بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة أحبائي أنهينا الحديث عن زكاة النقدين، وهكذا نكون انتهينا من الحديث عن زكاة بهيمة الأنعام وزكاة الزروع والثمار وزكاة العسل والركاز وزكاة الذهب والفضة، وبقي علينا أن نتحدث عن زكاة عروض التجارة والمعدن، وهكذا نكون استوعبنا الحديث عن جميع الأموال الزكوية بحول الله على طريقة السادة الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم.
لكن هنا لما تكلم الشيخ مرعي عن زكاة الحلي، وعرفنا التفصيل بين الحلي المحرم والحلي المباح، وعرفنا أن الحلي المباح أنواع: هناك حلي مباح للكراء أو للنفقة وهذا فيه زكاة، وهناك مباح للاستعمال أو للإعارة وهذا لا زكاة فيه، وهناك حلي مباح عروض تجارة وهذا فيه زكاة. وعرفنا الاختلاف بين الحلي المحرم والحلي المباح الذي للكراء والحلي المباح الذي لعروض التجارة في كيفية حساب النصاب والإخراج، فعرفنا أن المحرم نصابه يكون بالوزن والإخراج يكون بالوزن، وأن الحلي المباح للكراء أو للنفقة نصابه يكون بالوزن والإخراج يكون بالقيمة، وأما الحلي المباح المعد للتجارة فهذا نصابه بالقيمة وإخراجه باعتبار القيمة.
لما ذكر كل هذه المسائل كأنه استطرد فذكر ما هي أنواع الحلي التي يجوز أن يستعملها الرجل؟ ويجوز أن تستعملها المرأة؟ حتى أنت تكون على بينة لما يقول لك حلي مباح فلا بد تعرف ما هو الحلي المباح للرجل وما هو الحلي المباح للمرأة، وبالتالي ستعرف أن ما يقابل ذلك لن يكون مباحاً في الاستعمال.
فأيش قال؟ قال: فصل، وتحرم تحلية المسجد بذهب أو فضة. بدأ بهذه القضية، بدأ بالكلام عن تحلية المساجد، هل يجوز تحلية المساجد وزخرفتها باستعمال الذهب أو الفضة؟ لا يجوز؛ لأنه هذا إهدار حقيقة لأموال الناس فيما لا ينفع، فهذا حرام. طيب، هل هذا الذهب أو الفضة الذي حلي به المسجد ينزع بعد أن يوضع ويزكى؟ قالوا: إذا كان الذهب أو الفضة الذي حلي به المسجد إذا أزيل وقلع تخرج منه كمية تبلغ النصاب، فهنا يجب إزالته وقلعه وتأدية الزكاة، وفي هذه الحالة هذا الحلي يكون حلياً محرماً، فلما نأتي نحسب النصاب نحسب بالوزن، ولما نأتي نستخرج الزكاة يجب استخراجها فيكون بالوزن؛ لأن الصنعة لا قيمة لها لأن هذا حلي محرم أن يستعمل في هذا الاستعمال.
لذلك قالوا أولاً القاعدة تقول: تحرم تحلية المسجد بذهب أو فضة، طيب إذا فعل شخص هذه المخالفة وحلى المسجد بذهب أو فضة، ماذا نقول؟ نقول: عليك أن تزيل هذه التحلية إذا كان يستخرج منها ما يبلغ النصاب، فيجب أن تزيلها وأن تستخرج الزكاة. لذلك ايش يقول ابن عوض: وتجب إزالته وزكاته إن كان يجتمع منه نصاب إذا أزيل. أما قالوا إذا كانت الكمية محدودة بحيث لو أزيلت لا يجتمع منها نصاب، هنا تترك، مع علمنا ابتداء أنه لا يجوز، لكن لو شخص وضعنا في الأمر الواقع ووضعها بنقول هذا حرام، لكن إذا كانت كمية محدودة لو أزيلت لا يجتمع منها نصاب فلا يجب فيها الزكاة، بالتالي تترك على حالها، وهذا ما فعله عمر بن عبد العزيز رضوان الله تعالى عليه لما ولي الخلافة، أراد أن يجمع ما في المسجد الأموي في دمشق مما حلي به من الذهب أو ما موه به من الذهب، فقيل له: لو أزلنا ما موه به المسجد الأموي من الذهب لم يجتمع منه نصاب، فتركه.
إذا هذا فيما يتعلق بالمساجد، لنتكلم عما يتعلق بالرجل وبالمرأة، فقال: ويباح للذكر من الفضة الخاتم. وأنتم تعرفون الخاتم، يباح له الخاتم ولو زاد هذا الخاتم من الفضة على مثقال، يعني ما في عندنا ضابط أنه والله إذا خاتم من فضة لازم ما تزيد كمية الفضة عن كذا، لا ما عندنا مشكلة، فلا ضابط عندنا، قالوا: ما لم يخرج عن العادة، فقط هذا هو الضابط، فقال: ولو زاد على مثقال، لا إشكال أن تكون الفضة تزيد على مثقال في الخاتم، لكن يقول صاحب الشيخ منصور البهوتي في المطولات قال: بشرط ألا تخرج عن العادة، يعني العادة كمية الفضة للخاتم معروفة بين الناس، فإذا كانت كمية الفضة الموجودة في الخاتم كمية كبيرة جداً تخرج عن المعتاد، لا ما نقول هنا هذا لا يجوز، هذه الكمية الزائدة لا تصح. إذاً في الأصل العام أن الخاتم لا نضع له ضابطاً في كمية الفضة التي ينبغي أن تكون فيه، فقط نقول يجب ألا تخرج عن المعتاد.
هذا بالنسبة للخاتم، فقال: ويباح للذكر من الفضة الخاتم ولو زاد على مثقال، ثم استطرد فقال: وجعله بخنصر اليسرى أفضل. عندنا في المذهب يكره أن يلبس الخاتم بالسبابة والوسطى، يكره ولا يحرم.
ثانياً من الأمور التي يباح فيها استعمال الفضة للرجال قالوا: وتباح قبيعة السيف فقط. أي من السيف القطعة الوحيدة من السيف التي يجوز فيها أن تستعمل الفضة هي القبيعة، القبيعة هي منطقة اتصال السيف بالمقبض أو ما يكون في أسفل السيف، وعموماً بغض النظر عن الخلاف يجوز للرجل أن يضع قبيعة سيفه من الفضة، وفقط أي من السيف لا يجوز أن تضع في أي منطقة أخرى الفضة، وسائر أجزاء السيف لا يجوز أن تكون من الفضة.
لكن هو ايش قال بعد ذلك؟ قال: ولو من ذهب. في المذهب عندنا طبيعة السيف كما يجوز أن توضع من مادة الفضة يجوز أن توضع من الذهب. طبعا جاء في الآثار كما جاء في الشمائل أن قبيعة سيف النبي عليه الصلاة والسلام كان من الفضة، لكن قال الحنابلة القبيعة بالتحديد كما يجوز أن تكون من الفضة يجوز أن تكون أيضاً من الذهب. وبشكل عام للحنابلة في هذه الأماكن التي فيها استعراض قوة المسلمين واستعراض الفخامة قالوا يجوز أن في مناطق الصراع مع الأعداء والكفار أن نظهر لهم تجملنا وأن نظهر لهم قوتنا ولو باستعمال الذهب.
قال: وحلية المنطقة، المنطقة يعني نوع من الزنار كان يلبسه الرجال على أوساطهم، فيباح للرجل أن يحلي المنطقة بالفضة، يعني مثل الحزام في وقتنا المعاصر، لو كان الحزام رأسه من الفضة ترى فيها وجه، فبناءً على قياس المذهب أنه تجوز حلية منطقة الرجال بالفضة.
قال: وكذلك الجوشن. الجوشن هو الدرع، يجوز أن يستعمل فيه الفضة، وكذلك الخوذة، يباح تحليتها بالفضة. قال: لا الركاب واللجام والدواة. يعني أما ركاب الخيل أو الجمل لا هذا لا يجوز أن تحليه بالفضة، الركاب هي الحديدة التي يضع فيها الفارس رجله إذا أراد أن يركب فرسه، فهذه تكون حديداً، هل يجوز لهذا الركاب أن يكون من الفضة؟ لا يجوز ذلك، خاصة أنها منطقة مخفية ليست ظاهرة، وتوضع عند الأقدام، فإنك تهدر فيها الفضة، ليس مكاناً لأن يزين بالفضة. كذلك اللجام المعروف الذي يوضع على فم الدابة، والدواة هي المحبرة قديماً، قالوا: ويقاس على ذلك المقلمة والمرآة والمكحلة، كل الأواني وكل الزجاجيات وكل هذه الأمور لا يجوز أن يستعمل فيها الفضة، فلذلك يقتصر على ما ذكره الشيخ مرعي.
