غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية. يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب، للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب، للإمام مرعي بن يوسف الكرمي، رحمة الله تعالى عليه. وموعدنا اليوم أحبائي مع باب عقد الذمة، وهو في الأصل باب تبع لكتاب الجهاد. هذا الباب هو تبع لكتاب الجهاد وليس منفصلاً عنه، وهو الباب الأخير تقريباً في كتاب الجهاد معنا بإذن الله.
ما هو عقد الذمة؟ طبعاً أحبابي العلاقة بين المسلمين والكافرين هناك مجموعة من الأحكام التي تتعلق بها؛ فهناك عقد الذمة، وهناك عقد الهدنة، وهناك عقد الصلح. وهذه العقود هي خلاف الحالة الأصلية للعلاقة بين دار الإسلام ودار الكفر. فإن الفقهاء يرون أن العلاقة بين دار الإسلام ودار الكفر هي علاقة الحرب، هي علاقة الحرب وليس علاقة السلم، فعلاقة السلم هي علاقة على خلاف الأصل تقتضيها مصالح وأمور معينة.
علاقة السلم عند الحنابلة تكون في هذه العقود الثلاث في الجملة: عقد المصالحة، وعقد الهدنة، وعقد الذمة. هذه هي في الجملة عقود السلم التي تنشأ بين المسلمين والكفار ولها شروط وضوابط وأحوال، ولن نتوسع فيها وسأقتصر على عقد الذمة فقط. لكن أحب أن أنبهكم على أن الأصل العام في علاقة دار الإسلام بدار الكفر هي علاقة الحرب وليست علاقة السلم، وما يقوله بعض المعاصرين اليوم ممن تأثروا بموجة الانهزام التي مر بها العالم الإسلامي، من أن أصل العلاقة بين دار الإسلام ودار الحرب أو دار الكفر هي علاقة السلم والتشارك الإنساني وغيرها من المصطلحات الدارجة اليوم، فهذا مخالف للمذاهب الأربعة، ولما عليه علماء الأمة. وإنما علماء الأمة على أن الأصل في العلاقة معهم الحرب، إلا إذا كانت هناك مصلحة بعقد من العقود الثلاث التي ذكرناها: عقد الذمة أو الهدنة أو المصالحة.
وسنقتصر كما قلنا على عقد الذمة كونه هو الذي يتكلم عنه الشيخ مرعي، رحمة الله تعالى عليه، حتى لا نطيل عليكم. فالآن ما هي طبيعة عقد الذمة؟ عقد الذمة أحبابي سأعرفه لكم، فالشيخ لم يعرفه، أنا سأعرفه لكم. بعد ذلك ننطلق.
معناه هو إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية منهم والالتزام بأحكام الملة، بقول يدل على ذلك. أعيد: عقد الذمة هو إقرار بعض الكفار على كفرهم؛ أننا نحن الدولة المسلمة نقر بعض الكفار الذين يعيشون في الدولة المسلمة على كفرهم، بشرط أن يبذلوا جزية للدولة المسلمة، وأن يلتزموا أحكام الملة، ويكون هذا العقد من خلال قول ينطقون به هؤلاء الكفار يدل على ذلك؛ يقرون به أنهم سيدفعون الجزية، ويقرون به أنهم سيلتزمون أحكام الملة، وبناء على كلامهم نحن نقرهم في بلادنا. هذا هو تعريف عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط التزامهم بدفع الجزية والتزامهم بأحكام الملة بقول يدل على ذلك.
جيد، وهذا العقد هل يعقد لكل كافر يقيم في ديار الإسلام أم لنوع معين من الكفار؟ هذه حقيقة مسألة اختلف فيها الفقهاء عموماً؛ هل بالذمة يثبت لكل كافر مهما كان وثنياً، بوذياً، هندوسياً، يهودياً، نصرانياً، أم هو خاص بطائفة معينة؟ الحنابلة رضوان الله تعالى يرون أن عقد الذمة خاص بأهل الكتاب ومن له شبهة كتاب كالمجوس، هكذا يقولون.
وهذه أول مسألة بدأ بها الشيخ مرعي، فقال: لا ينعقد عقد الذمة إلا لأهل الكتاب؛ اليهود والنصارى أصحاب الكتب السماوية، ومن له شبهة كتاب كالمجوس، فإن المجوس يقال إنه كان لهم شبهة كتاب، لكن أنه لم يوجد ولم ينقل، فعاملهم أهل الإسلام معاملة الكتابيين. فمن كان من أهل الكتاب أو من له شبهة كتاب كالمجوس فهؤلاء يعقد لهم عقد الذمة. وأما الوثنيون والبوذيون ومن كان على هذه الأديان والصابئة وغيرهم، فهؤلاء يا أحبابي لا يعقد لهم عقد الذمة، وعلاقتنا معهم لا تصل إلى عقد الذمة، يمكن أن تعقد معهم مصالحة أو هدنة في بلادهم بحسب شروط وضوابط معينة، وإلا باختصار لا يقرون في بلاد الإسلام على كفرهم. البوذيون والهندوس والوثنيون وغيرهم ممن ليس لهم كتاب ولا شبهة لا يقرون في دار الإسلام على كفرهم، ولا نأخذ منهم الجزية. إذا اضطررنا أن نعمل معاقدة معهم مصالحة أو هدنة لأمر معين فهذا يدرس في حاله، وإلا فالأصل في علاقتنا معهم الحرب التامة؛ وإما أن يسلموا وإما أن يقتلوا، وأما أن يعيشوا في بلادنا بعقد الذمة فهذا لا يكون.
الآن عرفنا تعريف عقد الذمة، وعرفنا مع من يكون؛ مع أهل الكتاب ومن له شبهة كتاب. الفائدة الثالثة هي: من الذي له أحقية في هذا العقد؟ هل أي مواطن في الدولة المسلمة له أحقية أن يعقد عقد الذمة مع اليهود والنصارى والمجوس؟ كلا، الذي يعقد هذا العقد والذي له صلاحية إنشاء هذا العقد هو الحاكم المسلم أو نائبه فقط. بخلاف عقود أخرى أحبابي يجوز أن يقيمها المواطنون المسلمون طبعاً بشروط وضوابط، لكن عقد الذمة لا يقيمه المواطن المسلم، المواطن المسلم لا ينشئه مع اليهود والنصارى والمجوس، وإنما الذي ينشئه هو الحاكم المسلم أو نائبه، فهو متعلق كما يقولون بالأحكام السيادية للدولة.
