دخولتسجيل الدخول

الدرس 47 - تعريف الصيام، شروط الوجوب والصحة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب «دليل الطالب لنيل المطالب» مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي رحمه الله تعالى. في المحاضرة السابقة أنهينا الحديث عن كتاب الزكاة، وهكذا نكون انتهينا من ثلاثة كتب في هذا المصنف المبارك: كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب الزكاة. واليوم بحول الله نشرع في كتاب جديد، ألا وهو كتاب الصيام.

وهنا دعوني أذكر نفسي وأحبائي من طلبة العلم بأهمية الصبر على هذا الطريق. نعم، اليوم لربما هي المحاضرة السابعة وما زلنا في كتاب الصيام، والرحلة ستحتاج إلى وقت. ولكن أحبائي، صدقوني من تابع بحرص، واهتم بالتلخيص والدرس، وكان يواظب على مراجعة ما مضى، ويستشكل أي مسألة تعرض عليه ويسألني، ويتناقش مع إخوانه وتتلاقح الأفكار، ويقوم بتشجيرات ومتابعة لهذه الدروس لي ولغيري بنفس طويل، هؤلاء هم الذين يفلحون بإذن الله.

طالب العلم الذي يبحث عن السرعة، والذي يبحث عن الزمن القصير في إنهاء المصنفات، صدقوني أحبتي لا يمكن أن يكون شيئاً في المستقبل. لا يمكن أن ترسخ عنده الأفكار، ولا يمكن أن يجمع المعلومات بصورة متينة، منضبطة، مشجرة، منظمة، منسقة. لذلك أنا أدعوكم إلى إطالة النفس، أدعوكم إلى شد المئزر كما يقولون؛ كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اتخذ الاعتكاف شد مئزره. أدعوكم إلى شد المئزر، أدعوكم إلى أن تنبذوا الدنيا وأن تطرحوها وراءكم، وأن تأخذوا منها قدر الحاجة، وأن توقفوا أنفسكم وحياتكم لله سبحانه وتعالى طلباً لهذا العلم.

من قرأ في سير الأوائل أحبتي عرف أن القوم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من الرسوخ العلمي، ولم يصبحوا راسخين في العلم، ولم يكونوا أصحاب مصنفات وكتب عظيمة جداً، إلا بعد أن قضوا الثلاثين والأربعين من سنوات العمر وهم يلخصون ويهذبون وينظرون ويحضرون المجالس. ما كانوا يشعرون بذاك الفتور الكبير الذي نشعر به اليوم في طلبة العلم. أحبائي، طالب العلم نعم تأتيه ساعات من الملل وساعات من الفتور، لكن ينبغي أن تكون هذه الساعات محدودة؛ لا تطول الفترة عند طالب العلم، لأن الفترة والملل إذا طال خسر طالب العلم عمره، ورأس المال لطالب العلم هو الزمن، هو الوقت، هو العمر. فإذا أضاعه طالب العلم بالنوم والملل والتقلب والذهاب والعودة، ماذا بقي للدرس الفقهي وللدرس الشرعي ولطلب العلوم الشرعية؟

فلذلك أحبائي نذكر أنفسنا ونتواصى معاً في هذه الدورة وفي هذا المساق وفي غيره من المساقات على أهمية أن نسخر أعمارنا ونوقفها لله رب العالمين. وهذا كلام أقوله لمن يبحث أن يكون عالماً، لمن يطلب من نفسه الهمة العالية، ولمن يطلب من نفسه المكانة الرفيعة في العلم؛ أقول له: عليك إذا أردت هذا الهدف أن تعرف قدره، وأن تعرف الثمن الذي عليك أن تبذله. إذا كنت تظن أن الأمر بالسنة والسنتين وبالعشر مدارس وينتهي الأمر، صدقني لن تكون شيئاً.

عليك أن تعرف حقيقة الطريق الذي تسلكه إلى الله سبحانه وتعالى، حقيقة طلب العلم. كيف تجلس على كل مسألة، تتفحص المسألة، تحاول أن تطبعها في قلبك، تحاول أن تعرف علاقتها بما قبلها وبما بعدها، وأن ترسم سلماً أو تشجيراً لكل الأفكار التي مرت بك في كل كتاب من كتب هذا المصنف ومن غيره من المصنفات. خاصة أحبائي أننا نحن الآن شرعنا في المستوى الثالث من مستويات هذا المشروع العلمي الذي نسير فيه، وهذه المستويات المتقدمة لا بد وأن تطول فيها الدروس، لا بد وأن تأخذ الدورة من 100 إلى 150 محاضرة حتى ينهى الكتاب بحقه فيما نزعم.

ينتهي الكتاب لكن الطالب يحصل على فائدة كبيرة مؤصلة ممنهجة، وليس مجرد طالب قرأ المصنف، لكن إذا سئل عن معنى كلمة لا يعرف، وإذا حاول أن يستذكر مسألة لا يدركها، وإذا حاول أن يعرف الارتباطات لا يحسنها؛ هذا لم يدرس الكتاب. وهذا ما يؤسفني على كثير من طلبة العلم، أنه يجلس ويعطي جزءاً من الوقت لمصنفات وكتب لكنه لا يدرسها حق الدراسة، لا يفهمها حق الفهم، يبقى يتكاسر عن السؤال، يبقى يبحث عن الدراسة السريعة، يبقى يبحث عن إنهاء الكتاب في أسرع وقت. ثم بعد ذلك إذا جاء وقت الحصاد لنرى هذا الطالب ما الذي حصده؟ نسأله عن مسألة في المذهب، أو مسألة في النحو، أو مسألة في الصرف، أو مسألة في البلاغة، أو في الاعتقاد، أو في مصطلح الحديث، نجده مشتت الذهن، مغلق العبارة، لا يحسن التعبير عن أفكاره، لا يعرف مسالك أهل العلم، لم يضبط المسائل والفتاوى والأحكام. وهذا من أسبابه كما قلنا العجلة في قطف الثمرة، ورغبة الطالب في أن ينتقل ويشاهد أشياء جديدة.

وينتقل من دون أن يفكر أنه لماذا أنا أستعجل في الانتقال؟ أليس المهم والله يا أحبائي لو أن الطالب يجلس على كتاب واحد يحكمه حق الإحكام ويعيده مرات ومرات، صدقوني نفعاً لهذه الأمة أفضل بكثير من أساتذة ومتصدرين قرأوا عشرات بل مئات الكتب لكنهم لا يضبطون كتاباً واحداً ضبطاً محكماً. لذلك كانت نصيحة مشايخنا أن الطالب إذا أعاد الكتاب وأعاد النظر في مسائله وأحكمه وراجعه واستظهره -إذا كنت لا تستطيع الحفظ استظهر- صدقوني يا أحبائي هذا سيكون نفعه عظيماً لهذه الأمة، نفعه خاصة في المسائل أو في المساقات المهمة كالاعتقاد والفقه والتفسير؛ هذه المساقات التي هي مقاصد العلوم الشرعية ينبغي أن تستفرغ فيها الجهد والطاقة. واعلم أنك تتكلم عن آلاف المسائل، إذا أردت أن تأخذها جملة ستطير منك جملة، لكن إذا أخذتها رويداً رويداً هنا تثبت هنا ترسخ.

مثل هذا المصنف أحبائي «دليل الطالب»، كان مشايخنا رحمه الله تعالى عليه -من كان ميتاً وحفظ الله سبحانه وتعالى من كان حياً- كان مشايخنا يجلسون عليه السنة والسنتين والثلاث. مثل «دليل الطالب» ما كان ينتهي بست ولا بسبعة أشهر، وإن كنا نحن نحاول أن نضغط في الدروس حتى نسعى لإتمام الكتاب في مدة لا تطول على الطالب. ولكن هذا الكتاب وغيره من المصنفات الطويلة لا يشرح في ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر إلا لمن أراد كما قلنا أن يسلكه سلكاً سريعاً، وهذا لا يمكن أن يفلح إلا إذا تفرغ من صباحه إلى مسائه، هذه حالة أخرى.

لكن المعتاد على طالب العلم أن عنده مشاغل والتزامات في الحياة، فإذا أراد أن يضبط كتاباً بهذا الحجم يحتوي على آلاف المسائل الفقهية ويكون ضبطاً صحيحاً ودرساً فقهياً ناضجاً مثمراً، عليه أن يعرف أنه أقل شيء مثل هذه المصنفات تحتاج إلى عام. نحن نحاول أن نحصر الأمور لتنتهي إن شاء الله في أقل من ذلك، من سبعة إلى ثمانية أشهر، لكن أرجو ألا يتسرب الملل، وأرجو ألا تيأس النفوس. وانظروا إلى ما ادخره الله سبحانه وتعالى لكم من الثواب العظيم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، وتذكروا ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18].

أن تصبح من أهل العلم الذين قرن الله شهادتهم بشهادته، هذه مرتبة لا تنال بالنوم واللعب واللهو وطلب العجلة. أن تصبح داخلاً تحت قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، أردت أن تدخل تحت هذا عليك أن تتحقق به، وإياك أن تكون ممن يتشبع بما لم يعط، فهذا كلابس ثوبي زور. هذه نصيحة فقط في البداية أردت أن أشحذ بها الهمم، ليعرف الطالب أن الأمر ليس بالأمر الهين، ولكن الله سبحانه وتعالى يوفق من شاء من عبيده ليثبت على هذا الدرب، وليلقى الله سبحانه وتعالى عليه.

وقد توفى الله سبحانه وتعالى البارحة شيخاً جليلاً عظيماً من أهل العلم الراسخين، الشيخ محمد الأثيوبي رحمه الله عليه، وهذا الشيخ من شيوخ مشايخنا الكرام في المدينة النبوية وفي مكة المشرفة. كان عاش للعلم ومات مع العلم، عاش حياته كلها أحبائي في تدريس الطلبة في المسجد الحرام، عاش حياته في التصنيف في التأليف، في الانتقال في الدورات والمساجد، ومن مكان إلى مكان، ومن علم إلى علم، ومن مصنف إلى مصنف. كثير من الطلبة في العالم الإسلامي لربما لا يعرفونه، لكن يكفي أن الله سبحانه وتعالى يعرفه، ويكفي أن هذا الرجل يشهد له الثقات من أهل العلم بحجم المجهود العلمي الكبير والمصنفات العظيمة التي تركها وراءه لهذه الأمة.

وعندما أنظر في حال هؤلاء والله أغبطهم أحبائي على مثل هذه الميتة، أن يموت الإنسان بعد أن قدم مسيرة علمية كبيرة وهائلة، بعد أن خرج مئات وآلاف طلبة العلم، بعد أن ترك ميراثاً علمياً لهذه الأمة. ربما لم يترك قصوراً ولم يترك ديناراً ولا درهماً، لكنه ترك ما هو أعظم وأجل من ذلك، ترك ميراث العلم. فهؤلاء العلماء هم ورثة الأنبياء الذين عاشوا على العلم وماتوا على العلم، ولم يكن هدفهم الشهرة ولم يكن هدفهم أن يجمعوا الجماهير. الشيخ الأثيوبي رحمه الله عليه لم يكن حاضراً على وسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن منهوماً باليوتيوب والفيسبوك، بالتأكيد لأنه لو كان كذلك لما كان الشيخ الأثيوبي؛ بالتأكيد كان حريصاً منذ الصغر وفي مرحلة الشباب وفي مرحلة التحصيل إلى آخر لحظات العمر، كان حريصاً على المسألة والمسألتين، حريصاً على التحرير العلمي والتدقيق.

لذلك عندما تنظر في مصنفاته ترى كلام عالم كبير جليل، محرر، محقق، منقح، ليس إنساناً كان -للأسف- الدراسات الجامعية اليوم دكتور جامعي وهو في النهاية لم يقرأ خمس ست كتب من الكتب الطويلة ولم يتقنها غاية الإتقان، وإذا سألته في المسائل يشد يميناً وشمالاً ولا يحسن أن يضبط شيئاً من كلام الأوائل. كان الشيخ الأثيوبي رحمه الله عليه جبلاً من جبال العلم في الوقت المعاصر، نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعلنا ممن يحيا على هذا الدرب وأن يموت على هذا الدرب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والله أحبتي شرف ما بعده شرف أن تموت وأنت طالب للعلم، أن تموت على هذا الدرب، على هذا الطريق، لست تبحث عن زخارف الحياة الدنيا وعن شهواتها. إذا انشغل الناس بالدينار والدرهم، انشغلوا بالقيل والقال، انشغلوا بوسائل التواصل، انشغلوا بالفتن، طالب العلم ينشغل بالعلم النافع والعمل الصالح والتقرب إلى الله وتعليم الناس الخير ونشر الحق والثبات عليه؛ هذا والله هو الفلاح، هذا هو الفوز، ﴿لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: 61]. اللهم وفقنا وسددنا وألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

نشرع اليوم أحبائي في كتاب الصيام مع الشيخ مرعي الكرمي رحمه الله عليه. الصيام لغةً أحبائي هو الإمساك، فأي إمساك عن أي شيء يقال له صيام. فمن أمسك عن الحديث فقد صام، ومنه قول مريم رضي الله عنها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: 26]، صامت عن الكلام. فمن صام عن الكلام، من صام عن الطعام، من صام عن الشهوات، من صام عن أي شيء؛ يقال له صائم. هذا في عموم اللغة. أما في الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، فقد خُص الصيام، هذه المفردة اللغوية خُصت بمفهوم محدد.

فالصيام في الشريعة -وهنا الآن ننتقل للمفهوم الشرعي للصيام- هو إمساك بنية مخصوصة عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص. باختصار: هو إمساك بنية مخصوصة عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص. دعوني أكتب هذا التعريف على الشاشة ونحلل سريعاً: الصيام شرعاً إمساك بنية مخصوصة عن أشياء مخصوصة.

فالصيام في الشريعة ليس هو الإمساك عن الحديث أو الإمساك عن أي شيء، كلا هو إمساك عن أشياء مخصوصة، وهي التي نسميها مفسدات الصيام. فهذه المفسدات ليست فقط الطعام والشراب؛ بعض طلبة العلم يظن أن المفسدات هي فقط الطعام والشراب، لا، المفسدات أعم من ذلك، وسنعرف إن شاء الله ما هي مفسدات الصيام.

إذن: إمساك بنية مخصوصة، عن أشياء مخصوصة، في وقت مخصوص. طيب ما هو الوقت المخصوص يا شيخ؟ الوقت المخصوص اكتبوا تحته: من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. تمام، هذا هو الوقت المخصوص؛ أن تمسك بنية مخصوصة عن أشياء لا تقترب منها في وقت مخصوص. هذا الوقت المخصوص هو من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. إذاً هذا هو تعريف الصيام شرعاً أحبائي.

ثم بعد أن عرفنا الصيام لغة وشرعاً، يأتي السؤال الأول وهو: متى يجب صوم رمضان؟ في كتب الفقه يتكلمون ابتداءً عن رمضان كونه أهم شكل من أشكال الصيام. نعم، الصيام له أشكال: هناك صيام النفل، هناك صيام الفرض، وهناك صيام الفرض أنواع؛ هناك صوم فرض ابتداءً لله سبحانه وتعالى فرضه الله عليك، هناك صوم فرض كفارات، هناك صوم إلزامي تلزم به نفسك من خلال النذر. فالصيام بالتاكيد ليس فقط هو صيام رمضان، هناك نفل، هناك نذر، هناك صيام كفارات، هناك صيام رمضان، وهناك أيام...

تستحب الشريعة صيام أيام بعينها، وهذه تدخل تحت صيام التطوع، ولكن لكون رمضان هو أهم شكل من أشكال الصيام، اهتم الفقهاء بتقرير أحكامه ابتداءً، فيبدؤون بالكلام عن صيام رمضان. والمسألة الأولى هي: كيف يثبت شهر رمضان؟ وربما يُطرح السؤال بشكل آخر: متى يجب صوم رمضان؟ في بعض المصنفات الفقهية يقولون: ويثبت شهر رمضان بكذا وكذا، أي يثبت دخول شهر رمضان بواحد من الطرق التالية. الشيخ مرعي هنا لم يقل يثبت شهر رمضان، بل عبّر بطريقة أخرى عن المسألة فقال: يجب صوم رمضان بكذا وكذا، فسواء وُجدت المسألة في الكتب الفقهية بصيغة "يثبت شهر رمضان" أو "يجب صوم رمضان"، فهي نفس المسألة، وإنما الاختلاف في طريقة التعبير.

إذن الشيخ مرعي يقول الآن: متى يجب صوم رمضان على المكلفين؟ أو متى يثبت دخول شهر رمضان بحيث يترتب على ذلك الصيام على من هو ملزم به؟ فيقول الشيخ مرعي: يجب صوم رمضان برؤية هلاله، هذه هي الطريقة الأولى التي يثبت بها دخول شهر رمضان ويجب بناءً على ذلك صيامه. قال: على جميع الناس يجب صوم رمضان برؤية هلاله. طبعاً قوله "على جميع الناس" في الحقيقة من العام الذي أُريد به الخصوص؛ لأنه ليس كل الناس يلزمهم أن يصوموا رمضان، فهناك مثلاً أطفال لم يبلغوا الحلم فهؤلاء لا يلزمهم وهم من الناس، وهناك المجانين لا يلزمهم أن يصوموا رمضان لأنهم غير مكلفين. فقوله إذاً "على جميع الناس" عبارة سَعة فيها تعميم، فنقول: الناس هنا من العام الذي أُريد به الخصوص، ويقصد بالناس الذين يلزمهم الصيام. سنأتي إليهم إن شاء الله ونعرف من هم الذين يلزمهم الصيام لشهر رمضان. فاكتبوا فوق "الناس": الناس هنا عام أُريد به الخصوص، والمراد به الذين يلزمهم الصيام وليس عموم الناس بإطلاقه. وهذا كقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: 173]. فالناس الأولى هو رجل أمره أبو سفيان أن يذهب إلى النبي ﷺ والصحابة ويخبرهم بأن المشركين قد جمعوا لهم لغزوة حمراء الأسد، والناس الثانية هم كفار قريش. وهذا كثير في اللغة وفي النص الشرعي وفي النص الفقهي أن يُطلق العام ويُراد به الخصوص.

فإذاً: يجب صوم رمضان برؤية هلاله على جميع الناس، أي على جميع من يلزمهم الصيام. وقوله "على جميع الناس" إنما أراد به الشيخ مرعي أن يبين مذهب الحنابلة، وهو أن رؤية الهلال في بلد واحد تلزم جميع المسلمين في مختلف بقاع العالم أن يصوموا. والحنابلة لا يوجد عندهم ما يسمى باختلاف المطالع، هناك مذاهب فقهية تعتبر اختلاف المطالع فتقول: كل أهل بلد أو كل أهل جهة لهم مطلعهم ويصومون بناءً على رؤيتهم الخاصة، هذا ليس عند الحنابلة. الحنابلة يقولون: إذا رُئي الهلال في بلد إسلامي واحد -طبعاً كلمة إسلامي هنا ليست شرطاً وإنما أقصد في بلد على عمومها- إذا رُئي الهلال رؤية شرعية -وسنأتي ما هو ضابط الرؤية الشرعية- وجب الصيام على جميع المسلمين في مختلف بقاع الأرض ولا عبرة باختلاف المطالع. هذا هو المذهب عند السادة الحنابلة، لذلك قال: يجب صوم رمضان برؤية هلاله على جميع الناس. هذا الذي أراده بهذا التعميم بقوله "على جميع" ليبين أن الحنابلة لا يقولون باختلاف المطالع؛ فمتى رُئي الهلال في بلد من البلدان رؤية شرعية معتبرة، وجب الصيام على كل مسلم على هذه البسيطة ممن يلزمه الصيام. هذه هي الطريقة الأولى التي يثبت بها دخول شهر رمضان ويترتب بناءً على دخوله وجوب الصيام.

الطريقة الثانية التي يثبت بها دخول شهر رمضان ويترتب عليها بالتالي وجوب الصيام، ما قاله بعد ذلك: وعلى من حال دونهم ودون مطلعه غيم أو قتر -قتر يعني مثل الغبار والكُدرة التي تكون في الجو- ليلة الثلاثين من شعبان، احتياطاً بنية رمضان، ويجزئ إن ظهر منه، وتصلى التراويح ولا تثبت بقية الأحكام كوقوع الطلاق والعتق وحلول الأجل. هذه الطريقة الثانية التي يحكم بها الحنابلة بدخول شهر رمضان وبالتالي وجوب الصيام. ما هي هذه الطريقة؟ يقولون في ليلة الثلاثين من شعبان: الناس متى تبدأ تخرج لتراقب هلال رمضان؟ في ليلة الثلاثين من شعبان، لأنه إما أن تكون ليلة الثلاثين من شعبان، وإما أن تكون واحد رمضان. إذا رأينا الهلال فستكون الليلة القادمة ليلة الواحد من رمضان، وإذا لم نرَ الهلال فستكون الليلة القادمة ليلة الثلاثين من شعبان، هكذا هي الحسبة ابتداءً.

لكن يقول الحنابلة: إذا خرج الناس ليتراءوا الهلال في هذه الليلة التي سيُحكم بناءً على الرؤية هل هي ليلة الأولى من رمضان أو ليلة الثلاثين من شعبان؟ خرج الناس ليتراءوا الهلال عند الغروب فكان في السماء غيم يحول بينهم وبين رؤية الهلال، أو كان في الجو غبار وكُدرة تحول بينهم وبين رؤية الهلال، فلم يستطيعوا أن يعرفوا هل ظهر الهلال أو لم يظهر؟ هنا ما الواجب؟ هل الواجب إذا حال بيننا وبين رؤية الهلال غيم أو قتر أن نعتبر أن الهلال لم يطلع ونكمل الثلاثين من شعبان، أم الواجب أن نقدر أن الهلال خرج ونبتدئ على أنه الأول من رمضان؟ هذه حقيقة مسألة شهيرة جداً في الفقه الإسلامي تُسمى مسألة صيام يوم الشك إذا كان فيه غيم أو قتر. جماهير أهل العلم من الفقهاء يقولون: إذا كان في السماء غيم أو كُدرة فلم يُرَ بسببها الهلال ولم نعرف هل ظهر الهلال أو لم يظهر، نقدّر أن الهلال لم يظهر ونكمل الثلاثين من شعبان. الحنابلة -والمعتمد عندهم لأنه توجد أقوال أخرى داخل المذهب- أننا إذا لم نَرَ الهلال بسبب غيم أو قتر، فإننا نقدّر كأنه طلع، ونصوم اليوم القادم على أنه الأول من رمضان من باب الاحتياط. هكذا قال الحنابلة من باب الاحتياط، طبعاً توجد أحاديث ونقاشات كثيرة واستدلالات، لكنني لا أريد أن أتعبكم بها، أريدكم الآن فقط أن تتصوروا المسألة: إذا خرجنا نرى الهلال فكان في السماء غيم ولم نعرف هل خرج أو لم يظهر، الحنابلة يُقدّرون كأنه ظهر، وقالوا نصوم اليوم التالي على أنه الأول من رمضان من باب الاحتياط للعبادة. وبناءً أيضاً على الآثار التي وردت عن عبد الله بن عمر وغيره في "إذا غُمّ عليكم فاقدروا له"، أن الحنابلة فهموا "إذا غُمّ عليكم فاقدروا له" أي ضيّقوا شعبان واعتبروه 29 يوماً واعتبروا اليوم الذي يليه هو الأول من رمضان.

فلذلك انظروا ماذا قال الشيخ مرعي: "وعلى من حال دونهم ودون مطلعه" أي أناس خرجوا يتراءون الهلال فحال دونهم ودون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان، "احتياطاً بنية رمضان". يعني بالتالي بدك تقدّر، ويجب الصيام على جميع الناس إذا حال بينهم وبين مطلعه غيم أو قتر في ليلة الثلاثين من شعبان. ممتاز، طيب لماذا يصومون؟ قال: احتياطاً، فتصومه هذا اليوم الأول احتياطاً وتعتبره اليوم الأول من رمضان. وتصومه بناءً على ذلك قال: "احتياطاً بنية رمضان"، عليك أن تصوم على أنه من رمضان احتياطاً، وإن كنا لسنا جازمين بالتاكيد، وبالتالي أنت تصوم هذا اليوم وأنت لست قاطعاً 100% أنه من رمضان، لا حكم ظني، نقول: حكم ظني أنه من رمضان للاحتياط للعبادة. "ويجزئ إن ظهر منه"، يعني إن اكتشفنا بطريقة من الطرق أنه ظهر منه، أي بان أنه من رمضان. كيف يعني؟ مثلاً: صمنا هذا اليوم، وهذا اليوم نحن لسنا متأكدين 100% أنه هو الأول من رمضان، لأنه في الليلة السابقة نحن لم نَرَ الهلال بسبب وجود غيم أو قتر، فصمنا احتياطاً وبدأنا بالصيام، وبعد 29 يوماً رُئي هلال شوال.

يعني نحن صمنا يوم الشك احتياطاً على أنه من رمضان وبدأنا نعد من عنده أيام رمضان: الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس... بعد 29 يوماً ظهر لنا هلال شوال، حينئذ نتيقن 100% أن اليوم الذي صمناه احتياطاً كان من رمضان، أليس كذلك؟ لأنه لو لم يكن من رمضان، لو لم يكن هذا اليوم الذي صمناه احتياطاً ابتداءً من رمضان، لكان رمضان هذا العام 28 يوماً، ورمضان لا يمكن أن يكون 28 يوماً. خلونا نرسم لكم الصورة: أناس خرجوا كما قلنا في ليلة الثلاثين من شعبان ليروا الهلال، فكان في السماء غيم، فلا نعرف هل الهلال موجود أو ليس بموجود؟ لم نعرف، فقالوا: نَصوم اليوم التالي على أنه من رمضان، الذي يسمونه يوم الشك، بدك تصومه على أنه من رمضان احتياطاً وتعتبره اليوم رقم واحد من رمضان. طيب بدأنا نعد الأيام، في اليوم التاسع والعشرين بدأ الناس يتراءون هلال شوال، ورأوا الهلال، إذا رأينا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من رمضان هذا سيؤكد لنا 100% أن اليوم الذي صمناه أولاً احتياطاً كان من رمضان فعلاً. ليش يا شيخ؟ لأنه لو لم يكن من رمضان، لو قدّرنا أنه ليس من رمضان، معنى هذا أن شهر رمضان هذا العام كان 28 يوماً وبعدين رأينا الهلال، وهذا مستحيل؛ فرمضان والأشهر الهجرية بشكل عام إما 29 أو 30، فإذا بعد 29 يوماً رأينا الهلال، إذاً 100% اليوم الأول الذي صمناه احتياطاً كان من رمضان وكان فعلياً الهلال موجوداً لكن حال دونه الغيم.

ممتاز، طيب إذا بعد 29 يوماً رأينا الهلال فتيقنا أن اليوم الأول الذي صمناه وهو يوم الشك كان من رمضان، هل يجزئ صيامنا له وإن كانت نيتنا بصيامه ليست نية قطعية؟ يعني ليش أقول النية ليست قطعية؟ نحن صمنا بنية نريد أن نصوم بنية من رمضان، لكننا لسنا جازمين أنه من رمضان، هل يجزئ عنا صيامه ولا لا؟ يجزئ عنا صيامه، هذه الفكرة التي يريد أن يؤكدها الشيخ مرعي أنه أنت صمت هذا اليوم بنية أنه من رمضان، أنت ناوي الصيام قطعا لست متردداً بنية الصيام، لكنك متردد في ماذا؟ متردد في أنه هل هذا اليوم من رمضان أو ليس من رمضان، فأنت جازم بنية الصيام لكنك متردد هل هذا اليوم من رمضان أو ليس من رمضان، فصمت مع هذا التردد. إذا ظهر في نهاية الأمر أن هذا اليوم كان فعلاً من رمضان هل يجزئ صيامك له؟ نعم يجزئ صيامك له، وإن كنت لما صمته ابتداءً كنت متردداً هل هو من رمضان أو ليس من رمضان، لكن خلص صمته اتباعاً للنص ولما صار عليه مذهب السادة الحنابلة، بالتالي نعتبر صيامك له صحيحاً. أما من لم يصم، مذاهب أخرى لم تصم هذا اليوم، وبعد 29 يوماً -وهو على طريقتهم- سيكون 28 يوماً، رأوا الهلال، سيعرفون أنهم أخطأوا في بداية الشهر بالتالي عليهم أن يقضوا يوماً، أليس كذلك؟

المذاهب الأخرى ما رأوا الهلال بسبب الغيم فأتموا شعبان 30 يوماً وبعدين بدأوا يصوموا على طريقتهم، وفي اليوم الثامن والعشرين بالنسبة لحسبتهم رأوا الهلال، فاكتشفوا أنه باقي عندهم خطأ في البداية وأنهم لم يبدأوا من بداية صحيحة، وأنه اليوم الذي كان فيه غيم كان الهلال موجوداً لكنهم لم يروه، وهم لا يوجد عندهم شيء اسمه صيام اليوم الأول احتياطاً، بالتالي صاموا 28 يوماً بعد ذلك رأوا الهلال فاكتشفوا الغلط. لكن عند الحنابلة لا، أخذوا بالأحوط، قالوا: يا عم نحن بنصوم أول يوم، إذا ظهر أنه من رمضان فالحمد لله، أجزأنا وأنعم به وأكرم، اكتشفنا أنه ليس من رمضان لا يضرنا ذلك، وستأتي هذه المسألة وتوضيحات لها أكثر أو بعض المسائل المتعلقة بها أكثر أثناء البحث. جيد، هذه الطريقة الثانية التي يثبت بها دخول شهر رمضان ويترتب بناءً على ذلك وجوب صيامه. الطريقة الثالثة وهي أيضاً طريقة.

هذه مسألة واضحة جداً لم يذكرها الشيخ مرعي، وهي أن يخرج الناس في ليلة الثلاثين من شعبان ليتراءوا الهلال، وكان الجو صحواً والسماء صافية، فنظروا فلم يروا الهلال؛ هنا عليهم أن يكملوا شعبان ثلاثين يوماً، ثم بعد أن يكملوا شعبان ثلاثين يوماً يصومون اليوم الذي يليه على أنه من رمضان حتى ولو لم يروا الهلال؛ لأنه قد اكتمل شعبان ثلاثين يوماً، وبالتالي اليوم الذي يلي سيكون هو أول رمضان حكماً، ولا داعي لأن نخرج لنتراءى الهلال مرة أخرى.

بناءً على هذا الكلام أحبائي نرتب الأفكار بين أيدينا فنقول: ثبوت دخول شهر رمضان له ثلاثة طرق:

الطريقة الأولى: رؤية الهلال. خرج الناس ليلة الثلاثين من شعبان ليتراءوا الهلال فرآه رجل فقال: هذا هو الهلال رأيته، وكان مسلماً عدلاً على ما سيأتي؛ فيثبت بذلك دخول شهر رمضان، ويجب على الناس الذين يلزمهم الصيام أن يصوموا.

الطريقة الثانية: ألا يُرى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان مع أن السماء كانت صحواً. هذه الطريقة لم يذكرها الشيخ؛ فنكمل شعبان ثلاثين يوماً، ثم بعد ذلك يدخل رمضان؛ نعم، نكمل شعبان ثلاثين يوماً ثم الليلة التي تليها تكون الأول من رمضان قولاً واحداً، ولا نحتاج أن نتراءى الهلال مرة أخرى؛ حتى ولو لم نره، يعتبر دخل شهر رمضان حكماً.

الطريقة الثالثة: ألا يُرى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان بسبب غيم أو نحوه، فنصوم اليوم التالي على أنه الأول من رمضان احتياطاً.

إذن هذه الطرق الثلاث أحبائي التي بها يثبت دخول شهر رمضان، وبالتالي يجب الصيام على من يلزمه الصيام. أما رؤية الهلال: إذا لم يُرَ الهلال في ليلة الثلاثين من شعبان مع أن السماء كانت صحواً وما فيها أي مشكلة، فإننا سنكمل شعبان ثلاثين يوماً، واليوم الذي يليه سيكون هو الأول من رمضان قطعاً حتى ولو لم يُرَ الهلال.

أما الطريقة الثالثة: أن لا يُرى الهلال في ليلة الثلاثين من شعبان بسبب وجود غيم في السماء، فهنا سنصوم اليوم التالي؛ لن نكمل شعبان ثلاثين، بل سنعتبر شعبان تسعة وعشرين ونصوم اليوم التالي على أنه الأول من رمضان احتياطاً.

بالتالي إخواني، يوم الشك عند الحنابلة لا يتأتى في هذه الحالة، أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الشك؟ يوم الشك عند الحنابلة المنهي عن صيامه ليس في هذه الحالة؛ ففي حالة أن يُرى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان بسبب غيم فنصوم اليوم التالي، الحنابلة يقولون: لا، هذا ليس هو يوم الشك الذي نُهي عن صيامه.

يوم الشك الذي نُهي عن صيامه -وسنأتي إليه إن شاء الله- هو في الحالة الثانية: أنه نحن في ليلة الثلاثين من شعبان خرجنا نتراءى الهلال، السماء كانت صحواً فلم يُرَ الهلال، المذهب عندنا أنك تكمل شعبان ثلاثين يوماً، واليوم الذي يليه يسمى الثلاثين من شعبان، وبعده يدخل رمضان؛ فإذا صمت هذا اليوم، فهذا هو صيام يوم الشك. اسمع، هذا هو صيام يوم الشك أننا لم نَرَ الهلال في ليلة الثلاثين من شعبان مع أن السماء كانت صحواً، فالمذهب يقول لك: نكمل شعبان ثلاثين يوماً، فإذا قال شخص: لا، ممكن الهلال وُجد بس ما حدا رآه؛ هذا ممكن عقلاً، بالتالي لا، أنا أريد أن أصوم اليوم التالي احتياطاً، أقول له: لا، هذا اليوم هو يوم الشك الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامه.

أما في هذه الحالة، حالة ألا يُرى الهلال بسبب الغيم، فهنا نريد أن نعتبر شعبان تسعة وعشرين، وسنصوم اليوم التالي على أنه الأول من رمضان احتياطاً، ولا يسمى هذا في هذه الحالة يوم الشك؛ لأن النصوص هي التي دلت على صيامه عند الحنابلة، قالوا: النصوص هي التي أمرت بصيامه على أنه الأول من رمضان احتياطاً، فيوم الشك المنهي عن صيامه يكون في الصورة الثانية وليس في الصورة الثالثة.

قال الشيخ مرعي في الصورة الثانية -الآن يتكلم الشيخ مرعي عن صيام يوم الغيم-: «وعلى من حال دونهم ودون مطلعه غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان»؛ يعني هؤلاء يجب عليهم الصيام احتياطاً بنية رمضان، «ويجزئ إن ظهر منه»؛ يعني إذا اكتشفنا في آخر الشهر أن هذا اليوم الأول الذي صمناه احتياطاً باقٍ من رمضان أجزأنا والحمد لله، وتُصلى التراويح؛ يعني بنصلي في ليلتها التراويح.

نعم، ستُصلى التراويح، واليوم الذي سنصومه سنعتبره احتياطاً الأول من رمضان، وستترتب عليه كل الأحكام التي تترتب في رمضان من مفسدات الصيام، من حرمة الجماع، من كفارة الجماع لمن جامع في نهار رمضان؛ ستترتب كل الأحكام المتعلقة بشهر رمضان في هذا اليوم.

أما هنا ركزوا: وأما الأحكام التي ليس لها علاقة بالصيام، فهذه لا تثبت ليوم الغيم كما يقولون؛ لذلك قال: «ولا تثبت بقية الأحكام»، أي الأحكام التي ليس لها علاقة بالصيام لا تثبت لهذا اليوم، مثل ايش؟ كوقوع الطلاق والعتق وحلول الأجل.

مثلنا يا شيخ حتى نفهم: شخص أحبائي قال لزوجته: إن دخل شهر رمضان فأنت طالق، ممتاز، أو سيد قال لعبده: إن دخل شهر رمضان فأنت حر لوجه الله، أو إنسان اشترى من إنسان سلعة وقال له: أسددك المبلغ إذا دخل شهر رمضان.

لاحظوا هذه الأمثلة الثلاث، الآن هذا يوم الغيم، هل ستترتب عليه هذه الأحكام؟ يعني خرج الناس يتراءون الهلال كانت السماء فيها غيم، قالوا: نحن لم نرَ الهلال بسبب الغيم، بدنا نصوم اليوم الثاني احتياطاً على أنه الأول من رمضان، سنصوم اليوم الثاني احتياطاً على أنه الأول من رمضان؛ فمن حيث أحكام الصيام اعتبرناه الأول من رمضان، لكن من حيث الأحكام الأخرى المعلقة عليه مثل الطلاق والعتق وحلول الأجل، فهذا لا يرتب على هذا اليوم عند الحنابلة؛ لأنه في النهاية سيبقى يوماً مشكوكاً فيه، نحن صمناه احتياطاً للعبادة ممتاز، صمناه احتياطاً لعبادة الصيام فقط، أما من حيث الأحكام الأخرى وهي الطلاق والعتق والأجل وما شابه ذلك، فالاحتياط بالعكس يقتضي ألا نعتبر هذا اليوم من رمضان، وننتظر حتى يدخل رمضان عندنا جزماً، ودخول رمضان جزماً سيكون في هذه الحالة في اليوم الثاني من هذا الشهر وليس في اليوم الأول؛ لأن اليوم الأول نحن صمناه افتراضاً أنه من رمضان احتياطاً للعبادة.

فاحتطنا للعبادة فاعتبرناه كأنه من رمضان، لكن بالنسبة لوقوع الطلاق هناك احتمال يبقى وارد أن هذا ليس هو الأول من رمضان، فبالتالي لا نقول لهذا الرجل الذي قال لزوجته: إن دخل شهر رمضان فأنت طالق؛ لا نقول له زوجتك طلقت في يوم الغيم، لا نقول له تطلق في اليوم الثاني؛ لأن اليوم الثاني من رمضان هو المجزوم مئة بالمئة أنه من رمضان، وأما اليوم الأول يوم الغيم يسمونه هذا يوماً مشكوكاً فيه، هل هو من رمضان أو لا؟ فإحنا صمناه على أنه من رمضان احتياطاً، بس ما بنطلق زوجتك، بنستنى اليوم الثاني حتى يكون الطلاق مئة بالمئة، وكذلك عتق العبد، وكذلك حلول الأجل، فإذا صاحب المال جاء على المشتري وقال له: يلا ثبت دخول شهر رمضان، فالمشتري قال له: ما ثبت بعد دخوله؟ قال: لا، الناس خرجت تتراءى الهلال وكان في السماء غيم ونحن حنابلة، فسنعتبر اليوم التالي هو الأول من رمضان، بالتالي حل الأجل، فهنا المشتري ايش يقول للبائع؟ يقول له: لا، هسه أنت اليوم التالي صحيح اعتبرته من رمضان، لكنك اعتبرته من رمضان احتياطاً للعبادة فقط، لكن لا تترتب عليه الأحكام الأخرى التي ليس لها علاقة بالصيام، فأنا مبلغي إنما تستحقه إذا دخل رمضان مئة بالمئة، ودخول رمضان مئة بالمئة سيكون من اليوم الثاني منه وليس من اليوم الأول في هذه الحالة.

فإذن الأحكام التي لا تتعلق بالصيام كوقوع الطلاق ووقوع العتق وحلول الأجل، هذه أحبائي لا تترتب على صيام يوم الغيم، لا تترتب على صيام يوم الغيم؛ لأنه صيام يوم الغيم هو حكم ظني احتياطي للعبادة، بالتالي لا ندخل فيه بقية الأحكام الأخرى التي ليس لها علاقة بعبادة الصيام، والله تعالى أعلم، لذلك قال: «ولا تثبت بقية الأحكام».

ثم بعد أن انتهينا من طرق إثبات دخول شهر رمضان المبارك، دعونا نتكلم عن الطريقة الأولى وهو رؤية الهلال، كيف تثبت رؤية الهلال؟ كم شخص نحتاج لإثبات رؤية هلال شهر رمضان؟ هي المسألة الجديدة، فقال: «وتثبت رؤية هلاله بخبر» -لاحظوا قال بخبر ولم يقل بشهادة- «تثبت رؤية هلاله» أي هلال رمضان بخبر مسلم مكلف عدل، فالذي يخبر بدخول شهر رمضان يجب أن يكون مسلماً، فلا تُقبل من كافر، مكلفاً، فلا تُقبل لا من مجنون ولا من صبي، عدلاً، فلا تُقبل من فاسق.

طيب كم شخص نحتاج بالنسبة لدخول شهر رمضان؟ نحتاج إلى شخص واحد؛ لأن الحنابلة اعتبروا دخول شهر رمضان أو اعتبروا رؤية هلال شهر رمضان والإخبار بها اعتبروها رواية أو إخباراً ولم يعتبروها شهادة، بخلاف سائر الشهور الأخرى في السنة، الآن دخول شعبان وشوال وذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب؛ أي شهر هجري عند الحنابلة لا يثبت دخوله إلا بشهادة رجلين مكلفين عدلين، فدخول سائر الشهور عند الحنابلة يعتبر شهادة، يحتاج إلى رجلين، ولا تُقبل شهادة الإناث، رجلين مكلفين عدلين، ولا بد من اثنين، يعني لا بد من رجلين، لا تُقبل من واحد، وأن تكون بلفظ الشهادة، فلا تُقبل بلفظ الإخبار.

أما دخول شهر رمضان فهو الوحيد الذي يجزئ فيه شخص واحد، ذكراً كان أو أنثى، بشرط أن يكون مسلماً مكلفاً عدلاً، لذلك قال: «وتثبت رؤية هلاله بخبر»، ما قال بشهادة، هذا لأنه دخول إثبات دخول شهر رمضان برؤية الهلال عند الحنابلة لم يعتبروها شهادة، اعتبروها من باب الإخبار؛ لأنك تخبر عن عبادة، بخلاف دخول سائر الأشهر اعتبروها شهادة، لذلك قال: «ويجب رؤية هلاله بخبر مسلم مكلف عدل ولو عبداً أو أنثى».

وتثبت بقية الأحكام تبعاً، بالنسبة لرؤية الهلال خلص، إذا جاء شخص مسلم مكلف عدل فأثبت أنه رأى الهلال، هنا سيثبت دخول شهر رمضان وستثبت كل الأحكام المتعلقة برمضان، سواء الأحكام المتعلقة بالصيام أو الأحكام التي ليس لها علاقة بالصيام كحلول الطلاق والعتق والأجل وما شابه ذلك، لذلك قال: «وتثبت بقية الأحكام تبعاً»، «ولا يُقبل في بقية الشهور إلا رجلان عدلان» اكتبوا بلفظ الشهادة، اكتبوا بلفظ الشهادة.

والآن سامحوني بدي أعقد مقارنة على السبورة حتى نرد نرتب فيها الأفكار، مقارنة بين دخول شهر رمضان وبين دخول سائر الأشهر، فنقول: دخول شهر رمضان، دخول سائر الأشهر، ممتاز.

أول شيء: دخول شهر رمضان اعتبره الحنابلة خبراً، يعني بين قوسين البعض يعبر عنها بأنها رواية، ودخول سائر الأشهر يعتبرونه شهادة، ممتاز.

طيب لماذا قالوا دخول شهر رمضان خبر اللي هو رواية؟ والرواية يعني رواية حديث نبوي، رواية أي خبر، يحتاج فيها إلى واحد، لا يحتاج إلى أكثر من واحد، بينما دخول سائر الأشهر اعتبروا الشهادة، قالوا: لأن دخول شهر رمضان هو إيذان بابتداء العبادة، والإخبار عن العبادات ليس من قبيل الشهادة، هذه وجهة نظر الحنابلة، أن الإخبار عن دخول العبادات ليس من قبيل الشهادة وإنما من قبيل الرواية، بخلاف دخول سائر الأشهر الأخرى، فهو ليس ابتداء عبادة وإنما هو شهادة على الزمن، شهادة على الزمن فيطبق عليه أحكام الشهادات، إذاً دخول شهر رمضان خبر، بين قوسين رواية، وأما دخول سائر الأشهر فهو شهادة.

دخول شهر رمضان بما أنه خبر أي من قبيل الرواية أنه يكفي فيه واحد، بينما دخول سائر الأشهر بناءً على أنه شهادة لا بد من اثنين فصاعداً؛ لأن الشهادة لا يكتفى فيها بواحد، فدخول شهر رمضان يُكتفى فيه بواحد، بينما دخول سائر الأشهر شوال، ذو القعدة، ذو الحجة، محرم، شعبان؛ لا بد من اثنين فصاعداً.

دخول شهر رمضان تقبل فيه رواية أو إخبار النساء لا، فلو كان الذي أخبر برؤية الهلال امرأة تُقبل، لكن دخول سائر الأشهر لا تُقبل فيه شهادة النساء، لا بد من رجلين.

إذاً هذا الفرق الأول، هذا الفرق الثاني، هذا الفرق الثالث، الفرق الرابع: دخول شهر رمضان لا يحتاج فيه للفظ الشهادة، يعني لما يأتي الشاهد أو الراوي أو المخبر، خلينا نقول لما يأتي الراوي أو المخبر للقضاء الشرعي ويقول: أنا رأيت الهلال، هلال رمضان، هل يجب أن يقول: أشهد أني رأيت هلال رمضان؟ لا يحتاج فيه للفظ الشهادة؛ لأن دخول شهر رمضان ليس شهادة، فلا يحتاج لفظ الشهادة، بل هو خبر، بخلاف دخول سائر الأشهر لا بد فيه من لفظ الشهادة، يعني لما يأتي شاهدان للقاضي ليقولا إنهم رأوا هلال شوال بالتالي جاء العيد، لا بد أن يقول هذان الشاهدان لفظ: نشهد، نشهد أننا رأينا هلال شوال، لا بد يأتوا بلفظ.

الشهادة، لأن دخول سائر الأشهر شهادة. فهذه أهم أربعة فروق بين دخول شهر رمضان وبين دخول سائر الأشهر:

دخول شهر رمضان يعتبره الحنابله خبراً من قبيل الروايات وليس من قبيل الشهادات، بخلاف دخول سائر الأشهر شهادات وليست روايات.

دخول شهر رمضان يكفي فيه واحد في إثباته، بينما هنا لابد من اثنين فصاعداً.

دخول شهر رمضان يقبل فيه إخبار النساء، بينما سائر الأشهر لابد فيه من الرجال.

دخول رمضان لا يحتاج فيه للفظ الشهادة، بينما دخول سائر الأشهر لابد فيه من لفظ الشهادة.

هكذا نكون إن شاء الله احتوينا المسألة، هكذا نكون احتوينا المسألة تماماً.

إذاً، وتثبت رؤية هلاله لكن بشكل عام بالنسبة لدخول شهر رمضان وهذا الذي يهمنا الآن، كما قلنا خبر يكفي فيه الواحد، يقبل فيه قول النساء، لا يحتاج فيه للفظ الشهادة، لكن لابد وأن يكون المخبر بدخول شهر رمضان كما ذكر لكم مسلماً مكلفاً عدلاً، فإذا كان الذي أخبر بدخول شهر رمضان كافراً لا يقبل، إذا كان غير مكلف لا يقبل، إذا كان فاسقاً لا يقبل أمره، جيد.

قال: ولو عبداً أو أنثى. هل يقبل فيهم العبيد؟ نعم، يقبل فيه العبيد والإنات، وتثبت بقية الأحكام تبعاً. يعني إذا أخبر بدخول شهر رمضان والقاضي قبل أخباره وجده مسلماً مكلفاً عدلاً، هنا سيدخل رمضان وستترتب جميع الأحكام المعلقة على رمضان، سواء أحكام الصيام أو الأحكام الأخرى المعلقة كالطلاق والعتق وحلول الأجر ونحو ذلك. ولا يقبل في بقية الشهور إلا رجلان، ها قال: رجلان عدلان، وكما قلت لكم بلفظ الشهادة، لأن دخول سائر الشهور ليس إخباراً وإنما هو شهادة.

الآن إخواني، سأتكلم عن مسألة تتعلق أو قضية تتعلق بهذه المسألة. وهي لو أن إنساناً مسلماً مكلفاً أنا أعرف أنه عدل، جاء إلى القضاء الشرعي في بلدك وقال: أريد أن أخبركم أنني رأيت هلال رمضان. فالحاكم أو القاضي رد أخباره ولم يقبله، وقال القاضي والحاكم: أنا لم تثبت لي عدالتك أيها المخبر، لم تثبت لي عدالتك، بالتالي لن أعلن للناس أنه رؤي هلال رمضان.

هل هذا الشخص الذي أخبر، خلاص، لا يصوم بناءً على أن القاضي رد خبره؟ يقول الحنابله: هذا الشخص الذي أخبر برؤية هلال رمضان إذا رد الحاكم أخباره، يلزمه هو أن يصوم مادام هو متأكد من نفسه أنه رأى الهلال، ويلزم كل مسلم يعلم عدالته -يعني يعلم عدالة هذا المخبر- ويلزم كل مسلم يعلم عدالة هذا المخبر أن يصوم أيضاً، حتى ولو أن الحاكم لم يقبل خبره وروايته.

أعيد المسألة مرة أخرى: شيخ شخص مسلم مكلف جاء إلى القاضي وقال: أريد أن أخبر أنني رأيت الهلال، هلال رمضان. القاضي قال: والله أنا لا أعرف أنك عدل، بالتالي لن أقبل خبرك حتى يثبت لي ذلك، ولن أعلن للناس أنه رؤي الهلال. الآن هذا الشخص نفسه الذي أخبر رد خبره، لكن هو مع نفسه يلزمه أن يصوم، لأنه هو متيقن أنه رأى هلال رمضان. ويلزم أيضاً مين؟ ويلزم كل مسلم يعلم عدالة هذا الرجل، يلزم كل مسلم يعلم عدالة هذا الرجل أن يصوم أيضاً، حتى ولو أن الحاكم رد أخباره ولم يقبله.

إلا إذا عرفنا أن الحاكم أو القاضي رد أخبار هذا الرجل لأنه فاسق، وتبين للحاكم فسقه. حينئذ نحن لا يجوز لنا أن نصوم، لأن هذا الإنسان تبين للقاضي والحاكم أنه فاسق، فرد خبره لفسقه. بالتالي إذا هو ليس عدلاً فلا يجوز لنا أن نصوم بناءً على أخباره لاختلال شرط من الشروط. نحن عرفنا الذي يخبر بدخول شهر رمضان لابد يكون مسلماً مكلفاً عدلاً، ممتاز.

الان ذهب للقاضي، القاضي رد أخباره، بقول: يا أيها القاضي، لماذا رددت أخباره؟ فقال القاضي: تبين لي أنه فاسق. فحينئذ لا نصوم، لأن المخبر اختل فيه شرط من الشروط، فاسق. أو الحالة الأخرى أن يقول القاضي: أنا رددت أخباره لا أعلم أنه فاسق، لكن لم تثبت لي عدالته. إذاً أنا كمواطن ثبتت لي عدالة هذا الشخص وعرفت أنه عدل، يجب علي أن أصوم بناءً على خبره ولو أن الحاكم، ولو أن الحاكم لم يقبل أخباره ولم يعلم به.

تمام، فعلينا أن نفرق إذاً بين: إذا الحاكم رد الأخبار لأنه تبين له فسق المخبر، حينئذ لا نصوم بناءً على هذا الخبر. وإذا رد الحاكم الخبر من دون أن يعلم فسق المخبر، ونحن علمنا عدالته، إذاً يجب علينا نحن أن نصوم حتى ولو لم يقبل الحاكم هذا الإخبار. فهذه مسألة من المسائل التي تتعلق بهذه القضية.

طيب. الآن أحبائي، دعونا نكمل.

فصل: بعد أن تكلمنا كيف يثبت دخول شهر رمضان بالطرق الثلاث وما هي الأحكام المترتبة على ذلك، ناتي إلى فصل فيمن يجب عليه الصيام. نحن عرفنا أنه ليس كل إنسان يجب عليه الصيام، هناك شروط لمن يجب عليه الصيام في هذه الحياة الدنيا، فقال: وشروط وجوب الصوم أربعة أشياء. شروط وجوب الصوم حتى يجب الصوم على الإنسان لابد أن تتوفر فيه أربعة شروط أو أربعة أشياء.

ما هي؟ أولاً: الإسلام. فالكافر في الحياة الدنيا لا يطالب بالصيام، لا يأتي الحاكم على أهل الذمة فيقول لهم: عليكم أن تصوموا رمضان. ليه؟ لأنهم هم أولاً مطالبون بالإسلام، فلا يصح منهم الصيام قبل أن يسلموا، فهم مطالبون بالإسلام، إذا أسلموا يبدأ الحاكم يخاطبهم بالصيام، إذا لم يسلموا يبقى الحاكم على مخاطبتهم بالإسلام ولا يخاطبون بالصيام.

وأما عند الله في الدار الآخرة فالكافر سيحاسب على ترك الإسلام، وسيحاسب على ترك الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من واجبات الشريعة، وهذا معنى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، أنهم يوم القيامة سيسألون عنها أمام الله كما يسألون عن أصل الشريعة وهو التوحيد.

وأما في الحياة الدنيا فالفقهاء يقولون: الكافر لا يؤمر بالصلاة، لا يخاطب بالزكاة، لا يخاطب بالصوم. ودائماً يقولون: شرط وجوب الصلاة الإسلام، شرط وجوب الزكاة الإسلام، شرط وجوب الصوم الإسلام. معنى هذا أنهم في الحياة الدنيا لا يخاطبهم القضاء الشرعي بوجوب الصلاة أو الزكاة أو الصيام، لأننا نخاطبهم بما هو أصل في ذلك ابتداءً وهو الإسلام، فإن أسلموا نبدأ نخاطبهم بالعبادات والشرائع الأخرى.

ولذلك قال: وشروط وجوب الصوم أربعة أشياء. أولاً: الإسلام، فالكافر لا نطالبه بالصوم في الدنيا.

اثنان: البلوغ، بالتالي الصبي الذي لم يبلغ أو الفتاه التي لم تبلغ لا يجب عليها الصيام.

ثالثاً: العقل، فالمجنون، المجنون لا يجب عليه الصيام. إنسان جن لا يجب عليه الصيام، يعني بدنا نفرق أنه انسان جن طول شهر رمضان، إنسان جن طول شهر رمضان وبعد شهر رمضان أفاق من جنونه، أعطوه دواء، ربنا شفاه من جنونه، هل عليه أن يقضي رمضان؟ كلا، ليه؟ لأنه طول شهر رمضان لم يكن الصيام موجهاً إليه ولم يكن هو مخاطباً به، لأنه لم يكن مكلفاً، كان عقله زائلاً.

وهذا الذي يترتب على هذه القضية، لما نقول: شرط وجوب الصوم الإسلام، بالتالي الكافر إذا أسلم، الكافر إذا أسلم ما بنقول: عليك أن تقضي جميع الرمضانات اللي كنت فيها كافراً، لأن وجوب الصيام لم يكن مخاطباً به في تلك الحالة في الحياة الدنيا. كذلك البلوغ، كذلك العقل. فالإنسان إذا كان مجنوناً لا نخاطبه بقضاء الأيام التي كان فيها مجنوناً.

مرت عليه خمس رمضانات وهو مجنون، أو رمضان، أو نص رمضان، أو يوم من رمضان، صوروا له، يوم من رمضان مر عليه وهو مجنون، هذا اليوم هو ليس مخاطباً به ولم يتعلق بذمته، فلا يجب عليه قضاؤه.

انتبهوا لهذه الفكره أنه ممكن هناك ما يسمى الجنون المتقطع، أحبائي. الجنون المتقطع بعض الناس عافانا الله ممكن يجن عشرة أيام ويستيقظ عشرة أيام، أو يجن يوماً ويستيقظ يومين. فالجنون المتقطع، اليوم الذي يكون فيه مجنوناً من أوله إلى آخره، هذا ليس واجباً عليه صيامه، وإذا استيقظ بعد ذلك لا نأمره بقضائه، لأنه ليس واجباً عليه.

فالقضاء إنما هو ثمره الوجوب، فإنسان وجب عليه شيء لكن لم يفعله، هذا يبقى في ذمته فنأمره أن يقضي. إنسان وجبت عليه الصلاة ما صلاها في وقتها، عليه أن يقضي لأن الوجوب تعلق بذمته. إنسان وجب عليه الصيام لكنه لم يصم لعذر أو لغير عذر، تعلق بذمته الوجوب عليه أن يقضي. أما إنسان ما وجب عليه الصوم أصلاً أو لم تجب عليه الصلاة أصلاً، فهذا لا يخاطب بالقضاء، لأن مخاطبة الإنسان بالقضاء إنما هو فرع لثبوت الوجوب ابتداءً في ذمته، هذه قاعدة احفظوها: مخاطبة الإنسان بالقضاء إنما هو فرع لثبوت العبادة ابتداءً في ذمته.

فإذاً العقل هذا هو الشرط الثالث.

الشرط الرابع: القدرة عليه. فإذا كان الإنسان عاجزاً عن الصيام، ركزوا، لا يجب عليه الصيام لكن سيجب عليه بديل عنه كما سياتي. بالنسبة للشرط الرابع أنه يجب من شروط وجوب الصيام القدرة، فشخص قال: أنا لا أقدر على الصيام، أما لأنه كبير أو لأنه مرض مرضاً لا يرجى برؤه ولا يستطيع معه الصيام، فهذا لا يجب عليه أن يصوم، لكن يجب عليه شيء آخر. هذا الكبير أو العاجز عن الصيام بسبب مرض لا يرجى برؤه يجب عليه شيء آخر، ما هو؟ انظروا ايش قال: فمن عجز عنه لكبر. هي الفاء تفريعية، فمن، هذه الفاء تسمى تفريعية، يتفرع على قضية شرط القدرة وهو الشرط الأخير أن من عجز عن الصيام لكبر، ختيار مسن، أو مرض لا يرجى زواله -إذا كان المرض يرجى زواله، لا، يجب الصيام في ذمته ولما ربنا يشفيه بيقضيه، أما إذا كان مرضاً لا يرجى زواله، فهذا الذي يدخل معنا هنا- هذا يفطر، لكن عليه أن يطعم. ايش قال؟ وأطعم عن كل يوم مسكيناً.

كل يوم بفطره عليه أن يطعم مسكيناً. ايش الإطعام؟ أما مد بر أو نصف صاع من غيره، أما أن يطعم المسكين مداً من بر أو نصف صاع من غيره. الآن إخواني، احنا مر معنا في المحاضره السابقة أو قبل السابقة في زكاة الفطر أن الصاع عند الحنابله يساوي 2 كيلو.40 غرام، هذا الصاع. الآن الكبير في السن أو المريض مرضاً لا يرجى برؤه هذا يفطر خلاص، لكن عليه أن يطعم مكان كل يوم أطعم مسكيناً، مقدار ما يطعمه: أما مد أو نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو أقط، اللي هي الأصناف الخمسة اللي اخذناها في زكاة الفطر. الحنابله عندهم ترتيب معين في الكفارات، لا يقبلون إخراج أي شيء أو قوت البلد، لا، الحنابله كما سيظهر معكم إن شاء الله في جميع الكفارات عندهم المحافظة على الأصناف الخمسة، فيقولون: أما يخرج مد، أو يخرج نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو أقط.

طب نصف الصاع؟ إذا كان الصاع 2.40، نصف الصاع هو نصف 2.40. والمد؟ الآن الصاع يعطيكم فائدة، الصاع عبارة عن أربعة أمداد، تمام. نصف الصاع إذاً عبارة عن مدين، أي المد، إذاً هو، لو قسمت 2.40 على 4 سيخرج لك المد، 2.40 لو قسمتها على 4 سيخرج لك مقدار المد سريعاً.

ننظر كم يخرج بالحسابات لو قلنا 2.40 تقسيم 4 سيخرج تقريبا يعني يعني بهذا المقدار اللي هو ستة، يعني نص كيلو خلينا نقول نص كيلوغرام، أو فوق النص الكيلو بشوي، يعني مش نص بالضبط، لا، نص كيلو وزيادة حبة. نكتب الرقم، يعني أعلى من نصف كيلو بقليل. و2.40 لو قسمناها على اثنين بيطلع كيلو و20 غرام، كيلو و20 غرام، إذاً نصف صاع تقريباً كيلو و20 غرام من التمر أو الزبيب أو الشعير أو الأقط، أو فوق النصف كيلوغرام بقليل بالنسبة للبر، لأن البر كما جاء في حديث معاويه يعدل نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو أقط.

فهذه هي الكفارة التي يجب أن يخرجها الكبير في السن أو المريض مرضاً لا يرجى برؤه، يطعم عن كل يوم أفطره مسكيناً، يطعمه أما مد بر أو نصف صاع من التمر أو الزبيب أو الشعير أو الأقط. فقوله: أو نصف صاع من غيره، هذا الغير محدود عند الحنابله، مش على اطلاقه، محدود بأحد هذه الأصناف.

لكن أحبائي، هناك استثناء في هذه المسألة، يقولون: لو أن الكبير أو المريض مرضاً لا يرجى برؤه طرأ له في شهر رمضان عذر من الأعذار التي تبيح الفطر في رمضان، عذر من الأعذار التي تبيح الفطر لجميع الناس، مثل السفر. سياتي معنا إن شاء الله أن المسافر سفر قصر في رمضان يباح له أن يفطر، حتى ولو كان إنساناً ما شاء الله قوي البدن غير مريض يستطيع أن يصوم، لكن طرأ له سفر يبيح القصر، هذا يباح له أو يسن له كما سياتي، حتى يسن له أن يفطر في رمضان.

فلو أن هذا الكبير أو المريض مرضاً لا يرجى برؤه باختصار طرأ له سفر في رمضان، طرأ له سفر في رمضان، نقول: هذا الكبير لو لم يكن كبيراً وكان في صحته، وكان في صحته وطرأ له سفر في رمضان كان يباح له الفطر. وهذا المريض مرضاً لا يرجى برؤه لو كان في صحته وطرأ له سفر يبيح القصر لجاز له الفطر.

بالتالي، وهو الآن كبير أو هو مريض مرض لا يرجى برؤه، إذا طرأ له عذر من الأعذار التي تبيح الفطر عموماً كالسفر، فإنه لا يحتاج أن يطعم عن هذا اليوم الذي سافر فيه مسكيناً.

مسألة الإنسان الكبير أو المريض مريض لا يرجى برؤه: الأصل أنه بما أنه لا يستطيع الصيام عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، مد صاعاً أو نصف صاع من غيره، على ما تقدم. إلا أن قال الحنابلة: إلا إذا طرأ له عذر من الأعذار التي تبيح الفطر لعموم الصائمين مثل السفر، فلو طرأ للكبير سفر يبيح الفطر، أو طرأ للمريض مرض لا يرجى برؤه يبيح الفطر، ففي هذه الحالة لا يجب عليه أن يطعم مسكيناً عن هذه الأيام التي سافرها، فسقط عنه باختصار الصيام وسقطت عنه الكفارة.

أما إذا لم يطرأ له عذر من الأعذار التي تبيح الفطر، فهذا عليه الكفارة؛ يطعم عن كل يوم لا يستطيع صيامه مسكيناً مد صاع أو نصف صاع من غيره. فهذه استثنوها واكتبوها عندكم.

إذن هذه شروط الوجوب؛ إذاً شرط لوجوب الصوم أربعة أشياء: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والقدرة عليه. وعرفنا ما الذي يجب على العاجز. قال: وشرط لصحة الصيام -وبدنا نفرق بين شروط الوجوب وشروط الصحة في شيء اسمه شروط وجوب إذا لم تتوفر هذه الشروط الأربعة لا يجب الصيام على الإنسان- ممتاز، الآن بدنا ننتقل لشروط الصحة. شروط الصحة يعني يمكن أنت إنسان توفرت فيك شروط الوجوب: مسلم، بالغ، عاقل، قادر؛ بنقول لك الآن توفرت فيك شروط الوجوب، خلينا ننتقل معك لشروط صحة صيامك. كونك يجب عليك الصيام وتوفرت فيك شروط الوجوب هذا لا يعني أنه صيامك صحيح، حتى تحقق شروط صحة الصوم.

قال: وشروط صحته ستة. قال أولاً: الإسلام. أعاد ذكر الإسلام مرة أخرى، وسنعرف لماذا عاد ذكر الإسلام؛ فالإسلام إذا هو شرط لوجوب الصوم على الإنسان، وفي نفس الوقت هو شرط لصحة الصوم. فلو أن إنساناً كافراً قال: أنا بعرف أنه ما بيجب علي الصيام لأنه كافر لكن بدي أصوم، فهل يصح صومه؟ لا يصح صومه؛ فالكافر ولو لم يجب عليه الصيام لا يصح صومه أيضاً، حتى مع عدم وجوب الصيام عليه لو صام لا يصح الصوم، فالإسلام شرط لوجوب الصوم عليك وشرط لصحة الصوم أيضاً.

ثانياً قال: انقطاع دم الحيض، وثالثاً: انقطاع دم النفاس. خلونا في النقطة الثانية: انقطاع دم الحيض. فيقول الحنابلة: المرأة إذا كانت مسلمة مكلفة -يعني عاقلة بالغة- امرأة مسلمة عاقلة بالغة قادرة على الصيام، الآن هذه يجب عليها الصيام، لكن لا يصح صيامها في أثناء فترة حيضها.

طيب كيف يا شيخي يجب عليها الصيام لكن لا يصح منها الصيام؟ بل إذا صامت بها، بل صامت صيامها باطل وهي آثمة إذا كانت تعلم أنه لا يصح الصوم من الحائض لأنها تتلاعب بالدين. فما معنى أن هذه المرأة يجب عليها الصيام مع أنه لا يصح منها؟ أعيد الفكرة الآن أحبائي: يقول شرط صحة الصيام، الشرط الثاني انقطاع دم الحيض. الآن انقطاع دم الحيض هذا أمر ليس بيد المرأة، بدها تجلس هذه الأيام جبراً حتى ينتهي دم الحيض.

ممتاز، ولاحظوا هذه الأفكار التي أجدها مهمة وكثير من طلبة العلم تتداخل عليهم. الآن المرأة مسلمة، بالغة، عاقلة، قادرة على الصيام، فيها شروط الوجوب، إذا هي مخاطبة بالصيام. طيب، في أثناء فترة الحيض، عند وجود دم الحيض، لا يصح منها الصوم. يعني الصيام واجب عليها لكنها في أثناء فترة حيضها لا يصح منها الصوم. فهنا طالب العلم يصبح عنده إشكال: كيف يا شيخ أوجبتم الصيام عليها مع أنه لا يصح منها أثناء فترة الحيض؟ ما الفائدة إذاً؟

فائدة وجوب الصيام عليها في أثناء فترة الحيض مع أن الصوم لا يصح منها هو أننا نلزمها أن تقضي هذه الأيام بعد انتهاء شهر رمضان. فوْجوب الصوم عليها في أثناء الحيض يجعل الصوم ثابتاً في ذمتها، هي الآن لا تستطيع أن تصوم بسبب وجود الدم لكن الصيام ثابت في ذمتها بسبب الوجوب، فوجوب الصيام عليها هو الذي ألزمها بالقضاء بعد شهر رمضان.

وحتى تعرف الفرق بين الصلاة وبين الصيام؛ الآن أثناء فترة الحيض هل الصلاة واجبة على المرأة؟ كلا، لأن الصلاة لو كانت واجبة على المرأة أثناء فترة الحيض مع أنها بالتأكيد لا تصح منها، لو كانت الصلاة واجبة على المرأة أثناء فترة الحيض مع أنها لا تصح منها بسبب الدم، لكان يلزم هذه المرأة بعد انقضاء الحيض أن تقضي هذه الصلوات التي كانت واجبة عليها في أثناء فترة الحيض وكانت متعلقة بذمتها أو برقبتها كما يقولون. بالتالي نقول: الصلاة ليست واجبة على المرأة في أثناء فترة الحيض، وبالتالي لا يجب عليها أن تقضيها بعد انتهاء الحيض، بخلاف الصوم.

فالصوم واجب على المرأة في أثناء فترة الحيض، واجب مع أنه لا يصح منها. طيب شو فائدة الوجوب؟ فائدة إيجاب الصيام عليها أنه سيبقى متعلقاً بذمتها، فعليها بعد انتهاء الحيض وبعد انتهاء شهر رمضان أن تقضي هذه الأيام التي كانت فيها حائض. لذلك لو رجعتم لكتاب الصلاة ستجدونهم يقولون إن الصلاة واجبة على كل مسلم مكلف غير الحائض والنفساء، فالصلاة لا تجب على الحائض والنفساء ولعدم وجوبها عليهما لا تقضي الحائض والنفساء الصلاة.

وأما الصوم، فلم يقل الشيخ مرعي في شرط وجوب الصيام إن الصيام يجب على مسلم مكلف غير الحائض والنفساء، بل حتى الحائض والنفساء يجب عليهما الصيام. طيب كيف يجب عليهما الصيام وهو لا يصح منها أثناء الحيض أو أثناء النفاس؟ نقول يجب عليها بمعنى أنه سيتعلق بذمتها في أثناء فترة الحيض، فإذا انتهى الحيض وانتهى رمضان عليها أن تقضي. ولو لم يكن واجباً عليها أثناء فترة الحيض لما لزمها القضاء، والقاعدة كما ذكرت قبل قليل: القضاء هو فرع لوجوب الشيء في الذمة. فالشيء الواجب عليك إذا لم تؤده في وقته لعذر كحال الحائض والنفساء، أو لغير عذر، فيجب عليك أن تقضيه؛ فالقضاء هو فرع للثبوت في الذمة.

جميل، إذاً انقطاع دم الحيض هذا هو الشرط الثالث لصحة الصوم؛ فالحائض يجب عليها الصوم بمعنى أنه ثابت في ذمتها، لكن لا يصح منها ما دام الدم موجوداً، وما دام الدم موجوداً عليها أن تقضي هذه الأيام، وكذلك انقطاع دم النفاس.

فالمرأة إذا كانت نفساء أثناء وجود دم النفاس، فالصيام واجب عليها، لكنه لا يصح منها. يجب أن تفرق؛ الوجوب هذا حكم تكليفي، والصحة حكم وضعي، فمن حيث الصحة لا يصح هذا الحكم الوضعي، ومن حيث الوجوب فهو واجب. طيب شو فائدة الوجوب إذا كان لا يصح؟ كما ذكرت لكم، أن على النفساء أن تقضي. يعني امرأة كانت نفساء طوال شهر رمضان، 40 يوم يعني رمضان وأكثر كانت نفساء، بنقول لها: هل الصيام واجب عليك في رمضان؟ نقول كوجوب الصيام واجب عليها وهو متعلق بذمتها، لكنها لا تستطيع أن تصوم بسبب وجود الدم. فماذا سينبني على الوجوب؟ أو ما الأثر المترتب على الوجوب؟ أنه بعد انقطاع الدم عليها أن تقضي.

إذاً، الشرط الأول لصحة الصوم الإسلام، الشرط الثاني انقطاع دم الحيض، الشرط الثالث انقطاع دم النفاس، الشرط الرابع التمييز، أن يكون الصبي مميزاً. فبالتالي البلوغ ليس شرطاً لصحة الصوم، إذا بتلاحظوا، لكنه شرط لوجوب الصوم. ركزوا، هذه أحكام مهم جداً يضبطها الطالب؛ البلوغ مر معنا أنه شرط للوجوب، فالصبي الذي لم يبلغ لا يجب عليه. طيب هل يصح منه؟ يعني صبي عمره سبع سنين، ثمان سنين، تسع سنين، لو صام، مع أن الصيام ليس واجباً عليه (حكم تكليفي)، لكن هل يصح منه (حكم وضعي)؟ نقول: نعم يصح الصيام من المميز. المميز عند الحنابلة السبع سنوات فصاعداً حتى البلوغ، سبع سنوات حتى البلوغ هذا هو التمييز، فالتمييز شرط لصحة الصوم. مفهوم المخالفة أنه غير المميز الذي لم يكمل سبع سنوات قمرية، عمره ستة، خمسة، أربعة، هذا لو صام، وهذه ركزوا عليها، لو صام عمره خمس سنوات هل يصح صومه؟ في الحقيقة لا عبرة بصومه. ممكن أنت تدربه، طيب يا شيخ ممكن أدربه؟ دربه ما عندنا مشكلة، لكن بدك تعرف أنه لا يصح صومه إذا لم يبلغ سن التمييز.

الرابع التمييز، فيجب على ولي المميز، لاحظ ايش قال: فيجب، وانتبهوا أيها الآباء وأيتها الأمهات، يجب وجوباً على ولي المميز المسؤول عن هذا المميز المطيق للصوم، إذا كان في عندنا صبي أو فتاة مميزة ومطيقة للصوم، ركزوا ليس فقط مميزة، مميزة ومطيقة للصوم أيضاً، مميز أو مميزة والإطاقة للصوم، هذان ضابطان يجب على ولي المميز المطيق للصوم أمره به، أن تأمره به لسبع، مثله مثل الصلاة، علموهم لسبع واضربوهم لعشر، لكن لا بد يكون مطيقاً؛ لأنه بعض الأطفال أجسامهم هزيلة حتى لو عمره سبعة أو ثمانية ممكن ما بيطيق، بخلاف الصلاة أسهل، لكن الصوم لأنه فيه إمساك، الولي بده يقدر صحة ابنه، فإذا كان ابنك سبع سنوات فصاعداً ويطيق الصوم فيجب عليك أن تعلمه وأن تأمره بالصيام للسبع وضربه عليه ليعتاده، هذا ضربه عليه لعشر، وليس المراد الضرب المبرح الذي ينفر الطفل عن العبادة، بل الضرب الهادئ الذي يحقق ثمرة ومقصود.

والعز بن عبد السلام له كلام جميل في قواعد الأحكام في مصالح الأنام، يقول: إن الضرب هنا شيء مفهوم الحكمة والغاية، فإذا انتفت حكمته وغايته، ولاحظ الأب أو الولي أن الضرب سيكون مردوده عكسياً، فلا يفعل الضرب. فالضرب إذاً متى وجد الأب أو الأم أن له ثمرة في حث الابن على الطاعة وعلى العبادة للصلاة أو الصوم، يقول العز بن عبد السلام إذا وجدنا أن مردوده عكسي وأنه ينفر في حق بعض الأطفال الذين عندهم شخصيات ربما حساسة أو ما شابه ذلك، فهنا تنتفي العلة في حقه، فيجب أن ينظر في هذه الأحكام في طريقة تطبيقها والحكمة والغاية منها.

خامساً من شروط صحة الصوم العقل، فبالتالي المجنون لو صام هل يصح صومه؟ المجنون لا يجب عليه الصيام، طيب لو صام هل يصح؟ قالوا لا يصح أيضاً. لذلك ايش قال؟ لكن لو نوى ليلاً ثم جُنَّ أو أُغمي عليه جميع النهار وأفاق منه قليلاً صح. خليني أبين لكم هذه فكرة العقل، الآن عرفنا المجنون الذي لا عقل له لا يجب عليه الصيام ولا يصح منه، لكن بدنا نتكلم عن مسائل ثلاث ونفرق بينها: مسألة المجنون، ومسألة المغمى عليه، ومسألة النائم. الآن إخواني ركزوا معي، خليني أتكلم في المجنون لأنه لما يقولوا من شرط وجوب الصيام العقل، هنا يقابل العقل الجنون، فالمجنون لا يجب عليه الصيام ولا يصح منه الصيام، ممتاز، فالعقل لما يقول شرط وجوب الصيام العقل، وهذه انتبهوا الله يرضى عليكم عليها لأنه فيه شوية فروق بين المجنون والمغمى عليه؛ لما يقولوا شرط وجوب الصيام، نحن لما ذكرنا أربعة شروط لوجوب الصيام الشرط الثالث كان العقل، هنا يقابل العقل الجنون فقط، فالمجنون لا يجب عليه.

أما المغمى عليه، المغمى عليه أحبائي لا يعتبرونه ممن لا يجب عليه الصيام، بل يجب عليه الصيام؛ المغمى عليه لا يعتبرونه ليس عاقلاً في شرط الوجوب، لما قال شرط الوجوب العقل، المجنون المغمى عليه يعتبر عاقلاً في شروط الوجوب. بالتالي لو شخص مغمى عليه طوال شهر رمضان واستيقظ بعد شهر رمضان، هل عليه أن يقضي؟ نعم، حتى أعطيكم الفرق، لاحظوا شهر رمضان هذا كان مجنون وعنا شخص آخر طوال شهر رمضان مغمى عليه، هناك شخصان شخص طوال شهر رمضان كان مجنون وشخص آخر طوال شهر رمضان كان مغمى عليه، هذا استيقظ بعد رمضان وهذا استيقظ بعد رمضان. المجنون اللي استيقظ بعد رمضان وأفاق من جنونه لا يجب عليه قضاء، المغمى عليه اللي استيقظ بعد رمضان يجب عليه القضاء. ليش يا شيخ؟ لأنهم قالوا المغمى عليه صحيح هو لا يستطيع أن يصوم، لكن في أثناء شهر رمضان كان واجباً عليه.

بتقول لي يا شيخ كيف كان واجباً عليه وهو مغمى عليه ما بيقدر يصوم؟ شو معنى أنه واجب عليه صيام شهر رمضان؟ واجب عليه يعني متعلق بذمته، مثله مثل الحائض والنفساء، نحن عارفين أنه مش قادر يصوم، فمعنى إيجابه عليه أنه بنقول له هو تعلق بذمتك حتى ولو كنت مغمى عليك، فبعد ما تستيقظ من إغماءتك بدك تقضي. أما المجنون فهو أثناء شهر رمضان لم يكن واجباً عليه، بالتالي لو استيقظ من جنونه بعد رمضان لا يجب عليه القضاء لأنه أثناء الشهر لم يكن مخاطباً بالوجوب. فإذاً لما يقولوا من شروط وجوب الصيام: إسلام، عقل، بلوغ، قدرة عليه. قضية العقل هذه اللي بتهمني، لما يقولوا من شرط وجوب الصيام العقل، هنا خلاف العقل المجنون، فالمجنون لا يجب عليه الصيام، والمغمى عليه يعتبر عاقلاً في هذا المفهوم.

أما لما تكلم عن شرط صحة الصوم فقال العقل، هنا خلاف العقل يدخل فيه المجنون والمغمى عليه، وهنا يحدث الخلط عند الطلبة إذا لم يميز الكلام بهذا التدقيق. في قول شروط صحة الصوم العقل، فإذا لم يكن عاقلاً لم يصح صومه، ما المراد إذا لم يكن عاقلاً؟ قالوا: إما أن يكون مجنوناً أو مغمى عليه، فالمغمى عليه هنا يدخل في غير العاقل. لكن في شرط وجوب الصوم لما قالوا من شروط وجوب الصوم العقل، فغير العاقل لا يجب عليه، قصدهم بغير العاقل هناك المجنون فقط. فهمتوا الفرق بين المسألتين؟ فرق دقيق جداً. لما نقول مرة أخرى من شروط وجوب الصيام العقل، فغير العاقل لا يجب عليه، غير العاقل هنا المجنون فقط، وأما المغمى عليه يعتبر عاقلاً في ذاك الموطن. وأما هنا لما قال شرط صحة الصوم العقل، فغير العاقل لا يصح منه، المراد بغير العاقل هنا المجنون والمغمى عليه.

طيب ايش سينبني على هذا من أحكام؟ سينبني على هذا من أحكام أحبائي مسألة سأذكرها لم يذكرها الشيخ مرعي بعد ذلك، أرجع لمسألة الشيخ مرعي؛ يقولون لو أن شخصاً نوى من الليل أن يصوم غداً من رمضان، ثم جُنَّ قبل طلوع الفجر الثاني، من طلوع الفجر حتى مغيب الشمس كان مجنوناً. شخص عنده موجة جنون متقطعة نسأل الله العافية، هو نوى من الليل قال أنا بدي أصوم بكرة برمضان، قبل طلوع الفجر الثاني جُنَّ وبقي مجنوناً حتى غيب الشمس. الآن هذا اليوم من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس، هذا اليوم من رمضان لا يجب عليه، لم يتحقق فيه شرط وجوب الصيام لأنه كان مجنوناً، لا يجب عليه ولا يلزمه أن يقضيه، بشرط أنه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ظل مجنوناً لم يفق ولا لحظة، فهذا اليوم لم يجب عليه صيامه ولا يجب عليه قضاؤه، لأن القضاء فرع الوجوب، احفظوها.

نعود المغمى عليه، الشخص الثاني مغمى عليه نوى أن يصوم غداً من رمضان، سبحان الله صار له نزيف في الدماغ نسأل الله العافية، أُغمي عليه من طلوع الفجر الثاني حتى مغيب الشمس، طوال هالفترة هو مغمى عليه ما استيقظ ولا لحظة. الآن هل الصيام، صيام هذا اليوم واجب عليه؟ نعم واجب عليه، شو يعني واجب عليه يا شيخ؟ ما هو كان مغمى عليه يعني متعلق بذمته، الوجوب أثره هنا التعلق بالذمة. طيب هل يصح منه؟ طب ما هو يقول لك يا شيخ طب أنا من طلوع، نويت أصوم بالليل ومن طلوع الفجر إلى مغيب الشمس ما أكلت ولا شربت ولا شيء، ما فعلت أي مفسدات الصيام، خلص اعتبروا صيامي صحيح، صح كنت مغمى علي لكن اعتبروا صيامي صحيح. بنقول لا، ما هو شرط صحة الصوم وجود العقل والمغمى عليه لا يعتبر عاقلاً في شروط الصحة، وإن كان يعتبر عاقلاً في شروط الوجوب، فهو وجب عليه لأنه يعتبر عاقلاً من حيث الوجوب، لكن لم يصح صومه، وإن كان ما أكل ولا شرب ولا صار له أي شيء، ممكن يكون ما فعل أي مفسد من مفسدات الصوم، لكنه لا يصح لأنه لا يعتبر عاقلاً بالنسبة لشروط الصحة. فهذا الصوم واجب عليه متعلق بذمته وعليه القضاء.

يعني بعد رمضان بنقول له بعد ما يخلص شهر رمضان بدك تقضي هذا اليوم الذي كنت فيه مغمى عليك. طب أنا بقول لك ما أكلت ولا شربت ولا فعلت أي مفسد، شرط صحة الصوم وجود العقل وأنت لا تعتبر عاقلاً بالنسبة لشروط الصحة، وإن كنا اعتبرناك عاقلاً بالنسبة لشرط الوجوب. وأما النائم، فالنائم قالوا لا يعتبر غير عاقل على كلا الحالين؛ هو عاقل من حيث شروط الوجوب وهو عاقل من حيث شروط الصحة، بالتالي النوم ليس سبباً لوصف النائم بأنه غير عاقل، فأنت وأنت نائم نعطيك وصف العقل. ليش؟ شو الفرق بين النائم والمغمى عليه؟ يقولون النائم إخواني ينتبه بأدنى تنبيه، النائم لو صرخ أحد بإذنه بيصحى، خلي واحد يتحرك بجنبه بيستيقظ. فالنائم يقولون العقل موجود لكن مغطى عليه بغشاء رقيق، أدنى حركة أدنى انتباه يستيقظ، فيبقى عاقلاً فيجب عليه الصوم ويصح منه الصوم ولو نام من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس، فنقول الصوم واجب عليه ولا قضاء.

لأنه صحيح، يعني شخص نوى بالليل قال بدي أصوم غداً، وقبل طلوع الفجر الثاني وضع رأسه ونام وما استيقظ صاحبنا حتى مغيب الشمس، ما استيقظ ولا لحظة، هل الصيام واجب عليه هذا اليوم؟ نعم لأنه يعتبر عاقلاً بالنسبة لشروط الوجوب. طيب هل يصح صومه؟ نعم يصح صومه ولا يجب عليه القضاء، وهذا هو الفرق بين النائم والمغمى عليه والمجنون؛ فالنائم الصيام واجب عليه وصيامه صحيح ولو نام طوال النهار، المغمى عليه الصيام واجب عليه لكن صيامه ليس بصحيح وعليه القضاء إذا أغمي عليه طوال النهار، المجنون إذا جُنَّ طوال النهار لا يجب عليه الصوم ولا يلزمه القضاء.

أما المسألة التي ذكرها الشيخ مرعي ركزوا فيها قال: لكن لو نوى ليلاً ثم جُنَّ أو أُغمي عليه جميع النهار وأفاق منه قليلاً صح. هون المسألة بتختلف عن المسألة التي تكلمت عنها، الشيخ مرعي بيتكلم عن شخص جُنَّ من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس لكنه استيقظ دقائق أثناء النهار، أو شخص أغمي عليه من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس لكنه أفاق من إغمائه لدقائق معدودة أثناء النهار. مجرد إفاقتك من جنونك أو من إغمائك لدقائق معدودة، لدقيقة واحدة للحظة عند الحنابلة يجعل صيامك صحيحاً حتى لو رجعت جننت أو رجعت أُغمي عليك. مجرد استيقاظك أثناء النهار من جنونك أو إغمائك لحظات يجعل صيامك صحيحاً ويقبل منك ولا تحتاج لقضائه.

الشرط السادس والأخير قال النية، الشرط السادس من شروط صحة الصوم وجود النية. الآن متى أنوي للصيام؟ الآن أحبائي الصيام على نوعين؛ هناك صيام واجب وهناك صيام تطوع. الصيام الواجب ليس فقط صيام.

الصيام الواجب يدخل فيه صيام رمضان، وصيام القضاء لرمضان، وصيام النذر، وصيام الكفارات؛ ككفارة يمين، وكفارة ظهار، وإلى ما شابه ذلك. فالصيام الواجب هو صيام رمضان، أو قضاء رمضان، أو كفارة، أو نذر. وهناك مقابل الصيام الواجب صيام التطوع: ست شوال، أيام البيض، اثنين وخميس، وما شابه ذلك، أو حتى النفل المطلق. وبالنسبة للصيام الواجب مهما كان نوعه؛ رمضان أو نذر أو كفارة أو قضاء، يشترط أن تنوي الصيام من الليل.

فقال النية من الليل لكل يوم واجب، وانتبهوا بالنسبة لرمضان، رمضان ثلاثون يوماً أو تسعة وعشرون يوماً؛ بعض المذاهب تقول لك النية تكفي من أول الشهر، تنوي من أول الشهر أنك تريد أن تصوم ولا داعي لتجديد النية لكل يوم. هذا ليس مذهب الحنابله، عند الحنابله لا بد كل ليلة من ليالي رمضان أن تجدد النية، وأن تقول في قلبك -لا داعي أن تصرح- أنني أريد أن أصوم غداً، لا بد من الليل أن تحدث نفسك بصيام الغد.

ما هي صورة النية؟ قال: النية من الليل لكل يوم واجب. طبعاً هذه القضية لا تحتاج إلى وسوسة، لأن بعض الناس يتوسوس في النية، كما يقول أبو العباس، لا داعي لنوسوس للناس في النيات، لكن لابد أن تفهموا تأصيل المذهب للفكرة. قال: فمن خطر بقلبه ليلاً أنه صائم غداً، بمجرد أن يخطر في قلبك خاطر والله أنه غداً رمضان، وأنه ما زلنا في رمضان وغداً صيام، هذا الخاطر القلبي هو نية؛ بمجرد مرور هذا الخاطر على قلبك هذا هو بحد ذاته نية، لا تحتاج إلى أكثر من ذلك. فمن خطر بقلبه ليلاً أنه صائم غداً، وأن غداً هو يوم من أيام رمضان، فقد نوى. وكذا الأكل والشرب بنية الصوم، شخص استيقظ قبل الفجر وتسحر، أكل تفاحة أو شرب كأس ماء، هذا بحد ذاته، إذا سألته لماذا تشرب الماء؟ يقول: والله أريد أن أصوم، فحتى لو أكل أو شرب يعتبر هذا أثناء الليل نية صوم مقبولة.

سينبني على هذا: ما فائدة أن نقول النية من الليل؟ ينبني على هذا عند الحنابله لو أن شخصاً نام قبل مغيب الشمس، الان ضال لمغيب الشمس دقيقتان أو ثلاث، ومن شدة التعب والإرهاق نام، نام قبل غروب الشمس، وطول الليل بقي نائماً ولم يستيقظ حتى طلع الفجر الثاني. فدخل اليوم الثاني من رمضان عليه وهو نائم، وبعدين استيقظ، هل يصح صومه؟ قال الحنابله: لا يصح، ليه؟ لأنه طول الليل كان نائماً، بالتالي لم توجد منه نية الصيام ليلاً، ولم يخطر في قلبه أنه غداً هو من أيام رمضان وسيصوم، ولم يأكل ولم يشرب بنية السحور أو ما شابه ذلك، ما وقع منه أي شيء طول الليل، بالتالي لم تصح نيته فلا يصح صيامه. هذه هي أثر المسألة الخطير، من نام طوال الليل ولم يستيقظ حتى طلع الفجر الثاني لا يصح صومه من رمضان أو من أي صوم واجب أيضاً؛ لأنه لم يأتِ بالنية في وقتها المعتبر، ووقتها المعتبر في الليل قبل أن يأتي الصباح.

إذن فمن خطر بقلبه ليلاً أنه صائم فقد نوى، وكذا الأكل والشرب بنية الصوم، أي الأكل والشرب ليلاً بنية الصوم. هذا بالنسبة للصيام الواجب، فحتى لو كنت تريد أن تقضي، لابد أن تنوي من الليل. بعض الناس يفكر أن هذا أمر خاص برمضان، وأما بالنسبة للقضاء مش مشكلة لو أثناء النهار؛ المرأة قالت خلص بدي أقضي هذا اليوم عن رمضان، أو الرجل قال بدي أقضي هذا اليوم عن رمضان، هل ينفع؟ لا، إذا كان قضاءً أيضاً لابد أن تنوي من الليل أن غداً بدي أقضي، أو إذا كان مثلاً عليك صيام كفارة لابد أن تنوي من الليل أن غداً كفارة، أو نذر؛ كله لابد فيه من نية ليلية، هذا للصيام الواجب.

وأما صيام التطوع فعند الحنابله يصح أن تنويه في النهار سواء قبل الزوال أو بعد الزوال، المهم أنك لا تأتي بمفطر من المفطرات. بالنسبة لصوم النفل، إذا استيقظت فجراً وأنت مش ناوي تصوم، لكن لم ترتكب مفطراً من المفطرات، لم تأكل ولم تشرب ولم تجامع، المهم عند الظهر استيقظت قلت والله أنا ما أكلت ولا شربت ولا فعلت أي شيء من المفسدات، خلص حاب أكمل صيام هذا اليوم، بينفع؟ بينفع بما أنه صيام نفل. طيب لو بعد العصر، شخص من الفجر للعصر ما أكل ولا شرب ولا ارتكب مفسداً من المفسدات، لكنه مش ناوي الصيام، على العصر قال: ما بقي إلا ساعتان إلى الغروب، وأنا ما ارتكبت أي مفسد من المفسدات، خليني أنوي الآن الصيام وأكمل الصيام إلى الغروب، ونقول بينفع. لكن إذا نوى الصيام عند العصر للغروب يأخذ فقط الثواب على هذه الفترة، هو مسكين لو نوى على البكري كان حصل ثواب طول اليوم، لكن هو ما استحضر نية صيام النفل إلا على العصر فثوابك من العصر للمغرب، أما اللي نوى من الظهر يحصل ثواب الصيام من الظهر للمغرب، فاللي نوى الساعة التاسعة صباحاً يحصل ثواب الصيام من الساعة للتاسعة للمساء تماماً، فاختلاف الوقت سيختلف معه الثواب، فهذا فرق بين النية بين الصوم الواجب وصوم النفل.

قال: ولا يضر إذا أتى بعد النية بمناف للصوم. الآن هو يتكلم عن الصوم الواجب، فإذا أنت نويت في الليل أن غداً بدك تصوم من رمضان أو قضاء أو نذر أو ما شابه ذلك، وبعد ما نويت هذه النية أكلت أو شربت أو جامع الإنسان زوجته، هل هذا يؤثر أو يفسد النية؟ لا، النية لا يفسدها في الليل كونك جامعت بعدها أو أكلت أو شربت ما دام هذا الأكل أو الشرب أو الجماع في وقت الإباحة ووقت الليل، أو قال إن شاء الله، لو أن مثلاً واحداً قال: أنا سأصوم غداً من رمضان إن شاء الله، نقول له هي إن شاء الله تيمناً وتبركاً، ولا أنت متردد؟ إذا قال: والله أنا متردد، نقول النية غير صحيحة لأنك قلت إن شاء الله تردداً. أما إذا قال: لا، أنا حكيت إن شاء الله والله يا شيخ من باب التيمن والتبرك، وأن كل شيء بمشيئة الله، نقول له خلص هذه إن شاء الله لا تؤثر على نيتك. فإذا شخص نوى وعندما نوى تلفظ، والتلفظ على المعتمد في المذهب ما في إشكال أن يتلفظ سراً، لكن لما نوى وتلفظ فقال أنا سأصوم غداً وقال إن شاء الله، نقول له تعال هذه إن شاء الله تيمناً وتبركاً أم تردداً؟ فإن قال تردداً لا تصح نيته، بده يعيد النية. إذا قال تيمناً وتبركاً لا حرج، لذلك قال: ولا يضر إذا أتى بعد النية بمناف للصوم من أكل أو شرب أو جماع أو قال إن شاء الله غير متردد، لأنه إذا قال إن شاء الله متردداً مشكلة بطلت النية.

وكذا لو قال ليلة الثلاثين من رمضان: إن كان غداً من رمضان ففرضي، وإلا فمفطر. لاحظوا هذه المسألة، شخص في ليلة الثلاثين من رمضان، نحن شاكون هل غداً سيكون اليوم الأخير من رمضان، ولا سيكون أول يوم من شوال يوم العيد؟ شاكون، فصاحبنا ليلة الثلاثين من رمضان القمر والناس تتراءى فيه مش مبينة الأمور، فقال هذه النية: إن كان غداً من رمضان ففرضي، أي سأكمل فرض الصيام، وإلا إذا لم يكن غداً من رمضان وظهر أنه العيد سأفطر، هل هذه النية تجزئ ولا لا؟ هي مسألة خاصة بإنسان في ليلة الثلاثين من رمضان مش متأكد أنه غداً العيد ولا غداً الثلاثين من رمضان، فقال بدي أنوي نية بهذه الصيغة، بدي أقول: يا رب أنا هكذا بدي أنوي، إذا كان غداً من رمضان فأنا مكمل الصيام، وإذا بان أنه بكرة العيد راح أفطر. هل هذه النية تعتبر نية صحيحة مجزئة ولا تعتبر نية مترددة غير مقبولة؟ عند الحنابله تعتبر هذه النية صحيحة، ليش؟ يقولون هذا الإنسان هو يستصحب الصيام؛ لأنه هو صائم طول الفترة الماضية، فهو يقول إذا كان غداً من رمضان فأنا سأستصحب الصيام الذي أنا مستمر عليه طوال الشهر، فنيه الصيام هي النية الأصيلة التي سيستصحبها إلا إذا طرأ طارئ يغيرها.

بخلاف المسألة المعاكسة، فقال: ويضر إن قاله في أوله. بخلاف المسألة المعاكسة لو أنه شخص في ليلة الثلاثين من شعبان، من أول الشهر، هذا شخص إذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان قال: إن كان غداً هو المكمل لشعبان فأنا سأفطر، وإذا بان أنه من رمضان فسأصوم، هذه النية غير مجزئة. هنا شو الفرق يا شيخ؟ قالوا: الشخص في ليلة الثلاثين من شعبان هو يستصحب حكم الفطر، فالأصل عنده الآن هو أنه مفطر، إلا إذا جاء ما يغير ذلك فإنه حينئذ سيصوم، بالتالي نية الصيام ستكون نية طارئة عارضة، والأصل المستصحب هو الفطر. وأما في نهاية شهر رمضان في الثلاثين من رمضان هو يستصحب العكس، يستصحب نية الصيام أنه أنا صائم، الأصل سأبقى صائماً، فنيه الصيام هي النية الثابتة الأصيلة، ونية الفطر إن ظهر غداً من شوال ستكون نية عارضة طارئة في حال وقوع أي تغير، فهذا هو الفرق بين المسألتين، وبناء على ذلك حكم الحنابله أنه من حكى في ليلة الثلاثين من رمضان أنه أنا سأبقى صائماً إلا إذا بان غداً هو العيد أو أول شوال، هذا لو بان غداً من رمضان فنيته هذه تعتبر صحيحة؛ لأن نيته هو استصحاب الصوم إلا إذا طرأ غيره، فالصوم هو الأصل وهو المتيقن، فالنية مجزوم بها. وأما اللي قال هذا في أول الشهر، اللي في ليلة الثلاثين من شعبان قال: إذا بان غداً شعبان سأكمل الفطر، وإذا ظهر رمضان فسأصوم، هذا الأصل عنده الفطر إلا إذا طرأ ما يقتضي الصوم، فإذا ظهر أنه غداً الأول من رمضان هو صام بنية مترددة طارئة عارضة، وليس بنية ثابتة أصيلة، ففرق الحنابله بين المسألتين.

ثم قال: وفرضه، أي فرض الصيام أو فروض الصيام خلينا نقول، إنه ذكر شروط وجوب الصيام أربعة: إسلام، عقل، بلوغ، قدرة عليه، ثم ذكر شروط صحة الصيام ستة، أي بالشرط الأول من شروط صحة الصيام الإسلام، الشرط الثاني انقطاع دم الحيض، الشرط الثالث انقطاع دم النفاس، الشرط الرابع التمييز، الشرط الخامس العقل، الشرط السادس النية. ولو لاحظتم، أنهي بهذه المسألة؛ وفرضه وسننه سأتركها للمحاضرة القادمة، الله يعينكم إن شاء الله. لو لاحظتم أحبائي بالنسبة لشروط الوجوب وأنا دائماً أحب ترتيب الأفكار لأن هذا الترتيب هو الذي يوضح أكثر وأكثر شروط الصحة؛ هناك أشياء اعتبرها الشيخ مرعي شرط وجوب وشرط صحة، مثل الإسلام شرط وجوب وشرط صحة، العقل شرط وجوب وشرط صحة، بس العقل الذي هو شرط وجوب يقابله الجنون، والعقل الذي هو شرط صحة يقابله جنون وإغماء، هذا الفرق الدقيق بينهما. من شروط الوجوب البلوغ، بس البلوغ مش شرط صحة، فالصيام يصح من غير البالغ بشرط أن يكون مميزاً، فهنا كان يقابل التمييز. أليس كذلك؟ كان يقابله التمييز. فإذا لاحظنا، إذن هناك بعض الأمور مشتركة بين شروط الوجوب وشروط الصحة، الإسلام والعقل، لكن العقل في هذا التفريق، أما البلوغ فهو شرط وجوب لكنه ليس شرط صحة، فيصح الصوم من غير البالغ إذا كان مميزاً. وأما باقي الشروط وهي النية وانقطاع دم الحيض وانقطاع دم النفاس فهذه واضحة، وأنهي المجلس هنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.