ثم ذهب للنساء فقال: ويباح للنساء ما جرت عادتهن بلبسه. الضابط العام هو ما جرت عادتهن بلبسه، فإذا استعملت الذهب أو الفضة فيما لم تجر العادة بلبسه يكون محرماً عليها، يعني مثلاً هل من عادة النساء أن تلبس حذاءً ذهبياً؟ ليس من عادتها، نعم يمكن أن يكون الحذاء عليه قطع من الذهب أو الفضة، بعض الطبقات المترفة لكن أن يكون الحذاء كله ذهبياً هذا خارج عن المعتاد. فالعبرة بما يعتاده الناس في تحلية النساء، ولو زاد على ألف مثقال، لا إشكال في ذلك ولا زكاة عليها ما دامت تستعمله أو تعيره.
أما ما سوى الذهب والفضة، فيجوز للرجل والمرأة أن يتحلى به، أي حجر كريم أو أي شيء نفيس سوى الذهب والفضة فيجوز للرجل أو المرأة أن يتحلى به، لذلك قالوا للرجل والمرأة التحلي بالجوهر والياقوت والألماس والزبرجد، يعني لو رجل يلبس الألماس ما في مشكلة، طبعاً بشرط ألا يتشبه بالنساء.
مشكلتنا في التشبه بالنساء وهي قضية أخرى. أما نفس الألماس فلا حرج على الرجل في أن يستعمله وأن يضعه في يده في الأماكن التي يعتاد أن يلبسها الرجال فيها. فالجواهر والياقوت والزبرجد يحلها الرجل والنساء.
قال وكره تختمهما بالحديد والنحاس والرصاص. هذه المعادن الثلاث يكره أن يتختم بها، وقد جاء في الحديث أن خاتم الحديد هو من حلية أهل النار. وبناءً على هذا طبعاً الحنابلة أخذوا الكراهة، لكن لماذا ما قالوا بالتحريم؟ هناك حديث «التمس ولو خاتماً من حديد» للرجل، ومع حديث «حلية أهل النار» فكأن الحنابلة جمعوا فقالوا: إذاً لا يصل الأمر به إلى التحريم، لأنه لما قال للرجل التمس ولو خاتماً من حديد، لكنه ليس مرغوباً به في الشريعة، فلذلك قالوا بالكراهة فقط.
إذاً وكره تختمهما -أي الرجل والمرأة- بخاتم الحديد والنحاس والرصاص، ويستحب بالعقيق؛ يعني حجر العقيق قالوا يستحب استحباباً أن يتختم به. طبعاً هذه مسألة فيها خلاف، يعني هل فعلاً العقيق يستحب أن يتختم به أم هو على الإباحة؟ هذا فيه خلاف، لكن المعتمد في المذهب هو استحباب التختم به. هذا نهاية الكلام عن النقدين وما يباح للرجل والمرأة لبسه من الذهب والفضة. دعونا ننتقل الآن إلى باب زكاة العروض، عروض التجارة.
أولاً أحبائي يجب أن نفهم ما معنى عروض التجارة قبل أن نعرف زكاة عروض التجارة، لا بد أن نتصور ما هي عروض التجارة. فقال: وهي ما أعد للبيع والشراء لأجل الربح. أي شيء أعددته بأن يباع ويشتريه الناس منك وتقصد من هذا أن تربح به، هذا اسمه عروض تجارة في عرف الناس. أي سلعة، أي عين، ترى حتى المنافع تدخل هنا، فأي عين أو منفعة يبيعها ويشتريها الناس منك وتقصد بذلك الربح، فهذه العين تسمى عرض تجارة. الأعيان والمنافع تدخل كلاهما في عروض التجارة، وإن كان المتبادر إلى ذهن الطلبة أن عروض التجارة هي سلع وأعيان، لكن في الحقيقة المنافع أيضاً تدخل تحت هذه الصورة.
إذاً عروض التجارة كل شيء أعد للبيع والشراء من أجل الربح. فأنا عندي شقق عارضتها للبيع، هذه اسمها عروض تجارة، عندي سيارات عرضتها للبيع، عندي محل مواد تموينية وفيه سلع عرضتها للبيع، فهذه عروض تجارة، وعلى ذلك فقس.
فهذه تقوم إذا حال عليها الحول؛ إذاً عروض التجارة مثل الذهب والفضة يشترط فيها الحول، وفي نهاية الحول تقوم ما عندك من عروض التجارة. أي أنه عندي نصاب ومر عليه الحول، وفي نهاية الحول آتي للبضاعة التي عندي في محل المواد التموينية أو في معرض السيارات أو ما شابه ذلك، وأقومها بالذهب أو بالفضة. فإذا بلغت قيمتها نصاباً من الذهب أو الفضة والمعتبر هنا الأحظ للفقراء كما سيأتي؛ أقومها بالذهب ولا بالفضة؟ نقود إلى حظ الفقراء؛ لأنه ممكن أحياناً سعر الذهب يرتفع كما هو الحاصل في يومنا هذا، والفضة يكون سعرها رخيصاً، بالتالي أن تقوم السلع بالفضة هذا أحظ للفقراء من أن تقوم بالذهب. ولو فرضنا جدلاً أن الأمور انعكست في زمن من الأزمان فأصبحت الفضة سعرها مرتفعاً جداً والذهب سعره منخفض جداً فسيكون أحظ للفقراء أن تقوم بالذهب.
إذاً في نهاية الحول تأتي إلى معرض السيارات الذي عندك تقوم بتقييم ما عندك من السيارات بأحدهما، باعتبار ما هو الأحظ للفقراء وليس بالتخيير المحض، إلا إذا كانوا مستويين في الأحظية تتخير. لكن إذا كان في تباين يقوم بما هو أحظ للفقراء، وتضم ما عندك من عروض التجارة إلى ما عندك من الذهب أو الفضة. أي رجل عنده ذهب أو فضة وعنده عروض تجارة فإنه يضم العروض التجارية إلى ما عنده من الذهب أو الفضة. طبعاً قديماً كانوا يضمون عروض التجارة إلى ما عندهم من الذهب أو الفضة باعتبار أن الذهب والفضة كانت هي الأموال النقدية.
لكن احنا اليوم بلغتنا المعاصرة اختلفت الأمور قليلاً، صرنا نقول للناس تضم ما عندك من عروض التجارة إلى ما بيدك من النقود، هذه اللغة المعاصرة. أنه اليوم ما في عندنا عملات من الذهب أو الفضة، عملاتنا كلياتها ورقية نقدية، فالفقهاء اليوم يقولون يضم ما عنده من عروض التجارة إلى ما بيديه من الأوراق النقدية. لكن فعلياً في المذهب عندنا الأوراق النقدية هي عروض تجارة. الحنابلة بدقة يقولون الفلوس التي يتعامل بها هذه أصلاً عروض تجارة في تصور مذهب الحنابلة، فلو بدي أكون علمياً أقول يقوم ما عنده من عروض التجارة ويدخل في كلمة عروض التجارة هنا الأموال النقدية، لكن لأن كثيراً من الناس انفكت عندهم الجهة وأصبحت النقود يجعلونها من الأثمان وعروض التجارة شيء آخر، صرنا في اللغة المعاصرة نقول ضم ما عندك من عروض التجارة إلى الأموال النقدية.
فأنت عندك مثلاً سيارات وعندك في البنك رصيد مثلاً خمسة آلاف دينار، تقوم والله عندي سيارات بقيمة عشرة آلاف وعندي في البنك أوراق نقدية خمسة آلاف، تضم هذا إلى هذا فتزكي خمسة عشر ألفاً. مش بتقول والله أنا بتعامل مع عروض التجارة على جهة والأموال النقدية والذهب والفضة على جهة، لا، هذه يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب وفي عملية الإخراج.
الشيخ مرعي لما يتكلم عن عروض التجارة، هو يتكلم أو يفترض شخصاً ما عنده إلا عروض التجارة. لذلك هم لما يتكلمون في هذه الأبواب ابتداءً يتكلمون عن حكمها في حال أن الشخص لا يملك أي شيء سوى عروض التجارة. إذا ملكت من عروض التجارة ما قيمته نصاب، أي فرضاً أن النصاب اليوم ألفان دينار، فإذا امتلكت عروض تجارة قيمتها ألفان دينار فمن هذه اللحظة أبدأ أعد حولاً. فإذا استمر الحول وفي نهاية الحول ما زالت عروض التجارة عندي وقيمتها لم تنقص عن النصاب، حينئذ أقول أنا عندي عروض تجارة بلغت النصاب فيجب علي أن أخرج ما يجب إخراجه.
وإذا كان عندك عروض تجارة قيمتها لم تصل إلى الألفين إذاً أنت لم تملك النصاب بعد، إلا إذا كان عندك أوراق نقدية فتضم ما عندك من الأوراق النقدية إلى ما عندك من عروض التجارة. وأول الحول يبدأ من حين بلوغ القيمة نصاباً. هذا في حال أن الشخص لا يملك من الدنيا إلا عروض التجارة.
فإذا في أثناء الحول نقصت قيمة عروض التجارة عندي عن الألفين دينار، صارت ألفاً وخمسمائة تحت النصاب، بنقول لك انقطع الحول، نستنى عليك حتى تجيب عروض تجارة جديدة قيمتها ألفان، لما تجيب وتمتلك عروض تجارة قيمتها ألفان نبدأ نعد حولاً جديداً. أما إذا كان صاحبنا عنده أوراق نقدية مثلاً، عنده ألف دينار في البنك وعنده عروض تجارة قيمتها ألف دينار، الآن صح عروض التجارة ليست نصاباً، لكن احنا ما بنحسبها لحالها، تضم إلى ما عندك من الأموال النقدية والذهب أو الفضة؛ فإذا اجتمعت عندك نصاب تبدأ تعد الحول حينئذ.
فإذاً الحياة الاقتصادية تتطلب هذا الضم؛ لأن التجار بطبعهم يبدلون، يبيع ويبدل، فشيء طبيعي أنه أثناء العام عروضك التجارية تنقلب أموالاً نقدية، بعدين تشتري بضاعة جديدة، فلو أننا جعلنا عروض التجارة وحدها، لن تجب الزكاة على أحد إلا رجل مسكين عنده شقة وعارضها للبيع ومش راضي يجيها رزقها. لكن في الوضع الطبيعي التجار يقلبون عروض تجارة أموالاً وأموالاً عروضاً.
سواء عندك أموال نقدية ولا عروض تجارة؛ كله ينضم إلى بعضه البعض في نهاية العام، كله ينبغي أن يضم؛ لأن التجارة بطبيعتها تقليب أموال نقدية. حتى أيام الصحابة لما كان ذهب أو فضة، كانت التجارة بطبيعتها أن الأموال نقدية؛ أشتري بذهب وفضة بضاعة، بروح ببيع البضاعة، بترجع ذهب وفضة، برجع بشتري من الذهب والفضة بضاعة، وهكذا تتقلب التجارة أموالاً؛ فلينبغي أن تضم هذه بعضها إلى بعض في تكميل النصاب. هذا هو المنطقي، وإلا لن تجب الزكاة إلا في القليل النادر على أصحاب عروض التجارة التي كسدت عندهم، وبقيت سنة كاملة لم تُبع، وهذا بالعكس؛ يعني هذا مسكين الذي عروض التجارة عنده تبقى سنة كاملة لا تُباع، إلا إذا كان يسمونها العقارات الضخمة هذه التي يعتبر أنه مش خسران. لكن بشكل عام، لو أنت عندك سيارة عارضها للبيع وتجلس سنة كاملة، أنت بتعتبر حالك خسران. فشيء طبيعي إذاً أن تضم عروض التجارة للأموال النقدية؛ لأن التجارة هي تقليب نقود وعروض، نقود وعروض. ففي نهاية الحول أنا أجمع ما عندي من قيمة العروض زائد ما عندي من أوراق نقدية زائد ما عندي من ذهب أو فضة إذا كان عندي، وأخرج عن جميع الزكاة مرة واحدة.
افهموا هذه جيداً، إذاً قول الشيخ مرعي: «وأوله من حين بلوغ القيمة نصاباً»؛ اكتبوه؛ ويتكلم عن شخص لا يملك إلا عروض تجارة، فهذا الذي نقول له: أول الحول عندك لعروض التجارة من حين بلوغ القيمة نصاباً. أما إذا كان عنده أموال نقدية وما شابه ذلك من الذهب أو الفضة، فهذه تضم إلى بعضها البعض أصالة في تكميل النصاب.
خلونا نكمل العبارة إذاً: باب زكاة العروض، وهي ما أُعد للبيع والشراء لأجل الربح، هذا تعريفها. ثم أعطاك التصور العام، قال: «فتقوم هذه عروض التجارة إذا حال عليها الحول». وأول الحول لها -يعني متى تبدأ تعد الحول- من حين بلوغ القيمة نصاباً، هذا كما إذا لم تكن تملك إلا عروض تجارة، فنقول لك ما قاله الشيخ مرعي: إنه أول الحول من حين بلوغ قيمة عروض التجارة نصاباً.
وتقوم بماذا؟ قال: «بالأحظ للمساكين»، هذا الجار والمجرور متعلق بالفعل «تقوم»؛ يعني تقوم إذا حال الحول -بعدين أتى بجملة معترضة: «وأوله من حين بلوغ القيمة نصاباً»- ثم عاد ليكمل الجملة السابقة: «تقوم إذا حال الحول بالأحظ للمساكين». وأنا كنت أتمنى أنه ما أتى بالجملة المعترضة هنا؛ لأنها إذا لم تشرح لك وقرأت وحدك ربما تسبب لك إشكالاً أنه بالأحظ للمساكين هذه بأيش متعلقة؟ هذه متعلقة بالجملة السابقة: فتقوم إذا حال الحول بالأحظ للمساكين، وهاي ذكرتها لكم قبل قليل؛ أنه أنا عروض التجارة أقومها يا شيخ بالذهب ولا بالفضة؟ نقول: بالأحظ للمساكين. تلاحظ ذي للمساكين؟ فإذا كان وفي العادة يعني في وقتنا المعاصر، الأحظ للمساكين هو الفضة؛ لأن الفضة منخفضة السعر، لكن الذهب الآن يعني كما ترون في النشرات الاقتصادية سعره مرتفع جداً عالٍ.
قال: «فإذا بلغت القيمة نصاباً»، إذاً تقوم عروض التجارة في نهاية الحول بالأحظ للمساكين من الذهب أو الفضة. فإذا وجدنا أن عروض التجارة بلغت نصاباً، وجب ربع العشر. طبعاً هي مش «فإذا بلغت القيمة نصاباً»، الأصل أن يقول: إذا حافظت على النصاب، صح؟ لأنه إحنا ما ابتدأنا نعد الحول إلا لما صارت نصاباً. أنتم فاهمين الجملة؟ صح. يعني هو قال: «فتقوم إذا حال الحول بالأحظ للمساكين من ذهب أو فضة، فإذا بلغت القيمة نصاباً»، هي العبارة أدق، أنا فاهم ماذا يريد أن يقول ومقصوده صحيح، لكن أظن العبارة قد تكون أدق لو قال: فإذا حافظت على قيمة النصاب فصاعداً، حينئذ يجب أن أخرج ربع العشر قيمة، يعني بالقيمة وليس من العين. دعوا لي هاي الفكرة لكن بدي أركز على الفكرة السابقة، قوله: «فإذا بلغت القيمة نصاباً»، الأصل أن يقول: فإذا حافظت القيمة على النصاب؛ لأنه هو لا نشغل قبل قليل، فتقوم إذا حال الحول، بعدين وضع جملة معترضة لما قال: «وأوله الحول لعروض التجارة متى يبدأ؟ حين بلوغ القيمة نصاباً»، فأنت إذا عروض تجارة فقط وبلغت قيمتها نصاباً بدك تبدأ تعد الحول، ففي نهاية الحول أقيمها مرة أخرى بالأحظ للفقراء من الذهب أو بالفضة تماماً، فإذا كانت محافظة -هيك العبارة الأدق- أقول: فإذا كانت محافظة على النصاب، لم تنزل عنه، حينئذ علي أن أخرج منها ربع العشر.
لاحظوا أن زكاة عروض التجارة أو نقول ما يجب إخراجه من عروض التجارة هو مثل ما يجب إخراجه من الذهب والفضة. إحنا في المحاضرة السابقة مش قلنا: من امتلك نصاباً من الذهب خمسة وثمانين غراماً فصاعداً عليه أن يخرج ربع العشر، أو من الفضة ربع العشر، أو من الذهب والفضة لأنه يكمل بعضهما بعضاً في تكميل النصاب عليه ربع العشر؟ وكذلك عروض التجارة ربع العشر؛ لأنه كما عرفنا إحنا أصلاً عروض التجارة تضم للأموال النقدية، تضم إلى الذهب والفضة، والكل تخرج منه ربع العشر.
لكن الفرق الجوهري بين الذهب أو الفضة وعروض التجارة ما هو؟ أن الذهب والفضة لما تخرج الزكاة تخرجها من عين الذهب أو الفضة، من نفسها. أما عروض تجارة كلا، لا يجوز أنك تخرج في عروض التجارة الزكاة من عين عروض التجارة، ايش يعني من عينها؟ يعني لو أنا عندي معرض سيارات وعلي الزكاة، الزكاة طلعت أربعين ألف، هل يجوز أن أخرج الزكاة سيارة أعطيها للفقراء؟ لا، بدك تخرج أربعين ألف نقداً. بس طبعاً هون أنت راح تقول لي: في إشكالية يا شيخ، الأموال النقدية؟ لذلك قلت لكم: في إشكالية هذا بصير معنا، أنه الأموال النقدية على تصور المذهب هي عروض تجارة، فإذا كانت رمضان في عروض تجارة، إذاً لا بد أن نخرج من قيمة الأموال النقدية من الذهب أو الفضة. هكذا الفقه القديم يقول، الفقه القديم قائم على يحافظ على قضية الذهب أو الفضة وعلى أنهما الأثمان التي يجب أن يتبادل بها الناس. بالتالي تصور الحنابلة رحمة الله عليهم أن الأموال النقدية أو الفلوس هي عبارة عن عروض تجارة.
بالتالي لما بدي أخرج الزكاة ما بصير أخرج من عين عرض التجارة، لا أقومها بالذهب أو الفضة وأخرج ذهب أو فضة. بس هذا في الوقت الحالي مش متأتٍ، وبالتالي يجب أنك كحنبلي أنك شوية توسع أفقك وتفهم أن الأموال النقدية في وقتنا المعاصر أصبحت تقوم مقام الذهب والفضة. هذا الواقع الذي لا ينبغي أن نتعامل عنه، هذه حقيقة واقعية نتعامل معها أن الذهب والفضة أصبحت هي والأموال النقدية هي الأثمان، وبالعكس، يعني الذهب والفضة تنحت عن الأثمان، وأصبحت الأثمان التي يتعامل بها الناس بيعاً وشراءً هي الأموال النقدية. بالتالي أنا كحنبلي لما أتعامل مع الواقع لا ينبغي أن أكون جامداً، ولا أوسع دائرة المذهب. يعني لو كان سيدنا أحمد بن حنبل موجود أو كبار الحنابلة في وقتنا المعاصر، هل سيبقون على الفتوى القديمة؟ لا أظن ذلك؛ لأنهم في النهاية كانوا يتعاملون مع أعصارهم، وأهمية اعتبار العرف مهمة جداً في الفتيا في دين الله.
لذلك كما قلت، الحنابلة يقولون: عروض التجارة لما تقيمها وتأتي تخرج ربع العشر، ربع العشر يخرج ذهباً أو فضة؛ لأنها كانت هي النقود. في وقتنا المعاصر الذهب والفضة ليست هي النقود، فيجب أن تخرج عن عروض التجارة أموالاً نقدية. بس هذه بدنا نحافظ عليها، أنه لو صار لك شخص: بصير يا شيخ تخرج من عروض التجارة نفسها؟ يعني أنا صاحب سوبرماركت وقومت ما عندي من البضاعة فعلاً نصاباً، بدي أخرج منها زكاة عشر شوالات سكر وعشر شوالات رز؟ لا، لا، ما نقول له، هادا بزكاة الفطر ما عنا مشكلة، هادا هو الأصل صح، بس بزكاة المال ما بنفع؛ لا بد تخرج نقوداً، لا بد يخرج نقوداً، ولا يجوز إخراج أعيان أو سلع، لا تخرج. تمام، إذاً وجب ربع العشر. وإلا، يعني وإذا لم تكن القيمة نصاباً، قيمة عروض التجارة، إذا لم تكن نصاباً في نهاية الحول أو لم تحافظ عروض التجارة على النصاب في نهاية الحول فلا زكاة فيه. يعني آخر الحول أتينا نقيم عروض التجارة التي عندنا فإذا بها تقل عن النصاب، إذاً خلص ما في علي زكاة. ينبغي أن تحافظ عروض التجارة على النصاب طوال هذا إذا كانت وحدها، يعني ما أملكش غيرها. أما إذا كان عرض التجارة هو وحده ليس نصاباً، لكن عندي أموال نقدية وعندي ذهب أو فضة، يمكن تجميعها ويكون الكل نصاباً؛ لا هذه صورة أخرى، فانتبهوا حتى لا يدخل عليكم.
جيد، قال: «وكذا أموال الصيارفة»، لاحظوا هاي نص هنا على هذه الفكرة، أي وكل أموال الصيارفة، يقول الشيخ مرعي: «وكذا تجب الزكاة في أموال الصيارفة؛ لأنها معدة للتجارة، ولا ينقطع الحول بإبدالها». الأموال هاي نص على ذلك، مش إحنا قلنا العملات النقدية عند الحنابلة أصلها عروض تجارة؟ هي نص: «أموال الصيارفة»، هم قوم وظيفتهم إقامة عقود الصرف، بتعرف عقد الصرف؟ أنه عملة نقدية بعملة نقدية أخرى، مثل الصيارفة اللي عندنا في بلادنا، تنزل تحت على السوق تجد محل صيرفة، فتقول له مثلاً: أنا معي دولار تعطيني ريال، أو معاي ريال تعطيني دينار، وعلى هذا. ممتاز؟ فيقول لك مثلاً: أنا بعطيك خمسة آلاف دولار مقابل مثلاً عشرين ألف ريال، وهذه يجوز فيها التفاضل لاختلاف الجنس لكن لا بد من التقابض، ممتاز. فهؤلاء الصيارفة أموالهم، لاحظوا الأموال النقدية كيف عاملها؟ قال: عروض تجارة، كذلك قال: «وكذا أموال الصيارفة»؛ لأن الحنابلة يعدون العملات النقدية عروض تجارة، فتخرج من قيمتها في الفقه القديم، لكن في وقتنا المعاصر حتى نكون واقعيين أصبحت هذه الأموال والعملات النقدية هي الأثمان، للأسف، وحلت محل الذهب أو الفضة، ولذلك أصبح فيها تلاعب كبير وتتلاعب الدول العظمى بدول العالم الإسلامي، وهذه هيمنة للأسف غالب عادل مغلوب.
طيب، الآن سأعود لأوصل فكرة مهمة في زكاة عروض التجارة لم يشر إليها الشيخ كثيراً هنا، اكتبوا عندكم أحبائي: هناك شرطان لوجوب الزكاة في عروض التجارة، هذا كلام لم يذكر لك أنه مهم. هناك شرطان لوجوب الزكاة في عروض التجارة، كما فعلنا في بهيمة الأنعام قلنا: شروط وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام، كما فعلنا في الحبوب والثمار قلنا: وجوب الزكاة في الحبوب والثمار، سنفعل أيضاً في عروض التجارة أن أقول: ما هي شروط وجوب الزكاة في عروض التجارة؟ نقول: هناك شرطان.
الشرط الأول: قالوا أن يكتسب عروض التجارة بفعله، وهذا له ثلاث صور، يعني كيف اكتسب عروض التجارة بفعله؟ أنه أنا فعلت شيئاً واكتسبت به عروض التجارة. إذاً نقول: شروط الزكاة في عروض التجارة، واحد: أن يكتسبها وبفعله، وهذا له ثلاث صور: واحد نقول (أ): أن يكون بعقد معاوضة مثل البيع أو الشفعة مثلاً، والشفعة يعني هي صور من صور البيع، هذه الصورة الأولى أنه أنا أشتري عروض التجارة من البائع، يعني نسميها البيع والشراء، أنه أنا أشتري عروض التجارة بنفسي، فهنا أكون أنا اكتسبت عرض التجارة بفعلي، أنا قمت بفعل أنه رحت على بائع عنده سيارات واشتريت من عنده مجموعة سيارات ووضعتها عندي في المعرض، هنا عروض التجارة كيف دخلت في ملكي؟ بفعلي ولا بدون فعلي؟ بفعلي، والفعل هنا كان عبارة عن معاوضة، خليني بس أضيف عفواً كلمة هنا: معاوضة محضة، هكذا يقولون، معاوضة محضة في المعاوضة. سأشرح إن شاء الله فيها بالمعاوضات، سنكتشف أن هناك معاوضات ثم المعاوضات المحضة. ايش يعني معاوضات المحضة؟ يعني المعاوضات التي يقصد منها العوض فعلاً، تمام؟ الآن ستفهمون ايش الفرق بين المعاوضة المحضة وبين غير المحضة لما آتي للنقطة الثانية والصورة الثانية.
الصورة الثانية قالوا: أن يكتسب عروض التجارة بمعاوضة لكنها غير محضة مثل النكاح والخلع. الآن النكاح والخلع، أليس الزوج يعطي للمرأة مهراً؟ وفي الخلع العكس، المرأة لما تخلع الزوج بتعطيه أموالاً، تمام؟ لو أنه الرجل حكى لزوجته: ايش رأيك أعطيك خمس سيارات؟ والزوجة أخذت الخمس سيارات مقابل هذا، أليس كذلك؟ مقابل بيسموها الاستمتاع، تأخذ هي المهر، أخذت خمس سيارات وعرضتها للبيع. إذاً هل عروض التجارة هنا دخلت في ملك المرأة بفعلها؟ هي رضيت بالمعاوضة، خلص: أنا بتزوجك وأنت أعطيني المهر خمس سيارات. لكن هل هم يقولون هل المهر أو هل النكاح المقصود منه العوض فعلاً؟ لأن المهر للمرأة يكون هو كرامة، وليست القضية في النكاح قضية بيع وشراء، أليس كذلك؟ المهر للمرأة هو تكريم وتشريف لها في دين الله، أليس كذلك؟ وليس عبارة عن بيع وشراء النكاح. فيقول النكاح معاوضة غير محضة؛ لأنه فعلياً في نوع معاوضة، في نوع معاوضة مقابل حل الاستمتاع، أخذت المرأة مهراً، كذلك في الخلع، الخلع المرأة تقول لزوجها: أعطيك خمس سيارات وتطلقني أو تخلعني، فإذا المرأة أخذت الخلع والطلاق في المقابل دفعت مالاً، إذاً في معاوضة، لكن يقولون: الخلع هل المقصود منه شرعاً المعاوضة؟ لا، العوض حصل تبعاً فيه، حصل تبعاً فيه، فهذه العقود التي يحدث فيها نوع من التعارض لكن المعاوضة فيه ليست مقصودة أساساً من العقد مثل النكاح والخلع تسمى عقود المعاوضات غير المحضة.
