دخولتسجيل الدخول

الدرس 45 - أحكام إخراج الزكاة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة السالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب «دليل الطالب لنيل المطالب» للإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمه الله تعالى عليه. انتهى بنا الحديث أحبتي إلى باب جديد من أبواب كتاب الزكاة، ألا وهو باب إخراج الزكاة.

هناك مجموعة من المسائل تتعلق بكيفية إخراج الزكاة، ومتى تخرج، وما هي النية التي تنوى بها، وما يتعلق بعملية الإخراج للزكاة. فنحن عرفنا ما هي الزكاة، وعرفنا الأموال الزكوية والمقدار الذي يجب إخراجه والأنصبة، وتعرفنا أيضا على زكاة الفطر. حديثنا اليوم سيحوم حول كيفية إخراج الزكاة وما هي المسائل التي ينبغي أن يعرفها المسلم الذي يريد أن يخرج زكاته.

قال الشيخ مرعي رحمه الله: «باب إخراج الزكاة. أول مسألة قال فيها: يجب إخراجها فورا كالنذر والكفارة». هذا هو الأصل في هذا الباب؛ أن زكاة المال ومثلها، والنذر المطلق. اكتبوا فوق كلمة النذر: «النذر المطلق»، لأن هناك نذرا مقيدا، أنت تقيد نذرك بوقت معين، فتقول مثلا: «نذرا علي أن أذبح شاة في شهر رمضان»، أو «أن يشفي الله مريضي، نذر علي أن أحج العام القادم» مثلا؛ فهذا النذر المقيد بوقت معين إنما توفي به إذا جاء الوقت وليس فورا. إذا قال شخص: «نذر علي أن أذبح شاة في رمضان»، هل يجب عليه أن يوفي بهذا النذر فورا؟ لا، هذا متى يوفي؟ هو قيده بوقت رمضان، فيوفي به إذا جاء شهر رمضان. وأما النذر المطلق الذي لم يقيد بوقت، فهذا يجب أن يؤديه فورا، فلو قال شخص: «لله علي أن أذبح شاة»، متى وقت الذبح؟ نقول: فورا، على الضابط الذي سأذكره الآن.

وكذلك الكفارات، كفارة اليمين، كثير من الناس يسأل: كفارة اليمين هل يجب علي أن أؤديها فورا؟ أم معي وقت وسعة؟ أؤديها متى شئت؟ وقت موسع؟ كذلك أي كفارة؛ كفارة الظهار، كفارة الوطء في رمضان. المذهب عند الحنابلة -رضوان الله عليهم- أن إخراج الزكاة والنذر المطلق الذي لم يقيد بوقت والكفارات هذه الثلاث يجب أداؤها فورا.

ثم أزيد ضابطا لم يذكره الشيخ مرعي هكذا يقولون: يجب أداؤها فورا إن أمكنه الإخراج بلا ضرر. هذا الضابط مهم جدا، أعيد العبارة الآن كاملة: إخراج الزكاة وأداء النذر المطلق وأداء الكفارات هو على الفور، هذا هو الأصل فيه، لكن نقيد بعد ذلك فنقول: هو على الفور إن أمكنه الإخراج، يعني إن أمكنه أن يخرج الزكاة وأن يؤدي النذر وأن يدفع الكفارة بلا ضرر. مفهوم المخالفة أنه إذا كان الفور أو الإخراج الفوري سيسبب له ضررا، بالتالي لا نلزمه بالفور. لأنه إذا قلنا: «إن أمكنه الإخراج بلا ضرر»، يفهم من هذا أنه إن كان سيترتب عليه ضرر أن يخرج فورا للزكاة أو يؤدي النذر مباشرة أو يؤدي الكفارة مباشرة، فإن الشريعة لا تضر، تعطيك إلى أن يزول عنك الضرر. وضحت الفكرة؟ إذًا يجب إخراجها فورا، هي أي الزكاة، وقس عليها أيضا أو ألحق بها النذر المطلق والكفارة. فكلمة النذر هنا اكتبوا فوقها «مطلق»؛ لأن المقيد هذا خلص بوقته.

سؤال: ما هي الأعذار التي تسمح لنا أن نؤخر إخراج الزكاة؟ هذا هو السؤال الثاني. أنت الآن قلت يجب إخراج الزكاة، دعونا نرجع للزكاة الآن لأن كلامنا في الزكاة، دعوني من النذر والكفارة ونرجع نتكلم عن الزكاة. إذا الزكاة يجب أن نخرجها فورا إن استطعت أن أخرجها بلا ضرر، طيب هذا يدل على أنه في أحوال يجوز فيها تأخير الزكاة، صحيح أن الأصل الفوري، لكن هناك أحوال يجوز فيها أن أؤخر إخراج الزكاة.

مثل ماذا؟ قال: «وله تأخيرها لزمن الحاجة». هذه أول حالة استثنائية في الحقيقة، وهذه الأحوال التي سيذكرها الشيخ ليست كلها في الحقيقة ناجمة عن ضرر وقع على المزكي، بل بعض هذه الصور سنلاحظ أنها تتعلق بمصلحة عامة. نحن قلنا يجب إخراج الزكاة فورا إن أمكنه الإخراج بلا ضرر، هذا هو الأصل العام، الآن سنذكر أحوالا استثنائية يجوز فيها تأخير الزكاة وعدم إخراجها فورا. هذه الأحوال الاستثنائية سينطبع في ذهنك أنها أكيد أحوال فيها ضرر على المزكي؛ لذلك سمحنا له أن يؤخر. لا، لما تذكر أو ننظر الآن فيما ذكره الشيخ مرعي سنجد أنها ليست كلها سيترتب عليها ضرر على المزكي، بل بعضها يكون فيه مصلحة شرعية في التأخير.

فمثلا، انظروا في الحالة الأولى من الحالات التي يجوز فيها التأخير، قال: «وله تأخيرها لزمن الحاجة». مثلا أنا إنسان عندي زكاة مالي، وحولي أناس محتاجون لها، لكن في شخص أنا أعرف أنه شديد الحاجة لها وهو غائب الآن وسيأتي مثلا بعد شهر، هل يجوز أن أؤخر إخراج زكاتي حتى أنتظر هذا الغائب الذي أنا أعرف أنه أشد حاجة من غيره؟ يقول الحنابلة: نعم، يجوز أن تؤخر إخراج الزكاة حتى يأتي هذا الغائب الذي هو أشد حاجة من غيره.

مثال آخر معروف إخواني، أنه إذا جاء شهر رمضان، العائلات الفقيرة والعائلات المسكينة تحتاج إلى نفقة حتى تستطيع أن تؤمن احتياجات شهر رمضان، فلو أن شخصا وجبت عليه الزكاة في شعبان فسألناه: يلا خرجها فورا؟ قال: والله أنا أريد أن أؤخر إخراجها لشهر رمضان؛ لأن شهر رمضان حاجة الناس فيه للمادة أكثر من الشهور. فنقول: هل هذا معتبر شرعا؟ نعم، معتبر شرعا، فلو أخر الزكاة من شعبان لرمضان ما في حرج؛ لأنه يقول الحنابلة: يجوز تأخير الزكاة، أي يجوز تأخير إخراج الزكاة لزمن الحاجة. يعني لما أنت تريد أن تؤخر، تأخيرك ليس بخلا منك، لا، بل لأنك تريد إخراجها لزمن الحاجة، حيث تكون الحاجة أشد، أو لشخص الحاجة له أشد وأنا أريد أن أعطيه هو.

إنه حاجته إلى المال أكثر من غيره، فهذا من الصور التي تبيح لك تأخير إخراج الزكاة، مع أنه لو أخرجتها فورًا هل سيترتب عليك ضرر؟ مش مترتب؛ لذلك قلت لكم الآن الصورة التي سيذكرها التي يجوز فيها التأخير ليست كلها، فلو سيترتب عليك ضرر إذا عجلت لما جاز. لكن فيها مصلحة شرعية عمومًا، لذلك استثناها الحنابلة.

اثنين: قال «ولقريب وجار»، وهذه المسألة الثانية التي يجوز فيها التأخير وله تأخيرها؛ أولًا لزمن الحاجة، وثانيًا وله تأخيرها لقريب وجار. يعني أنا شخص وجبت علي الزكاة الآن، ممتاز علي أن أخرجها فورًا، لكن قلت أريد أن أؤخرها حتى أعطي قريبًا لي فقيرًا، ما أريد أن أعطيها للفقراء الأجانب، أريد أن أعطي فقيرًا قريبًا حتى تكتب لي صلة رحم وفي نفس الوقت زكاة. هل نقول له يجوز لك أن تؤخرها حتى تعطي القريب؟ نعم، يجوز له أن يؤخر حتى يعطي قريبه، وكذلك الجار.

لاحظوا كيف الإسلام يوصي بالجار؛ أنا شخص عندي مال ووجبت علي الزكاة الآن، وفي ناس فقراء في الحي، لكني أريد أن أؤخر إخراج الزكاة حتى يأتي جاري، جاري مسافر وأنا أعلم أنه محتاج وفقير جدًا، فقلت ما أريد أن أعطي الفقراء في الحي، أريد أن أعطي جاري، لذلك أريد أن أنتظر حتى يأتي مثلا بعد شهر أو بعد شهرين. هل يجوز أن يؤخر حتى يعطي جاره؟ نعم. لاحظوا كل هذه المصالح.

إذن: وله تأخير لزمن الحاجة، ولقريب وجار. ثلاثة: قال «ولتعذر إخراجها من النصاب»، ما معنى ولتعذر إخراجها من النصاب؟ أنا شخص عندي أربعين شاة بالأردن وحال عليها الحول، يجب علي أن أخرج... شوف سبحان الله، كنت في السعودية في رحلة عمل وحال الحول على غنمي وأنا في السعودية، لأن غنمي في الأردن وأنا قائم في السعودية في عمل مثلاً، حال الحول على غنمي وأنا بعيد عنها فلا أستطيع أن أخرج منها.

الآن هي غنمي بلغت النصاب، والشريعة لا تلزمني أن أذهب ابتداءً فأشتري ما يجب إخراجه من السوق؛ تقول لك لا تخرج مما عندك إذا كان متوفرًا. فأنا عندي غنم وبلغت النصاب وفيها السن الشرعي، لكن أنا بعيد عنها مغترب ولا أستطيع الآن أن أرجع للأردن فأخرج ما يجب إخراجه من هذه الغنم، هل يلزمني شرعًا أن أشتري وأنا في السعودية ما يجب علي إخراجه وأدفعه لفقراء السعودية؟ المذهب يقول لو فعلت هكذا وأنت مغترب وعرفت أن زكاتك وصلت في النصاب فلا مشكلة، لكن هناك قاعدة في المذهب أن زكاة المال تكون حيث المال، بخلاف زكاة الفطر تكون حيث الإنسان، وهذه لعلي أنبه إليها في النهاية.

عمومًا، إذا كنت بعيدًا عن نصابي، كنت في السعودية وغنمي في الأردن، أو غنمي بعيدة عني -وترى الصورة ليست فقط أن تكون أنت بعيدًا عنها، ممكن تكون في الأردن ولكن حال حائل بينك وبين غنمك، أنها مثلاً سرقت بعد الحول أو غُصبت أو حدث فيها أي طارئ- فالزكاة واجبة عليك ومستقرة عليك ويجب عليك أن تخرجها، وحال حائل بينك وبين أن تصل إلى نصابك، سواء كان نصاب زروع وثمار أو نصاب غنم أو ما شابه ذلك؛ ففي هذه الحالة الحنابلة يقولون لا يلزمك أن تخرج الزكاة فورًا.

إذا حال حائل بينك وبين أن تخرج الزكاة من عين مالك، فأنت لا تستطيع الوصول إليه، لا يلزمك أن تذهب فتشتري الزكاة من السوق وتخرجها، بل نعطيك مجالًا أن تؤخر إخراج الزكاة حتى تستطيع أن تصل إلى مالك وإلى نصابك فتخرج منه الزكاة من نفسه. فلذلك قوله «ولتعذر إخراجها من النصاب»؛ إيش معنى هذا الكلام؟ نعيده باختصار: إذا شخص عنده نصاب من غنم أو إبل أو بقر أو زروع أو ثمار، عنده نصاب ووجبت عليه الزكاة فيه لكن حال حائل بينه وبين هذا النصاب، بينه وبين أمواله، فلا يستطيع أن يصل إليها ليخرج منها الواجب الشرعي، فهنا لا نقول لهم مباشرة عليك أن تذهب للسوق وتشتري الواجب الشرعي وتخرج، لا، الحنابلة يقولون يجوز في هذه الحالة أن يؤخر إخراج الزكاة إلى أن يستطيع الوصول إلى ماله.

وضحت الفكرة؟ إذاً هذه الحالة الثالثة التي يجوز فيها التأخير: إذا كان الشخص لا يستطيع أن يتصرف في أمواله لسبب من الأسباب من الحواجز الله تعالى أعلم بها. قال: «ولتعذر إخراجها من النصاب ولو قدر أن يخرجها من غيره»، يعني أنت ممكن يكون عندك قدرة أن تروح تشتري الزكاة، أنا هذا مالي لكنني منعت من الوصول إليه وعندي قدرة أن أشتري شاة من السوق وأخرجها، عندي قدرة، لكن حتى لو عندك قدرة أن تخرج وتشتري شاة من السوق وتخرجها، الحنابلة لا يلزمونك بذلك.

الحنابلة لا يلزمونك بذلك، يقولون بإمكانك أن تنتظر قليلاً وتؤخر إخراج الزكاة حتى تظفر بأموالك فتخرج منها. أنا كما قلت لكم عندي أربعين شاة حجز حاجز بيني وبين الوصول إليها، وعندي قدرة أشتري من السوق الشاة التي يجب علي أن أخرجها، هل يجب علي فورًا أن أذهب فأشتري شاة من السوق وأخرجها عن الأربعين شاة التي عندي؟ كلا، يجوز لي أن أنتظر وأنا أتأخر حتى أحاول الوصول إلى مالي ونصابي فأخرج منه الزكاة بعينه.

وضحت الفكرة كاملة؟ إذن: «ولتعذر إخراجها من النصاب ولو قدر أن يخرجها من غيره»، يعني حتى لو تستطيع أن تشتريها ما بنلزمك، بنقول لك انتظر إذا بدك تنتظر، إذا بدك تشتريها أنا عم بأمر وأكرم، لكن هل نلزمك؟ ما نلزمك، نعطيك خيار أن تؤخر إخراج الزكاة إلى أن تصل بمالك فتخرج منه عينه.

طيب، هذه الصورة الثالثة، أليس كذلك؟ من صور جواز التأخير، قالوا أيضًا صورة رابعة أضيف لكم: يجوز له التأخير إن كان محتاجًا لزكاته. كيف يعني؟ يعني شخص إخواني مثلاً معه ثلاثة آلاف دينار، ثلاثة آلاف دينار نصاب وحال عليها الحول، الآن يجب عليه أن يخرج، صح؟ لما جاء وقت الإخراج قال: والله يا مشايخ إن هذه الثلاثة آلاف دينار والله أنا محتاج لها جدًا، وعندي سبحان الله احتياجات ولزوم حياتية لا أستطيع أن أستغني عن دينار منها، عندي حاجات أساسية في الحياة لا أستطيع أن... صحيح ثلاثة آلاف دينار وحال عليها الحول أنا أقر، لكن عندي حاجات أساسية الآن في الحياة لا أستطيع أن أستغني عن دينار واحد.

هذا قدره، فهل نجبره أن يخرج فورا حتى لو تضرر؟ لا، هذه مثال على القاعدة العامة: أن أمكنه الإخراج بلا ضرر. هنا لأنه إذا سنجبره أن يخرج الآن راح يتضرر، فنقول لا، إذا هنا ستتضرر أنت وأنت محتاج إلى كل المال، إلى زكاة مالك، فنقول لك لا تخرجها الآن، ولا تخرجها الآن ونعطيك مجال أن تؤخر إلى أن ييسر الله سبحانه وتعالى تلك الأمور.

بالتالي أحبائي، لما الحنابلة يقولون: يجب إخراج الزكاة فورا إن أمكنه الإخراج بلا ضرر، هذه قاعدة عامة لكن لها استثناءاتها. وذكرنا أربعة استثناءات: أولا: له أن يؤخر لوقت الحاجة، يعني إذا كان هناك وقت ستأتي الحاجة فيه أشد، لك أن تؤخر إخراج الزكاة حتى يأتي وقت الحاجة الأشد. ثانيا: لك أن تؤخر حتى يأتي جار أو قريب تريد أن تعطيه وتخص به. ثالثا: لك أن تؤخر إذا حال حائل بينك وبين أموالك، لا تستطيع الوصول إليها، بغض النظر كنت مسافرا عنها أو كنت في داخل البلد، لكن غصبت منك أو وضعت الدولة أيديها عليها لسبب بأي سبب من الأسباب. فإذا حال حائل بينك وبين الوصول لأموالك ولا تستطيع أن تتعامل معها وتخرج الزكاة منها، فلك أن تؤخر حتى تستطيع الوصول إليها، ولو كنت مقتدرا أن تشتري الزكاة من غيرها؟ نعم، ولو كنت مقتدرا أن تشتري الزكاة من السوق لا نلزمك، لك أن تؤخر حتى تصل إليها. رابعا: إن كان هو محتاج لزكاة ما له، كما قلنا عنده ثلاثة آلاف دينار حال عليها الحول وهي نصاب، لكنه لا يستطيع أن يستغني عن أي دينار منها، محتاجة لعمل معين فيه مصلحة، فهل نجبره أن يخرج الزكاة فورا؟ لا، له أن يؤخر.

فإذا انتهينا إذا من تأصيل هذا الباب ودبا إخراج الزكاة فورا والصور المستثناة، ننتقل الآن لمسألة من منع الزكاة، ومانع الزكاة له حالتان: إما أن يكون منعها جحودا، وإما أن يكون منعها بخلا وتهاونا.

الآن إخواني، يقول الحنابلة: من جحد وجوب الزكاة، من جحد وجوبها عالما، إيش يعني عالما؟ عالما بوجوبها. طبعا هذا القيد من نستفيد منه؟ يقول الحنابلة: إذا شخص كان قريب العهد بالإسلام، يعني أسلم جديد، أو شخص نشأ مسلما لكن في بادية بعيدة لا يوجد فيها علم بأحكام الشريعة، فهذان الشخصان يتصور منهما أن يجهل وجوب الزكاة. فإذا كان شخص جديد الإسلام أو شخص نشأ في بادية بعيدة ولا يوجد عندهم أحد يعلمهم الدين، هذا الشخص لو جحد ابتداء الزكاة لا نكفره ولا يحكم عليه بالردة، بل يعلم. ممتاز، فإذا علم وأقيمت عليه الحجة وقرأت عليه الآيات وقيل له إن هذه مسألة إجماعية ما أحد يناقش فيها، ثم أصر على الجحود، حينئذ يكفر ويحكم عليه بالردة.

أما إذا كان شخص في بلاد الإسلام يعيش بين أظهرنا، وهو قديم الإسلام ليس جديدا، يعيش في بلاد الإسلام وليس في البوادي البعيدة، وإسلامه قديم وليس جديدا، فهذا الشخص إخواني لا يعذر بالجهل بوجوب الزكاة؛ لأنه قالوا لا يتصور منه أن يجهل وجوب الزكاة، إذ يعيش في بلاد الإسلام وهو قديم الإسلام. فلذلك هو وضع لك ضابطا عاما: «ومن جحد وجوبها عالما»؛ من جحد وجوبها عالما أنها من شعائر الإسلام لكنه جحد وجوبها، فهذا حكمه كفر، يعني يحكم بردته.

بس لازم تعرفوا هذا التفصيل الذي ذكرته، أنه ممكن شخص يقول لك يا شيخ هل ممكن شخص يكون في بلاد الإسلام وهو نشأ على الإسلام ويكون جاهلا بوجوبها؟ الحنابلة والفقهاء من لا يتصورون ذلك؛ لأن وجوب الزكاة مثل وجوب الصلاة، من المسائل المعلومة من الدين بالضرورة. فنقول قضيتهم في «من جحد وجوبها عالما» كأنما يريد أن يركز لك على قضية الذين نشأوا في البوادي أو كانوا جديدي الإسلام، هؤلاء لا نستعجل بتكفيرهم إذا جحدوا وجوب الزكاة حتى يعلموا ويصبحوا عالمين، فإذا جحد وجوبها وهو الآن عالم حينئذ يكفر، أما إذا كان جاهلا فهذا لا يكفر حتى يعلم.

هذا الكلام كله في تفصيل من كان في بادية بعيدة أو أسلم جديدا، أما من يعيش في بلاد الإسلام وهو نشأ على الإسلام وطول عمره مسلم، فهذا لا يتصور أن يكون جاهلا بوجوب الزكاة، فإذا جحد وجوبها كفر وانتهى الأمر. هو حقيقة على كل النواحي شرط أن يكون عالما، لكن لمن نشأ في بلاد الإسلام وهو قديم العهد بالإسلام هو موجود تلقائيا فلا داعي لذكره، لكن متى نحتاج إلى ذكره؟ قيد «أن يكون عالما» إذا كان الشخص في بادية بعيدة أو أسلم جديدا، هنا نقول لا يكفر حتى يكون عالما، فبدك تتأكد أنه عالم بوجوبها وبينت له وأزلت عنه الشبهة، بعد ذلك إن بقي مصرا على جحود وجوبها يكفر.

قالوا: «ومن جحد وجوبها عالما كفر»، قال: «ولو أخرجها»، يعني ممكن ما يكون مانع للزكاة أنه لا يخرجها، ممكن يخرجها، بس يخرجها ويقول أنا جاهد بوجوبها، بس خلص بدي أخرجها حتى أخلص من شر السلطان. إذا جحد وجوبها وأخرجها حتى يفتك أو يخلص من شر السلطان أو من شر الأمراء أو من شر السعاة والعاملين عليها، هذا هل يكون كافرا؟ نعم يكون كافرا، فيقول الحنابلة: «ولو أخرج الزكاة إذا كان جاحدا لوجوبها يكون كافرا».

طيب، إذا «ومن جحد وجوبها عالما كفر ولو أخرجها»، طيب إذا لم يخرجها، يعني إنسان جحد وجوب الزكاة ولم يخرجها، هو كفر، طب هل تؤخذ منه جبرا أم لا؟ تؤخذ منه جبرا. يعني الآن إذا أخرجها مع جحده لوجوبها خلاص أخذناها منه وحكمنا عليه بالكفر ما دام عالما بالمفهوم الذي فصلناه قبل قليل، وأما إن جحد وجوبها وأيضا امتنع من إخراجها فإننا نحكم عليه بالكفر ما دام عالما ونأخذها منه جبرا.

طبعا ممكن شخص يقول لنا: طب يا شيخ أنتم علمتونا أن من شروط وجوب الزكاة الإسلام؟ لا، ما نحن نقول له هذه وجبت في ذمته قبل أن يحكم بردته، يعني هو الزكاة وجبت في ذمته وهو مسلم، ثم متى حكمنا بردته؟ لما جحد وجوبها، فهي متعلقة بذمته لما كان مسلما، أما هو لو كان كافرا أصلا أو كان محكوما عليه بالردة أصلا فليس هناك داع للحديث معه في أنه جحد وجوب الزكاة أم لا، فهو كافر.

هو مرتد؛ هم يتكلمون عن شخص مسلم تعلقت بذمته الزكاة، فجحد وجوبها؛ فيحكم بردته وتؤخذ منه؛ لأنها تعلقت بذمته وهو مسلم قبل أن يكفر، أو يحكم بالرد عليه. أوضحت؟

إذا بقي مرتداً، طبعاً هو أنت أخي الكريم، الأصل أنه لا توجد سنة ثانية؛ لأن المرتد عندنا يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل، فالقضية لا توجد فيها سنة ثانية.

أما من منعها بخلاً أو تهاوناً، أخذت منه وعُزّر. أما الشخصية الثانية، مانع الزكاة ليس جاحداً لوجوبها، تأتي عليه يقول لك: لا، أنا أقر بوجوب الزكاة، لكن ما أريد أن أخرجها. لِمَ؟ قال: بخلاً أو تهاوناً في أمر الله سبحانه، فهذا الشخص المعتمد في المذهب أنه لا يكفر، هناك رواية في المذهب أنه يكفر مثله مثل تارك الصلاة، لكن الرواية المعتمدة أنه لا يكفر، لكن تؤخذ منه الزكاة جبراً، ويعزره الحاكم، يعزره يعني يوقع عليه عقوبة تعزيرية؛ لأنه ما في له عقوبة حدية، فتوقع عليه عقوبة تعزيرية. بناءً على هذا، يرى الحنابلة يا إخواني أن الطائفة الممتنعة التي تقاتل عن الزكاة كالذين قاتلهم أبو بكر وعمر والصحابة، هذه الطوائف لا يحكم عليها بأنها مرتدة، تمام؟ وإن كانت تقاتل، يعني إذا منطقة معينة أو عشيرة معينة امتنعت عن إخراج الزكاة، قالت: نحن نقر بوجوبها بس ما نريد أن نخرجها بخلاً منهم أو تهاوناً، ممتاز، السلطان قال لهم: لا، بدكم تخرجوها، تحصنوا ومسكوا سلاحهم وقاتلوا السلطان، قالوا: ما نريد أن نخرجها ولو بالدماء، فقاتلهم السلطان عليها؛ يجب على السلطان أن يقاتلهم عليها. هل يقاتلون على أنهم مرتدون؟ كلا، ما داموا مقرين بوجوبها لكن منعوها بخلاً وتهاوناً، يقاتلون لكن ليس على أنهم مرتدون، ليس على أنهم مرتدون؛ هذه الفكرة انتبهوا لها، أنه حتى ولو قاتل السلطان الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة، فعند الحنابلة المعتمد في المذهب أن قتالهم ليس لأنهم مرتدون، بل لأنهم امتنعوا عن شعيرة من شعائر الإسلام. وهناك العديد من المسائل التي يجب فيها على السلطان أن يقاتل القرى الممتنعة عنها، مثل الأذان؛ لو قرية امتنعت عن الأذان مع إقرارها بمشروعيته، يقاتلهم السلطان، لكن ليس قتالهم قتال ردة، وعلى ذلك فقيسوا.

إذاً ومن تركها بخلاً أو تهاوناً، أخذت منه وعُزّر. جيد، وأما إذا كانت الطائفة ممتنعة فهذه كما قلنا يقاتلها السلطان ويأخذ منهم الزكاة قهراً، لكن لا يكفرون.

ومن ادعى إخراجها، أو بقاء الحول، أو نقص النصاب، أو زوال الملك صُدّق بلا يمين. الآن نحن عرفنا في الأبواب السابقة أن الحاكم يجب عليه أن يبعث السعاة لأخذ زكاة المال، مثل بهيمة الأنعام والزروع والثمار، فلو أن الحاكم بعث أحد السعاة إلى رجل عنده بهيمة أنعام وما شابه ذلك، فهذا الرجل لما جاءه الساعي قال له: أنا أخرجت الزكاة، هل الساعي يصدقه ولا يكذبه ولا يصدقه بشرط أن يحلف يميناً؟ المذهب عندنا يصدق الإنسان من دون يمين؛ لماذا؟ لأن هناك قاعدة في المذهب أن العبادات لا يحلف عليها، والزكاة عبادة، احفظوا هذه القاعدة. العبادات لا يحلف عليها، خلص بينه وبين الله، نتركها بينه وبين الله، ونقول الأصل فيه أنه صادق من دون يمين، اليمين تكون في حقوق الناس، أما في حق الله الذي يسمونه العبادات فهذه لا يحلف عليها. إذاً من ادعى إخراجها، جاءه الساعي فقال له: ترى يا ساعي لا تؤخذ مني الزكاة، أنا أخرجتها بنفسي، خلص يصدقه الساعي ويتركه.

الحالة الثانية: أو بقاء الحول، من ادعى بقاء الحول يعني الساعي جاء على هذا الرجل فقال له: نريد زكاة مالك، فقال: ترى لسا الحول ما انتهى، هل يصدق أنه الحول ما انتهى؟ نعم، يصدق بلا يمين. أو نقص النصاب، جاءه الساعي فقال له: نريد زكاة مالك، وقال: أنا لا أملك نصاباً، عندي تسعة وثلاثون شاة مش أربعين، وين راحت الأربعين كان عندك أربعين؟ قال: والله ماتت خلال هالحول، يصدق إذا ادعى نقص النصاب، أو زوال الملك. جاء الساعي عن رجل مسجل عليه أنه عنده أربعين شاة فجاء إليه قال له: أعطنا زكاة المال، قال: والله أنا بعتها قبل ما يحول الحول عليها، هل نطلب أنه يحلف؟ لا، لا نطلب أنه يحلف إذا ادعى أنه باع ملكه، قال: والله أنا بعتها ما هي موجودة عندي، بعتها قبل أن يحول عليها الحول، يصدق نعم، ويصدق بلا يمين؛ لأن العبادات لا يحلف عليها. فلذلك قال: إذاً من ادعى إخراجها أو ادعى بقاء الحول، يعني الحول لم ينته بعد، أو ادعى أن النصاب نقص، أو ادعى زوال ملكه، فهذا يصدق بلا يمين؛ لأن العبادات لا يستحلف عليها، والزكاة في النهاية هي عبادة من العبادات.

ويلزم أن يخرج عن الصغير والمجنون وليهما. هذه مرت معنا المسألة سابقاً، عرفنا أن الزكاة ليس من شرطها البلوغ ولا العقل، أليس كذلك؟ فإذا كان هناك مجنون عنده مال ورثه أو أخذه، أو صبي عنده مال بأي طريق من الطرق حصل عليه، فيجب إخراج الزكاة، لكن من الذي يخاطب بالوجوب؟ أكيد ليس الصبي وليس المجنون، وإنما يخاطب وليهما.

بعض الأحكام التي تتعلق بالإخراج: ويسن إظهارها. يعني يسن للشخص الذي يخرج الزكاة أن يظهر إخراج الزكاة؛ قالوا لماذا؟ قال: لنفي التهمة عنه. يعني عندك أربعين شاة إذا جاء الوقت تخرج الشاة وتخبر، لا تخبئ رياء وسمعة، وأنت أصلاً لا تمن على الناس بالزكاة؛ لأن هذه واجبة عليك. ممكن يجيك الرياء، إذاً هنا ممكن شخص يقول لك: يعني كيف المذهب يقول يسن إظهارها؟ وهذا مدخلة للرياء. يقولون دخول الرياء في الفرائض صعب وإن كان ممكناً لكنه صعب؛ يعني هل شخص يدخله الرياء أنه بيصلي صلاة الظهر أو العصر؟ وهذا واجب عليك ما صليتهاش يحكم عليك بالردة عند الحنابلة بشروط، هل شخص يراؤي أنه يخرج الزكاة؟ هو ممكن، أنا لا أقول غير ممكن، لكنه ضعيف، وين الرياء؟ الرياء يكثر في التطوعات، لما شخص يقوم الليل أو شخص يغدق على الفقراء، نعم هذا دخول الرياء عليه كبير جداً. فالزكاة يقولون السنة أن تظهر، طيب لماذا السنة أن تظهر؟ العلة الأساسية لإظهار إخراج الزكاة أن تنفي التهمة عنك؛ لأنه لو الناس رأت مثلاً شخصاً عنده من المحاصيل الزراعية أو من الشاة أو من البقر أو من الإبل أو ما شابه ذلك من عروض التجارة، ولم يروه أخرج زكاة، ممكن يكون أخرجها بس ما رأوه، ممكن يتهمونه ويقولون: فلان عمرنا ما شفناه أدى الزكاة، شوفوا ما شاء الله عنده مزارع وعنده نخيل وعنده، عمرنا ما شفناه أعطى إنساناً، مع أنه هو المسكين ممكن يكون في الواقع يخرج سراً. فهنا الحنابلة حتى ينفي التهمة عنك بيقول لك: يا صاحب الزكاة إذا أخرجت الزكاة أظهر إخراجك لها، واستعن بالله، وإذا جاءك وسواس من الرياء رده، لكن لماذا يسن أن تظهر؟ حتى تنفي التهمة عن نفسك، ويعلم الناس أن صاحبنا فلان ربنا ينعم عليه لكن الحمد لله يخرج زكاته أيضاً ولا يمنعها.

السنة الثانية: أن يفرقها ربها بنفسه، ايش يعني؟ ربها يعني صاحب الزكاة، يسن أن يباشر بنفسه توزيع الزكاة على مستحقيها ولا يوكل أشخاصاً، طبعاً بشرط عند الحنابلة: متى يسن أن يفرقها ربها بنفسه؟ قالوا بشرط الأمانة، أن يعلم من نفسه أنه أمين. قالوا: فإن لم يكن أميناً فالأفضل في حقه أن يدفع الزكاة للسعاة ومسؤولي الدولة وهم يوزعونها من عندهم؛ بشرط هذا أضيفه أنا الآن: بشرط أن تكون هذه الجهات التي تقبض الزكاة جهات أيضاً أمينة؛ أما إذا كانت الجهات التي تقبض الزكاة من الناس، الجهات التي تضعها الدولة التي تقبض الزكاة من الناس ليست أمينة وتلعب بأموال الناس، فلا يجوز إعطاؤها الزكاة كما سأبين ذلك. نعود إلى أصل المسألة، السنة الثانية أن يفرقها ربها بنفسه، يعني يسن لك يا صاحب المال، يا صاحب المزروعات، يا صاحب الإبل، يا صاحب عروض التجارة، أنت تولَّ بنفسك توزيع الزكاة على مستحقيها بشرط أن تكون أميناً، فإن لم تكن أميناً فهنا يقول الحنابلة الأفضل، لاحظوا عبارتهم ما قالوا الواجب، وهذا الذي يمكن يستغربه البعض، قالوا: إذا لا تعرف لنفسك الأمانة ما بنقول لك حرام توزعها بنفسك، بنقول لك الأفضل إذا أنت خايف أنك تلف وتدور فيها كما يقولون، الأفضل أن تعطيها لمؤسسات الدولة، القيد الذي ذكرته لكم إذا كانت مؤسسات الدولة أمينة في توزيع الزكاة.

ثالثاً: السنة الثالثة، إذاً السنة الأولى أن يظهرها ولا يكتمها، ثانياً أن يخرجها بنفسه ويوزعها بنفسه، ثالثاً أن يقول المزكي عند دفع الزكاة: «اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً». يقول معنى اللهم اجعلها مغنماً، أي اجعلها سبباً في تثمير المال وزيادته، ولا تجعلها مغرماً، أي لا تجعلها سبباً في نقصان المال وخسارته. هذا أيضاً تفسير مقبول، أنه يجعل هذا الإخراج الذي يخرجه سبباً في زيادة المال ونمائه، ولا تجعله يا رب مغرماً، أي خسراناً ونقصاناً. وفي مقابل السنة أن يقول الآخذ للزكاة من الفقير أو المسكين: «آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهوراً». هذا يقوله من؟ الذي يأخذ الزكاة، إذا كان فقيراً ومسكيناً، وإذا كان الساعي هو الذي يأخذ الزكاة ويوزعها يقول لك الساعي هذا الكلام، فالذي يقول آجرك الله فيما أعطيت إما أن يكون الساعي الذي يبعثه الحاكم، وإما أن تكون الفقيرة والمسكين إذا أنت أعطيتهم مباشرة، فلذلك قال: ويقول الآخذ حتى تشمل كل الصور.

فصل: ويشترط لإخراجها نية، إذاً لما تخرج الزكاة إياك ثم إياك أن تنسى النية؛ لأن الزكاة عبادة من العبادات، فكما أن الصلاة لها نية، الوضوء له نية، كذلك الزكاة تشترط لها النية. فقال: ويشترط لإخراجها نية، لكن ذكر توصيف هذه النية فقال: من مكلف. إذاً النية المعتبرة من مكلف، ماذا سينبني على هذا؟ لو أن صغيراً أخذ زكاة ماله وأعطاها للفقراء وقال: نويت بها الزكاة عن مالي، صبي ما بلغ أخرج زكاة ماله ودفعها للفقراء هل تجزئ؟ لا على المذهب، ليه؟ لأنه لابد من نية الزكاة. طب يا شيخ هو الصبي، لكن المذهب لابد تكون نية من مكلف، الذي يجب عليه أن ينوي هو ولي الصبي، وكذلك المجنون.

ويستحب تقديمها بيسير، والأفضل قرنها بالدفع، الأفضل عند الحنابلة أن تقترن النية بدفع المال، فإذا دفعت المال للفقراء النية في وقت الدفع، وإذا دفعت المال للسعاة والعاملين عليها النية في وقت الدفع، ويجوز أن تقدم النية بيسير، وهذا مثله مثل الصلاة، الصلاة يجوز أن تكون النية مقارنة لتكبيرة الإحرام، ويجوز أن تقدمها على تكبيرة الإحرام بوقت يسير، كذلك قالوا في الزكاة، الأفضل أن تقترن نية الزكاة بوقت الدفع، ولك أن تقدمها بوقت يسير، نعم لك أن تقدمها بوقت يسير بشرط أن يكون الوقت يسيراً. فإذا قال لي: والله يا شيخ أنا نويت قبل شهرين أدفعها، لكن لما أخرجت والله نسيت أن أنوي، لا تجزئ، لابد يكون التقديم بوقت يسير، يعني ساعة ساعتين، ممكن أقول لك يوم في عرف الناس؛ لأن اليسير هنا ليس منضبطاً، لكن عرفاً ممكن أنام الليل وبقول إن شاء الله بكره بدي أزكي، بتصحى الصبح وتزكي هذا مقبول، لكن قبل شهر شهرين لا هذا ليس وقتاً يسيراً، فإذا أخرجت وأنت نسيت النية ذهبت صدقة من الصدقات ولا تقبل الزكاة، وعليك أن تخرج الزكاة مرة أخرى.

فينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة. الآن بعد أن عرفنا أن النية شرط لإخراجها، وعرفنا وقت النية، سيكلمنا ماذا أنوي؟ يعني لما كنا نتكلم عن الوضوء عرفنا مثلاً أن الإنسان ينوي رفع الحدث.

أما نية استباحة ما تجب له الصلاة أو ما تسن له الصلاة، أو استباحة ما تجب له الطهارة أو ما تسن لها، كنا نقول إن نية رفع الحدث الأصغر، يعني إذا أراد الإنسان أن يتوضأ فإما أن ينوي رفع الحدث الأصغر، أو ينوي استباحة ما تجب له الطهارة، أو ينوي استباحة ما تسن له الطهارة. كذلك هنا نريد أن نتكلم ما هي النية التي أنويها في الزكاة؟ فقال لك: إما أن تنوي الزكاة، تضع في نيتك أنها زكاة، ولك أن تنوي الصدقة الواجبة، وفي الحقيقة هذا مؤدى هذا تقريبًا، فإما أن تقول خلاص أريد أن أنوي بها الزكاة وهذا يكون في قلبك، ولو تلفظت بلسانك فعلى المذهب ليس ببدعة، أو تنويها تقول اللهم أنوي بهذا المال الصدقة الواجبة، والصدقة الواجبة عليك هي الزكاة.

ثم قال: ولا يجزئ أن ينوي صدقة مطلقة ولو تصدق بجميع ماله. يعني لو شخص وجبت عليه الزكاة فلما جاء أن يخرجها لم ينوِ الزكاة ولم ينوِ الصدقة الواجبة، قلنا له: ماذا نويت يا فلان؟ قال: نويت صدقة بس ما حددتها أنها واجبة، والله يا شيخ راحت عن بالي أن أحدد أنها الواجبة، قالوا هذا لو أخرج كل ماله لا يجزئ عنه، لو أخرج كل ماله ودفعه ولم ينوِ الصدقة الواجبة وإنما نواها فقط صدقة مطلقة، مطلقة يعني لم يقيدها بأنها الواجبة، لا يجزئه وتورط تمامًا، فالإنسان يحترس في هذه الأمور.

ولا يجزئ إذاً أن ينوي صدقة مطلقة ولو تصدق بجميع ماله، ثم قال: ولا تجب نية الفرضية. لا تجب نية الفرضية يعني لا يجب أنك لما تأتي مثلاً لو قلت، طبعاً هذا يتكلم عن النية الأولى، لو إني أنا نويت الزكاة، لو اخترت أن أقول والله أنا أنوي في قلبي أن هذا المأخوذ زكاة، هل يجب أن أستحضر أنها الفرض؟ لا، خلص لو نويت أنها زكاة انتهى الأمر؛ معروف أنها الفرض فما في داعٍ أن تستحضر في ذهنك أنها فرض، بمجرد أن تستحضر أنها زكاة انتهى الأمر. أما إذا استعملت أسلوب الصدقة لا، بدك تستحضر أنها الصدقة الواجبة، إذا اختار لأنه هو ما فصل هذا الكلام. إذا اخترت أن تنوي الصدقة الواجبة لازم تنوي صدقة واجبة أو صدقة فرض. إذا اخترت لا أني أنا أريد أن أنوي مجرد أنها زكاة، إذا نوى أنها زكاة ولم يستحضر أنها فرض هل فيه إشكال؟ لا إشكال فيه، فهمتم عليه المسألة؟ إذا نوى الزكاة لا يشترط أن يستحضر الفرضية لأن الزكاة لا تكون إلا فرضًا. لكن لو نوى صدقة؟ لا، الصدقة فيها تفصيل، فيها صدقة واجبة وفيه صدقة تطوع، فإذا نويت الصدقة بدك تقيدها بأنها الصدقة الواجبة أو صدقة الفرض، والصدقة الواجبة هي نفسها الزكاة، لذلك قال: ولا تجب نية الفرضية.

أيضاً قال: ولا يجب أيضاً عليه تعيين المال المزكى عنه. ما صورة هذه المسألة؟ إخواني عشان تفهموها سأصورها لكم بمثال؛ شخص عنده خمسة من الإبل عليه أن يخرج، وعنده في نفس الوقت أربعون رأس غنم حال عليه الحول عليه أن يخرج، فصاحبنا يملك خمسة من الإبل وعنده أيضاً أربعون رأس من الغنم وحال عليه الحول. في نهاية الحول لما جاء وقت إخراج الزكاة أخذ شاتين وأخرجهما، هل يجب عليه أن يعين فيقول هذه الشاة الأولى عن الإبل وهذه الشاة الثانية عن الغنم؟ لا. فلذلك قال: ولا يجب تعيين المال المزكى عنه. هنا المال المزكى عنه الإبل والغنم، هذا المزكى عنه عشان تفهم برضه ايش يعني المزكى عنه، المزكى عنه هو النصاب المال الذي تملكه، النصاب هو الذي أخرجت عنه الزكاة، فأنت عندك خمسة من الإبل زكيت عنها شاة، وعندك أربعون غنم أيضاً أخرجت عنها شاة، هل يجب أن أعين أن هذه الشاة للخمسة من الإبل وتلك الشاة للأربعين من الغنم؟ لا. خلص إذا أخرجتها بنية الزكاة عمومًا وأنت فاهم أن هاتين الشاتين عن الإبل وعن الغنم انتهى الأمر وأجزأك ذلك ولا حاجة لأن تعين أن هذا الرأس عن كذا وهذا الرأس عن كذا، ممتاز؟

ثم قال: وإن وكل في إخراجها مسلماً أجزأت نية الموكل مع قرب الإخراج، وإلا نوى الوكيل أيضاً. الآن إخواني إذا أنا وكلت في إخراج الزكاة شخصاً مسلماً، أنا وكلت في إخراج الزكاة شخصاً مسلماً، الآن من الذي سينوي؟ رجع لموضوع النية، أنا ليس عندي سعاة ولا عاملين عليها ولا شيء، لكني أنا رجل صاحب رؤوس أموال كثيرة ورجل أعمال وعندي شركات، ولا أقدر أن أروح بنفسي أوزع على الفقراء، فوكلت شخصاً قلت له يا فلان أنت وكيلي، أريد أن أعطيك زكاة مالي وتوزعها على الفقراء بنفسك. من الذي عليه أن ينوي نية الزكاة؟ قال بتفصيل: وإن وكل في إخراجها مسلماً أجزأت نية الموكل. الآن أنا صاحب الأموال، أنا الموكل، وذاك الشخص هو الوكيل. فانتبهوا حتى لا تضيعوا، بعض الطلاب يضيع من هو الموكل والوكيل. موكل اسم فاعل وهو صاحب رأس المال أنا، والوكيل هو الذي سيوزع الذي أعطيته أنا المال حتى يوزعه، فالآن إذا أنا صاحب رأس المال وكلت شخصاً في إخراج الزكاة، من الذي ينوي؟ ومن الذي تجزئ نيته؟ قال أجزأت نية الموكل مع قرب وقت الإخراج، يعني إذا أنا أعطيت الوكيل المال يجب علي كموكل أن أنوي وتجزئ نيتي ولا يحتاج الوكيل أن ينوي أيضاً إذا كان هناك وقت قصير جداً بين دفع المال للوكيل وبين إعطاء الوكيل المال للفقراء. قال وإلا؛ إذا أنا أعطيت المال لوكيلي ووكيلي بعد شهر وزعه أو بعد عشرين يوماً وزعه، هنا نحتاج إلى نيتين: نية من الموكل لما أعطى المال للوكيل، ونية من الوكيل لما دفع المال للفقراء. لذلك قال: وإلا نوى الوكيل أيضاً.

إذا كان الوكيل سيأخذ المال من الموكل مال الزكاة ومباشرة يذهب يوزع على الفقراء نحتاج لنية واحدة وهي نية الموكل، ينوي الزكاة لما يعطي المال أو يدفع المال للوكيل. الحالة الثانية: إذا كان الوكيل سيأخذ المال من الموكل لكنه لن يذهب مباشرة يوزعه، سيوزعه بعد فترة طويلة ممكن تكون يومين ثلاثاً أربعةً خمسةً، في هذه الحالة نحتاج إلى نيتين: نية الموكل لما دفع الزكاة إلى الوكيل، ونية من الوكيل لما يدفع المال للمحتاجين والفقراء، وضحت الفكرة؟ إذاً في الحالة الأولى إذا كان التوزيع سيتم مباشرة بعد الوكالة نحتاج فقط إلى نية الموكل ينوي لما يعطي المال لوكيله، إذا كان المال لن يوزع مباشرة سيأخذه الوكيل لكن سيوزعه بعد فترة، هنا سنحتاج لنية الموكل لما دفع المال للوكيل وسنحتاج إلى إعادة هذه النية نية الزكاة من الوكيل نفسه لما يعطي المال إلى الفقراء أو المحتاجين عموماً أو من يستحق الزكاة، تمام.

ثم قال: والأفضل جعل زكاة كل مال في فقراء بلده، ويحرم نقلها إلى مسافة قصر وتجزئ. ما معنى هذا الكلام؟ الآن لمن تعطى الزكاة؟ لا أقصد هنا من هو الذي يستحقها، لا، أقصد هل الإنسان عليه أن يوزع زكاته في بلده ولا يجوز أن يخرج الزكاة إلى دول شقيقة محتاجة؟ هذه هي المسألة، هل علي أن أخرج الزكاة في قريتي وبلدتي ومن حولي؟ أم يجوز لي أن أخرج الزكاة في بلدان أخرى محتاجة؟ يقول الشيخ مرعي: والأفضل جعل زكاة كل مال في فقراء بلده. هذه عبارة تحتاج لتحليل لأنه فيها دقة، إخواني القاعدة عند الحنابلة أن زكاة المال تخرج حيث وجد المال وليس حيث وجد الشخص، هذه القاعدة الأساسية، زكاة المال توزع حيث وجد المال وليس حيث وجد الشخص. كيف يعني؟ يعني ممكن الشخص يكون في مكان والمال في مكان؟ نعم ممكن. الآن إذا أنا كنت في الأردن وأموالي في الأردن العبرة ليس بوجودي أنا، العبرة بوجود المال، فإذا أنا كنت في الأردن ومالي في الأردن أوزع مالي في الأردن، إذا أنا كنت خارج الأردن كنت في بريطانيا أو تونس أو المغرب وأموالي في الأردن، أخرج زكاة المال في الأردن. فالعبرة إذاً ليس بالمكان الذي يوجد فيه الشخص وإنما العبرة في المكان الذي يوجد فيه المال.

لذلك قوله: والأفضل جعل زكاة كل مال في فقراء بلده، الضمير في كلمة بلده يعود على المال، يعني في فقراء بلد المال، أي في فقراء البلد الذي يوجد فيه المال، ولا يعود على الشخص. ممكن واحد يفهم أنه الأفضل أن تخرج زكاة المال في بلدك أنت، لا، الضمير هنا لا يعود على الشخص المزكي وإنما يعود على المال المزكى، لأنه أنا ممكن يكون عندي أكثر من مال، عندي غنم في الأردن وعندي زروع وثمار في تونس وعندي عروض تجارة في العراق، كل مال أخرج زكاته حيث وجد المال، فزكاة عروض التجارة التي في العراق أخرجها في العراق، وزكاة الغنم التي عندي في الأردن أخرجها في الأردن، وزكاة الحبوب والثمار التي في تونس أخرجها في تونس، فالمكان الذي أخرج فيه الزكاة هو المكان الذي يوجد فيه المال وليس المكان الذي يوجد فيه أنا.

ويحرم نقلها إلى مسافة قصر وتجزئ، أي أنه يجوز لك ويباح عند الحنابلة أن تنقل زكاة المال من بلدتك ومن قريتك لبلدة أخرى مجاورة بشرط ألا تتجاوز المسافة بين بلدتك وبين البلدة المجاورة مسافة القصر، طيب إذا كانت البلدة المجاورة المسافة بينها وبين بلدتك تتجاوز مسافة القصر حينئذ نقول وقعت في الحرمة، ومع وقوعك في الحرمة قال الحنابلة لو أن إنساناً خالف ونقل زكاته إلى ما بعد مسافة القصر هو وقع في الحرمة لكن الزكاة صحيحة ومجزئة من حيث الحكم الوضعي. فعليك أن تفرق بين الحكم الوضعي والتكليفي، إذاً عندك ثلاث قواعد: الأفضل إخراج زكاة المال في البلد الذي يوجد فيه المال، ويجوز نقل الزكاة إلى بلد آخر لا يبتعد عن بلد المال مسافة القصر، ويحرم نقل الزكاة إلى بلد آخر يبعد عن بلد المال مسافة القصر فأكثر. لاحظوا أن تحديد مسافة القصر أمر مهم جداً، تنبني عليه كثير من الأحكام، مسافة القصر عند الحنابلة مئة وسبعة وثلاثون كيلومتراً هذا هو المعتمد، فإذا نقلت زكاة مالك من البلد الذي يوجد فيه المال إلى بلد آخر يبعد عنه مئة وسبعة وثلاثين فصاعداً أنت فعلت حراماً، لكن هل تجزئ الزكاة من حيث الحكم الوضعي وتعتبر صحيحة؟ قالوا تجزئ، لأن قضية أنك نقلتها هذا أمر منفك عنها، أما الزكاة نفسها أنت أخرجتها بالمقدار الشرعي الواجب عليك، كونك نقلتها هنا نؤثمك على نقلها أما هي فقد وقعت صحيحة إذا وصلت إلى مستحقيها.

ثم قال: ويصح تعجيل الزكاة لحولين فقط إذا كمل النصاب لا منه للحولين، فإن تلف النصاب أو نقص وقع نفلاً. هذه مسألة تسمى فقهياً مسألة تعجيل الزكاة، هل يجوز أن أعجل زكاة مالي قبل أن يجب علي إخراجها؟ يقول الحنابلة يصح تعجيل الزكاة لحولين فقط، يعني يجوز أن تعجل زكاة المال لسنتين قادمتين فقط ولا يجوز أن تعجل أكثر من ذلك، لذلك قال: ويصح تعجيل الزكاة لحولين فقط، بشرط قال: إذا كمل النصاب، يعني إذا كان معك الآن نصاب، إذا لم يكن معك نصاب لا يجوز أن تعجل الزكاة.

لا يعتبر ذلك، فإذا اكتمل النصاب فيما بعد عليك أن تعد حولاً جديداً وتخرج الزكاة مرة أخرى. فخليني أعطيكم مثالاً على قضية تعجيل الزكاة: شخص عنده أربعون شاة، وبدأ يعد عليها حولاً. في منتصف الحول قال: أنا أريد أن أخرج زكاة مالي الآن، لا أريد أن أنتظر نهاية الحول، فننظر ونقول: هل أنت تملك النصاب؟ قال: نعم، عندي أربعون شاة. هل أنت متأكد أنك تريد أن تعجل؟ قال: نعم، أريد أن أعجل قبل أن يأتي نهاية الحول.

ما عندنا حرج أن يخرج شاة، قد يخرج شيئاً عن ماذا؟ عن حوله الذي هو فيه الآن. خليني أعطيكم مثالاً آخر من هذا المثال، سأعود له بعد شوي في قضية استثنائية فيه، مثال الأربعين شاة، خليني أذكر مثالاً آخر. شخص عنده مئة شاة، مئة شاة هي نصاب، بدأ يعد عليها أول حول. في منتصف الحول الأول قال: أنا أريد أن أخرج زكاة سنتين قادمتين. بنقول له: أنت كم عندك؟ قال: عندي مئة شاة. قلنا: متأكد أنك تريد أن تعجل؟ قال: نعم، أنا أريد أن أعجل باختياري. فتقول له: ممتاز، تستطيع أن تعجل زكاة سنتين، فتخرج عن السنة الأولى شاة، وعن السنة الثانية شاة.

لو قال: اسمعوا، أنا بدي أعجل زكاة خمس سنوات، خلص بدي أطلع خمس شياه عن خمس سنوات وخلص. إحنا مش ذكرنا من أربعين لمئة وعشرين كم شاة فيها؟ شاة واحدة، فأول سنة علي فيها شاة صح، ثاني سنة علي فيها شاة، ثالث سنة شاة، رابع سنة شاة، خامس سنة علي شاة. أنا بدي أطلع الآن خمس شياه ولا تسألوني عن الزكاة لخمس سنين جايين، تمام؟ بنقول له: ما بينفع، نحن نعطيك أن تعجل الزكاة لحولين فقط، هكذا إذن النبي صلى الله عليه وسلم. فلك أن تخرج الزكاة عن هذه السنة وعن السنة القادمة، فأخرج الآن شاتين عن هذه السنة وعن السنة القادمة.

تمام، الآن إذا كان شخص لا يملك النصاب، يعني شخص قال: أنا عندي يا شيخ عشرين شاة، لكن والله متوقع أنه هالعشرين شاة كمان شهر شهرين ثلاثة تنتج ويصير عندي أربعين، فإنا الآن بدي أعجل الزكاة شو رأيك؟ شو بتقول له؟ لا يجوز؛ لأنه أنت الآن ما معك إلا عشرين، فبما أنه ما اكتمل عندك النصاب لا يجوز أن تعجل الزكاة، لا لسنة ولا لسنتين، فتعجيل الزكاة لمن امتلك النصاب فقط ويكون لحولين فقط، هذه واضحة؟

قال: لا منه للحولين. كانوا الشيخ مرعي ما وضحها، قالوا: يصح تعجيل الزكاة لحولين فقط إذا كمل النصاب، لا منه للحولين. إيش يعني لا منه للحولين؟ سأشرح لكم معنى العبارة ثم أمثل عليها: أي لا يجوز إخراج الزكاة من النصاب للحولين. عبارة الشيخ مرعي لا توصل الفكرة، قوله: لا منه، الضمير منه يعود على النصاب، يعني لا يجزئ إخراج الزكاة من النصاب للحولين. انظروا في هذا المثال: يقولون إذا كان شخص يملك قدر النصاب بالضبط، فهذا الشخص يجوز له أن يعجل للحولين، لكن إذا بده يعجل للحولين ليس له أن يخرج زكاة الحولين من النصاب الذي عنده.

شخص عنده أربعون شاة ما عندوش زيادة، وهي النصاب، جاءنا هذا الشخص فقال: أنا امتلك نصاباً وأريد أن أعجل زكاة حولين. بنقول له: يمكنك ذلك بشرط أنه لا تخرج الآن؛ هو إذا بده يخرج زكاة الأربعين شاة لحولين كم شاة عليه؟ الشخص عنده أربعون شاة، افترض ذهنياً أن هذه الأربعين ستستمر معه لحولين، بنقول له: عليك للحول الأول شاة، وعليك للحول الثاني شاة أخرى، وهذا الطبيعي. فإذا أراد أن يعجل لحولين لأنه يملك قدر النصاب فقط، لا يجوز أن يخرج الزكاة من نفس المال، أنت مجبر أن تذهب فتشتري الزكاة من الخارج، تشتري شاتين من الخارج وتخرجهما عن الأربعين شاة التي عندك.

ليش أجبرتوه أنه يشتري شياه من الخارج؟ أحسنت، لأنه هذا صاحبنا معه أربعون شاة فقط، لو أنه قال: أنا بدي أعجل زكاة حولين وأخرج الزكاة من الأربعين الآن، هو سيخرج شاة من الأربعين للحول الأول، فصارت فعلياً كم؟ تسعة وثلاثين، فلما بده يخرج الآن الزكاة عن الحول الثاني، سيخرج الشاة عن تسعة وثلاثين، وتسعة وثلاثين ليست نصاباً، فبالتالي لما جاء بده يخرج أيضاً عن الحول الثاني أخرج عن الحول الثاني وهو لا يملك نصاباً، وشرط تعجيل الزكاة ما هو؟ أن يكون الإنسان مالكاً للنصاب.

لو هذا الشخص نفسه قال: لا أنا بدي أعجل لحول واحد فقط، للحول الأول فقط بينفع؟ أه بينفع، لو هو نفسه قال: أنا بدي أعجل فقط للحول الأول، تسمحوا لي أخرج الشاة من الأربعين؟ نقول: أه نعم، نسمح لك؛ لأنه أنت الحول الأول معك الأربعين شاة، فلو خرجت شاة فعلياً شاتك صحيحة عن الحول الأول، وأصبح معك الآن تسعة وثلاثين، بس هسا خلص ما بينفع تعجل الحول الثاني؛ لأنه أنت ما بتملك نصاباً، خلاص نقصت، وضحت؟

هل تعجيل الزكاة لحولين فقط إذا اكتمل النصاب يكون في جميع الأموال الزكوية؟ في الحقيقة هناك تفصيل عند الحنابلة، يقولون بالنسبة للمعدن وللركاز لا يجوز تعجيل الزكاة فيه قبل إخراجه، المعدن زكاته إنما تكون عند إخراجه ولا يصح تعجيلها أبداً، وكذلك الركاز. العسل لم أجد فيه نصاً لكن الذي يظهر لي أنه مثله مثل المعدن والركاز، أنه لا يصح تعجيل زكاته قبل إخراجه أو الحصول عليه.

وأما بالنسبة للزروع والثمار، فقالوا لا يجوز تعجيل الزكاة في الزروع قبل نبات الزرع، ولا يجوز تعجيل الزكاة في الثمار قبل ظهور الحصرم؛ لأن هذه ليست حوليات. الزروع والثمار تُزكى عند إخراجها، فلذلك المعدن والركاز والعسل والزروع والثمار لا يجوز تعجيل الزكاة عنها قبل إخراجها أو الحصول عليها. قالوا: لا يجوز تعجيل الزكاة في الزروع قبل نبات الزرع، فإذا بدأ الزرع يظهر وينبت حتى ولو لم يشتد الحب، يجوز أن تعجل الزكاة حينئذ.

شخص زرع مئة شجرة نخيل لم يخرج عليها أي شيء، فقال: والله أنا أظن أنه في الموسم راح تجيب لي أكثر من ستمئة وأحد عشر كيلو، خليني من الآن أخرج زكاة التمر. نقول له: هل بدأت تخرج ثمار؟ قال: لسه والله لسه ما طلعت ولا ثمرة، ولا حصرم ولا شيء من العنب، لا يجوز التعجيل. إذا بدأت الرطب تخرج حتى ولو لم يبدُ صلاحها، أو بدأ الحصرم يظهر حتى ولو لم يبدُ صلاحه، يجوز تأجيل الزكاة حينئذ.

المسألة الأخيرة: قالوا فإن تلف النصاب أو نقص وقع نفلاً. يعني هذا الشخص اللي عنده أربعين شاة فرضاً قال: أنا بدي أعجل زكاة حول واحد، فأخرج شاة، وفي نهاية الحول وجدنا أن الشيء اللي عنده كلياته تلف بآفة من السماء، وماتت كل هالغنمات. في نهاية الحول لا يجد عنده هذا الرجل أي شاة، هل نعتبر زكاة التي أخرجها الأولى زكاة مجزئة؟ قالت الحنابلة: لا، وإنما تعتبر صدقة من الصدقات نفلاً. إحنا أجزنا لك أن تعجل الزكاة أثناء الحول إذا كنت مالك النصاب، بس لازم يظل هذا النصاب معك إلى نهاية الحول، فإذا أتينا لنهاية الحول فوجدنا النصاب قد تلف بالكلية أو تلف معظمه، هنا زكاتك التي عجلتها لا تحسب زكاة وإنما تعتبر صدقة من الصدقات.

أما قضية النقص، ففيها تفصيل، يقول الحنابلة: إذا كان مقدار ما نقصه المال في نهاية الحول هو فقط مقدار ما أخرجه للزكاة، فهذا النقص لا إشكال فيه وتعتبر زكاته صحيحة. الشخص اللي معاه مجرد النصاب أربعين شاة، أخرج شاة فصار عنده تسعة وثلاثين، في نهاية الحول نقصت عن النصاب لكن نقصانها كان بمقدار المخرج في الزكاة فقط، فهذا النقص لا إشكال فيه. أما إذا كان مقدار النقصان أكثر مما أخرجه في الزكاة، بأن وجدنا عنده ثمانية وثلاثين شاة مثلاً، فقلنا له: وين راحت الشياه؟ قال: واحدة زكاتها وواحدة ماتت، بنقول له: إذا زكاتك التي قدمتها ليست معتبرة؛ لأنه فعلياً لما أتينا لآخر الحول النصاب كان عندك ناقصاً، ونقصانه ليس فقط بمقدار الذي أخرجته ابتداءً، بل نقص غير الذي أخرجته، فبالتالي لا تعتبر الزكاة شرعية.

فزكاته صحيحة؛ لأن هذا النقصان في النصاب إنما هو الكمية التي أخرجها. لأنه لو تم الحول وعندك أربعين شاة كنت ستخرج عنها شاة وستصير تسعة وثلاثين؛ هذه الشاة أنت بدل ما تخرجها في نهاية الحول أخرجتها في منتصف الحول، فالنقصان مفهوم أنه نقصان مقابل ما تم إخراجه.

أما إذا كان نقصان النصاب أكبر مما عجلوا من الزكاة، فحينئذ تعتبر الزكاة لاغية وتعتبر ما قدمته من صدقة من الصدقات؛ لأنه أتينا نهاية الحول ووجدنا عندك ثلاثين شاة، قلنا لك يا فلان النصاب عندك نقص؟ فقال: نعم، نقص شاة تصدقت بها وجعلتها زكاة في منتصف الحول، وتسعة ماتوا عرضاً، نقول: إذاً أنت لم تجب عليك الزكاة؛ لأنه لما أتى نهاية الحول لم تكن تملك النصاب.

بالتالي إخواني، في الحقيقة هناك شرط آخر لصحة التعجيل، نقول: يصح تعجيل الزكاة لحولين فقط إذا اكتمل النصاب؛ إذا كنت الآن مالكاً للنصاب، هذا الشرط الأول. الشرط الثاني نقول: يجب أن يأتي نهاية الحول وأنت تملك النصاب. فإن جاء نهاية الحول وأنت لا تملك النصاب، ننظر، إن كان النقص من النصاب بمقدار ما تم إخراجه في أثناء الحول فزكاتك صحيحة؛ لأن هذا النقصان هو فقط الكمية التي أخرجتها للزكاة.

وأما إن كان النقصان أكثر من الكمية التي أخرجتها للزكاة بسبب حدوث موت أو هلاك أو ما شابه ذلك، فحينئذ أنت لا تعتبر مالكاً للنصاب، بالتالي تعتبر الزكاة التي قدمتها صدقة من الصدقات ولن تحسب لك زكاة. فهمت التفصيل هذا؟ إذاً نهاية كلامنا في هذا الباب، وفي المحاضرة القادمة إن شاء الله نتكلم عن أهل الزكاة وننهي الحديث في كتاب الزكاة بالكلية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.