غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية. يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب «دليل طالب نيل المطالب» للإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمه الله تعالى عليه، على مذهب السادة الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم. في المحاضرات السابقة انتهينا من جميع الأموال الزكوية، وبقي علينا الكلام عن مال زكوي واحد وهو المعدن.
تكلمنا عن بهيمة الأنعام بأنواعها: الإبل والبقر والغنم. وتكلمنا عن ما خرج من الأرض، وعرفنا أن الشيخ مرعي أدخل تحت عبارة «ما خرج من الأرض» الحبوب والثمار والركاز، وفعليًا هو يدخل المعدن أيضًا، لكنه أخّر الحديث عنه إلى فصل آخر لمصلحة أنبه عليها اليوم. فالمعدن يدخل تحت ما خرج من الأرض على طريقة الشيخ مرعي، وذكر العسل إلحاقًا، وإن كان العسل فعليًا لا يدخل تحت ما خرج من الأرض؛ لأن العسل إنما يؤخذ من النحل، لكن لأن الكلام فيه محدود وقليل يذكرونه تحت ما خرج من الأرض وإن كان مالًا مستقلاً، فالعسل عند الحنابلة مال زكوي مستقل.
فذكرنا زكاة بهيمة الأنعام، وذكرنا زكاة الحبوب والثمار، وذكرنا زكاة العسل، وذكرنا زكاة الركاز، ثم ذكرنا النقدين: الذهب والفضة، ثم ذكرنا زكاة عروض التجارة، وما بقي علينا إلا المال الأخير وهو المعدن؛ فلا بد أن نتعرف على هذا المال: ما هو نصابه وكيفية إخراج الزكاة منه.
قال الشيخ مرعي رحمه الله تعالى عليه: «وما استخرج من المعادن ففيه بمجرد إحرازه ربع العشر إن بلغت القيمة نصابًا بعد السبك والتصفية». انتهى الحديث عنده، يعني أعطانا جملة واحدة أو جملتين، وأنهى الحديث عن قضية زكاة المعدن، لكن في الحقيقة لا بد وأن نفصل في هذا الباب حتى يتصور الطالب زكاة المعدن حق التصور.
أولًا: ما المراد بالمعدن عند الفقهاء؟ ما المراد بالمعدن لما نقول زكاة المعادن؟ يقولون: المعدن هو كل متولد من الأرض وليس نباتًا، ويضيف: وليس جزءًا منها؛ حتى يخرج التراب والصخور وما شابه ذلك مما يمكن أن يتولد من الأرض. إذًا كل متولد من الأرض وليس من جنسها ولا نباتًا، هذا يسمونه معدنًا. هذا هو التعريف الشامل: كل متولد من الأرض وليس من جنسها، أي ليس من جنس الأرض؛ ليس ترابًا ولا صخورًا وما شابه ذلك، وليس نباتًا أيضًا، هذا هو المعدن.
فيدخل فيه كل ما يمكن أن يستخرج من الأرض ما سوى جنس الأرض وما سوى النبات. طبعًا ممكن تقول لي يا شيخ: طب هذا يدخل فيه الركاز؟ ويقول لك: يجب أن تستثني الركاز؛ لأنه الركاز ممكن يكون عبارة عن فخارات من أيام الجاهلية، أمتعة من باب الجاهلية، فإذاً هم ما يستثنون الركاز من المعدن، لكن لو أردت أن تستثنيه لك ذلك بشرط ألا يكون الركاز من المعادن.
إذًا كل متولد من الأرض وليس من جنس الأرض -أي ليس ترابًا ولا صخورًا- وليس نباتًا، هذا يسمونه معدنًا. وهذه العبارة لما تأتي إلى أذهانكم ماذا تفهمون منها؟ المعادن: الحديد والنحاس والرصاص والمغنيسيوم وما شابه ذلك مما يمكن أن يستخرج من الأرض، حتى الذهب والفضة؛ الذهب والفضة يوردونه تحت ما يخرج من الأرض من المعادن؛ لأنه في النهاية هو معدن، أليس كذلك؟ فهو داخل معنا تحت هذا البند. إذًا كل ما تستخرجه من المعادن من الأرض بغض النظر أيًا كان جنس المعدن؛ حديد، نحاس، رصاص، ذهب، أو ما شابه ذلك، كل ما يستخرج من الأرض من هذه المعادن ففيه زكاة بالشروط التي ستأتي معه.
الآن، السؤال هو: هل المعدن لو استخرجته من أي مكان يكون ملكي لي؟ المستخرج يقول للحنابلة: من استخرج هذه المعادن -سواء استخرجها من أرض موات، وأرض الموات هي التي ليست ملكًا لأحد، أو استخرجها من ملكه الشخصي، أو استخرجها من ملك غيره بشرط أن لهذا الثالث ضابطًا- إذا استخرجته من ملك غيرك وكان المعدن جاريًا وليس جامدًا، في هذه الصور الثلاث نعم يكون هذا المعدن ملكًا للمستخرج.
وهناك صورة واحدة يكون فيها المعدن ليس ملكًا للمستخرج بل ملكًا لصاحب الأرض، وهي المعدن الذي تستخرجه من ملك غيرك وكان جامدًا. باختصار، لكي أعطيكم الفكرة: المعدن الذي يملكه المستخرج هو: ما وجده في أرض موات، أي الأرض ليست ملكًا لأحد، وثانيًا: ما وجده بملكه، فهو في ملك المستخرج؛ أنا عندي أرض وبحثت فيها فإذا أخرجت منها معادن تكون ملكي، وثالثًا: ما وجده في ملك غيره وكان جاريًا، يعني بين قوسين سائلاً؛ لأنكم كما تعرفون هناك معادن تستخرج من الأرض وتكون سائلة ثم تجمد بعد ذلك.
ومن هنا بدأ النقاش المعاصر في زكاة النفط وما شابه ذلك. طبعًا زكاة النفط الإشكالية التي يمكن أن ترد عليها هي: هل النفط أصل معادن ولا نباتات وحيوانات جفت عبر الزمن؟ لأنه ما يعرف الآن في العلوم أن النفط أصله من نباتات وحيوانات جفت وتراكمت عليها الصخور ثم تحولت مع الوقت إلى نفط. فلو قيل إن النفط هناك قسم يكون من المعادن، يكون هذا المعدن جاريًا، أليس كذلك؟ كذلك الغاز الطبيعي، إذا قيل إنه أصله من معادن جارية يكون هذا معدنًا جاريًا، معدنًا سائلًا، فبالتالي تجب فيه الزكاة.
لاحظوا، الصورة الثالثة: ما وجدته في ملك غيرك وكان جاريًا. يعني أنا ذهبت إلى أرض الشيخ عبدالله وبدأت، وهو طلبني قال لي: أنا والله أريد أن أستأجرك تحفر عندي في أرضي، أريد أن أبني بيتًا أو أفعل شيئًا، فذهبت وبدأت أحفر في أرض الشيخ عبدالله، وأنا أحفر سبحان الله إلى هذا المعدن يخرج، وهذا المعدن جاري. هل هذا المعدن الجاري الذي أخرجته من أرض الشيخ عبدالله...
يكون ملك لي أنا المستخرج ولا ملك لصاحب الأرض؛ يقول المعدن الجاري ملك للمستخرج حتى ولو الأرض ليست لي. لكن المعدن لأنه جاري قالوا هذا يكون ملك للمستخرج.
الصورة الرابعة: أن تستخرج معدنا من ملك غيرك ويكون جامدا. يعني أنا حفرت في أرض الشيخ عبدالله استخرجت حديد، استخرجت رصاص جامد، استخرجت نحاس، لا، هذا لا يكون ملكا للمستخرج حتى لو أنا الذي استخرجته، يكون ملكا لمن؟ لصاحب الأرض.
الفقهاء يفرقون بين المعدن الجاري وبين المعدن الجامد في هذه الجزئية، وستستفيدون من هذه الجزئية أيضا في كتاب البيوع؛ أنه من باع أرضا هل يدخل فيها في بيعه لها المعدن الجاري ولا المعدن الجامد؟ هذه لها تفاصيل؛ لذلك أريدكم من الآن أن تضبطوا الفرق بين ما هو المعدن الجاري السائل، وما هو المعدن الجامد؛ لأن هذا ستنبني عليه العديد من المسائل الفقهية، منها هذه المسألة: أن المستخرج للمعدن يملكه إذا استخرجه من أرضه، وهذه واضحة، وإذا استخرجه من ملك غيره وكان المعدن جاريا، هذا ضابط الصورة. أما إذا استخرج معدنا من أرض غيره وكان هذا المعدن جامدا، فهذا لا يكون ملكا للمستخرج، وبالتالي زكاته ليست عليه، وهذا الذي ينبني عليه في النهاية أنه زكاته ليست على المستخرج وإنما زكاته على رب الأرض، على صاحب الأرض. وأما في هذه الأحوال الثلاث فالزكاة على المستخرج نفسه. هذه قضية حاولت أن أنبه إليها ابتداء.
إذا عرفنا تعريف المعدن أحبائي، وعرفنا من الذي عليه زكاة المعدن بناء على التفصيل السابق، الآن ماذا قال الشيخ مرعي؟ قال: «ففيه بمجرد إحرازه أي في المعدن بمجرد إحرازه ربع العشر». الآن هنا الشيخ مرعي يبين لنا الكمية التي يجب إخراجها من المعدن لصالح الفقراء؛ فهو ذكر الكمية، لكن قبل ما نعرف الكمية الأصلية نعرف ما هو النصاب، فهو يؤخر ذكر النصاب كأن الجملة احتاجت معه أن يؤخرها، وإلا الأصل أن يذكر النصاب ابتداء، بعد ذلك نعرف الكمية التي يجب إخراجها من هذا النصاب لصالح الفقراء.
فنصاب المعدن أحبائي يقوم بالذهب أو الفضة مثل عروض التجارة. كيف؟ في المحاضرة السابقة قلنا عروض التجارة: شخص عنده شقق للبيع، سيارات للبيع، لما يريد أن يقوم بتقييمها في نهاية العام يقومها بماذا؟ بالذهب والفضة في الفقه القديم طبعا، لأنه كان الذهب والفضة هي العملات النقدية؛ إما الدينار الذهبي أو الدرهم الفضي. نحن اليوم أصبحنا نقوم بماذا؟ بالأوراق النقدية؛ دينار أردني، جنيه، دولار، ما شابه ذلك. لكن الفقهاء لما تقرأ في كتبهم لا هم يتكلمون عن تقويم العروض التجارية أو تقويم المعادن بالذهب أو الفضة؛ لأنه في زمنهم كانت العملات هي ذهب أو فضة. وأما ما حدث في الزمن المتأخر وفي العصر الحديث فهذه قضية أخرى تحتاج من الحنابلة الجدد إلى اجتهاد ومعرفة مقاصد الأوائل لاستخراج مستجدات العصر.