وهذه تعتبر أيضًا من صور الاكتساب بالفعل. لأن الرجل لما قالت له امرأته: "أعطني خمس سيارات وتخلعني"، قال: "نعم، ما عندي مشكلة". ممتاز، إذاً الزوج اكتسب الخمس سيارات بفعله؛ إذ فعل أنه قبل أن يخلعها مقابل أن تعطيه الخمس سيارات، وهذا فعل.
لا تتصور أن يكتسبها بفعله أنه لازم هو الذي يشتريها، لا؛ إن يكتسبها بفعله أن يكون منه شيء هو الذي سبب انتقال السلعة أو عرض التجارة إليه. هو قام بشيء سبب انتقال عروض التجارة إليه، إما بشرائها وهذه الحالة الأولى (المعاوضات المحضة)، أو من خلال النكاح بالنسبة للمرأة أو الخلع بالنسبة للرجل، وهذه تسمى معوضات غير محضة.
أو من خلال عقود لا معاوضة فيها، مثل ما قالوا: الوصية؛ كأن يوصي لك شخص بثلث ماله، أنت قبلت، أنت الآن لم تقم بعمل، ليس هناك منك فعل. في النكاح المرأة ستقدم الحلة التي تتمتع بها مقابل المهر، وفي الخلع الرجل سيقوم بفعل أنه يخلعها، فيقوم بهذا الفعل مقابل العوض. أما في الوصية، لست مطلوبًا منك أن تقول قبلت، خلاص، الرجل كتب وصية أنه يعطي فلانًا ثلث ماله ووصلتك الوصية إليك، هذا يعتبر من فعلك لأنك بادرت بالقبول.
كذلك الهبة؛ شخص وهبني سيارة وأنا قبلتها، الآن فعليًا لا توجد معاوضة، أنا لم أفعل شيئًا مقابل إعطائه السيارة لي، وإنما أنا فقط قبلت هذه السيارة، وهذه تسمى عقودًا لا معاوضة فيها. فالوصية والهبة ويدخل في ذلك أيضًا أمور ليست بعقود، قالوا مثل الاصطياد؛ لو أني اصطدت الطيور وعرضتها للبيع، فالاصطياد هذا شيء تذهب به إلى البرية وتقوم باصطياد طيور الببغاء وما شابه ذلك وتأتي بها وتعرضها للبيع، فهذه أيضًا لا معاوضة فيها، وهذا فعل محض منك.
هذه تدخل تحت صورة العمل الذي لا معاوضة فيه، وندخل فيه عقد الوصية وعقد الهبة والاصطياد وما شابه، وكذلك من الأفعال المباحة التي تجمع منها سلعًا أو أعيانًا وتقوم ببيعها. فهذه أمثلة العقود أو الأعمال التي لا معاوضة فيها: هبة، وصية، اصطياد، وحتى الاحتطاب؛ ممكن حطاب يجمع الحطب من الغابة ويأتي يعرضه للبيع، عروض التجارة هذه تدخل تحت هذه الصور.
أنا لا أريد ذكر كل شيء، لكن أريد أن أصور لكم الشرط الأول؛ إذا كان الشرط الأول من شروط زكاة عروض التجارة هو أن يكتسب عروض التجارة بفعله، وصورتها ثلاثة: إما من خلال عقد معاوضة محضة مثل عقد البيع والشراء، أو من خلال عقد معاوضة لكنها غير محضة مثل النكاح أو الخلع، أو من خلال عقد لا معاوضة فيه مثل الهبة والوصية أو حتى الاصطياد والاحتطاب.
أما إذا اكتسب عروض التجارة بغير فعله، ففي هذه الحالة لا تجب الزكاة فيها. مثل ماذا يا شيخ؟ تزكى من غير فعله؟ يسمونها الامتلاك التلقائي، امتلكت تلقائيًا مثل الميراث. هذه أول صورة؛ لو أن والدك توفاه الله الآن، دخول أملاك الوالد في ملكك هذا ليس بإرادتك، بل دخول جبرًا شرعًا، فأنت ليس لك فعل فيه البتة.
قد تقول: يا شيخ، ماذا عن الوصية والهبة؟ لا، الوصية والهبة أنت قبلت، ولو لم تردها لا تدخل في ملكك. أما الميراث فبشرع الله، بمجرد أن مات والدك وانتهينا من كل الالتزامات والحقوق وجاء وقت الميراث، يدخل الميراث في ملكك من دون إرادتك، إن أحببت أن تتبرع به بعد ذلك فهذا أمر يخصك. فيقول الميراث: صورة اكتساب سلع وأعيان من دون إرادة ومن دون فعل منك، فإذا امتلكت سلعة أو عينًا عن طريق الميراث، يقولون هذا اكتسب شيئًا من دون فعله، بالتالي لا زكاة فيها حتى لو عرضها للتجارة، ما دامت دخلت في ملكك ميراثًا وليس بفعل منك ابتداءً، فلا زكاة فيها.
هناك أمثلة يذكرونها أيضًا، مثل لو أنك طلقت المرأة قبل الدخول وكنت قد سميت لها مهرًا، قلت لها: لك هذه خمس سيارات أو ست سيارات هذا مهرك، ثم طلقتها قبل الدخول، فنصف المهر سيرجع لك جبرًا؛ أنت كمطلق إذا طلقتها قبل الدخول نصف المهر سيرجع لك جبرًا من دون إرادتك. قد ترغب أن تعطيها إياها هدية، فهذا شأنك، لكن نحن نقول إذا قمت بطلاقها فعليًا فنصف المهر سيعود إليك جبرًا من دون اختيارك، لن يتوقف رجوعه إليك على قبولك، «حتى تفارقوا كل شيء».
الفعل الذي صدر منه هو أنه طلقها، لكن رجوع نصف المهر إليه هو جبر بحكم الشارع، إن أحب بعد ذلك أن يتركه للمرأة ولا يأخذه فهذا تبرع وهدية وهبة منه. قد تسأل: ما الفرق بين الهبة والوصية؟ أريدكم أن تفرقوا؛ في الوصية شخص أوصلك بشيء وأنت قبلت، فالشرع لا يدخل الوصية في ملك الموصى إليه جبرًا، بل هو الذي يقبل. وفي الهبة لو شخص وهب لك شيئًا، هل يدخل بمجرد هبته في ملكك؟ كلا، لازم أنت تقبل، وهناك شروط كأن تضع يدك عليه. أما لو طلقت زوجتك، هل رجوع نصف المهر إليك بإرادتك أو بإرادة أي أحد؟ لا، هو رجوع شرعي، يعني الشرع سيحكم به تلقائيًا مثل الميراث.
بالتالي، هذه السيارات الثلاث رجعت إليك لأنك طلقت زوجتك قبل أن تدخل بها، فلا زكاة عليك فيها حتى لو عرضتها للبيع وبعتها، لأن دخولها في ملكك ليس بفعل كان بإرادتك، وإنما هو دخول شرعي، الشرع حكم به ولا يتوقف دخول هذه السلع أو العروض إلى ملكك على اختيارك. لذلك أنا أعبر أحيانًا لبعض الإخوة بهذه الطريقة، أقول لهم: إذا كانت عروض التجارة دخلت إلى ملكك...
من دون إرادتك لا زكاة عليك فيها، مثل الميراث، مثل من طلق زوجته قبل الدخول. أما إذا دخلت على ملكك بإرادتك، فالفقهاء يقولون: إذا اكتسبها بفعله، وأنا أحياناً أرى كلمة "الفعل" وتضيع بعض الطلاب، فأقول "بإرادته"، أن يكتسبها بإرادته، فمن الممكن أن تكون أدق قليلاً أو أسهل على الطالب في الفهم، أن في عروض تجارة تدخل عليك بإرادتك، مثل البيع مثل النكاح.
المرأة مثلاً لو ما أرادت أن تتزوج هذا الرجل، وكان الثيب مثلاً ما بدأت تتزوج الآن، فلن تأخذ المهر؛ لأن دخول المهر إليها كان بإرادتها أنها رضيت أن تسلم نفسها بالنكاح له، فبالتالي استحقت أن تأخذ العوض. كذلك الخلع، المرأة قالت لزوجها: خلّعني وأعتقني بالسيارات، فإذا قال: ما بدي السيارات، هل ستدخل في ملكه؟ لا، قال: نعم وخالعها، فاستحق. فإذن دخول عروض التجارة يكون بإرادتك أنت الذي اخترت، كذلك في الهدية، في الوصية، في الاحتطاب، في الاصطياد؛ هذه كلها أفعال فعلتها بإرادتك لتأخذ عروض التجارة.
أما بالنسبة للميراث، وبالنسبة لمن طلق زوجته قبل الدخول، فهنا عودة الشيء إلى ملكه أو ذهاب الشيء إلى ملكه هو حكم من الشارع، ولا يتوقف على إرادته ورضاه. فعروض التجارة التي فيها الزكاة، الشرط الأول فيها أن تكون قد دخلت على ملكك الشخصي بإرادتك، سواء بعقد معاوضة محضة، أو بمعاوضة غير محضة، أو حتى بعقد غير معاوضة، لكن أنت الذي ستقبل أن تدخل أم لا تدخل.