طيب ما حكم قيام الإمام المسلم بعقد الذمة مع اليهود والنصارى ومن له شبهة كتاب كالمجوس؟ يعني هل عقد الذمة عقد على الاستحباب إذا أحب الحاكم المسلم أن يعقده مع اليهود والنصارى؟ يعقده إذا لم يحب فله الخيار، أم هو على الوجوب؟ يقول الحنابلة: «ويجب على الإمام عقدها حيث أمن مكرهم»، هكذا هي القاعدة. عقد الذمة ليس على اختيار الإمام أو مستحب أو مباح، بل واجب؛ يجب على الإمام أن يعقد عقد الذمة مع اليهود والنصارى ومن له شبهة كتاب الذين يقيمون في ديار المسلمين، بشرط حيث أمن مكرهم؛ إن أمنّا مكرهم. أما إذا الإمام أو نائب الإمام شم منهم رائحة خيانة ومكر وتواصل مع العدو الخارجي، فهنا لا يقيم معهم هذا العقد بتاتاً حفاظاً على مصلحة الدولة المسلمة. فإذن هو على الوجوب: يجب على الإمام عقدها حيث أمن مكرهم بهذا الشرط.
لكن سيقول بعد ذلك: والتزموا لنا بأربعة أحكام، هذه القضية الأولى. إذاً لابد أن يأمن الإمام مكرهم، وعليهم في المقابل أن يلتزموا بأربعة أحكام، إذا لم يلتزموا بها أيضاً الإمام يبطل هذا العقد ولا ينشئه.
قال: «ويجب على الإمام عقدها حيث أمن مكرهم»، هذا تقدر تسميته الشرط الأول. والشرط الثاني: «والتزموا لنا بأربعة أحكام»، هذا الشرط الثاني ليجب على الإمام أن يعقد العقد معهم؛ أولاً أن يأمن مكرهم، ثانياً التزامهم للدولة المسلمة بأربعة أحكام.
أحدها أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. الجزية ما هي أحبابي؟ الجزية هي المال الذي يدفعه اليهود والنصارى ومن له شبهة كتاب للدولة المسلمة، مقابل أن تقوم الدولة المسلمة بالسماح لهم بالإقامة في ديار الإسلام وعدم قتلهم. لاحظوا هذه الجزية مال يدفعونه للدولة المسلمة مقابل ماذا؟ السماح لهم بالإقامة في دار الإسلام، وعدم قتلهم؛ لأنهم إذا لم يعطوا الجزية ورفضوا سيقتلون، فحتى نسمح لكم بالإقامة وحتى لا تقتلوا.
وفي الحقيقة هناك شيء ثالث وإن كان البعض لا يذكر في التعاريف، وهو مقابل حمايتهم. هم إذا أقاموا في ديار الإسلام ودفعوا الجزية، فالحاكم المسلم والدولة المسلمة من وظيفته أيضاً أن تحميهم، يعني ليس فقط لا نقتلهم بل أيضاً نحميهم ممن يمسهم بسوء. فإذاً الجزية أستطيع أن أقول إنه هذا المال يعطيهم ثلاث ميزات: أولاً السماح لهم بالإقامة في ديار الإسلام، ثانياً ألا يقتلوا، ثالثاً أن يحموا من الدولة المسلمة. هذه هي الجزية، هذا المال الذي يدفع مقابل هذه الخدمات التي توفرها الدولة المسلمة.
لكن شرط هذه الجزية أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. والحنابلة في كتبهم ينصون على أن الجزية حينما تؤخذ من اليهود والنصارى ومن بلغ شبهة كتاب، تؤخذ منهم وهم في أشد صور الذلة، لا تؤخذ منهم وهم رافعون أنوفهم وفي عزتهم أتوا بحلتهم، لا تؤخذ منهم كما أمرنا ربنا. هذا ليس خياراً لنا، هذا أمر الله سبحانه، قال سبحانه في كتابه في سورة التوبة: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
أنا يأتي شخص يقول يعني الفقهاء كانوا متشددين أو كانوا ما عندهم عدالة في التعامل معهم، هذا أمر الإله أحبابي. والله سبحانه وتعالى أراد أن يذل من أشرك به، يريد أن يذل من أشرك به ولم يره حق رعايته سبحانه وتعالى. أحبابي، الشرك بالله ظلم عظيم، وسوء أدب من أفجر الفجور في الأرض أن يشرك الإنسان بالله وأن ينسب له الولد وأن يكفر بهذا الإله العظيم. فالإله العظيم سبحانه وتعالى أمر أهل الإسلام بأن يذل هؤلاء الذين لم يتأدبوا معه وتواقعوا ونسبوا إليه الولد والشريك وما شابه ذلك.
فلذلك نحن ننفذ أمر الإله سبحانه، في الدولة المسلمة خذوا الجزية منهم على صغار. والحنابلة يذكرون في المطولات صور الصغار، كيف أنهم يوقفون ويجرون ويعنفون حينما تؤخذ منهم، ولا يسمح لهم أن يدفعوها بكل أريحية وبكل هدوء، لا ينبغي أن يكون صاغراً حينما يأتي ليدفعها، ولا أريد أن أدخل في صور الصغار والذل التي ذكروها لهم، تجدونها في المطولات. المهم لابد إذاً أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإذا قال: أعطي الجزية لكنني أعطيها بالطريقة التي أريدها أنا، نقول له: لا، عليك أن تعطي الجزية وأنت غير هذا، حكم الله سبحانه وتعالى فيك.
إذا هذا هو الحكم الأول الذي يجب أن يلتزموا به إلينا، أن يعطوا الجزية للدولة المسلمة عن يد وهم صاغرون. ثاني الحكم الثاني الذي يجب أن يلتزموا به: ألا يذكروا دين الإسلام إلا بالخير، فنقول لهم هذا الحكم بدكم تلتزموا به أيضاً، ألا تذكروا دين الإسلام إلا بخير، ما لكم أن تسبوا هذا الدين أو تسبوا شعائره وتستهزئوا بها، فإذا لم يلتزموا بهذا الحكم لا يعقد معهم عقد الذمة أبداً.
ثالثاً: ألا يفعلوا ما فيه ضرر على المسلمين؛ إياكم أن تفعلوا أي تصرف صغير أو كبير فيه ضرر على المسلمين، فيجب أن يلتزموا بهذا، إذا لم يلتزموا به لا يعقد معهم. رابعاً وأخيراً: أن تجري عليهم أحكام الإسلام فيما تعلق بالنفوس، إذا اعتدوا على نفس بالقتل أو ما شابه ذلك، أو بالأموال إذا اعتدوا على الأموال، أو في الأعراض إذا اعتدوا على الأعراض، وفي إقامة حد فيما يحرمونه في دينهم كالزنا، أما ما يحلونه في دينهم كالخمر.
إذاً عليهم أن يعرفوا أنه يجب عليهم أن يقروا بالتزام أحكام الإسلام. هذا هو الحكم الرابع الذي يجب عليهم أن يلتزموا به. الحكم الرابع نقول لهم: عليكم أن تلتزموا بأحكام الإسلام في أولاً الاعتداء على النفوس، فمن قتل نفساً يقتل، ومن جرح يجرح، تطبق عليه أحكام الإسلام في الاعتداء على الأنفس. كذلك تطبق عليهم أحكام الإسلام في الاعتداء على الأموال وحقوق الناس، وتطبق عليهم أحكام الإسلام في الاعتداء على الأعراض، وتطبق عليهم الحدود الشرعية فيما يعتقدون تحريمه في دينهم كالزنا.
أما الأمور التي لا يعتقدون تحريمها في دينهم كالخمر، فهذا لا يطبق عليهم الحد فيه، فلهم أن يشربوا الخمر لكن بشروط، أن يستتروا بها ولا يعلنوها كما سيأتي معنا إن شاء الله. فهذه أربعة أحكام لازم يلتزموا بها: أولاً أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ثانياً لا يذكر الإسلام إلا بخير، ثالثاً ألا يتسببوا بضرر لأحد من المسلمين، رابعاً أن يلتزموا بأحكام الإسلام في أربعة أشياء: في النفس، والمال، والعرض، وفي الحدود الشرعية فيما يعتقدون تحريمه، وأما فيما يعتقدون حله كالخمور فهذه لا تقام عليهم الحدود فيها، فهذا يعني شأنهم الخاص كما يقولون، لكن عليهم أن يستتروا بذلك ولا يظهروه.
فإذاً الحاكم المسلم يجب عليه، نعود إلى أصل المسألة، يجب على الحاكم المسلم أن يعقد عقد الذمة بشرطين: حيث أمن مكرهم، واثنان حيث التزموا بالأحكام الأربعة التي ذكرناها للتو. الآن هل كل اليهود والنصارى والمجوس رجالاً وصغاراً، ذكوراً وإناثاً، الشيوخ والشباب كلهم يجب عليهم أن يدفعوا الجزية؟
أحكام الإسلام أيضاً مع فرضها الجزية بكل حذافيرها وبكل أحكامها المنضبطة راعت بعض الأحوال الإنسانية المتعلقة بأهل الذمة، فقالوا: لا تؤخذ الجزية من امرأة لأنها ليست أهل للعمل، فبالتالي المرأة يمكن ما يكون هناك من يعولها، بالتالي لا تجد ما تدفعه للدولة المسلمة. جيد، فلا تؤخذ الجزية من امرأة.
ولا من خنثى، الأنثى الذي هو بين المرأة والرجل، هنا عاملوه معاملة المرأة في أنه لا يدفع الجزية. والصبي، الصبي الذي لم يبلغ ليس أهلاً للعمل. رابعاً: المجنون. القن، القن هو العبد. سادساً: الزمن، الزمن هو المقعد المشلول. سابعاً: الأعمى. ثامناً: الشيخ الفاني، يعني الكبير في السن الذي استوى كما يقولون. تاسعاً: الراهب الذي بالصومعة. الراهب إذا كان بصومعته وليس له علاقة بدنيا الناس فهذا أيضاً لا تؤخذ منه الجزية.
لأن الراهب أصلاً في الوضع الطبيعي جاء الإسلام بالنهي عن قتله، حتى لو المسلمون هاجموا الكفار، كانت وصايا النبي ﷺ ووصايا الصحابة لجيوش المسلمين ألا يقتلوا راهباً في صومعة. الراهب الذي في صومعته في الوضع الطبيعي لا يقتل. كذلك الشيخ الفاني كان ينهى عن قتله عموماً حتى في الحروب. والزمن والأعمى والمرأة والخنثى والصبي، هؤلاء أصلاً في الوضع الطبيعي لا يقتلون، طبعاً إلا في أحوال معينة يقتلون فيها؛ فمثلاً يقولون المرأة إذا شاركت برأيها أو عاونت في المعركة تُقتل، لا حرج في ذلك، ولذلك الشيخ الفاني أو الراهب الذي في الصومعة إذا نزلوا وشاركوا في القتال سيُقتلون.
لكن نحن نتكلم عن الحالة الأصلية؛ الحالة الأصلية للمرأة والخنثى والصبي والمجنون والزمن والأعمى والشيخ الفاني والراهب الذي في صومعته، هؤلاء لا يقتلون أصلاً في ميادين المعارك. جاء النهي عن قتلهم إلا في أحوال استثنائية تعرضوا فيها لهذا القتل، وإلا فالأصل أنهم لا يقتلون، فما داموا في الوضع الطبيعي لا يقتلون، لا تفرض عليهم الجزية، فحتى لو أقاموا في ديار الإسلام لا نفرض على هؤلاء الجزية، إلا من أصبح منهم أهلاً.
فالصبي إذا بلغ أصبح أهلاً لتفرض عليه الجزية، والمجنون إذا أفاق، والعبد إذا أصبح حراً، والأعمى إذا رد إليه بصره؛ فمن أصبح منهم أهلاً تفرض عليه جزية وتؤخذ منه. وأما من لا يمكن أن يصبح أهلاً مثل المرأة، المرأة لا يمكن أن تتحول إلى شخص مؤهل، تنتقل من حالة إلى أخرى، نرى بطبيعتها لا تفرض عليها الجزية. هي والخنثى، إذا كان مثلاً ظهر أمره وبان أنه ذكر -ويمكن أن تمر معنا في الفرائض أن الخنثى يمكن أن يظهر أمره ويظهر أنه ذكر- إذا ظهر أنه ذكر خلاص، يتطبق عليه أحكام الذكور فتؤخذ منه الجزية.
فالمهم هؤلاء في أحوالهم المذكورة هنا الطبيعية: المرأة، الخنثى، الصبي، المجنون، القن، الزمني، الأعمى، الشيخ الفاني، والراهب، هؤلاء لا تفرض عليهم الجزية ولا تؤخذ منهم، وإن أقاموا في ديار الإسلام من دون أن تؤخذ منهم.
ثم قال: «من أسلم منهم بعد الحول سقطت عنه الجزية». من أسلم منهم؟ المُراد منهم هنا ليس الأصناف الثمانية السابقة، لا، هو يتكلم عمن هو أهل لأن تؤخذ منه الجزية. فإذا كان شخص رجل ممن تؤخذ منه الجزية -ونحن الجزية نأخذها متى؟ هذه فائدة، تأخذها كل سنة منهم كضريبة - فالجزية تؤخذ منهم كل سنة، على رأس السنة نأخذها منهم. فلو أن رجلاً ممن عليه الجزية الآن جاء وقت استحقاق الجزية منه هذه السنة، أقامها في بلاد الإسلام وعقدنا معه عقد الذمة، وعلى رأس السنة جاء وقت استحقاق الجزية، ثم بعد الحول أسلم، هل نقول له: لا، أنت أسلمت الآن، نحن نريد الجزية عن العام الماضي، يجب أن تدفعها؟
لا، إذا أسلم من عليه الجزية ولو بعد الحول، يعني بعد أن استحقت الجزية عليه، فإنها تسقط عنه ولا نأخذها. إذا شخص لم يدفع الجزية بعد استمر عاماً كاملاً في ديار الإسلام، وبعد هذا العام لما جاء وقت الدفع أسلم، هل نقول له: لا ما ينفع، يجب أن تدفع الجزية لأنك أقمت سنة عندنا وأنت كافر؟ لا، الإسلام إخواني دين الرحمة أيضاً في هذه الأمور، ويحب للناس أن يدخلوا في دين الله أفواجاً، ويحب أن يُرغب الناس في هذا الدين. فهذا الرجل جاء ليسلم، فنحن نقول له: عنك كل الجزية.
قالوا -يعني هناك بحث بحثه حفيده صاحب المنتهى- قال صاحب المنتهى: فلو مضى سنون ولم يدفعها فهل تسقط كلها؟ ظاهر التعليل في "الحول" السقوط في أكثر منه، ولأن في السقوط ترغيباً في الإسلام. يعني هذا بحث بحثه بعض الحنابلة؛ أنه لو كان هذا الكافر الذمي، اليهودي أو النصراني، جالساً ثمان سنين متخفياً في ديار الإسلام ما يدفع عندنا الجزية، وبعد ثمان سنين أمسكناه وقلنا له: تعال يا فلان، صار لك ثمان سنين تهرب وما تريد أن تدفع الجزية؟ فقال لنا: ترى أنا أسلمت الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إسلام حقيقي تمام؟ ففي هذه الحالة نطالبه بالجزية عن ثمان سنوات؟ كلا، نقول: بما أنك أسلمت نحن مسامحونك حتى نرغبه في الإسلام، وهذا منطقي. إذاً من أسلم منهم، أي من أهل الذمة الذين عليهم الجزية، بعد الحول سقطت عنه الجزية، حتى لو أسلم بعدها عدة سنوات وكان لم يدفع الجزية عن السنوات السابقة أيضاً، تسقط عنه من باب ترغيبه في الإسلام. والله تعالى أعلم.
بسم الله، الآن سيذكر الأحكام التي تترتب على عقد الذمة. يعني أهل الذمة نحن سنأخذ منهم الجزية، وهم ماذا يستحقون؟ ذكرت لكم قبل قليل، يستحقون الحماية وألا يقتلوا. فلذلك ماذا قال في هذا الفصل؟ سيبين ما هي حقوق أهل الذمة على الدولة المسلمة، فقال: «فصل: ويحرم قتل أهل الذمة»، لأنه الجزية تحميهم من القتل، فلا يصير أن يُؤخذ منه الجزية ويُقتل. يحرم قتل أهل الذمة، وهناك أحاديث فيها وعيد شديد على كل مسلم يقتل ذمياً، أحاديثها وعيد شديد: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة». شوفوا شدة الوعيد؛ لأن أهل الإسلام والدين الإسلامي قائم على الوفاء وعدم الخيانة، وأبغض شيء إلى الله سبحانه وتعالى أن يأتي شخص يشوه صورة الإسلام بتصرفات لا تليق مع الأحكام الصحيحة.
فإذاً يحرم قتل أهل الذمة، ويحرم أيضاً أخذ أموالهم، خلص، ما لك علاقة بأموالهم كدولة مسلمة، نأخذ منهم الجزية فقط ونصف العشر إذا كان هناك تجارة كما مر معنا. ويجب على الإمام حفظهم ومنع من يؤذيهم؛ يجب على الإمام أن يحميهم وأن يمنع من يؤذيهم. لكن نريد أن نطالبهم أيضاً بأحوال، أنه لا يجوز لأهل الذمة أن تكون مظاهرهم وهيئاتهم في الدولة المسلمة كمظاهر المسلمين.
الآن إخواني أعطيكم فائدة؛ هذا الذي يسمونه اليوم التسوية بين المواطنين والمواطنة العادلة بين جميع الأديان في الدولة المسلمة، هذا ليس كلام علماء الربانية رحمة الله عليهم، هذا ليس كلام العلماء الربانيين. العلماء الذين يقرأون كتب المذاهب -وأرجو ممن يدرس المذاهب الفقهية ويتشدق بها اليوم أن يدرس المذاهب بحذافيرها- المذاهب إخواني تقول: المواطن الذمي ليس أبداً كالمواطن المسلم. أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟ الله سبحانه وتعالى يقول لكم: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: 35].
بعض الناس اليوم للأسف من دعاة السوء والعمائم المنهكة يصرخ بأعلى صوته وجوب المواطنة والتسوية بين كل المواطنين مهما اختلفت؛ هذا ليس بصحيح، هذا كلامك أنت، ليس هذا كلام محمد ﷺ، ليس كلام الله، ليس كلام الصحابة، ليس كلام العلماء والفقهاء على مدار التاريخ. الفقهاء كلهم يقرون أن الذمي في حال الدولة المسلمة ليس كحال المسلم أبداً. كيف أسوي بين الموحد لله وبين المشرك به الذي يسيء الأدب مع الله؟
فانظروا يا إخواني كيف أنه حتى في الدولة المسلمة الذمي مواطن درجة ثانية، وأنا لست ممن أخشى أن أتكلم بهذا الكلام أو ممن أهاب أن الناس تقول لا شوفوا للشيوخ. المهم فأنا أقول: الذمي لا يكون أبداً حاله في الدولة المسلمة الحق كحال المسلم. فانظروا ماذا يقول الفقهاء؟ قالوا: ويمنعون من ركوب الخيل. الذمي ليس له في طرق وشوارع المسلمين في الفقه القديم لما كانت خيل وإبل أن يركب الخيل، وحمل السلاح ليس له أن يحمل السلاح.
طبعاً هناك تفاصيل أكثر، اللي هو اختصر الشيخ مرعي على أهم الأمور، ولكن هناك تفاصيل كيف يلبسون وكيف يجبرون على الزنار وكيف يركبون الدواب من دون إيكاف إلى آخر ما ذكر في مطولات الحنابلة. لكن عليكم أن تعرفوا هذه الفائدة، إذا تؤمنوا بها تماماً إيمان في نفس العزة الذي كان عند فقهائنا رضوان الله تعالى عليهم؛ الذمي لا يكون كالمسلم في الدولة المسلمة فلا يركب الخيل، لأن ركوب الخيل عز، وهؤلاء يذلون مهما كان الأمر. نعم، أنا لا أتعامل معه بسوء، لا أسِيء له في التعامل، نعم هذا نتفق عليه، لكن ليس له أن يرتقي أن يصبح حاله حال المسلم، فلا يركبون الخيل ولا يحملون السلاح.
قال ويقول ابن عوج في الحاشية: «ويمنعون من حمل السلاح ومن رمي النبل ومن اللعب بالرمح والدبوس لأن في ذلك معونة لهم علينا». ثم قال: «ويمنعون أيضاً من إحداث الكنائس». اسمعوا أحبابي لتعلموا الناس؛ لا يجوز لأهل الذمة من الكفار في بلاد الإسلام أن يبنوا كنيسة، لا يجوز، حرام. «ويمنعون من إحداث الكنائس ويمنعون من بناء ما هدم منها». إيش يعني من بناء ما هدم منها؟ إذا الدولة المسلمة فتحت أرضاً جديدة وضمتها، الكنائس الموجودة سابقاً قبل دخول الدولة المسلمة نقرهم عليها، خلص الكنائس الموجودة قبل ما نفتح هذه الديار بنخليها، لكن ما بنسمح أن تُحدثوا أي كنيسة جديدة الآن بعد أن أصبحت هذه البقعة تحت حكم الإسلام، وأي كنيسة قديمة انهدمت ليس لهم أن يعيدوا بناءها، يقول انتهى الأمر، هذه تعلموها أحبابي.
«ومن إظهار المنكر يمنعون من إظهار أي منكر حتى لو كانوا يعتقدون حله». «ويمنعون أيضاً من إظهار أعيادهم والصليب». يمنعون من إظهار صليبهم. أحكام للأسف تكاد تكون مندرسة في واقعنا المعاصر. يمنعون من إظهار المنكرات ومن إظهار أعيادهم، اليوم للأسف أهل الإسلام يحتفلون مع الكفار. «ويمنعون من لبس الصليب ويمنعون من ضرب الناقوس أيضاً ويمنعون من الجهر بكتابهم»، يعني حتى كتبهم الآن الإنجيل والتوراة وغيرها، إنما لو شبه الكتاب يمنعون من الجهر بها؛ تريدون أن تقرأوا؟ اقرأوا في منازلكم في بيوتكم، لا تجهروا بها.
«ويمنعون من الأكل والشرب في نهار رمضان لحرمة المسلمين ولحرمة الشهر»، «ويمنعون أيضاً من شرب الخمر وأكل الخنزير أمام الناس»، ذاك تأكل وتشرب خمراً أو تعتقد حل الخنزير، هذا حكم خاص فيك، يعني أنت تعتقده حلاً وتأكله سراً في بيتك، ليس له أن يجاهر بذلك. «ويمنعون من قراءة القرآن وشراء المصحف وكتب الفقه والحديث». لا، قضية يمنعون من قراءة القرآن، أنا هذه مسألة فيها نوع نقاش، كون البعض يقول لك: طب كيف سيسلم أو كيف تدعوه للإسلام إذا أنت لم تسمح له أن يقرأ القرآن؟ طبعاً الحنابلة يقولون نحن نسمعه القرآن ونتلوه عليه لكن هو ما يقرأ. الآن هذه قضية اجتهادية لأنها ليست حسمية كما يقولون، الفقهاء بينهم خلاف فيها وكل فقيه نظر بزاوية معينة. المهم الحنابلة يرون أنهم يمنعون من قراءة القرآن، يمنعون من قراءة القرآن ويمنعون من شراء المصاحف، وهذا صحيح؛ المنع من شراء المصاحف صحيح حتى لا يُماطن. وكذلك منعونا من شراء كتب الفقه والحديث.
ثم قال: «ويمنعون من تعلية البناء على المسلمين». لاحظوا حتى تعرفوا عزتنا لما كنا نكتب بعزة؛ ليس للذمي أن يكون بناؤه أعلى من بناء المسلم، لا يُسمح للذمي أن يعلي بناءه أعلى من بناء المسلم. تريد تبني عمارة؟ ما تبنيها أعلى من بناء المسلم، إما على محاذاة أو أقل منه، أما أعلى منه فلا ترتفع، فأنت الله عز وجل وضعك في الدنيا ونحن سنضعك في الدنيا، والله وضعك في الآخرة وهو سبحانه وتعالى يحاسبك في الآخرة، فيمنع من تعلية البناء على بناء المسلم، لكن لا يمنعون من التسوية، لا يمنعون من التسوية، يكونوا على مساواة بعضهم.
ثم قالوا: «ويلزمهم»، انظر ماذا قال؟ «التمييز عنا بلبسهم»، حتى لباسهم يريدون أن يتميزوا، ما تلبسه كما يلبس أهل الإسلام. «ويلزمهم التمييز عنا بلبسهم». طبعاً ذكر الشيخ ابن عوج صفات كثيرة للملابس التي كانوا يلبسونها في الدولة المسلمة ليمتازوا بها عن أهل الإسلام، لكنه لم يدخلكم في تفاصيلها. عموماً الدولة المسلمة بالتميز بلباس خاص حتى يُعرف أن هؤلاء أهل ذمة وليسوا من أهل الإسلام.
