غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، محجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين، وزدنا علماً.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمه الله على مذهب السادة الحنابلة. وموعدنا اليوم مع الباب الأخير من أبواب كتاب الزكاة، وهو باب أهل الزكاة.
في المحاضرة السابقة تكلمنا عن الأحكام المتعلقة باستخراج الزكاة، كيفية الإخراج وشروطها، والنية وأحكام النية وما تبع ذلك من مسائل. اليوم نتكلم في ما يسمى الباب الأخير، وهو عندما أخرج الزكاة لمن أعطيها؟ من هم الذين يستحقون الزكاة بهذا التحديد؟ فقوله رحمه الله: «باب أهل الزكاة»، أي باب من يستحق أخذ الزكاة، هذا اسم آخر له يوضح المفهوم؛ أي باب من يستحق أن يأخذ الزكاة أو أن يعطى الزكاة.
فقال الشيخ مرعي رحمه الله: «وهم ثمانية»، الذين يستحقون أن يعطوا الزكاة ثمانية أصناف ذكرهم الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60]، فريضة من الله.
إذن هذه الثمانية أصناف نص الله سبحانه وتعالى عليها في كتابه الكريم، والفقهاء اتبعوا ما جاء به النص، لكن وقع الخلاف بين المذاهب الفقهية في التفاصيل. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ...﴾، فمن هو الفقير؟ ومن هو المسكين؟ ومن هو العامل عليها؟ ومن هم المؤلفة قلوبهم؟ وقع الخلاف بين أهل العلم في التفاصيل، وأما في الأصول الثمانية فهناك اتفاق عام عليها.
فقال الحنابلة وهم ثمانية، أبدأ بالصنف الأول: الفقير، وهو أول من بدأ الله سبحانه وتعالى به. من هو الفقير عند الحنابلة؟ وما الفرق بين الفقير والمسكين؟ المسكين هو الصنف الثاني، لذلك هو قال: «الأول: الفقير»، ثم ذكر تعريف الفقير وهو: «من لم يجد نصف كفايته».
الثاني: المسكين. إذن في كتاب الزكاة -انتبهوا- هناك فرق بين الفقير والمساكين. في أبواب أخرى، أو في علم التزكية وعلم السلوك وفي الكتب العامة، أحياناً يطلقون الفقير ويقصدون به المسكين، ويطلقون المسكين ويقصدون به الفقير، ولا حرج في هذا الإطلاق، لكن في كتاب الزكاة هناك تفريق دقيق بين الفقير وبين المسكين.
لماذا أنبه على هذه الفكرة؟ لأنه بعض الطلاب قد يقرأ في كتب التزكية وكتب السلوك أو كتب شروح الأحاديث والكتب الفقهية العامة فيجدهم يذكرون المسكين بمعنى الفقير، فلا تنكر هذا؛ لأنه في اللغة عموماً يصح إطلاق الفقير بمعنى المسكين وإطلاق المسكين بمعنى الفقير، لكن في كتاب الزكاة وفي باب التحديد -لأن هناك أحكاماً تترتب- وقع التفريق بينهما، وإلا فالأصل العام جواز إطلاق اسم الفقير والمسكين والعكس.
نعود إلى الفكرة، فقال: «الأول: الفقير»، تعريف الفقير عند السادة الحنابلة هو من لم يجد نصف كفاية. الآن إخواني، خلونا نتفق على مصطلح الكفاية. الكفاية هو المصطلح الذي سينبني عليه الفرق بين الفقير والمسكين. كل شخص منا له كفاية معينة وتختلف من شخص لآخر؛ فقد يكون شخص عنده أسرة مكونة من عشرة أشخاص كفايته فرضاً شهرياً ألف دينار، وشخص له أسرة مكونة من فردين فقط كفايته أربعمائة دينار، وشخص عليه التزامات كثيرة في الحياة قد تكون كفايته تصل لخمسة آلاف دينار.
فمفهوم الكفاية ليس له مبلغ محدد، وإنما يختلف باختلاف حال الأشخاص وما عليهم من التزامات، لكن الضابط العام هو أن كل شخص منا يبحث عن كفايته، أي ما يسد حاجاته الأساسية في الحياة. والكفاية لا يدخل فيها إخواني الكماليات؛ لما نقول كفاية لا يدخل فيها الكماليات، كالذهاب إلى الرحلات والأكل من المطاعم الفارهة وشراء السيارات الفارهة، هذه لا تدخل في مفهوم الكفاية، فالكفاية هي الحاجات الأساسية التي يحتاجها الإنسان وأسرته عموماً.
إذن فهمنا أن هناك مصطلحاً اسمه الكفاية، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص وما عليهم من التزامات وما يحتاجونه من أساسيات في الحياة. فالفقير عند الحنابلة هو الشخص الذي يجد أقل من نصف الكفاية، وهذا له صورتان: أن يكون معدماً تماماً لا يملك شيئاً، وأن يكون يملك شيئاً لكن هذا الشيء أقل من نصف كفايته.
يعني إذا كان زيد يحتاج مئة ألف دينار هو وأسرته ومن ينفق عليهم، فإذا كان زيد يملك أقل من نصف كفايته، أي يملك أقل من خمسين ألفاً، حينئذ يطلق على زيد إنه فقير، وهذا يشمل أن يملك ثلاثمئة أو مئتين أو مئة، ويصدق أيضاً إذا كان زيد لا يملك شيئاً تماماً، فكلاهما يدخل تحت مسمى الفقير. فالفقير في الحقيقة هو من لا يملك أي شيء من متاع الحياة الدنيا، أو يملك لكن أقل من نصف كفايته.
يقابل الفقير المسكين؛ والمسكين عند الحنابلة هو الذي يملك نصف كفايته فصاعداً لكنه لا يصل إلى حد الكفاية. فإذا كانت الكفاية هي ألف دينار، وكان زيد يملك خمسمائة دينار فصاعداً لكنه لا يصل إلى الألف، أي معه خمسمائة أو ستمائة أو سبعمائة أو ثمانمائة أو تسعمائة وخمسون، لكن ما وصل للألف، هنا يعتبر زيد مسكيناً وليس فقيراً. فالمسكين إذن أفضل حالاً من الفقير بناءً على هذا الكلام.
إذا امتلك زيد خمسمائة دينار فصاعداً لكن لم يصل إلى الألف، يعتبر مسكيناً، وإذا ملك أقل من الخمسمائة أو لم يملك شيئاً يعتبر فقيراً. وانتهت الفكرة بهذا الكلام.
لذلك أذكر أن هناك رواية عن الإمام أحمد أنه سئل عن رجل يملك عشرة آلاف درهم، هل يكون فقيراً؟ قال: نعم، يكون فقيراً إذا لم تكفه. لاحظوا، بعض الناس يظن القضية بالرقم الذي يملكه الإنسان. هناك أحبائي من يملك عشرة آلاف دينار وهو يعتبر إما فقيراً وإما مسكيناً؛ لكثرة ما عليه من حاجات والتزامات وما شابه ذلك. وهناك إنسان يملك أربعمائة دينار ولا يكون فقيراً ولا مسكيناً؛ تكفيه. فإذاً الكفاية لا تربط بمبلغ محدد، وإنما تختلف باختلاف الأشخاص.
سؤال يتبادر إلى الذهن: لو كان المسكين يملك النصاب ومر عليه الحول، هل يمكن هذه الصورة؟ شخص مسكين أو حتى فقير يملك نصاباً ومر عليه الحول، هل هذا الفقير أو المسكين عليه زكاة؟ قيدت الصورة: شخص معه عشرة آلاف دينار، وبحسب مفهوم الكفاية صنف على أنه مسكين؛ لأنه لم يبلغ حد الكفاية، مثلاً كفايته خمسة عشر ألفاً وهو معه عشرة آلاف.
معه عشرة آلاف وحال عليها الحول، هل عليه زكاة أن يخرجها؟ نعم، عليه أن يخرج الزكاة وإن كان هو فعلياً من المستحقين للزكاة. يعني هو عليه أن يخرج الزكاة من هنا، وإذا جاء شخص وأعطاه زكاة ماله يصح؛ فيمكن أن يكون الشخص تجب عليه الزكاة وفي نفس الوقت يكون مستحقاً للزكاة. لاحظتم هذه الفكرة؟ وبالتالي امتلاك النصاب لا يعني أن هذا الإنسان غني؛ امتلاك النصاب ومرور الحول ووجوب الزكاة عليك لا يعني أنك وصلت إلى حد الغنى، هذا الذي أريد أن أوصله. فيمكن أن تكون إنساناً وجبت عليك زكاة وعليك أن تخرجها وأنت بمفهوم الشرع ما زلت تعتبر إما مسكيناً وإما فقيراً تستحق الزكاة، فلا تعارض بين الأمرين.
وضحت الفكرة؟ بعض الناس يظن أنه إذا فلان امتلك النصاب ويجب عليه أن يخرج الزكاة، إذاً هذا مستحيل يكون فقيراً أو مسكيناً؛ لا يمكن. يمكن أن يكون فقيراً أو مسكيناً ويستحق أن يعطى من الزكاة وإن كان هو وجبت عليه الزكاة.
الآن السؤال قبل أن أنتقل عن الفقير والمسكين، وهذا سؤال يجب أن تعرفه في كل أصناف الزكاة: كم يعطى الفقير والمسكين من الزكاة؟ يقول الحنابلة: الفقير أو المسكين يعطى ما يكفيه لسنة بحول كامل، حتى ولو كان -انتبهوا لهذه الفكرة لأن بعض الناس عنده إشكالية معها- حتى ولو كان هذا الفقير أو المسكين أتلف ماله في الحرام، حتى ولو كان أتلف ماله في المعاصي وفي الحرام. ممكن يكون إنسان فقيراً أو مسكيناً، وهو قد أتلف ماله في معاصي ومحرمات، هل هذا يمنع أن يكون فقيراً أو مسكيناً ويمنع من أن يعطى كفايته لعام؟ في الحقيقة لا يمنع. طبعاً يرشد وينبه ويزجر، ويقال له: هذه الأموال التي تعطاها إياك ثم إياك أن تصرفها في المحرمات.
فإذا عرفت أن إنساناً فقير أو مسكين، وأن سبب فقره أو مسكنته أنه بذل ماله في حرام، فهل هذا يمنع إعطاء الزكاة؟ لا يمنع إعطاء الزكاة، ويعطى كفايته لعام كامل، والمعاصي التي فعلها هو مسؤول عنها أمام الله سبحانه وتعالى. فهناك انفكاك أيضاً في هذه الجهة. إذاً بعض الناس يا إخوان لما يعطي الفقراء أو المساكين من الزكاة يعطيه خمسين ديناراً أو مئة دينار، في الحقيقة ليس هذا هو الكمال. لو فعلت هذا زكاتك صحيحة ما أحد يقول لك أنك آثم، لكن الكمال الشرعي أن تعطي الفقير أو المسكين من الزكاة ما يكفيه بسنة. يعني لما تعطيه خمسين ديناراً هذه ربما ما تكفيه لشهر، اليس كذلك؟ نعم، حسب الشخص. لذلك إذا كان الشخص يقول لك أنا أصلاً كل زكاة مالي خمسين ديناراً أو مئة دينار، وبالتأكيد لن يعطي الفقير أو المسكين كفايته لسنة، لكن نتكلم عن الأشخاص الذين يتكلمون في المبالغ العالية؛ شخص ما شاء الله زكاته مئة ألف دينار، هذا الكمال في حقه لما يعطي فقيراً أو مسكيناً أن يعطيه ما يكفيه لسنة. ربما يقول: الفقير يكفيه لسنة عشرة آلاف، سأوزع هذه على عشرة فقراء. فهذا هو الكمال، أن يعطى الفقير والمسكين ما يكفيه لسنة. إذا ما أعطيته ما يكفيه لسنة أنت لست آثماً، لكن المراد ما هو الكمال.
نذهب إلى الصنف الثالث. إذا عرفنا الفقير وهو من لم يجد نصف كفايته، المسكين هو من يجد نصفها أو أكثرها لكن لم يصل إلى حد الكفاية.
الصنف الثالث ممن يستحق الزكاة: العاملون عليها. وهذا يدخل فيه كما قال الشيخ مرعي العامل عليها كالجابي الذي وظيفته أن يجبي الزكاة، والحافظ الذي توضع عنده زكاة الناس ومسؤوليته أن يحفظها. طبعاً هذا في الزمن القديم، الزمن الجميل لما كانت هناك دول إسلامية تهتم بمثل هذه القضايا وتضع بيت مال خاصاً بالزكوات، فتبعث الجباة ويكون هناك حافظ للزكوات ويكتبونها ويسجلونها ويسجلون أسماء الفقراء والمساكين. توجد هيئات مخصصة، الدولة الإسلامية بالمفهوم الكامل توجد فيها مثل هذه المؤسسات التي تشرف على أخذ الزكاة وتوزيعها والإشراف عليها. فالعاملون عليها كجابٍ وحافظ وكاتب الذي يكتب كما قلنا: فلان أخذنا منه كذا، وأسماء العائلات الفقيرة كذا؛ فالكاتب له وظائف متعددة. والقاسم الذي يخرج بالسيارات يوزع الزكوات على الفقراء المحتاجين. فعندك الجابي الذي يذهب يأخذ الزكاة من أهلها من الأغنياء، والحافظ الذي يحفظها في المخزن، والكاتب الذي يكتب كم قبض ومن هي العائلات الفقيرة، والقاسم الذي يذهب في قسم أموال الزكاة على المحتاجين؛ فهؤلاء هم العاملون عليها. وهناك أيضاً لما كانت تؤخذ الزكاة من أصحاب الإبل والغنم والبقر، كانوا هناك أيضاً رعاة وجمالون في الدولة المسلمة تؤخذ الزكاة من أصحاب الإبل ومن أصحاب البقر ومن أصحاب الغنم وتوضع في حظائر خاصة تصنعها الدولة المسلمة، فهذه الحظائر لا بد أن يشرف عليها جمالون ورعاة؛ فهؤلاء أيضاً يدخلون تحت مفهوم العاملين عليها.
يتعاملون عليها إذاً هم يستحقون الزكاة ولو كانوا أغنياء. طب كيف يا شيخ يستحقون الزكاة ولو كانوا أغنياء؟ بعض الناس يظن أن الزكاة لا تعطى إلا لشخص فقير أو مسكين، وفي الحقيقة لا؛ الشريعة وسعت المفهوم. فالزكاة أحد أصنافها أن يكون صاحبها أو الذي يستحقها فقيراً أو مسكيناً، لكن هناك أصناف تعطى من الزكاة ولو لم تكن من الفقراء والمساكين للمصلحة العامة، ومن أمثلة هؤلاء العاملون عليها وسيأتي غيرهم أيضاً. أغنياء يستحقون من الزكاة، فالعاملون عليها هم عبارة عن موظفين لهم أسر ولهم احتياجات. فهؤلاء الموظفون يعملون على جمع الزكاة وعلى حفظها وعلى كتابتها وعلى تقسيمها، فحتى نكفيهم حاجتهم ويتفرغون لبيت مال المسلمين، أو بالتحديد لا تطمع نفوسهم للسرقة من الزكاة والأخذ منها، فإننا نعطيهم من هذه الزكاة مقداراً مقابل العمل الذي يقومون به. لذلك لو سئلت: العاملون عليها كم يأخذون من الزكاة؟ يأخذون بمقدار الأجرة التي يستحقونها لو كانوا أجراء. يعني بنقول هذا الجابي وهذا الحافظ لو كان موظفاً في شركة كم الأجرة التي يستحقها؟ خمسمائة دينار شهرياً، إذاً نعطيه من الزكاة ما يعادل هذه الأجرة.
هذه لها حكم عظيمة، صدقوني الأحكام الشرعية مبنية على حكم عظيمة جداً؛ كيف أن هذا الإنسان الجابي الذي أخذ بهيمة الأنعام بيده من الأغنياء أو أخذ الثمار والزروع بيده، كيف تقطع رغبته فيها لئلا تتشوف نفسه إليها من خلال أنك تعطيه من نفس الزكاة التي جمعها مقداراً محدداً مقابل العمل الذي قام به؟ وهكذا أنت حصلت العديد من المصالح. ممكن شخص يقول: يا شيخ لماذا لا نعطيهم راتباً شهرياً من بيت مال المسلمين ولا يأخذون من الزكاة؟ هناك نظرة أعمق وهي أن هذا الإنسان أخذ من أموال الأغنياء ما تعلقت به نفسه، فنحن نريد أن نقطع نهمه حتى لا تسول له نفسه السرقة منها، فنقول هذه الأموال التي جمعتها أيها الجابي وأيها الحافظ وأيها الكاتب سنعطيك منها حتى نقطع عليك وساوس الشياطين.
إذاً العاملون عليها كجابٍ وحافظ وكاتب وقاسم، ولو كانوا أغنياء يعطون من الزكاة بقدر ماذا؟ ليس كفاية سنة مثل الفقراء والمساكين، لا، يعطون منها شرعاً مقدار الأجرة التي يستحقونها لو كانوا أجراء، لو كانوا مدراء.
الآن فائدة دونتها لكم: العاملون عليها لهم شروط، أي شخص الدولة المسلمة تستعمله في الزكاة له شروط: الشرط الأول: أن يكون مسلماً. الثاني: أن يكون مكلفاً. الثالث: أن يكون أميناً. الرابع: أن تقوم به الكفاية في الوظيفة التي يؤديها. الخامس: أن يكون من غير ذوي القربى وهم بنو هاشم، إلا إذا كان ذوو القربى يعملون في الزكاة ولكن لا يأخذون منها، وإنما يأخذون مرتباً شهرياً من الدولة، فهنا يجوز لذوي القربى أن يكونوا من العاملين عليها. إذاً لو سئلت: ذوو القربى من النبي صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم، هل يجوز أن يكونوا من العاملين عليها؟ إذا كان سيأخذ من الزكاة لا يجوز، وإذا كان سيأخذ أجرة من الدولة مستقلة منفصلة عن الزكاة لن يأخذ من الزكاة أن يكون من العاملين عليها. السادس: لابد أن يكون عالماً بأحكام الزكاة. لا ينفع تستخدم إنساناً جاهلاً؛ لأن الجابي يريد أن يذهب ويجمع لنا الزكوات من الأغنياء، إذا كان جاهلاً بأحكام الزكاة ولا يعرف الأنصبة وكم كل نصاب يوجب، سيسبب خللاً وفساداً عريضاً.
الصنف الرابع من أصناف أهل الزكاة وهم المؤلفة قلوبهم، والمؤلفة قلوبهم أنواع وأشكال وصور كما يقولون. أول شكل من أشكال المؤلفة قلوبهم: السيد المطاع في عشيرته ممن يرجى إسلامه. هذا أول نوع، إنسان مطاع في عشيرته، سيد زعيم في عشيرة في قبيلة، ونرجو إسلامه؛ فإنه يعطى من الزكاة لتحبيبه بالإسلام. وإذا هو في هذه الحالة هل هو مسلم ولا كافر؟ كافر، وهذه من الأحوال التي يعطى فيها الكافر من الزكاة، أن الأصل أن الذي يأخذ الزكاة يكون مسلماً، لكن في هذه الحالة أعطينا الزكاة للكافر لكن لمصلحة شرعية أنه يرجى إسلامه. لكن هذا الكافر الذي يعطى من الزكاة لرجاء إسلامه ينبغي أن يوجد فيه هذا الضابط: أن يكون سيداً في عشيرته، فلا نعطي فقراء الكفار حتى ولو كان يرجى إسلامهم. لا يعطى فقراء الكفار من الزكوات حتى يسلموا، لا بد يكون سيداً مطاعاً في عشيرته يرجى إسلامه حينئذ نعطيه من الزكاة. الفرق بين السيد وبين فقراء الكفار أن السيد يرجى بإسلامه إسلام كل العشيرة معه، وأما فقراء الكفار لا يرجى بإسلامهم إسلام عشائرهم معهم، فهذه هي المصلحة العظمى التي نظر فيها الإسلام.
النوع الثاني من المؤلفة قلوبهم: أو يخشى شره. وهذا في الحقيقة ليس بالمفهوم اللغوي مؤلف قلبه، وإنما أدخلوه في هذا الصنف تبعاً له، أنه إنسان كافر أو ليس بكافر يخشى شره، فهذا يجوز أن يعطى من الزكاة؛ لأننا نقول أو يخشى شره. هذا يدخل فيه الأسياد المطاعون في عشائرهم، لهم صولة وجولة على المسلمين سواء كانوا كفاراً أو مسلمين، يعني ممكن يكون إنسان مطاعاً في عشيرته وهو فاسق فاجر وإن كان مسلماً، يعتدي على الناس ويأكل حقوقهم ويسفك الدماء، فمن كان يخشى شره على المسلمين سواء كان كافراً أو مسلماً ورجونا بإعطائه الزكاة أن يكف شره، فهذا هل يجوز إعطاؤه من الزكاة؟ نعم. وهنا أنت ممكن تقول لي يا شيخ: طب هذا على ماذا ألفت قلبه؟ نحن في الحقيقة هذا لم نؤلف قلبه على الإسلام لكننا لينا قلبه حتى ينصرف عن المسلمين فقط، هذا كان الهدف من إعطائه الزكاة. فلذلك قوله أو يخشى شره، قل هذا كل سيد مطاع أو إنسان له أتباع وجنود وعصابات يخشى شرهم على المسلمين يسفكون الدماء وينهبون سواء كانوا هؤلاء الأشرار كفاراً أو كانوا مسلمين. فإذا كنا سنعطيهم الزكاة سينكف شرهم، فهذا فيه مصلحة فيعطون من الزكاة، ويمثلون بالخوارج؛ قالوا لو أنك رجوت بإعطائهم الزكاة أن يكفوا شرهم عن بلدتك.
هل يجوز أن تعطيهم من الزكاة؟ قالوا: نعم. يمثل الحنابلة هنا بالخوارج إذا كان الخوارج اعتدوا على أموال الناس وعلى أعراضهم، فكان إعطاؤهم الزكاة سبباً في صرف شرهم عن المسلمين، فيجوز إعطاؤهم من الزكاة لصرف شرهم، مع أن الخوارج عند جماهير العلماء من المسلمين؛ لكن لأن لهم شرّاً وصولة على الأعراض والأنفس المحرمة فيجوز أن يعطوا من الزكاة ليكفى شرهم.
النوع الثالث: أو يرجى بعطيته قوة إيمانه. هذا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع مسلمة الفتح الذين أسلموا في فتح مكة من زعماء قريش الكبار مثل صفوان بن أمية وأبو سفيان بن حرب، هم مسلمون ورؤساء وزعماء لكن إسلامهم كان فيه ضعف، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم من غنائم حنين المئة من الإبل وكل المسلمين من المهاجرين والأنصار لما في قلوبهم من الإيمان. القصة المشهورة لما الأنصار حزنوا: يا رسول الله، أنت تعطي أبو سفيان وصفوان بن أمية مسلمة الفتح المائة من الإبل وتتركنا ونحن الذين كنا معك في المعارك وفي المضائق!
فقام النبي عليه الصلاة والسلام وخطب فيهم الخطبة الشهيرة: «ألا ترضون أن يذهب الناس بالدينار والدرهم وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟» ثم قال: «لو سلك الناس وادياً أو شِعْباً وسلك الأنصار وادياً أو شِعْباً لسلكت وادي الأنصار وشِعْبهم. اللهم اغفر للأنصار وأبناء الأنصار». فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم، وهنا مؤشر أن زعماء القبائل بالنسبة لمسلمة الفتح ما أعطوه لم يكن زكاة وإنما كان غنائم، لكن من هنا أخذ الفقهاء حكم الزكاة، قالوا: الزكاة مثل الغنائم، كيف أنك يمكن أن تخص ضعاف الإيمان بمبلغ من المال وبإعطاء الزكاة إليهم حتى يتقوى إيمانهم.
لكن هذا كما قلت لك الذي يظهر عند الحنابلة أن هذا أيضاً خاص بالزعماء والرؤساء وأصحاب المكانة. يعني هل كل إنسان ضعيف إيمان جعل المسلمين؟ والله يا شيخ أنا ضعيف إيمان أعطوني من الزكاة، نعطيه؟ لا، ما ينفعش هذا الكلام. في الحقيقة والله أعلم أن الجامع لكل هذه الأنواع هو فعلاً أن يكون السيادة؛ يعني سيد مطاع يُرجى إسلامه، سيد مطاع يُرجى كف شره، سيد مطاع أسلم لكن إسلامه ضعيف فيُرجى بإعطائه المال تقوية إيمانه.
النوع الرابع: أو جبايتها ممن لا يعطيها. أن يكون سيداً مطاعاً ويستطيع أن يجمع لنا الزكاة من عشائر وأقوام يرفضون أداء الزكاة للدولة المسلمة. وهنا أذكركم بقضية التضمين التي مرت معنا سابقاً لما قلت لكم إن الدولة المسلمة أحياناً تجد إشكالية في أخذ الزكاة من بعض العشائر وبعض القبائل الممتنعة فسلكوا أسلوب التضمين، لكن عرفنا أن التضمين محرم. لكن الفقه الإسلامي أوجد بديلاً عن التضمين؛ وهنا انتبهوا كيف الفكر الإسلامي يتعايش مع الواقع ويوجد حلولاً.
ففي الفقه الإسلامي إذا الدولة المسلمة لم تستطع أن تأخذ الزكاة من بعض الأقوام والعشائر، وهذه العشائر امتنعت وأبت والحاكم المسلم ارتأى ألا تحدث حرب مع هذه القبائل والعشائر تسفك فيها الدماء، وإنما قال: نحن نعرف شخصاً يمون على هذه القبيلة أو العشيرة، شخص متنفذ له مُونة على هذه القبيلة والعشيرة يستطيع أن يجبِي لنا مال الزكاة منها، فنعطي رئيس هذا السيد المطاع من الزكاة مبلغاً مقابل أنه هو يجمع لنا زكاة هذه القبيلة الممتنعة. فلذلك قال: أو جبايتها ممن لا يعطيها؛ يعني يجوز إعطاء الزكاة للمطاع يُرجى بإعطائه الزكاة أن يجبِي الزكاة لنا من الأقوام والعشائر التي لا تعطي الزكاة للدولة المسلمة.
وهناك أيضاً نوع خامس لم يذكره الشيخ ونذكره لكم: أن يُعطى السيد المطاع من الزكاة ومن الأموال الزكوية لما يُرجى من إسلام نظيره من الزعماء ومن الأسياد. في هناك سيد مطاع في عشيرته وبنعرف أنه هذا السيد المطاع حواليه مجموعة من أسياد القبائل الأخرى يتعاملون معهم، فإحنا كدولة مسلمة بذكائنا نقول: كيف نأتي بهؤلاء الزعماء جميعاً ليدخلوا في دين الإسلام؟ دعونا نغدق على هذا الرئيس أو على هذا الزعيم من أموال الزكاة لما يُرجى من إعطائه من الزكاة أن يُسلِم نظراؤه؛ أنه بصير يحكوا: والله الدولة المسلمة بتكرم السادة وبتكرم الزعماء، شوف شو أعطوا فلاناً، أعطوه مئة ألف دينار، يلا خلينا نسلم ندخل في هذا الدين ونطيعهم بصيروا يعطونا. وهذا من السياسة الشرعية العالية.
حتى يفهم الناس إخواني والطلبة الجدد والمتحمسون أن الفقه الإسلامي والفكر الإسلامي فيه سياسة شرعية عالية، وكفاك فقط بهذه الجزئية من السياسة الشرعية ما يجعلك تنظر بعين الاعتبار إلى أن الإسلام مستعد يعطي من الزكاة لزعماء وأسياد ليكف شرهم أو ليقوي إيمانهم أو ليجبوا لنا الزكاة ممن يمنعها أو ليسلم نظراؤهم. مش هذا فيه فكر سياسي عالٍ جداً؟ فالطالب يجب أن يتفهم وأن يقف عند هذه المواطن وقفة اعتبار وتأمل ويفهم أن الإسلام لا يتعامل مع الناس بالمثالية الكاملة؛ يعني لا تتعامل مع كل الناس أنه إما بتسلم وإما السيف، لا، ما فش عنا حل ثالث، لا، في حلول أخرى في جلب قلوب الناس وفي استعطافهم وممارسة الدهاء والمداراة وما شابه ذلك حتى تسير سفينة هذه الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
فإذاً هذه أصناف وأشكال المؤلفة قلوبهم، ولاحظوا أن هؤلاء يُعطون من الزكاة ولو كانوا أغنياء، يعني السيد المطاع في عشيرته بشكل عام العادة أن يكون غنياً أصلاً؛ لكن لأن الزعماء خاصة منهم ضعاف الإيمان أو إذا كانوا كفاراً أنهم يحبون كثرة المال، فنحن نعطيهم من مال الزكاة للمصلحة الشرعية التي نرتقبها، إما أن يُرجى إسلامه أو يُكف شره أو يُرجى بعطيته قوة إيمانه أو يُرجى أن يجبِي لنا الزكاة ممن يمنعها أو إسلام نظرائه من الزعماء. فهذه ست أفكار تقوم عليها المؤلفة قلوبهم، وهؤلاء كم يعطوا من الزكاة؟ بمقدار ما يحصل به التأليف، وهذا يعود لاجتهاد الحاكم المسلم أو نوابه؛ يعني كم المقدار الذي يعطونه؟ هل يعطون كفاية سنة زي الفقراء والمساكين؟ أو بمقدار أجرة؟ ما فش أجرة هون، هم لم يعملوا عملاً، وإنما يعطون بمقدار ما يحصل به التأليف؛ وبالتالي هنا ستضطر أنك تدفع مبالغ دسمة، وهنا لاحظوا الفكرة هذه: أنه أنا ممكن أضطر كدولة مسلمة أني أدفع مبلغ مئة ألف دينار لزعيم كافر يُرجى إسلامه، أنت شوف هذه الفكرة التي أنا أحاول أوصلها لكم، أنه ممكن إحنا كدولة مسلمة نعطي مبلغ مئتي ألف دينار لكافر مطاع في قومه يُرجى إسلامه؟ نعم، هي فقه الإسلام يقول لك ما في مشكلة، أو لكف شره ممكن يُعطى، ما عندنا إشكال، فهذه فكروا فيها في كثير من وقائع الحياة.
الخامس: المكاتب، وهو الله سبحانه وتعالى نص عليهم باسمي وفي الرقاب، والقرآن ما قال المكاتبون إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب. الآن وفي الرقاب يدخل فيها المكاتب الذي نص عليه وهناك أشياء لم ينص عليها تدخل أيضاً في الرقاب؛ هو نص على نوع من أنواعه وأنا سأكمل أنواعاً أخرى، يدخل فيها المكاتبون، والمكاتب أظنكم فهمتم فكرته: عبد عقد عقداً مع سيده أن يسدد له دفعات من المال خلال سنتين فصاعداً مقابل أن يشتري حريته؛ بيتفقوا والله العبد بيتفق مع سيده أربعين ألف دينار وسددها على سنتين فصاعداً، بعد ما سددها أصبح حراً.
إحنا كمسلمين نتشوف إلى الحرية ونتشوف إلى إخراج الناس من الرق. الإسلام لا يريد العبودية، الإسلام يريد الحرية للناس، ولذلك كثير من الكفارات الشيء المقدم فيها عتق رقبة، لو لاحظتم كفارة الجماع في رمضان، كفارة الظهار، ايش أول شيء يكون مقدم مش صيام ولا إطعام؟ عتق رقبة، لأن الإسلام يتشوف للاعتاق؛ انظروا يعني الزركشي في الشرح على مختصر الخرقي كثيراً ما يذكر هذه العلة في قضية الرقاب والعتق أن الإسلام يتشوف إلى تحرير الرقاب، ولذلك المكاتبون لما كانوا في طريقهم للحرية الإسلام جعلهم من أهل الزكاة الذين يستحقونها، نعطيهم من الزكاة حتى نعينهم على إعتاق أنفسهم.
ويدخل تحت وفي الرقاب أيضاً أن صاحب المال الزكوي الغني الذي عليه زكاة يشتري بمال الزكاة عبداً ويعتق لوجه الله، هذا أيضاً يدخل، هذا ما في مكاتبة؛ لكن هنا أنا مثلاً طلعت عليّ زكاة خمسين ألف دينار، أنا صاحب رجل أعمال، لما جاء نهاية الحول حسبت كم عليّ زكاة طلعت خمسين ألف دينار، بدال ما أعطيها لفقير أو مسكين قلت لا، أريد أن أشتري عبداً وأعتق لوجه الله؛ هل يجوز هذا؟ وهل يصح؟ نعم يصح، وهذا يعتبر من سهمه وفي الرقاب؛ قالوا أن يجتبي رقبة ويعتقها، لكن هناك شرط قالوا أن تكون هذه الرقبة ممن لا يعتق عليه مباشرة.
الآن إخواني في الفقه الإسلامي هناك عبيد إذا امتلكتهم مباشرة يعتقون عليك ولا يمكن أن يبقوا عبيداً تحت يديك؛ من هم؟ هم ذوو الرحم المحرم منك، أي إنسان له رحم محرم منك هذا إذا أصبح عبداً لك لا يمكن أن يبقى عبداً، مباشرة يصبح حراً مثل إنسان وقع والده تحت يديه عبداً أو وقعت أمه تحت يديه عبداً أو أمة، هذا لا يمكن أن يبقى والده عبداً له ولا يمكن أن تبقى أمك أمة لك، مباشرة تصبح حرة. وضابطها قوله صلى الله عليه وسلم: «من امتلك ذا رحم محرم فهو حر». أي إنسان يمتلك رحماً محرماً منه فهذا الرحم المحرم إذا امتلكته بالعبودية مباشرة يصبح حراً عليك حتى ولو لم تعتقه، سيعتق عليك جبراً بالشريعة الإسلامية. إذا أردت أن تعتق عبداً بأموال الزكاة يشترط أن يكون هذا العبد الذي تريد أن تشتريه وتعتقه ممن لا يعتق عليك مباشرة؛ لأنه إذا أنت اشتريته سيصبح حراً مباشرة من دون ما أنت تعتقه، ففعلياً لم يحصل هذا الأمر. فالحنابلة يقولون: لا بد أن تشتري عبداً ممن لا يعتق عليك ثم تقوم أنت بإعتاقه حتى نعتبرك أديت الزكاة أو أوصلت الزكاة إلى مستحقيها، إذاً أن نشتري رقبة لا تعتق عليه فيعتقها.
أيضاً ممن يدخل تحت وفي الرقاب وإن لم يكن في الحقيقة هو عبد، تحرير الأسرى؛ ينص الحنابلة يجوز إعطاء الزكاة وبذلها للكفار لتحرير أسرى المسلمين؛ والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «فكوا العاني» أي الأسير؛ فهذا يدخل تحت وفي الرقاب وإن كان الأسير ليس عبداً، الأسرى من المسلمين ليسوا عبيداً للكفار لكنهم يدخلون تحت هذا السهم تبعاً. فإذاً وفي الرقاب يدخل فيه: واحد المكاتب، اثنين يدخل فيه من اشترى عبداً لا يعتق عليه فأعتقه، ثالثاً يدخل فيه أسرى المسلمين.
السادس: الغارمون، والغارمون يعني الذين عليهم ديون هم نوعان في الفقه الإسلامي: النوع الأول من غرم لإصلاح ذات البين، النوع الثاني من غرم أو تديّن لنفسه وأعسر ولم يستطع أن يؤدي ما قام باستدانته. فالغرماء في الفقه الإسلامي على نوعين: النوع الأول من غرم لإصلاح ذات البين، يعني لم يغرم لنفسه ما استدان لنفسه لا، استدان من أجل ماذا؟ من أجل إصلاح ذات البين بين عشيرتين وقع بينهما اقتتال، وقع بينهما دماء، وقع بينهما إتلافات؛ فهذا الرجل أصلح بينهم مقابل مثلاً أنه يتحمل عن هذه العشيرة ما أتلفته لهذه العشيرة أو يتحمل عن هذه العشيرة الدية التي تطالبها بها العشيرة الأخرى، فقال: خلاص عليّ. كيف بصير إصلاح ذات البين؟ المصلح يقول: خلاص أنا عليّ، إيش بدكم من هذه العشيرة؟ والله بدنا مئة ألف. يقول: خلاص عليّ أنا بتحملها. فهذا الإنسان الذي أصلح بين عشيرتين وبين قومين بعد أن كادت تكون فتنة ودماء بينهم مقابل أنه هو يدفع مالاً لهذه القبيلة أو لهذه القبيلة أو للقبيلتين، هذا الإنسان جزاه الله خيراً فعل معروفاً عظيماً جداً وتحمل مالاً كبيراً، ممكن يكون متحملاً لمئة ناقة دية، ممكن يكون متحملاً مئتي ألف، يتحمل مبالغ كبيرة.
الفقه الإسلامي يساعد هذا الإنسان الذي قام بإصلاح ذات البين حتى ولو كان غنياً، يعني حتى ولو كان الإنسان الذي أصلح ذات البين يملك مئات الألوف لا نلزمه أن يدفع من ماله الخاص في عملية إصلاح ذات البين، بل نقول يجوز إعطاء هذا الإنسان الذي فعل الإصلاح من أموال الزكاة ومساعدته ما يؤدي به ما التزمه حتى ولو كان غنياً، فلذلك يقول الشيخ ابن عوض في بيان الصورة الأولى من الغرماء وهو من دخل في إصلاح ذات البين: الأول هو من تديّن لأجل الإصلاح بين الناس من أهل القرى والقبائل ولو كان الإصلاح بين أهل الذمة سواء كان التشاجر في دماء أو أموال، قال: ويدخل في ذلك من تديّن بدية بسبب إتلاف نفس مثلاً.
قد تكون هذه العشيرة قتلت إنساناً من عشيرة أخرى، وكادت تثور فتنة، فجاء هذا الرجل وجمعهم وقال: يا عمي، ماذا تريدون دية؟ أنا جاهز. فتحمل هو الدية. فهل نقول له: أنت تحملت الدية، يلا ادفعها من جيبك الخاص؟ نقول: لا، بما أنك جزاك الله خيراً فعلت معروفاً وأردت أن تكف شراً وفتنة، نساعدك في دفع الدية لهذه القبيلة. إما أن يكون تديناً لدية بسبب إتلاف نفس، أو تديناً مالاً بسبب إتلاف مال. قد تكون القضية بين العشيرتين ليست قضية قتل، بل قضية أموال؛ مثلاً أن هذه القبيلة أحرقت سيارات لهذه القبيلة، والمشكلة شجار بين أناس، فأصبحت هذه القبيلة تريد أن تقتل أو تهاجم هذه القبيلة لتتلف، فجاء هذا الرجل وقال: لا يا جماعة، تعالوا نجلس مع بعض، كم عدد السيارات التي تم إتلافها؟ والله مئة سيارة. خلص كم تسوى؟ أنا أتحملها. الآن هذا الإنسان يذهب للناس الأخيار الأفاضل ويقول: أنا تحملت والله مئة سيارة، أعطوني من الزكاة حتى أسدها لأنه عمل معروف. الدولة المسلمة تقول له: لا والله أنت غني، ادفعها من جيبك؛ هذه الأموال لا، الدولة المسلمة وظيفتها أن تساعد هذا الإنسان الذي أصلح ذات البين ليؤدي معروفه.
ويدخل تحت هذا أيضاً ما قالوا فيه: ﴿وَاعْتِقُوا كُلَّ مِنْهُمَا﴾، يدخل تحت صورة إصلاح ذات البين، وإن لم تكن في الحقيقة إصلاحاً بهذا المفهوم. يعني أنا إنسان قال لي شيخ: أريد أن أشتري بيتاً أو أشتري سيارة عن طريق البنك، والمعاملة حلال، لكن البنك طلب كفيلاً أو ضامناً، هل تقدر تضمن لي؟ قلت له: نعم أنا أقدر أضمنك. فذهبت أنا وإياه وضمنته عند البنك؛ أنا فعلت معروفاً وساعدته في أمور حياته. لما جاء وقت السداد أصبح هذا الإنسان فقيراً وما استطاع أن يسد البنك، فالبنك سيخاطبني أنا: أنت كفيله أو الضامن عنه، تعال وسد عنه. فأنا أيضاً الضامن أعسرت ولست قادراً على السداد؛ هنا الفكر الإسلامي أو الفقه الإسلامي يقول: يجوز أن يُعطى هذا الضامن من الزكاة ما يسد به هذه الجهة، لأنه لما ضمنه لم يأتِ بشيء، بل فعل معروفاً، فنحن نريد أن نعين الناس على عمل المعروف. إذا أنت ضمنت إنساناً فهذا الإنسان الذي ضمنته أعسر، وأنت الضامن أعسرت، يجوز أن يُعطى من الزكاة لهذا الضامن حتى يسد للبنك أو الجهة التي تطالب بالمال. ولاحظوا كيف الفكر الإسلامي يساعد الناس على المعروف، لذلك لو كانت الدولة المسلمة تطبق هذه الأحكام، فالإنسان يضمن غيره وعنده حساب أنه إذا لم يستطع السداد، أو إذا هذا الذي ضمنه افتقر وهو افتقر، يستطيع الذهاب لبيت مال المسلمين ويعطيه من الزكاة ما يسد به الجهة المطالبة بالمال. انظر كيف يساعد الإسلام الناس على فعل المعروف والخير. فإذا ضمن غيره أعسر، يجوز أن يُعطى الضامن من الزكاة ما يسد به المال، لأنه فعل معروفاً فأدخلوه تحت صورة إصلاح ذات البين.
لكن هناك شيء أريد أن أستثنيه؛ قالوا الذي دخل في إصلاح ذات البين، سواء في دية أو في أموال أو ما شابه ذلك، بغض النظر عن الصورة، إذا دفعها من نفسه من ماله الخاص، فليس له أن يعود على الدولة المسلمة ويطلب منها الزكاة. يعني هو يجوز أن يُعطى من الزكاة إذا لم يدفع من ماله الخاص، أما قبل أن يدفعها إذا راحوا على الدولة مباشرة وقال: يا رئيس الدولة، أنا أصلحت بين عشيرتين وطلبوا مبلغاً كبيراً من المال، أنا معي أموال لكن لا أريد أن أدفع، وأنا أعرف في الفقه الإسلامي أن الدولة المسلمة تعطي من الزكاة لإصلاح ذات البين، أعطني زكاة لأعطيها للقبيلة الفقيرة وأسد هذه الفتنة، إذا فعل هكذا نعم يُعطى من الزكاة. أما إذا تبرع هذا الرجل المصلح من نفسه أن يدفع الغرامة أو الدية، وانتهى الأمر، فبعد أن دفع لا يذهب للدولة المسلمة يطالبها بالقضاء، لا ينفع. فيقولون: إذا أنت أيها المصلح دفعت من جيبك، ليس لك أن تعود للدولة المسلمة وتطالبها بالزكاة، أما إذا لم تدفع من جيبك وذهبت مباشرة للدولة المسلمة وطالبتها، فهنا نعم الدولة المسلمة تعطيك. فعلينا أن نفرق بين الصورتين؛ إذا دفع من نفسه خلص راحت.
النوع الثاني من الغارمين هو من استدان لنفسه وأعسر؛ يعني إنسان لم يستدن لإصلاح ذات البين، بل استدان لمصلحته الشخصية، يريد أن يشتري سيارة أو بيتاً، أو يريد أن يدرس ابنه، أو ما شابه ذلك. فإنسان استدان لمصلحته الشخصية وأعسر، لاحظوا القيد: وأعسر، أي لم يستطع أن يؤدي أو يسد هذا الدين. هنا هل يجوز إعطاؤه من الزكاة؟ يقول الحنابلة: إذا استدان لشيء مباح، أو بشيء محرم وتاب منه، يجوز أن يُعطى من الزكاة. أما إذا استدان لشيء محرم ولم يتب منه، فهذا لا يُعطى من الزكاة ولو أعسر. فمن استدان لنفسه وأعسر، إما أن يكون استدان لشيء مباح، يريد أن يشتري سيارة أو ما شابه ذلك من الأشياء المباحة، هذا أعسر فيُعطى من الزكاة. أو استدان لشيء محرم، أخذ مبلغاً من المال لشيء يريد أن يفعل به حراماً من المحرمات، وتاب إلى الله سبحانه وتعالى وندم أنه استدان المال لفعل محرم، لكن الآن الجهة تطالب بسداد دينه؛ هل يجوز أن يُعطى من الزكاة؟ نقول إذا تاب وصلحت حاله يجوز أن يُعطى من الزكاة حتى نفك رقبته من هذا الدين. أما إذا لم يتب من هذه المعصية، يعني هو استدان وفعل هذه المعصية بالدين الذي قبضه، وأعسر ولم يستطع أن يسد ما عليه، فجاء لبيت مال المسلمين وطلب الزكاة منهم ليسد الدين، هل يعطونه؟ نقول: هل تبت؟ قال: والله لسا ما تبت، أنا مش شايف أنها مشكلة، فبيت مال المسلمين لا يعطى من الزكاة.
وهذا قريب مما يحصل في الوقت المعاصر؛ قصة مشابهة للذين يستدينون من البنوك الربوية، وقد وقع عندنا أناس يستدينون من بنوك ربوية وتكثر عليهم الزيادات الربوية وترهقهم وتغشاهم، فيأتي ويقول: يا شيخ، هل تجد من يعطينا من الزكاة لنسد هذه الديون؟ هذا الشخص هل نعطيه من الزكاة ولا لا؟ ننظر في حاله، وهذا التفصيل والله أعلم أنه يُنظر فيه لحاله؛ إذا كان هذا الإنسان ظهر عليه الندم من هذا القرض الربوي الذي أخذه من البنك ويريد أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً، وظهر هذا من القرائن، فنحن لن نشق عن قلبه لكن ظهر من القرائن توبته وصلح حاله، يجوز إعطاؤه من الزكاة حتى يسد للبنك ما عليه من القرض الربوي. أما إذا كان هذا الرجل لو سألته: هل أنت فعلت حراماً؟ هل أنت نادم؟ هل يمكن أن تعود فتستدين مرة أخرى من بنك ربوي؟ قال: والله نعم ممكن أفعل ذلك، وهل أنت نادم؟ قال: والله أنا مش نادم يا شيخ، أنا احتجت لقرض ربوي ومش شايف أنها مشكلة، مثل هذا لا يجوز إعطاؤه من الزكاة حتى ولو أغرقته الديون الربوية من رأسه إلى أخمص قدميه، لأنه مصرّ على محاربة الله ورسوله. فأصحاب القروض الربوية إذا أهلكتهم القروض ولم يستطيعوا أن يسدوا البنوك، إعطاؤهم من الزكاة ينبني على هل تابوا إلى الله توبة نصوحاً أم ما زالوا مصرين؛ فإذا كان مصراً أو لا يرى أنه مخطئ ولم تظهر علامات التوبة والندم، هذا لا يُعطى من الزكاة، أما إذا جاء تائباً تظهر في وجهه علامات الندم وأصبح من أهل الخير والصلاح، فهذا نحن نعم نعينه ونساعده ونسد ما عليه حتى ولو كان قرضاً ربوياً.
هناك فائدة أريد أن أخبركم بها؛ بالنسبة للغارم لنفسه، إذا كان شخص غارماً لنفسه، يعني استدان مبلغاً من المال لشيء مباح مثلاً وأعسر، ولم يستطع أن يسد البنك أو الجهة التي تطالبه بالمال، نحن قلنا يجوز إعطاؤه من الزكاة ما يسد به دينه، صح؟ إذا أُعطي من الزكاة ما يسد به دينه لا يجوز له أن يصرف هذا المال في جهة أخرى. يعني إنسان فقير وعليه ديون، ركزوا هذه المسألة مهمة جداً؛ إنسان فقير وعليه ديون، وأنا صاحب مال معي زكاة، أريد أن أعطيها لهذا الشخص، الآن إذا أعطيتها لهذا الشخص باعتباره فقيراً أو مسكيناً، يجوز لهذا الفقير أو المسكين أن يصرف هذا المال كيف شاء؛ يجوز أن يصرفه على حاجة أبنائه ويجوز أن يصرفه لسداد ديونه. أما إذا أعطيت المال وقلت له: يا فلان، هذا المال أعطيتك إياه ليس لأنك فقير، لا، أعطيتك إياه حتى تسد ديونك لأنك غارم، فهنا لا يجوز له أن يصرف هذا المال في غير سداد ديونه؛ وضحت الفكرة؟ إذا من كان فقيراً وعليه ديون، أي غارم، اجتمع فيه الفقر والغرم، إذا أُعطي المال باعتبار فقره له أن يصرف المال في أي جهة شاء لحاجاته الأساسية أو لسداد ديونه، وإذا أُعطي المال لأنه غارم لا يجوز له أن يصرف هذا المال إلا في سداد دينه ولا يجوز له أن يصرفه في حاجاته وحاجات أبنائه، هذه انتبهوا لها.
فكرة أخرى حتى نكثف الأفكار؛ لو كان الدين الذي عليه ليس للآدميين وإنما لحق الله، مثل ماذا يا شيخ؟ الكفارات؛ عليه إطعام عشرة مساكين، أو عليه كفارة ظهار إطعام ستين مسكيناً، ولا يستطيع الصيام، وقال: والله علي كفارة إطعام ستين مسكيناً، ماذا رأيكم أحبائي؟ هل يجوز أن يُعطى من الزكاة؟ طبعاً في الصيام يقولون إذا لم يجد إطعام ستين مسكيناً فهذه تسقط، لكن في الظهار إذا لم يجد إطعام ستين مسكيناً فهذه لا تسقط، الظهار لا يسقط، عليه أن يؤدي الكفارة. فشخص عليه كفارة وعليه إطعام ستين مسكيناً في كفارة الظهار، أو عليه كفارة يمين إطعام عشرة مساكين، وما معه الآن ليدفعهن، هل يجوز أن يُعطى من الزكاة لسداد الدين لله؟ نعم، هذه أيضاً انتبهوا لها؛ ممكن يكون بعض الفقراء ما شاء الله حالف مئة يمين، وعليه كفارات، طبعاً هل تتداخل كفارات الأيمان؟ هذه إن شاء الله سنأتي عليها في باب اليمين. المهم، شخص عليه كفارات متنوعة ولا يجد ما يسد به هذه الكفارات لله سبحانه وتعالى، فيجوز أن يُعطى من الزكاة. فمن تدين لنفسه وأعسر ندخل فيها من عليه ديون لحق الله سبحانه وتعالى وهي الكفارات.
السابع ممن يستحق الزكاة: الغازي في سبيل الله. والمراد بالغازي في سبيل الله هو من يجاهد في سبيل الله وليس مسجلاً في ديوان الجند، ولا يأخذ مرتباً شهرياً من الدولة. أما الجنود الذين يأخذون رواتب شهرية من الدولة ومسجلون في ديوان الجند، فهؤلاء ليسوا من أهل الزكاة، أي ليسوا من الغزاة في سبيل الله؛ لا يدخل تحت سهم الغازي في سبيل الله. لماذا تراجعت يا شيخ؟ لأنه هو ممكن يكون من أهل الزكاة باعتباره فقيراً؛ أن الدولة تعطيه خمسمئة دينار على الجندية لكن لا تكفيه، فيجوز إعطاؤه على أنه فقير أو مسكين، لكن لا يجوز إعطاؤه من سهم الغازي في سبيل الله؛ لأن الغازي في سبيل الله بالمفهوم الفقهي هو الذي يقاتل في سبيل الله وليس مسجلاً في ديوان الجند فلا يأخذ مرتباً شهرياً. هل معنى كلامك يا شيخ أنه الذي يسجل في ديوان الجند ويأخذ راتباً شهرياً هذا لا يجاهد في سبيل الله؟ لا.
ليس المقصود أن هذا ليس من الغازي في سبيل الله، أو أن نيته فاسدة؛ لا، ليس هذا هو المقصود. في زمن عمر وفيمن بعده صار هناك دواوين للجند وتسجل الأسماء وما شابه ذلك، فليس المراد في ديوان الجند المسجل في ديوان الجند أن نيته فاسدة، وإنما الكلام عن الحكم الفقهي؛ إنه سهم الغازي في سبيل الله هذا في باب الزكاة المراد به الذي لم يسجل في ديوان الجند، وليس له راتب شهري يأخذه على الجندية. هذا المراد تمامًا.
فالغازي في سبيل الله عرفنا مفهومه، طب كم يعطى الغازي في سبيل الله؟ قد يعطى ما يكفيه ذهابًا وإيابًا، وما يشتري به سلاحًا، وما يشتري به دابة إن كان ممن يركب الدواب. يعطى ما يكفيه ذهابًا وإيابًا، وما يشتري به سلاحًا، وما يشتري به دابة إن كان من أهل الدواب؛ لأنه ممكن يكون من سلاح المشاة، وسلاح المشاة أيش بده في الدابة؟ ما لوش طلَب، لكن إذا كان لا يستطيع المشي فهذا يعطى من أيضًا ما يشتري به دابة.
هل الغازي في سبيل الله يعطى فقط إذا كان فقيرًا لا يجد ما يملكه للذهاب والعودة، ولا يجوز أن يعطى ولو كان غنيًا؟ يجوز أن يعطى ولو كان غنيًا، يعني لو كان عنده مئة ألف دينار في البنك وقال لي يا شيخ أنا بدي أجاهد في سبيل الله، هل يجوز لي أن آخذ من الزكاة؟ ويقولون: نعم، يجوز أن تأخذ من الزكاة ما يكفيك ذهابًا وعودة إن عدت غانمًا إن شاء الله، وسلاحًا، ودابة إن كنت ممن يركب الدواب.
يدخل تحت هذا السهم، سهم الغازي في سبيل الله، الحج الواجب والعمرة الواجبة إذا كان فقيرًا، هنا محددة بالفقر، يدخل تحت في سبيل الله الحج الواجب بهذا القيد، والعمرة الواجبة؛ لأن الحنابلة عندهم عمرة واجبة كما سيأتي إن شاء الله. إذا كان الإنسان فقيرًا، هنا نعم يشترط الفقر، إذا كان غنيًا لا، عليه أن يحج من ماله ويعتمر من ماله. إذاً يدخل الحج الواجب والعمرة الواجبة إن كان فقيرًا.
الثامن والأخير قال: ابن السبيل، الثامن والأخير ممن يستحق الزكاة قال: ابن السبيل. من هو ابن السبيل؟ قال: وهو الغريب المنقطع بغير بلده بهذه الشروط. إنسان غريب منقطع، إنسان غريب منقطع في غير بلده، فابن السبيل لا يمكن أن يكون في بلده، لا بد أن يكون إنسانًا غريبًا أجنبيًا عن البلد الذي هو فيها، وانقطعت به السبل ولا يجد مالًا يكمل به رحلته ويعود به إلى بلده. فهذا كم يعطى؟ قال: يعطى ابن السبيل من المال ما يكفيه للعودة إلى بلده إن كان يريد العودة إلى بلده، أو ما يوصله إلى البلد التي يقصدها إن كان يقصد بلدًا معينًا.
يعني خليني أقول: إذا كان هو سيعود إلى بلده، إذا هو في طريق العودة إلى بلده وانقطعت به السبل، يعطى ما يعود به إلى بلده. إذا كان يريد أن يقصد مكانًا معينًا، ننظر؛ إذا كان يريد يقصد مكانًا معينًا يستقر فيه خلص، يعطى ما يوصله إلى هذا المكان المعين. إذا كان يريد أن يصل إلى مكان معين ويرجع، هنا لا، نعطيه ما يوصله إلى قصده ويعيده إلى بلده. يعني شخص خرج من عمان يريد العمرة، وفي عالحدود الأردنية انقطعت به السبل، الآن هو أين يريد أن يصل؟ بمكة، فهل يجوز إعطاؤه من المال؟ نعم يجوز إعطاؤه من المال ما يكفيه، مش بنقول له: خلص خذ مال روح فيه على عمان، هيك البعض يفكر، لأ، تعطيه من المال، يجوز أن يعطى من المال ما يوصله إلى مكة ويعود به إلى عمان. إن قال: لا يا شيخ، أنا بدي أوصل مكة وأظلني مستقر هنا، خلص ما بدي أرجع، خلاص أعطيه من المال ما يوصله إلى مكة فقط. إذا قال يا شيخ: أنا خلص مثلًا كان مسافر، بده يسافر العمرة، وقال: أنا عند الحدود الأردنية أفلس، وقال: خلص ما بدي أكمل، بدي أرجع لعمان، هنا يعطى ما يرجعه إلى عمان فقط، فهذا التفصيل في كم يعطى.
طبعًا هناك شرط يقولون في السفر الذي ينقطع فيه: قال إذا كان في سفر مباح أو محرم تاب منه. تمام، هذا مثله مثل الدين، نشترط أن يكون في سفر، إما سفر مباح أو سفر محرم وتاب منه. يعني شخص رايح على بلد أجنبي والعياذ بالله لذي الخنى، وانقطعت به السبل، قال له: والله يا شيخ أنا بدي أوصل هالبلد هذا الأجنبي، انقطعت بي السبل، أعطيني من مال الزكاة ما أصل به إلى ذاك البلد، بنقول له ما رح ينفع. إذا قال: والله يا شيخ إني أنا وصلت لهاي البلد، أريد أفعل المعاصي، وأنا أتوب إلى الله، فعلًا انقطعت بي السبل، وأنا أتوب إلى الله، وخلص بدي أرجع لبلدي ولا أريد أقارف المعاصي، أها إذا تاب وظهرت توبته نساعده، لكن لا يمكن للمؤمن، يعني لا ينبغي للمؤمن أن يكون أحمق، يعني ينتبه أيضًا للناس، ممكن يضحك عليك، يقول لك: أنا والله تبت، بس أعطيني من الزكاة، وتعطيه من الزكاة يذهب يفجر بها، بدك تكون منتبه، إذا كان سفرًا مباحًا أو محرمًا وتاب منه، هذا يعطى ما يحقق له مقصوده. أما إذا كان في حرام، السفر حرام ولم يتب، فهذا لا يجوز أن يعطى من الزكاة ولو أفلس وأعدم.
الآن هكذا انتهينا من أصناف الزكاة الثمانية. قال الشيخ مرعي بعد ذلك: فيعطى للجميع من الزكاة بقدر الحاجة. بعد ما ذكر الأصناف الثمانية أيش قال؟ قال: فيعطى للجميع من الزكاة بقدر الحاجة. طبعًا إحنا عرفنا الآن كل صنف أيش اللي يحتاج، يعني الفقراء والمساكين يعطى كفاية سنة، العاملون عليها الأجرة، الرقاب ما يحصل به التحرير، الغارمون ما يسد به دينهم، ابن السبيل ما يكفيه حسب التفصيل، يعني إما للعودة أو الذهاب والعودة أو الاستقرار في البلد التي يذهب إليها، في سبيل الله ذهابًا وعودة وشراء السلاح، في الرقاب ما يحصل به مساعدة أو إعتاق العبد أو فداء الأسير. فكل صنف من هذه الأصناف مقدار ما يعطى من الزكاة بحسب حاجته التي تتعلق به. إذا قال: فيعطى للجميع من الزكاة بقدر الحاجة. قال: إلا العامل، واستثناه، يعني قال: إلا العامل، إن العامل هو لا يعطى بقدر الحاجة، قال: يعطى بقدر أجرته وإن اتفقنا عليها. إن العاملون عليها إحنا ما بنعطيهم بقدر حاجته حتى نكفيه حاجته، لأ، العامل عليها بنعطيه بمقدار عمله، إنه هذا العمل لو اشتغله موظف في شركة كم بياخذ؟ خمسمئة؟ فأيها العامل، راح نعطيك مقدار خمسمئة، ممكن الخمسمئة ما تسد حاجتك بس هذه مقدار أجرتك. تمام، يعني هذه الفكرة التي نبه عليها الشيخ مرعي، إنه جميع الأصناف كل شخص منهم يعطى بما يسد حاجته، إلا العامل عليها، فهذا لا نعطي بمقدار ما يسد الحاجة، وإنما نعطيه بمقدار الأجرة التي يستحقها الموظف لو كان يعمل موظفًا.
إذاً إلا العامل، فيعطى بقدر أجرته ولو كان غنيًا، ولاحظوا هنا العامل العاملون عليها، لو كانوا عبيدًا يجوز أن يعطوا من الزكاة، لكن في النهاية الزكاة التي سيعطاها العبد ستذهب لمن تسيده؛ فهمت علي؟ لأنه سيده بيقول: أنا فرغت عبدي ليعمل معكم في جباية الزكاة فبدي أجرة عبدي، فعبده يجوز أن يعطى من الزكاة، نعم، ويذهب ما يعطاه إلى سيده؛ لأن العبد وماله لسيده. إذاً إلا العامل عليها على الزكاة، فيعطى بقدر أجرته وليس بقدر كفايته أو بقدر حاجته، هذا اللي بده يقوله، ولو كان العامل عليها غنيًا، وهذه مرت معنا، أو حتى لو كان قنًا ويعطى؛ لأنه في النهاية عمل ويذهب المال إلى سيده.
ثم قال: ويجزئ دفعها إلى الخوارج والبغاة، وكذلك من أخذها من السلاطين قهراً أو اختياراً، عدل فيها أو جار. الآن دعونا نتكلم جزئية جزئية، إذا كانت منطقة سيطر عليها الخوارج أو البغاة، وهؤلاء الخوارج أو البغاة هم الذين يتولون قبض الزكاة من الناس وتوزيعها على الفقراء، هل يجوز أن أدفع الزكاة لهؤلاء الخوارج أو البغاة؟ نعم، يعني إنسان في بلدة من البلدان وقعت تحت سيطرة الخوارج أو البغاة، وسنأتي إن شاء الله نفرق بين الخوارج وبين البغاة. البغاة يعني هم الذين خرجوا على السلطان لأمر رأوه من السلطان لم يعجبهم، فرأوا أن يخرجوا عليه، والبغاة ليس شرطًا أن يكونوا خوارج؛ لأن بعض الناس يظن أن كلمة خوارج وبغاة نفس الشيء، لا، بالخلط المعاصر لا؛ الخوارج هذه عقيدة، هذه لها عقيدة تتعلق بالتكفير ومجموعة من المسائل، البغاة ليست عقيدة، البغاة هم جماعة من الناس، ممكن يكونوا قطاع طرق، أصلاً خرجوا على السلطان، قالوا: والله إحنا السلطان هذا شايفينه ظالم -هو مسلم وكذا- لكن شايفينه ظالم وبدنا نخرج عليه بالسلاح، جيد جماعة، عشيرة، قوم معهم سلاحهم، السلطان ما عجبهم، ما عندهم عقيدة أصلاً، خرجوا على السلطان وقاتلوه واستولوا على مناطق، هؤلاء اسمهم بغاة. أما الخوارج صحيح هم يفعلون أفعال البغاة في الخروج على سلاطين المسلمين والقتل والاقتتال، لكن يمكن يكون عقيدة، أصلاً عقيدة في التكفير، وهذه سنأتي بها إن شاء الله في كتاب الحدود وما هو الفرق بين الخوارج والبغاة.
عمومًا البلدة إذا سقطت في يد خوارج أو في يد بغاة بغض النظر، وهؤلاء هم الذين الآن تولوا قبض الزكاة وتوزيعها، هل يجوز لي كمسلم أحيا تحت هذه البلدة أو في هذه البلدة هل يجوز لي أن أدفع الزكاة للخوارج والبغاة؟ نعم، فقال: ويجزئ دفعها إلى الخوارج والبغاة، فهو ليس المراد أنك تعطي الخوارج والبغاة من زكاة مالك، لا، لأ، هو يقصد أن الخوارج هم الذين تولوا المنطقة أو البغاة هم الذين يتولون المنطقة وهم الذين يقومون بتوزيع الزكاة، فجاؤوا عليّ على بيتي وطلبوا مني الزكاة، طب ما أنت اللي هتعطيهم الزكاة وأنت ساكت؛ لأنه هو مش راح يمزح معك، لو بدك تعطيه الزكاة بيقول لك: أعطيني إياها أنا بوزعها. فهل إخراج الزكاة لهم شرعًا، خلاص يجزئ عنك وتسقط المطالبة الشرعية عنك؟ نعم، خلاص، إذا ويجزئ دفعها إلى الخوارج والبغاة.
قال: وكذلك من أخذها من السلاطين قهرًا أو اختيارًا، وكذلك إذا غير الخوارج والبغاة، لو أنني دفعت مالي إلى السلطان، هل يجوز أن أدفع أموال زكاتي إلى السلطان؟ وهكذا تبرأ ذمتي والسلطان هو الذي يدبر نفسه بها. أيش قال؟ قال: وكذلك من أخذها من السلاطين قهرًا أو اختيارًا، ممكن السلاطين يأتون إليك يأخذون الزكاة منك قهرًا بالإجبار، وممكن يأتون إليك ويأخذون منك الزكاة باختيارك، يعني بدك تعطينا إياها اعطينا إياها، بدك توزعها بنفسك وزعها بنفسك، تمام، فالسلاطين على نوعين؛ هناك سلاطين عندهم مرونة، بيجي عليك بيقول لك: يا عمي بدك تعطيني الزكاة نوزعها؟ مرحبًا بك، تريد أنك توزعها بنفسك على راحتك، بدك تعطيه؟ قال: نعم أنا بدي أعطيك إياها السلطان ووزعها، فهذا اسمه أعطى الزكاة للسلطان اختيارًا. إعطاء الزكاة للسلطان قهرًا: إنه السلطان ما يعطيكاش مجال، بدك تعطيني الزكاة بدك تعطيني الزكاة، ما في مجال أنك توزعها بنفسك، هنا أنت وجدت حالك تحت الظرف الواقع مقهور فأعطيت الزكاة، هل تبرأ ذمتك؟ نعم تبرأ ذمتك.
الآن الجملة الأخيرة قال: عدل فيها أو جار. إذا قضية عدل فيها نحن نتفق مع الشيخ مرعي، إنه إذا السلطان سواء أجبرني أو أعطاني اختيارًا أني أدفع إليه الزكاة فأنا دفعت إليه الزكاة قهرًا أو اختيارًا، وكان هذا السلطان بطبعه يعدل في توزيع الزكاة ولا ينهب منها لجيبه ولمسؤولي الدولة، فهذا تجزئ دفع الزكاة إليه. أما إذا كان السلطان ممن يجور في توزيع الزكاة، سواء أجانب الاختيار أو بالقهر، سواء سلطان ممكن يكون جاءك بالاختيار أو جاءك بالقهر، وأنت تعلم أنه في كلا الحالتين إذا أعطيت الزكاة سيجور فيها، وسيضع في جيبه كما يفعل كثيرون اليوم، هل يجوز إعطاء الزكاة؟ في المنتهى وتبعه الشيخ مرعي في الدليل قال: نعم، يجوز أنك تعطيه الزكاة وهو المسؤول أمام الله، يعني أنت ذمتك تبرأ وهذا السلطان إذا جار هو المسؤول أمام الله.
في الإقناع للشيخ الحجاوي قال: لا، إذا كنت تعلم أنه سيجور في توزيعها وستذهب إلى جيبه وجيب المسؤولين فلا يجوز أن تعطيه، فلا يجوز أن تعطيه، ولك أن تكتم أموالك، لك أن تكتم أموالك ولا تخبره بها ولا تعطيه من الزكاة، فلا يجوز أن تعطيه في هذه الحالة، واكتم أموالك. وفي هذا تبع الحجاوي القاضي أبا يعلى في الأحكام السلطانية، هو الذي قرر هذه المسألة وتبعه الحجاوي، وأنا في الحقيقة أميل مع الحجاوي في هذه المسألة مع الإقناع وليس مع المنتهى، إنه إذا كان السلطان إذا دفعت إليه المال قهرًا أو اختيارًا سيجور في توزيعها -يعني سيذهب شيء منها إلى جيبه، جيب الجماعة اللي حوله زي ما بتعرفوا أنتم اليوم- لا يجوز إعطاء الزكاة. ليش يا شيخ؟ لأنك تضيع حق الفقراء، هذا المال حق الفقراء والمساكين في الدولة التي تعيش فيها، فأنا أعطي مالي للسلطان السلطان يتمتع به وحاشيته وأحرم الفقراء والمساكين منها، فإذا كنت أعلم أن هذه الجهات المسؤولة عن قبض أموال الزكاة لا تتقي الله سبحانه، لأنه الآن هناك الجهات المسؤولة عن قبض الزكاة اليوم هي في الحقيقة لا تقهرك، بتعطيك اختيار، بدك تعطينا الزكاة اعطينا، صح؟
لكن أنت تعلم من القرائن ومن المسموعات أن كثيراً منها يضعونها في جيوبهم إذا دفعت الزكاة إليهم. فلا تقل لي والله أنا خلص بعطيها لهم وبراءة ذمتي وهم إذا جاروا فيها محاسبون عند الله؛ لا أنت، قل أمام الله هذا هو الرأي الصواب في المسألة والله أعلم، وهو اختيار الإقناع. وهو اختيار القاضي أبي يعلى وجماعة كبيرة من الفقهاء؛ أنه إذا تدفع للحاكم الذي يجور في توزيعها أو الجهات التي تجور في توزيعها حتى لا نضيع حقوق الفقراء وأصحاب الزكاة. فقول الشيخ مرعي عدل فيها أو جار، قال: أو جار، أنا لا أوافقه عليه؛ أنه إذا كان سيجور فيها الذي أذهب إليه اختيار الإقناع أنه لا يجوز دفع الزكاة إليه في هذه الحالة.
بعد ذلك عقد الشيخ مرعي رحمة الله عليه فصلاً في أناس أو أشخاص محددون لا يجوز إعطاؤهم من الزكاة. من هم؟ قال: فصل ولا يجزئ دفع الزكاة للكافر. الأصل العام عند الحنابلة أنه لا يجوز دفع الزكاة إلا ما استثني مثل المؤلفة قلوبهم، فلا يجوز دفع الزكاة للكافر إلا المؤلفة قلوبهم. اكتبوا: لا يجزئ دفع الزكاة للكافر إلا إذا كان من المؤلفة قلوبهم.
اثنان، ولا للرقيق العبد: لا يجوز أن يعطى من الزكاة إلا المكاتب، وواحدة مرت معنا قبل قليل، القن الذي يعمل في الزكاة؛ فيجوز أن يعطى من سهم العاملين عليها لكن الزكاة هذه ستذهب ضمنياً إلى سيده. فالرقيق لا يعطى من الزكاة إلا إذا كان مكاتباً أو إذا كان عاملاً عليها، فيجوز أن يعطى بقدر أجرته.
كذلك ولا للغني بمال أو كسب. لا يجوز أن تعطي الزكاة لإنسان غني بمال عنده؛ مثلاً ممكن يكون هو لا يشتغل لكن عنده ورثة بمئات الآلاف، هذا اسمه غني بمال. أو غني بكسب؛ الذي هو ليس عنده آلاف مؤلفة لكن عنده مكسبة أو مصلحة، وشهرياً تدر عليه ما فيه الكفاية، فهذا لا يجوز إعطاؤه من الزكاة.
لكن يقولون -وانظروا إلى المسألة لكم يا طلبة العلم- يقولون إن تفرغ قادر للكسب لطلب العلم الشرعي، حتى ولو لم يكن طلب العلم الشرعي لازماً عليه، وصعب عليه أن يجمع بين العلم والكسب، يجوز أن يعطى من الزكاة. فما بالكم إذا كانت الأمة تفقد العلماء وتفقد طلبة العلم؟ فهنا إخواني تفريغ طائفة من الطلبة الجادين في طلب العلم هذا من أوجب الواجبات أن يعطوا من الزكاة، أن يعطى طالب العلم الجاد بهذا القيد؛ لأن كثيراً للاسف من طلبة العلم يعطون من الزكاة لكنهم ليسوا جادين، يقضون أوقاتهم في مجالس فارغة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي ويمسك الكتاب نصف ساعة ولا ساعة في اليوم وبعد ذلك يقول لك: أنا طالب علم، يلا أعطوني من الزكاة! لا، لا تستحق من الزكاة. أنا أتكلم عن طالب علم جاد يجلس ويتعلم يومياً ولا يضيع وقته على وسائل التواصل ولا في المجالس الفارغة بحيث خلال سنوات إن شاء الله يرجى أن يصبح متمكناً، هذا النوع من أوجب الواجبات أن يعطى من الزكاة؛ لأنه يسد على الأمة ثغراً كبيراً جداً، وقل من يسد في هذا الزمان.
فأمثال هؤلاء للاسف أنا رأيت كثيراً منهم احترقوا لأنهم لا يجدون من يسد حاجتهم، فقال: أنا لا أستطيع أن أكمل طلب العلم لأنني أحتاج إلى الكسب، عندي عائلة، عندي زوجة، عندي أبناء، وهذه مسؤولية الأغنياء. للاسف بعض الأغنياء للاسف أقول عنده نهم أن يدفع مالاً لبناء مسجد في بلدنا، مع أنه ما شاء الله المساجد عامرة ولكن تحتاج إلى زوارها، وإذا قلت له إن هناك طلبة علم نفرغهم لطلب العلوم الشرعية يعطون من الزكاة، يأتي يقول: طب هم ألا يشتغلون؟ لماذا لا يشتغلون؟ يا أخي الكريم القضية ليست في هذا التصور. فلان إذا اشتغل وذهب ليكون موظفاً من الصباح للمساء، هذا لن يجد وقتاً لطلب العلم، العلوم الشرعية كبيرة وأنتم تلاحظون كل شيء يحتاج لتلخيص ومذاكرة واستحضار وما شابه ذلك. هو صحيح ما شاء الله قادر على الاكتساب لكن نحن فرغناه لمصلحة الأمة، فيجب عليك أيها الغني أن تسد حاجته ولو من زكاة مالك. وقضية كيفية توزيع الزكاة في هذا الزمن أظنها قضية تحتاج إلى إعادة نظر في تحقيق مصالح الأمة الكبرى، وليست القضية خلص أي إنسان مسكين أو فقير أعطه من المال وانتهى الأمر، علينا أن نرتب الأولويات؛ فقط هذه المسألة أحببت أن أعلق عليها.
إذاً ولا تجزئ دفع الزكاة للكافرين، ولا للرقيق، ولا للغني بمال أو كسب، ولا تلزمه نفقته، أي إنسان تلزمك نفقته لا يجوز أن تعطيه من الزكاة؛ لأنه أصلاً النفقة واجبة عليك، والأصل أنك أنت تكفيه، فكيف أصلاً هذا الشخص يستحق مني الزكاة ونفقة احتياجاته واجبة عليك؟ عليك أنت أن تسد حاجة واجب وليس من الزكاة. إذاً كل من تلزمك نفقته فهذا لا يجوز أن تعطيه من الزكاة. ويدخل تحت هذا المفهوم عمود النسب؛ أصولك وفروعك لا يجوز أن تعطيهم من الزكاة عند الحنابلة، فوالدك ووالدتك وأجدادك وجداتك لا يجوز أن تعطيهم من الزكاة؛ لأن نفقتهم واجبة عليك، ولو لم تكن وارثاً منهم كان هناك من يحجبك، وفروعك أيضاً يجب عليك أن تنفق عليهم، أحفادك وأبناؤك، يجب عليك أن تنفق عليهم ولو لم تكن وارثاً منهم.
وأما الحواشي؛ نحن من درس معنا فرائض يعرف أنه عندنا أصول وفروع وحواشي، الأصول والفروع يسمونها عمود النسب، هؤلاء لا يجوز أن يعطوا من الزكاة إذا كانت نفقتهم عليك، كانوا فقراء محتاجين، أنت يجب عليك أن تنفق عليهم، فيتمون عليهم بالزكاة؛ يجب عليك أن تنفق عليهم ولو لم تكن وارثاً منهم. وأما الحواشي فسنأتي إن شاء الله في كتاب النفقات لنعرف أن وجوب النفقة عليك تجاههم إنما يكون بحسب إرثك منهم، فإذا كنت لا ترث منهم لا يجب عليك أن تنفق عليهم ولو كانوا فقراء، أما إذا كنت ترث منهم فيجب عليك أن تنفق عليهم بقدر إرثك منهم. ممتاز؟ هذه فيها طبعاً تفصيل في كتاب النفقات، لكن عموماً القاعدة العامة تقول: كل شخص تلزمك نفقته بغض النظر ما هو السبب، لا يجوز أن تعطيه من الزكاة.
قالوا إلا إذا كان عاملاً على الزكاة، أو من المؤلفة قلوبهم، أو غازياً في سبيل الله، أو ابن سبيل، أو مكاتب، أو غارماً لإصلاح ذات البين؛ هؤلاء لو كانوا ممن تنفق عليهم يجوز أن تعطيهم من الزكاة. يعني إذا كان هناك عامل على الزكاة وهو ممن تلزمني نفقته، فيجوز أن أعطيه باعتبار أنه عامل عليها وليس باعتبار أنه فقير أو مسكين. وإذا كان مثلاً شخص يلزمني أن أنفق عليه وهو من المؤلفة قلوبهم؛ يعني أبي فقير وهو سيد مطاع في عشيرته وضعيف الإيمان، لا يجوز أن نعطيه باعتبار فقره؛ لأنه نفقته واجبة علي، لكن يجوز أن أعطيه ليؤلف قلبه. فمن تلزمني نفقته يجوز أن أعطيه باعتباره عاملاً عليها، أو مؤلفاً قلبه، أو من الغازين في سبيل الله؛ أبي أو ابني غزا في سبيل الله يجوز أن أعطيه من الزكاة، أو كان ابن سبيل منقطع، أو كان مكاتباً، أو كان غارماً لإصلاح ذات البين، فهذا الذي يجوز أن أعطيه إذا كان ممن تلزمني نفقته.
فلاحظوا إذاً قضية من تلزمك نفقته؛ هناك أحوال لا يجوز أن تعطيه وأحوال يجوز أن تعطيه بحسب الاعتبارات. قال أيضاً ولا للزوجة، أي لا يجوز للزوجة أن تعطي زوجها من الزكاة. كثير ناس تسألنا عن هذه الجزئية، لماذا الزوجة لو كانت غنية لا يجوز أن تعطي زوجها الفقير المعدم من الزكاة؟ يصير تعطيه صدقات نعم، لكن من الزكاة لا يجوز. لماذا؟ لأنه الزكاة قالوا يجب أن تعطيها لجهة لا تعود عليك بالنفع، والزوجة إذا أعطت زوجها ما تعطيه لزوجها سيعود عليها بالنفع، لأن المال سيصرفه الزوج عليها وعليه، فكأنك أنت استفدت من مال الزكاة وعاد إليك من جهة أخرى، فلا يجوز للزوجة أن تعطي زوجها من الزكاة لكن يجوز أن تعطيه من الصدقات.
ولا لبني هاشم؛ بنو هاشم من أقارب النبي صلى الله عليه وسلم بالتحديد، هذا هو المعتمد في المذهب، لا يجوز أن يعطوا من الزكاة لأن هؤلاء لهم خمس الغنائم، فربنا أعطاهم خمس الغنائم بدل الزكاة لأن الغنائم جاءت من النصر، والزكاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما هي أوساخ الناس» كما جاء في الحديث. فالله سبحانه وتعالى شرف بني هاشم فأعطاهم من خمس الغنيمة ولم يعطهم من الزكاة. هناك رأي لشيخ ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه يقول فيه: إذا تعطل خمس الغنيمة عن بني هاشم يجوز أن يعطوا من الزكاة. هذا رأي ووجه لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه وفيه نوع من الاستصلاح، أنه في الزمن المعاصر إخواني بنو هاشم للأسف ما في شيء اسمه غنائم، إحنا بالعكس صرنا ندفع لأعداء الأمة الجزية! ما في غنائم يعطوها بنو هاشم، فقراء بني هاشم لا يوجد خمس غنيمة يأخذون منه، فتعطل سهم الغنيمة عنهم بالتالي يقول ابن تيمية يجوز أن يعطوا من الزكاة.
قال: فإن دفعها لغير مستحقها وهو يجهل ثم علم لم تجزئه. الآن أنت عرفت الناس الذين لا يستحقون الزكاة: الكافر، الرقيق، الغني بمال أو كسب، من تلزمك نفقته، الزوجة، بنو هاشم. ممتاز، قال: فإن دفعها لغير من يستحقها، أي لغير مستحقيها وهو يجهل؛ يعني ظننت هذا الرجل والله سيد مطاع في عشيرته اكتشفت في النهاية أنه لا يساوي شيئاً في العشيرة، ثم علم؛ إذا أعطيتها لمن لا يستحقها وأنت جاهل مسكين ما عرفت أنه ليس من مستحقيها، واحد جاء قال: أنا من الغازين في سبيل الله أعطني معك، أخذ المال وذهب، بعدين أنت مسكين ضحك عليه كما يقولون، جهلت، قال ثم علم، هل تجزئك؟ لا تجزئك في المذهب، بدك تخرج الزكاة مرة أخرى، لم تجزئه ويحاول أن يستردها؛ إذا قدرت تجيبها جيبها، ويستردها منه بنمائها؛ تستطيع أن تذهب لذاك الشخص الذي أعطيته زكاة مالك واكتشفت أنه لا يستحقها تستطيع أن تذهب إليه وتأخذ منه زكاة مالك ولو نمت عنده، يعني ممكن أنت أعطيته زكاة شاة وهذه الشاة ما شاء الله أنجبت عنده، واكتشفت بعد أنه هو ليس من المستحقين للزكاة، فلك أن تذهب إليه وتأخذ منه الشاة وكل ما ولدته هذه الشاة.
إذاً لم يجزئ ويستردها منه بنمائها إلا حالة واحدة استثنيت في المذهب، فقالوا: وإن دفعها لمن يظنه فقيراً فبان غنياً أجزأه. هذه الحالة الوحيدة التي إذا أنت أعطيت فيها الزكاة لشخص ظننته يستحق فاكتشفت أنه لا يستحق تجزئك، إذا دفعت المال لشخص ظننته فقيراً فبان لي بعد أن أعطيت الزكاة أنه غني، فإن الزكاة تجزئ عنك. لماذا استثناها الحنابلة؟ لأن الحديث استثناها، جاء حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرجل تصدق بصدقة فوقعت في يد غني وهو يظنه فقيراً، فقال: اللهم لك الحمد وقعت في يد غني، فجاءه أو ناداه مناد من السماء: قبلت صدقتك، أو تقبل الله صدقتك. فبما أن الحديث استثنى هذه الحالة استثناها الحنابلة. وما سواها من الأحوال بقي فيها الحنابلة على الأصل؛ الأصل أنه أي شخص أعطيته الزكاة واكتشفت أنه ليس من مستحقيها لا تجزئك الزكاة، فإما أن تذهب تستردها أو تخرجها مرة أخرى، إلا شخصاً واحداً إذا أعطيته جهلاً منك ثم اكتشفت أنه غني فإنها تجزئ وهو الفقير.
إذاً: وإن دفعها لمن يظنه فقيراً فبان غني أجزأه. ثم قال: وسنة أن يفرق الزكاة على أقاربه الذين لا تلزمهم، أو لا تلزمه عفواً نفقتهم. الآن يقول لك الحنابلة أفضل شيء أن توزع زكاتك على من؟ على أقاربك الذين لا تلزمك نفقتهم؛ لأنه إذا لزمتك نفقتهم ما بصير تعطيهم من الزكاة إلا في أحوال معينة إذا كان عاملاً أو مؤلفاً، أما إذا كان فقيراً ومسكين.
لا يجوز أن تعطي قريبك لأن نفقتك أو نفقته واجبة عليك، أما القريب الذي نفقته ليست واجبة عليك فهذا الأولى أن تعطيه من الزكاة، أولى من أن تعطيها لشخص أجنبي عنك أي ليس قريباً منك. إنسان عنده زكاة ماله، والله يا شيخ أعطيها لأقاربي الفقراء الذين لا تلزمني نفقتهم ولا أعطيها لناس بعاد عني؟ أعطها لأقاربك الفقراء؛ لأنها تعتبر صدقة وصلة رحم، فتحصل على ثوابين بدل من ثواب واحد.
فقال: وسنة أن يفرق الزكاة على أقاربه الذين لا تلزمه نفقتهم على قدر حاجتهم، ويوزعها على ذوي أرحامه كعمته وبنت أخيه. ما الفرق بين أقاربه وأرحامه؟ هنا يستعمل مصطلح الفرائض، أن الأقارب هم أناس الأصل أنك ترثهم أو الأصل أنه في بينك وبينهم علاقة فرض أو تعصيب لكن لا تلزمك نفقتهم لوجود حاجب. نحن عرفنا في باب الفرائض أن هناك أنساباً يدخلون معك ضمن الورثة، وهناك أرحام ليس لهم علاقة بالميراث ولا يعطون إلا إذا انتهى أصحاب النسب. قسمنا الأقارب إلى أقارب نسبيين يدخلون معك في الورثة فأنت ترث منهم وهم يرثون منك، وذوي أرحام مثل العمة والخالة وما شابه ذلك، هؤلاء ليس لهم من الميراث إلا إذا فقدنا أقارب الأنساب الذين هم أصحاب الفرض أو التعصيب.
الأقارب أصحاب الفرض أو التعصيب منهم من هم عمودو النسب وفروعك، الآن إذا كانوا عمودي النسب يعني من الأصول أو من الفروع فهؤلاء يجب عليك أن تنفق عليهم حتى ولو كان هناك حاجب يحجبك من الميراث منهم. وأما إذا كانوا من الحواشي، فإذا كنت ترث منهم إذا ماتوا تجب عليك النفقة، إذا كان هناك حاجب يحجبك أن ترث منهم إذا ماتوا لا تجب عليك النفقة فيجوز أن تعطيهم من الزكاة حينئذ. وأما ذوي الأرحام فهم أصلاً ليسوا داخلين في حوزة الميراث ابتداءً لأنهم لا يرثون إلا إذا فقدنا أصحاب الفرض والتعصيب، فهؤلاء أيضاً تعطيهم من الزكاة لأن نفقتهم في الحياة ليست واجبة عليه.
إذن وسنة أن نفرق الزكاة على أقاربه الذين لا تلزمه نفقتهم على قدر حاجتهم وعلى ذوي أرحامه، الفرق أنه يقصد أقاربه الذين لا تلزمه نفقتهم، هو كل صاحب فرض أو تعصيب لا أرث منه لحاجب، هذا الذي يقصده، فالأصل في بيننا وبينهم علاقة ميراث لكنني لا أرث منهم بوجود حاجب، وأما ذوي الأرحام فهم الذين أصلاً ليس بينك وبينهم فرض ولا تعصيب، فلا ترث منهم إلا على ميراث ذوي الأرحام في حالة فقد جميع أصحاب الفروض والتعصيب كالعمة، لذلك انظر ماذا مثل على ذوي أرحامه كعمته وبنت أخيه، العمة وبنت الأخ مرت معنا أنها من ذوي الأرحام.
قال: وتجزئ إن دفعها لمن تبرع بنفقته بضمه إلى عياله. يعني بعض الناس في الوقت المعاصر يذهبون إلى دور الأيتام، يأخذون بعض الأيتام إليهم ويكفلونهم طوال العمر، وينفق هذا اليتيم نفقة علي طوال العمر، ممكن يأتي به يعيش معه في بيته، هل يجوز إذا أنا تكفلت يتيماً طوال عمره وأحضرته لعائلتي وعيشته معي أن أعطيه من زكاة مالي؟ يجوز؛ لأنه حتى لو كنت أنت تكفلت بنفقته طوال العام ففي النهاية هذا تبرع منك وليس إلزاماً من الشريعة. فإذا أنت تكفلت عائلات أو يتيم أو مجموعة أيتام تنفق عليهم طوال الحياة فهذا لا يعني أنه أصبحت نفقتهم واجبة عليك فلا يجوز أن تعطيهم من الزكاة، لا، هذا ليس مثل الأقارب، لأنك أنت الذي تبرعت بالنفقة عليهم، بالتالي يجوز أن تعطيهم من زكاتك بمالك. فقوله وتجزئ إن دفعها لمن تبرع بنفقته بضمه إلى عياله يعني أي شخص يتكفل أيتاماً أو عائلات ويضمهم إلى عياله بحيث ينفق عليهم طوال العمر، هؤلاء يجوز أن تعطيهم من زكاة مالك.
ثم ختم بفصل فقال: وتسن صدقة التطوع. سيتكلم الآن بعد أن أنهى الحديث عن الزكاة عن صدقة التطوع في مسائل محددة. فقال وتسن صدقة التطوع في كل وقت، لا سيما صدقة التطوع مرت معنا أن تكون سراً أفضل من أن تكون علانية خوفاً من الرياء بخلاف الزكاة، الزكاة يسن إظهارها لتنفي التهمة عن نفسك، إذاً لا سيما سراً وفي الزمان أو المكان الفاضل، يعني الأفضل أن تخرج صدقة التطوع في الزمان الفاضل مثل الأشهر الحرم، مثل رمضان، مثل عشر ذي الحجة، أو المكان الفاضل مثل مكة، المدينة، المسجد الأقصى. قال وعلى جاره وذوي رحمه، والأفضل أن تخرج صدقة التطوع على الجار وعلى ذوي الرحم لأنها ستحسب لك صدقة وصلة. إذا خرجت الصدقة على جار فقير أو على ذوي رحم فقير فإنها تحسب لك كما مر معنا كثيراً صدقة، وفي نفس الوقت صلة رحم.
قال: ومن تصدق بما ينقص مؤنة تلزمه. ركزوا على مصطلح مؤنة. ومن تصدق صدقة تطوع تنقص مؤنة تلزمه، هذه الصدقة إذا أنا أخرجتها ستنقص مؤنة تلزمني. ما معنى مؤنة تلزمني؟ يعني مؤنة أناس يجب علي أن أنفق عليهم، يعني إنسان لا يقوم بمؤنة أبنائه جيداً ويخرج صدقات تطوع ينقص بها مؤنة أبنائه، هل يجوز هذا؟ لا يجوز. لذلك قال: ومن تصدق بما ينقص مؤنة تلزم، حاجة تلزمك بزوجتك لأبنائك لعمود النسب إذا كنت تنفق عليهم، أو أضر بنفسه، أخذ بصدقات التطوع فأضر بنفسه أو أضر بغريمه. شخص يطالبني بديون وأنا أتصصدق صدقات تطوع، فأضررت به، الآن إذا ما أضررت به ما عندي مشكلة لكن إذا هو يطالبني طلباً حثيثاً وأنا لا أسده، هل يجوز لي أن أخرج صدقات تطوع؟ لا يجوز. فإذا كنت تنقص مؤنة تلزمك لزوجتك لأبنائك أو تضر بصدقتك نفسك أو غريمك، أثم بذلك.
لكن عندي تعليق على قضية أو أضر بنفسه، هذه في الحقيقة فيها كلام عند علماء السلوك والتزكية، هو اختلاف أحوال الناس، الآن أن تضر غيرك ممن تلزمك مؤنته لا يجوز، هذا اتفقنا عليه، وأن تضر غريمك هذا لا يجوز، لكن أن يضر نفسه، يعني هو قال أنا أريد أن أخرج صدقة تطوع وعلى حساب نفسي أنا راضٍ أعيش بأقل أقل الأحوال، قضية أنه هل هذا يعتبر إثماً؟ هذه الفكرة فيها كلام حقيقة عند علماء السلوك، فأفصل فيها فأقول: إن كان الشخص يعلم من نفسه ضعف التوكل على الله وأنه إيمانياته متوسطة ليست كإيمانيات أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب والصحابة الكبار، فهذا نعم إخراجه ما يضر بنفسه يكون إثماً؛ لأنه يكون سبباً في ضعف إيمانه، وقد يكون سبباً في مهانته وفي مذلته، ويكون سبباً أنه ما صبر على الفقر والضعف فذهب يتملق للناس والفقراء والمساكين يطلب منهم، طيب لماذا تخرج صدقة ثم بعد ذلك تذل نفسك للفقراء والمساكين؟ نعم بهذا المفهوم يضر نفسه، والشاطبي في الموافقات له كلام عالٍ جداً عن هذه الفكرة، أنه كيف الفقهاء تكلموا أنه لا يجوز للإنسان أن يضر نفسه بإخراج صدقات التطوع.
لكن الفقهاء يتكلمون عن عموم الناس، أما من وصل في الإيمان لدرجة عالية وفي التوكل لمرحلة كبيرة كمرحلة أبي بكر الصديق -لأنه أول ما سيخطر على بالكم في هذه المسألة هو سيدنا أبو بكر الصديق كيف أخرج قوته وقوت عياله ولم يبقِ لهم شيئاً- فنقول: من كان بإيمان أبي بكر وتوكل على الله وتوكل عياله على الله افعل مثله، لكن عموم الناس حتى نكون واقعيين لم يصلوا لهذه المرحلة، فإذا أخرجوا صدقات أضروا بها بأنفسهم أو أضروا بعيالهم هم آثمون أمام الله، لأنهم سيضطرون أن يعرضوا أنفسهم للبلاء ويعرضوا عياله للبلاء وهذا لا يجوز، يصبح يتملق للناس أو يسخط على القدر، طيب لماذا تخرج صدقة تطوع ثم بعد ذلك نجدك تسخط على فقرك ولا ترضى بقضاء الله ويضعف توكل؟ فالحنابلة يتكلمون باعتبار عموم الناس، أما الأتقياء الأنقياء أصحاب التوكل العالي ومن عرف من نفسه صبراً فهؤلاء لهم كلام آخر خارج عن هذه الدائرة، إذاً ومن تصدق بما ينقص مؤنة تلزمه أو أضر بنفسه أو غيره أثم بذلك.
قال: وكره لمن لا صبر له أو لا عادة له على الضيق أن ينقص نفسه مش عن المؤنة، عن الكفاية التامة. لاحظوا ماذا قال: كره لمن لا صبر له أو لا عادة له على الضيق أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة، يعني أنت كفايتك التامة حتى تعيش حياة هادئة كم؟ ألف دينار شهرياً، هو لا يتكلم عن المؤنة الأساسية، بيتكلم عن الكفاية التامة، إذا كنت أنت كفايتك التامة شهرياً ألف دينار، يكره، يكره إذا كنت لا صبر لك على أقل من الكفاية التامة أو تشعر بالضيق الشديد إذا وقعت في أقل من الكفاية التامة، يكره لك أن تتصدق صدقة تطوع. فبدك تفرق بين مصطلح المؤنة الذي استعمله في العبارة السابقة ومصطلح الكفاية التامة هنا، بيتكلم عن شخص عنده كفاية تامة يحتاجها شهرياً ألف دينار، ممتاز، هو يعرف من نفسه أنه إذا ضاق أو إذا جاءه شهرياً ستمئة دينار أو خمسمئة دينار ما عنده صبر ويضعف توكل إيمانه أو ما له عادة أنه يصبر على هذا الضيق، فمثل هذا الشخص إذا أنقص نفسه عن الكفاية التامة بصدقة التطوع بنقول إنه مكروه، ونقول له مكروه، لأنه خلاص أنت كفايتك التامة ألف وأنت لست بمستوى أبي بكر الصديق وليس في مستوى العباد الزهاد، لا تصبر على أقل من الكفاية التامة، لا تصبر على الضيق في العيش، بالتالي يكره لك أن تنزل عن كفايتك التامة من خلال صدقات التطوع، وأما أنك تنزل عن مؤنة عيالك ومؤنة عمود النسب ومؤنة من تلزمك نفقته وهم لا يصبرون معك فهذا ليس مجرد كراهة، هذا إثم، هذا إثم، واضحة الفكرة إخواني؟
ثم قال: والمن بالصدقة كبيرة ويبطل به الثواب. يعني أن تمن بصدقتك على الفقراء والمساكين، هذه كبيرة من الكبائر ويبطل به ثواب صدقتك. وهذا نهاية تعليقنا على كتاب الزكاة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل