق الكبير مأخوذ من الباع، لأن كل شخص من البائع والمشتري يمد باعه للآخر.

هناك قول آخر يقول: لا، البيع في الاشتقاق الكبير مأخوذ من المباياة، مأخوذ من ماذا؟ من المباياة، لأنه كأن كل طرف من البائع والمشتري يضع يده في يد الآخر فيبايعه ويعاهده على العقد، ومن هنا قيل أن البيع أخذ من المباياة لأن هناك نوعاً من التعاهد بين الطرفين، وهذا كله يتعلق بالاشتقاق الكبير. كما تعلمنا في الصرف هناك اشتقاق كبير وأوسط وصغير، أما الاشتقاق الصغير وهو الاشتقاق المتداول بين الطلبة المعروف عندهم فنقول: البيع هو مصدر للفعل باع، فالفعل باع يبيع بيعاً هذا فعل مستقل استعملته العرب. لكن العرب تهتم أحياناً بمعرفة، أو أصحاب المعاجم يهتمون بمعرفة المناسبات بين الكلمات العربية، يعني شو المناسبة بين باع والباع والمباياة؟ أكيد في باع والباع والمباياة هذه الكلمات الثلاث في بينها مناسبة، ولعل بعضها أخذ ولوحظ من البعض الآخر، فبناءً على هذا قيل أن البيع مأخوذ من الباع والمبايعة. طبعاً لماذا أنبه على هذا؟ لأنك في بعض الكتب الفقهية ستجد هذه الملاحظات، يقول لك والله البيع مأخوذ من الباع أو من المبايعة، فطالب العلم يقف، يقول: كيف البيع مأخوذ من الباع أو من المبايعة؟ يعني هل هذا اشتقاق صرفي؟ فلا ينتبه أن هذا يتكلمون فيه عن الاشتقاق الكبير، كما نبه على ذلك الزركشي في شرحه على مختصر الخرقي، أنه مثل هذه العلاقات بين الألفاظ والمصطلحات هي علاقات الاشتقاق الكبير، بحيث لا يشترط أن يكون اللفظ فعلياً في المعجم مأخوذ بحروفه من اللفظ الآخر. يعني فأنت في المعجم لو فتحت لن تجد باع يبيع بيعاً أنه والله باع مأخوذة من الباع، طيب كيف إذاً حكمت هذه العلاقة؟ حكمت بالاشتقاق الكبير، يعني هذه فقط فائدة سريعة.

أما من الاشتقاق الصغير اللي هو الاشتقاق المعروف عندكم فنقول باع يبيع بيعاً، هذه الكلمة كلمة أصل بنفسها، وتدل في لسان العرب -يعني قبل نزول الوحي- البيع يدل على ماذا في لسانهم؟ على مبادلة بين طرفين. يدل على مبادلة بين طرفين، جيد، ممتاز، لكن البيع أحبابي انتبهوا، البيع عند العرب لما نقول مبادلة بين طرفين عند العرب قبل إتيان الشريعة والوحي ما عندهم فرق بين البيع الحلال والحرام، بالتالي الربا كان يعتبر عند العرب قبل نزول الوحي هو شكل من أشكال البيع. الربا كان يعتبر شكل من أشكال البيع، لأن العرب قبل مجيء الوحي بالنسبة لهم أي مبادلة تسمى بيعاً، الآن الصحيحة في نظر الإسلام غير صحيحة، هذا ما كان يهمهم، أو لم يكونوا ينظرون إليها، لم تكن الشريعة قد أتتهم، قل ما شئت، فالربا وغيره من العقود المحرمة كانت تدخل تحت مفهوم البيع عندهم، أما نحن في الفقه الإسلامي سنخرجها كما سيتضح من خلال التعريف.

الآن أحبابي دعونا ندخل في التعريف الفقهي، واكتبوا عندكم التعريف الفقهي للبيع عند الحنابلة، يقول الحنابلة: البيع هو فقهاً أو شرعاً -كما يعرفه الحنابلة- يقولون: هو مبادلة عين -ولو في الذمة- أو منفعة مباحة بمثلها على التأبيد، أن تكون المبادلة على التأبيد، وليس قرضاً ورباً. طيب، الآن هذا هو التعريف الذي يعتمده السادة الحنابلة عموماً لمفهوم البيع، فيقولون: البيع هو مبادلة عين ولو في الذمة، أو منفعة مباحة بمثلها، وسنعرف صور بمثلها الآن بعد قليل إن شاء الله، وهذه المبادلة تكون على وجه التأبيد، ولكنها ليست قرضاً ولا رباً. قرأته مرة أخرى، الآن سأبدأ أحلل عناصر هذا التعريف حتى يكتمل تصورنا للبيع.

أولاً قال: البيع هو مبادلة، الآن أحبابي لفظة المبادلة نبدأ بها، لفظة المبادلة تدل على ماذا؟ لفظة المبادلة تدل على أنه لا بد من وجود طرفين، لا بد من وجود طرفين يتم المبادلة بينهما، أليس كذلك؟ لما نقول: البيع هو مبادلة، إذاً المبادلة تقتضي وجود طرفين، البائع والمشتري، البائع يعطي السلعة للمشتري، والمشتري يعطي الثمن للبائع، فهكذا تتم المبادلة، فإذاً نقول: المبادلة تقتضي وتستلزم وجود طرفين حتى تتم عملية المبادلة بينهما.

طيب، إذاً بناءً على هذا الكلام يا شيخ، عقد البيع لا بد فيه من وجود شخصين، شخص يقوم بدور البائع وشخص يقوم بدور المشتري، وتتم المبادلة بينهما، أقول لك: صحيح، هذا هو الأصل، لكن يمكن في بعض الصور أن يتولى شخص واحد طرفي العقد، يعني شخص واحد هو نفسه يقوم بدور البائع وهو نفسه يقوم بدور المشتري، فهو نفسه يبيع السلعة وهو نفسه يدفع الثمن، فيتولى هو كما يقولون طرفي العقد، هل هذا يا شيخ جائز؟ هو جائز في بعض الصور والمسائل المحددة، هذا على خلاف الأصل، في الأصل المبادلة تقتضي وجود طرفين، لا بد من طرف زيد هو البائع وعمرو هو المشتري، هذا هو الأصل والحالة الأصيلة للعقود، عقود البيوع.

لكن في بعض الصور المحدودة يجوز أن يتولى شخص واحد طرفي العقد، فيمثل هو دور البائع ويمثل هو أيضاً نفسه دور المشتري، فيبيع ويشتري من نفسه لنفسه لمصالح ومقاصد معينة ستأتي معنا في باب الوكالة وفي غيرها من الأبواب، وسنعرف ما هي الصور الجائزة منها وما هي الصور غير الجائزة. في هذه الحالة يقولون: هل تعدد، لما شخص واحد يتولى طرفي العقد، هل نقول أن هناك طرفان للعقد ولا نقول خلاص ما عاد هناك طرفان للعقد؟ لا، نقول هناك طرفان للعقد لكن حكماً، يعني في الحكم هناك طرفان، صح شخص واحد هو كان نفسه البائع وكان المشتري، لكن في الحكم كأنه هناك طرفان؛ ليه؟ لأنه محمد نفسه الذي كان بائعاً وكان مشترياً في نفس الوقت هو تقمص في صورة أنه بائع ثم في صورة أخرى أنه مشترٍ، فكأن هناك طرفين حكماً. فبالتالي باختصار نلملم أمورنا فنقول: قولنا البيع هو مبادلة، تقول المبادلة تقتضي وجود طرفين حقيقةً أو حكماً. حقيقةً زي ما عرفنا زيد هو البائع وعمرو هو المشتري، أو حكماً بتقول هذا في حالة أنه شخص واحد تولى طرفي العقد، كان هو البائع وكان هو المشتري، وهذه حالة استثنائية تصح في مسائل معينة ويكون هذا الشخص الواحد كأنه مثل الدورين، فيكون عندنا تعدد لكنه تعدد حكمي وليس تعدداً حقيقياً، وفي الواقع هو نفسه إبراهيم أو محمد هو نفسه كان البائع وكان المشتري، ففي الواقع ما عندنا تعدد لكن في الحكم الفقهي اعتبرناه تعدداً لأنه مثل الدورين، فإذاً المبادلة تقتضي وجود طرفين حقيقةً أو حكماً، طيب نكمل، مبادلة ماذا؟ قال الحنابلة: مبادلة عين.

هذه أول شيء يمكن أن يُبادل في البيع: مبادلة عين. وكلمة "عين" هنا يدخل تحتها الأموال النقدية التي يتم دفعها من المشتري، فالكلمة تشمل أي شيء معين، أو خلينا نقول تشمل أي شيء محسوس. لا أريد أن أقول معين، بل أكتبوا: العين المراد بها أي شيء محسوس يمكن أن يدرك بالحواس؛ يدرك بالعين، أو بالشم، أو بالذوق، أو باللمس، أو بغيرها من الحواس. فإذاً لو سألتني ما هي العين هنا؟ أقول لك: العين هي ما يمكن إحساسه.

نحن نقابل بين العين وبين المنفعة؛ لأن الآن عندنا مبادلة عين أو مبادلة منفعة. المنفعة شيء معنوي لا يُحس، أما العين فهي الشيء المحسوس الذي يقبل أن يُرى أو أن يُشم أو أن يُذاق أو أن يُلمس. فإذاً كلمة عين هنا أكتبوا: ما يمكن الإحساس به، ما يقبل الإحساس به، فيدخل تحت كلمة العين هنا الأوراق النقدية، ولذلك عقد الصرف مثلاً -كما سيأتي معنا في صوره الجائزة- هو عقد مبادلة مال بمال؛ تعطي دولارات ويأخذ مثلاً دنانير، أو دنانير وريالات. الدنانير والريالات والدولارات وغيرها كل هذه تسمى أعيان، ليش عين؟ لأنه يمكن أن تُحس، فاحفظ هكذا: العين وما يُحس بإحدى الحواس، ويقابل العين المنفعة كما سيأتي معنا إن شاء الله.

لكن ما هي العين التي يصح مبادلتها؟ وما هي المنفعة التي يصح مبادلتها؟ هل كل عين يجوز مبادلتها شرعاً؟ لا، سنعرف إن شاء الله لما نتكلم عن شروط البيع ما هي العين التي يجوز مبادلتها، فكل عين مباحة النفع مطلقاً بلا حاجة، كما سنأتي عليها إن شاء الله لما نتكلم في شروط البيع، سنعرف أن شرط العين التي تُباع أن تكون عين مباحة النفع مطلقاً بلا حاجة، وسنعرف ما معنى كل هذه القيود.

إذن مبادلة عين، قال: «ولو في الذمة». ماذا يعني ولو في الذمة؟ الآن في البيوع أحبابي إما أن تبيع عيناً حاضرة في مجلس العقد، مثلًا أريد أن أبيع هذا الجوال، هذا الجوال عين لأنه محسوس وهو الآن حاضر في مجلس العقد، فيأتيني مشتري يقول لي: تبيع هذا الجوال؟ أقول: نعم، أبيعه بـ 100 دينار، فلاحظوا هنا البيع وقع على عين حاضرة وليس على عين في الذمة.

الآن هل يصح أن يكون البيع على عين في الذمة؟ نعم يصح بالشروط والضوابط التي ستأتي. فالمبادلة قد تكون مبادلة عين، وهذه العين تكون حاضرة في مجلس العقد وقد تكون في الذمة، يعني عين موصوفة في الذمة. وسنأتي إليها إن شاء الله، بس بدي أوضحها باختصار: العين التي في الذمة، يأتيني شخص يقول أريد جوال نوعية كذا وكذا، أو أريد سيارة نوعية كذا وكذا، الآن هذه السلعة هذه العين ليست موجودة في مجلس العقد. فأنا كبائع سأصف هذه العين للمشتري، فأقول له: ترى اسمع، عندي الحمد لله سيارات نوعية مثلاً هونداي، لونها أحمر، المحرك 1600، لاحظ أبدأ أصف هذه العين، ليش أصفها؟ لأنها ليست حاضرة، لو كانت حاضرة في مجلس العقد فالمشتري سيكتفي بمشاهدتها وهو ينظر ويتأمل ويعرفها، لكن لما كانت العين غائبة عن مجلس العقد هنا اضطر البائع أن يصفها. وسنعرف إن شاء الله كيف يصفها وما هي الأوصاف التي يجب أن يذكرها بالضبط حتى يصح هذا العقد.

أنا فقط الآن بدي أن أفهمك أن العين التي سيتم مبادلتها في البيع إما عين حاضرة، وقد تكون عين في الذمة، يعني موصوفة في ذمة البائع؛ جاءه مشتري طلب منه سلعة وهذه السلعة مش موجودة في المحل الآن، فالبائع بدأ يصف هذه السلعة للمشتري، فتسمى هذه السلعة في هذه الحالة عيناً موصوفة في الذمة. فإذن في المبادلة قد تكون مبادلة عين حاضرة، وقد تكون مبادلة عين موصوفة في الذمة.

إذن مبادلة عين ولو كانت في الذمة، أو منفعة. أنا بدي أحط في الذمة (ب) وفي المنفعة (ج)، خليني أعتبرهم ثلاثة أشياء: عين حاضرة، عين في الذمة، أو منفعة. هذه هي الأمور التي يتم مبادلتها. إذن في البيوع أيضاً يمكن أن يكون الشيء الذي تم التعاوض عليه منفعة.

المنفعة هي مقابل للعين؛ العين عرفنا أنها ما يمكن أن يُدرك بإحدى الحواس، أما المنفعة فهي أمر معنوي لا يُدرك بالحواس وإنما شيء يُنتفع به. أعطيكم مثالاً عليه: مثلاً شخص أتى على صاحب مزرعة أو بستان فقال له: أريد أن أشتري منك منفعة المرور في بستانك حتى أصل إلى بيتي مثلاً. رجل بيته هنا وهناك مزرعة تحول بينه وبين الوصول إلى بيته، هذا بيت لزيد وهذه مزرعة لعمرو، وزيد كل ما بده يأتي إلى بيته يضطر أن يسلك طريقاً طويلاً، فزيد ماذا قال؟ قال: لماذا لا آتي إلى عمرو؟ فأقول له يا عمرو أريد أن تبيعني منفعة المرور في أرضك حتى أصل إلى بيتي من خلالها. الآن عمرو مخير، إما بقوله: والله ببيعك هذه المنفعة بيعاً -مش إجارة- بيعاً خلص هذه المنفعة أنا بعتك إياها بـ 1000 دينار، فتصبح هذه المنفعة ملكاً لزيد، انتهى الأمر اشتراها.

فهنا عمرو بقوله أنا أوافق يا زيد على أن أبيعك هذه المنفعة، لاحظوا هل زيد اشترى من عمرو سلعة أو عيناً محسوسة؟ هل اشترى زيد من عمرو جزءاً من الأرض؟ لو أن زيد اشترى من عمرو جزءاً من الأرض بنقول هنا اشترى عيناً لأنها شيء محسوس، لكن في الحقيقة زيد لم يشترِ شيئاً محسوساً حتى نقول إنه اشترى عيناً، لا، زيد اشترى شيئاً معنوياً وهي منفعة المرور في أرض عمرو حتى يصل إلى بيته بسرعة. فهل يمكن إذاً أن تكون المعاوضة على منافع في البيع؟ نعم، هذه معلومة مهمة البعض لا ينتبه لها.

البيع إما أن يكون مبادلة عين، وهذه العين قد تكون حاضرة في مجلس العقد وقد تكون موصوفة في الذمة، وإما مبادلة منفعة. وقال: «مباحة»، طبعاً كلمة مباحة في الحقيقة الأصل أن تعود على العين وعلى المنافع؛ لأن العين لا بد أن تكون عين مباحة والمنافع ينبغي أن تكون منافع مباحة، فالأعيان والمنافع المحرمة لا يجوز التبادل أو التعاقد عليها عند الفقهاء أجمعين.

مبادلة عين ولو في الذمة أو منفعة مباحة، عرفنا مباحة، أعيدوها للمنفعة وللعين الآن؛ مبادلتها بماذا؟ بمثلها.

طبعاً البعض يقول مثلاً في التعريف بدل ما يقول بمثلها إيش يقول؟ مبادلة بمثل أحدهما، البعض هكذا يقول: مبادلة عين ولو في الذمة أو منفعة مباحة بمثل أحدهما، والبعض لا يقول بمثلها بل يقول مثلاً بمثل أحدهما. ليه يقول بمثل أحدهما؟ حتى يشمل جميع الصور؛ لو قلنا بمثلها يخشى أن يُفهم أنه العين يجب أن تُبادل بعين فقط، والمنفعة تُبادل بمنفعة فقط، فالبعض يقول حتى نخرج من هذا الإيهام نقول بمثل أحدهما حتى تشمل جميع صور البيع.

ماذا يعني جميع صور البيع؟ الآن من خلال هذا التعريف أحبابي لعلنا نجد أن صور البيع هي في الحقيقة ستة. طبعاً البعض يوصلها لتسعة لكن أنا أرى أنه يقتصر على الستة أفضل حتى تُفهم الصورة، وهي صور المبادلة.

الآن نحن قلنا مبادلة عين ولو في الذمة أو منفعة مباحة بمثل أحدهما، ومن خلال هذا التعريف نلاحظ أن عقد البيع إما أن تكون المبادلة عين حاضرة بعين حاضرة، أو عين حاضرة بعين في الذمة، هذه أشكال المبادلات التي يمكن أن تحدث في البيوع.

أو عين حاضرة بمنفعة، أو عين في الذمة بمنفعة، أو عين في الذمة بعين في الذمة، أو منفعة بمنفعة. الآن لاحظوا: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة. من خلال هذا التعريف أنا استنبطت واستخلصت أنه أنواع المبادلات في البيوع هي ستة.

انتبهوا أحبابي، نحن قلنا البيع شرعاً هو مبادلة عين ولو في الذمة أو منفعة مباحة بمثل أحدهما، ومهم جداً تعريف البيع حتى تتصور حقيقة عقود البيوع في الفقه الإسلامي. من خلال هذا التعريف وجدت أن هذه المبادلات التي تحدث في البيع ستكون على ست أحوال.

إما مبادلة عين حاضرة بعين حاضرة في مجلس العقد؛ إيش يعني؟ يعني جاء شخص ليشتري مني جوالاً، وسيعطيني مالاً حاضراً موجوداً بين يديه، فقلت له: خذ هذا الجوال وأعطني هذه المئة دينار التي بين يديك. فلاحظوا العين حاضرة من الطرف الأول والعين حاضرة من الطرف الثاني، طبعاً نحن عرفنا الأموال النقدية هي عين، هي شكل من أشكال العين، فالعين حاضرة من الطرف الأول والعين حاضرة من الطرف الثاني، هذا أول شكل من أشكال البيوع، تكون بيع عيون؛ عين من هنا وعين من هنا، والعين حاضرة عند طرف البائع وحاضرة أيضاً من طرف المشتري.

الصورة الثانية أن تكون العين حاضرة من أحد الطرفين وعين في الذمة من الطرف الآخر؛ هذه الصورة الثانية، عين حاضرة من أحد الطرفين سواء من طرف البائع أو من طرف المشتري وعين في الذمة من الطرف الآخر. فإذا كان البائع العين عنده حاضرة والمشتري العين التي من جهته في الذمة، فمثلاً جاء شخص قال: تبيعني هذا الجوال وبعد يومين بجيب لك مئة دينار، فالجوال الآن عين حاضرة من طرف البائع، العين حاضرة من جهتي، لكن العين التي من طرف المشتري في الذمة لم يأتِ بها بعد.

وقد يكون العكس كما في عقد السلم؛ تكون هناك العين حاضرة من طرف المشتري يدفع المال، والعين التي من طرف البائع في الذمة يأتي بها بعد، مثلاً لما يأتي الصيف مثل الزيت أو ما شابه ذلك مما يُسلم به بعد ثلاث أو أربع أو خمسة أشهر. فإذاً الحالة الثانية أن تكون العين حاضرة من أحد طرفي العقد وهناك عين في الذمة من الطرف الآخر، بغض النظر من هو الطرف.

الحالة الثالثة أو الصورة الثالثة أن تكون العين حاضرة من أحد الأطراف، والجهة الأخرى ستقوم بإعطاء ليس عيناً بل ستقوم بإعطاء منفعة، كما مر معنا في قصة زيد وعمرو قبل قليل؛ إنه زيد قال لعمرو: خذ يا عمرو هذه الألف دينار، وأنت يا عمرو أعطني منفعة المرور في مزرعتك. فهنا عمرو أعطى منفعة، وزيد أعطى عين حاضرة، المبلغ حاضر ودفعه زيد، فهذه صورة ثالثة.

صورة رابعة أن يكون التبادل عين في الذمة مقابل منفعة، نفس الشيء نرجع لزيد وعمرو؛ عمرو قال لزيد: خلاص أنا أعطيك منفعة المرور في مزرعتي خذها يلا استفد، وزيد قال: بس اسمع أنا المال ليس معي الآن بجيب لك إياه مثلاً بعد يومين، فهنا عين في الذمة من أحد الأطراف مقابل منفعة من الطرف الآخر، فالطرف أعطى منفعة ومنحها، والطرف الآخر سيعطي من جهته عيناً لكن العين لم تكن حاضرة وإنما كانت موصوفة في الذمة.

الصورة الخامسة: عين في الذمة بعين في الذمة، أن يكون كلا الطرفين يعطي عيناً موصوفة في الذمة. هل يا شيخ هذه الصورة جائزة؟ أن يكون من طرف البائع سيعطي شيئاً موصوفاً ليس حاضراً في مجلس العقد، والمشتري أيضاً سيعطي من طرفه عيناً موصوفة في الذمة، أليس هذا بيع دين بدين؟ نقول صحيح هذه الصورة الأصل فيها المنع إلا في أحوال دقيقة ستأتي معنا، هناك أحوال دقيقة لهذه الصورة تجوز فيها بيع عين في الذمة بعين في الذمة.

وهناك صورة أخرى أيضاً جائزة، غير الصورة التي ستأتي معنا إن شاء الله، هناك صورة أخرى جائزة أن يتم قبض هذه العين وهذه العين أو واحدة منهما في مجلس العقد قبل أن يتم التفرق. كيف يعني يا شيخ؟ يعني يمكن أنا وزيد نقوم بعمل عقد بيع مبادلة على عين في الذمة من جهتي وعين في الذمة من جهته، فمثلاً أنا أقول لزيد: أنا يا زيد بدي أبيعك سيارة لونها أحمر موديل كذا ومحركها كذا، الآن السيارة مش موجودة، فأقول لزيد: بكم تبيعني إياها؟ يقول لي: بألف دينار، فيقول زيد: خلاص أنا إن شاء الله بجيب لك الألف بعد يومين، فنقول اتفقنا، هو الآن اشترى وأنا بعت، لكن إلى الآن المبلغ مقبوض في مجلس العقد ولا السلعة مقبوضة في مجلس العقد، الآن الأصل إنه إذا تم التفرق...

قبل أن يتم قبض أحد العوضين، أحد العينين، إنه هذا العقد مش جائز، هذا الأصل هذا العقد باطل؛ لأن هذا بيع دين بدين. لكن لو أنه إحنا بعد ما اتفقنا، الحمد لله، على هذا البيع صحيح الآن كل شيء في الذمة، لكن قبل أن نتفرق أنا اتصلت بشخص من عمالي من الموظفين وقلت له: جيب السيارة. فذهب الموظف فأتى بالسيارة، فتم الآن تسليم السيارة في مجلس العقد قبل التفرق، هل يصح العقد حينئذ؟ قالوا يصح العقد؛ لأنه صح ابتداءً، هو كان بيع عين في الذمة بعين في الذمة، لكن قبل أن يتم التفرق أصبحت العين حاضرة من طرف البائع فرضاً، فبالتالي كأنها أصبحت مبادلة عين حاضرة بعين في الذمة وهذا لا إشكال فيه.

الإشكال وين؟ أن يكون عين في الذمة من الطرف الأول وعين في الذمة من الطرف الآخر ويتفرق المجلس وكل شيء في الذمة من الجهتين، هذا بيع دين بدين وهذا الأصل فيه أنه لا يجوز، إلا إذا تم إصلاح الأمر أنه قبل التفرق قام أحد الأطراف بتسليم العين. ممكن البائع هو الذي أتى بالعين التي في الذمة أتى بها قبل أن يتم التفرق، وممكن العكس أنه المشتري قبل أن يتفرق حكم أحد أصحابه قال له: اسمع خلص جيب لي المبلغ، فأتى له صاحبه بالمبلغ فدفع المبلغ في مجلس العقد؛ ففي هذه الحالة سيتم تصحيح هذا العقد وسيصبح كأنه عين حاضرة بعين في الذمة.

لكن بدكم تعرفوا أنه في صورة إذاً اسمه من صورة بيع عين في الذمة بعين في الذمة. الصورة السادسة والأخيرة هي مبادلة منفعة بمنفعة. الآن زيد وعمرو فرضاً، إحنا عرفنا أنه زيد له بيت هنا وعمرو له مزرعة في الطريق، فالآن زيد يحتاج أن يمر في مزرعة عمرو حتى يصل إلى بيته، فزيد قال لعمرو: بعني منفعة المرور في أرضك. عمرو قال له: ممتاز، أنا ببيعك منفعة المرور في أرضي يا زيد، بس المقابل الذي أريده منك مش مبادلة، بدي مقابل، المقابل هو أن تعطيني منفعة أخرى. فقال له زيد: ممتاز، أي المنفعة التي تريدها؟ عمرو قال لزيد: أنا أريدك أن تعطيني منفعة المرور من سطح بيتك، أنا أحتاج أن أمر على سطح بيتك لمصلحة من المصالح. فزيد قال له: موافق، اتفقنا.

فهنا عمرو سيبيع زيد منفعة المرور في أرضه، وزيد سيعطي مقابل ذلك لعمرو منفعة المرور من فوق سطح داره، فتبادلا منفعة بمنفعة، وهذا لا حرج فيه أيضاً، هذه صورة من صور البيع. إذاً عرفنا أحبابي من خلال هذا التعريف أن البيع هو مبادلة عين، وقد تكون حاضرة ابتداءً، وقد تكون في الذمة، لذلك قلنا: عين ولو في الذمة. أنت بتحلل هذا، بتقول إذاً العين المحسوسة إما أن تكون حاضرة، وإما أن تكون غائبة موصوفة في الذمة؛ مبادلة عين ولو في الذمة، أو منفعة مباحة بمثل أحدهما.

من خلال هذا عرفت أنه العين ستتبادل إما بعين حاضرة، أو العين الحاضرة ستتبادل بعين في الذمة، أو العين الحاضرة ستتبادل بمنفعة، أو العين التي في الذمة تبادل بمنفعة، أو العين في الذمة بعين في الذمة لكن هذه الأصل فيها المنع إلا في أحوال ضيقة، أو منفعة بمنفعة. فإذاً صور التبادلات المحتملة عقلاً بناءً على هذا التعريف ستكون ستة.

ثم قلنا على التأبيد، هذا القيد الذي يليه قولنا على التأبيد، ما المراد به؟ لماذا أضفناه؟ حتى نفرق بين البيع وبين الإجارة؛ لأنه في الإجارة في الحقيقة هناك طرف يبذل منفعة وهناك طرف يبذل عين. في الإجارة مثلاً أنا أؤجر بيتي بـ 100 دينار شهرياً، أنا كمؤجر بذلت منفعة السكنى في البيت، والمستأجر أعطاني مبلغ عين 100 دينار، إذاً الإجارة ستكون بيعاً من دون قولنا على التأبيد لأن الإجارة في الحقيقة مبادلة.

مبادلة إيش؟ قد تكون مبادلة عين في الذمة بمنفعة، وهذا هو الأصل في العادة، إنه خلاص أنا بيجي شخص بيستأجر مني، فبقول له أنا أعطيك منفعة هذا البيت تسكن فيه مقابل 100 دينار هي الآن في ذمتك تعطيني إياها آخر الشهر. ففي العادة الإجارات تكون مبادلة منفعة مقابل عين في الذمة، العين التي في الذمة هو المبلغ الذي راح يعطيني إياه آخر الشهر، والمنفعة هي منفعة السكنى التي أنا أعطيته إياها. الآن ممكن تكون إجارة منفعة بمنفعة، بقول له والله بأجرك هذا البيت مقابل منفعة أخرى تعطيني إياها آخر الشهر، ممكن.

لكن أنا بدي أتكلم عن الصور المعهودة لديكم حتى تحسنوا التصور جيداً، ففي العادة الإجارة هو منفعة مقابل عين في الذمة. ممكن شخص بيقول لك لا يا عمي أنا بدفع لك مبلغ الإيجار حالياً في مجلس العقد، هنا بتصير مبادلة الإجارة أصبحت مبادلة منفعة بعين حاضرة، أنا أعطيته سكنة دار شهر وهو قال لي أنا الآن بدي أعطيك المبلغ مش آخر الشهر، بدي أعطيك الآن المبلغ من بداية الشهر، خذ هذه 100 دينار، هنا صار في مجلس العقد عين حاضرة بمنفعة.

ففي الحقيقة هناك تشابه بين الإجارة وبين البيع في بعض الصور، أنه في الإجارة هناك منفعة تعطى والطرف الآخر إما أن يعطي عين حاضرة وإما أن يعطي عين في الذمة وإما برضه يعطيني منفعة أخرى، فهناك إذاً سيكون اشتباه بين الإجارة وبين البيع، لكن إيش الفرق الأساسي بينهم؟ أن الإجارة ليست على التأبيد، أنا بعطيك منفعة لكن ما بعطيك إياها على التأبيد، أنا بعطيك إياها لشهر لشهرين، لسنة، لسنتين، بعد ذلك بدها ترجع لي هذه المنفعة.

فهذا هو الفرق الأساسي بين البيع وبين الإجارة، إن البيع تبادل مؤبد على التأبيد، خلاص ما في واحد بيرجع على الثاني بعد التبادل، في الإجارة في مبادلة لكنها مبادلة مؤقتة، إنه أنا بعطي المنفعة بصورة مؤقتة وبأخذ مقابل هذا الإعطاء مبلغ من المال، وبعد شهر شهرين سنة سنتين راح أسترد منفعتي وخلاص ذاك الشخص يذهب إلى حال سبيله. فقالوا لا بد أن نزيد إذاً قيد على التأبيد حتى نفرق بين البيع وبين الإجارة، فالبيع هو مبادلة لعين ولو في الذمة أو منفعة بمثل أحدهما لكنها مبادلة على التأبيد مؤبدة فلا يعود شخص على الآخر، بخلاف الإجارة تحصل فيها مبادلة عين بمنفعة لكنها مبادلة مؤقتة.

ثم قلنا في نهاية التعريف وليس قرضاً ولا رباً، لماذا قلنا وليس قرضاً ولا رباً؟ قولنا وليس قرضاً حتى نميز بين عقد القرض وعقد البيع، الآن إخواني في تشابهات وتشاركات بين البيع وبين الإجارة، بين البيع وبين القرض، بين البيع...

وبين الربا، فاحتجنا أن نأتي في التعريف بمحترزات حتى نفرد البيع بتعريف خاص به. الآن عرفنا كيف نميز بين البيع وبين الإجارة؛ أن الإجارة فيها مبادلة عين بمنفعة، لكنها على التوقيت، أما البيع فهو مبادلة عين بمنفعة لكنها على التأبيد.

إذًا البيع ميزناه، الآن صار هناك اشتباه بين البيع وبين القرض. القرض فيه مبادلة؛ فأنا أعطيك 100 دينار، أنت الآن امتلكتها على أن تردها لي في وقت لاحق. فالقرض في الحقيقة مبادلة؛ أنا أعطي شخصًا مالًا وهذا الشخص سيرد لي هذا المال، فهي مبادلة عين بعين. هناك عين حاضرة سلمتها في مجلس العقد، والطرف الآخر سيرد هذه العين في الذمة، فهي مبادلة عين حاضرة بعين في الذمة، وهذا هو القرض.

إذًا الأصل أن يكون صورة من صور البيع، لكن ماذا قال الفقهاء؟ قالوا صحيح، القرض فيه مبادلة عين حاضرة بعين في الذمة، فهو فيه اشتباه بالبيع. لكن القرض لما كان المقصود منه ليس المعاوضة والمبادلة حقًا، وإنما المقصود منه الإرفاق بالطرف المقابل، كان لابد من إخراج القرض من البيوع.

لو سألتك: ما مقصد البيوع؟ ما هو المقصد من البيع؟ هو انتفاع كلا الطرفين بالمبادلة؛ فالبائع ينتفع بالثمن والمشتري ينتفع بالسلعة. هذا المقصد ليس موجودًا في القرض، فالقرض ليس مبناه انتفاع كلا الطرفين، بل مبناه أن ينتفع طرف واحد وهو الطرف المقترض، وأما المقرض فهذا يأخذ الثواب من الله سبحانه؛ لذلك يحرم كل قرض جر نفعًا، فلا يصير المقرض أن يستفيد من قرضه، أصبح هذا ربا.

ليس كل قرض جر منفعة فهو ربا؛ لأنه عقد قرض عقد إرفاق، كما مر معنا قبل قليل لما عملنا بيانًا لما هي عقود المعاملات، قلنا القرض ليس من عقود المعاوضات بل هو من عقود الإرفاق، فلسفته تختلف تمامًا عن فلسفة البيع. البيع مقصده الأساسي انتفاع كلا الطرفين، والقرض مقصده الأساسي انتفاع طرف واحد وهو المقترض، فهو عقد بني على الإرفاق، فيجب أن يبقى منعزلًا عن البيع له فلسفته الخاصة به، فكان لابد من استثنائه.

لأنه هو كصورة وكشكل ينطبق على تعريف البيع؛ لأنه مبادلة عين حاضرة وفي المقابل سآخذ عينًا في الذمة في وقت لاحق، لذلك كان لابد من استثنائه بالنص حتى يعرف أنه وإن كان القرض فيه مبادلة لكنه لا يصح أن يسمى بيعًا، لأن البيع يقوم على انتفاع كلا الطرفين، والقرض يقوم على انتفاع طرف واحد، والطرف الآخر ينتظر الثواب من الله فقط، فلذلك تم استثناؤه.

أما قولنا «وليس ربا» أيضًا، فأردنا أن نخرج الربا من مفهوم البيع؛ لأن الربا قبل أن يجيء الإسلام، في شرائع الربا، كان يعتبر شكلًا من أشكال البيوع، سواء ربا الفضل الذي سنتعرف عليه أو ربا النسيئة. ربا الفضل يعني هو ربا الزيادة؛ أنا أعطيه 5 كيلو تمر وهو يعطيني 7 كيلو تمر، هذا ربا فضل سنتعرف عليه. الآن في مبادلة؛ أنا أعطيه عينًا وهو يعطيني عينًا، يمكن أن يكون مبادلة عين حاضرة بعين حاضرة، لكن فيه ربا لوجود علة الربا؛ مكيل بمكيل وتفاضلًا. أعطيته 5 كيلو تمر أعطاني 7 كيلو تمر، أنا مثلًا أعطيته سكرًا وهو أعطاني نوعًا آخر، لكن في النهاية تمر بتمر ووقع تفاضل، الآن في تبادل لكن هذا التبادل محرم واسمه ربا.

فهل الربا يسمى بيعًا أم لا يسمى بيعًا؟ الإسلام جاء ليفرق بينهما، فلم يرتضِ الإسلام أن يسمي الربا بيعًا. كذلك ربا النسيئة؛ كما يحدث مثلًا عند بعض الصرافين هداهم الله، أنه يقول لشخص: خذ هذه 100 دولار وبعد يومين أنت تجلب لي الدنانير الأردنية، مثلًا يريد أن يبادل دولارات بدنانير أو دولارات بريالات أو ما شابه ذلك، فيتم التأخير ولا يتم التقابض؛ شخص يعطي الدولارات والثاني يجلب الريالات أو الدنانير في وقت آخر، هذا ربا نسيئة وسنتعرف عليه إن شاء الله بالتفصيل.

أريدك أن تفهم أن الربا كصورة فيه مبادلة عين بعين، وهي مبادلة عين بعين على التأبيد، لكنه لا يسمى بيعًا في مفهوم الشريعة الإسلامية؛ لأن الله قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. فلما جاء النص ليميز بينهما تمام التمييز، عرفنا أن الله سبحانه وتعالى لم يرتض لنا أن نسمي الربا بيعًا في الإسلام، وإن كان عند العرب قديمًا يسمونه بيعًا وهو شكل من أشكال البيوع.

فلذلك قلنا: «وليس ربا»، حتى نخرج الربا. إنه لو وقفنا على التأبيد، مبادلة عين ولو في الذمة، أو منفعة بمثل أحدهما على التأبيد، سيدخل الربا؛ لأن الربا هو شكل مبادلة عين بعين بصورة وبشروط معينة، لكنه في النهاية مبادلة عين بعين، سيدخل إذًا الربا في مفهوم البيع، ونحن لا نريد أن ندخله لأن الله أخرجه، فكان لزامًا علينا أن نخرجه ونقول: «وليس ربا».

إذًا هذا تعريف معاملة البيع وعقد البيع عند الحنابلة في تصورهم؛ أن البيع هو عبارة عن مبادلة، فلا بد من وجود طرفين حقيقة بائع ومشتري، أو حكمًا بأن يتقلد شخص مقام الطرفين، فيؤدي دور البائع ودور المشتري. المبادلة هذه إما أن تكون لعين حاضرة أو في الذمة أو منفعة، فيتم مبادلة عين حاضرة أو في الذمة أو منفعة مباحة بمثل أحدهما.

فبالتالي نتج عندنا أن هناك ست صور؛ بما أنه يمثل أحدهما، فإما أن تكون مبادلة عين حاضرة بعين حاضرة، أو عين حاضرة بعين في الذمة، أو عين حاضرة بمنفعة، أو عين في الذمة بمنفعة، أو عين في الذمة بعين في الذمة، أو منفعة بمنفعة. هذه الست صور المحتملة عقلاً لهذه المبادلات، لكن هذه المبادلات بأصـ بصورها الست لابد أن تكون على التأبيد حتى نخرج الإجارة، وتكون ليست قرضًا أو ربا؛ لأن القرض هو عقد إرفاق والمنتفع منه طرف واحد، بخلاف البيع فهو عقد معاوضة المنتفع منه كلا الطرفين، وليس ربا لأن الله سبحانه أمرنا أن نميز بين الربا وبين البيع حتى في الاسم، فكان لزامًا أن نخرجه.

هذا تعريف البيع، نحن طولنا فيه لكنه أساس مهم جدًا حتى يتصور الطالب مفهوم البيع، هذا المفهوم الواسع الشامل الذي تدخل تحته المئات من الصور والأحوال. طيب، أنا لا أريد أن أطيل عليكم في محاضرة اليوم أكثر من ذلك، إن شاء الله في...

المحاضرة القادمة، نبدأ ونشرع في شرح كتاب البيع.

أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يجعله حجة لنا لا علينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.