قال: «ويكره لنا التشبه بهم». الآن الحنابلة يا إخواني، المعتمد في الفتوى عندهم أن التشبه باليهود والنصارى والكفار عموماً مكروه، لكن أبو العباس ابن تيمية رحمة الله عليه يرى أن التشبه أقل أحواله أن يكون حراماً وقد يصل للكفر، فهذه مسألة فيها خلاف؛ هذا التشبه بالكفار مكروه أم حرام؟ الآن الحنابلة فالمعتمد يقولون إنه مكروه، وأبو العباس وهو من أسياد الحنابلة المتوسطين وهو مرجعية مهمة جداً يقول إنه حرام.
جيد، فعليكم أن تعرفوا أن المسألة أيضاً مسألة فيها خلاف، وإن كان المذهب على الكراهة. ثم قال: «ويحرم القيام لهم». وانظروا المعاملة الآن، كيف نعاملهم؟ نحن ما نؤذي، لا أشتمك لكنني لا أحترمك. يجب أن تفرق بين أننا لا نسيء لهم، ما يصير آتي أشتمه وهو مش عامل حاجة، ما يصير أضربه في الشارع فرضاً هو مش عامل حاجة، لكن التعامل معه في الآداب العامة ليس كما أتعامل مع إخواني المسلمين، كلا؛ فلا نجعل المسلمين كالمجرمين، تذكروا هذه الآية.
فقال: «ويحرم القيام لهم»، يعني إذا كنتم جالسين مع إخواني وجاء ذمي ومر، ما يصير، يحرم حرمة أن نقوم له احتراما له أبداً. «ويحرم تصديرهم في المجالس»، والله ابعدوا، تفضل أبو فلان، أبو جورجة ولا ما شابه ذلك، خلينا نحطه على رأس المجلس، هذا يحرم. «ويحرم تصديرهم في المجالس، ويحرم بداءتهم بالسلام»، يحرم أن تقول لهم ابتداءً يعني أنت تبدأهم بالسلام أو بأي تحية كانت، لذلك قال: «وبكيف أصبحت وأمسيت»، ما يصير تقول له كيف أصبحت؟ ولا كيف أمسيت ولا مرحباً ولا صباح الخير، كل هذه الأمور لا يحيون بها.
«وكيف أنت أو حالك»، تصوروا الحنابلة وصلوا لهذه المرحلة، أنه يحرم الكلام عن الحرم الآن، ويحرم أن تقول كيف أنت وكيف حالك. هذه طبعاً أحبابي كما قلنا، الأحكام هذه تطبق عندما تكون الدولة مسلمة في عز للإسلام، في أحكام مطبقة، يأتي المسلم يتعامل بهذه الأمور. في واقعنا المعاصر، هل نستطيع نحن أن نطبق هذه الأحكام؟ أقول لك بالطبع لا، للأسف، هل تستطيع أن تطبق هذه الأحكام؟ بل من الحكمة تأخير بعضها، أقول تأخير بعضها.
فلو أن بعض الناس يقول لك نضطر أن نتعامل مع اليهود أو النصارى في بلادنا بيع وشراء وما شابه ذلك، فاضطررت أن أقول له عمت صباحاً أو كيف أصبحت أو صباح الخير أو كيف حالك، فأقول له لك في ذلك وجه، فضلاً أن هذه المسائل هنا أنه لا يقال له كيف أصبحت وكيف أمسيت ولا كيف حالك ليست أصلاً مجمعاً عليها بين الفقهاء في تحريمها؛ هذا عند الحنابلة، وبعض الفقهاء يرى أنه لا حرج، فإذا قلت له كيف أنت أو كيف حالك، فليست المسألة حتمية نبدع فيها المخالف أو نحصر فيها الناس. وإنما الإنسان يتبع مذهباً ويعرف أن هذه الأحكام في لغة العز في زمن العز، لكن في أحكام الاستضعاف لعل وعسى هناك تكون أحكام أخرى أخف من هذه الأحكام تصلح لاستمرار الدعوة الإسلامية، يعني انتعاشة أكثر وأكثر في ضمن هذا الخضوع الذي نحن فيه.
ثم قال أيضاً: «وتحرم تهنئتهم»، يحرم أن تهنئه بأعيادهم وبغير ذلك، يحرم أن تهنئهم عموماً هكذا الحنابلة، «وتعزيتهم وعيادتهم»، يحرم أن تهنئه ولا تقول له أي شيء في التهنئة، لا بعيد ولا بغير ذلك، ويحرم أن تعزيه ويحرم أن تعوده إذا مرض. جيد، الآن قضية تحرم تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم، الحنابلة هذا المعتمد عندهم. هناك روايات أخرى في المذهب تجيز تعزية الكافر، رواية أخرى تجيز تعزية الكافر وتجيز عيادة الكافر، ولعل الآثار حقيقة التي وردت عن النبي ﷺ في هديه تدل على شيء من ذلك، لأن مسألة عيادة الكافر أو تعزية الكافر قد يكون لإخواننا ترى فيها مصلحة أحياناً.
نحن نحاول أن نتفهم أنه هذه المسائل ليست مسائل متفقاً عليها وهناك وجهات نظر تقبل النظر، فأنا أناقش في مسألة العيادة؛ لو أنني عدت كافراً مريضاً فلعلي وعسى أذكره بالله وبالْموت والدار الآخرة، لعله يستيقظ من غفلته ويتوب ويسلم، وكذلك أعزيه، فينظر في أخلاق أهل الإسلام فيبدأ يفكر. التهنئة بالأعياد هذه قطعاً محرمة قولاً واحداً، لكن من التهنئة مثلاً بالمولود أو تهنئته بنجاح دنيوي، هل هذا أيضاً محرم على الإطلاق؟ أنا أقول لك بعض المسائل أعطيها مجالاً للنظر والتفكير ولا تعتبرها شيئاً قاطعاً، أنا فقط أريد أن أخليك تعرف أنه في مسائل فيها مساحة من الاجتهاد، لكن هذا المذهب عندنا: تحرم تهنئتهم عموماً، تحرم تعزيتهم، تحرم عيادتهم.
ثم قال: «ومن سلم على ذمي ثم علمه»، تصوروا أين وصلت عزة الإسلام، هكذا كان يصاغ الفقه، «قال: ومن سلم على ذمي ثم علمه سنة قوله: رد علي سلامي»، تصور؟ إذا سلمت على ذمي وأنت لا تعرف أنه ذمي، وبعد قليل جاءك صاحبك فقال: ليش يا فلان سلمت على كذا وكذا؟ فقال: ليش ماله؟ قال: هذا ذمي. يسن أن تذهب إليه وتقول له: تعال أنت، اطلب من الذمي أن يرد علي سلامي، يرجع لي سلامي. إذاً «ومن سلم على ذمي ثم علمه» أن عرف أنه ذمي، سنة أن يأتيه ويقول له: رد علي سلامي الذي سلمته.
طيب، إذا أهل الذمة سلموا علينا، ما الرد؟ لاحظوا الحنابلة في بعض المسائل يشددون، لكن يرققون في مسائل؛ يقول لك إذا هو سلم عليك يجب أن ترد له، لكن كيف ترد؟ قال: فيقول: «وعليكم»، نقطة، ما تقول وعليكم السلام، إذا هو قال لك السلام عليكم تقول: وعليكم فقط. «وإن عطس كافر مسلماً أجابه»، يعني إذا الكافر قال للمسلم، لا، المسلم عطس، فقال الكافر: يرحمك الله، المسلم يرد عليه ويقول له: «يهديكم الله».
ثم قال: «وتكره مصافحته»، اسمعوا يا من تستمرئون التعامل مع اليهود والنصارى في بلادكم وكأن هذا التعامل لا ضير فيه، بعض الناس يريد أن يظهر التميع في الأحكام ويفقد هويته من أجل أن يظهر لليهود والنصارى أنهم متسامحون وإنسانيون. يقول الحنابلة: «وتكره مصافحة الذمي»، نصاً أي نص عليه الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وعندنا أيضاً في المذهب: «يكره التعرض لما يوجب المودة بينهما»، يعني حتى لا تظهر له أنك تحبه وصاحبك وعزيزك، أو تشكل صداقة معه وتسهر معه، هذا كله مكروه.
ثم قال: «ومن أبى من أهل الذمة بذل الجزية»، نحن الآن عملنا عقداً مع أهل الذمة ابتداءً، هم سيلتزمون بالشروط للدولة المسلمة. فالإمام عقد معهم العقد، فإذا بأهل الذمة قالوا ما بدنا ندفع الجزية، أبوا دفع الجزية بعد أن تم العقد معهم، قال: «ومن أبى منهم» أي من أهل الذمة «بذل الجزية أو أبى الصغار»، نحن قلنا إنه مطلوب منك ليس فقط أن تدفع الجزية، بل تدفعها وأنت صاغر.
فإذا أبى الجزية، أو قال: لا، أنا أدفعها ولكن من دون صغار، فإذا أبى الجزية أو أبى الصغار أو أبى التزام أحكام الإسلام أو سبب ضررًا لمسلم أو لمسلمة؛ يعني خالف واحدًا من الأحكام الأربعة السابقة: أبى دفع الجزية، وأبى الصغار، ولم يلتزم بأحكام الإسلام، يعني اعتدى على نفس أو عرض أو مال ورفض أن يلتزم بأحكام الإسلام.
إذا سبب ضررًا لمسلم؛ كأن كان زنا بمسلمة أو أصابها بنكاح، أو قطع الطريق، هذا كله من إلحاق الأذى للمسلمين، أو ذكر الله أو رسوله بسوء، ونحن عرفنا أنه يجب أن لا يُذكر الإسلام إلا بخير، وهذه إحدى الأحكام الأربعة. فإذا ذكر الله أو رسوله بسوء، فهذا اختل عنده هذا الشرط، أو تعدى على مسلم بالقتل، فهذا شكل من أشكال الضرر للمسلمين، أو فتنة عن دينه، حاول أن يفتن مسلمًا في دينه، أو انتقض عهده.
باختصار أحبابي، هناك أربعة أحكام هي: دفع الجزية، وأن لا يذكروا الإسلام إلا بخير، وأن لا يضروا مسلمًا،وأن يلتزموا بالأحكام. متى خالفوا ونقضوا واحدًا من هذه الأحكام الأربعة بصور من هذه الصور التي ذكرتها لكم؟ حينئذ ينتقض العهد.
لكن إذا، مثلاً، حدثت مشكلة بسيطة بين ذمي ومسلم، مشكلة بسيطة، سبب بسيط، ضرب بسيط؛ لا، هذا لا يصل لمرحلة الضرر الذي ينقض به العهد. يعني هو لا يحق له، ويؤنبه الحاكم إذا كان الذمي هو الظالم، يؤنبه. أما إذا كانت مشكلة بسيطة محدودة لا ينتقد بها على أحد، أما إذا وصلت إلى أنه يقطع الطريق، أو يتعدى على مسلم بالقتل، أو فتنة، أو يزني بمسلم، أو يصيبه بنكاح؛ يعني جرائم كبرى، خلينا نقول ضر بها المسلمين، هنا ينتقض عهده والحاكم يخير فيه.
إذا انتقض عهده ماذا يصبح؟ قال: «ويخير الإمام فيه كالأسير». أي واحد ذمي انتقض عهده، الإمام مخير فيه كالأسير الذي ذكرنا حكمهم سابقًا. الأسرى أحبابي عرفنا أن الإمام مخير فيهم بين أربعة أشياء: إما أن يمنّ عليهم، وإما الفداء، وإما القتل، وإما الرق والاستعباد.
ويخير فيه كالأسير، وماله شيء. يعني أولاً يخير الإمام فيه كالأسير، بنعطيه الإمام صلاحية: بدك تقتله اقتله، بدك تأخذ منه فداء خذ، بدك تمنّ عليه مَنّ، بدك تستعبده استعبده. خلص، هذا كان أسيرًا وماله فيه، والإمام له أن يتسلط على ماله ويأخذه فيئًا، وهذا شكل من أشكال الفيء؛ لأنه عرفنا أن الفيء ما يؤخذ من الكفار حقًا بغير قتال، وهذا بالتالي نستطيع أن نقول ينطبق عليه تعريف الفيء.
فما لهذا الذمي الذي نقض عهده؟ قال: «ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده». يعني إذا هذا الذمي الرجل نقض عهده، هو وحده يعتبر ناقضًا للعهد، ولا نأخذ نساؤه وأولاده بجريرته، فنقول أنت نقضت فَنقطع نساءك وأولادك؛ نحن سنظل معهم على العهد لأنهم ما نقضوا، أنت الذي نقضت. فإذا انتقض عهد الذمي لا ينتقض عهد نسائه وأولاده تبعًا له، كلا.
قال: «فإن أسلم». الآن مسألة سيختم بها مسألة الذمي إذا أسلم. الذمي إذا نقض عهده ثم أسلم، نقول للإمام: وقف، هذا الرجل يحرم قتله. الذمي إذا نقض عهده ثم أسلم حُرّم على الإمام قتله، إلا إذا كان قتله لحق آدمي؛ يعني إذا كان هو قتل مسلمًا ثم أسلم، هنا سنقتله قصاصًا وليس لأنه نقض عهده، أو كان زنا بمسلمة واستوجب الحد، حد الرجم، هنا سنقيم عليه حد الرجم لحق، ليس لأنه نقض عهده.
أما إذا كان الأمر يتعلق بنقض العهد بأنه أبى بذل الجزية وأبى الصغار، أو مثلاً ذكر الله أو رسوله بسوء، فهذه الجرائم إذا ارتكبها فنقض بها عهده ثم أسلم بعد ذلك، هنا يحرم قتله، لا نخطر في ذلك، قال: «فإن أسلم حُرّم قتله ولو كان سب النبي ﷺ».
الآن إخواني، في موجة هذه الشتائم أو الرسوم للنبي ﷺ، جاء هذا الحكم فيما يتعلق بالذمي. الذمي إذا كان من أهل الذمة وبقي ذميًا لكنه يسب النبي ﷺ، هذا يقتل بلا نزاع. أما إذا كان ذميًا سب النبي ﷺ ثم أسلم قبل أن يقدر عليه، فهذا فيه خلاف؛ هل يقتل ولا يقتل؟ الحنابلة يقولون: الذمي إذا سب النبي ﷺ فقد انتقض عهده والأصل أن نقتله لسبه للنبي ﷺ، وفي ذلك نظر لما قالوا: أين يخير؟ ولماذا قال «كالأسير»؟ ليظهر أن هذا لا ينطبق على من سب النبي ﷺ.
لكن عمومًا، الذمي إذا سب النبي ﷺ ثم أسلم، المذهب عندنا أنه لا يقتل. شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أنه لا يقتل، يقول شيخ الإسلام -وبتكلم عنه باعتباره أحد أعمدة المذهب- شيخ الإسلام يقول: لا، حتى الذمي إذا سب النبي ﷺ ثم أسلم فإنه يقتل حدا لشرع الإسلام، لكنه يقتل حدا.
بخلاف الحربي؛ الحربي إخواني إذا سب النبي ﷺ في أثناء كفره -يعني هؤلاء الكفار ببلاد الغرب لو أحدهم سب النبي ﷺ في أثناء كفره ومحاربته للإسلام ثم تاب وأسلم ورجع إلى هذا الدين- فإنه لا يقتل إجماعًا، لأنه الكافر الحربي يتصور أنه ليس تحت قدرة أهل الإسلام، ويتصور من الكفار الحربيين أن يكونوا قد شتموا النبي ﷺ. وهذا وقد وقع حتى من بعض الصحابة قبل أن يسلموا أن قد يضرب ما ذكر النبي ﷺ بسوء أو شتمه، ثم أسلموا خاصة من مسلمة الفتح، بعضهم كان يهجو النبي ﷺ في أشعاره وأسلموا، وقبل النبي ﷺ إسلامهم وتجاوز عنهم.
فمن هنا عرف الفقهاء أن الكافر الحربي إذا كان ممن يشتم النبي ﷺ ثم تاب وأسلم وعاد إلى الله، فإن تقبلت توبته. أما الذمي فقد وقع فيه خلاف؛ المذهب عندنا الذمي إذا نقض عهده بسب النبي ﷺ، فإنه إذا أسلم هل تقبل توبته ولا يقتل؟ يقولون نعم، إذا أسلم الذمي حُرّم قتله ولو كان سب النبي ﷺ.
فالذمة إذا باختصار؛ إذا نقض عهده بمخالفة من المخالفات ثم أسلم يحرم على الإمام أن يقتله، ولو كانت مخالفة سب النبي ﷺ. وإنما يقتل إذا كانت جريمته التي نقض بها عهده جريمة قتل لمسلم؛ فهنا سيقتل قصاصًا وليس لنقض العهد، أو الذي يظهر لي إذا كان زنا بمسلمة وهو محصن، فهنا سيرجم تطبيقًا للحد عليه، ولكن ليس لنقضه للعهد.
هذا يعمم الكلام والله تعالى أعلم. وهذا نهاية كلامنا في باب الجهاد، وهكذا انتهينا من قسم العبادات. أسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا وأن يتقبل منا هذا الجهد. هي رحلة أظن تسعة وخمسين محاضرة في كتاب العبادات، وبإذن الله نشرع في رحلة أخرى في باب المعاملات والأنكحة والشهادات.
أظن إخواني أنتم ترون العلم ليس بالشيء السهل بمعنى أنه يؤخذ باليومين، خاصة علم الفقه؛ علم الفقه من علوم المقاصد. هذا علم يجلس فيه السنوات، ومثل هذا الكتاب كان مشايخنا يدرسونه في السنتين والثلاث. بعض الطلاب يظن أننا نسير ببطء، نحن إخواني نسابق في سير هذا الكتاب، حقه أن يجلس معه سنتان أو ثلاث سنوات، لكن نحن نحاول أن نسرع ما يمكن إسراعه، ولكن ليس على حساب الفهم والعلم؛ لأن المقصود هو أن يتعلم الإنسان أحكام دينه، وأن تصبحوا -إن شاء الله- فقهاء بحق وليس ادعياء للأسف كالدراسة الجامعية الهزيلة.
تكونوا فقهاء بحق، درستُم مذهبًا من أكمله، عرفتم كيف تفكرون، كيف يفكر مثلاً بالسادة الحنابلة، نظرتهم للمسائل تتوسع مدارككم. والله المسئول أن ينفع بنا وأن يغفر ذنوبنا وأن يغفر زلاتنا وأخطاءنا، هذا جهد مقل، ونلتقي في محاضرة قادمة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل