دخولتسجيل الدخول

الدرس 57 - كتاب الجهاد، مفهومه ، شروط وجوبه، الهجرة، الأسرى

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقد فيه مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله تعالى عليه، وموعدنا اليوم أحبائي مع الباب الأخير من أبواب العبادات، ألا وهو كتاب الجهاد في سبيل الله.

والجهاد في سبيل الله أحبائي مفهوم ائتلف الناس فيه في وقتنا المعاصر ما بين الجافي والغالي؛ فهناك أناس سلخوا هذا المفهوم من حقيقته وحصروا مفهوم الجهاد في سبيل الله على جهاد النفس، وهو جهاد عظيم، أن تجاهد النفس وتكبحها وتقاوم الشبهات والشهوات هذا شكل من أشكال الجهاد، لكن الجهاد في سبيل الله ليس محصوراً على جهاد النفس فقط، بل هناك جهاد السنان وقتال المشركين والمحاربين لدين الله ورسوله.

هناك أناس جفوا وسلخوا هذا المفهوم عن حقيقته وحصروه في أمور معينة إما اتباعاً لأهوائهم وإما رضوخاً للواقع المؤلم، وفي المقابل هناك أناس غلوا في استعمال هذا المفهوم، فاستعمله البعض للأسف وسيلة لسفك دماء بريئة على وجه لا يرضي الله سبحانه وتعالى، وهذا أيضاً لا نقبله، وإنما نريد المنهج الوسط منهج الاقتصاد والاعتدال، وأن نبين أن هذا الباب وهذا الكتاب، كتاب الجهاد في سبيل الله، باب قائم إلى يوم القيامة لا يبطله شيء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

فلا نقبل الجفاء والابتعاد عن تحقيق هذا المفهوم في حياة المسلمين اليوم، ولا نرضى أن تحمل هذه الكلمة وأن تشوه وأن يحملها من ليس بأهل لها، فالجهاد في سبيل الله لا بد وأن يكون في مقدمته أهل العلم وطلبة العلم، وهذه وظيفتكم أحبابي أن تحملوا هذا اللواء وأن ترفعوا هذا الشعار إلى أن ييسر الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، وأن نكون من جند الله سبحانه وتعالى، وأن يستعملنا الله عز وجل في نصرة دينه وفي تحكيم شريعته وفي مقارعة أعدائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

كتاب الجهاد في سبيل الله يذكره الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم في آخر أبواب العبادات، والجهاد في سبيل الله سأبدأ بشرح ما هو مذهب السادة الحنابلة في مفهوم الجهاد في سبيل الله، كلمة الجهاد في سبيل الله يخصها الحنابلة بمقاتلة الكفار فقط ومحاربة الكفار فقط، هكذا يقولون: قتال الكفار خاصة.

وأما قتال أهل البغي الذين يخرجون على الحاكم المسلم من غير وجه حق، وقتال قطاع الطرق، وقتال الخوارج، فهذا لا يسمى جهاداً من الناحية الفقهية، وإنما يسمى قتالاً فقط، فالقتال كمفهوم أعم من الجهاد، هناك علاقة العموم والخصوص المطلق بينهما، القتال يشمل قتال الكفار، قتال أهل البغي، قتال الخوارج، قتال قطاع الطرق، وأما الجهاد فهو مفهوم خاص بقتال الكفار، ولا يدخل تحته قتال أهل البغي ولا قتال الخوارج ولا قتال قطاع الطرق.

وإن كان قتال هذه الطوائف مثاب صاحبه، بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في شهيد الخوارج الذي يقتله الخوارج بأنهم خير قتلى تحت أديم السماء إلى غير ذلك من الأحاديث في فضل من يقتله الخوارج وما شابه ذلك، لكن نحن نتكلم الآن عن التقييد الفقهي؛ فالجهاد خاص بقتال الكفار، ولو زدنا ابتغاء مرضاة الله يكون جيداً، لأنه إذا كان القتال من أجل سمعة أو رياء أو من أجل عصبية فهذا ليس جهاداً في سبيل الله، وهذا أزيده على تعريف الحنابلة هم لم يقولوه لكنهم يقصدونه، قتال الكفار خاصة ابتغاء مرضاة الله سبحانه.

ما حكم الجهاد في سبيل الله؟ قال: الحكم الأصلي للجهاد في سبيل الله -وهو قتال الكفار- أنه فرض كفاية، ما معنى فرض كفاية؟ هذا من الأحكام التكليفية، فرض الكفاية هو الذي إذا قام به من يكفي، من تحصل به الكفاية، سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم به من يكفي أثمت الأمة حتى يقوموا بأداء هذا الفرض.

قد يقول شخص: كيف أثمت الأمة وفي ناس فيهم لا يستطيعون الجهاد بأنفسهم، كيف هؤلاء يأثمون؟ يقول العلماء الذي يستطيع بنفسه يأثم لأنه لم يجاهد بنفسه، والذي لا يستطيع بنفسه ويستطيع أن يحث الناس بالكلمة أو بالمال أو بالرأي يأثم لأنه لم يشارك في هذا، فليس كل أشكال المشاركة تقتضي المشاركة الجسدية، فقد تكون أنت عاجزاً عن المشاركة الجسدية لكنك تستطيع المشاركة المعنوية بالمال، بالحث، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحث الناس على هذا الباب، فأنت مأمور إما أن تجاهد بنفسك إن كنت مستطيعاً لتحقيق فرض الكفاية، وإما أن تؤز الناس أزاً وتدفعهم وتحثهم إن كنت عاجزاً عن أن تفعل ذلك بنفسك.

سنأتي الآن لنبين فرض الكفاية على من يتحقق؟ لأن هناك بياناً لمن يجب عليه الجهاد في سبيل الله سيأتي بيانه لما يقول ولا يجب إلا على ذكر حر مسلم، فنحن الآن ما زلنا في مرحلة التقعيد العام، ما حكم الجهاد في سبيل الله؟ الأصل فيه أنه فرض كفاية، وسنعرف إن شاء الله أنه يمكن أن يصبح في بعض الصور فرض عين، نعم يمكن وفي بعض الصور يتحول إلى فرض عين إلى درجة أعلى، لكن الحالة الأساسية أنها فرض كفاية.

ما هو تصوير فرض الكفاية للجهاد في سبيل الله؟ يقول الحنابلة تتحقق بعدة أمور، أولاً: أن يرسل الحاكم المسلم إلى ثغور المسلمين من يكفي لإلقاء الرعب في قلوب الكفار حتى لا يهاجموا بلاد الإسلام، هذه أول شغلة، التي هي باختصار حماية الثغور، بالتالي إذا لم يتم سد ثغور بلاد الإسلام بالمحاربين والمقاتلين أثمت الأمة، إذا لم يتم سد هذه الثغور بكفايتها من المحاربين والمقاتلين نحن لم نحقق فرض الكفاية في الجهاد في سبيل الله، إذاً هذه أول صورة من صور فرض الكفاية، سد الثغور بمن يكفي لزرع الرعب ومنع الكفار من التجرؤ على غزو بلاد الإسلام.

الصورة الثانية التي يتحقق فيها فرض الكفاية قالوا: أن يبعث أيضاً الحاكم المسلم في كل سنة جيشاً يغزون العدو في بلادهم، يقول الحنابلة وهذا كلام أستاذ الحنابلة: أن يبعث الحاكم المسلم في كل سنة جيشاً يغزو العدو في بلادهم، لكن يقول الحنابلة يجوز للحاكم المسلم أن يؤخر هذا الغزو في بعض السنوات لمصلحة تعود على الإسلام والمسلمين، ويجوز أن يكثف في السنة الواحدة فيقوم بأكثر من غزوة إذا كان هذا لصالح الإسلام والمسلمين، فحينما نقول إنه من صور فرض الكفاية اللازمة هو أن يبعث الحاكم في كل سنة جيشاً مسلماً يغزو العدو في بلادهم، إلا إذا رأى الحاكم بمشورة أهل الخير والصلاح أن هناك مصلحة في تأخير هذا الأمر هذا العام، أو بالعكس ممكن تكون المصلحة أنه في هذا العام نحتاج إلى أكثر من غزوة فإنه يفعل ما ترتأيه المصلحة، إذا صور فرض الكفاية في هذين الأمرين: أولاً حماية الثغور، ثانياً أن يرسل الحاكم المسلم في كل عام جيشاً يغزو العدو في بلادهم، وهذا الذي نسميه جهاد الطلب.

جهاد الطلب هو أن الحاكم المسلم يرسل جيشاً من المسلمين يطلب العدو في بلادهم، وهذا الذي للأسف كثير اليوم من الكتب المعاصرة وتحت مفهوم الحكمة وتحت مفاهيم كثيرة ولكنها كلها تدل على الضعف والهوان تلغيه، وأصبح الجهاد عند بعضهم فقط جهاد الدفع أن تقاوم عدواً يريد أن يحتل أرضك وهجم عليك فقط، أما جهاد الطلب كثير للأسف من الكتب المعاصرة تلغيه وتقول إنه كان في زمن من الأزمان، لكن في الحقيقة هذا الأمر ليس لأحد أن يلغيه، هذا دين الله، والأئمة الكبار من المذاهب الأربعة قالوا به.

فالإنسان لما يكون يريد أن يتمذهب لا يأخذ من المذاهب ما يشتهي ويوافق هواه ويترك منها ما لا يشتهي، دين الله كامل في كل الجوانب لا نقبل فيه الجفاء ولا نقبل فيه الغلو، هذا أمر يجب أن يفهمه طالب العلم لأن اليوم كثيراً من المفاهيم للأسف تتغير، هكذا يتحقق مفهوم فرض الكفاية في حماية الثغور وأن يرسل الحاكم المسلم في كل عام إلى بلاد الكفار من يغزوهم في بلادهم.

إذا تم تحقيق فرض الكفاية، أي إذا وجد في ثغور المسلمين العدد الكافي لحمايتها أو أرسل الحاكم عدداً كافياً من المسلمين في هذا العام ليغزو العدو في بلادهم، إذا وجد العدد الكافي قيام المسلم الزائد عن هذا العدد بالجهاد في سبيل الله يكون تطوعاً، فالثغور مكفية، فشخص جالس في بيته قال: والله أنا عارف أن ثغور المسلمين مكفية بالجنود، لكن أحب أن أجاهد في سبيل الله، فبدي أذهب إلى ثغور المسلمين وأرابط عندها، ما حكم ذهابه الآن؟ ليس فرض كفاية، وإنما نقول سنة وتطوع، وهو أفضل التطوع، ويأتي في الأفضلية الجهاد في سبيل الله أفضل من العلم وطلب العلم وتعلمه، وأفضل من الصلاة وما شابه ذلك وقيام الليل.

فإذا حصلت الكفاية في ثغور المسلمين وفي غزو العدو في بلادهم، فجاء مسلم زائد على قدر الكفاية يريد أن يشارك في هذا الثواب، فما حكم الجهاد في حقه؟ قال الشيخ مرعي: وهو فرض كفاية، ويسن مع قيام من يكفي به، أي إذا حصلت الكفاية، فالزائد عن قدر الكفاية جهادهم في سبيل الله يكون سنة وتطوعاً وهو أفضل التطوع.

ثم أراد الشيخ مرعي أن يبين فرض الكفاية على من يجب، طبعاً هو الآن يتكلم عن فرض الكفاية على من يجب عليه بنفسه أن يؤدي فرض الكفاية، أنا بينت أن الأمة كلها تشترك، من كان يقدر بنفسه فبنفسه، ومن كان يقدر بماله وبصوته وبروحه المعنوية فهذا عليه أن يشارك بذلك، لكن الفقهاء هنا يتكلمون عن القسم الأول، يعني على من يلزمه بنفسه أن يشارك، أما القسم الثاني فهنا لا يذكرونه تحت المسائل الفقهية إلا بإشارات سريعة، إنه يلزم الجميع لكن من يلزمه أن يحضر بنفسه بحيث يكون فرض الكفاية شاملاً له من هو؟ قال: ولا يلزم إلا الذكر الحر المسلم المكلف الصحيح الواجد من المال ما يكفيه ويكفي أهله من في غيبته، ويجد مع مسافة قصر ما يحمله.

الآن هو يتكلم عمن يجب عليه فرض الكفاية بمعنى من يجب عليه أن يشارك فيه بنفسه، أما القسم الآخر هذا لا يتطرقون إليه عادة في الكتب الفقهية، وهو من يلزمه ليس بنفسه لأنه افتقد أحد هذه الشروط، وإنما يلزمه أن يشارك برأيه أو ماله أو معونته أو نصحه، هذا قسم آخر عليكم أن تنتبهوا إليه ولا تعتبروه أحبائي خارج دائرة فرض الكفاية، أنا أرى أنه داخل تحت دائرة فرض الكفاية لكن بالجانب الذي يستطيع أن يقدمه، فمن انخرم فيه شرط من هذه الشروط التي سنذكرها الآن هذا لا يلزمه بنفسه، يلزمه بطريقة أخرى نعم، لكن بنفسه لا يلزم، ما هي الشروط التي يجب أن تتوفر حتى تكون مشمولاً بفرض الكفاية بأن تشارك بنفسك مباشرة؟ قال: أولاً أن يكون ذكراً.

بالتالي أحبائي، لا يلزمها أن تشارك بنفسها، وليست مشمولة بفرض الكفاية بهذا المعنى؛ إذ لابد أن يكون ذكراً. فأخرج المرأة، وأخرج العبد، والمكلف فأخرج من؟ الصبي غير المكلف والمجنون، ورابعاً: صحيح البدن حتى يستطيع أن يشارك بنفسه.

فأخرج به من؟ قالوا خرج به الأعمى، والأعرج، والمريض، والأشل، وأقطع اليد أو أقطع الرجل، أو من كانت أكثر أصابعه ذاهبة، أو من ذهب من يده أو من رجله ما تذهب به منفعة هذا العضو. كل هؤلاء خرجوا من مفهوم الصحيح، ولا يتحقق فيهم فرض الكفاية بمعنى أنه يلزمهم المشاركة بأنفسهم. إذاً الصحيح يخرج به من كان أعمى أو أعرج أو مريضاً أو أشلاً أو أقطع اليد أو الرجل، أو ذهب من يده أو رجله ما تزول به منفعة هذا العضو، فهؤلاء لا يلزمهم المشاركة بأنفسهم ولا يتحقق فيهم فرض الكفاية بهذا المعنى.

إذاً: ذكر، حر، مسلم، مكلف، صحيح. الشرط السادس أن يكون هذا الذكر الحر المسلم المكلف الصحيح واجد من المال ما يكفيه هو ويكفي أهله في غيبته؛ أن يكون عنده من المال ما يكفيه ويكفي أهله أثناء غيبته. قال الحنابلة: إما أن يكون واجداً فعلاً بين يديه من المال ما يكفيه ويكفي عياله، أو يكون الحاج كم من مسلم تكفل بنفقتهم، ممكن يكون هو ليس واجداً لكن الحاكم المسلم من بيت مال المسلمين تكفل بنفقته وبنفقة عياله في حال غيبته. الوجدان ليس المراد به الوجود الفعلي، هذه إحدى صوره، أما أن يكون واجداً فعلاً فهذه صورة، أو هو ليس واجداً فعلاً لكن الحاكم كفل بالنفقة فهذا أيضاً يلزمه. إذاً نقول: واجد من المال ما يكفيه، اكتبوا: واجد إما بملك حقيقي بين يديه أو ببذل الإمام.

ثم أضاف: وأن يجد مع مسافة قصر ما يحمله. ولاحظوا أهمية معرفة مسافة القصر، لاحظوا كيف انبنت عليها كثير من الأحكام في الجهاد، والزكاة، والصيام، والصلاة، وفي الحج كثير من الأحكام بانت على مسافة القصر. فلما كان بعض الناس يتساهل حقيقة في موضوع مسافة القصر ويظن الخلاف فيها خلاف أن يتعلق فقط بقضية أنه نقصر ولا نفطر، هذا أمر مسافة القصر أمر فقهي عظيم وعميق تنبني عليه كثير من المسائل الشرعية.

فلاحظوا يقول: إذا كانت الغزوة تبلغ مسافة القصر، ومسافة القصر عند السادة الحنابلة مئة وسبعة وثلاثين كيلومتراً على المعتمد، فإذا كانت الغزوة مسافتها مسافة قصر حتى يجب عليك أن تجاهد، ينبغي أن تكون واجداً لما تركب. لذلك الله سبحانه وتعالى عذر البكائين في غزوة تبوك، الذين أتوا إلى النبي ﷺ قالوا: «يا رسول الله، لا نجد شيئاً نركبه»، فالنبي ﷺ أيضاً أخبرهم أنه لا يجد ما يركبهم عليه. قال تعالى: ﴿تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]. أخبر الله سبحانه أن هؤلاء معذورون لأنهم لا يجدون ما يركبون، والمسافة إلى تبوك من المدينة تفوق مسافة القصر. أما إذا كانت المسافة دون مسافة القصر عند الحنابلة، التي هي مئة وسبعة وثلاثون، فلا يلزم حتى يجب عليه فرض الكفاية أن يكون واجداً لراحلة، بل إذا لم تكن واجداً لراحلة تخرج على قدميك ماشياً لأن المسافة دون مسافة القصر، وتكون مطالباً بفرض الكفاية.

إذاً هذه الشروط الستة التي بها يتحقق فرض الكفاية، خليني أقول: فرض الكفاية بالمعنى الفقهي، أو الذي يبحث فيه الفقهاء، هو أن تجاهد بنفسك مباشرة. أما فرض الكفاية بالمعنى العام، وأنا أركز عليه، فهو لا يسقط عن الباقين؛ يعني إذا شخص مثلاً لا يجد مالاً يكفيه ويكفي عياله، هو ليس مخاطباً بفرض الكفاية بالمعنى -المشاركة الفعلية- لكن هو مخاطب بفرض الكفاية بمعنى الحث والأمر بأن يقوم الناس، أما أن يكون ساكتاً ولا كأنه موجود في المشهد، فهذا لا يقبل.

ثم بعد أن بين على من ينطبق فرض الكفاية بالمعنى الفقهي، بدأ يذكر بعض الأحكام، فقال: ويسن تشييع الغازي، لا تلقيه. وهذا من هدي النبي ﷺ ومن هدي الخلفاء الراشدين أن يشيع الغازي. يعني يشيع الغازي أن يخرج الإمام والناس مع الغزاة في سبيل الله يشيعونه، يودعونهم، يرجون لهم النصر والغنيمة والفلاح والفتح، فهذا اسمه التشييع؛ أن يخرج الأمراء والحكام وعموم الناس، هذه سنة؛ يخرجون مع هذا الجيش ويودعونهم ويسلمون عليهم ويدعون لهم بالنصر والتمكين، وهذا فيه رفع للمعنويات.

لكن لا يسن تلقيه، وهذا يعني طبعاً المسألة فيها خلاف في الحقيقة؛ قضية تلقي الجيش عند عودته. اكتبوا: التشييع يكون عند ذهاب الجيش وانطلاقه، والتلقي يكون عند عودة الجيش إلى أرض الوطن. يسن تشييع الغزاة في حال الذهاب، أما في حال العودة قالوا: لا يسن تلقيهم. ليش برأيكم؟ مع أنه الأصل العام عند الحنابلة -والأصل العام أنهم يقولون مثلاً في تحسين التهنئة بالقدوم للمسافر- وفي شرح الهداية لأبي المعالي الحنبلي رحمه الله عليه قال: تستحب زيارة القادم من سفره ومعانقته والسلام عليه.

لماذا في مسألة الغزاة في سبيل الله هكذا المعتمد في المذهب لا يسن تلقيهم؟ يعني إذا عرفت أن الجيش قادم لا تخرج لتتلقاه، هناك نظرة خاصة في هذه المسألة؛ يقولون لأن عودته هي فوات للشهادة له، ولا يهنئ الإنسان على فوات نصيبه من الشهادة في سبيل الله. هكذا يقولون، قال: لأنك إذا خرجت لتتلقاه أنت تهنئه بالسلامة من الشهادة، وهكذا تهنئه بالسلامة من الشهادة، والشهادة فخر له فلا يحسن أن يخرج الإنسان ليهنئ إنساناً: «والله أهنئك أنك لم تستشهد». لاحظوا النظرة العميقة وكيف كانوا يفكرون رحمة الله عليهم، أن الشهادة في سبيل الله هي اسم الأماني وهي أجمل الأمور، فكأنك إذا عدت فقد خسرت الشهادة، هكذا مفهومها: «أنت خسرت الشهادة، عائشة أهنئك».

ويسن التشييع، طبعاً البعض يقول لك: لا، هو وإن كان قد خسر الشهادة، ولكن نحن مثلاً نبارك لهم بالنصر وأشياء كثيرة، ففي الحقيقة المسألة ليست قطعية، أنا لا أعتبر المسألة قطعية، هي تقبل الأخذ بالرد، لكن أنا أعطيكم المذهب.

مسألة، لو شخص قال: «لا، أنا أرى بناء على أقوال أخرى لأهل العلم يسن استقبالهم وتهنئتهم»، أقول لك: وجهة نظر لك وجهة نظر، لكن نحن الآن نبين علة المذهب.

ثم قال: «وأفضل متطوع به الجهاد»، هذا الذي ذكرت لكم أنه إذا تم يصير فرض كفاية، فالشخص قال لي: «يا شيخ أنا بدي أتطوع»، أقول له: اسمع، فرض الكفاية في الجهاد يتحقق، لكن أفضل تطوع أنك تلحق هذا الجيش أو تلحق الثغر.

إخواني، من يقرأ في سير العلماء وطلبة العلم والعباق قديما كانوا جميعا يمارسون هذا التطوع وهذه العبادة. اقرأوا في كتب الأعلام الكبار وانظروا في سيرهم كيف كانوا يلازمون الثغور، وكان أحدهم إذا قسى قلبه يقرر أن يذهب إلى الثغور حتى يلين قلبه مع المجاهدين في سبيل الله على تلك الثغور.

من عجيب ما تقرأه من حال الأئمة والعلماء أنهم يمارسون هذه العبادة، كانوا في كل عام عبادة الذهاب إلى الثغور؛ لأنها عبادة، هي عبادة تتطوع بها لله أفضل من قيام الليل وأفضل من العديد من الأمور أن تؤدي هذه العبادة.

طبعا كلام فقهي، لكن في النهاية لما نأتي ننظر للأمور من الناحية الواقعية سنحتاج إلى توزيع المهام؛ لأنه مش منطق أيضا أن كل العلماء والدعاة وطلبة العلم في الثغور وما في حدا بعلم الناس، جالس في المدن والقرى. فالقضية أنت لا تأخذها بالعمومية أنه خلاص لازم كل العلماء وطلبة العلم في الثغور وما أحد يعلم الناس، لا ليس بهذا المنظر، ليست بهذا التقعيد، وإنما الكلام عن الأحوال الجزئية.

أنا لو سألتني ما هو أفضل تطوع تتطوع به بقول لك هذا، لكن هل المطلوب أن كل العلماء والدعاة؟ لا بالعكس، قد نصل لمرحلة من الإثم إذا تخلينا عن واقعنا وعن مجتمعاتنا. فبالتالي حبابي الشاطبي في «الموافقات» له كلام رائع جدا في التفريق، أن يبين أن الأحكام الشرعية لها نظرة جزئية ولها نظرة كلية، وعلى طالب العلم أن يصل لمرحلة أن يفرق بين الجزئي والكلي في الأحكام.

فلما نقول أفضل التطوع الجهاد، هذا كلام في الحكم الجزئي، أنه هذا الجهاد كتطوع هو أفضل التطوعات. لكن لما ننظر الآن كناحية كلية، النظر الكلي أنك تنظر في مصلحة الأمة جميعها، وما سيترتب على لو كل فعلت هذا الأمر وتركت الأمور الأخرى؛ هنا ستختلف النظرة. وهذا التفريق بين الحكم الجزئي والحكم الكلي ترى له آثار عظيمة جدا، وعلى طالب العلم إن شاء الله لما ندرس مقاصد الشريعة يفهم أهمية إتقان الطالب لهذه الأمور. كتب الفقه بشكل عام تتكلم عن الجزئيات، لكن لما نأتي نتكلم عن كليات ستصبح لك نظرة متوازنة تأخذها مع الملكة الفقهية.

المهم، «وأفضل متطوع به الجهاد»، قال: «وغزو البحر أفضل». أيهما أفضل؟ أن تخرج في غزوة في البر ولا في البحر؟ أن تخرج في غزوة في البحر؛ لأن البحر مخيف أكثر من البر، الخوف فيه أكثر فالثواب فيه أعظم. أنت في البر ما بتخافش تسقط، الخوف في التقاء العدو فقط، لكن في البحر أنت خايف من شغلتين: خايف من السفينة تغرق وخايف من العدو، فهو أشد خوفا فبالتالي الثواب به أعظم وغزو البحر أفضل.

قال: «وتكفر الشهادة جميع الذنوب سوى الدين». إذا الشهادة في سبيل الله يا إخواني تكفر عن الشهيد جميع ذنوبه، لكن الدين لا يسقط، الدين لا يسقط، لا يفك الإنسان الدين. الله، أنا هيني عنا علينا جهاد فرض كفاية، أتكلم عن جهاد فرض الكفاية، طبعاً انتبهوا علينا جهاد فرض كفاية، فشخص يقول: «يلا خليني أخرج، وجهات فرض الكفاية، وهيني ضحكت على الزلمة وما دفعت له أمواله، وبخرج وبستشهد وخلص ربنا بغفر لي ذنوبي»، لا.

النبي ﷺ لما كان يخطب فسأله رجل إنه هل الشهيد يغفر له كل شيء؟ فقال: «نعم»، ثم سكت النبي ﷺ بره جاءه جبريل فأخبره أنه يغفر له كل شيء إلا الدين، فقال عليه الصلاة والسلام: «أين السائل؟» فقال: «أنا يا رسول الله»، فقال: «يغفر له كل شيء إلا الدين». فاستثنى الدين ليبين أن حقوق العباد لا تسقط.

باختصار، لا تستعمل فرض الكفاية وسيلة أنك تأكل أموال الناس وتعتبر أنه خلاص بروح وبستشهد على مئة ألف لفلان إن شاء الله الشهادة بتسامحني فيها الدين. الدين، الإسلام متزن في طرحه، يحافظ على جميع الحقوق. الجهاد عظيم وبذل النفس والمهج في سبيل الله أمر كبير جدا، لكن لا نسمع أن يكون وسيلة لأكل أموال الناس وإتلافها وإضاعتها.

طيب، هل اللي عليها دين يعني يا شيخ باختصار بسيدي جاهد ولا لا؟ الآن راح نعرف الحكم إن شاء الله بالنسبة لجهاد فرض الكفاية، بالنسبة لجهاد فرض العين خلوه لاحقا. لكن بالنسبة لفرض الكفاية انظروا ايش قال؟ قال: «ولا يتطوع به مدين لا وفاء له إلا بإذن غريمه، ولا من أحد أبويه حر مسلم إلا بإذنه».

إلى أن هو تكلم في الحقيقة عن حكم الجهاد تطوعا وليس فرض كفاية، لاحظوا هو الآن تكلم عن حكم الجهاد تطوعا لمن عليه دين، فقال: «لا يتطوع»، إذا هو ما بتكلم الآن لا عن فرض الكفاية ولا عن فرض العين، بيتكلم عن التطوع. قال لا يتطوع إنسان بالجهاد في سبيل الله إذا كان عليه دين، «ولا يتطوع به مدين لا وفاء له إلا بإذن غريمه».

هذه المسألة الأولى، يقولون شخصان لا يتطوعان بالجهاد في سبيل الله إلا بشروط: الأول المدين الذي لا وفاء له. ايش يعني مدين لا وفاء له؟ خلينا نفهم العبارة هذه أولا؛ إذا أنا مدين لشخص وعندي مال أسده، أستطيع أن أذهب للجهاد تطوعا، والمال الذي أنا تركته في بلدي هو يأتي يأخذ منه، انتهى الأمر. فباختصار إذا كنت أنا مدين لشخص وعندي وفاء له موجود الحمد لله، هل يحق لي أن أتطوع؟ نعم، لأني أمتلك الوفاء، فهو يستطيع لو استشهد في سبيل الله أن يأتي لأهله ويأخذ الوفاء ويرجع فحقه محفوظ. لذلك ركز على «مدين لا وفاء له»، يعني ما عنده ما يسد به. فإذا كان المدين ما عنده مال يسد به الدائن، هل له أن يتطوع بالجهاد في سبيل الله؟ قالوا: ليس له أن يتطوع إلا إذا استأذن غريمه. هذه الصورة الأولى وهي التي ذكرها الشيخ، اذكر صوراً أخرى.

إلا إذا أذن له غريمه؛ يعني يذهب هذا المدين إلى الدائن فيقول: يا فلان، ترى أنت تريد مني ألفين دينار، وأنا حاب أتطوع بالجهاد في سبيل الله، هل بتسمح لي؟ فيقول: والله خلص بسمح لك، الله يسهل عليك، وإذا استشهدت أنا مسامحك.

هذه الصورة الأولى، وهي "إذا أذن له غريمه". الصورة الثانية: قال "إذا وضع رهناً محرزاً"، إيش يعني؟ يعني راح صاحبنا المدين إلى الدائن وقال: أنا أريد أن أتطوع بالجهاد في سبيل الله، وهذه سيارتي رهن عندك؛ إذا أنا استشهدت وما رجعت، بع السيارة وخذ حقك، وإذا رجعت من الغزوة سالماً بنتفاهم أنا وإياك. فبينفع، إذا وضع رهناً محرزاً؛ أي رهناً يستطيع الدائن أن يأخذ من خلاله حقه، فيصبح حتى لو لم يستأذن، يعني مش لازم أستأذنك، خلص أنا وضعت عندك رهناً محرزاً، ففي الحقيقة لا أحتاج أن أستأذنك. فإما أن يستأذن غريمه إذا لم يضع رهناً، وإما أن يأتي برهن محرز ويقول: هذا رهن محرز وأنا مسامحني، هيني ذاهب للجهاد في سبيل الله، رجعت أنا أنبئك وأكرمك، ما رجعت هذا الرهن بتبيعه وتأخذ حقك.

الطريقة الثالثة: أن يأتي بكفيل مليء؛ آتي أنا لشخص أقول: يا فلان، ترى أنا أريد التطوع في الجهاد في سبيل الله وأنت تريد مني ديناً، أنا عارف، لكن هذا الشيخ عبد الله هو كفيل مليء، إذا أنا ما رجعت هو يسدد الدين عليّ. إذا كان عبد الله كفيلاً مالياً، ففي كفالة صاحب الدين ليس له حق بمنعه؛ لأني أتيت له بكفيل مليء، وهذا الكفيل المليء قال: والله فعلاً أنا كفيل بفلان. إذا ما رجع واستشهد في سبيل الله -ونسأل الله أن يرزقنا الشهادة في سبيله مقبلين غير مدبرين- إذا رزقنا الله الشهادة في سبيله، هذا الكفيل يسدد ديوني، وإذا رجعت أتفاهم معك.

إذن نقول: لا يتطوع بالجهاد المدين الذي لا وفاء له إلا إذا استأذن الغريم، أو وضع رهناً محرزاً، أو أتى بكفيل مليء. الشيخ مرعي ذكر "الاستئذان من الغريم" فقط، وأنا زدت الرهن المحرز والكفيل المليء، فهذه ثلاث طرق يستطيع من خلالها المدين أن يتطوع بالجهاد، إذا لم تتوفر لديه هذه الطرق الثلاث فما ينفع أن يتطوع.

ثم قال: «ولا من أحد أبويه حر مسلم إلا بإذنه». الشخص الثاني الذي ليس له أن يتطوع هو إذا كان أحد أبويه حراً مسلماً؛ يعني أنت يا عبد الله إذا كان أبوك حراً أو والدتك -طبعاً الأب أو الأم، لذلك قال أحد أبويه، وإذا كان الاثنان فمن باب أولى- يقول لك: إذا كان أحد أبويك حراً وليس عبداً، وكان مسلماً، فليس لك أن تتطوع إلا بإذنه. وإذا كان الجهاد عليك في حقك فهو تطوع، أما إذا كان أحد الأبوين حراً مسلماً فليس لك أن تتطوع إلا بإذنه.

وهذا بناءً على الأحاديث التي جاء فيها الصحابة يستأذنون النبي ﷺ بالجهاد، فكان يسألهم: "ألك أب أو أحد والديك حي؟" فيخبره نعم، فيقول: «الزمها». وهذا ورد في كثير من الأحاديث، وهذه الأحاديث تُحمل على جهاد التطوع؛ لأن بعض الناس للأسف في طريقة توظيفهم لهذه الأحاديث فيها نوع من الانتقائية؛ هذه الأحاديث التي يأمر فيها النبي ﷺ هؤلاء الصحابة أن يلزموا أقدام أمهاتهم وألا يخرجوا وأن يعودوا إلى بلادهم ليرعوا الوالد والوالدة.

هذا عند الحنابلة، هذا كلام السادة الحنابلة؛ إذا كان جهاد تطوع وأحد الأبوين حر مسلم، حينئذٍ نعم ليس لك أن تتطوع إلا بإذنه. وتقييده بالتطوع في كلا المسألتين، في مسألة المدين ومسألة استئذان الأب أو الأم، يدل على أنه إذا كان فرض كفاية -وأنا ممن ينطبق عليه فرض الكفاية وليس تطوعاً- فالموضوع يختلف، لأنه قال لك: «ولا يتطوع». فما هو مفهوم المخالفة؟ أنه إذا لم يكن تطوعاً، يعني إذا كان فرض كفاية، فإذا قام به غيرك فإنه يكون تطوعاً في حقك، لكن إذا لم يوجد إلا أنت فهو فرض كفاية، لكنه تعين في حقك.

فإذا باختصار تعين في حق فلان أن يخرج للجهاد في سبيل الله، فهنا يخرج حتى لو كان مديناً لا وفاء له، ومن دون استئذان غريم ولا رهن محرز ولا كفيل مليء، وكذلك من دون أن يستأذن أحد أبويه الحر المسلم. إذا كان التطوع غير فرض العين، فمن لزمه بعينه أن يشارك في القتال، هذه لماذا سقطت؟ من لزمه بعينه أن يشارك في القتال.

فهذا في هذه الحالة أحبابي، حتى لو كان مديناً لا وفاء له، أو كان له أحد أبويه حر مسلم، يلزمه أن يجاهد وأن يشارك في الميدان. وقضية الديون الله سبحانه وتعالى يعامل الإنسان بفضله وكرمه، وهو عز وجل يعرف من كان يريد أن يقضي الناس حقوقهم، ومن كان يتلاعب واستعمل الدين وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل؛ الله أعلم بما في النوايا، فييسر لك إن شاء الله من يقضي دينك.

والأصل إخواني حتى تفهموا القضية، هو أن في الدولة المسلمة -أن يكون هناك بيت للمسلمين- إذا كان فلان توجب عليه أن يجاهد بنفسه وراح للحاكم وقال: أنا توجب علي أن أجاهد، بس أنا علي دين الآن، هو يريد أن يخرج، فالأصل أن بيت المسلمين يسد دينه. الحكم الإسلامي حكم متكامل الأركان، لا يتصور قضية جزئية من دون القضايا الأخرى المتسلسلة؛ أن هناك جهاداً، وهناك بيت مال للمسلمين، وهناك حاكم مسلم، وهناك هيئات شرعية، فالأمر كله مرتب.

بعض الناس ينظر لموضوع بجزئية: كيف يريد أن يخرج يا شيخ وعليه حقوق للناس؟ والأصل أنه يوجد بيت للمسلمين، وهذا الإنسان تعين عليه الأمر، فالدولة المسلمة فيها بيت للمسلمين، والأصل أن الدولة تسد ديون هذا الشخص، فإذا لم تُسدد فالله سبحانه وتعالى نسأله أن يعامله بفضله وأن يرضي غريمه بكرمه وجوده.

انتقل الآن ليبين لنا مفهوماً من مفاهيم كتاب الجهاد، ألا وهو مفهوم الرباط. ما هو الرباط؟ قال: «ويسن الرباط وهو لزوم الثغر للجهاد، وأقله ساعة وتمامه أربعون يوماً». الرباط أحبابي، عرف لكم الشيخ مرعي، قال: «وهو لزوم الثغر للجهاد»، أي أن تلزم الثغور بنية الجهاد في سبيل الله، فهذا هو الرباط. والرباط يتعلق بالثغور، فما هي الثغور؟

الثغور هي حدود المسلمين. حدود بلاد الإسلام أن تذهب إلى هذه الثغور وتقف حارساً تراقب البحر، ماذا سيأتي من خلاله من العدو؟ وهذا قديماً، مثلاً لما كانت مصر، يعني في أوقات العزة، كان هناك المسلمون كثيراً ما يذهبون، يقولون هذا ثغر الإسكندرية، وثغور القاهرة، وثغور كذا وكذا، وثغور طرابلس، وثغور لبنان، كان هناك ثغور تخوم؛ لأن هذه المناطق كان العدو يأتي من خلالها بالسفن. الصليبيو كانوا يأتون بالسفن يغيرون على بلاد المسلمين على هذه الحدود.

فأن يذهب المسلم إلى هذا الثغر ويمسك سلاحه ويقف حارساً، هذا اسمه رباط، أن تلزم الثغر للجهاد، وأقل الرباط هو أقل الاعتكاف. كم أقل الاعتكاف؟ ولاحظوا أن الرباط والاعتكاف في المسجد في بينهم أشياء مشتركة، أن الاعتكاف لزوم المسجد، صح؟ والرباط لزوم الثغر. أقل الاعتكاف كان ايش؟ ساعة، مش قلنا أقل الاعتكاف عند الحنابلة ساعة؟ وأقل الرباط ساعة أيضاً، أقل ما يصدق عليه أنه لبث في عرف الناس في ثغر المسلمين يسمى رباطاً، هذه الساعة. وليست الساعة الستين دقيقة، لا، المراد بالساعة هنا أقل ما يصدق عليه أنه لبث في عرف الناس، هذا يسمى رباطاً. وتمام الرباط، وتمام الرباط كم؟ أربعون يوماً؛ لأن هذا جاء فيه الأثر: تمام الرباط أربعون يوماً، وإن كان الأثر فيه ضعف من الناحية الحديثية، لكنه في فضائل الأعمال. فتمام الرباط أربعون يوماً. يعني يا شيخ ما بصير أزيد على أربعين يوم في الرباط؟ لا، مش هذا المراد، مراد أنه من ربط أربعين يوماً فقد أكمل ثواب الرباط، إذا زاد يزاد بحسبه، قال الحنابلة: فإذا رابط ستين يوم، أكيد ربنا عز وجل رح يثيبه على ستين يوم، رابط مئة يوم ربنا عز وجل يزيده إلى مئة يوم.

وهناك ترى كثير من الرسائل التي كتبها العلماء إلى أهل الثغور، يعني هناك رسالة لأبي الحسن الأشعري رحمة الله عليه رسالة لأهل الثغر، وهناك رسائل لابن تيمية رحمة الله عليه أيضاً في هذا الباب، كثير من الرسائل عنونت لأهل الثغر، وهذا من أيضاً لطيف هذه المسائل. إذاً، ويسمى الرباط أو لزوم الثغر للجهاد، وأقله ساعة، وتمامه أربعون يوماً، وهو أفضل، لاحظ، ويقول لك الرباط في سبيل الله أفضل من أنك تقيم في مكة وتعتكف في المسجد الحرام. وأفضله وأفضل الرباط ما كان ايش؟ أشد خوفاً، يعني الثغر اللي عليه ضغط أكبر والعدو يصول عليه أكثر، وأكثر الرباط فيه أهم والخوف فيه أكثر، فالثواب فيه أعظم، تمام؟ مثل قضية أن غزو البحر أفضل من غزو البر.

ثم قال: ولا يجوز للمسلمين الفرار من مثليهم. طبعاً هذه الآية التي في سورة الأنفال، أليس كذلك؟ ﴿الآن خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66]. هذا هو الحكم النهائي بعد ما انتسخ الحكم السابق، الحكم النهائي استقر على أن العدو إذا كان مثلي المسلمين، يعني المسلمون كانوا مئة والعدو كانوا مائتين، لا يجوز للمسلمين أن يفروا من هذا العدو، أما إذا كان العدو أكثر من مثلي المسلمين، يعني المسلمون مئة والعدو ثلاثمائة، لا، هنا يجوز للمسلمين أن يفروا وأن يعودوا؛ لأنه ما في مصلحة الآن في القتال، يعني مفاسده أكثر صارت.

إذاً، إذا كان العدو مثلي المسلمين فأقل طبعا من باب أولى، إذا كان العدو مثلي المسلمين، فقال المسلمون ألف العدو ألفين، إذا كان العدو مثلي المسلمين فأقل، لا يجوز الفرار على المسلمين. لا يجوز، الفرار حرام، والله عز وجل يعتبر هذا كبيرة من الكبائر، ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 16]. هكذا الله عز وجل ذكر في سورة الأنفال: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 16]. ومن يقدر أحبابي على غضب الله؟ نسأل الله العفو والعافية.

قال: ولا يجوز للمسلمين من مثليهم، أي من مثلي الكفار ولو واحدا من اثنين. يعني حتى لو كنت المواجهة مباشرة، أنت واحد وهم اثنين، أو خلينا نقول لو كانت كل القضية، كل القضية والمعركة هي عبارة عن اثنين من الكفار وواحد من المسلمين، يعني هذا الذي يظهر لي من قوله: ولو واحدا من اثنين. يعني حتى لو كانت المعركة عبارة عن اثنين كفار هاجموا ثغور المسلمين مثلاً، وهناك مسلم واحد ضدهم، هاي كلية المعركة، مش ألف ألفين ومية وميتين، لأ، لو كانت المعركة هي عبارة عن اثنين كفار وواحد مسلم، ما بصير لهذا المسلم أنه يهرب أو يروغ.

فهمتوا ايش يعني ولو واحدا من اثنين؟ يعني لو اختزلنا المعركة، قدر الله أن المعركة كانت اثنين كفار واحد مسلم، بده يقول لك لهاي المرحلة. ما بصير المسلم يروح والله، يا عمي لسا ما فش مش غزوة هادي خلص، بروح بني آدم المسلمين وبيرجع لهم. لا، لأ، إذا كانت المواجهة بينك أنت وبين اثنين، بدك تثبت، وفرارك كبيرة من الكبائر. قال: فان زادوا عن مثليهم، يعني إذا كان الكفار أكثر من مثلي المسلمين، هنا جاز الفرار، جاز الفرار.

ثم قال، الآن ننتقل لمفهوم جديد: الهجرة. هذا مفهوم أيضاً أصيل جداً، الهجرة من بلاد الكفار ومن بلاد أهل البدع إلى بلاد المسلمين أهل السنة. ولاحظوا أن مفهوم الهجرة عند الحنابلة ليس خاصاً فقط بلاد الكفار، بل حتى بلاد أهل البدع والأهواء. أنظر ايش قال: والهجرة واجبة على كل من عجز عن إظهار دينه بمحل يغلب فيه حكم الكفر والبدع المضلة. المراد بالبدع المضلة هنا أحبابي يعني خليني أعتبرها البدع الدسمة، مثل بدعة التشيع، بدعة الاعتزال، بدعة التجهم، تمام؟ وليس البدع المخففة. قال: فإن قدر على إظهار دينه في بلاد الكفر أو بلاد البدع فأصبحت الهجرة في حقه مسنونة.

إذاً، الهجرة إما أن تكون واجبة وإما أن تكون مسنونة، هكذا يقسمها الحنابلة. ما هي الهجرة الواجبة؟ الهجرة تجب على كل من عجز عن إظهار دينه، إذا كنت عاجزاً عن إظهار دينك وعبادتك وعقيدتك، ها عاجز عن إظهار دينك بمعنى إظهار العبادة صلاتك صيامك زكاتك، أو عاجز عن إظهار عقيدتك وتوحيدك لله، إذا كنت عاجزاً عن إظهار الدين بهذا المفهوم الشامل في بلد يغلب فيه حكم الكفار، أو يغلب فيه حكم أهل البدع والأهواء من الروافض والاعتزال والتجهم، فحينئذ ما حكم الهجرة عليك؟ واجبة، واجبة أن تهاجر إلى بلاد تستطيع أن تظهر فيها دينك.

وهذه القضية للأسف بعض الناس يتعامل معها باستهتار. يعني اليوم أحبابي كثير من الإخوة مثلاً يقيمون في بلاد الغرب، يقيمون في بلاد الغرب ويتعرضون من الإهانة في دينهم ويمنعون من إقامة كثير من الشعائر، فيأتي بعض الشيوخ الذين يتصدرون فيميعون أحكام الدين ويفسخون أحكام الدين من أجل فقط أن هؤلاء المسلمين الذين يقيمون في بلاد الغرب ينعمون بحياة هادئة من دون إشكاليات. وفي الحقيقة الأمر هذا يحتاج إلى توازن وليس بهذا الإطلاق، يعني الرسالة المرادة أنه إذا كان المسلم الذي في بلاد الغرب لا يستطيع أن يقيم أمر دينه هو ملزم ملزم أن يهاجر إلى بلاد الإسلام.

فيأتي شخص: يا شيخ، هو في بلد إسلام؟ نقول: أخي الكريم، أنت في بلاد أقل شيء تسمع فيها صوت الأذان وتقيم شعائرك بكل أريحية. إذا كنت في بلد لا تطيق لا تستطيع أن تطبق فيه هذه الأمور، نعم، تعال إلى بلد الحمد لله تستطيع أن تطبق فيه هذه الأمور. دعك من الإشكاليات العامة، تعال إلى بلد تستطيع أن تطبق فيه هذه الأمور. أما ليس من المنطق أن بعض الشيوخ يبيح الربا للمسلمين في الغرب، ويبيح خلع الحجاب للمسلمات في الغرب، وما شاء الله الحبل على الجرار، وايش الحجة يا شيخ؟ أنه هي مضطرة. لا، أخي الكريم، هكذا يقول الفقهاء، إذا كنت يا أخي مقيماً في بلاد الغرب، فلا أنت أيتها المرأة تستطيعين الحجاب، ولا أنت أيها المسلم أن تتعامل بالحلال، لا يجوز لك أن تبقى هناك، إذا أنت لا تستطيع أن تظهر دينك.

أن المرأة تستطيع أن تتحجب ولا الرجل يستطيع أن يتعامل بالحلال، يأكل كل شيء ربا، أو يأكل المطعومات المحرمة، أو يفعل، أو لا يستطيع أن يصلي وأن يظهر دينه. حتى إظهار الدين، يعني حتى قضية إظهار، ممكن أنت تفعل في قلبك، يقول: لا، أنا يا شيخ مستطيع أصلي بقلبي. لا، لا، أخي، إذا كنت فقط تصلي بقلبك وبعينك إيماءً ولا تستطيع أن تصلي صلاة المسلمين بأريحية، يجب عليك أن تهاجر. فهذا مفهوم عظيم أحبابي، مفهوم الهجرة، وبعض الناس يميعه ويظن أن القضية انتهت، لا، الهجرة ستبقى إلى يوم القيامة من كل بلد لا تستطيع فيه أن تظهر دينك، أما لغلبة الكفار عليه، أو لغلبة أهل البدع من الرفض والاعتزال والتجهم عليه، فيجب عليكم أن تهاجروا.

الآن إذا كان شخص هجرت إلى بلاد الإسلام فيكون فيها ضرر شديد على دينه، تأتي أحكام استثنائية هنا، نفكر في الأحكام الاستثنائية، نعم، ما من قاعدة إلا ولها استثناءات، هذا معلوم عند أدنى من له ممارسة فقهية. لكن الأصل العام الذي يجب أن يعلمه الناس، أن الذين لا يستطيعون أن يظهروا دينهم في بلاد الكفر أو في أراضي أهل البدع، أنا شخص مثلاً يقيم في بلاد الروافض اليوم إيران وما شابهها، ولا يستطيع أن يظهر عقيدته، هذا لا يجوز أن يبقى هناك، لا يجوز، هكذا يقول الحنابلة، أنا لست أنا منقول، هكذا يقول لك: لا تبقى في بلاد الروافض. والله أنا مأمور أن أشتم أبابكر وعمر في المدرسة، ابني مجبر على ذلك، ايش أعمل مقيم في بلاد الروافض؟ لا، أخي، عليك أنهاجر وجوباً، وإلا أنت آثم.

إذا وصل كما قلنا لحالات استثنائية مرحلة العجز التام عن الهجرة، أو أن هجرته تسبب له ضرر أكبر في دينه، تأتي موازنة المصالح والمفاسد، لكن هذا حكم فقهي يجب أن يعرفه الناس، أن دين الله سبحانه وتعالى ليس بالأهواء، يعني والله شخص يقول: والله يا شيخ رزقتي ماشية في بلاد الكفر، أقطع رزقتي وأجي عبلاد الإسلام؟ والله ما هي زابطة. شف هذا الخطاب، أنه والله أموري والله الحمد لله أرصدتي البنكية وشركات ما شاء الله، معقولة أترك الشركات هذيك وأجي هون؟ اه، نعم، أقول: إذا كنت تريد الله ورسوله والدار الآخرة، معقول إذا كانت لك حسابات أخرى شيء آخر؟ ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24]. الآية تمام؟

فهنا تظهر العقيدة يا أخي، هنا يظهر المسلم بحق الذي هو موالي لله ورسوله واستعد أن تفنى عنده الدنيا مقابل أن يحافظ على دينه، وبين المسلم الذي هو يأخذ من الدين ما يعجبه، أنه أنا عندي والله أموال كثيرة وصار عندي تجارات وصرت فاتح مشاريع يا شيخ وأنا مش قادر أظهر ديني صراحة، وشوف هو قادر يظهر دينه، احنا ما عنا مشكلة بنقول له: هل أنت قادر تظهر دينك؟ هل زوجتك وبناتك يستطيعون أن يتحجبوا؟ إذا قال: نعم احنا الحمد لله قادرين على إظهار الدين وأمورنا تمام، بنقول له: خلاص الهجرة مسنونة زي ما قال الشيخ، فإن قدر على إظهار دينه ايش قال؟ فمسنونة.

احنا كلامنا عن شخص لا يقدر أن يحجب زوجته وبناته، ولا يقدر أن يأخذ الحلال، ولا يقدر أن يظهر الصلاة والصيام ولا أحكام شعائر الدين، هذا الذي يخاطبه بهذا الكلام وأقول له: لا تجعل الدنيا مقدمة عندك على دين الله سبحانه وتعالى، الهجرة واجبة عليك وإن لم تفعل فأنت آثم. ورسالتي للشيوخ والدعاة يسهلون أحكام الدين، وهي ليست تسهيل، أنا بسمي تمييع أحكام الدين وفسخ ما كتبه ارباب المذاهب وتفسيخ والتمييع وأتيان بفتاوى، طبعاً اليوم شعار المقاصد عنده شعار مرفوع، مقاصد الشريعة تقول إنه يجوز للمرأة أن تخرج متبرجة في بلاد الغرب حتى تدرس في الجامعة، طبعاً ما شاء الله الموازنات تسمعها، والله شيء مذهل ومعيب ومشين أن تسمع عالماً أو من يدعي العلم يتكلم بهذه الموازنات الفاسدة.

قبل ما يتكلم بهذه اللهجة بلهجة أنه أصلاً أنت يجب عليك أنهاجر، هذا بحكم لما تخرج على شاشة التلفاز وتتكلم أمام الناس بجواز أخذ القروض الربوية في بلاد الغرب، بجواز أن تخرج المرأة متبرجة في بلاد الغرب، لما تخرج على الشاشة وتتكلم عليك أن تعرف أنك ستسأل أمام الله سبحانه وتعالى عن هذا الحكم، تمام؟ ولا تجعل قضية المقاصد والسياسة الشرعية وما شابه ذلك هي الرداء الذي ترتدي به، فهناك الله عز وجل يعلم المصلح من المفسد، يعلم الله سبحانه أنه أنت لم تكلم هؤلاء بوجوب الهجرة، يعني هذا الذي يعزلني، والله أحبابي إنه يخرج على الشاشة ويقول: يجب على المسلمين الذين لا يستطيعون إظهار دينهم في بلاد الغرب أن يهاجروا إلى بلاد الإسلام، وهذا أصل عظيم وكل إنسان ملزم بذلك إلا في أحوال استثنائية كذا وكذا، وهاي الأحوال الاستثنائية لو فرضنا أنه يتكلم معها بهذه التوسعات هذه قضية أخرى، تحترم هذا الخطاب، تشعر أن الرجل حافظ على كل جزئيات الدين أو ألزمهم بالهجرة.

إلى بلاد الإسلام، واستثنى الحالات التي تعجز تمامًا عن الهجرة، إلا المستضعفين. ربنا أعذرهم من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم. هؤلاء الذين عذرهم الله في سورة النساء.

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97]. الآية مخيفة يا إخواني، هذا الذي يخرج على الشاشة على وسائل التواصل، قرأت هذه الآية؟ أمعنت فيها؟ فكرت فيها قبل ما تفتي وتصدر نفسك للناس على أنك الشخص الذي تستطيع أن تميع الدين وتذيب كل أحكامه؟ وهل قرأت هذه الآية؟ ربنا يقول: ﴿فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.

ثم استثنى ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. قال سبحانه: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 98-99]. نعم هذه الآية تتكلم عن إنسان لم يستطع أن يظهر دينه وعجز عن إظهار دينه وجار الكفار في كفرهم. ولما سألناه قال والله أنا لا أستطيع أن أظهر ديني، فتأتيه الملائكة تقول له: لماذا وافقت الكفار على الكفر في الظاهر وكنت مثلهم في الظاهر ونحن عارفين أنك في الباطن لا تريد؟ لكن في الظاهر وافقتهم.

قالوا كنا مستضعفين في الأرض، ما كنا نستطيع إلا أن نوافقهم على ظاهر أمرهم ولكن كنا في باطننا مخالفين. ماذا قالت لهم الملائكة؟ ﴿فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾. فعلاً المستضعف العاجز عن الذهاب إلى بلاد الإسلام هذه قضية أخرى، الله عز وجل يفتح أبواب المغفرة لمن يستحق المغفرة، ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾.

ما عندهم حيلة، ولا يهتدون سبيلاً، ما عنده مال، يقول لك يا شيخ أنا أريد أن أهاجر ولا أحد يتكفل بهجرتي، ﴿فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. وأما من كان قادرًا لكن الدنيا وحب الإقامة في تلك الديار والله إنه... والله إذا جئنا لبلاد المسلمين اليوم، انظروا إلى بلاد الشام ما فيها مشاريع اقتصادية ناجحة، بدكم إياي أترك تجارتي وآتي لبلد اقتصادها فاشل؟ نعم أخي الكريم تعال هنا والله يفتح عليك من رزقه، يعني أنت خايف على الرزق؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22].

فالله لم يجعل الخوف على الرزق سببًا من الأسباب التي تبيح الإقامة في بلاد الكفر لمن لا يقدر على إظهار دينه. كثير من الناس يذهب لبلاد الكفر، والله يا شيخ حاب آخذ دكتوراه من جامعة السوربون، أو من هذه أسماء الجامعات الغربية وأكسفورد، طيب ماشي أخذت دكتوراه ماذا ستفعل؟ هل تستطيع أن تظهر دينك؟ والله إذا بتستطيع تظهر دينك أنا أقول لك الهجرة مسنونة، الهجرة مسنونة لكن أنت مقيم هناك وأنت لا تستطيع أن تظهر دينك!

والله فتاة تخرج من هنا إلى هناك متبرجة، والله مشكلته في بلاد الغرب ما بيحبوا الحجاب يا شيخ، وأنا محتاجة للدكتوراه، وليش أختي الكريمة محتاجة للدكتوراه إن شاء الله في بلاد أكسفورد وسوربون وهذه الجامعات العفنة القذرة؟ والله حتى أرجع لبلاد يكون لي منصب، لا أختي الكريمة، أما أن تخرجي بعزة المسلمة وتعودي بعزة مسلمة طبعًا إذا خرجت بمحرم ولسه الشروط كثيرة، أنا ما تكلمت، بس أنا بتكلم في الحقيقة عن شيء يدمي القلب، أحوال المسلمين اليوم وأحوال من يتصدر للتبرير لهؤلاء وتفسيخ أحكام الشريعة لهم وتمييعها، ويترك ثم بعد ذلك يجي يقول لك إحنا ندرس المذاهب الفقهية ونعلم المذاهب الأربعة. للأسف أن بعض هؤلاء يتأثر بقضية المذاهب وآخر شيء ينظر إليه المذهب، ويعلم أن قواعد المذهب تأبى هذه الفتوى المميعة، لكن نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين.

كذلك الإقامة كما قلنا في بلاد البدع، ولاحظ هذه الفكرة، البدع المضلّة؛ فإن تقيم في بلاد من الرفض أو الاعتزال أو الجهم ولا تستطيع أن تظهر عقيدة أهل السنة والجماعة لا يجوز، يجب أن تهاجر. وهذه توسيع لمفهوم الهجرة، فالهجرة الهجرة من بلاد الكفار ومن بلاد أهل البدع المضلّة. فإن قدر على إظهار دينه، إذا كنت والله مستطيع تظهر دينك في بلاد الغرب أو مستطيع تظهر دينك في بلاد أهل البدع بنقول لك الهجرة مسنونة في حقك وليست واجبة.

وانظروا لتجديد الفقهاء في موضوع الهجرة وتأكيدهم، يقولون الهجرة من بلاد الكفر أو بلاد البدع إلى بلاد الإسلام لمن لا يستطيع قلنا واجبة، صح؟ قالوا ولو امرأة في عدتها، ولو من دون محرم، قضية يعني خط أحمر. يعني ولو كانت امرأة في عدتها، المرأة في عدتها معروفة تبقى في بيتها، يعني لو امرأة في عدة وفاة وأصبحت وهي في بلاد كفر ولا تستطيع أن تظهر دينها، يحق لها تسافر يا شيخ لبلاد الإسلام؟ نعم. طيب ولو ما عندها محرم؟ ولو من دون محرم. شوفوا الاستثناء، يعني نحن عندنا القاعدة هل يجوز للمرأة أن تسافر مسافة القصر من دون محرم؟ نحن قلنا المحرم يلزم المرأة في أي سفر عرفًا، هذا مذهب الحنابلة، هل يجوز للمرأة أن تسافر من دون محرم؟ لا، إلا قضية الهجرة، قالوا ولو كانت سفرة من دون محرم تفعله المرأة.

ما أنت لما تسمع حكمًا بهذا القوة أن المرأة تستطيع أن تهاجر ولو كانت في عدتها ولو من دون محرم إلى بلاد الإسلام، تعرف أن قضية الهجرة هي خط أحمر لا يجوز تجاوزه، اعتباره والله مسألة من الفقه القديم الذي طوي، يعني هناك كثير من الأمور تحتاج إلى إعادة نظر للأسف عند كثير من المتصدرين. المهم نذهب إلى مسألة أخرى، قال فصل والأسارى من الكفار على قسمين.

بسم الله، الحمد لله، تفضل شوف، طيب قال فصل والأسارى من الكفار على قسمين. الآن الأسرى الذين نأخذهم من الكفار في المعركة، طبعًا سيأتي مفهوم الغنيمة وكيفية تقسيمها، لكنه عقد هذا الفصل خاص بمفهوم الأسرى وأحكامهم، يعني هذا فصل خاص بالأسرى وأحكامهم، الأسرى الذين يأخذهم المسلمون من الكفار في أثناء المعركة.

يقول لك والأسارى من الكفار الذين نأخذهم من الكفار على قسمين. القسم الأول: قسم يكون رقيقًا بمجرد السبي، وهم النساء والصبيان. بس أضيفوا عليهم الآن بدي أضيف ثالثًا ورابعًا: ثالثًا الحر غير المقاتل مثل الأعمى، الحر من الكفار الذي لم يقاتل مثل الأعمى، هذا إذا قُدر عليه يكون سبيًا، وبالتالي يقول الحنابلة الحر غير المقاتل كالأعمى إذا قُدر عليه هذا سبي يذهب ويعامل معاملة الرقيق. فإذا قتله أحد الجيش عليه أنه يغرم قيمته للغنيمة، هذا الحر غير المقاتل مثل الأعمى وما شابه ذلك من الأحرار مثلاً الذين لا يقاتلون، هذا إذا أُسر هذا حكمه حكم النساء والصبيان يكون رقيقًا بمجرد السبي.

وبالتالي قالوا من قتل حرًا غير مقاتل كالأعمى، قد جاء واحد من المسلمين طعنه بهذا السكين وقتله، نقول له لا، هذا غنيمة وحكمه حكم الرقيق خلاص، أصبح رقيقًا بمجرد سبيه، ليس لك أن تقتله. إذا قتلته إيش صار الحكم؟ عليك أن تغرم قيمته وتوضع هذه المبلغ في الغنيمة، يعني بنشوف هذا الحر الذي قتلته كم قيمته؟ يعني قيمته لو كان عبدًا، هكذا يقولون قيمته لو كان عبدًا مثلاً عشرين ألف دينار، بدك تضع عشرين ألف دينار في غنيمة المسلمين، لأنك فوت عليهم جزءًا من الغنيمة. رابعًا أيضًا قالوا العبد، العبد سواء كان يقاتل في المعركة أو لا يقاتل فهذا غنيمة، يعامل معاملة الأموال، فلا يقتل إلا لمصلحة، هكذا قالوا. يعني يكون مثلًا عبد شرس والمسلمون ليسوا عارفين يمسكوه وخائفين من صولته، فلو قتلوه للمصلحة استثناء يعني هذا استثناء ما في مشكلة، لكن الأصل أن هذا يكون غنيمة ويكون رقيقًا بمجرد السبي؛ لأنه هو أصلًا رقيق فيبقى رقيقًا بمجرد السبي.

إذا هؤلاء الأربعة أحبائي هم القسم الأول الذي يكون رقيقًا بمجرد السبي، يعني بمجرد ما نمسكهم باختصار ونوثقهم إيش صاروا أرقاء. طيب إيش الحكم الآخر؟ أنتم ستعرفون الآن أكثر وأكثر لما نبين القسم الآخر. القسم الآخر الإمام يكون مخيرًا فيه بين أربعة أشياء. لكن القسم الأول هذا هو القسم الذي يكون بمجرد ما أن نوثقهم ونمسكهم يكونون عندنا خلص رقيق. يعني الحاكم ليس مخيرًا فيهم، يكونون مباشرة رقيقًا، الذين هم النساء، يعني لو أنت في المعركة والعدو معه نساء وأمسكت نساء العدو، فنساء العدو الذين يدخلون الآن في غنيمة المسلمين، الإمام لا يقتلهم، ليس مخيرًا فيهم بين القتل والفداء، لا، يكونون بمجرد ذلك رقيقًا. وكذلك صبيانهم إذا كانوا في المعركة واستطعت أن توثقهم يكونون رقيقًا بمجرد أن يُسبوا. كذلك الحر غير المقاتل مثل الأعمى مسكته في المعركة يكون رقيقًا بمجرد السبي. العبد بمجرد ما تمسكه قاتل ولا ما قاتل يكون رقيقًا بمجرد السبي.

القسم الآخر من أسرى الكفار قال: وقسم لا. إيش يعني قسم لا؟ وقسم لا يكون رقيقًا بمجرد السبي، لا، إذا سبيته يعني أسرته، مراد السبي هنا مفهوم خاص هو الأسر والتوثيق، وهم الرجال، أخرج من؟ الرجال البالغون، أخرج النساء، الصبيان، المقاتلون، أخرج من هنا الحر غير المقاتل، تمام؟ ونحن عرفنا أن العبد أيضًا بدك تخرجه لأن العبد قادر أو لا، يكون غنيمة يعامل معاملة الأموال أصلًا، هو أصلًا عبد فيبقى غنيمة يعامل معاملة الأموال لكن يقتل للمصلحة. تمام؟

فالرجال البالغون المقاتلون هؤلاء إذا تم سبيهم يعني إذا تم توثيقهم وأسرهم، إيش حكمهم؟ ما يكونون أرقاء بمجرد السبي، أي بمجرد الاعتقال، بل الإمام والحاكم مخير فيهم، فقال والإمام فيه مخير بين أربعة أمور: قتل، إما أن يقتلهم، وإما أن يجعلهم أرقاء، استرقاقهم هو أحد الخيارات فقط، إما أن يقتلهم الإمام، وإما أن يسترقهم، وإما أن يمن عليهم، خلص يطلق سراحهم لمصلحة كما سيأتي، أو فداءهم بمال أو فداءهم بأسير مسلم، الفداء بالمال أو بالأسير المسلم هي تعتبر نقطة واحدة. ويجب عليه أي على الحاكم المسلم فعل الأصلح من هذه، يعني ليس على هواه، والله الحاكم جالس قال خلص بدي أمن عليهم، طب ليش؟ ما هي المصلحة أنك تمن عليهم؟ والله خلص هكذا جاء ببالي، لا لا ينفع، نقول له ما هو الأصلح للدولة المسلمة؟ أنك تقتلهم؟

يعني شوف في غزوة بدر النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يأخذ الفداء ومنّ على بعضهم، لكن الله سبحانه وتعالى وافق قول عمر بن الخطاب، يعني هو خلص أذن للنبي صلى الله عليه وسلم بما فعله، لكن جاءت الآية في سورة الأنفال توافق رأي عمر القصة الشهيرة لما النبي صلى الله عليه وسلم في أسرى بدر استشار أبا بكر واستشار عمر، فأبو بكر رضي الله عنه إيش قال؟ قال له يا رسول الله هؤلاء أبناء العشيرة، فأنا أرى أنه توخذ منهم أموال فداء نستفيد منها تقوي بها الدولة المسلمة، وفي النهاية بنكون منّينا على أولاد عمومتنا، هم بالنهاية المشركون من كانوا؟ أولاد عم المهاجرين، صح ولا أولاد خالتهم؟

عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له رأي آخر، قال لا يا رسول الله هؤلاء صناديد الكفار، بدنا نقتلهم ونثخن فيهم حتى اللي بعديهم ما يرجعوا، ما يفكروا يرجعوا علينا. الآن النبي صلى الله عليه وسلم قال عمر بن الخطاب فوافق النبي صلى الله عليه وسلم ما لي رأي أبي بكر بحكم رحمته عليه الصلاة والسلام بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام ما لي إلا رأي أبو بكر، لكن جاء القرآن بموافقة من؟ موافقة عمر، ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68]. إيش رأس الآية؟ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾. الله جاء بموافقة عمر، يعني هو الأصلح كان في ذاك الوقت. وهذا اجتهاد كان منه عليه الصلاة والسلام يعني لا حرج، بس اجتهادي لكن جاء القرآن بموافقة عمر، فهذا يدل إذاً على أن الحاكم المسلم رئيس الجيش مخول في اختيار الأصلح من بين أربعة أشياء في حال اعتقال رجال أحرار مقاتلين: إما أنه يقتلهم، وإما أن يسترقهم، وإما أن يمن عليهم، وإما أن يأخذ فداءً بمال أو فداءً بأسرى مسلمين حسب المصلحة، ويجب عليه فعل الأصلح.

إذاً أسرى الكفار تقول لي على نوعين يا شيخ، أسرى يكونون أرقاء بمجرد أسرهم، من هم؟ النساء والصبيان والحر غير المقاتل والعبيد. النوع الثاني أسرى الإمام مخير فيهم بين أربعة حلول: يا قتل، يا استرقاق، يا منّ أن يمن مجانًا يعني، يا فداء بمال أو أسير مسلم، ومن هؤلاء؟ تقول هم الرجال البالغون المقاتلون.

الرجال البالغون المقاتلون. لو أضفتم الأحرار أظن ستكمل الصورة؛ لو قلنا الرجال الأحرار البالغون المقاتلون، ستكون الصورة أكمل؛ لأننا عرفنا العبيد أيضاً من القسم الأول الذين يكونون رقيقاً بمجرد السبي. فأنا أرى أنه لو قال وهم الرجال الأحرار البالغون المقاتلون ستكون هكذا أكمل، ولذلك ابن عوض فعل ذلك، وهذا يعني ميزة أصاب فيها ابن عوض أنه ذكر الأحرار؛ فأضافها أو استدركها على الشيخ مرعي.

بدي أعطيكم فائدة تتعلق بالقسم الثاني الذين هم الرجال الأحرار البالغون المقاتلون. قلنا هؤلاء لما تأسرونهم تأتون بهم للإمام، ليس الجندي هو الذي يختار الأحكام الأربعة، لا يقعد خمسة جنود مع بعضهم ويقولون: ما رأيكم نعمل فيهم يا شباب؟ لا، ليس هكذا الموضوع، هذا تذهب به إلى الإمام المسلم، هو الذي يقرر القرار الصائب. لذلك يقولون بالنسبة لهؤلاء القسم الثاني إذا قدر على الإتيان به، إذا قدرت أيها الجندي المسلم أنك تأتي بهذا الأسير -الذي هو الرجل البالغ المقاتل الحر- للحاكم، لا يجوز أن تقتله، لا تقل والله مليت من الصحاب وخلص أريد أن أقتل وأخلص عليه، لا ينفع. إذا قدر على رجل حر بالغ مقاتل لا يجوز للجندي أن يقتله، بل يجب عليه وجوباً أن يأتي به إلى الإمام المسلم حتى يختار الإمام واحد من هذه الأمور.

أما إذا الجندي المسلم حاول أن يوثق هذا العدو، هذا الرجل الحر البالغ المقاتل، فلم يستطع أن يأتي به، لأنه انظروا يقول الحنابلة: إذا استطعت أن تأتي به ولو بالضرب والإهانة والجر يجب أن تأتي به. لا يجوز أن تقتله، اضربه كفوفاً، افعل فيه ما تريد لكن تأتي به للحاكم. إذا عجزت عن الإتيان به بأي وسيلة من الوسائل، حينئذ تقتله. إذاً يقول الحنابلة: الرجال البالغون المقاتلون الأحرار، الجندي المسلم يجب عليه أن يأتي بهم إلى الحاكم ولا يجوز هو أن يتخذ القرار بنفسه، فتأتي به للحاكم بأي طريقة من الطرق ولو بالضرب ولو بالجر ولو بأي شيء.

إذا ما استطاع أن يأتي به، يعني هذا الأسير الكافر قال: لن أتحرك من مكاني، تضربه تجره، غير قادر، جثته ضخمة، فالجندي المسلم خاف وقال: يا عمي أنا لا أستطيع أن آتي به إلى الحاكم، ومش قادر أجيب أصحاب لي أو أتصل بالقيادة كي تأخذوا، يعني وضع في ظروف لا يستطيع أن يجيبه، بعد ما أسره خلاص يقتله، لا لا يقتله يا شيخ الله يرضى عليك. أحسنت، يعني صار أنه هذه القضية إما أن يرجع هو مبسوط أو أن أقتله، لا اقتله.

ثم قال: ولا يصح بيع مسترق منهم لكافر. الآن عرفنا أن القسم الأول من الأسرى هم الذين يكونون أرقاء مباشرة، يعني الحاكم ليس له خيار فيهم، مباشرة يكونون رقيقاً، يدخلون في الغنيمة ويوزعون مع الغنائم، فهمتم علي؟ أرقاء يدخلون في الغنيمة ويوزعون مع الغنائم. وكذلك بالنسبة للرجال الأحرار البالغين المقاتلين عرفنا أن الإمام مخير فيهم من أربع خيارات، منها أن يستعملهم كأرقاء.

متى كان الأسير رقيقاً سواء من القسم الأول الذي هو رقيق إلزاماً، أو من القسم الثاني الذي هو رقيق باختيار الحاكم، إذا أصبح عند الأسير رقيقاً وعاملناه معاملة الرقيق ووضعناه في الغنيمة، هذا لا يصح بيع أحد منهم للكفار؛ لذلك قال: ولا يصح بيع مسترق منهم لكافر. ليش أحبابي برأيكم؟ حتى لو كان يا شيخ الرقيق كافر، ما بصير أبيعه لكافر، ما بصير. ليش برأيكم؟ انظروا حتى تفهموا عمق نظر الفقهاء؛ يعني نحن الآن سبينا نساء، سبينا صبيان، أو عندنا رجل بالغ حر مقاتل سبيناه، والإمام المسلم قال حولوه لرقيق، المهم عندنا رقيق كافر أو مسلم ممكن يسلم بعدين، صح ولا لا؟

الرقيق هذا سواء أسلم بعدين ولا ظل على كفره، هذا الرقيق الذي دخل عندنا إلى بلاد الإسلام لا يجوز أن نرجعه ونبيعه لكافر شو ما كان الكافر، قالوا حتى لو كان الكافر مقيماً في بلاد الإسلام ذمي؟ نعم. هذا الرقيق الذي أصبح في أيدي المسلمين وللمسلمين، وسيوزع في الغنيمة على المسلمين، لا يجوز أن يباع للكفار بعد ذلك. قالوا لأننا نريد لهذا الرقيق أن يسلم مع الوقت لمصلحته؛ لأنه إذا أعطيناه لكافر نحن فوتنا على هذا الرقيق فرصة أنه يرى الإسلام بحق، فإذا بعناه للكفار سيعود إلى بلاد الكفر ويبقى على كفره. لكن إذا ظل في أيدي المسلمين يرجى إسلامه لما ينظر في عدالة الإسلام وأخلاق أهل الإسلام، فهذا الحكم لمصلحة الرقيق، ليس حكماً جميلاً لأنه نظرة جميلة، أنه نحن صح أنت ذهبت رقيقاً معنا، طبعاً أنت ذهبت رقيقاً وعبداً، يعني بعض الناس يقول لك ليش صار رقيقاً؟ لأنه هو الذي حاربنا، يعني هذه المرأة التي كانت في جيش الكفار ماذا تعمل؟ وهؤلاء العبيد الذين يقاتلون مع الكفار، وهذا الأعمى الذي في جيش الكفار، ماذا يعمل جالس؟ ليش جاء يقاتل مع العدو؟ ليش جاء يشاركهم؟ ليش جاء يناصرهم؟ أنت بفعلك هذا جنيت على نفسك، امرأة ولا عبداً ولا أعمى، أنت جنيت على نفسك، فتحويلك لرقيق هذا هو الجزاء العادل لجريمتك التي ارتكبتها. لكن ما علة جعلناك رقيقاً؟ لا تفكر، قد يكون الرق هو مصلحتك؛ لأنه أنت لما تصبح رقيقاً وتدخل في بلاد الإسلام، هذه المرأة التي عندنا رقيقة، أو الصبي، أو الأعمى، أو العبد، لما يعيش في بلاد الإسلام ويسمع الأذان كل يوم ويشوف الناس بتصلي، أليس هذا أدعى بأن يسلم؟

الإسلام منع أن نبيع هؤلاء الأرقاء للكفار مرة أخرى، حتى ولو كان الكفار أهل ذمة في بلاد الإسلام، ما ينفع لأننا نريد أن نعطيهم فرصة للإسلام، ونريهم أخلاق الإسلام لعل الله عز وجل يكتب لهم الهداية. هذه وجهة نظر الحنابلة، حتى ولو كان الرقيق مقيماً على كفره بعد لا يباع.

ثم قال: ويحكم بإسلامه. الآن يريد أن يتكلم عن الصبيان الذين سبيناهم، هذا حكم خاص بالصبيان؛ الصبيان الذين لم يبلغوا وتم سبيهم في المعركة، يعني رجال الكفار جاءوا إلى المعركة وجايبين معهم صبيانهم، ممتاز؟ هؤلاء الصبيان تم سبيهم، من قتل آباؤهم فالمسلمون أخذوهم معهم، لا يجوز أن يُقتلوا، المسلمون يأخذونهم معهم ويكونون معهم في ديارهم. هؤلاء الصبيان الدولة المسلمة كيف تعاملهم؟ هل تعاملهم على أنهم كفار تبعاً لآبائهم، ولا تعاملهم على أنهم مسلمون لأنهم لم يبلغوا؟

شفتوا المشكلة أين؟ أن هذا صبي لم يبلغ، والآن جبناه وسبيناه في المعركة، هل أحكم عليه وأعامله معاملة الكفار بأن أبوه كافر، ولا أعامله معاملة المسلمين لأنه لم يبلغ بعد؟ يقول الحنابلة: ويحكم بإسلام من لم يبلغ من أولاد الكفار عند وجود أحد ثلاثة أسباب، يعني الأصل في أولاد الكفار أنهم يحكم بكفرهم إلا في أحد ثلاثة أسباب يحكم عليهم بأنهم مسلمون. طبعاً الحكم في الكفر أو الإسلام هذا لما سيترتب عليه من أحكام دنيوية في المواريث في الحقوق، لها كثير من الحيثيات الفقهية؛ فلذلك لازم أحدد أن هذا الصبي الذي سبيناه سنعامله على أنه مسلم ولا كافر.

فقال الحنابلة: يحكم بإسلام من لم يبلغ من أولاد الكفار عند وجود أحد ثلاثة أسباب. ما هي؟ طبعاً في الحقيقة هنا لا يحكم بإسلام من لم يبلغ من أولاد الكفار يقصد بهم أولاد الكفار الآن الذين يقيمون في بلاد المسلمين تحت الحكم الإسلامي، وستنظرون أنه سواء كان فعلاً أُخذ من المعركة أو نشأ في بلاد الإسلام، يعني ستلاحظون أن الحكم هنا أعم من أن يؤخذ هذا الصبي من ميدان المعركة. هذا حكم عام حتى لو كان لم يؤخذ من ميدان المعركة وإنما نشأ في بلاد الإسلام؛ الحكم العام أن أولاد الكفار لا يحكم بإسلامهم إلا بأحد ثلاثة أسباب.

أحدها: أن يسلم أحد أبويه خاصة. يعني أولاد الكفار سواء أُخذوا من ميادين المعارك أو ولدوا في بلاد الإسلام، أبوه وأمه كفار وهو هذا الصبي ولد في بلاد الإسلام، ممتاز، إذا أحد أبويه، أحد أبوي هذا الصبي الذي لم يبلغ، إذا أحد أبويه أسلم، الصبي مباشرة يحكم بإسلامه. تمام؟ يعني مثلاً في بلادنا رجل وامرأة، عائلة نصرانية رجل وامرأة نصرانيان أنجبا ولداً، الآن الولد ابتداءً سيحكم أنه نصراني حتى ولو لم يبلغ، فيكون نصرانياً يعني سيعامل معاملة النصارى في الأحكام الفقهية. أما عند الله وحكم أولاد الكفار إذا ماتوا قبل أن يبلغوا، هذه مسألة إخواني لا تدخلونا فيها، مسألة طويلة وكثير من المحققين توقف فيها، حتى أن أحمد بن حنبل توقف فيها. تمام؟ من الأقوال أنه توقف فيها، وبالتالي أنا أتوقف في هذه المسألة ودعوها، لكن أنا لا أتكلم إذاً عن الحكم الأخروي لهم إذا ماتوا قبل أن يبلغوا. هنا الفقهاء يتكلمون عن أي حكم يا مشايخ؟ الحكم الدنيوي فقط، أما عند الله كيف سيعاملون؟ هذا دعوه، وإن كان كثير من أهل العلم يرون أن هؤلاء مثلاً يمكن أن يعقد لهم اختبار يوم القيامة خاص بهم مثل أهل الفترات. قضايا شائكة إن شاء الله ندرسها في الاعتقاد إن وصلنا لتلك الأبواب.

لكن هنا نحن نتكلم عن الحكم الدنيوي، حتى البعض ما يتأثر أو يفهم الموضوع خطأ، نحن نتكلم عن حكم دنيوي؛ رجل نصراني وامرأة نصرانية أنجبا ولداً، في الحكم الدنيوي الولد يحكم عليه أنه نصراني كافر، إلا قالوا إذا أسلم أحد الأبوين، إذا أسلمت الأم أو أسلم الأب، الولد سيتبع المسلم فنحكم عليه بأنه مسلم من حين هذه اللحظة. إذاً أن يسلم أحد أبويه خاصة، شو يعني خاصة؟ يعني ليس الجد أو الجدة، أنه هذا الحكم إذا كان الإسلام لأحد الأبوين خاصة، أما إذا أسلم جده أو جدته أو أجداده لا، هذا لا يتأثر به، لابد يكون الذي أسلم أحد الأبوين حتى ولو لم يسلم الآخر. طبعاً إذا أسلما كليهما من باب أولى، صح ولا لا؟ لأن الأولوية ما بنبه عليها لأنها واضحة.

الحالة الثانية: قال أن يعدم أحدهما أو يموت أحدهما في دارنا، اكتبوا هكذا، أنا أضفت أن يعدم أحدهما وقال في دارنا بس أنا أريدكم تضيفوا أن يعدم أحدهما أو يموت أحدهما بدارنا، طبعاً والبعض يقول لي يعني أن يعدم أحدهما غير أن يموت أحدهما؟ نعم، أن يعدم أحدهما أذكركم مثالها غير أن يموت أحدهما، أن يعدم أحدهما بدارنا يعني بدار الإسلام في بلاد المسلمين، بسم الله، أو يموت أحدهما، أحد أبويه، بدارنا أي بديار المسلمين. يعني ماذا هذه الصورة الثانية؟ صبي سواء هذا الصبي جبناه من سبي المعركة ولا نشأ عندنا عائلة زي ما تفضلنا رجعنا العائلة النصرانية، عائلة نصرانية رجل وامرأة أنجبوا طفلة، الطفل إذا ابتداءً سيكون إيش حكمه؟ حكمه من حيث هذا نصراني كافر، لن يعامل معاملة الإسلام في الحكم، مات أحد أبويه في دارنا، في ديار الإسلام، اه كنت في دائرة مهمة، لأنه إذا مات أحد أبويه في الغرب لا، ما ينتقد الحكم، لازم يموت في دارنا. إذا مات أحد أبويه في دارنا، هنا قال الحنابلة يحكم على هذا الصبي ماذا؟ بالإسلام. صوروه حتى يعني يا شيخ ما حدث ما أسلمش أحد أبويه مات أحد أبويه، حتى لو مات، لو مات أحد أبويه في دارنا الأم أو الأب يحكم بماذا؟ بإسلام هذا الصبي من حيث الحكم الدنيوي، الآن، اه، إذا مات أحد أبويه في دار الكفر يعني أبوه في أمريكا مات في أمريكا، لا يحكم عليه بأنه مسلم، طبعاً اه إخواني زي ما قلت لكم لاحظوا أنه يتكلم الآن عن حكم أولاد الكفار في المجتمعات المسلمة، سواء زي ما قلنا أرقاء.

يعني أنا لاحظت الحكم أعم من أنه يتعلق، أنا صحيح ابتداءً مثلت بسبي الصبي وتكلمت عن ذلك أنه هذا هو سياق حديثنا، لكن الحكم أعم من ذلك، الحكم أهم من ذلك، لذلك هو إيش قال؟ ويحكم بإسلام من لم يبلغ من أولاد الكفار، عم يتكلم عن حكم عام عام، سواء هؤلاء أولاد الكفار أتينا بهم من خلال السبي وهم الآن مثلاً سبيون عندنا في بلادنا مع أهاليهم، أو هم عائلة عادي عائلة من كفريات في بلاد الإسلام، ما حكم أطفالهم من حيث الحكم الفقهي؟ بدك تعرف فالحكم عام على كل صبي لعائلة كافرة يعيشون في بلاد الإسلام بأي طريقة حصلوا، بسبي أو بغيره، فهذا الصبي الأصل فيه أنه كافر من حيث الحكم الأصلي، إلا إذا أسلم أحد أبويه فحينئذ سيحكم بإسلامه، إذا مات أحد أبويه في دارنا سيحكم.

قال أو يعدم أحد أبويه، إيش أشرك؟ أو يعدم أحد أبويه، شو الفرق بينه وبين أن يموت؟ المراد بالعدم هنا، يمثلون قالوا لو زنت امرأة كافرة، لو زنت امرأة كافرة بمسلم أو كافر فحملت فولدت، هذا الولد سينسب إلى من؟ ولد الزنا ينسب إلى أمه، صح؟ فهنا يقولون هذا الولد عدم أبوه، عدم أبوه مش لأنه أبوه مش موجود بالمعنى العلمي يعني ميت، لا مراد عدم أبوه أنه لا ينسب إلى أبيه بسبب أنه ولد زنا، فيقولون المرأة الكافرة إذا زنت في بلاد الإسلام، زنت بمسلم حتى لو زنت بمسلم يا مشايخ، أو زنت بكافر.

سئلت عن ولد وُلد في دارنا، هذا الولد سيحكم بأنه مسلم، امرأة نصرانية زنت برجل نصراني فأنجبت ولداً، هل الولد يحكم عليه بأنه مسلم؟

نعم، هكذا يقول الحنابلة، ولماذا؟ قالوا لأن أحد أبويه معدوم. والمعدوم فعلياً هو الأب الوالد؛ لأن ابن الزنا يُنسب إلى أمه، فيُحكم بإسلامه. هذا معنى العدمية، والعدم هنا ليس عدم الوجود الحسي، بل هو عدم الوجود المعنوي.

فعدم الوجود المراد هو العدم المعنوي، ومثاله أن تزني كافرة في بلاد الإسلام بكافر أو مسلم فأنجبت ولداً، فيقولون أحد أبويه معدوم انعداماً معنوياً فقهياً، فيُعامل هذا الصبي على أنه مسلم. أو قلنا إن يموت أحد والديه في دارنا. فلاحظوا، لازم هذه الكافرة تزني بالمسلم وبالكافر، وتكون في ديارنا وليس في بلاد الكفار، فلو زنت في ديار الكفار لا يؤخذ الصبي حكم المسلم أبداً.

إذن، الحالات هي: أولاً أن يسلم أحد أبويه خاصة. ثانياً أن يُعدم أحد الأبوين انعداماً، والمراد العدم المعنوي، أو يموت أحد الأبوين في دار الإسلام. ثالثاً، وهو الذي يتعلق بالسبي خصوصاً، أن يسبيه مسلم منفرداً عن أحد أبويه أو عن كلا أبويه.

وهذا يتعلق بالسبي؛ فإذا كان المسلم في ميدان المعركة قد سبا هذا الصبي، واستطاع أن يظفر به منفرداً عن كلا أبويه، أو حصل له الصبي ولم يستطع الحصول على أبويه؛ سواء قتلوا أو ماتوا أو هربوا، فالمهم لم يحصل عليهم، أو حصلنا في المعركة وسبيناه مع أحد أبويه، مع أبوه أو مع أمه، فهنا هذا الصبي أيضاً سيعامل معاملة أنه مسلم.

أما إذا سبيناه مع كلا والديه، فماذا نحكم عليه؟ إذا سبينا الصبي في المعركة مع كلا والديه، سيحكم عليه أنه كافر، فيعيش في بلاد الإسلام مع والديه على أنه كافر، ولكن هل يمكن أن يتحول إلى مسلم؟ نعم، بالسبب الأول أو الثاني؛ بأن يسلم أحد أبويه أو يموت أحد أبويه في ديارنا.

فإذاً هذه المسألة عامة في أولاد الكفار كيف يعاملون داخل المجتمع الإسلامي؟ الأصل أنهم كفار يعاملون معاملة الكفار في الحكم الدنيوي، إلا إذا أسلم أحد الأبوين خاصة، أو عُدم أحد الأبوين انعداماً معنوياً، أو مات أحد الأبوين في دارنا، هكذا يحكم بإسلامهم.

أما الحالة الثالثة فهي أن يسبيه مسلمون، ركزوا أن يسبيه مسلم، هذا الصبي منفرداً عن أحد أبويه أو عن كلا والديه، فحينئذٍ بمجرد هذا السبي سيحكم بإسلام هذا الصبي في الحكم الدنيوي.

ثم قال: «فإن سباه ذمي فعلى دينه». ركزوا في هذه القضية؛ إذا في المعركة شارك بعض أهل الذمة -وسنعرف إن شاء الله هل نتطرق إليها أم لا- المهم بشكل عام أن الأصل لا يجوز الاستعانة بالكفار في المعارك للمسلمين، إلا إذا كانت هناك ضرورة. فلو أننا شاركنا في معركة وساعدنا كفاراً من أهل الذمة للضرورة، وهذا الكافر الذمي استطاع أن يسبي صبياً منفرداً عن كلا أبويه أو عن أحد أبويه وجاء به لديار الإسلام، فما حكم هذا الصبي؟ لا يحكم أنه مسلم، بل يحكم أنه على دين الذمي؛ فإذا كان يهودياً عاملناه لأنه يهودي، وإن كان نصرانياً عاملناه لأنه نصراني. لذلك قال: «فإن سباه ذمي فعلى دينه»، أي فعلى دين الذمي.

وقال: «أو سبي مع أبويه فعلى دينهما». أما إذا سبي هذا الصبي مع كلا أبويه وجبناه من بلاد الكفر، فماذا يكون؟ كما قلنا قبل قليل يكون على دين أبويه؛ إذا كان أبواه يهوداً يكون دينه يهودياً، وإن كانا نصرانيين يكون على دين النصارى، وعلى ذلك.

الخلاصة: إذا سبى المسلم صبياً منفرداً عن أحد أبويه أو عن كلا والديه، حُكم على الصبي المسبى بأنه مسلم. وإذا سباه الذمي، منفرداً عن أحد أبويه أو عن كليهما، فالصبي على دين الذمي. أما إذا سبي الصبي مع كلا أبويه، سواء سباه مسلم أو ذمي، فدين الصبي ليس دين المسلم ولا دين الذمي، بل هو دين أبويه، نرى ما هو دين أبويه ويتبعهما.

انتهى الوقت من المعركة، الظاهر أنني تعبت كثيراً، الساعة الآن نصف ساعة، فبقي إن شاء الله نجعله للمحاضرة القادمة بإذن الله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.