لكن دعونا نفهم الأمر على ما قاله الشيخ مرعي. إذا استخرجت معدنا، علي أن أقوم هذا المعدن الذي استخرجته، هل قيمته تصل إلى نصاب الذهب خمسة وثمانين غرام ذهب كقيمة؟ هل قيمته تساوي الفضة؟ أقومه بالذهب أو بالفضة. طب هل تقييمه بالذهب أو بالفضة يعني باختياري الشخصي أم بالأحظ للفقراء؟ فدعونا نكتب هذه المعلومة أيضا حتى نرتب الأفكار في هذا الباب.
المعلومة الثالثة في نصاب المعدن: نقول نصاب المعدن يتم تقييمه، المعدن المستخرج، بالذهب أو بالفضة -باعتبار ما هو أحظ للفقراء- فإذا بلغ نصابا وجب إخراج الزكاة منه وهي ربع العشر. ولذلك أحبائي الشيخ مرعي ذكر المعدن تحت عروض التجارة أو في باب عروض التجارة، مع أننا قلنا المعدن وفعليا ليس من عروض التجارة؛ المعدن هو يدخل تحت ما خرج من الأرض مثل الركاز.
لماذا ذكروا المعدن بصورة مستقلة وذكروا المعدن في عروض التجارة؟ لأن فلسفة زكاة المعدن تقريبا مشابهة لفلسفة زكاة عروض التجارة. أنت في نهاية الموسم تقوم بما عندك من عروض التجارة بالذهب أو الفضة وتخرج ربع العشر منها، كذلك المعدن، بس المعدن ما فيه حول؛ المعدن بمجرد أن تستخرجه من الأرض.
طبعا سنأتي بطريقة حساب النصاب، أنا لم أنته من كلامي عن النصاب، نحن نمشي خطوة بخطوة. باختصار، المعدن بمجرد أن تستخلصه وتصفيه وتحسب، إذا بلغ قيمة هذا المعدن نصاب الذهب أو الفضة باعتبار ما هو حظ الفقراء، عليك أن تخرج منه ربع العشر. فالفرق الجوهري بين المعدن وبين عروض التجارة أن عروض التجارة تنتظر عليها حولا كاملا، لابد أن يبقى النصاب منها حولا كاملا، أما المعدن فلا يكفي أن أخرج مقدار النصاب فأزكيه مباشرة؛ لا يوجد حول للمعادن، لا ينتظر مرور الحول على المعادن.
إذن يتم تقييم المعدن المستخرج بالذهب أو الفضة. فرضا رجل استخرج كمية من المعدن -وسأذكر بعد قليل طريقة استخلاص النصاب- لكن أنا الآن مجرد تمثيل: رجل استخلص من المعدن كمية، لما قيمناها ووجدناها تساوي قيمة خمسة وثمانين غرام ذهب. الآن نصاب الذهب كم هو أحبائي؟ أخذنا في المحاضرة السابقة وقبل سابقة خمسة وثمانين غرام، أليس كذلك؟ هذا نصاب الذهب، ونصاب الفضة خمسمائة وخمسة وتسعون غراما.
جميل، الآن يقول لك شخص: أنا استخرجت معدن حديد من الأرض، كيف أزكيه يا شيخ؟ بنقول تعال، هذا الحديد الذي استخرجته بعد تصفيته من التراب وما علق به من شوائب الأرض جلب لنا إياه، بنشوف كم قيمة هذا المعدن؟ كم قيمة الحديد المستخرج؟ الآن نريد أن نقيمه بالذهب أو الفضة. فأولا نذهب للذهب والفضة؛ الذهب خمسة وثمانون غراما، طب كم غرام بالذهب اليوم يا شيخ في السوق؟ أربعون دينارا واصل. إذا خمسة وثمانون غراما ضرب مثلا أربعين، كم تطلع بالحساب سريعا؟ في هذا عنده آلة حاسبة؛ لأننا نضع صفر أربعة وخمسة وعشرين، أربعة بثمانية اثنان وثلاثين، أربعة وثلاثين، ثلاثة آلاف وأربعمائة. رقم دقيق نوعا ما، فإذا الخمسة وثمانون غرام ذهب تساوي عندي الآن بالعملات النقدية ثلاثة آلاف وأربعمائة.
نأتي للفضة حتى نخلص؛ الفضة خمسمائة وخمسة وتسعون غراما هذا هو النصاب. لو غرام الفضة ثلاثة دنانير -لأنه تقريبا غرام الفضة ليس غاليا، نعتبره ثلاثة، هي قضية فرضية الآن- أضربه بثلاثة: خمسمائة وخمسة وتسعين ضرب ثلاثة، فالمجموع ألف وسبعمائة وخمسة وثمانون، إن شاء الله يكون الشباب شايفين هذا الرقم فوق على الكاميرا. هذا ألف وسبعمائة وخمسة وثمانون.
فعليا نصاب الفضة بعد تحويله من الغرامات للعملات النقدية، والذهب بعد تحويله من الغرامات والعملات النقدية ثلاث آلاف وأربعمائة. ممتاز. الآن أتيت للحديد الذي استخرجته من الأرض بعد أن جردته من كل ما علق به، قلنا هذا الحديد رحنا لأصحاب التخصص في المعادن، قلنا كم قيمة هذا الحديد؟ قالوا لنا: والله قيمته ألف وخمسمائة دينار. الذهب قديش؟ ثلاث آلاف وأربعمائة النصاب، والفضة ألف وسبعمائة وخمسة وثمانون، وأنا قيموا لي حديدي بألف وخمسمائة؛ إذا أنا ما عندي نصاب، إنه تحت السقف في الذهب وفي الفضة.
طيب رحت عليهم قالوا لي الحديد الذي استخرجته ألفان من الدنانير، هل فيه زكاة؟ كيف يا شيخ زكاة؟ هي الذهب ثلاث آلاف وأربعمائة، بتقول لا، أنت الآن بدك تعتبر ما هو أحظ للفقراء؛ لاحظ الفقراء الآن تحسبه بالفضة، فباعتبار الفضة بكون بلغ النصاب عليك زكاة. لو فرضاً الفضة غليت كثيراً والذهب نزل كثيراً وأصبح الذهب هو الألف وسبعمائة وخمسة وثمانون والفضة هي العكس، الثلاث آلاف وأربعمائة يكون عليك زكاة باعتبار الذهب لأنها هي أحظ الفقراء، وإن كان هذا صعباً جداً أن يصبح الذهب أرخص من الفضة لكن من باب التمثيل، لا يعترض المثال، فقد كفى الفرض والاحتمال.
إذا بهذه الطريقة أحبائي يتم حساب النصاب ابتداءً؛ المستخرج من المعدن بعد تصفيته نقومه إما بالذهب وإما بالفضة باعتبار ما هو أحظ للفقراء لنعرف هل يمتلكنا النصاب ولا لا؟ إذا اكتشفنا أننا عندنا نصاب، هل ننتظر عليه حولاً كعروض التجارة؟ كلا، تخرج الزكاة مباشرة. وهذا هو الفرق الجوهري بين المعادن وعروض التجارة؛ عروض التجارة بعد ما تقيمها أو تكتشف أنها وصلت إلى النصاب بدك تستنى حولاً كاملاً، المعادن ما في سنة حول كامل، مباشرة تخرج منها ربع العشر كما نستخرج من عروض التجارة ربع العشر.
لكن الفكرة التي بقيت، أو أريد أن أقولها، هي شروط حساب النصاب. هذه القضية ذكر منها الشيخ مرعي شرطاً، لكن بقيت هناك بعض التفاصيل المهمة. ضوّ عنوان عندكم طريقة حساب النصاب، أو سموها شروط، الأمر يعود إليكم، أنا خليني أسميها طريقة حساب النصاب. أول قاعدة من قواعد حساب النصاب أنه يجب تصفية المعدن الخارج من الأرض مما علق به قبل حساب النصاب، وهو ما عبر عنه الشيخ مرعي بقوله: ماذا؟ قال بعد السبك والتصفية؛ قال إن بلغ نصاباً بعد السبك تسبكه وتصفيه مما علق به من الشوائب. لأنه ما ينفع تحسب لي النصاب من معدن الحديد أو النحاس أو الرصاص أو أي معدن استخرجته من الأرض وهو ما زال مخلوطاً بالتراب وما شابه ذلك مما ليس منه. فأول قاعدة خلينا نقول في حساب نصاب المعادن: أولاً لابد من تصفية المعدن الخارج من الأرض مما علق به قبل حساب النصاب. هذه واضحة الفكرة، أليس كذلك؟
أذكر قواعد لم يذكرها الشيخ مرعي. القاعدة الثانية؛ الآن يقولون انتبهوا معي على هذه الفكرة: إذا شخص استخرج المعدن على فترات، وهذا هو المعتاد، يعني الذين يعملون في المناجم وما شابه ذلك، هل يستخرجون المعدن دفعة واحدة في يوم واحد، يمسكون أغراضهم ويروحون؟ لا، المعدن يتم استخراجه على دفعات. فالسؤال: هل تضم الدفعات المستخرجة بعضها إلى بعض في تكميل النصاب؟ يعني أنا في اليوم الأول استخرجت من الحديد بقيمة خمسمائة دينار، ممتاز، استخرجت كمية من الحديد بعد السبك والتصفية وجدناها خمسمائة، طب خمسمائة يا شيخ ما وصلت النصاب فعلياً لا بالذهب ولا بالفضة. طيب اليوم الثاني استخرجت كمية جديدة من الحديد قيمتها خمسمائة دينار، السؤال الآن: هل تضم كمية اليوم الثاني إلى كمية اليوم الأول، ولا بنقول كل يوم كميته تحسب على حدة؟
فأول يوم كميته خمسمائة دينار قيمتها ما بلغت النصاب، خلص ما في زكاة. اليوم الثاني الكمية خرجت خمسمائة دينار، إذاً ما في زكاة. ولا بنقول لا، انتظر، اجمع لي كمية اليوم الثاني لكمية اليوم الأول وشوف المجموع الكلي هل بلغ النصاب؟ ما تحسب كل يوم على حدة؟ ما هي الطريقة؟ يقول الحنابلة ترى هنا في تفصيل عندهم. يقول: هذه القاعدة خلينا أنص عليها بأحرفها؛ إن استخرج الإنسان المعدن على دفعات لم يهمل العمل بينها ثلاثة أيام متوالية، بهذه القاعدة لم يهمل العمل بين هذه الدفعات ثلاثة أيام متوالية فأكثر، فحكم هذه الدفعات حكم الواحد، يعني كأنها دفعة واحدة.
طيب إيش معنى هذا الكلام؟ أنا سأشرح فكرة وفكرة. يقولون إذا الرجل استخرج المعدن على دفعات، عمل اليوم الأول، عمل اليوم الثاني، ممكن هو استراح اليوم الثالث ما اشتغل، صح؟ رجع اليوم الرابع اشتغل، أخرج كمية جديدة، الخامس ما اشتغل. نحن نلاحظ أنه بين كل عملية استخراج وعملية استخراج أخرى يستريح كم؟ في المثال الذي ذكرته أنا يوم، صح؟ ما في مشكلة هذا اليوم عطلة لا يقطع تسلسل الدفعات. طيب شخص اشتغل اليوم الأول استخرج دفعة، اشتغل اليوم الثاني استخرج دفعة ثانية، بعد ذلك استراح يومين ثم عاد للعمل، ثم يستريح يومين ثم يعود للعمل؛ فمدة الاستراحة وانقطاع العمل يسمونها كم؟ يومين، هذا لا يقطع أيضاً تسلسل الدفعات، فمش مشكلة، دفعة اليوم الأول والثاني نجمعها مع دفعة اليوم الخامس والسادس، إنه في يومين عطلة، صح؟ الأول والثاني هيك بدنا نعتبر.
مثلاً خلينا نرسمها، وهذه أفكار دقيقة جداً إخواني وإهمالها يؤدي إلى خطأ في حساب النصاب. يعني شخص الآن نعتبر هذا اليوم الأول، هذا اليوم الثاني، هذا اليوم الثالث، هذا اليوم الرابع، هذا الخامس، هذا السادس. صاحبنا اشتغل في هذا اليوم، اشتغل في هذا اليوم، عطل هذا اليوم، عطل هذا اليوم، اشتغل هذا اليوم، اشتغل هذا اليوم. ممتاز، بين إذاً بين الدفعة الخامسة والدفعة الثانية هناك استراحة ليومين، هل هذا يقطع تسلسل الدفعات؟ لا، فنضم دفعة اليوم الخامس والسادس إلى دفعة اليوم الثاني والأول في تكميل النصاب. فلو هنا مثلاً اليوم الأول استخرج بمائتين دينار، اليوم الثاني مائتين دينار، اليوم الخامس خمسمائة دينار، اليوم السادس خمسمائة دينار، بنجمع المائتين مع المائتين مع الخمسمائة مع الخمسمائة ونخرج الزكاة المجموع الكلي.
أما إذا فصل بين الدفعات بثلاثة أيام فأكثر، هكذا قالوا: إذا فصل بين الدفعات بثلاثة أيام فأكثر. الآن القاعدة الأولى: أنه إذا فصل بين الدفعات بأقل من ثلاثة أيام متوالية، يعني فصل بيومين أو بيوم، تضم الدفعات إلى بعضها. هذه خلوها القاعدة الأولى: إذا فصل بين الدفعات بيومين فأقل تضم الدفعات إلى بعضها البعض، ممتاز؟ القاعدة الثانية: إذا فصل بين الدفعات بثلاثة أيام متوالية فأكثر.
عنده عذره أيضا، تضم الدفعات بعضها إلى بعض. الفكرة الأولى: إذا فصل بين الدفعات يوم أو يومان لا أثر له، فتضم الدفعات بعضها إلى بعض. الفكرة الثانية: إذا فصل بين الدفعات بثلاثة أيام متوالية فأكثر، فماذا نقول؟
نقول هذا تفصيل؛ إذا كان الفصل بثلاثة أيام متوالية فأكثر لعذر، كأن تكون الشغالة مرضت فلم تستطع إكمال الكسارة، أو حدثت مشكلة، أو تأخرت الشحنة وما شابه ذلك، فهنا الرجل عنده عذر.
فمثلا خليني حتى أكمل على هذا الرسم البياني، خلينا نقول إنه هذا اليوم برضه عطل فيه، اليوم السادس اشتغل، اليوم السابع اشتغل. الآن لاحظوا هنا في استراحة ثلاثة أيام، صار اشتغل اليوم الأول، اليوم الثاني، بعدين الثالث والرابع والخامس ما اشتغل، ثم اشتغل الثالث والرابع. إذا هنا ثلاثة أيام متوالية. ولاحظوا التوالي هو العمل عليه، لأنه إذا كانت متفرقة ما عنا مشكلة، كأنها فصل بيوم.
نتكلم عن التوالي؛ إذا فصل ثلاثة أيام متوالية هنا نفصل، ثلاثة أيام متوالية أو أكثر إن كان بعذر، قالوا أيضا تضم الدفعات إلى بعضها البعض، فنضم دفعة اليوم السادس والسابع لدفعة اليوم الأول والثاني. أما إذا فصل بثلاثة أيام متوالية فأكثر بلا عذر، هنا تفرق الدفعات؛ فنحسب الدفعة الأولى والثانية على حدة وننظر فيها هل بلغت النصاب أم لا، وننظر في الدفعة السادسة والسابعة على حدة وننظر فيها هل بلغت النصاب أو لا، لا تضم هذه الدفعة إلى هذه الدفعة.
بشرط ألا يتخذ ذلك حيلة لإسقاط الزكاة؛ لأنه ممكن واحد يقول لك: طيب ممتاز، إذا أنا فصلت ثلاثة أيام متوالية من دون عذر خلص كل دفعة تحسب على حدة، فبعتبرها لصالحه. يقول لك: إذا كل يوم بستخرج أقل من نصاب، بستخرج اليوم الأول مثلا مئتين دينار، اليوم الثاني مئتين دينار، خلص أربعمائة دينار يا شيخ، كل يومين استخرجت ما بلغت النصاب إذا لا تجب الزكاة. يستريح لثلاثة أيام متوالية ومعندهاش عذر، واليوم السادس والسابع يرجع يشتغل ويستخرج مثلا مئتين دينار وهون مئتين دينار.
فصاحبنا ما يستخرج كل المعدن مرة واحدة لأنه عارف مذهب الحنابلة، فيصير كل يوم أو يومين يستخرج كمية لا تبلغ النصاب، ويستريح ثلاثة أيام مشان ما تطلع الزكاة، بعدين يرجع بعد ثلاثة أيام يستخرج كمية ما تبلغ النصاب حتى يتهرب من الزكاة. لا، هنا إذا كان مقصوده التهرب من الزكاة فالقاعدة تقول إنه يعامل بنقيض مقصوده، يعامل بثقيل مقصوده، فنوجب عليه الزكاة. لذلك قالوا: إذا فصل ثلاثة أيام متوالية فأكثر بلا عذر، نعم كل دفعة تحسب على حدة، بشرط ألا يكون قصده الهروب من الزكاة، فإن قصد الهروب من الزكاة نجمع عليه كل الدفعات عقابا له.
إذا أحبائي هذه فكرة مهمة؛ لأنه هذا هو الواقع، أن المعادن لما تستخرج أو تستخرجها الشركات ما بتستخرجها في يوم واحد، تلاقيه يستخرج كل المعدن والذهب إلى بيته، هناك عمل متواصل. فلا بد تتقنوا هذه الفكرة؛ فتقولوا: إذا كان الفرق بين الدفعات يوم أو يومين فقط هذا لا يؤثر على انقطاع التسلسل فتجمع الدفعات إلى بعض. إذا كان الانقطاع بين الدفعات ثلاثة أيام متوالية فأكثر، هنا ننظر هل الانقطاع بعذر؟ إذا الانقطاع بعذر لا يقطع تسلسل الدفعات. إذا كان الانقطاع بثلاثة أيام متوالية فأكثر بدون عذر، هذا يقطع تسلسل الدفعات فتصبح كل دفعة تحسب على حدة، اللي قبل الثلاثة أيام على حدة، واللي بعد الثلاثة أيام على حدة، بنحسبها في نصابها وما يخرج منها إلا إذا كان مقصده بالتفريق الهروب من الزكاة، فحينئذ يعامل بنقيض مقصوده فنجمع الدفعات جبرا عليه. هذه فكرة مهمة في طريقة حساب النصاب أيضا. طبعاً صعب أكتب هذه القواعد على السبورة، أنتم اكتبوها عندكم مش راح أكتبها.
بقيت قاعدة ثالثة وأخيرة هي: هل تضم أجناس المعادن المستخرجة بعضها إلى بعض؟ ولا كل جنس على حدة؟ يعني أنا عندي استخرجت من هذه الأرض حديداً وجدت نحاساً ووجدت رصاصاً، هسه كل واحد جنس، هل أضم الحديد للنحاس إلى الرصاص في تكميل النصاب؟ يعني رجل استخرج حديداً ونحاساً ورصاصاً من نفس البقعة، الحديد خمسمائة دينار قيمته، النحاس خمسمائة دينار قيمته، الرصاص خمسمائة دينار قيمته، الآن هل نجمعها بعضها إلى بعض بنقول والله أنت معك ألف وخمسمائة، ولا كل جنس على حدة؟
في الحقيقة كل جنس على حدة، مثلها مثل الزروع؛ الحبوب والثمار، هل إذا كانت الحبوب والثمار كنا نجمع في إكمال النصاب العنب مع التمر مع غيره؟ لا، التمر نصاب على حدة، والعنب نصابه على حدة، وهاي نفس الفكرة بالضبط، فالمعادن أجناس والحبوب والثمار أجناس فلا تضم الأجناس بعضها إلى بعض في تكميل النصاب. فلا بد الحديد وحده يكون نصاباً، إذا الحديد ما كمل نصاب لا عبرة لي بالمعادن الأخرى التي استخرجتها.
طبعاً هذه القاعدة تطبق في كل المعادن، وهو أنه لا يضم جنس منها إلا في معدنين أضمهما إلى بعضهما البعض: الذهب والفضة، لأنهما في الوضع الطبيعي لو كانوا نقوداً -كما مر معنا في المحاضرة السابقة- اللي معه نقود ذهب وفضة يضمان إلى بعضهما البعض في تكميل النصاب، فكذلك إذا استخرجت معدن الذهب أو الفضة من الأرض يضمان إلى بعضهما البعض في تكميل النصاب. نستثني من هذه القاعدة؛ القاعدة تقول: إذا اختلفت أجناس المعادن لا يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب إلا الذهب والفضة فإنهما يضمان إلى بعضهما البعض في تكميل النصاب. هذه فائدة جيدة.
دعونا نقول قاعدة أخيرة في قضية حساب النصاب، اكتبوها أيضا، وهي: لو أن رجلاً استخرج معدناً واحداً لكن من مناطق مختلفة؟ يعني رجل مثلاً عندنا في الأردن عنده محجرة في شمال الأردن، وعنده محجرة في العقبة، وعنده محجرة في الزرقاء، من شمال الأردن استخرج من هذه المحجرة حديداً بقيمة خمسمائة دينار، ومن جنوب الأردن استخرج أيضاً حديداً بقيمة ألف دينار، وفي محجرته اللي في الزرقاء استخرج حديداً بقيمة ألف دينار، هل نقول والله كل محجرة على حدة حسابها في النصاب، ولا نضم ما استخرجه من هذه المحاجر بعضها إلى بعض في تكميل النصاب؟
لا أثر للتفرقة، أحسنت، لا أثر لتفرق أماكن التعدين، يقولون فتضم ما استخرجته هنا إلى ما استخرجته هنا إلى ما استخرجته هنا، فيكون فعلياً عندك كم؟ ألفين وخمسمائة، ألف زائد ألف زائد خمسمائة، ألفين وخمسمائة، إذا أنت امتلكت النصاب بتزكي، ما بتقول والله أنا في الشمال بس خمسمائة دينار، يقول لك لا، تحسب الشمال وحده؟ تضم.
استخرجته من الشمال إلى الجنوب، إلى الشرق؛ إذا المعدن الواحد استخرج من أماكن متباعدة يضم بعضه إلى بعض في تكميل النصاب. إذن، نستطيع أن نقول أربع قواعد تقريبا ذكرناها.
كم قاعدة؟ في حساب النصاب، هناك طريقة لحساب النصاب. القاعدة الأولى: لا يحسب النصاب حتى يتم تصفية المعدن مما علق به. القاعدة الثانية تقول: الدفعات المتتابعة يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب؛ فإذا فصل بين الدفعات يوم أو يومان لا أثر لهذا الفصل، وأما إن انفصل بين الدفعات بثلاثة أيام متوالية فأكثر، هنا ننظر؛ إن كان الفصل لعذر أيضا لا أثر لهذا الفصل فتضم الدفعات، وأما إن كان الفصل بثلاثة أيام متوالية فأكثر من دون عذر، فهذا يؤثر، فتحسب كل دفعة على حدة، ما كان قبل الإجازة على حدة وما كان بعد الإجازة على حدة، بشرط ألا يكون قصده الهروب من الزكاة.
والقاعدة التي تليها: قلنا لا تضم أجناس المعادن المختلفة بعضها إلى بعض؛ فالرصاص لا يضم إلى النحاس، والنحاس لا يضم إلى الحديد، واستثنينا الذهب والفضة فإنهما يضمان بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب. والقاعدة الأخيرة التي تكلمنا عنها: إذا اختلفت أماكن التعدين فكانت في مناطق مختلفة، فإذا استخرجت منها نفس المعدن فإنك تضم بعضه إلى بعض في تكمين النصاب.
لاحظوا أن هذه القضية تحتاج إلى تفريق وتفصيل، وليست القضية مجرد بعد المسافة والتصفية؛ كما ذكر الشيخ برأيه أنهى الحديث، وموضوع زكاة المعدن وغيرها من المسائل الفقهية تحتاج من الطالب إلى التفصيل والتقعيد والتشجير حتى يستفيد من المادة الفقهية.
الآن كمية المخرج؛ إذا اكتشفت أن معك نصاباً بعد أن تطبق قواعد حساب النصاب التي ذكرناها، فكم أخرج منه؟ ربع العشر. تأتي الكمية المستخرجة بالقيمة؛ فإذا كانت قيمتها نصاب الذهب طلعت مثلا ألفين وخمسمائة دينار أو ثلاثة آلاف دينار، تأتي ربع العشر من الثلاثة آلاف دينار، أو من الخمسة آلاف دينار، أو من العشرة آلاف دينار، وعلى ذلك تقيس.
الفكرة الأخيرة قبل أن أنتقل لزكاة الفطر إن شاء الله وننهي الحديث في هذا الباب، هي فكرة قوله: «بمجرد إحرازه». الآن يقولون أحبائي: إذا استخرجت معدناً من الأرض وكان فيه نصاب، لكنك لم تحزه بعد، لم يدخل في حيازتك بعد، أي لم تضعه في مخازنك أو في سياراتك، وما زال في أرضه كما يقولون، استخرجته ووضعته على الأرض؛ ممتاز، الآن ممكن بعض الأشخاص يبيعه وهو في أرضه قبل حيازته، يعني يستخرجه وتأتيه شركة تتصل معه تقول: نبيعنا هذه الكمية.
فما هو قول الحنابلة؟ إذا استخرجت كمية من المعدن وبعتها، أو تعدى عليها، أو فرطت في الحفاظ عليها قبل أن تحوزها، فعليك أن تزكيها. إذا أخرجت كمية من المعدن ووضعتها على الأرض ولسه لم تحزها، بحيث لم تنقلها إلى مخازنك وسياراتك وشركتك الخاصة، وما زالت في أرضها لم تحز بعد، هذه الكمية إذا قمت ببيعها أو اعتدِي عليها أو فرطت فيها فعليك أن تخرج زكاتها. أما إذا استخرجتها وقبل أن تحوزها تلفت بأمر سماوي، كأن أتت ريح شديدة وأتلفته، أو جاء مطر غزير وأتلفه، هنا لا زكاة عليك.
وهذه الفكرة تشابه فكرة سابقة معنا في الزروع والثمار؛ أن الزروع والثمار نفس الفكرة، قلنا: الزروع والثمار إذا بعتها قبل أن تذهب بها إلى مخازنك بدك تزكيها، أي إنك بعتها قبل أن توديها للمخازن فعليك أن تزكيها، أما إذا تلفت قبل أن تصل إلى المخازن بتعدٍ منك وتفريط منك فعليك أن تؤدي زكاتها، وإذا تلفت قبل أن تصل إلى المخازن بجائحة من السماء -لا دخل لك فيها كصاعقة أو مطر أو فيضان- هنا لا زكاة عليك.
لأن استقرار الزكاة عليك يكون إذا وصلت الحبوب والثمار إلى المخازن، هنا تستقر استقراراً تاماً، بحيث إذا تلفت بعدها -أي بعد أن تصل الحبوب والثمار إلى المخازن- بأي طريق، بتعدٍ أو تفريط أو بدون تعد وتفريط، بجائحة من السماء أو بغير ذلك، تجب عليك الزكاة مطلقاً.
وهذه الفكرة نفسها في المعدن؛ يقولون: المعدن من باعه أو تعدى عليه قبل أن يحوزه حيازة تامة، هذا يجب عليه أن يزكيه، فليس للحيازة أثر هنا، أما إذا تلف بجائحة من السماء قبل أن يحوزه فهنا يؤثر، فنقول: لا زكاة عليك. ولو كنت حزته ووصل لشركتك ومخازنك ثم تلف بعد ذلك بجائحة من السماء أو بأي صورة، بدك تزكيه في كل الأحوال، لكن إذا تلف بجائحة قبل أن تحوزه فلا زكاة فيه.
فهذه الفكرة مشابهة لفكرة الحبوب والثمار في هذا التفصيل، هي قضية الاستقرار. ولاحظوا لما ذكرنا في أول كتاب الزكاة من شروط الزكاة «الملك التام» أو «استقرار الملك»، لاحظوا أن هذه الفكرة مؤثرة في أكثر من باب؛ مؤثرة في المعادن، ومؤثرة في الزروع والثمار، ومؤثرة في عدة صور في المضاربة والمكاتبة وما شابه ذلك من المسائل التي لا يوجد فيها استقرار تام للملك.
هكذا نكون انتهينا أحبائي من ذكر الأموال الزكوية، أنصبتها، وشروط الزكاة فيها، والكمية التي يجب أن تخرج منها. الآن ينتقل الشيخ مرعي -رحمة الله عليه- إلى باب جديد في كتاب الزكاة، ألا وهو باب زكاة الفطر.
باب زكاة الفطر هذا موضوع جديد، خلص الأموال الزكوية انتهينا منها، والآن نحن في موضوع جديد خاص، وأظنكم لا يجهله أحد منكم وهو موضوع زكاة الفطر. يا أحبائي، لماذا سميت زكاة الفطر برأيكم؟ لماذا هذه الإضافة؟ لماذا أضيفت إلى الفطر؟
قالوا: نسبة إلى سبب وجوبها، هكذا يعبر الحنابلة؛ أن سبب وجوبها هو الفطر من رمضان، فإنه قبل أن يأتي يوم الفطر هل تجب زكاة الفطر؟ لا تجب، قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان لا تجب زكاة الفطر، وإنما تجب إذا حل الفطر، فكأن الفطر هو سبب وجوبها، فأضيفت إليه فسميت زكاة الفطر، كأن الفطر هو سبب وجوبها، وهو في الحقيقة سبب وجودها فبالتالي أضيفت إليه. إذاً سبب إضافتها إلى الفطر أن الفطر من رمضان هو سبب لوجوبها. والآن هناك العديد من المسائل التي تتعلق بهذا المبحث.
يقول الشيخ مرعي رحمة الله عليه: «تجب أي زكاة الفطر بأول ليلة العيد». أنا بدي أسهل عليكم العبارة فأقول: تجب زكاة الفطر بمغيب آخر شمس، أو بمغيب شمس آخر يوم من أيام رمضان؛ لأنه إذا غابت شمس آخر يوم من أيام رمضان بتكون دخلة ليلة العيد.
هو هنا في هذه المسألة الأولى أراد أن يبين وقت وجوب زكاة الفطر، متى تجب زكاة الفطر على الإنسان؟ فقال: تجب زكاة الفطر بأول ليلة العيد، يعني إذا دخلت أو بأول دخول ليلة العيد. متى أول دخول ليلة العيد؟ بمغيب شمس آخر يوم من أيام رمضان، هي نفس الفكرة. فمثلا لو رمضان هذه السنة ثلاثين يوم، لما تغيب شمس اليوم الثلاثين من رمضان هو أول دخول ليلة العيد، حينئذ في هذه الدقيقة، في هذه الثانية تجب زكاة الفطر.
نحن الآن نتحدث عن وقت وجوبها، فماذا سينبني على وقت الوجوب؟ ماذا سنستفيد من تحديد وقت الوجوب؟ انظروا ماذا قال؟ قال: «فمن مات...»، هذه الفاء تسمى الفاء التفريعية في اللغة العربية، يعني يتفرع على هذا أن من مات أو أعسر قبل الغروب فلا زكاة عليه.
إذا توفى الشخص قبل غروب شمس آخر يوم من أيام رمضان، فهذا الشخص مات ولم تتعلق في ذمته زكاة الفطر. أو شخص أعسر، يعني كان ما شاء الله ماديته جيدة يستطيع أن يؤدي زكاة الفطر قبل أن تغيب شمس آخر يوم من أيام رمضان بساعة، ثم أفلس تماما، ما بقي معه شربة ماء، أي قبل أن يدخل وقت الوجوب أفلس تماما، فهذا دخل عليه وقت الوجوب وهو مفلس فلا تجب عليه زكاة الفطر.
والعكس الآن، إذا مات الشخص بعد مغيب شمس آخر يوم من أيام رمضان، إذا مات بعد أن تعلقت زكاة الفطر بذمته فيجب على ورثته أن يخرجوه من ماله. وكذلك إذا كان الشخص موسرا وعنده مال وغربت الشمس ودخلت أول ليلة وهو عنده مال يستطيع أن يخرجه، لكن في صباح يوم العيد أفلس -وهذه قضايا فرضية- إذا أفلس في صباح العيد، تتعلق زكاة الفطر بذمته؛ نقول له: أنت الآن مفلس، بس ترى زكاة الفطر ستظل في ذمتك؛ لأنه لما غربت الشمس ودخل وقت الوجوب كنت عندك يسار، ما كنت معسرا، والإعسار طرأ عليك بعد ذلك، فتبقى متعلقة بذمتك، فإن لم تستطع أن تؤديها في يوم من الأيام عليك أن تقضيها.
إذا كان تحديد وقت الوجوب مهما جدا؛ لأنه من أعسر أو مات قبل دخول وقت الوجوب لم تتعلق بذمته، ومن مات أو أعسر بعد الوجوب تعلقت بذمته.
بسم الله، إذا هذا كله حديث عن وقت وجوبها، الآن السؤال الثاني في هذا الباب، وهو سؤال منطقي بعد أن عرفنا وقت الوجوب: على من تجب؟ هذا سؤال مهم. فقال: «وهي واجبة على كل مسلم، هذا الشرط الأول، يجد ما يفضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته، أو يوم العيد وليلته، بعد ما يحتاجه من مسكن وخادم ودابة وثياب، بذلة وكتب علم».
في الحقيقة أنا أظن أنه لم يحسن أو لم يكمل؛ دعوني أقول، الشيخ مرعي في سؤال «من تجب عليه زكاة الفطر؟» لم يكمل الكلام عن شروط وجوبها على فلان أو فلان، فدعوني أرتب لكم الأفكار، هو ذكر مجموعة منها لكنه لم يستوعبها.
نضع سؤالا عريضا: على من تجب زكاة الفطر؟ أولا: على كل مسلم، وهذا ذكره الشيخ مرعي حين قال: «وهي واجبة على كل مسلم». بالتالي إذا كان كافرا فلا زكاة فطر عليه. وإذا كان عندك عبد في الزمن القديم كافر، لا يلزمك أن تخرج عنه زكاة الفطر، فالكافر لا يخرج عن نفسه زكاة الفطر، وإذا كان عندك شخص كافر أنت تنفق عليه لا تخرج عنه زكاة الفطر.
لأن النبي ﷺ ذكر في نهاية الحديث فقال: «فرض النبي ﷺ زكاة رمضان صاع من تمر أو صاع من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين». ترى البعض يظن أن هذه المسألة واضحة، لكن فيها خلاف فقهي؛ بعض الفقهاء رأى أنها ليست من المسلمين لأنها لم ترد في أغلب الروايات وإنما هي من طريق بعض الرواة، بالتالي حكم بعض الفقهاء أن الإنسان يخرج عن عبده الكافر، لكن الحنابلة لا يأخذون بهذه الزيادة ويقولون هي زيادة صحيحة ثبتت في الصحاح، فنقول لا تجب إلا على المسلم. إذا هذا أول شرط من شروط وجوبها، أو القيد فيه أن يكون مسلما.
ثانيا: هذا لم يذكره الشيخ، اذكروه عندكم؛ مسلم تلزمه مؤنة نفسه، هذا قيد لم يذكره وهو مهم جدا، كنت أتمنى أن الشيخ مرعي ذكره لأن هذا أساس الفكرة أصلا. هو لم يذكره هنا، لكن ذكره كمسألة بعد ذلك لما قال: «وتلزمه عن نفسه وعن من يمول من المسلمين»، لكن بطريقة لا يفهم منها القارئ أنه شرط من شروط الوجوب.
فلذلك دائما أقول لطالب العلم: ترتيب الأفكار وجدولتها ووضعها في نقاط هو أساس الفهم. إذا الطالب لا يحسن استخلاص الشروط والأفكار وترتيبها في ذهنه جيدا، تبقى المعلومات سابحة في ذهنه؛ تسأله عن شروط وجوبها ووقت وجوبها، فيقول لك: والله أنا... تأخذ رأس دليل الطالب بس والله أنا لم أجد الشيخ مرعي ذكر هذه المعلومة مرتبة. وهذا دورك يا طالب العلم أن ترتبها؛ هؤلاء الفقهاء رحمة الله عليهم يذكرون على طريقة المتون، ليس كلهم يضع لك واحدا واثنين وثلاثة، هذه دورك ودور المدرس أن ترتبا هذه الأفكار حتى نصل إلى الوضوح فيها.
فالشرط الثاني من شروط الوجوب، أن تكون أولا مسلما، ثانيا تلزمه مؤنة نفسه، يعني يلزمه أن ينفق على نفسه ولا ينفق عليه أحد؛ فكل شخص يلزمه شرعا أن ينفق على نفسه وكان مسلما عليه أن يخرج زكاة الفطر، طبعا مع توفر باقي الشروط التي سنذكرها، أما إذا كان الشخص لا تلزمه مؤنة نفسه...
وإنما يلزم غيره أن ينفق عليه، فهذا لا تجب عليه زكاة الفطر، أليس كذلك؟ مثل العبد، العبد مباشرة، المهم خلينا نرجع، أولاً العبد نفقته لا تلزمه على نفسه وإنما على سيده.
طبعاً هنا بدي أعطيكم فائدة بما أنك جبت العبد إلا المكاتب؛ المكاتب هنا وإن كان عبداً لكن لأنه مسموح له أن يكتسب لصالحه الشخصي حتى يسدد لسيده الدفعات، يلزمه أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه، وهذه من المسائل التي خالف فيها المكاتب باقي العبيد. لكن المكاتب عبد أو ليس عبداً؟ هو عبد كما جاء في الحديث: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم».
لكن في هذه المسألة قالوا: المكاتب هو الذي يخرج زكاة الفطر عن نفسه وليس سيده. غريب، لماذا خالف سائر أنواع العبيد؟ قالوا لأن المكاتب يسمح له في الشريعة، كما ذكرنا في الدروس السابقة، أن يأتي بالمال لصالحه الشخصي حتى يسدد للسيد الدفعات. ما هو المكاتب؟ مش قلنا المكاتب هو شخص تعاقد مع سيده أن يسدد له دفعات على سنتين فأكثر حتى يشتري نفسه ويصبح حراً؟ فإذاً هو خلال هذه المدة، السيد بما أنك وافقت على عقد المكاتبة، بدك تسمح للعبد بالعمل لصالحه الشخصي حتى يسدد لك الدفعات، فبما أنه المكاتب مسموح له أن يعمل لصالحه الشخصي حتى يسدد الدفعات، قالوا إذاً هو مسؤول أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه وعن عياله. فالمكاتب يخرج زكاة الفطر عن نفسه، وإذا كان متزوجاً وعنده عيال يخرجها عن عياله.
أما العبد الذي ليس مكاتباً، العبد الخالص العبودية، فهذا نفقته على سيده، وبالتالي العبد المسلم لا تجب عليه زكاة الفطر. ليش يا شيخ؟ مو مسلم؟ بنقول لأنه لا تلزمه مؤنة نفسه. والشرط الثاني من شروط وجوب زكاة الفطر عليك أيها المسلم أن تكون أنت المسؤول عن نفقة نفسك، فإذا كنت أنت غير مسؤول عن نفقة نفسك شرعاً ليس عليك أن تخرج زكاة الفطر، وإنما المسؤول عن نفقتك هو الذي عليه أن يخرج زكاة الفطر عنك، فسيد العبد هو المخاطب شرعاً أن يخرج زكاة الفطر عن عبده.
أيضاً من الأشخاص الذين لا تلزمهم زكاة الفطر أنفسهم هي الزوجة؛ الزوجة زوجها مسؤول أن يصرف عليها، بالتالي هي ليست مأمورة أو لا تجب عليها زكاة الفطر، لكن لا تفكر الزوجات أنه خلاص ما في عنها زكاة فطر، لا، زوجها هو المأمور شرعاً أن يخرج عنها. كذلك مثلاً الأطفال؛ طفلك إذا كان غنياً لا يلزم والده أن ينفق عليه، يعني الطفل إذا كُتب له شيك بخمسين ألف دينار، نصيبه جاء له، هذه أين تصير؟ والده قالوا لا يلزم أن ينفق عليه لأنه هذا الطفل ماله غني. ممتاز غني، لكن والده هو المخاطب أن يخرج من مال الطفل عنه زكاة الفطر.
لكن عموم الأطفال، هذه ما راح تصير، كل مئتي سنة مرة، فخلينا نتكلم عن أوضاع عموم المسلمين؛ الأطفال والشاب حتى يصل عشرين سنة، اليوم والده هو الذي ينفق، فإذا الصبي أو الفتاة لم تكن غنية ولم تستقل بدخل خاص بها وتحتاج في النفقة لوالدها، فلا تجب عليها زكاة الفطر، وإنما المخاطب بزكاة الفطر عنها هو والدها. فإذا أبناؤك وبناتك لا زكاة فطر عليهم إذا لم يكونوا أغنياء وكانت نفقتهم شرعاً واجبة عليك. طبعاً هناك باب اسمه باب النفقات في آخر كتاب النكاح، فيه إن شاء الله ستتعلمون من ينفق على من وشروط الإنفاق، لكن الآن كلام جملة.
نحن الآن نتكلم عن شروط الوجوب؛ امرأة قالت زوجي لا أخرج عني، هل أنا آثمة؟ سيبك هل هي آثمة؟ لماذا؟ لأنها ليست واجبة عليها، هذا الذي يهمني الآن في التصور. عبد قال سيدي لا أخرج عني، هل هو آثم؟ لا، لأنها لم تجب عليه. طفل صبي عمره عشر سنوات جاء إليك قال أنا والدي لا يخرج عني زكاة الفطر، هل تلزمني؟ ماذا تقول له؟ لا تلزمك، لماذا؟ لأنك لست ملزماً شرعاً تنفق على نفسك ما دمت لا تملك مالاً، وبالتالي لست مخاطباً بالوجوب.
هذا الذي يهمني، نريد أن نفهم أن الذي ليس مخاطباً بالوجوب لأنه لا تلزمه مؤنة نفسه، الذي يجب أن يخرج عنه هو المسؤول عن نفقته؛ وإذا ذكرنا مثال العبد نفقته أو زكاته على سيده، والزوجة، وأطفالك وبناتك، وعموماً كل قريب يجب عليك أن تنفق عليه، فزكاة الفطر ليست واجبة عليه هو، فالواجب عليك أنت؛ كل قريب يجب عليك أن تنفق عليه لأنه فقير معدم ما عنده شيء.
قد تقول لي يا شيخ كل قريب إذا أنا فقير معدم بدي أنفق عليه؟ والله هذه قصة طويلة، ثلاثة أرباع العائلة فقراء! لا، طبعاً لها طريقة معينة وحسبة معينة في كتاب النفقات، ولها علاقة بقضية كم ترث منه وكم يرث منك، قصة ما بدي أدخلك فيها الآن، بس بدي أفهمك قضية جملة: كل قريب يجب عليك أن تنفق عليه، لا تلزمه زكاة الفطر لأنه لا تلزمه مؤنة نفسه، فزكاة الفطر عمن الذي يخرجها؟ الذي ينفق عليه. فهمت الفكرة إذاً؟
إذاً من تجب عليه زكاة الفطر أولاً: المسلم، ثانياً ليس أي مسلم، بل المسلم الذي تلزمه مؤنة نفسه. والشرط الثالث ذكره الشيخ مرعي فقال: «يجد ما يفضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته بعدما يحتاج إلى مسكن وخادم ودابة وثياب بذلة وكتب علم». لكن الشيخ مرعي هنا أيضاً لم يكمل الفكرة؛ لأنه قال: «يجد ما يفضل»، و«ما» هنا اسم موصول مبهم، يجب أن تحدد لنا الكمية.
يقول الحنابلة، وهذه عبارة الحنابلة الأضبط، قالوا: إذا فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته يوم العيد وليلته، بعد حاجته إلى مسكن أو خادم أو دابة أو ثياب أو كتب علم، مقدار صاع. هذه الكلمة الجوهرية التي لم يذكرها الشيخ مرعي وبها يكتمل السياق، لابد أن يفضل مقدار صاع، لأن «ما» في قوله «ما يفضل» مبهمة، وهذه «ما» نريد أن نفسرها بصاع فأكثر.
هذه المادة يجب أن نفسرها بصعوبة أكثر. فلو قال الشيخ مرعي: «وهي واجبة على كل مسلم يجد صاعاً فأكثر يفضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته بعدما يحتاجه»، كانت عبارته مضبوطة بالتمام.
لا بد أن أفسر لك إياها؛ أن المادة هنا صاع فأكثر. إذاً الشرط الثالث من شروط وجوب زكاة الفطر على المسلم الذي تلزمه مؤنة نفسه هو أن يفضل عن قوته هو وقوت من تلزمه نفقته بعد الحاجات الأساسية. والحاجات الأساسية هي التي ذكرتها لكم، وهي: مسكن، وقوت، وثياب بذلة؛ أي الثياب العادية، وليست الثياب الفخمة، لأن الثياب الفخمة هذه يجدها الناس، المراد الثياب البذلة.
ولاحظوا اهتمام الحنابلة بكتب العلم، ما أجمل هذه الالتفاتة! وكتب العلم يعني إذا لم يكن عندك ما يفضل عن كتب العلم، فما عليك زكاة فطر؛ اذهب واشترِ كتب علم. لاحظوا انتباههم لهذه الجزئية وأهمية وشرف طلب العلم عندهم.
نكمل: أن يفضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته بعد الحاجات الأساسية صاع فأكثر، هذا هو الشرط الثالث حتى تجب عليك الزكاة. العبرة عندنا بيوم العيد وليلته فقط، بهذه المدة، ونحن لا نريد غناك طوال السنة؛ يهمني يوم العيد وليلته، حتى لو كنت فقيراً أو معدماً طوال السنة، فإذا فضل عن قوتك وقوت من تلزمك نفقته يوم العيد وليلته صاع فأكثر، عليك زكاة الفطر.
بعض الفقراء يقول لك: أنا فقير يا شيخ، فليس علي زكاة فطر. لا، ليست الأمور تُحسب هكذا، في زكاة الفطر الوضع خاص. فلو كنت طوال العام معدماً فقيراً لا تجد شيئاً، وسبحان الله في يوم العيد وليلته فضل عن قوتك وقوت من تلزمك نفقته بعد الحاجات الأساسية، فضل أي زاد عندك -والحمد لله- احتياط صاع فأكثر؛ ففي هذه الحالة يخرج الصاع، وهو ما يعادل كيلوجرامين وأربعين جراماً.
إذا كان الإنسان فقيراً في يوم العيد وليلته، وزاد عن قوته وقوت عياله ومن يلزمه نفقته بعد الخلاص من الحاجات الأساسية، وزاد عنده كيلوجرامان وأربعون جراماً من الرز أو التمر، فإنه يجب عليه أن يخرج هذا الصاع.
طيب، يخرجه عن من يا شيخ؟ هل هذا صاع واحد يخرجه عن نفسه، أم عن زوجته، أم عن عشيرة وحمولة؟ سيأتي الترتيب معنا، وسنذكر ترتيب الحنابلة لمن لا يملك إلا صاعاً واحداً فقط، من يقدم فيه؟ هذا سنأتي إليه إن شاء الله.
الشرط الثالث: لابد أن يفضل عن قوتك وقوت عيالك في يوم العيد وليلته فقط، هذا هو المعيار عندنا بعد الفراغ من الحاجات الأساسية. فالشريعة لا تظلمك ولا تحملك فوق طاقتك، تقول لك: أتمم حاجاتك الأساسية، مثل نفقة المسكن، ونفقة الخادم -وهذه فيها تفصيل للمرأة التي تخدم بطبيعتها، فإذا كانت المرأة ممن يخدم ويُلزمك أنت كزوج في نفقتها الخادم، فعليك أن تفرغ من نفقة المسكن ونفقة الخادم ونفقة دابتك وبهيمتك- وانظروا إلى اهتمام الشريعة بالحيوان. وثيابك البذلة، يعني يكون عندك أنت وأطفالك ثياب تستر العورات، وكتب علم.
إذا خلصت كل هذه الحاجات الأساسية وزاد عن قوتك وقوت عيالك في يوم العيد وليلته صاع فأكثر، حينئذ نقول وجبت عليك الزكاة. أما إذا قلت: والله يا شيخ، بعدما خلصت كل هذه الحاجات الأساسية لم أجد ولو صاعاً، فقد قالوا: إذا لم يجد شيئاً فضل به، فلا تجب عليه زكاة الفطر، حتى لو كان مسلماً وتلزمه مؤنة نفسه، لكن لم يتحقق الشرط الثالث ولم يفضل أي شيء؛ فإذا كان رصيده صفر تماماً، فلا تجب عليه.
لكن انتبهوا هنا، لو فضل عن قوته وقوت عياله نصف صاع، أي أن الكمية التي زادت أقل من صاع، هل يلزمه أن يخرجها؟ نعم، يلزمه أن يخرجها ويكمل باقي الصاع من الشخص الذي يلزمه بالنفقة.
هذا الإنسان الذي كانت تلزمه نفقة نفسه، ثم جاء يوم العيد وليلته، وكان مقتدراً نوعاً ما، وبعد أن خلص من نفقاته الأساسية وقوته وقوت عياله، وجد أنه لا يملك إلا نصف صاع أو أقل من صاع؛ هذا الشخص في الفقه الإسلامي يعتبر معدماً، ومع ذلك نقول له: بما أن عندك أقل من صاع، يجب أن تخرجه، ويكمل الصاع عنك الشخص الذي يلزمه الآن أن ينفق عليك، لأنك أصبحت معدماً.
بالتالي، الشريعة الإسلامية لا تنساك، فسيصبح هناك شخص مسؤول عن الإنفاق عليك من أقاربك. أنت ابتداءً كنت مقتدراً وتنفقه على نفسك، ثم حدث هذا الطارئ معك في يوم العيد وليلته، حيث خسرت مالاً لامر قدره الله، فلم يبق عندك إلا أقل من صاع.
صعب، فهنا هذا الشخص يقولون يلزمه أن يخرج هذا الأقل من صاع ويكمل الباقي، قريبه الذي يلزمه الآن أن ينفق عليه هو يكمل له للصاع بهذا التصور. فإذا وجد أقل من صاع ما بنقول له لا خلص ما عليك شيء، لا، بنقول له هذا الأقل من صاع تخرجه ويكمل الباقي أقاربك الذين يلزمهم أن ينفقوا عليك. هذه هي الفكرة.
وهكذا نكون انتهينا من شروط وجوب زكاة الفطر. هذه ثلاثة شروط لوجوب زكاة الفطر: الشرط الأول أن يكون مسلما، والشرط الثاني أن تلزمه مؤنة نفسه، فكل شخص لا تلزمه مؤنة نفسه لا تجب زكاة الفطر، والشرط الثالث أن يفضل عن قوته وقوت عياله في يوم العيد وليلته بعد فراغ الحاجات الأساسية أن يفضل صاعًا فأكثر. فإن فضل أقل من صاع نقول أخرجه لزوما ويكمله عنك، يعني يكمل الصاع من يجب عليه أن ينفق عليك.
قال الشيخ مرعي: «وهي واجبة على كل مسلم»، هذا الشرط الأول. «يجد ما يفضل»، وإحنا فسرنا هذه المبهمة: صاعًا فأكثر، يجد ما يفضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته بعد ما يحتاجه، يعني بعد ما يخلص حاجاته الأساسية من مسكن وخادم ودابة وثياب وبذلة وكتب علم. ثم قال: «وتلزمه عن نفسه»، يعني أنت أيها الإنسان المسلم الذي تلزمك مؤنة نفسك وعندك ما يفضل، تخرج عن نفسك. لذلك قال: «وتلزمه عن نفسه وعمن يمونه من المسلمين»، فكل شخص لا تلزمه مؤنة نفسه وإنما مؤنته على غيره، هذا الغير عليه أن يخرج عنه؛ هذه الفكرة بدي أوصلكم إياها.
كل شخص لا تلزمه زكاة الفطر لأنه لا يلزم شرعًا بأن ينفق على نفسه نفقة الستر، تجب ليس عليه بل على الشخص المسؤول أن ينفق عنه. إذاً «وتلزمه عن نفسه وعمن يمونه»، فأيها الأب عليك أن تخرج عن نفسك وعمن تمونه من أبنائك ومن زوجتك.
قال: «فإن لم يجد لجميعهم»، هذه المسألة التي قلنا عنها إنه شخص توفرت فيه الشروط لكنه لا يجد إلا صاعًا أو يجد صاعين فقط ما يكفون لكل الحمولة التي عنده، أو ثلاثة ما بتكفي عنده ما شاء الله عشرين واحد بده يزكي عنهم زكاة فطر وعنده فقط ثلاثة من الصياعات، عن من يخرج؟ قال: «فإن لم يجد لجميعهم بدأ بنفسه»، أول شيء يطلعه عن نفسه، وهذا منطقي؛ أولًا تخرج عن نفسك ثم عن زوجتك، هذا هو الشخص الثاني على الترتيب، لذلك قال: «فزوجته»، الفاء للترتيب. فزوجته وجدت صاعًا ثالثًا، أخرجه، وجدت صاعًا رابعًا عن أمه، وجد صاعًا خامسًا عن أبيه، طبعًا هذا إذا كان يلزمه نفقة أمه وأبيه.
إذا وجد صاعًا سادسًا وولده، وطبعًا كلمة الولد هنا تشمل الذكر والأنثى، قال: «فلأقرب في الميراث»، إذا كان أنت مسؤول أن تنفق عن إخوانك أو عن أخواتك أو ما شابه ذلك من أقاربك على حسب قواعد الميراث ستأتي معنا إن شاء الله، فحينئذ تتدرج حسب من هو الأقرب منك في الميراث. فإذا كان مثلاً يلزمك أن تنفق على عم وعلى أخ، فمن الأقرب إليك؟ الأخ، فتنفق الزائد على الأخ، تخرج الزائد عن الأخ، ثم بعد ذلك من بعده ومن بعده على حسب قواعد الميراث التي هي قواعد التعصيب التي أخذناها.
إذاً من لم يجد من الصيعان ما يغطي كل زكاة الفطر التي عليه؛ يبدأ أولًا عن نفسه، إن وجد صاعًا أخرجه فلزوجته، فإن وجد ثالثًا فلرقبة، فإن وجد رابعًا فلأمه، خامسًا فلأبيه، سادسًا فلولده، ثم للأقرب في الميراث. ممتاز، وانتبهوا أيضًا على هذه الجزئية.
ثم قال: «وتجب على من تبرع بمؤنة شخص شهر رمضان»، هذه فكرة كثير من الناس ما بتعرف هذه المسألة؛ أي إنسان تكفل برعاية عائلة طوال شهر رمضان، في نهاية شهر رمضان عليه أن يخرج زكاة الفطر عنهم. أي شخص تبرع بكفالة عائلة، وهذا كثير يحدث في بلدنا وفي بلاد المسلمين والخير والحمد لله قائم، من تكفل برعاية عائلة طوال شهر رمضان لفقرهم فهو المسؤول شرعًا أن يخرج عنهم زكاة الفطر في نهاية الشهر. لذلك قال: «وتجب على من تبرع بمؤنة شخص أو عائلة كما هذا شهر رمضان»، فأي شخص أو عائلة أنت في شهر رمضان تكفلت لهم طوال رمضان بالإفطار والسحور، أنت المسؤول عن زكاة الفطر عنهم كأنك تنفق على زوجتك أو على أبنائك.
قال: «لا على من استأجر أجيرًا بطعامه»، أما إذا أنا مثلاً استأجرت أجيرًا طوال شهر رمضان، قلت له اسمع أنا بدي أستأجرك طوال شهر رمضان مشان تبني لي سورًا أو تعمل لي مشروعًا أو ما شابه ذلك، وأكلك عليّ، يعني مقابل ماذا؟ الأجرة التي أعطيك إياها طعام. استأجرت أجيرًا طوال شهر رمضان، وإيش كانت الأجرة التي بدي أعطي إياها؟ إطعام، وقلت له اجلس في شهر رمضان ابنِ حائطًا، ارفع سلمًا، نزل، بغض النظر أي مشروع بده يقوم فيه، وأجرتك إفطار وسحور في كل يوم من أيام رمضان، هذه أجرتك.
إذا أنت فعليًا تطعمه طوال الشهر، مثل العائلة الفقيرة، لكن هذا يختلف؛ العائلة الفقيرة أنت تبرعت تبرعًا لوجه الله بكفالتها، فلذلك تلزمك نفقتها، أما هذا الشخص فهو ليس تبرعًا، لا، هو يقوم لك بخدمة ومقابل هذه الخدمة أنت تعطيه طعامًا كأجرة، فهذا لا يلزمك أن تخرج زكاة الفطر عنه. لذلك قال: «لا على من استأجر أجيرًا بطعامه». يعني شخص في المسألة حتى تتصوروه بشكل صحيح؛ شخص استأجر رجلًا طوال شهر رمضان لعمل معين والاجرة كانت إفطاره وسحوره، هل يجب عليه في نهاية الشهر أن يخرج زكاة الفطر عنه؟ كلا، بخلاف إذا شخص تكفل عائلة تبرعًا لوجه الله طوال شهر رمضان إفطار وسحور، فهذا عليه أن يخرج زكاة الفطر عنهم.
قال: «وتسن عن الجنين»، هذه فكرة أيضًا مسألة أخرى كثير من الناس تسأل: هل الجنين الذي في بطن أمه عليه زكاة فطر؟ نقول لا تجب زكاة الفطر على الجنين لأن حياته ليست متيقنة حتى يخرج، لكن «تسن»، يسن للإنسان إذا كانت زوجته حامل أن يخرج زكاة الفطر عن الجنين على وجه المسنونية فقط. ثم قال: «والأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة».
وتكره بعدها، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد مع القدرة، ويقضيها وتجزئ قبل العيد بيومين. الآن بدنا نفصل أوقات إخراج زكاة الفطر؛ لأن المسألة هذه فيها أربعة أوقات عند الحنابلة.
وقت إخراج زكاة الفطر: نقول يستحب إخراجها يوم العيد قبل صلاة العيد، هذا أكمل الأوقات؛ مستحب أن تخرجها صباحية يوم العيد لكن قبل صلاة العيد، ويكره بعدها إلى الغروب. الآن انتبهوا لهذه الفكرة، بعض الناس يظن أن زكاة الفطر بعد صلاة العيد لا تجوز أو باطلة ولا قيمة لها، لكن الحنابل ليس هكذا عندهم؛ الحنابلة يقولون تجوز وتجزئ زكاة الفطر بعد صلاة العيد لكنها مكروهة.
إلى متى؟ إلى غروب شمس أول يوم من أيام العيد. هو فعلياً يوم العيد يوم واحد، لكن نحن في أيامنا يقول لك يوم عيد الفطر ثلاثة أيام، وعيد الأضحى أربعة، أو عيد الفطر يوم وعيد الأضحى يوم وباقي الأيام هي أيام التشريق بالنسبة لعيد الأضحى، لكن خلونا على العرف السائد الآن.
ويكره بعدها إلى الغروب؛ يعني من بعد صلاة العيد إلى غروب شمس أول يوم من أيام العيد، هذا مكروه لكنه يجزئ. ويحرم تأخيرها إلى ما بعد ذلك، يعني أن تخرجها بعد غروب شمس أول يوم من أيام العيد حرام.
إذا انتهى الوقت وما فعلناها، هل عليك شيء؟ إذا أخرتها أنت آثم إذا لم تكن معذوراً، والله عز وجل أعلم بأصحاب الأعذار. لكن تأخيرها كحكم عام إلى ما بعد غروب شمس أول يوم من أيام العيد حرام، ولكن يلزمك أن تخرجها وتكون قضاءً وليست أداءً، وتكون في هذه الحالة قضاءً ولا تعتبر أداءً، مثل كأنك صلاة خرج وقتها فقضيتها بعد ذلك، تسمى قضاءً.
لذلك ماذا قال الشيخ؟ قال: «ويحرم تأخيرها عن يوم العيد». أنتم فصّلوا أكثر، اكتبوا الكراهة: وتكره بعدها إلى غروب الشمس. ابن مرعي كثير يختصر، ومع شدة اختصاره تضيع الأفكار على الطالب؛ أنه قال: «وتكره بعدها»، فما الذي بعدها؟ لمتى؟ هذه وظيفتي أنا أن أبين لك، «وتكره بعدها» أي بعد صلاة العيد إلى الغروب، وبعد غروب الشمس ما بعد ذلك هنا حرام.
لذلك قال: «ويحرم تأخيرها عن يوم العيد» يعني عن بعد الغروب مع القدرة؛ لأنه كما قلت لكم إذا كان الإنسان معذوراً، فالله سبحانه وتعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. قد يكون الإنسان عنده عذر من الأعذار، لكن إذا كان الإنسان ليس معذوراً بنقول: ما فعلته حرام لأنك أخرتها عن غروب الشمس وأنت قادر على أن تخرجها قبل ذلك، ثم فعلت؛ فهو حرام، ويقضيها. يعني ليس أنه حرام فإذا لم أرد فعلها انتهى الأمر، لا؛ بل حرام ولكن يجب عليك أن تقضي، فتبقى في ذمتك.
الوقت الرابع والأخير وهو الذي يسأل عنه كثير من الناس: هل يجزئ إخراج زكاة الفطر قبل مغيب شمس آخر يوم من أيام رمضان؟ الحنابل يقولون: ويجزئ قبله بيوم أو يومين فقط. الشافعية يجوز عندهم أن تخرج زكاة الفطر من أول رمضان، لا عند الحنابلة فقط يوم أو يومين، وهذا فيه أثر عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين، فاعتمدوا على هذا الأثر الحنابلة.
فنقول: يباح ويجزئ. وكيف نقول كحكم تكليفي يباح، وكحكم وضعي يجزئ؛ لأن كثيراً من الطلاب للأسف إلى الآن يخلطون بين الأحكام التكليفية والوضعية. لذلك أنا أقول لابد قبل أن تقتحم معمقات كتب الفقه، سواء كنت حنبلياً أو شافعياً، أن تدرس أصول الفقه خاصة الأساسيات؛ يعني لا يليق بطالب علم يدرس الفقه لا يفرق بين أن هذا صحيح وهذا واجب؛ كلمة صحيح هذا حكم وضعي، وكلمة واجب هذا حكم تكليفي، وكلمة تجزئ تساوي كلمة صحيح تقريباً وهذا حكم وضعي، وكلمة مباح هذا حكم تكليفي. فبدك تعرف ما هي الأحكام التكليفية وما هي الأحكام الوضعية حتى تعرف تتعامل مع كلام الفقهاء.
فيباح ويجزئ إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين؛ هذه القاعدة الرابعة أو الوقت الرابع، يجوز عند الحنابل أن تخرج زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين. ولكن قال: «وتجزئ قبل العيد بيومين»، أكثر من يومين ما يصير، لا يجوز أن تقدم زكاة الفطر أكثر من يومين، انتبهوا على هذا، ولا تجزئ؛ يعني قد لا تصح.
ثم قال: بعد أن عرفنا كل هذه الأحكام ستقول لهذا الصاع الذي يجب علي أن أخرجه، من أي جنس أخرجه؟ أخرجوا هذه المسألة الجديدة، ما هو الصاع الذي يجب إخراجه؟ فقال: «والواجب عن كل شخص صاع». وعرفنا الصاع اثنين كيلو وأربعين غرام، طبعاً هناك خلاف في تحديد الصاع النبوي المشهورة الخلافية، لكن الحنابل يقدرونه تقريباً بهذا القدر: اثنين كيلو وأربعين غرام.
والواجب على كل شخص صاع، صاع من ماذا؟ قال: «صاع تمر أو زبيب أو بر أو شعير أو أقط». الحنابل عندهم حصر في الأصناف الخمسة، فيقولون ابتداءً إذا وجدت صنفاً من هذه الأصناف الخمسة لا يجوز العدول إلى غيرها؛ من وجد تمراً أو زبيباً أو براً أو شعيراً أو أقطاً؛ والاقط هو الجميد، فمن وجد واحداً من هذه الأصناف الخمسة عليه أن يخرج الصاع منها ولا يجوز أن يعجل عن غيرها، هذه وجهة نظر الحنابل.
والمسألة ترى يا إخواني فيها سعة، من أحب أن يأخذ برأي الحنابل فأنعم به وآله، ومن أحب أن يأخذ برأي غيرهم ويأخذ من قوت البلد، فهذه مذاهب أخرى وأقوال وروايات أيضاً داخل المذهب، فله أن يأخذ بما فيه سعة ونظر اجتهادية استصلاحية تتعلق بالواقع. أنا لست مع الجمود المحض على كلام الفقهاء إذا كانت المسألة فيها خلاف واسع والنظر فيها مقبول وهناك روايات داخل المذهب.
فإذا جاء شخص وقال: أنا لا والله يا شيخ هذه الأصناف الخمسة ولا واحد منها في بلدي، ولا أحد يأكلها، أتقول له لا؛ بل يجب أن تجيب صاعاً من تمر وتطعميه للفقراء؟ أحياناً قد يكون الفقير يحتاج إلى قوت البلد فعلاً، يحتاج ما يجده، فتقول له جيب صاع زبيب، فيقول لك: ماذا أفعل بصاع الزبيب يا شيخ؟ أو تجيب له صاعاً من الشعير، فيقول لك: ماذا أفعل به؟ صاع الشعير فيه مجال أكثر لاستعماله، لكن صاع الزبيب وصاع التمر في عهد النبي ﷺ في...
الحجاز كانت هذه عبارة عن أقوات، لكن في كثير من البلدان هذي ربما أنا ما أعرفها أصلاً، أو إذا عرفوا عرفوا بعضها، وقد لا يحتاجون إليها جميعًا ولا تكن قوتًا عندهم. فلا يتشدد، يعني فقط هذه الفكرة أنه لا يتشدد طالب العلم أو يجتر على الناس في الفتاوى التي يفتي بها فيما يناسب مصالحهم ويتعلق بحياتهم الجديدة وأعرافهم.
أنت عندك رأي واعتمدت مذهب الحنابلة وهو خير بإذن الله. اعتمد، سألك شخص أفتِ به، لكن لا تقطر الناس إطرا عليه وتحملهم حملًا عليه، خصوصًا إن شاء الله لما الإنسان يتقدم في المذهب يصير يعرف المسائل التي فيها مجال للأخذ والعطاء، يعني ليست مسائل القول فيها فصل وإنما مسائل اجتهادية استصلاحية وتقبل تجاذب الآراء كما يقولون.
وهذه مسألة منها، فنقول: لا حتى الإنسان ما يفكر أنه إذا أخرج من غير الأقوات الخمسة وقع في كبيرة من الكبائر، أو فعل محرمًا؛ لا، مسألة فيها اجتهاد واسع بين الفقهاء. فلذلك نقول هذا رأي الحنابلة أن الصلاة تخرجه من هذه الأمور الخمسة: التمر، أو الزبيب، أو البر، أو الشعير، أو الإقط. قالوا: فإن لم يجد، يعني كنت في بلد لا يوجد فيه أي شيء من هذه، طبعًا هذا سيأتي في الفقرة التي تليها، لكن خليني أكمل هذا.
قال: ويجزئ دقيق البر والشعير إذا كان وزن الحب. هذه تكملة للكلام في السابق، إيش هذا؟ يجزئ دقيق البر والشعير؟ يعني البر والشعير إما تخرجه صاعًا مش مطحونًا، صحيحًا كاملًا، تذهب للبياع وتقول له: بدي صاع بر أو شعير، أو أنك تخرجه حبًا مطحونًا. الحب مطحونًا، يعني الحب بعد أن يطحن، هل يجوز؟ هذا يسمى الدقيق، يجوز بشرط أن هذا الحب المطحون يكون لو وزن بالصاع قبل أن يطحن يساوي صاعًا، لذلك قال: إذا كان وزن الحب.
يعني هذا المطحون من البر والشعير هل هو بلغ الصاع ولا لا؟ الصاع عبارة عن كم من المكاييل إخواني، والآن هذا صار حبًا مطحونًا، فكيف بدي أعرف هل هذه الكمية التي أخذتها تساوي صاعًا صح ولا لأ؟ من أهل الخبرة، بتقول هذه الكمية من المطحون لو قدرت بالصاع كم تخرج لي صاعًا؟ تخرج صاعًا؟ والله هذه الكمية المطحونة بقدر لك إياها البياع، هذه عبارة عن صاع أو صاعفة أكثر إذا خلص بلغت الكمية، ولذلك قال: ويجزئ دقيق البر والشعير إذا كان وزن الحب، فأنت تقيم هذا الدقيق باعتبار حبه الأصلي قبل أن يطحن، هل هذا يساوي بالحب لو كان حبًا صاعًا؟ إذا كان يساوي بالحب صاعًا إذًا يجوز إخراجه وقد بلغ القدر المجزئ.
ثم قال: ويخرج ما يقوم مقامه من حب يقتات. إذًا الحنابلة التفتوا إلى قضية الاقتيات، وأنه حاجة الناس إلى أن يكون الحب يقتات. لكن متى التفتوا إلى قضية القوت؟ بعد الأصناف الخمسة. غير الحنابلة، أو بعض المذاهب الأخرى، بتقول لك لا، بشكل عام أخرج ما يقتات، ليس هناك داعٍ أن تحصر نفسك في الأصناف الخمسة. الحنابلة يقولون لا، أولًا الأصناف الخمسة لأن هي التي جاء بها الحديث، إن لم يجد في بلده يخرج أي حب يقتات، فيجوز أن تخرج إذا لم تجد الأصناف الخمسة من أي حب يعتبر قوتًا للناس مثل الرز والعدس وما شابه ذلك. وهنا ذكر أمثلة كذا الذرة والدخن، والباقي لا، طبعًا الدخن والباقي ربما في أيامنا ليست قوتًا، أو في بلادنا، وربما عند غيرنا.
ثم قال: ويجوز أن تعطي الجماعة فطرتهم، والواحد يعطي فطرته الجماعة. هذه مسألة هل يجوز لجماعة أن يعطوا زكاة فطرهم لشخص واحد فقير؟ يجوز، والعكس أيضًا، لو أن واحدًا قسم الصاع الذي عنده على أكثر من شخص، يجوز ولا لا يجوز؟ يجوز. فإذا يجوز أن تعطي الجماعة فطرتهم لواحد فقير، وهذه زيادة مني، وأن يعطي الواحد فطرته لجماعة فقراء.
ثم قال: ولا يجزئ إخراج القيمة في الزكاة مطلقًا. عند الحنابلة لا يجوز إخراج القيمة نقدًا في زكاة الفطر، وهذه مسألة كل رمضان على نهاية وجه العيد: يا شيخ، يصير يخرج زكاة الفطر قيمة ولا لازم نطلعها طعامًا؟ يا إخوان هذه مسألة فيها قديم، ولا يجوز إنكار أحد على أحد فيها، وأنا أظن أن شدة الإنكار فيها من قلة العلم، وإلا من عرف مسالك الفقهاء يعرف أن هذه مسألة الخلاف فيها مستقر، ولكل رأيه، وكل إنسان نتاعها ناحية، والله سبحانه وتعالى جعل هذا الخلاف فيه سعة. فمن أحب أن يأخذ برأي القيمة أنعم به وأكرم، ومن أحب أن يأخذ رأي الحنابلة والجمهور بوجوب الإخراج من الطعام أنعم به وأكرمه.
مسألة فيها سعة، والتبديع فيها، هذا التبديع فيها بدعة معاصرة، ليست حقيقة من أقوال العلماء الكبار، ليست من أقوال العلماء الكبار إثبات التبديع في مسألة الإخراج في زكاة الفطر ما دامت أقوالًا مستقرة، والأئمة الكبار تقبلوا هذا من بعضهم البعض. فالتبديع فيها أنا أعتبره هو البدعة؛ أنت أحببت تأخذ برأي مذهب معين، أنا أبي أكرم، لكن لا تعتبر رأي الآخر بدعة وخرج عن جادة أهل السنة وكأنه أتى بما لا برهان له به، فأنت على هذه القضية ولا يشدد بعضنا على بعض.
إذًا، ولا يجزئ إخراج القيمة في الزكاة مطلقًا، هذا رأي الحنابلة. ويحرم على الشخص شراء زكاته وصدقته ولو اشتراها من غير من أخذها منه. هذه المسألة الأخيرة، وهي مسألة تتعلق بزكاة الفطر، بل بعموم الزكاة، في الصدقات أيضًا، هذه المسألة الأخيرة تتعلق بالزكاة وبالصدقات عمومًا، حتى لو صدقة مستحبة. إذا زكيت زكاة لشخص أو تصدقت بصدقة لشخص، لا يجوز أن تعود فتأخذ هذه أو تشتري هذه الزكاة أو هذه الصدقة مرة أخرى، ولو أنها عادت إليك عن طريق شخص آخر.
يعني أنا أحبائي، شخص عندي زكاة أو صدقة وأعطيتها لشخص، قلت له: هذه صدقة لوجه الله وهذه زكاة مالي، تمام؟ ولفت هذه الزكاة ودارت، مثلاً أعطيكم مثالًا على الصدقة: شخص أعطى شخصًا سيارة لوجه الله صدقة، قال: أنا أنت إنسان فقير بدي أتصدق عليك بهذه السيارة. هذا الفقير قال لها: شو بدي في السيارة؟ راح باعها لشخص ثالث. الآن أنا الشخص المتبرع، ماشي، في هذا السوق المركزي، شفت سيارة، عرفت أنها سيارتي، شفت شخصًا يبيع فيها، قلت له: بدي أشتري منك هذه السيارة، ترى أنا هذه السيارة كنت متصدقًا بها على شخص، والظاهر هذا الشخص لفقره باعها، وصلت عندك وأنا بدي أشتريها منك، هل يجوز؟ قالوا: لا يجوز.
لأن النبي ﷺ نهى عمر بن الخطاب أن يشتري فرساً كان تصدق به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لا نتصدق بفرس في سبيل الله، فصاحب الفرس بده يبيعه. فجاء عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله إني تصدقت بفرس في سبيل الله وصاحبه يريد أن يبيعه"، فنهاه النبي ﷺ فقال: «لا تشتريه يا عمر ولو أعطاك إياه بدرهم».
لذلك الحنابلة يقولون: سواء اشتريته من نفس الفقير أو من غيره لا يجوز. ممكن الفقير هو اللي بيعك إياها؛ إذا تقول له تصدق، إذا تصدق عليك بسيارة بيقول لك ممتاز، أعطيتني إياها يلا بدي أبيعك إياها، يصير تشتريها منه؟ لا. وإذا الفقير باعها لشخص ثالث وأنت وجدتها مع الشخص الثالث أو الرابع أو الخامس، هل يجوز أن تشتريها منه؟ لا يجوز، لأنه هذا حسم للباب تماماً على نفسك.
إنه خلص، اللي أخرجته لله لا يرجع إليك؛ اللي أخرجته لله سبحانه وتعالى زكاة أو صدقة لا يرجع إليك أبداً. إذن قال: ويحرم على الشخص شراء زكاته وصدقته ولو اشتراها من غير من أخذها منه. أنت أعطيتها لشخص وهذا الشخص باعها لشخص ثالث، ما بصير تروح تشتريها أنت حتى من الشخص الثالث، ولو صارت لرابع ولخامس لا يجوز، خلاص ما خرجته لله.
لا يجوز أن تعود فتشتريها، لا يجوز أن تعود تشتريه مرة أخرى. وهذا نهاية المجلس اليوم إن شاء الله، المحاضرة القادمة نشرع في باب إخراج الزكاة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل