دخولتسجيل الدخول

الدرس 58 - أحكام الغنيمة والفيء

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية. يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وصلى وسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمه الله تعالى على مذهب سادة الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم. في المحاضرة السابقة أحبائي شرعنا في كتاب الجهاد، فعرفنا مفهوم الجهاد في سبيل الله وأنه قتال الكفار خاصة، وعرفنا أن الأصل في الجهاد أنه فرض كفاية؛ إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإذا تحقق فرض الكفاية في الأمة أصبح الجهاد بعد ذلك تطوعاً عند تحقيق صور فرض الكفاية التي تكلمنا عنها.

ما بعد ذلك يكون تطوعاً، لكن المصنف رحمه الله عليه لم يشر إلى الحالات التي يصبح فيها الجهاد فرض عين، وإن كان في أصله فرض كفاية؛ فإذا تحقق فرض الكفاية أصبح تطوعاً، يعني القدر الزائد على فرض الكفاية يكون تطوعاً. لكن هناك حالة ثالثة يكون فيها فرض عين، وهذه الحالة الثالثة هي التي لم يتكلم عنها الشيخ مرعي رحمه الله تعالى عليه، وسأبينها اليوم في مطلع هذه المحاضرة، ونكمل الفصول التي بقيت معنا في كتابه الجهاد؛ فسأتكلم متى يصبح الجهاد فرض عين، لأنه تكلم عن فرض الكفاية وتكلم أن ما زاد عن فرض الكفاية تطوع، لكنه لم يشر لقضية فرض العين.

طبعاً تكلمنا أيضاً عن مفاهيم مهمة في كتاب الجهاد، تكلمنا عن مفهوم الرباط في سبيل الله وأحكامه، وتكلمنا عن مفهوم الهجرة ومتى تكون واجبة ومتى تكون سنة، وتكلمنا أيضاً عن بعض المسائل التي تتعلق بأحوال أولاد الكفار؛ أولاد الكفار الذين يكونون في بلاد الإسلام، سواء الذين أخذناهم سبياً من المعارك أو الذين نشأوا في بلاد الإسلام، متى يحكم عليهم بحكم آبائهم في الكفر؟ ومتى يحكم عليهم بأنهم مسلمون؟

طبعاً وعرفنا أن هذا الحكم، أن يحكم على أولاد الكفار بأنهم مسلمون أو كفار، إنما هو من حيث الحكم الدنيوي وما يترتب على ذلك من أحكام دنيوية، أما الحكم الأخروي وما يتعلق بأولاد الكفار فهذه مسألة طويلة اختلف فيها العلماء في مسائل الاعتقاد على سبعة أقوال، وكثير منهم توقف في حكمهم، والتوقف فيهم أمر رشيد؛ لشدة تجاذب الأدلة وعدم ظهور شيء يقيني في ذلك، فالأصل أن يتوقف في حالهم والله تعالى أعلم.

لكن المهم كما وعدتكم، سأتكلم عن الأحوال التي يصبح فيها الجهاد فرض عين، ثم أشرع في فصل هذا اليوم. إخواني عند الحنابلة رحمه الله، وأكثر أهل العلم يقولون، يصبح الجهاد فرض عين في أحوال معينة؛ الأصل أنه فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، لكنه تحول إلى فرضية العين في أحوال معينة.

ما هي هذه الأحوال؟ أولاً: كل إنسان حضر صف القتال أصبح الجهاد في حقه فرض عين، كل إنسان حضر صف القتال، والمراد كل إنسان ممن هو أهل للجهاد، هكذا يقول الحنابلة، وبعضهم يعبر: كل إنسان ممن هو أهل لفرضية الجهاد، ليخرجوا بذلك المرأة والصبي ومن كان في حكمهم. فإذا حضر صف القتال ممن هو أهل للجهاد والقتال، أصبح الجهاد في حقه فرض عين حتى لو كان ابتداءً فرض كفاية.

كيف يعني يا شيخ؟ يعني عرفنا أن الإمام يبعث في كل عام جيشاً من المسلمين ليقاتل الكفار في عقر دارهم، فإذا أرسل الإمام جيشاً من المسلمين ليقاتل الكفار في عقر دارهم وصل هذا الجيش إلى تلك الديار، في طوال هذه المرحلة الجهاد كان فرض كفاية على المشاركين. الآن إذا اصطف الصفان وحان وقت المعركة، أصبح الجهاد فرض عين على كل مقاتل من مقاتلي المسلمين، ولا يجوز له الآن أن ينسحب ويقول: والله الحمد لله الجيش فيه كفاية، أنا أنسحب والجهاد في حقي تطوع. ونقول: لا ما ينفع، إذا كنت تريد أن تنسحب ابتداءً ما دام فرض الكفاية متحققاً، لكن بما أنك شاركت في فرض الكفاية ووصلت إلى مرحلة التقاء الصفين، لا لك الآن أن تتخلف، وأصبح الجهاد في حقك من فرض كفاية إلى فرض عين.

لأنه إخواني أي شخص ينسحب في هذه الساعة العصيبة عند التقاء الجيوش، هذا في الحقيقة يخذل أهل الإسلام ويضعفهم ويلقي الوهن في قلوبهم. فنحن ابتداءً قلنا لو كان الجهاد فرض كفاية وأنت شاركت فيه وذهبت إلى أرض العدو، بمجرد أن يلتقي الصفان، صف أهل الإسلام وصف أهل الكفر، سيتحول الجهاد في حق هذا المقاتل المسلم إلى فرض عين، ولا يجوز له الآن أن ينسحب في حال من الأحوال. إلا اللهم كما قلنا إذا كان عدد الكفار أكثر من مثلي المسلمين، هذه قضية تطرقنا في المحاضرة السابقة.

فإذاً من حضر صف القتال ممن هو أهل للجهاد فإن الجهاد في حقه فرض عين، حتى لو كان أصلاً الجهاد في حقه تطوعاً، يعني ممكن الجيش يذهب ويصل ويتحقق بهم فرض الكفاية فيأتي شخص بعد ذلك متطوع يلحق الجيش، إذا لحق الجيش تطوعاً وجاءت ساعة القتال والتحم الصفان، لا يجوز له أن يتخلف الآن وأصبح في فرض عين أيضاً. فمن حضر صف القتال فالجهاد في حقه فرض عين ولا يجوز له أن يتخلف إن كان ممن هو أهل للجهاد.

الحالة الثانية: قالوا إذا حاصر بلده العدو. كل إنسان مسلم حاصره عدو، جاء الأعداء الآن هم الذين هاجمونا، لاحظ الآن الأعداء هم الذين هاجموا وحاصروا بلداً مسلماً، هنا يصبح الجهاد فرض عين على أهل هذه البلدة أن يدافعوا عنها. فإن لم يستطيعوا بأنفسهم أن يقاوموا جيش الكفار، انتقل فرض العين إلى القرى التي حولهم، فإن لم تستطع القرى التي حولهم أن تساندهم في دفع هذه الصائلة من الكفار، انتقل إلى القرى الأبعد، وهكذا قالوا حتى يعم فرض العين كل بلاد الإسلام؛ إذا وصلنا لمرحلة أننا احتجنا إلى كل بلاد الإسلام أن تشارك في دفع العدو الصائل، يصبح الجهاد فرض عين على الجميع.

فهو إذا فرض عين على البلدة المحاصرة، فإن لم تستطع هذه البلدة بنفسها أن تدفع الصائل، فالقرى التي حولها تدخل معها في فرض العين. فإن لم تستطع القرى التي حولها أن تدفع الصائل، سيتوسع فرض العين حتى يمكن أن يشمل جميع بلاد الإسلام لنستطيع رد هذا العدو.

وهذا الجهاد يسمى جهاد الدفع، ولذلك مر معنا في المحاضرة السابقة أن هناك نوعين من الجهاد، وإياكم أن تضيعوا هذه المفاهيم في زمن كثر فيه المميعون ممن يتصدرون لتعليم العلوم الشرعية. الجهاد نوعان: جهاد طلب، وجهاد دفع. جهاد الطلب أن نطلب العدو في ديارهم، وهذا مر معنا في المحاضرة السابقة أنه صورة فرض الكفاية. وأما جهاد الدفع، فإذا جاء العدو وحاصر بلدة، فإن هذا الدفع فرض عين على أهل هذه البلدة، ثم قد يتوسع فرض العين بحسب شدة هذا العدو وقدرة أهل البلدة على رده أو عدم رده.

الحالة الثانية: إذا حاصر بلدة عدو فأصبح الجهاد عليه فرض عين. الحالة الثالثة: إذا احتيج إليه في القتال ولو كان هذا المسلم بعيدًا عن أراضي القتال. كيف يعني؟ يعني إخواني شخص مسلم عنده مهارات قتالية عالية، أو أفكار قتالية عالية، أو خطط استراتيجية للقتال عالية، ولا يوجد مثله في بلاد الإسلام، ففي بلدة من البلدان جاء العدو فحاصرها. هذه البلدة المسلمة هي في الحقيقة تستطيع أن تدفع هذا العدو بنفسها، لا تحتاج إلى مشاركة بلدان أخرى معها، لكنها تحتاج إلى عقل استراتيجي يخطط لها هذه المعركة، ويعلمها مثلا حرب العصابات أو كيف تواجه هذا العدو الصائل.

فالآن هذا العقل الاستراتيجي لا يوجد إلا في مسلم يقيم بعيدًا جدًا عن هذه البلدة. يقول العلماء: هذا المسلم الذي يقيم بعيدًا عن هذه البلدة أصبح الجهاد في حقه فرض عين؛ أن يأتي من أقاصي الأرض ليشارك إخوانه في رد كيد الأعداء أو في رد العدو الصائل، مع أنه واحد لكن احتيج إليه. هذا الشخص مميز في فكره، في قيادته، في تخطيطه، فهذه البلدة تقول: نحن لا نريد جيوشًا، نحن نريد أفكارًا استراتيجية، نريد فلان وفلان، نحن نحتاج إليهم في القتال لندفع العدو. فإذا احتيج إليهم في القتال أصبح الجهاد في حقه فرض عين، ممتاز، وإن كان ابتداءً هو ابتداء أهل البلدة، اتفقنا يستطيعون دفع العدو بأنفسهم، لكن هذا الشخص بحد ذاته لماذا أصبح في حقه فرض عين؟ لأنه احتيج إليه. وهذا عموم؛ يعني في أي قتال احتيج فيه إلى مسلم، أي قتال تحتاجه فيه إلى مسلم أصبح القتال في حق هذا المسلم فرض عين وليس فرض كفاية، إذا احتيج إليه في القتال ولو كان بعيدًا.

رابعًا: إذا استنفره من له أن يستنفره. الآن بشكل عام الذي يستنفر المسلمين للجهاد في سبيل الله هو الحاكم المسلم، أو نائبه من يقوم مقامه في الأقاليم. فإذا الحاكم المسلم أو من يقوم مقامه في الأقاليم استنفر مسلمًا معينًا أو مجموعة من المسلمين، أصبح الجهاد في حقهم فرض عين؛ الحاكم أو من ينوب منابه إذ استنفر مسلمًا أو مجموعة من المسلمين للقتال، فأصبح الجهاد في حق هؤلاء الذين استنفروا فرض عين وليس فرض كفاية ولا تطوع، فرض عين عليهم أن يلبوا ويطيعوا في هذا.

إذا هذه الأحوال الأربع أحبابي التي يصبح فيها الجهاد فرض عين على المسلم: أولًا إذا حضر هذا المسلم صف القتال والتقى صف الإسلام مع صف الكفر. ثانيًا إذا حاصره أو حاصر بلده عدو أصبح الجهاد في حقه وفي حق أهل بلدته فرض عين. ثالثًا إذا احتيج إلى هذا المسلم المعين في القتال لأمر يتعلق به أصبح في حقه فرض عين. رابعًا إذا استنفره الحاكم المسلم أو نائب القتال أصبح في حقه فرض عين. هكذا نكون عرفنا أن الجهاد قد يكون فرض كفاية وهو الأصل، وما زاد عن فرض الكفاية تطوع، ويمكن أن يتحول فرض الكفاية إلى فرض عين. جمعنا كامل الصورة بإذن الله.

دعونا اليوم نكمل رحلتنا في كتاب الجهاد، فقال رحمه الله: فصل جديد يقول: «ومن قتل قتيلاً في حالة الحرب فله سلبه». والآن سيعرف ما هو السبب، فقال: «وهو ما عليه»، أي ما على هذا العدو المقتول من ثياب وحلي وسلاح، وكذا دابته التي قاتل عليها وما يوجد عليها من آلة. هذا المراد.

ما هذه المسألة أحبابي؟ هذه المسألة تسمى مسألة السلب. إذا الجندي المسلم -أحبابي ركزوا معي- إذا الجندي المسلم قتل جنديًا كافرًا، أو صورة أخرى لم يذكرها الشيخ: أو اثخنه جراحًا، يعني جرحه جروحًا قاتلة لكن لم يمت من هذه الجراح، ثم جاء مسلم آخر فأجهز عليه. إذا جندي مسلم قتل جنديًا كافرًا في أثناء المعركة، أو اثخنه في الجراح إثخانًا مميتًا لكن لم تزهق روحه إلا بشخص آخر مسلم أجهز عليه، في كلا هاتين الحالتين هذا المسلم الجندي المسلم الذي قتل هذا الكافر أو اثخنه بالجراح له الأحقية شرعًا في أن يأخذ سلب هذا الجندي الكافر المقتول.

ماذا يعني سلبه؟ عرفه لكم؛ أن يأخذ ما على هذا الجندي الكافر المقتول من ثياب، يأخذ ثيابه حتى ولو تركه عاريًا، يأخذ الحلي التي عليه إذا كان هذا الجندي عليه حلي يأخذ ما عنده، يأخذ سلاح هذا الجندي المقتول، يأخذ الدابة التي يركبها -ركزوا- الدابة التي يركبها هذا الجندي المقتول ويأخذ ما على هذه الدابة من سلاح وآلة، يعني إذا كانت هذه الدابة عليها آلات، وخاصة في الزمن القديم مثل الجمل يكون عليه مثلاً سرج ويكون عليه لجام ويكون معه زمام، ويكون هناك آلة لقيادته، فيأخذ آلة هذه الدابة باختصار.

هذا هو السبب؛ إذا أنا كجندي مسلم قتلت جنديًا كافرًا أو اثخنته جراحًا لدرجة أنه قرب يموت لكن جاء واحد أجهز عليه غيري، في هذه الصورة الثانية إذا أثخن جندي مسلم جنديًا كافرًا، فسلب هذا الكافر يكون للمثخن الجارح وليس للذي أجهز عليه؛ لأنه فعليًا أنا الذي أثخن هذا الشخص حتى أصبح عاجزًا عن الحركة، وذاك الجندي المسلم الآخر يعني فقط كمل عليه، جاء بعد أن استوت الطبخة كما يقولون. فلذلك الحنابلة يقولون: إذا قتل الجندي المسلم جنديًا كافرًا في أثناء -وستعرفون لماذا أركز على في أثناء- الحرب، أو اثخنه جراحًا، فإن هذا الجندي المسلم يحق له شرعًا أن يأخذ سلب هذا الكافر. ما المراد بسلبه؟ قالوا: ما على هذا الكافر المقتول من ثياب وحلي.

وسلاح والدابة التي يركبها هذا الكافر، والآلة التي تحتاجها هذه الدابة، الآلة التي تحتاجها هذه الدابة لقيادتها. فقال: وكذا دابته التي قاتل عليها، وما عليها من آلة. هكذا عبر الشيخ ابن عوف: ما عليها من آلة تقاد بها.

الآن أحبابي، نعود لفكرة: لماذا اشترطت أن يكون في أثناء الحرب؟ قلت: إذا قتل الجندي المسلم جندياً كافراً أو أثخنه في أثناء الحرب. الحنابلة يفرقون بين الجندي المسلم -انظروا هذا المثال- الجندي المسلم لو رأى جندياً كافراً قبل الحرب، وجده مثلاً وهو يجهز عدته، أو وجد الجندي المسلم جندياً كافراً يأكل طعام الغداء أو طعام الإفطار، يعني ليس في أثناء الحرب، فهذا الجندي المسلم قال: والله هذول الكفار قاعدين يتغدوا أو يأكلوا طعام الإفطار، خليني أرمي سهم، أو اليوم بالسلاح "آر بي جي" أجيبهم كلياتهم في الأرض، فرم "آر بي جي" ووضعهم كلهم في الأرض.

الآن، هل هذا الجندي المسلم قتل هؤلاء الكفار أثناء المعركة، ولا قتلهم وهم يتناولون طعام الغداء أو الإفطار أو هم يستريحون؟ بالتالي ليس له أن يأخذ سلبهم، وليس له أن يكون سببهم غنيمة للمسلمين؛ يكون هذا السلب الذي عرفناه الآن غنيمة، هذا حكمه يوضع مع الغنيمة ولا يختص به هذا الجندي المسلم الذي قتلهم.

متى الجندي يستطيع أن يختص بالسلب ولا يوضع مع الغنائم، بل يأخذه مباشرة لحاله الشخصي؟ إذا كان قتله لهؤلاء الكفار في أثناء حرب. فلذلك الشيخ مرعي دقيق لما قال: «ومن قتل قتيلاً في حالة الحرب»، ليقول لك إنه إذا قتلت القتيل الكافر، الجندي الكافر، وهو يستريح وهو يتناول طعام الغداء أو العشاء، أو في أي حالة ليست في حالة الحرب؛ طبعاً يجوز لك أن تقتله، إذا قتلت الجندي الكافر غير المستأمن في غير حالة الحرب، يعني ليس في ساحة النزال، فسلبه لا تأخذه أنت أيها الجندي، بل تضعه مع الغنيمة يقسم مع الغنيمة في النهاية. تستحق أن تتسلب إذا قتلت هذا الجندي أو اثنتين في حالة الحرب فقط، فتستطيع أن تأخذ سلبه الذي ذكرناه.

لكن يقول الحنابلة: طيب كيف يثبت هذا الجندي المسلم لقائد المسلمين، لقائد الجيش، أنني أنا الذي قتلت هذا الكافر؟ بعد نهاية المعركة، الجندي المسلم سيكون معه سلب أو سيطالب القائد المسلم: "أعطني سلب هذا الكافر المقتول"، فالقائد المسلم سيقول له: "اثبت لي أنك أنت قتلته". فهنا الحنابلة يقولون: لابد وأن يأتي هذا الجندي المسلم بالبينة ليثبت أنه هو الذي قتل هذا الكافر، فيأتي على طريقة القضاء، قالوا: برجلين، أو برجل وامرأتين، أو برجل ويمينه، يسمونها «رجل ويمين المدعي» كما سيأتي معنا إن شاء الله في كتاب القضاء؛ فهو مخير إما أن يأتي برجلين، أو برجل وامرأتين، أو برجل واحد ويمينه.

فإذا ثبت للقائد المسلم البينة بالشهود أن هذا الجندي المسلم قتل هذا الكافر المعين، حينئذ مباشرة يأخذ سلبه ويعطيه للجندي ولا يوضع في الغنيمة. وهذا في الحقيقة فيه تشجيع للمسلمين وتحفيزهم على القتال أكثر وأكثر. أنت كقائد جيش، لما تعطي هذا الحكم للجيش وتقول لهم: أنتم تعرفون أن أي واحد يقتل جندياً من الكفار فالشريعة تعطيه سلبه، الآن سيصبح هناك تنافس؛ بحيث كلما قتل مسلم جندياً كافراً أخذ سلبه، وهذا يزرع التنافس بينهم. فبعضهم قد يأخذ سلب عشرين مقاتل، وهذا كما يروى عن أبي طلحة الأنصاري أنه قتل عشرين رجلاً في إحدى الغزوات فأخذ سلبهم جميعاً، لاحظوا ثروة جيدة يحوزها الجندي المسلم كلما قتل أكثر وأكثر من جنود الكفار.

هذه الفكرة التي تدور حول مسألة السلب. لكن قال: «وأما نفقته ورحله وخيمته وجنيبه فغنيمة». هناك أمور معينة تكون مع الجندي الكافر المقتول لكنها لا تعتبر سلباً. ما هي؟ قال: نفقته؛ لو كان معه أموال نقدية ينفق منها على نفسه. ورحله؛ يعني أمتعته، مثلاً هو كان جايب أمتعة وشوية أثاث، فهذه الأمتعة والشناطي والحقائب التي معه والتي فيها بضاعة ليست سلباً بل تكون غنيمة.

ونفقته ورحله وخيمته وجنيبه؛ "الجنيب" هي الدابة التي تأتي مصاحبة للدابة التي يركبها، بعض الجنود وخاصة في الزمن القديم يكون معه فرس راكب وله جنبه احتياطاً، في حال أن الفرس الذي ركبه أصيب يركب الفرس الآخر، فالفرس الآخر الذي هو الجنيب هذا أيضاً ليس سلباً بل يوضع في الغنيمة. فنفقة الجندي المقتول ورحله أي أمتعته، وخيمته وجنيبه، هذه الأربعة لا توضع مع السلب، بل على الجندي المسلم أن يسلمها غنيمة للمسلمين.

إذاً ما هو السلب؟ السلب كما قلت لكم إخواني هو الشيء الذي يكون على الجندي الكافر المقتول: الثياب التي عليه، فقال: «ما عليه من ثياب»، بالتالي لو في ثياب موجودة في رحله هذه لا يأخذها سلباً، وكذلك الحلي؛ لو في حلي في رحله هذه لا تؤخذ سلباً، والسلاح الذي يمسكه، فالأسلحة لو كان معها أسلحة حاطة في الرحل هذه ليست سلباً، وكذلك الدابة التي هو راكبها، فالدابة الأخرى معه لا تعتبر سلباً.

فلذلك عليك أن تفرق بين ما يكون عليه وما يكون في رحله. فما كان في رحله من نفقة وثياب وأمتعة وحلي وخيمة ودواب أخرى، هذه كلها غنيمة. السلب فقط هو الشيء الذي عليه لحظة القتل، لذلك قال: «ما عليه»، يعني ما عليه عندما قتلته؛ اللي عليه من سلاح، من حلي، من ثياب، من دابة، هذه تأخذها. غير ذلك الأشياء التي في أمتعته ورحله وخيمته وكل شيء ليس عليه، فهذا يذهب غنيمة للمسلمين.

بعد أن انتهينا من السلب، دعونا ننتقل إلى مفهوم الغنيمة. الغنيمة أحبابي -وإن كان الشيخ لم يعرفها لكن نتطرق سريعاً إلى تعريفها- الغنيمة هي كل ما أخذ من مال حربي قهراً بقتال وتوابعه. وأعيد: كل ما أخذ من مال حربي ليس لمستأمن ولا لذمي، كل ما أخذ من مال حربي قهراً بقتال وتوابع. الآن سنبين لكم ما معنى توابعه؟ المهم، دعونا نأتي للتعريف سريعاً: كل ما تأخذه من مال حرب. كلمة مال تعني كل ما هو متمول، فأخرج الأمور غير المتمولة التي لا قيمة لها في الشرع مثل الخمر والخنزير.

فلو أخذت أنت من الحرب خمراً أو خنزيراً فهذه لا تسمى مالاً؛ لأنها غير متقومة شرعاً، ليس لها قيمة في الشرع. فلا بد أن يكون الذي أخذته مالاً، وما ليس بمال هو ما ليس متقوماً شرعاً، كالاشياء المحرمة من الخنزير والخمر والمعازف وما شابه ذلك، هذه لا تعتبر غنيمة لأنها ليست مالاً أصلاً.

ما أخذ من مال حرب؛ بالتالي لو أخذت من مال ذمي أو مستأمن أو معاهد، هذا لا يسمى غنيمة ولا يجوز ذلك. ما أخذ من مال حربي قهراً، قوله قهراً أراد أن يخرج به في الحقيقة ما تركه الكفار من أراضٍ وما شابه ذلك فزعاً من المسلمين، وسنأتي إلى هذا، وهذا لا يسمى غنيمة بل يسمى فيئاً.

فلو أن جيشاً مسلماً خرج، وقبل أن يصلوا إلى العدو ترك العدو البلدة وكل ما فيها وغادر، المسلمون إذا لم يقاتلوا وإنما العدو لما سمع بمجيء المسلمين فروا من أراضيهم وتركوا كل ما فيها، فهذا النوع من الأراضي التي تركها الكفار فزعاً من المسلمين لم تؤخذ منهم قهراً وإنما تركوها فزعاً، فهذه لا تعتبر غنائم، فستأتي معنا إن شاء الله في باب الفيء، ستعتبر من نوع آخر من أنواع الأمور التي تؤخذ في المعارك أو الجهاد تسمى فيئاً.

هناك فرق بين مفهوم الغنيمة ومفهوم الفيء؛ فالغنيمة لا بد أن تؤخذ قهراً، لا بد وأن تؤخذ بقتال. إذاً ما أخذ من مال حربي قهراً يكون من خلال القتال وليس بواسطة قضاء أو ما شابه ذلك، لا أخذ بقتال وتوابع. والمراد بتوابعه أو ما يلتحق بالغنيمة فداء الأسرى؛ لو أن المسلمين أسروا أسرى وعرفنا أن الحاكم في قسم من الأسرى هو مخير فيهم بين المان أو أخذ الفداء بين أمور أربعة ذكرناها أو الرق أو القتل، فلو أن إمام المسلمين قرر أن يأخذ الفداء، إذاً هذا الفداء الذي سيؤخذ من الأسرى لا يذهب لخزينة الدولة أو بيت مال المسلمين، كلا، فداء الأسرى يوضع في الغنيمة أيضاً لأنه نتاج هذه المعركة، فهو من حق الجنود الذين قاتلوا. ففداء الأسرى الذي يأخذه الحاكم من الأسرى هو جزء من الغنيمة وليس لبيت مال المسلمين.

كذلك قالوا لو أن الحربيين الكفار أهدوا لأمير الجيش أو لغيره من الجنود هدية في دار الحرب، يعني المسلمون غزوا الكفار في ديارهم، الكفار حتى لا يصبح قتال أو يخسروا أو ما شابه ذلك أرادوا أن يستجلبوا أطراف المسلمين، فجاء مثلاً أمير الكفار فأهدى إلى أمير المسلمين أو لقائد الجيوش أو ما شابه ذلك هدية، أو لبعض الجنود هدية. إذاً هذه الهدايا التي يهديها الحربيون للقائد المسلم أو لأحد قادته أو للجندي المسلم توضع في الغنيمة؛ لأن سببها المعركة، هم لم يعطوك الهدية من باب المحبة التي بينك وبينهم، إنما أعطوك الهدية حتى تكف عنهم، تالي هذه الهدية إنما جنيتها من المعركة فعلياً أو بسببها فتوضع في الغنائم.

إذاً هذه التوابع: فداء الأسرى، وما يهدى إلى أمير الجيش مما يهدي الكفار الحربيون إلى أمير الجيش أو لغيره من الجيش في دار الحرب، يعني في بلادهم وليس في بلادنا، فهذه تعتبر غنيمة من الغنائم. ما أخذ من مال حربي قهراً بقتال وتوابعه ما يلتحق به من الفداء والهدايا.

الآن هذه الغنيمة كيف تقسم؟ سنأتي إليها إن شاء الله، هي تقسم إلى خمسة أخماس؛ خمس نعرف أين سيذهب، وأربعة أخماس هي التي توزع على المجاهدين المقاتلين، لذلك قال: «وتقسم الغنم بين الغانمين»، ويعطى لهم أربعة أخماس، فبالتالي ستقسم إلى خمسة أخماس، أربعة أخماس ستذهب للمقاتلين وخمس آخر سيوزع على خمسة أقسام وسنأتي إليهم.

إذاً قالوا: «وتقسم الغنيمة بين الغانمين فيعطى لهم أربعة أخماسها، للرجل سهم، وللفارس على فرس هجين سهمان، وعلى فرس عربي ثلاثة، ولا يسهم لغير»، ثم قال: «ويقسم الخمس الباقي على خمسة أسهم: سهم لله ورسوله».

ركزوا معي في بعض الجزئيات؛ قبل أن يتم تقسيم الغنيمة إلى خمسة أخماس، يجب على أمير الجيش أن يقوم بالخطوات التالية، اكتبوها: أولاً: يعطي السلب إلى مستحقيه، فيقوم القائد المسلم فيقول: «يا جماعة أيها الجنود من له سلب؟ من قتل قتيلاً في حال المعركة أو أثقله جراحاً؟»، فيقول مثلاً فلان: «أنا»، فيقول الحاكم: «ائت بالبينة»، فعليك أن تأتي بالشهود، إذا أثبت ذلك تأخذ السلب، فيخلص أولاً من السلب.

ثانياً: يرد على كل مسلم أو معاهد حقه من هذه الغنيمة إن عرفه. إخواني ممكن يكون الكفار قد سرقوا أو أخذوا من أموال بعض المسلمين أو من أموال بعض المعاهدين الذميين، سرقوها وأخذوها وذهبوا بها إلى ديارهم، فلو أننا شاركنا في غزوة وقاتلنا الكفار ولما جمعنا الغنيمة -سبحان الله- مثلاً كانوا الكفار أخذوا فرساً أو سيارة أو دبابة لشخص معين، ولما انتهت الغزوة وانتصرنا وأخذنا الغنائم وجدنا هذه الدابة التي كانوا سرقوها من زيد أو من عمرو أو من خالد، إذا عرفت أن هذا الحصان الذي غنمناه هو حصان زيد من المسلمين سُرق منه والكفار والحمد لله استرجعناه، هل يوزع غنيمة؟ كلا، يرجع إلى صاحبه. كذلك مثلاً سيارة سرقها الكفار منا أو دبابة سرقوها منا ولما انتهت المعركة غنمناها وعرفنا أنها لزيد أو لعمرو، فإنها ترد إلى صاحبها ولا توزع غنيمة. فالثاني: على الحاكم المسلم أن يرد على كل مسلم أو معاهد ما له في الغنيمة إن عرف وثبت أنه هذا مال لشخص مسلم أو شخص معاهد سُرق منه أو نُهب منه، فنردها له ولا نقسمها غنيمة.

ثالثاً: يقوم الحاكم المسلم أو قائد الجيش بدفع أجرة الحفاظ والذين جمعوا الغنائم، الآن الذين سيحفظون الغنيمة ويجمعونها قاموا بوظيفة، فيجب أن يعطوا أجرتهم على هذه الوظيفة من جمع الغنيمة وحفظها.

أخيراً: يجب عليه أيضاً أن يدفع أجرة لكل من قدم مساعدة أو مصلحة للمسلمين في المعركة، كل إنسان حتى قد يكون كافراً.

قدم مساعدة أو مصلحة للمسلمين، ساعدتهم في المعركة، يعطيه الحاكم المسلم أجرة باجتهاده، طبعًا من هذه الأموال المجموعة من هذه الغنيمة. إذاً هذه أربعة أمور قبل أن تقسم الغنيمة إلى خمسة أسهم: أولًا إعطاء السلب لأصحابه، ثانيًا رد الأموال إن عرفت إلى أصحابها، ثالثًا دفع أجرة الذين حفظوا وجمعوا الغنيمة، رابعًا دفع أجرة من ساعد المسلمين أو قدم لهم مصلحة في أثناء المعركة ممن ليس من أهل القتال، يعني أو لم يشارك معنا في المعركة، وقد يكونوا حتى من الكفار.

ممتاز، بعد أن يتم إعطاء كل هذه الأمور إلى مستحقيها، نبدأ بتقسيم الغنيمة إلى خمسة أقسام؛ أربعة منها سيذهب للجيش، وخمس سيقسم هو بحد ذاته إلى خمسة أسهم. إذاً عندنا غنيمة ستقسم إلى خمسة أخماس، أربعة منها يذهب للجيش وخمس لن يذهب للجيش، وأين سيذهب به؟ هناك خمس سيقسم هو بحد ذاته إلى خمسة أسهم ذكرها الله في كتابه.

نبدأ بالأربعة أخماس تبعت الجيش. قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41]. توزع هذه الأربعة أخماس أحبابي على النحو التالي: عندنا الجنود، إما جنود من سلاح المشاة، وإما جنود لهم أحصنة أتوا بها للمعركة، طبعًا الأحصنة أحصنتهم الشخصية وليست أحصنة للدولة المسلمة.

انتبهوا لأن بعض الناس يخطئ، المراد بالأحصنة أحصنة المقاتل الشخصية، أما إذا كان الحصان حصانًا للدولة المسلمة أو دبابة للدولة المسلمة، فهذه ليس عليها شيء، يعني لا يستحق صاحبها جزءًا من العطاء عليها. فإذا الجنود عندنا في الفقه كانوا إما إنسانًا أتى على رجليه (سلاح المشاة)، وإما إنسانًا أتى بدابته الشخصية، والدابة هنا الفرس لا غير، الفرس يعني الحصان لا غير، فلا يدخل الجمل أو الحمير أو غيرها من الدواب، إنما الأمر مقصور على الفرس.

لكن الفرس سينقسم، هناك فرس هجين، يعني هجين ليس عربيًا خالصًا، عربي وغير عربي، هجين يعني فرس عربي تزوج من غير العربي. وهنا طبعًا يقول الشيخ ابن عثيمين: الفرس الهجين هي ما كانت أمه فقط عربية، أمه عربية وإلا ففحله لم يكن عربيًا.

إذن الجنود، نعيد نقول: إما جندي على قدمه، وإما جندي على فرسه. الآن الجندي الذي على قدمه (سلاح المشاة) يعطى سهمًا واحدًا من الغنيمة، عندنا أربعة أخماس يعطى منها سهم. وأما الفارس الذي جاء على فرسه، فهذا يعطى إذا كان فرسه هجينًا سهمين، وإذا كان فرسه عربيًا أصيلًا، يعني هذا الفرس أمه وأبوه عربيين، فهذا يعطى ثلاثة أسهم؛ سهم له وسهمان لفرسه.

إذن الجندي إما أن يأخذ سهمًا، أو سهمين، أو ثلاثة أسهم إذا كان من سلاح المشاة سهمًا، وسهمين إذا كان على فرس هجين، وثلاثة أسهم إذا كان على فرس عربي أصيل. لكن كما اتفقنا لا يسهم لغير الخيل، لذلك قال: «ولا يسهم لغير الخيل»، يعني لو كان جايًا على جمل أو على حمار، لا بنعطيه إلا كما نعطي سلاح المشاة، فالذي أتى على جمل أو على حمار أو على أي دابة غير هذا لا يعطى، ركزوا، لا يعطى إلا كما يعطى سلاح المشاة؛ يعطى سهمًا واحدًا، فلا يسهم لغير الخيل.

طيب، لو أن شخصًا يا شيخ له فرسان في المعركة، يعطى على كل فرس؛ إذا كان الفرس هجينًا له سهم خاص به، وإذا كان فرسًا عربيًا أصيلًا للفرس العربي الأصيل سهمان خاصان به. بالتالي إخواني، بدي أفترض أنا شخص شاركت ومعي فرس عربي أصيل، الآن سهم لي وسهمان للعربي الأصيل. طيب لو شاركت في المعركة ومعي فرسان، سهم لي وسهمان للفرس الأول وسهمان للفرس الثاني، وصرت آخذ خمسة أسهم.

لكن اكتبوا هذا الكلام: لا يؤخذ على أكثر من فرسين، فلو كان معي أكثر من فرسين في المعركة لا يعطيني الحاكم المسلم إلا بمقدار فرسين فقط. يعني لو عندي عشرين فرسًا أنا مشاركهم في هذه المعركة، أعطى فقط لفرسين، فبالتالي أكثر شيء يمكن أن يحصله الجندي كغنيمة أن يحصل خمسة أسهم، أن يكون سهم له وسهمان لفرس عربي أصيل وسهمان لفرس عربي أصيل آخر.

غير ذلك لا يأخذ من الغنيمة بكونه محاربًا، يمكن يعطى لأمور أخرى لكن ليس على تقسيمة الغنائم، يعطى أنه كونه سريًا أو مصلحة أو أن الحاكم شافه بذل مجهودًا كهدية، يعني لكن كتقسيم غنائم أكثر شيء يمكن يحصله الإنسان خمسة أسهم، إذا كان مقاتلًا ومعه فرسان عربيان أصيلان. طيب لو كان مقاتلًا ومعه فرس هجين وفرس عربي أصيل، بتقول له سهم للفرس الهجين وسهمان للفرس العربي الأصيل، بالتالي أربعة أسهم في هذه الحالة.

هكذا هي الطريقة إخواني في تقسيم الغنائم، فقال: «لا يسهم لغير الخيل»، وعندكم «ولا يسهم بأكثر من فرسين فقط». ثم قال الآن بده يعطيك فائدة أنه من الذي أصلًا يأخذ الغنيمة أو يستحق مفهوم الغنيمة من سلاح المشاة ومن الذين يركبون الأحصنة، فقال: «ولا يسهم إلا لمن فيه أربعة شروط». يعني أصلًا الغنيمة لا توزع على المقاتلين إلا المقاتلين الذين استكملوا أربعة شروط.

ما هي؟ البلوغ، فإذا لم يكن بالغًا لا يؤخذ من سهم الغنيمة. العقل، فالمجنون لا يأخذ من سهم الغنيمة. والحرية، فالعبد حتى لو شارك في القتال لا يأخذ من سهم الغنيمة. رابعًا الذكورة، فالنساء حتى شاركن في القتال لا يأخذن من سهم الغنيمة.

طيب، واللي لا يأخذون شيئًا أبدًا يا شيخ؟ قال: «فإن اختل شرط رضخ له». الرضخ هو جعل أو سميها هبة أو هدية يقدمها الحاكم المسلم لأي شخص اختل فيه شرط من الشروط الأربعة. لذلك قال: «فإن اختل شرط رضخ له ولا يسهم». بالتالي البلوغ، فإذا كان صبيًا وشارك في المعركة لا يأخذ سهمًا من الغنيمة لكن يعطى رضخًا، رضخ يعني جعل هدية.

كذلك العقل، فإذا كان شخصًا مجنونًا فرض شارك في المعركة، الحاكم المسلم يعطيه هدية لكن لا يعطيه سهمًا. العبد لو شارك في المعركة يعطيه هدية، وفي النهاية العبد هديته لسيده. والذكورة، بالتالي المرأة لو شاركت في المعركة فإنها لا تأخذ من السهام مثل الرجال وإنما تؤخذ رضخًا، يعني تأخذ هدية يعطيها لها الحاكم المسلم بتقديره طبعًا بحسب الشيء الذي قدمه.

لذلك يقول بعض العلماء: هو العطاء من الغنيمة، لكن علينا أن نعرف أن هذا الرضخ أو هذا العطاء الذي سيعطى يجب أن يكون أقل من قيمة السهم. هذا هو الأصل، فلا ينفع أن يكون الرضخ أعلى من قيمة السهم الذي سيحصل عليه الرجل، مثلاً من سلاح المشاة. فالرضخ اسمه رضخ، يعني يبقى عطاءً أو هدية، لكنها لا تصل في قيمتها لقيمة السهم الواحد.

إذاً شروط استحقاق الغنيمة أصالة، سواء كان الإنسان من سلاح المشاة أو من السلاح الراكبين، أن يكون: بالغاً، عاقلاً، حراً، ذكراً. إذا نقص شرط من هذه الشروط فإنه يرضخ له ولا يسهم. وعرفنا أن الرضخ عطاء أو هدية يعطى الصبي أو المرأة أو العبد أو المجنونة، لكنها لا تصل في قيمتها إلى قيمة السهم.

ثم قال الآن هذه الأربعة أخماس، عرفنا أنها تذهب للبالغ العاقل الحر الذكر، وعرفنا من الذي يرضخ لهم، وعرفنا كيف تقسم السهام على العقلاء البالغين الذكور الأحرار؛ للرجل سهم، وللفارس بحسب فرسه. فإذا كان الفرس هجيناً له سهم وله سهم لفرسه، وإذا كان الفرس عربياً أصيلاً فله سهم وسهم لفرسه، ولا يقسم لغير الخيل من الحيوانات، ولا يقسم لأكثر من فرسين.

وأما الخمس المتبقي، فقد عرفنا أن أربعة أخماس راحت غنيمة، حيث وزع أربعة أخماس من الغنيمة، فهذا هو المفهوم الصحيح؛ أربعة أخماس من الغنيمة راحت للمقاتلين، وبقي هناك خمس منها. هذا الخمس الأخير سيقسم إلى خمسة أسهم، لا يذهب للمقاتلين، بل يقسم إلى خمسة أسهم.

قال: سهم منها، لاحظوا خمس الغنيمة المتبقي سيقسم هو إلى خمسة: واحد، سهم لله ولرسوله. السهم الذي لله ولرسوله هو السهم الذي يصرف في مصالح المسلمين. اكتبوا: هو السهم الذي يصرف في مصالح المسلمين. ولاحظوا كيف النظام الإسلامي يحرص دائماً أن يزود بيت مال المسلمين أو ميزانية الدولة بالأموال والموارد، فكما أن الجنود المقاتلين لهم النصيب الأكبر من الغنيمة، لكن لا نريد أن ننسى موارد الدولة الأساسية التي فيها قيام الدولة والحضارة، فسهم الله ورسوله يوسع مصالح المسلمين.

اثنين، لذلك ماذا قال؟ ويقسم الخمس الباقي خمسة أسهم: واحد، سهم لله ولرسوله يصرف مصرف الفيء، يتعامل معه كما يتعامل مع الفيء. كيف يتعامل مع الفيء؟ الفيء يصرف في مصالح المسلمين، فسهم الله وسهم رسوله -وهنا هو سهم واحد طبعاً- يصرف في مصارف الفيء أيضاً أو مصالح المسلمين.

اثنين، سهم سيذهب لذوي القربى، وركزوا؛ ذوي القربى في كتاب الجهاد هم بنو هاشم وبنو المطلب، بينما ذوي القربى في كتاب الزكاة هم بنو هاشم فقط. إذاً أحبابي مر معنا في كتاب الزكاة أنه لا يجوز إعطاء الزكاة لذوي القربى، وعرفنا أن ذوي القربى هناك هم بنو هاشم فقط، أما في كتاب الجهاد فانتبهوا الأمر أوسع. في كتاب الجهاد لما قلنا إن هناك سهماً يعطى لذوي القربى، المراد بذوي القربى ليس بنو هاشم فقط، بل بنو هاشم وبنو المطلب؛ لأن هذين الفرعين هما اللذان دخلا مع النبي ﷺ في شعب أبي طالب عندما حاصرته كفار قريش، فالنبي ﷺ حفظ هذا المعروف لهذين الفخذين، بنو هاشم وبنو المطلب، فأعطاهم من الغنائم سهماً خاصاً بهم.

ففي الغنائم كما قلنا أربعة أخماس للجيش، والخمس سيقسم إلى خمسة أسهم: سهم لله ورسوله، هذا يصرف في مصالح المسلمين، وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب حيث كانوا. طبعاً الآن هذا السهم سيذكر فيه فوائد؛ السهم الذي يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب هذا يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين كما هو الحال في الميراث، يوزع على الذكور والإناث من بني هاشم وبني المطلب على قاعدة: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾. هذه افهموها الفائدة.

ثالثاً، السهم الثالث يكون سهماً للفقراء اليتامى، أو لفقراء اليتامى. والمراد باليتيم من هو؟ هو كل من لا أب له ولم يبلغ بعد، أي طفل ليس له أب ولم يبلغ. أما إذا كان ليس له أم وله أب، فهذا لا يسمى يتيماً، يسمى لطيماً هكذا في اللغة؛ فاللطيم هو الطفل الذي فقد أمه، وأما اليتيم فهو الطفل الذي فقد أباه. فالطفل الذي فقد أباه ولم يبلغ هذا يسمى يتيماً سواء فقد أمه أو لم يفقدها. فإذا كان هذا اليتيم فقيراً له سهم، أما إذا كان اليتيم غنياً فليس له سهم، لذلك قال: وسهم لفقراء اليتامى.

السهم الذي يليه هو سهم للمساكين. وسهم للمساكين، لا ننتبهوا أحبابي، في كتاب الزكاة كان الفقير يختلف عن المسكين، فكنا نقول الفقير هو من يجد أقل من نصف الكفاية، والمسكين هو من يجد نصف الكفاية فأكثر لكنه لم يصل إلى الكفاية التامة. أما في كتاب الجهاد فالمسكين يدخل تحت الفقير، فالمسكين هو كل من لم يجد تمام الكفاية سواء وجد نصفها أو أكثر من النصف أو أقل من النصف. فاكتبوا: المسكين هنا يشمل الفقير الذي ذكرناه في كتاب الزكاة؛ أما في كتاب الزكاة فهناك فرق بين المسكين والفقير، أما هنا فلا فرق.

ثم قال: وسهم لأبناء السبيل. عرفنا من هو ابن السبيل سابقاً: المنقطع عن بلده. وعرفنا أحكامه في كتاب الزكاة؛ المنقطع عن بلده الذي لا يجد مالاً يعود به أو يصل به إلى مقصده. فإذا كان يريد أن يسافر إلى مقصد معين فإنه يعطى ما يوصله إلى هذا المقصد ويرده إلى بلده، وإذا كان يريد العودة إلى بلده يعطى من المال ما يرده إلى بلده.

المهم هذه خمسة أسهم: سهم لله ولرسوله وهذا يقسم في مصالح المسلمين، سهم لذوي القربى بنو هاشم وبنو المطلب، سهم لفقراء اليتامى، سهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. إذاً الغنيمة أحبابي تقسم إلى خمسة أخماس بعد أن يعطي الحاكم السنن ويرد الحقوق إلى أصحابها ويعطي أجرة الحافظين وأجرة الذين ساعدوا المسلمين. يقسم الغنيمة خمسة أقسام: أربعة أخماس للجنود، وعرفنا كيف تقسم هذه الأربعة أخماس على الجنود، ومن الذي يستحقها، وطريقة التوزيع، والخمس الأخير ينقسم إلى خمسة أسهم: سهم لله ولرسوله، سهم لذوي القربى، سهم لفقراء اليتامى، سهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. هكذا عرفنا مفهوم الغنيمة وأحكامها باختصار.

المذهب الآن لمفهوم آخر من مفاهيم الأموال المتعلقة بكتاب الجهاد، ألا وهو مفهوم الفيء. فقال: ﴿وَأَمَّا الْفَيْءُ﴾، والفيء هو ما أخذ من مال الكفار بحق، لكن من غير قتال. هذا الفرق الأساس بين الغنيمة والفيء؛ ما أخذ من أموال الكفار بحق وليس بالظلم، لكن من غير قتال، بخلاف الغنيمة التي ما أخذ من مال الحربيين قهراً بقتال. فهذا فرق جوهري إذن بين مفهوم الغنيمة ومفهوم الفيء. فالفيء لا يطلق إلا على هذا النوع من الأموال حقيقة. كل مال أخذ من...

كفار بحق ليس بظلم ولم يؤخذ بقتال. وهذا يدخل تحته مجموعة من الأموال، هذا الفيء يدخل تحته مجموعة من الأموال؛ قال مثل الجزية، فالجزية التي تؤخذ من أهل الذمة -وسنأتي إلى أحكام أهل الذمة إن شاء الله- الجزية هذا شكل من أشكال الفيء.

اثنين الخراج. فالخراج أحبابي الذي يفرض على الأراضي، الخراج الذي يفرض على الأراضي هو شكل من أشكال الفيء. طبعاً أنا سأبين بعد قليل أنواع الأراضي التي يستولي عليها المسلمون والكفار وأحكامها، وسأبين لكم أحكام الخراج المتعلقة بها؛ لأن الخراج هنا في الحقيقة يقصد به نوع معين من الخراج، الخراج في هذا الباب الذي يسمى فيء هو نوع معين من الخراج، يقصدون به ما يؤخذ من الأراضي التي صالح عليها الكفار على أن تكون لهم، ويدفعون عليها خراجاً مستمراً، كأنه أجرة مستمرة للمسلمين.

سنأتي إن شاء الله أن هناك أراضٍ يصالح عليها المسلمون الكفار على أن تكون هذه الأراضي للكفار ملك لهم، ويدفعون أجرة مستمرة للدولة المسلمة. هذا الخراج الذي يدفع من هذه الأراضي هو الذي يسمى فيئاً فعلياً.

- يا شيخ، يعني هو في خراج يؤخذ من غير هذه الأراضي؟ - نعم، سنأتي إن شاء الله لأحكام الأراضي الآن، وإن كان شيخنا لم يتطرق لها أيضاً.

إذاً الجزية، الخراج، وعشر التجارة من الحرب ونصف العشر من الذمي. الآن من الأحكام المتعلقة -أخي إخواني وأحبابي- بالنسبة للكفار وعلاقة الدولة المسلمة بهم؛ يقول الحنابلة: الكفار إذا كانوا ذميين، يعني بيننا وبينهم عقد الذمة، فهؤلاء إذا تاجروا في بلاد المسلمين، الدولة المسلمة تأخذ منهم نصف العشر مقابل السماح لهم بالتجارة في بلادنا. وأما إذا كان الكفار حربيّين، يعني لا يوجد بيننا وبينهم عقد ذمة، بينما العلاقة بيننا وبينهم هي علاقة حرب، فهذه العلاقة التي تحكمنا معهم، فلو استأذنونا في أن يتاجروا في بلادنا هؤلاء الحربيون، فإننا يمكن أن نأذن لهم بحسب المصلحة ونأخذ منهم عشراً على التجارة.

فإذاً الكفار الذين يتاجرون في بلاد المسلمين، الدولة المسلمة تأخذ منهم نصف العشر إن كانوا ذميين، وتأخذ منهم عشراً كاملاً إن كانوا حربيّين وسمح لهم بالتجارة في بلادنا. فهذه العشر ونصف العشر أيضاً أين يذهب بها؟ ليس لجيب المسؤولين وكما يفعل اليوم للأسف في المكوس التي تفرض على المسلمين وتذهب إلى جيب فلان وفلان، لا، هذه الفرائض التي تفرض من العشر ونصف العشر على الكفار تذهب إلى الفيء، والفيء مصرفه مصالح المسلمين.

إذاً الجزية، الخراج، عشر التجارة من الحرب ونصفها من الذمي، والأراضي التي تركوها فزعاً، وما تركوه فزعاً وخوفاً منا -الآن سآتي إليه إن شاء الله- هذه الأراضي التي تركوها فزعاً وخوفاً منا سنأتي إليها ونعرف إن شاء الله الأحكام المتعلقة بها، وأنه عليها أيضاً خراج، لكن خراجها مختلف عن الخراج السابق.

﴿وَمَا تَرَكُوهُ فُزَّعًا﴾، أو عن ميت. ما معنى ميت؟ يعني شخص من الكفار مات في بلادنا ولا يوجد من يرثه من الكفرة، المال الذي تركه هذا يا إخواني سيذهب لبيت مال المسلمين. شخص من الكفار مات في بلادنا ولا يوجد من يرثه من الكفار، ماذا نفعل به؟ قالوا تعتبر تركته أيضاً، لذلك قال: ﴿وَمَا تَرَكُوهُ فُزَّعًا﴾، أو ما يؤخذ عن الميت ولا وارث له. فهذه أموال الفيء، لماذا سمي فيئاً؟ لأنه يعود إلى بيت مال المسلمين.

إذاً: الجزية، الخراج على الأراضي التي صالحوا على أنها لهم ويدفعون عنها خراجاً (أجرة سنوية)، ثالثاً: الأعشار التي تؤخذ في حالة التجارة؛ عشر من الحرب ونصف العشر من الذمي، الأراضي التي تركوها فزعاً وخوفاً، وأخيراً: ورثة الكافر الذي مات في بلادنا ولا وارث له.

جيد، هذه تسمى أموال الفيء، وأعرفوا مصرف الفيء؛ هذا لا يوزع كغنيمة بل مصرفه في مصالح المسلمين، ويبدأ بالأهم فالأهم في مصالح المسلمين. على الحاكم المسلم أن يصرف هذه الأموال في الأهم فالأهم بحسب قرار مجلس الحل والعقد أو المجلس الوزاري أو اللجنة الاستشارية، هم الذين يقدرون ما هو الأهم فالأهم: من سد ثغور المسلمين واحتياجاتها من المقاتلين والأسلحة، وأطعمة لحماية الحصون والحدود، وكفاية أهل الثغور؛ لأن حراس الحدود لا بد أن نكفيهم لأنهم هم السياج الذي يحمي بيضة هذه الأمة.

وحاجة من يدافع عن المسلمين، نسد أيضاً حاجة من يدافع عن المسلمين عموماً من غير أهل الثغور، لأن أهل الثغور عرفنا أننا نريد سد ثغورهم بالأسلحة والاحتياجات وبدنا نسد حاجتهم من الطعام والشراب وما شابه ذلك، وبرضه هناك مقصد في سد حاجة أهل الثغور؛ لماذا؟ اعتبرها الحنابلة من أوائل المصالح أنه نحن نخشى يا إخواني أن أهل الثغور بعضهم يضعف إيمانه فيصبح يتعاون مع الاستعمار أو مع الكفار، يذل لهم بالدخول إلى بلاد المسلمين، يعني يخون بلاد المسلمين لضعف إيمانه، فنحن نقول لهم يا أهل الثغور خذوا هذه الأموال واشبعوا واحْموا لنا الثغور، الله يجزاكم الخير وما حدا يخون، فها هي من الأفكار المهمة أيضاً ومن المقاصد الشريفة.

إذاً: سد الثغور، كفاية أهل الثغور، كفاية حاجة من يدافع عن المسلمين من غير أهل الثغور كالجيوش الموزعة وما شابه ذلك، عمارة القناطر، والقناطر ترى أحبابي هي الجسور التي تبنى فوق المياه والبحار في مناطق الشوارع، هذه الجسور مهمة ويحتاجها الناس، ورزق القضاة والفقهاء.

القضاة والفقهاء في الدولة المسلمة لاحظوا الفكر الاستراتيجي؛ الفقيه العالم هذا ليست وظيفته أن يذهب من الصباح للمساء يأخذ راتب ثلاثمئة أو أربعمئة دينار في مدرسة خاصة يذهب بها علمه ويضيع بها عمره ونفقد كل ما عنده من معلومات لأنه يلهث خلف لقمة العيش. الفقيه هو العالم هذا يحترم في الدولة المسلمة، ونعطيه راتباً مستمراً من بيت مال المسلمين على أنه يدرس في المساجد والمعاهد ويفقه الناس ويصنف ويؤلف، هكذا كان الفقهاء والقضاة يحترمون. أما نحن للأسف في وقتنا الحاضر، حتى لو كان عالماً للأسف يذهب يعمل في أقل الوظائف وفي أضعفها ولا يأخذ راتباً يكفيه ويكفي عياله، فيضيع علمه في أمور لا تجلب خيراً على المسلمين أو في أمور بسيطة جداً بدلاً من أن تستثمر طاقته. فالقضاة والفقهاء كان لهم رواتب من الدولة المسلمة، وهذا من أوجب الواجبات.

قال: وغير ذلك يعني من المصالح التي تنظر فيها الدولة المسلمة، قال: فإن فضل شيء...

بعد أن نتصور أنه تم صرف وسد كل حاجات الدولة المسلمة، وبقي زائد في بيت مال المسلمين، قال: «فإن فضل شيء»؛ أي بعد سد كل هذه الحاجات، يقسم بين أحرار المسلمين، غنيهم وفقيرهم. لاحظ يقسم على أحرار المسلمين، على الأحرار وليس على العبيد، الغني والفقير إذا قُسم بين أحرار المسلمين، غنيهم وفقيرهم.

قال: «وبيت المال ملك للمسلمين». طبعًا أحبابي، ممكن البعض يقول: ليش الفيء يا شيخ يقسم بين الأحرار الأغنياء والفقراء؟ ليش ما يعطى للفقراء فقط؟ إخواني، الفقراء لنا ولهم مصارفهم أو دخلهم الخاص الذي يأتيهم في الدولة المسلمة من الزكاة. أما الفيء، فهذا مال يستحق كل مواطن مسلم له سهم منه، وليس خاصًا بالفقراء؛ الفيء الذي يؤخذ من الجزية والخراج وما شابه ذلك، هذه الأموال هي لكل حقل، فيها حق لكل مواطن مسلم، ولا يجوز أن أحصر حقها فقط في الفقير، حتى الغني له مساهمات في الدولة المسلمة، فالأصل أن أعطيه وأنظر إليه في قضية الفيء.

الفقراء لهم مصارف كثيرة، أعطيناهم من الخمس سهمًا، وأعطيناهم من الزكاة سهمًا، فلهم كثير في مصارف تتعلق بهم، لكن في الفيء لا أعطيهم فقط وأترك الأغنياء، بل أعطي الأغنياء وأعطي الفقراء؛ لأن هذا الفيء كما قالوا أمر مشترك يشترك فيه جميع المواطنين المسلمين في الدولة المسلمة، فيجب أن يُعطى جميع المواطنين المسلمين، غنيهم وفقيرهم. الفقراء لهم مداخل أخرى تأتيهم بشكل مستمر من الزكاة ومن الخمس وما شابه ذلك، فهذه خاصة بهم، أما الفيء فهذا ليس خاصًا بالفقراء، بل هو يشمل كل مواطن مسلم، حق مشترك للجميع، فلا يجوز أن نحرم منه حتى المسلم الغني.

ثم قال: «وبيت المال ملك للمسلمين يضمنه متلفه». بيت المال هذا ليس ملكًا للحاكم، وليس ملكًا لوزارة أو جماعة معينين، بيت مال المسلمين ملك لعموم المسلمين، يضمنه متلفه؛ يعني أي إنسان مسلم يتلف منه أي شيء يضمنه، ويحرم الأخذ منه بلا إذن الإمام. فالإمام ليس مالكًا، وإنما هو مسؤول، هو أجير مسؤول عن حمايته، فينبغي أن تستأذن هذا الأجير المسؤول الموكل لحماية هذا الباب أو لحماية هذا المال.

فنحن لما نعقد عقدًا على إمام أن يكون إمام المسلمين، من وظائف هذا الإمام التي تعاقدنا معه عليها أن يحمي بيت مال المسلمين ويحفظه. فبما أننا اتفقنا مع الحاكم المسلم: يا حاكم، أنت وظيفتك من وظائفك أن تحرص بيت مال المسلمين وتحفظه، أنت المسؤول عنه، وأي واحد يريد أن يأخذ منه يجب أن يستأذنك. فنحن الذين أعطينا الحاكم هذه الصلاحية أن يحرس بيت المال، وأعطيناه الحق في الاستئذان حينما يؤخذ من هذا البيت، فلذلك يحرم الأخذ منه بلا إذن الإمام.

الآن بهذا نكون قد أنهينا الأحكام المتعلقة بالفيء، لكن أريد أن أرجع أتكلم عن موضوع الأراضي، وأنواعها في الفقه الإسلامي. الأراضي التي يحصلها المسلمون من خلال الجهاد والقتال ثلاثة، اكتبوا عندكم: الأراضي التي يحصلونها ثلاثة.

النوع الأول منها: الأراضي التي فتحت عنوة بالسيف، يعني قاتلنا عليها حتى فتحناها قتالًا، فهذه الأراضي الإمام مخير فيها بين أمرين: إما أن يضمها إلى الغنيمة فتطبق عليها أحكام الغنيمة في تقسيمها، إما أربعة أخماس للمقاتلين وخمس له، وإما أن يختار الحاكم المسلم باجتهاده أن يوقفها، لا يضعها مع الغنم، ويقول: أنا أريد أن أوقفها وأن أفرض عليها خراجًا مستمرًا يؤخذ ممن ستكون هذه الأرض في يده يزرعها ويستصلحها، سواء كان مسلمًا أو ذميًا.

أعيد: الأراضي التي يفتحها المسلمون عنوة، الحاكم المسلم له الحق في الاجتهاد فيها، فنقول له: أنت مخير، إما أن تضعها في الغنيمة وتقسم تقسيم الغنيمة، وإما أن توقفها وتقول: أنا لا أريد أن أجعلها غنيمة، أريد أن أوقفها وأفرض عليها خراجًا مستمرًا يأخذه من الدولة المسلمة ممن ستكون هذه الأرض في يده. هي ليست ملكًا له، نحن نعطيك هذه الأرض لكن يجب أن تدفع خراجًا مستمرًا، كأنه أجرة مستمرة، سواء كان الذي سيعطى هذه الأرض يستفيد منها وينتفع بها مسلمًا أو ذميًا، يدفع لنا خراجًا، أي أجرة كل سنة، وإذا رفض أن يدفع نسحب هذه الأرض منه ونعطيها لشخص آخر يقبل الدفع، لأنه لا يوجد مجال لعدم القبول، فنحن لم نملكها لك، هذه أراضي وقف للمسلمين، ونعطيك إياها أيها المسلم أو أيها الذمي تستفيد منها وتدفع لنا خراجًا كل سنة.

طبعًا كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أراضي العراق والشام ومصر حينما افتتحها، رفض أن يوزعها، بل قال: هذه أراضي أريد أن أوقفها، لا أريد أن يمتلكها أحد معين وتصبح للجيش المجاهد فقط، وبعد ذلك الأجيال القادمة لا تجد لها موطن قدم، قال: لا، لا أريد أن أملكها للقاتلين، أنا أريد أن أوقفها للمسلمين، فأوقفها وفرض عليها خراجًا مستمرًا كل سنة، أي واحد يريد أن يأخذ منها قطعة وينتفع بها، مسلمًا كان أو ذميًا، يدفع سنويًا لبيت مال المسلمين أجرة، وهذه الأجرة هي شكل من أشكال الخراج يؤخذ من المسلم أو الذمي.

النوع الثاني من الأراضي: ما جلاه عنه الكفار خوفًا وفزعًا منا، وربما أشرت إليها قبل قليل؛ الأراضي التي يهرب منها الكفار من دون أن نقاتلهم، لم نصل إليهم بعد، بل هربوا منها وتركوها فزعًا وخوفًا من الجيش المسلم. هذه إخواني فيها خلاف في المذهب، حقيقة في منتهى الإرادات للشيخ الفتوحي تبعًا للمرداوي في التنقيح المشبع، قال: هذه الأراضي أيضًا حكمها حكم أراضي العنوة، ليس حكم الغنيمة، بل يخير فيها الإمام المسلم بين أن يجعلها غنيمة، وبين أن يوقفها ويفرض عليها خراجًا مستمرًا ممن هي في يده، مسلمًا كان أو كافرًا.

أما الإقناع للشيخ الحجاوي فقال: لا، هذه الأراضي سأتبع فيها المرداوي في الإنصاف، وطبعًا كذلك للمقنع ابن قدامة، حيث يقول الحجاوي في الإقناع تبعًا للمقنع والإنصاف: هذه الأراضي التي ذهب وتركها أهلها...

فزعا وخوفا منا، هذه مباشرة تصبح أراضي خراجية. الحاكم المسلم يوقفها ويفرض عليها خراجا مستمرا يؤخذ ممن هي في يده، مسلما كان أو ذميا، وليس للحاكم المسلم أن يجعلها غنيمة.

إذا فالأراضي التي هرب منها الكفار خوفا من الجيش المسلم هناك خلاف في المذهب؛ رأي المنتهى يقول هي كأراضي العنوة، للحاكم أن يجعلها غنيمة وللحاكم أن يوقفها ويفرض عليها خراجا لمن يكون في يده ينتفع منها، مسلما أو ذميا. أما الإقناع فيقول لا، هذه أراضي دائما ستكون أراضي خراجية ليس للحاكم أن يجتهد فيها، بل بمجرد الاستيلاء عليها تصبح أراضي خراجية ويفرض عليها خراجا لمن ستكون في يده، مسلما أو ذميا.

هذا النوع الثاني من الأراضي هو ما جلا عنه الكفار خوفا منا. والنوع الثالث: الأراضي التي صلح عليها. إذا عنا الأراضي الأولى أراضي فُتحت عنوة بقوة السيف، والأراضي الثانية أراضي هرب منها الكفار قبل أن نصلهم خوفا منا، والأراضي الثالثة هي الأراضي التي صار صلح بيننا وبين الكفار عليها؛ أي الجيش المسلم حاصر منطقة، استعصت عليهم أو الكفار قالوا: بدنا نعمل صلح معكم أيها المسلمون، فوافقنا على الصلح.

هذا الصلح، الأراضي التي صلح عليها نقسمها إلى (أ) و(ب). (أ) ما صالح عليه الكفار على أن تكون للمسلمين، أي ملك للدولة المسلمة، هذه الأراضي فيها خلاف؛ ما حكمها؟ ينطبق نفس الخلاف السابق، ففي المنتهى قال: هذه الأراضي مثلا مثل أراضي العنوة، الحاكم يخير فيها بين أن يجعلها غنيمة وبين أن يوقفها ويفرض عليها خراجا. أما الإقناع فقال: لا، هذه أراضي مباشرة فيها الخراج، وليس للحاكم أن يجتهد فيها. هذه بالنسبة للأراضي التي صالح عليها الكفار على أن تصبح ملكا للدولة المسلمة.

النوع الثاني (ب): ما صالح عليه الكفار على أن يبقى لهم، أي أن تكون هذه الأراضي ملك للكفار لكنهم يدفعون خراجا مستمرا سنويا للمسلمين. هذه ما فيها مجال، هذه باتفاق الجميع هي ملك للكفار، ولكن الكفار مجبرون بموجب المعاهدة على أن يدفعوا خراجا، يعني أجرة سنوية للدولة المسلمة.

طبعا هذا الخراج الذي يدفعه الكفار عن هذه الأراضي للدولة المسلمة هو مقابل فرض الجزية عليهم؛ نقول لهم: نحن خلاص ما راح نفرض جزية عليكم، راح نفرض عليكم خراجا مستمرا تدفعونه للدولة المسلمة، وهذه الأراضي ستبقى لكم.

الآن هذا النوع الأخير من الخراج هو الذي يسمى شيئا بالتحديد؛ لأنه ما هو تعريف الفيء أحبائي؟ نحن قلنا الفيء هو ما أخذ من مال الكفار بحق من غير قتال، بالتالي الخراج الذي يفرض على هذا النوع الأخير من الأراضي هو الذي ينطبق عليه تعريف الفيء؛ أنه هذه أراضي للكفار صالحنا عليها، لكن الكفار سيدفعون لنا سنويا مالا، وهذا المال ينطبق عليه تعريف الفيء: ما أخذ من الكفار بحق من غير قتال. فهذا النوع من الخراج بهذه الأراضي هو الذي يسمى فيئا بالتحديد.

طيب، لماذا؟ الأراضي السابقة يا شيخ؟ الأراضي التي صالحوا عليها على أنها للمسلمين، وعلى رأي الإقناع هذه مباشرة يوضع عليها خراج، وعلى رأي المنتهى الحاكم مجتهد فيها وله أن يفرض عليها خراجا. وكذلك ما فروا منه فزعا من المسلمين؛ على رأي الإقناع هذه أراضي خراجية، والمنتهى أيضا أعطى فيها خلافا، يعني الحاكم المسلم له أن يجتهد فيها وقد يكون اجتهاده يفرض عليها خراجا. كذلك أرض العنوة أنت حكيت الحاكم المسلم قولا واحدا مخير فيها بين أن يجعلها غنيمة أو يجعلها خراجية.

الخراج الذي يؤخذ من أرض العنوة، ومن ما جلا عنه خوفا منا، ومن الأراضي التي صالحوا عليها على أنها لنا؛ لماذا هذا الخراج ما سميته شيئا بالاسم الشرعي؟ قال إن هذا الخراج في الحقيقة ليس مقابل الجزية، هذا الخراج في هذه الأراضي هو خراج بمعنى أجرة، أجرة سنوية تؤخذ على هذه الأرض سواء كانت هذه الأراضي في يد مسلم أو في يد كافر. مش نحن قلنا أراضي العنوة لو الحاكم قرر يجعلها خراجية وكانت في يد مسلم ينتفع فيها، المسلم بده يدفع للدولة المسلمة سنويا، إذا هذا المال الذي أخذناه هو من مسلم، والفيء هو مال يؤخذ من كافر.

بالتالي الخراج المفروض على الأراضي العنوة، أو الأراضي التي فر أهلها فزعا منا، أو الأراضي التي صالحوا عليها على أنها لنا، هذا الخراج هو اسمه أجرة فعليا وليس مقابل الجزية. فبما أنه أجرة وسيؤخذ من المسلم ومن الذمي، يعني أي شخص ستكون الأرض في يده سيدفع مسلما كان أو ذميا، بالتالي لا يسمى شيئا بالمعنى الشرعي الدقيق، وإن كان يضعوها في قوسهم وإن كان يعامل معاملة الفيء في أنه يصرف في مصالح المسلمين، فإنه يصرف في مصالح المسلمين.

فبدكم تفرقوا بين الأموال التي تأتي للخزينة وتعامل معاملة الفيء، مثل الركاز كما مر معنا سابقا ومثل هذا النوع من الأراضي الخراجية، وبين الأموال التي تسمى هي بذاتها شيئا. فعندنا نوعان: هناك أموال ترد لخزينة الدولة من المعارك والجهاد، تعامل معاملة الفيء لكن اسمها ليس فيئا لأنها لا تنطبق عليها مفهوم الفيء الحقيقي، لكنها في النهاية ستعامل معاملته في صرف مصالح المسلمين؛ وبين أموال تأتي وتعامل معاملة الفيء وتسمى فيئا. إذن عندنا أموال تعامل معاملة الفيء وأموال تسمى فيئا.

الأراضي خلينا نختصر المعلومة الآن. الأراضي التي ترد إلى خزينة الدولة من خلال الجهاد والقتال، نخلي نقسمها، نعيد تقسيم الثلاثي أحسن: أراضي العنوة، والأراضي التي فروا فزعا منا، والأراضي التي صلح عليها.

أراضي العنوة عرفنا باتفاق المذهب أن الحاكم مخير فيها؛ إما أن يجعلها غنيمة، أو يوقفها ويفرض عليها خراجا مستمرا. هذا الخراج سيؤخذ ممن هذه الأرض في يده، مسلما أو كافرا، وهو أجرة سنوية تسمى خراجا وتعامل معاملة الفيء وإن لم تكن اسمها فيئا بالمعنى الشرعي؛ لأنها ستؤخذ من المسلم أو من الذمي، من أي شخص الأرض في يده وليس من الكافر فقط.

اثنان: الأراضي التي جروا منها خوفا منا، هذه الأراضي فيها خلاف في المذهب؛ في المنتهى يقول لك الإمام مخير فيها كالعنوة، في الإقناع يقول لك أراضي خراجية مباشرة قولا واحدا، فإذا كانت خراجية سيفرض عليها خراج.

يؤخذ ممن هي في يده، مسلما أو كافرا، ذميا أو غير ذلك. وهذا الخراج بما أنه يؤخذ من المسلم ومن الكافر، فلا يسمى شيئا بالمعنى الشرعي الدقيق، لكنه يعامل معاملة الفيء.

النوع الثاني: الأراضي التي صالحوا عليها، وهذه تنقسم إلى ألف وباء. الأراضي التي صالحوا عليها القسم (أ): ما صالحوا عليه على أنه للمسلمين، وهذه فيها نفس الخلاف الذي في الأراضي التي فروا منها خوفا منا. فالمنتهى يقول: الإمام مخير فيها، والمقناعة يقول: هي أراضي خراجية يضرب خراج يؤخذ ممن هي في يده مسلما أو كافرا. بالتالي الخراج هنا أيضا ليس فيئا بالمعنى الشرعي، وإنما يعامل معاملة الفيء؛ ليس فيئا لأنه يؤخذ من المسلم ومن الكافر.

النوع الثاني، وهو (ب): ما صالحوا عليه على أنه لهم ويدفعون خراجا. هذا الخراج هو ليس أجرة، والحاجة الوحيدة التي يكون فيها الخراج ليس أجرة هي هنا. الخراج هنا مقابل الجزية، ولا يؤخذ إلا من الكفار؛ لأنه صالحوا على أنها ملك لهم، فلا يؤخذ إلا من الكفار.

فلو أن هؤلاء الكفار الذين صالحوا على هذه الأراضي على أنها ملك لهم فرضا، باعوا هذه القطع للمسلمين، المسلم الذي سيأخذ هذه الأراضي لن يكون عليه خراجا؛ لأن عقد الصلح أنه هذه الأراضي تبقى لكم أيها الكفار وتدفعون خراجا مقابل الجزية. هذا الخراج هو الذي اسمه فيء، لأنه يؤخذ من الكفار فقط.

فلو الكفار باعوا هذه الأراضي للمسلمين والمسلمون اشتروها قطعا، كل مسلم يشتري قطعة لا يكون الآن عليه خراج. لماذا لا يكون عليه خراج؟ لأن الخراج الذي كان مفروضا هو فقط مقابل الجزية التي على الكفار، والآن هي أصبحت في يد مسلمة، والمسلم لا تجب عليه جزية، بالتالي يسقط عنها الخراج.

هذا النوع الأخير فقط، لذلك هو النوع الذي يسمى فيئا؛ لأنه هو الذي ينطبق عليه تعريف الفيء: «ما أخذ من مال الكفار بحق من غير قتال». وأما الأنواع السابقة من الخراج فلا يختص بأخذها من الكفار، بل تؤخذ ممن الأرض في يده، حتى لو كانت خراجية مسلما أو كافرا، فلا تسمى فيئا وإن كان الخراج يعامل معاملة الفيء فيها.

أرجو أن أكون وضحت هذه المفاهيم الأساسية على مذهب السيد الحنابلة، رضوان الله تعالى عليه، في التفريق بين أنواع الأراضي: أرض العنوة، والثاني ما جلي عنه أهله خوفا منا، الثالث ما صالحوا عليه وهذا ينقسم نوعين: ما صالحوا عليه على أنه لنا، وما صالحوا عليه لأنه لهم، وكل أرض لها حكمها.

لو أطلت أكثر من ذلك، في المحاضرة القادمة بإذن الله نتكلم في موضوعي الأخير في كتاب الجهاد وهو عقد الذمة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.