أما إذا دخلت في ملكك من دون إرادتك، فلا زكاة فيها، حتى يا شيخ لو عرضها للتجارة؟ هذا الرجل الذي ورث من أبوه محل السيارات، ورث معرض السيارات فدخل في ملكه من دون إرادته، فإذا عرض السيارات للبيع، هل تجب فيها الزكاة؟ لا، لا زكاة فيها عند الحنابلة؛ لأنها لما دخلت في ملكه لم تدخل بإرادته، بل دخلت حكماً من الشارع. بالتالي هم يقولون: لا بد أن تكون عروض التجارة قد اقتنيتها أو اتخذتها للبيع، فإذا هي دخلت في ملكك جبراً، فليس عندك نية تجارة ابتداءً.
هل هذا الولد الذي ورث من والده معرض السيارات كان في نيته أن يتاجر؟ لا، هو في ليلة ومساها، كما يقولون، مات والده ووجد محل السيارات عنده، فدخل شرعاً في ملكه وليس بإرادته، فهو بعد ذلك قرر أن يبيعها ويعرضها للبيع؛ فهنا هذا هو الشرط الذي اختل في زكاة عروض التجارة. هم يقولون: عروض التجارة حتى تُزكى لا بد أن تكون أنت اتخذتها لتبيعها، وقضية أنك اتخذتها لتبيعها لا تتصور إلا إذا اكتسبتها بإرادتك، فإذا اكتسبتها بإرادتك يتصور حينئذ أن تكون اتخذتها لتبيعها. أما إذا دخلت في ملكك جبراً ووجدت نفسك في الأمر الواقع ثم قررت أن تبيع، فحينئذ لا نحاسبك بزكاة عروض التجارة.
لو فرضنا أن هذا الولد الذي ورث من والده محل السيارات قد عرضها للبيع، وهي معروضة للبيع ولكن لا زكاة فيها، ثم باع كل هذه السيارات لشخص، وبعدما باعها لهذا الشخص أفلس هذا الشخص وقال للولد: أريد أن أبيع لك معرض السيارات مرة أخرى، فقال له الولد: ليس عندي مشكلة، أرجع وأشتري منك. الآن الولد اشترى معرض السيارات مرة أخرى، وهو ناوي عندما اشتراه أن يتخذها عروض تجارة؛ فهذه المرة عندما رجعت إليه أصبح عليه الزكاة فيها؛ لأنه اشتراها مرة أخرى فدخلت إلى ملكه بإرادته بمعاوضة محضة، فأصبحت تجب الزكاة فيها. لكن في المرة الأولى دخلت على ملكه جبراً من دون إرادته، فلن تكن الزكاة واجبة عليه فيها. هذه فروق مهمة وأصول مهمة في هذا الباب. إذن هذا هو الشرط الأول: أن يكتسبها بفعله، أو بكلمة "بإرادته". إذا قلنا الإقالة بيع، فقد انعقد وانتهى، وعليه الزكاة؛ لأنه عقد وتوقف على تراضيهم.
بسم الله، نذهب الآن أحبائي إلى الشرط الثاني. نحن قلنا هذا الشرط الأول وهو أن يمتلكها بإرادته، والشرط الثاني قالوا: أن يمتلكها بإرادته أو بفعله بنية التجارة. فإذا عرضنا الشرط الأول وهو أن يمتلكها بإرادته -ويسميها الفقهاء بفعله- فالشرط الثاني هو أن يمتلكها بنية التجارة. ماذا يعني هذا؟ يعني أنا ممكن أشتري خمس سيارات من بائع سيارات، لكن عندما اشتريتها واقتنيتها لم تكن عندي نية تجارة، فقد اشتريت واحدة لأعطيها لابني، وواحدة لوالدي، وواحدة للاستعمال، وواحدة للزوجة مثلاً.
هل عندما اشترى السيارات بالمعاوضة كان ناوياً بها الاتجار؟ قالوا: «فمن اشترى سلعاً وأعياناً ولم يكن قد نوى الاتجار في لحظة الشراء، هذا الشخص لا زكاة عليه في هذه السلع والأعيان». ولو عرضت له نية الاتجار فيما بعد، يعني أنا في لحظة الشراء اشتريت هذه السلع بنية القنية لأقتنيها لنفسي، وبعد سنة أو سنتين قلت: والله هذه السيارات كثيرة، سأعرضها للبيع؛ هنا نية التجارة أصبحت عارضة، فإذا عرضت نية التجارة بعد نية الاقتناء، فلا تجعل هذه السيارات عروض تجارة تجب فيها الزكاة، بل تبقى لا زكاة فيها. فلا بد في لحظة اقتنائك للأعيان بإرادتك -أي إذا حققت الشرط الأول- أن تحقق معه الشرط الثاني. فأول شرط: لا بد أن تكتسب عروض التجارة بإرادتك، ولما اكتسبتها بإرادتك كنت ناوياً بها الاتجار ابتداءً. أما إذا اكتسبتها بإرادتك لكن كنت ناوياً الاقتناء الشخصي، ثم عرضت لك نية تجارية فيما بعد، فهذا لا يجعلها عروض تجارة تجب فيها الزكاة.
سنتحدث أيضاً عن العكس؛ لو أن شخصاً اشترى سيارات بإرادته، سواء عن طريق البيع أو دخلت المرأة عن طريق المهر أو ما شابه ذلك، المهم أنه اكتسب عروض تجارة بإرادته، ولما اكتسبها ودخلت كان ناوياً بها الاتجار، فإذا تحقق الشرطان؛ نبدأ مع الحول إذا كانت بلغت النصاب، ونبدأ معها حولاً، وفي نهاية الحول نقيمها ونزكيها إذا وُجد الشرطان. سنفصل ذلك في أثناء الحول.
هذا الرجل عدل عن نية الاتجار وقال: "بدي استعملها للاستعمال الشخصي". كان عنده خمس سيارات اكتسبها بإرادته واشتراها ابتداء بنية الاتجار، فبدأنا نعد الحول، وفي منتصف السنة قلب النية وقال: "بدي أحولها للاقتناء الشخصي". إذا حولها للاقتناء الشخصي خلاص ما عادت عروض تجارة ولا تجب فيها الزكاة.
إذا أنتم ملاحظين، إذا اشتراها ابتداء بنية الاقتناء وحول نيته للتجارة ما اعتبرنا نية الاتجار، وإذا اشتراها ابتداء بنية الاتجار وحولها للاقتناء أيضًا لغينا نية التجارة وحولناها للاقتناء. وهذا يدل على ماذا؟ يدل على أن الأصل في اقتناء الإنسان للأشياء نية القنية وليس نية الاتجار. لاحظوا في كلا الحالتين غلبنا الاقتناء، وهذا يدل على أن الحنابلة يقولون: الأصل في امتلاك الإنسان للأشياء أن يمتلكها للقنية، وامتلاكها للتجارة نية عارضة فيجب أن تكون ابتداءً موجودة، فإذا لم تكن ابتداءً موجودة، بل كنت ابتداءً امتلكت الشيء بإرادتك بنية الاقتناء ثم عرضت نية الاتجار، نبقى على الأصل وهو الاقتناء.
والعكس، لو أنك اشتريتها ابتداء بنية الاتجار وقلبت للاقتناء فإننا نعتبرها نية اقتناء. أنتم تخيلوا، ستبقى نية الاقتناء حتى ولو عاد لنية الاتجار بعد ذلك. يعني الرجل اشترى ابتداءً بنية التجارة، وفي منتصف السنة قال: "بدي أحولها للاقتناء"، وفي نهاية السنة رجع نوي التجارة، ما بترجع. وهذا يدل على قوة أصل الاقتناء؛ قوتها أنه لما كانت نية الاتجار موجودة ثم عرضت نية الاقتناء ألغينا نية الاتجار، الآن عنده نية اقتناء. رجع بعد شهرين أو ثلاثة قال: "بدي أرجع أتجر فيها"، ما بترجع، تظل لها نية اقتناء وما عليك زكاة.
أنتم لاحظتم؟ بينما لو كانت أول السنة اقتناء ثم حولها للتجارة، أصلاً مستحيل ترجع؛ لأنه إذا كانت في منتصف السنة اقتناء وصارت اتجاه لغيناها، فمن باب أولى لو أنا ابتداءً في الاقتناء وبعدين حولتها للتجارة أنه ما راح تنقلب للتجارة. فإذاً نية الاقتناء هي النية الأقوى، بالتالي متى ما عرضت نية الاقتناء أفسدت نية الاتجار ولا زكاة عليك.
إذن لابد بالتالي أن يمتلكها بإرادته بنية الاتجار، وأستطيع أن أزيد شرطاً ثالثاً؛ طبعاً هذا لم أرَ أحداً زاده، لكن أستطيع أن أزيده من خلال فهمي لكلام الحنابلة، وهو أن تبقى نية الاتجار حاضرة طوال العام. هذا صار شرطاً ثالثاً وهو مفهوم من الكلام؛ لأنه إذا نية الاتجار انكسرت وتحولت لنية اقتناء، ما عاد فيها زكاة عروض تجارة. بالتالي أستطيع أن أقول أن أزيد شرطاً ثالثاً وهو مفهوم كلامي، وهو بقاء نية الاتجار إلى نهاية الحول. فإذا كسرت نية الاتجار، أنا اكتسبت سلعة بإرادتي وهذه السلعة اكتسبتها بنية التجارة، فأزيد شرطاً ثالثاً: بقاء نية الاتجار طوال العام، حتى تتم الفائدة لكم.
لكن بدي استثني شيئاً واحداً، حلي اللباس، الحل الذي تلبسه المرأة. يقولون هذا الحلي إذا اشتريته بنية التجارة ثم حولته إلى اقتناء، ثم أرجعته لنية التجارة، يرجع لنية التجارة. هذه السلعة الوحيدة: الحلي الذي تلبسه المرأة؛ قلادة الذهب، دوار الذهب، وما شابه ذلك.
الحرير اتكلمنا عنه امبارح واتكلمنا عنه اليوم، حلي المرأة من الذهب أو الفضة؛ لو أن شخصاً أتى به بنية الاتجار، اكتسبه بفعله بنية التجارة، الآن هو عروض تجارة، في نصف السنة قال: "بدي أحوله للاقتناء"، قالوا لي: "حولْه للاقتناء بدي أعطيه لزوجتي وبدي أعطي بناتي"، ثم بعد هيك الرجل بخل، فقال: "ليش أعطي لزوجتي وبناتي؟ لا، أنا بدي أرجعها بنية التجارة". هل بترجع نية الاتجار؟ ترجع نية الاتجار فقط في هذه السلعة. سائر السلع على أصل الماضي؛ إذا اشتراها بنية التجارة ثم حولها للاقتناء ثم رجع لنية التجارة ما بترجع نية التجارة، خلاص تظل كلها اقتناء. قالوا: إلا الحلي، إذا اشتراه بنية التجارة ثم كسر هذه النية للاقتناء، ثم عاد للاتجار فإنها تعود للاتجار.
ممتاز، طيب برأيكم لو سألت: لماذا الحلي هذا هو الوحيد؟ لماذا الذهب والفضة هو الوحيد؟ إذا كان اشتراه بنية الاتجار ثم حوله إلى اقتناء ثم عاد للاتجار تعود فيه الزكاة، يعني في شيء يتعلق به، ما هو برأيكم باختصار؟ الأصل في الذهب والفضة وجوب الزكاة فيها.
لأن الأصل في الذهب والفضة وجوب الزكاة فيها، فإذا كان هذا الحلي المباح قد اشتراه ابتداءً بنية الاتجار ثم حول نيته للاقتناء والاستعمال، ثم بعد ذلك عاد لنية الاتجار، العودة لنية الاتجار هي عودة بالذهب والفضة ليكون مزكّى، والأصل في الذهب والفضة أن يكون مزكّى. بخلاف سائر عروض التجارة؛ صحون الذهب والفضة، حلي، قراريط، وخلخال، لكن بشكل عام الذهب والفضة الأصل في أنه مال زكوي، فبمجرد ما غيرت نية الاقتناء وقعدت على نية التجارة، بمجرد هذا عادت إلى وجوب الزكاة فيها لأن الأصل فيها وجوب الزكاة، فلذلك استثنوه من بين سائر السلع الأخرى.
إذاً عرفتم يا أحبائي ما هي شروط الزكاة في عروض التجارة؟ أولاً: أن يكتسبها بإرادته. ثانياً: إذا اكتسبها بإرادته أن يكون ناوياً ابتداءً التجارة بها. ثالثاً: المحافظة على هذه النية طوال العام. وعرفتم الاستثناء في قضية الذهب أو الفضة. ممتاز، هذه الشروط افهموها حتى تطبقوها عندكم في العملية؛ لأن كثيراً من الناس يتصور الأمر على خلاف ما هو عليه، كثير من الناس تدخل عليهم بالميراث سلع وشقق ويعرضونها للتجارة، فيظن أنه عليه زكاة فيها وهو ليس عليه زكاة فيها، لابد أن تدخل بإرادتك، ولما دخلت بإرادتك دخلت بنية الاتجار وتبقى هذه النية قائمة عندك.
جيد، كم ذهب من الوقت يا أخي؟ أو عشرة، خلينا نكمل. ثم قال: إذاً هكذا، طبعاً هذا كله في بيان الشروط. الآن أرجع إلى ما ذكره الشيخ، قال: «ولا عبرة بقيمة آنية الذهب والفضة بل بوزنها، ولا بما فيه صناعة محرمة عموماً، فتقوم أو فيقوم عارياً عنها».
الآن نحن ذكرنا طرفاً منه في المحاضرة السابقة، أن لو كان عندك الآن حلي أو عروض تجارة، لكن اليوم بدنا نوسعها شوي. عندك حلي محرم أو عروض تجارة من أوانٍ وأقلام ودواء مصنوعة من الذهب أو بالفضة. الآن نحن في الدرس الماضي كنا نتكلم فقط عن الحلي المحرم، هو الآن الشيخ مرعي بده يوسعها؛ لأن الذهب والفضة قد يصنع به العديد من الأشياء المحرمة وليس فقط الحلي، ممكن تصنع صحناً، إناءً، قلماً، دواءً، زينة، زخرفة بيتية. فيقول لك: أي سلعة من الذهب أو بالفضة، أي سلعة صنعت من ذهب أو فضة وليست من الحلي المباح، سواء كانت حلياً محرماً أو ليس مما يتحلى به، سلعة مصنوعة من الذهب أو الفضة.
فنحن عرفنا في المحاضرة السابقة أن الحلي المحرم لما نحسب نصابه، وبماذا نحسبه؟ عندما يكون عندك حلي محرم، يعني مصنوع من الذهب أو الفضة، وتحرم هذه الصنعة فيه. طبعًا أنا في المحاضرة السابقة قلت لكم إن الحلي المحرم أثرت عليه بالصحون وما شابه ذلك، أنت بشكل عام تريد أن تقول: الحلي المحرم يدخل فيه ما قاله الشيخ مرعي: آنية الذهب والفضة وكل ما صنع بالذهب أو الفضة بصنعة محرمة، مثل القلم أو الدواء، أي شيء فيه صنعة محرمة من الذهب أو الفضة.
هذا أنا أسميه دائماً للإخوة: خلاص، حلي محرم، حتى لا أوجع الدماغ في التقسيمات؛ أقول له خلص الحلي المحرم بكل ما يشمله من صحون وأقلام ومناظر وزخارف وما شابه ذلك، هذه كلها أسميها الحلي المحرم. في المحاضرة السابقة قلنا إنه لما نأتي لنحسب النصاب، فنحن نحسبه بالوزن لا أنظر إلى قيمته.
إخواني بشكل عام، في العادة وزن الذهب أو وزن الفضة له سعر، وقيمة المصنعية كما ذكرنا لها سعر آخر، فيكون في العادة المجموع الكلي أعلى من مجرد وزن الذهب أو الفضة. ماذا تريد يا شيخ بهذا الكلام؟ إذا كان عندي صحن ذهبي وزنه مئة غرام، وفرضنا أن الغرام بأربعين ديناراً؛ فالذهب وزناً -ركزوا الذهب وزناً فقط من دون النظر للمصنعية- سعره أربعة آلاف دينار.
الذهب الذي صنع منه هذا الصحن كوزن وحده سعره أربعة آلاف دينار؛ مئة غرام هي أربعة آلاف، وطبعاً مئة غرام تجاوزت النصاب الذي هو خمسة وثمانون غراماً. لكن المصنعية الآن يضيفونها، فيقول لك: وعليه مصنعية مثلاً أربعمئة دينار، وترى هنا أصلاً تجار الذهب يربحون في المصنعية. عندما تذهب لتاجر الذهب، هو يرفع وينزل في المصنعية، أما غرام الذهب فسيجد صعوبة في التلاعب به، لأنك تستطيع أن تسأله: كم غرام الذهب اليوم؟ فيقول لك: والله أربعون، والكل متوحد في سعر الغرام.
إذن أين يربح التجار؟ يربحون في المصنعية، فيقول لك: هذه مصنعيته فيها حركة كثيرة، أو هذه السوارة مصنعيته أغلى؛ فهذه السلاسل فيها زخارف وغيرها، فيربحون في المصنعية. هذا الصحن الآن قيمته النهائية أربعة آلاف وأربعمئة، لكن القيمة النهائية هي مجموع قيمة الذهب بالوزن زائد المصنعية، ولأن المصنعية هنا محرمة، فهذا حلي محرم، وهذا هو الصحيح الذي أعتبره من الحلي المحرم من باب تسهيل الفكرة.
بالتالي هذه المصنعية لها قيمة لا قيمة لها. فلما أريد أن أحسب النصاب، هل هذا الصحن نصاب أم ليس نصاباً؟ أنظر فقط لغرامات الذهب وأرى سعرها في السوق وبناءً عليها أزكي؛ أقول: مئة غرام تساوي أربعة آلاف دينار، وأزكي من الأربعة آلاف دينار. فبناءً على ذلك، عندما حسبت النصاب، حسبته فقط بالغرامات وكم تسوى هذه الغرامات بالدنانير، ولم أنظر إلى قيمة المصنعية.
وأيضاً عندما أخرجت الزكاة، أي عندما حسبت النصاب بالوزن فقط ولم ألتفت للمصنعية لأنها محرمة، وعندما أتيت لأخرج ما يجب علي وهو ربع العشر، أخرجت فقط باعتبار الوزن ولم ألتفت للمصنعية، فلم أخرج ربع العشر من المصنعية لأنها محرمة. لذلك ما قاله الشيخ مرعي هنا: «ولا عبرة بقيمة آنية الذهب والفضة».
طبعاً أنت هنا تسميها القيمة الإجمالية، لتفهم؛ القيمة الإجمالية للصحن شاملة لوزنه زائد قيمة المصنعية، لأن البعض قد يقول: بخبطنا يا شيخ. لا، القيمة النهائية للصحن هي مجموع ما تسواه غراماته (أربعة آلاف دينار) زائد قيمة المصنعية، وهذه تمثل القيمة الكلية للصحن. فماذا قال الشيخ مرعي؟ «ولا عبرة بقيمة آنية الذهب والفضة»، هو يقصد بالقيمة هنا قيمة المصنعية فقط، أم القيمة الإجمالية؟ يقصد أن القيمة الإجمالية هنا لا عبرة بها؛ لأن القيمة الإجمالية تحسب ضمنها قيمة المصنعية، ولأن المصنعية هنا محرمة، فلا ننظر للقيمة الإجمالية.
لماذا لا عبرة بالقيمة الإجمالية التي هي أربعة آلاف وأربعمئة؟ لأن القيمة الإجمالية يحسب في ضمنها قيمة المصنعية والمصنعية هنا محرمة، بالتالي لا ننظر للقيمة الإجمالية، بل ننظر فقط كم غرام وزناً، وهذه الغرامات كم تساوي بالدنانير، ونخرج الزكاة عن قيمة الغرامات فقط التي هي الوزن. إذن «لا عبرة بقيمة آنية الذهب والفضة»، لا أنظر للقيمة الكلية التي تدخل تحتها المصنعية، بل بوزنها فقط.
قال أيضاً: «ولا بما فيه صناعة محرمة»، يعني لا عبرة بقيمة آنية الذهب والفضة وكل شيء فيه صناعة محرمة، سواء كانت أواني أو غير أواني؛ هو أول شيء ذكر الأواني وأنت قس عليها غير الأواني، أي حلي محرم مثل القلم، مثل الأكواب، مثل المناظر التي توضع في البيت، للأسف كل شيء فيه حلي محرم، هذا عندما تنظر فيه للنصاب تنظر بالوزن، ولما تريد أن تخرج ربع العشر تخرجه أيضاً بالوزن.
هذه فكرة، وهي مراجعة للمحاضرة السابقة. قال: «ومن عنده...» ما عندك مواضيع أخرى يا أخي الكريم؟ هنا: «ورثه لم يصل». الحمد لله، هنا العبارة شعرت فيها بشيء من القلق حقيقة عندما قال: «أو ورثه الأصل». دعونا نشرح العبارة من دون قضية «أو ورثه»، ونشرح العبارة من دونها؛ ماذا تقول: «ومن عنده عروض تجارة»، أنا اكتسبت بإرادتي شيئاً بنية عروض التجارة، وهي نفسها: اكتسبت شيئاً بإرادتي بنية عرض التجارة.
إذاً، إذا بلغ النصاب، عليَّ زكاة فيه، ولكن يجب أن أنتظر مرور الحول. أثناء الحول، إذا قلب النية إلى قنية، كما قال: «ومن عنده عروض تجارة فنواه للقنية»، أي قلب النية من تجارة إلى قنية، ثم عاد مرة أخرى فقلب القنية إلى التجارة؛ هل تعود نية التجارة؟ قال: لا، لم يصر عَرَضاً بمجرد النية. واستثنى ما استثنيناه غير حلي اللبس، وهي حلي المرأة المصنوع من الذهب أو الفضة. الله يرضى عليكم، قضية حلي اللبس لا أريدكم أن تدخلوا فيها الجواهر والألماس، لا، هذه كلها ليست داخلة.
لما يقول لك "أنا حلي"، خلص؛ ذهنك يرتبط بماذا؟ ذهب أو فضة. وأما الحلي الذي لا زكاة فيه مثل الألماس والياقوت، فهذا غير مراد هنا. وعرفنا لماذا استثنينا حلي اللبس، وقلنا إنه إذا عاد من نية الاقتناء لنية التجارة تعود؛ لأن الأصل في حلي اللبس أنه من الذهب أو الفضة، والذهب والفضة ما هو الأصل فيهما؟ وجوب الزكاة.
فهو أقوى من سائر عروض التجارة؛ الحلي هو أقوى من سائر عروض التجارة لأنه مصنوع من ذهب أو فضة، والذهب والفضة الأصل فيهما الزكاة. فإذا عدت من نية الاقتناء إلى نية الاتجار ترجع النية.
قضية «أو ورثه» هذه هي التي شعرت أنها قلقة. ماذا يقصد من "عنده عرض للتجارة أو ورثه"؟ الآن إذا أنا ورثت، ورثت للتجارة، هو في الحقيقة لم يدخل في ملكي بإرادتي. يعني والدي عنده سيارات، عروض تجارة -إن شاء الله بطول العمر توفاه الله سبحانه وتعالى، وهذا طبعاً طول العمر بالطاعات وهذا الأفضل في الدعاء- انتقل هذا، هذا أعرض إليّ ورثة، إذا انتقل إلي بالميراث، فهنا قالوا لم أكتسبه بإرادتي.
بالتالي لا داعي لأن يقول "ومن عنده عرض للتجارة أو ورثه"؛ لأنه إذا أنا ورثته وراثة، فهو لم يدخل في ملكي بإرادتي. بالتالي أصلاً لو نويت التجارة فيه وغيرت الاقتناء ورجعت للتجارة ونويت الاقتناء، كل هذا لا أثر فيه ما دام أنني ابتداءً لم أمتلكها بإرادتي.
فقضية «أو ورثه»، حتى هنا الشيخ ابن عوض لم يعلق على العبارة ولم يعلق على أي تعليق، وهذا مستغرب؛ لأن إقحام قضية «أو ورثه» هنا أشعر فيه بشيء من القلق، وأنه يضيع الفكرة التي نريدها والتي أصلناها، وهي أنه إذا أنا امتلكت شيئاً ورثته؛ خلاص الشرط الأول من شروط الزكاة في عروض التجارة لم يتوفر لدي، أول شرط أن تمتلك الشيء بإرادتك. وامتلاكك للشيء بغير إرادتك بالميراث -كما ذكرنا مثال على ذلك- هذا لا يجعل هذه السلعة فيها زكاة حتى ولو أنك عرضتها للتجارة.
فلذلك لم يظهر لي وجه إقحام كلمة «أو ورثه» هنا. والأصل أن نكتب: "من امتلك الشيء بالميراث لا يجب عليه الزكاة فيه، حتى لو عرضه للتجارة". أول اقتناء وعاد للتجارة لا تجب عليه أبداً نية الزكاة ما دام دخل عليه عن طريق الميراث.
أنا حاولت أتكلّف هذا التكلف لكن العبارة لا تساعدني، أنا شاعر أن العبارة لا تساعد على إيصال فكرة أنه ما دام لم يمتلك شيئاً بالميراث لا تجب عليه الزكاة فيه لأنه دخل من غير إرادته. العبارة لم تساعد، ومر معنا أكثر من فقرة عند الشيخ مرعي يقصد شيئاً صحيحاً لكن عبارة لا تساعده. هذه مرت معنا في أكثر من مرحلة في الكتاب، وفي النهاية جلّ من لا يسهو كما يقولون، أو الإنسان مهما بلغ في العلم كعباً عالياً، إلا قد تكون بعض العبارات يمكن أن يؤتى بأفضل منها، ونترحم على الأئمة ونسأل الله أن يغفر لهم وأن يجزيهم عنا خير الجزاء.
الآن هكذا نكون انتهينا من زكاة عروض التجارة، سنتكلم كما وعدناكم عن زكاة المعدن. وها هو الآن سيذكر زكاة المعدن، وإن كان المعدن الأصل أن يذكر مما خرج من الأرض، لكنه أُقحم كما قلت يذكر بعد زكاة النقدين وعروض التجارة؛ لأن هناك نقاط اشتراك بينه وبين عروض التجارة والنقود فيما هو الكمية التي يجب إخراجها، وهي ربع العشر. فالمعادن والتجارة والأثمان كلها لما تأتي تزكيها تستخرج منها ربع العشر، لذلك هذه يذكرونها مع بعضها.
البعض وإن كان المعدن كما قلنا هو مما خرج من الأرض، وأظن أنني إذا دخلت فيه سآخذ وقتاً، فأؤجل قضية المعدن إن شاء الله ونبتدأ بها المحاضرة القادمة، ونقطع زكاة الفطر. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل