غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية. يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمه الله. في المحاضرة السابقة أصّلنا مفهوم زكاة الحبوب والثمار، وعرفنا أن الحبوب والثمار وأوراق الشجر المقصودة التي تجب فيها الزكاة إنما هي المكيلة المدخرة بهذين الشرطين.
وحتى تجب الزكاة في المكيل المدخر من الحبوب والثمار والأوراق هناك شرطان أساسيان، هما أولاً: إكمال النصاب الشرعي 611 كيلو غرام، ثانياً: أن تكون مالكاً لهذا النصاب حينما يدخل وقت الوجوب، أي أتى وقت الوجوب على الحبوب والثمار والأوراق وأنت مالك لها.
وذكرنا فكرة الاستقرار؛ لمن كان من طبعه أنه يرسل الحبوب والثمار إلى المخازن، إن هذا الشخص إذا تجفf محصوله بدون تعد ولا تفريط منه بجائحة سماوية قبل أن تصل إلى المخازن فإنه لا زكاة عليه. أما إن تلف بعضه، فهنا طبعاً فيه خلاف بين "الإقناع" و"المنتهى"؛ إن تلف البعض وبقي البعض، هل هذا الباقي يزكى؟
قالوا في "الإقناع": الباقي يزكى بشرط أن يكون الباقي نصاباً. وفي "المنتهى" قال: الباقي يزكى مطلقاً، كان نصاباً أو لم يكن نصاباً، ما دام أنه مع التالف كان يشكل النصاب. فالخلاف كان في هذه الجزئية: أنه إذا تلف البعض وبقي البعض، هذا البعض المتبقي هل يزكى ولا لا؟ "الإقناع" قال: يزكى إن كان الباقي نصاباً، و"المنتهى" اقتصر على أنه يزكى ما دام أنه مع التالف كان يشكل النصاب حتى ولو كان هو الآن المتبقي لا يمثل نصاباً.
واضح الخلاف تماماً عن الباقي، لكن من خلافه هل ننظر فيه هل الباقي نصاب أو ليس بنصاب؟ أما هو أكيد عن التالف الذي لا يكون عليه زكاة ما دام تلف بجائحة سماوية وليس بتعد ولا تفريط. أما من لا يضع أصلاً أو من لا يرسل المحاصيل الزراعية للمخازن ويبيعها مباشرة في السوق المركزي أو يرسلها مباشرة للشحن، فهذا خلصت قضية استقرارها في المخازن أو عدم استقرارها لا تهمه؛ لأنه أصلاً لا يضع في المخازن محصوله، فتجب عليه الزكاة مباشرة.
ثم عرفنا أيضاً كمية المخرج وأنها تتفاوت بحسب طريقة السقي المعتمدة؛ تفاوت المخرج عرفناه أنه يختلف باختلاف طريقة السقي. فمن كان يسقي بعل مطلقاً فهذا عليه العشر، ومن كان يسقي بالكلفة مطلقاً أي طوال العام فعليه نصف العشر، ومن كان يسقي نصف العام بعل ونصف العام بالكلفة فعليه ثلاثة أرباع العشر. ومن كان يسقي بهما لكن هناك تفاوت، فباعتبار الأكثر؛ إذا كان الأكثر بعلاً فالعشر، وإذا كان الأكثر كلفة فنصف العشر. وأما إن جاهل، قال: والله أنا عندي تفاوت، أحياناً بسقي هكذا وأحياناً بسقي هكذا لكنني لا أعرف أيهما أكثر، فهنا يخرج العسر احتياطاً.
وعرفنا بعد ذلك ما يتعلق بإرسال أمير المؤمنين للخالص، وهذه سنة؛ أن يرسل أمير المؤمنين الخالص، والخالص هو دائماً "المخمن" في لغتنا المعاصرة. يرسل المخمن عند الحنابلة لمزارع النخيل والعنب فقط، وإن كان هناك نظرة استصلاحية الأصل أن يوصل إلى كل ما يقتاته الناس رطباً، ولكن هذه دعوها للبحث العلمي، لكن الحنابلة -أقول المعتمد- أن الحاكم يسن له أن يرسل الخالص لمزارع النخل والعنب حتى يخمّنها على أصحابها، ويقدر لهم كم ستُقدر هذه الثمار الرطبة باليابس وكم سيكون عليهم، ثم يأذن لهم بعد ذلك أن يتصرفوا بهذه الثمرة كما يشاؤون؛ أي بعد أن حفظنا حق الفقراء دعهم يتصرفوا كما يشاؤون في محصولهم.
وعرفنا أنه يجب على الحاكم المسلم أن يبعث عمال الزكاة عندما يقترب وقت الوجوب، حتى يقبضوا زكاة المال الظاهر، وهذا المال الظاهر يدخل فيه الحبوب والثمار، وأنا قلت طبعاً العسل أيضاً يدخل مع الحبوب والثمار في هذه الفكرة، ويدخل معها بهيمة الأنعام.
موعدنا إن شاء الله لنكمل هذا الباب وننظر إلى أين سيقف مركبنا في هذه المحاضرة. وقفنا عند قضية اجتماع العشر والخراج في الأراضي الخارجية، وهذه فكرة ربما كثير من الطلاب لا يستوعبها لأنها ليست موجودة في وقتنا المعاصر للأسف، فدعوني أقربها لكم.
الآن إخواني هناك أراضٍ في الدولة الإسلامية أو في الفكر الإسلامي تسمى الأراضي الخارجية، وسبب تسميتها أراضٍ خارجية يعود إلى ثلاثة أمور تقريباً. وقبل أن أدخل في هذه الأسباب، نعود بشكل عام إلى سيرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ سيدنا عمر بن الخطاب لما فتحت في زمنه العراق وبلاد الشام، حدث خلاف بينه وبين الصحابة الكرام: ماذا نفعل في هذه الأراضي التي فتحت في الشام وفي العراق؟ هل نقسمها غنيمة على الجيش، أم نبقيها خراجاً للدولة المسلمة ينتفع بها الناس من دون أن تقسم على أفراد الجيش؟
وكان هناك قسم من الصحابة قالوا: لا، هذه حق الجيش الذي فتحها، دعونا نقسمها غنائم للجيش. عمر بن الخطاب كان له نظرة بعيدة المدى، نظرة استصلاحية للأمة، وافقه عليها كثير من الصحابة، وعليها صار الأمر أن تبقى هذه الأراضي -أراضي العراق وأراضي الشام- لو أننا وزعناها بين الغانمين، أي بين الجيش المسلم الذي فتحها، لن تبقى هناك أراضٍ للأجيال القادمة؛ لأنه خلص صارت كل هذه الأراضي لأفراد الجيش يتوارثونها بينهم، وكل الشام والعراق الأجيال اللاحقة لن تجد لها فيها موطئ قدم.
انظر إلى النظرة، كيف أنه لو أن عمر رضي الله عنه قسم هذه الأراضي بين أفراد الجيش لانتهى الموضوع، لأن كل أراضي الشام وسوريا ولبنان والأردن والعراق مقسمة لأفراد الجيش الفاتحين الأوائل، فالأجيال اللاحقة لن يكون لهم موطئ قدم في العراق وفي الشام، ولن يستطيعوا أن يتملكوا، لن يجدوا مكاناً يعيشون فيه. فعمر رضي الله عنه قال: لا، أنا أريد أن أجعل أراضي الشام أراضٍ خراجية يستفيد منها أمة الإسلام. فإذا شخص انتفع من أرض من هذه الأراضي الخارجية، عليه أن يدفع سنوياً لبيت مال المسلمين أجرة الانتفاع من هذه الأرض، ويسمى هذا...
الأجرة تسمى خراجًا، هكذا قال؛ هذه لا أوزعها غنيمة، بل أبقيها لعامة المسلمين، أي شخص ينتفع من هذه الأراضي عليه أن يدفع أجرة مقابل انتفاعه لبيت مال المسلمين. هكذا تعامل عمر بن الخطاب مع هذه الأراضي، ثم بعد ذلك الفقه الإسلامي جعل الأراضي الخارجية أنواعًا وأقسامًا.
بالنسبة لنا هنا في هذا الباب، وهو باب الزكاة الذي يهمنا، هناك ثلاثة أنواع من الأراضي الخارجية؛ قالوا: «ويجتمع العشر والخراج في الأرض الخارجية». الآن فسرنا ما هي الأرض الخارجية؟ قال: «وهي ما فتحت عنوة»، يعني الأرض التي فتحها المسلمون عنوة، أي بالسيف وليس بالصلح، وهي ما فتحت عنوة ولم تقسم بين الغانمين.
كتاب الجهاد -إن شاء الله- سوف نتعرف أنه هذا حكم عمر بن الخطاب أصبح حكمًا عامًا في الفقه الإسلامي عند الحنابلة؛ أي أراضٍ تُفتح من قبل الجيش الإسلامي، فالحاكم مخير في هذه الأراضي: إما أن يقسمها على الغانمين، أو يبقيها خراجًا. هذا الموضوع خاص بالأراضي؛ فالجيش الإسلامي له أن يغنم كل ما يجده في هذه البلد المفتوحة إلا الأراضي، فالأراضي الحاكم له أن يجتهد فيها. فإذا اجتهد الحاكم وقال: «قسموا الأراضي بين الجيش غنيمة»، له ذلك، وإذا اجتهد الحاكم أن لا تُقسم وإنما تبقى أراضي خارجية يُنتفع بها، وسنويًا يدفع عنها أموال لبيت مال المسلمين، فالحاكم أيضًا له أن يختار هذا الرأي.
فقضية الأراضي التي تُفتح عنوة، الحاكم المسلم له أن يجتهد فيها بين أن يبقيها خراجية، أو أن يقسمها بين الغانمين. إذا قسمها بين الغانمين، خلاص أصبحت ملكهم، وإذا أبقاها خراجية، أصبحت ملكًا للدولة المسلمة، وأي شخص ينتفع من الأرض الخارجية يجب أن يدفع سنويًا مقدارًا من المال يحدده الإمام المسلم لبيت مال المسلمين.
الآن الشيخ مرعي لما ذكر أن الأرض الخرجية، ذكر في الحقيقة نوعًا واحدًا منها؛ قال: «وهي ما فتحت عنوة» أي بالسلاح، «ولم تقسم بين الغانمين». لماذا أضاف قيد «ولم تقسم بين الغانمين»؟ لأن الأراضي التي تُفتح عنوة الحاكم مخير فيها، فقد تُفتح عنوة ويقسمها على الغانمين، وهنا ما عادت خراجية بل أصبحت ملكًا للغانمين، ويمكن أن تُفتح عنوة والحاكم لا يقسمها ويبقيها خراجية، لذلك هو اختصر بهذا القيد؛ فقال: «ما فتحت عنوة ولم تقسم»، يعني الحاكم المسلم اجتهد ألا تُقسم وتبقى خراجية. فهذا أول نوع من أنواع الأراضي الخارجية: ما فتحت عنوة ولم يقسمها أمير المؤمنين على الجيش، وأبقاه لمصالح الدولة المسلمة.
هناك نوعان آخران أيضًا من الأراضي الخارجية لم يتطرق لهما الشيخ مرعي. النوع الثاني هي الأراضي التي لم تُفتح عنوة، وإن جلا أهلها الكفار عنها خوفًا من المسلمين؛ يعني بلد من هذه البلدان سمعوا أن الجيش الإسلامي يزحف إليهم، فقبل أن يصل الجيش إليهم هربوا من الأرض وتركوها. فهنا الجيش الإسلامي ما فتحها عنوة، جاء فوجدها فارغة فأخذها، هذه مباشرة تذهب خراجًا لمصالح المسلمين العامة، فأي شخص يريد أن ينتفع منها عليه أن يدفع خراجًا للدولة المسلمة.
النوع الثالث من الأراضي الخارجية هي أراضٍ أتى المسلمون ليفتحوها، لكنهم لم يفتحوها عنوة، وإنما عقدوا صلحًا بينهم وبين أهل هذه الأرض على أن تكون هذه الأرض لنا، أي لدولة الإسلام، ويبقوها بين أيديهم يعملون فيها، كما فعل النبي ﷺ في خيبر؛ إن النبي ﷺ أبقاها هناك، قسم أموال خيبر ذهب للغانمين، وقسم النبي ﷺ أبقى اليهود يعملون فيها، لكن تكون الأرض لمن؟ للمسلمين.
فإذا دخل المسلمون منطقة لكن ما فتحوها عنوة، صالحوا أهلها، جاء وفد ولقاء دبلوماسي بين المسلمين وبين هؤلاء أصحاب الأرض، قالوا: لا تفتحوها ولا نريد قتالًا، نعقد صلحًا على أن تكون هذه الأراضي لكم أيها المسلمون، ولكننا نعمل فيها ونسدد لكم خراجًا. هذا هو النوع الثالث الذي يدخل معنا هنا.
هناك في الحقيقة نوع رابع لكن لا يهمني هنا لأنه لا تتعلق به حقوق؛ فالأراضي التي صُالح عليها أن تبقى للكفار هي نوع آخر حين نأتي لمنطقة يصعب فتحها وهي محصنة بشكل جيد، فالمسلمون حتى يرتاحوا ويكفوا شر هؤلاء القوم عنهم، يعقدون مصالحة على أن يكفوا شركم عنا ويكف شرنا عنكم، وتكون هذه الأراضي لكم وفق شروط وضوابط معينة. هذا النوع الرابع لا يهمني هنا في الزكاة.
ما يهمني الآن الأنواع الثلاثة: النوع الأول ما فُتح عنوة ولم يقسمه الحاكم بين الغانمين، والنوع الثاني هي التي جلا أهلها عنها خوفًا من الجيش الإسلامي فأتى المسلمون وأخذوها، والثالث ما صُلح عليه المسلمون على أنه يكون للمسلمين ولكنه يبقى في أيدي هؤلاء القوم ينتفعون منه وفي المقابل يدفعون خراجًا لبيت مال المسلمين. هذه الأنواع الثلاث من الأراضي عليها سنويًا مبلغ من المال كما اتفقنا يسدد لبيت مال المسلمين، يسمى هذا المبلغ "الخراج"، ومصرف الخراج هو مصالح المسلمين أينما صرفوه، قالوا: يصرفه الحاكم في مصالح المسلمين؛ إنشاء الجسور والأنفاق وشبكات المياه وإصلاحها، هذه الأمور التي تتعلق بمصالح المسلمين.
طبعًا، ما علاقة هذه الأراضي التي حكيت عنها بالزكاة؟ الآن هذه الأرض الخارجية، سواء كانت من النوع الأول أو الثاني أو الثالث، إذا انتفع منها شخص مسلم فزرع فيها ثمارًا مدخرة أو حبوبًا مدخرة وخرجت هذه الثمار وهذه الحبوب، هنا يقول لك الشيخ مرعي: هذه الأرض سيجتمع فيها أمران على هذا الشخص المنتفع؛ الخراج الذي يدفعه سنويًا لبيت مال المسلمين، وعليه زكاة الزروع والثمار التي خرجت في هذه الأرض. فإذا كنت شخصًا مسلمًا وعندك أرض خراجية، يعني هي ليست ملكك بل أرض تنتفع بها وتزرع فيها محاصيل، فعليك سنويًا أن تدفع خراجًا لبيت مال المسلمين، وعليك أيضًا بالنسبة للمحاصيل الزراعية أو الثمار أن تخرج زكاتها.
سواء العشر أو نصف العشر بحسب ما يجب عليه فيها. لذلك قال: ويجتمع العشر والخراج في الأرض الخراجية؛ بمعنى أن عليك عشراً على الزراعة، وخراجاً على الأرض. هكذا توزعها؛ فالعشر هو مقابل المزروعات زكاة، والخراج هذا مقابل الانتفاع من الأرض.
ويجتمع العشر والخراج في الأرض الخراجية، وعرفنا أن أنواع الأرض الخراجية المقصودة هنا ثلاثة أنواع: أولاً، ما فُتحت عنوة ولم تُقسم بين الغانمين. ثانياً، ما جال أهلها عنها خوفاً منا. ثالثاً، ما صالَح أهلها على أن تكون لنا وللمسلمين وهم يعملون فيها؛ كـمصر والشام والعراق.
ذكر لك مثالاً، وهذه كما قلنا أراضي مصر، وأراضي الشام، وأراضي العراق؛ لما فتحها عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يقسمها غنيمة، وإنما تركها أراضٍ ينتفع منها المسلمون، لكن للأسف إن هذا الحكم ذهب اليوم، وكل أراضي الشام والعراق ومصر تُباع الآن وتُشترى، لا في خراج ولا في شيء من ذلك للأسف.
أما إذا كانت الأرض الخراجية بيد رجل من أهل الذمة؛ الآن إذا كانت الأرض الخراجية ينتفع بها رجل مسلم، فعليه الزكاة على هذه المزروعات وعليه الخراج مقابل الأرض، صح؟ لكن إذا كان الذي ينتفع منها رجل ذمي -يعني نحن في دولة مسلمة وفي ناس من أهل الذمة فيها وهم الذين ينتفعون من أرض الخراجية- فهؤلاء عليهم الخراج فقط، ليس عليهم زكاة؛ لأنهم ليسوا مخاطبين بالزكاة، ومن شروط الزكاة الشرط الأول الإسلام. فالأرض الخراجية إنما يكون فيها عشر إذا كان من ينتفع منها مسلماً، أما إذا كان الذي ينتفع منها ذمياً فهذا عليه الخراج فقط ولا زكاة عليه لأنه ليس مسلماً.
ننتقل الآن لمسألة أخرى، مسألة: «وتضمين أموال العشر والأرض الخراجية باطل». ماذا يعني التضمين هنا؟ إخواني ذكرنا في المحاضرة السابقة أن الإمام يجب عليه عند وقت أو اقتراب وقت وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة أن يبعث السعاة؛ ليست قضية التخمين، هذه بعد التخمين وهذه سنة، أنا أتحدث عن الواجب. يجب على الإمام إذا اقترب وقت وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة أن يبعث السعاة ليأخذوا الزكاة، ويجب على الحاكم بعث السعاة قرب الوجوب؛ ليس للتخمين، هؤلاء جماعة قبض الأموال، لقبض زكاة المال الظاهر، وهو بهيمة الأنعام والزروع والثمار.
عندما تكون الدولة المسلمة ضعيفة، أحبائي، ممكن الحاكم المسلم يرسل هؤلاء السعاة العاملين إلى مناطق عشائرية متكاتفة، فيأتي عامل أمير المؤمنين لهذه المناطق العشائرية أو المحصنة فيقول لهم: أمير المؤمنين يطالبكم بالزكاة، فهؤلاء ضعاف الإيمان فما عندهم مخافة الله -كما يقولون- فيقولون: ما نريد أن ندفع الزكاة لأمير المؤمنين.
هنا مشكلة؛ الحاكم المسلم، خاصة في العصر الأموي، بدأت تحدث قضية التضمين، في أواخر العصر الأموي وفي العصر العباسي كانت الخلافة فيها ضعف، فالحاكم يبعث السعاة للإقطاعيات والمزارع ليقولوا: أعطونا الزكاة، أعطونا زكاة المال الظاهر، فبعض المناطق لا تعطي. فظهرت فكرة عند بعض الحكام، وهذه الفكرة حرمها جماهير العلماء، وهي ما يسمونه «تضمين أموال العشر وكذلك تضمين الأراضي الخراجية».
ماذا يعني التضمين؟ أنه يأتي شخص صاحب نفوذ في هذه العشيرة أو في المنطقة، يأتي للحاكم المسلم ويقول له: تعال، أنا أعرف أنك لست قادراً على تحصيل الزكاة من هذه العشائر أو من هذه المناطق، وأنا إنسان صاحب نفوذ فيها ولي علاقات، ما رأيك أن أعطيك مبلغاً محدداً مقابل زكاة هؤلاء القوم أو مقابل الخراج إذا كانت خراجاً، وأنا أتفاهم معهم؟ وماذا أفعل؟ أقول: خلص، أنا أعطي لبيت مال المسلمين مثلاً خمسمائة كيلوغرام تمر، وخمسمائة كيلوغرام عنب، وعشرين ناقة، وثلاثين بقرة، أعطيها لك أيها الحاكم، وأنا أتفاهم مع الجماعة.
هذه تقع في بلادنا حتى اليوم؛ أن يقول: خلص أنا أتفاهم معهم، وإذا حصلت منهم أكثر مما أعطيتك فلا علاقة لك، هذه تنقص خلاص أنا راضٍ بالنقص. هل فهمتم ماذا يريد أن يفعل بالضبط؟ هذه لا تجوز، لأن هذا الشخص يأكل أموال الناس بالباطل، هذه زكاة وليست حقه، أن يأتي شخص متنفذ ويقول للحاكم: أنا أدفع مبلغاً محدداً لبيت مال المسلمين وخلص أنا أتفاهم مع هذه العشيرة، آخذ منهم العشور وآخذ منهم الخراج. طبعاً هنا هو يستفيد؛ فممكن تطلع الخرجات والعشور التي سيأخذها أكثر مما دفعه للحاكم، فهو استفاد، أو ممكن تطلع أنقص.
البعض من الفقهاء أفتا بجوازها نظراً لمصلحة الدولة المسلمة في ذلك الوقت، قالوا: الحاكم المسلم لا يستطيع تحصيل الزكاة من هذه المناطق، فأقل شيء أن يضمن له هذا الرجل المتنفذ مبلغاً من المال يوضع في بيت مال المسلمين، ويدعو لهذا الرجل المتنفذ أن يتفاهم مع هؤلاء الناس.
لكن في الحقيقة، مما زاد الطين بلة، أن هؤلاء المتنفذين الذين يعقدون هذه العقود مع الخليفة المسلم أصبحوا يظلمون أصحاب الأراضي؛ لأن هذا المتنفذ هو فعلاً رجل عنده عصابة باللغة المعاصرة، فيقول: خلاص أنا دفعت للحاكم المسلم المال، فيأتي على أصحاب هذه الأراضي، سواء أراضٍ خراجية أو أراضٍ مزروعة، فيجبرهم جبراً ويقهرهم قهراً على إخراج أشياء لا تجب عليهم، وهو لا يريد أن يخسر لأنه حاسب حساب أنه دفع مبلغاً محدداً للدولة. فيذهب إلى هذه المناطق فيفرض عليهم أتاوات زائدة لا تجب عليهم، سواء في الزروع والثمار أو في قيمة الأراضي الخراجية، فأصبح يقع الظلم على أصحاب المزارع وعلى أصحاب الأراضي الخراجية.
طبعاً هذه الفكرة، قد يقول قائل: هم يستحقون لأنهم لا يريدون الدفع للحاكم، لكن في الحقيقة أنا قربت لكم الصورة، أحياناً تكون هذه المناطق ليست ممتنعة، لكن الحاكم يريد أن يريح حاله، فيأتيه شخص ويقول له: خلاص اسمع، أنا أعطيك مبلغاً مقطوعاً سنوياً وخليني أنا آخذ زكاة هذه المناطق، وهم الجماعة ليسوا ممتنعين، فيذهب هذا الرجل -بكون عنده تجبر أو تغطرس- فيفرض على الفقراء وأصحاب المزارع أموراً وواجبات يخرجونها أو يأخذها منهم لا تجب عليهم. فلما نظر العلماء في هذه الحالة، عرفوا أن التضمين الذي يسمونه «تضمين العشر الخراجية» سبب في ظلم الناس.
الذي تعاقد مع الخليفة المسلم ما بده يخسر، طبيعي أنه ما بده يخسر؛ هو دفع مال لبيت من المسلمين، لكن في المقابل هو يريد أن يخرج أضعافه من هذه القرية مقابل مزروعاتها أو مقابل القيمة الخارجية لها. فلذلك إيش قال الحنابلة؟ هذا باطل ولا يجوز.
هذا اللي هو اسمه تضمين أموال العشر والأراضي الخارجية؛ لأن التضمين، هذه الصورة كانوا يطبقونها على خراج الأراضي الخارجية، ويطبقونها أيضًا على الزكاة فيما يتعلق بزكاة الحبوب والثمار، يطبقونها على كلا النوعين، فقال الحنابلة: هذا باطل ولا يجوز.
طبعًا هو في الحقيقة أنا ذكرت لهم أسبابًا، لكن هناك من التوجيهات بطلانه أيضًا أنه في نوع من الربا، قد يحدث فيه نوع من الربا؛ أنه هو مثلا يدفع تمرًا خمسمائة كيلو غرام للحاكم المسلم، ومقابل ذلك يأخذ من الأرض الزراعية ألف كيلو غرام. هو فعليًا إيش عمل؟ كأنه حط خمسمائة وأخذ ألف، سواء أخذ أزيد ولا أنقص، هذه أيضًا صورة من صور الربا، وهذه من أسباب بطلانها، لكي تفهم أكثر وأكثر.
غير الظلم الذي يقع، أنه يقع فيه الربا كثيرًا؛ هذا الرجل صاحب النفوذ يدفع تمرًا بكمية محددة ويأخذ مقابل ذلك تمرًا أكثر. والتمر من الأموال التي إذا أبدلت بعضها ببعض يجب فيها التساوي، ولا يجوز فيها التفاضل، فهذا الرجل فعليًا كأنه وضع كمية وأخذ كمية أكثر منها أو أنقص منها، أو وضع عنبًا وأخذ عنبًا أكثر منه أو أنقص منه؛ فلذلك حكم العلماء أيضًا ببطلانها من هذا الوجه أيضًا. إذاً قال: وتضمين أموال العشر والأراضي الخارجية باطل.
ثم انتهى الشيخ مرعي من الكلام عن زكاة الحبوب والثمار، وانتقل الآن لزكاة العسل فقال: «وفي العسل العشر، ونصابه مائة وستون رطلاً عراقياً». طبعًا هذا لا يتعامل فيه في بلادنا، فالعلماء حولوه للقيمة المعاصرة وهو واحد وستون كيلو غرامًا. العسل إذا بلغ نصابه واحد وستين كيلو غرامًا، هذا فيه الزكاة.
قالوا: سواء التقط العسل من مواد، يعني من أرض لا يملكها أحد، أو التقط العسل من ملكه، يعني كان النحل يقوم بصنع مناحل في أرض هذا الرجل، أو أخذه من ملك غيره. من أين أتيت بالعسل؟ سواء من أرض موات، أو من أرض تملكها، أو من أرض من ملكها لغيرك، من أين أتيت بالعسل؟ إذا حصلت واحد وستين كيلو غرامًا عليك أن تخرج العشر، وإذا كان مثلاً عندك مئة كيلو غرام بتخرج عشرة، عندك مئتين بتخرج عشرين.
فالكلام في العسل فقط في هذه الجزئية، لذلك الكلام فيها محدود، فذكره من الزروع أو الحبوب والثمار. العسل نصابه واحد وستون كيلو غرامًا، يجب أن تخرج عشرها سواء أخذت هذا العسل من مواد، يعني من أرض مفتوحة، أو من ملكك كانت المناحل تصنع نحلها، أو من ملك غيرك. فهذه هي زكاة العسل باختصار، وهذه تخرج فورًا، يعني ما فيها حول ولا ما شابه ذلك؛ خلص عندي ستين كيلو غرامًا فصاعدًا علي أن أخرج العشر، أخذت من مواد أو من ملكي أو غيري.
ننتقل للذي يليه: الركاز. الركاز ما هو الركاز؟ ابتداءً، الركاز يعرفونه في الفقه الإسلامي هو ما يجد الإنسان من دفن الجاهلية؛ ما يجد الإنسان من دفن الجاهلية، سواء كان نقودًا أو أوعية أو حديدًا أو رصاصًا أو ما شابه ذلك. كل شيء تجده من دفن الجاهلية مدفونًا تحت الأرض فاستخرجته، فوجدت عليه علامة الجاهلية، يعني علامة الدولة البيزنطية القديمة أو علامة الدولة الفارسية أو علامة الأنباط. لازم تجد العلامة عليه.
واكتبوها عندكم: أن الركاز هو ما وجد من دفن الجاهلية مدفونًا في الأرض، سواء كان نقدًا أو غير نقد كحديد أو رصاص، أو ممكن يكون كذلك جرارًا أو فخارات أو ما شابه ذلك؛ كل هذا الذي تستخرجه من الأرض وتجد عليه علامة الجاهلية، يعني علامة الكفار سابقًا؛ علامة البيزنطيين أو الفرس أو الأنباط أو الأمم السابقة، هذا الذي يسمى ركازًا. بماذا سمي ركاز؟ أحسنت، شو يعني مركوز؟ يعني مغيب، هذا معنى لذلك سمي ركازًا؛ لأنه مركوز في الأرض، يعني مغيب في الأرض.
لكن راح أعطيكم فائدة، هو أنه في الحقيقة صحيح الركاز سمي ركازًا لأنه مغيب في الأرض، وعندما يتكلم الفقهاء أساسًا عن الركاز يقولون: هو ما وجد من دفن الجاهلية مدفونًا تحت الأرض ووجدت عليه علامة الكفار، ووجدت عليه علامة الكفار الأقدمين كالدول البيزنطية والفارسية والأنباط. لكن هناك نوع أيضًا من الركاز لا يكون مدفونًا في الأرض، هذه فائدة خذوها.
هناك نوع آخر من الركاز، يُعامل معاملة الركاز، لا يكون مدفونًا في الأرض؛ قالوا: وهو ما يجده الإنسان في طريق غير مسلوك وعليه علامة الجاهلية أيضًا. اكتبوا عندكم أن الركاز الأصل فيه أن يكون مدفونًا في الأرض، لكن هذا ليس شرطيًا؛ الأصل فيه لكنه ليس شرطًا. فهناك نوع آخر من الركاز يمكن أن يوجد على ظاهر الأرض وتجد عليه علامة الكفار، بشرط ما هو الشرط؟ قالوا: أن يجده في طريق غير مسلوك.
يعني رحت على أرض مهجورة وأنا بمشي فيها لقيت على سطح الأرض فخارًا أو عملات نقدية أو جرة عليها علامة الدولة البيزنطية أو الفارسية أو الأنباط، الآن هل أنت لقيته مدفونًا في الأرض؟ لا، أنا وجدتها فوق الأرض، لكن حتى نعامل هذه معاملة الركاز لابد تجدها في طريق غير مسلوك، يعني أقدام الناس لا تذهب وتأتي به.
طيب يا شيخ إذا وجدتها في طريق مسلوك، هذه تعامل معاملة إيش؟ اللقطاء. لا تعامل معاملة الركاز إذا وجدت شيئًا في طريق مسلوك، حتى لو عليه علامة الكفار. ثانيًا: إذا وجدت شيئًا مدفونًا في الأرض أو وجدته فوق ظاهر الأرض ولم تجد عليه علامة الكفار، سواء ما وجدت عليه أي علامة أو وجدت عليه علامة المسلمين، يعني إذا ما وجدت علامة الكفار فأنت بين احتمالين: إما أنه هذا الشيء لا تجد له أي علامة، أو أنك تجد عليه علامة المسلمين. هذا أيضًا يعامل معاملة اللقطاء.
فلذلك كما قلت لكم وجود علامة الكفار شرط أساسي في الركاز، سواء كان الركاز في الأرض أو على ظاهر الأرض، لابد وجود علامة الكفار عليه. الركاز يعرفون في كتب الفقه ما وجد من دفن الجاهلية، لكن هل شرطه أن يكون مدفونًا؟ لا، هم قالوا ما وجد من دفن الجاهلية اعتبارًا بالحال الأغلب.
إنه في الأغلب يكون مدفونًا، لكن يمكن يكون على ظاهر الأرض، ولكن حتى أعامل الذي على ظاهر الأرض معاملة الركاز، شرطه أن يوجد في طريق غير مسلوك. والركاز سواء كان على ظاهر الأرض في طريق غير مسلوق أو في باطن الأرض، لابد أن توجد عليه علامة الجاهلية، فإذا لم توجد علامة الجاهلية فإنه لا يعامل معاملة الركاز.
هناك أيضًا فوائد تتعلق بالركاز، فالبعض لا يدخله تحت الأموال الزكوية؛ لأن أحكامه كثيرة خاصة به، ويختلف عن الأموال الزكوية في العديد من الأحكام. من الأحكام التي تتعلق به، أولًا: كم يجب أن يخرج من الخمس؟ الركاز ليس له نصاب، فأي كمية مخرجة يجب أن يخرج منها الخمس.
الحكم الثاني: ما هي الكمية التي يجب إخراجها؟ هي الخمس. والفائدة الثالثة: أن الركاز لا يصرف في مصارف الزكاة المعروفة، وإنما يصرف في مصالح المسلمين، يسمى فيئًا، فيعامل معاملة أموال الفيء. وبما أن الركاز ليس مصارفه مصارف الزكاة، وإنما هو فيء يصرف لصالح المسلمين، يستطيع الحاكم المسلم بعد أن يأخذ الخمس ممن وجد الركاز أن يرد الخمس إليه من قبيل المصلحة؛ لأنه لصالح المسلمين.
فأنا الآن مثلاً وجدت كنزًا من كنوز الدولة الأنباطية -يا رب ادعوا لنا، إن شاء الله نلاقي لنا كنزًا مرتبًا- وجدت كنزًا يعود للأنباط، أخرجته ودفعت الخمس للدولة المسلمة. طبعًا الآن إذا أحد وجد لا يرسله؛ لأنه إذا عرفوا في الدولة يأخذون كل شيء، ما في عندهم ركاز، فالإنسان مصحصح، لا يعطيهم شيئًا، يعني يخرج الخمس لحاله ويصرفه في مصالح المسلمين من جهته، أما إذا رحت وعرفتهم أنك وجدت ركازًا لن يبقى لك منه شيء.
المهم أنا الآن أعيش في دولة الحمد لله تطبق هذه الأحكام، فاستخرجت ركازًا، علي أن أخرج للدولة المسلمة الخمس. هذا الخمس الحاكم أين سيصرفه؟ في مصالح المسلمين، ليس في صور الزكاة الثمانية. إذا الحاكم أحب أن يعطيه للفقراء والمساكين له ذلك، لكن بشكل عام مصارفه ليست مصارف الزكاة وإنما مصالح المسلمين. وبالتالي لو أن الحاكم أخذ هذا الخمس وقرر أنه يرجع لي إياه من باب المصلحة وليس الهوى، قال: أريد أن أرجعه لك، أنت واضح أن وضعك تعبان، أو أنك إنسان والله أمين وصادق في شغلك وأعطيتنا الخمس، أريد أن أرجع لك هذا الخمس؛ هل يجوز له؟ نعم، يجوز له ذلك.
هذا حكم آخر من أحكام الركاز. ما الأحكام التي ذكرناها يا شيخ؟ ليس له نصاب، والواجب فيه الخمس، ويصرف في مصارف الفيء، وينبني على ذلك أن الحاكم له أن يرد الخمس على من وجده.
الحكم الذي يليه أيضًا مما يتعلق بالركاز -وركزوا في هذه الفكرة- فيه الخمس سواء استخرجه مسلم أو ذمي، بالتالي لا يشترط فيه الإسلام. نحن لأن الشرط الأساسي من شروط الزكاة هو الإسلام، وهذا مما ذكرناه في شروط الزكاة، فالركاز لو أخرجه ذمي عليه أن يخرج منه الخمس أيضًا للدولة المسلمة ليصرف في مصالح المسلمين.
يقول الشيخ مرعي: «والركاز وهو الكنز ولو قليلاً». طبعًا الشيخ مرعي لم يعرف الركاز تعريفًا شاملاً، كنت أتمنى أن يوضح القضية؛ ما هو الكنز؟ هذه عبارة مجملة جدًا، أليس كذلك؟ كان الأصل أن يقول: الركاز هو ما وجد من دفن الجاهلية وعليه علامة الكفار، هذا التفصيل، سواء وجدت مدفونًا في الأرض أو في ظاهر الأرض في طريق غير مسلوق، هكذا تتوضح الأمور للطالب.
قال: «ولو قليلاً» ليبين أنه لا نصاب فيه، أن الركاز لو كان حبة تريد أن تخرج خمسها، ولو كان آلافًا مؤلفة تريد أن تخرج خمسها، لذلك لا يوجد فيه نصاب. قال: «الخمس» يعني في الركاز وهو الكنز ولو قليلاً تخرج الخمس.
«ولا يمنع من وجوبه الدين»، هذه مرت معنا ونبهت عليها سابقًا، أنه إذا كان عليّ ديون لأناس ووجدت ركازًا، علي أن أخرج الخمس مباشرة حتى ولو كانت الديون التي علي تستوعب قيمة الركاز. يعني أنا وجدت ركازًا قيمته عشرة آلاف دينار وعلي ديون عشرون ألفًا، هل يأتي هذا الشخص ويقول: بما أن علي دين ينقص النصاب فلا زكاة علي؟ لا، الركاز وضعيته خاصة، عليك أن تخرج خمسه حتى ولو كانت عليك ديون تستغرق قيمة الركاز، بالتالي الديون لا تمنع وجوب الزكاة في الركاز، وإن كانت تمنع وجوب الزكاة في الأموال الأخرى.
إذاً الركاز فعليًا كما تلاحظون وضعيته خاصة جدًا عن كل الأموال الزكوية، كل أحكامه خاصة به؛ بدءًا من أنه ليس له نصاب، إلى أنه يشترك فيه المسلم والذمي، وإلى أنه ليس له حول. طبعًا الحول تشترك فيه مع بعض الأموال الزكوية، وأيضًا من أحكامه الخاصة أنه يصرف في مصارف الفيء، وأن الحاكم يستطيع أن يرجعه لصاحبه الذي أخرجه إذا وجد في ذلك مصلحة. فكل أحكامه خاصة، لذلك بعض الفقهاء يذكرونه كباب مستقل ولا يذكره ضمن الأموال الزكوية، يعامله معاملة مستقلة.
هكذا نكون انتهينا من هذا الباب، باب زكاة الخارج من الأرض. طبعًا هو لم يذكر المعدن في هذا الباب، إن شاء الله عندما أذكر زكاة الأثمان وزكاة عروض التجارة، حينئذ سأذكر لكم زكاة المعدن لنوع من الاشتراك بينه وبين هذه الأثمان وعروض التجارة في بعض الأحكام.
ننتقل الآن أحبتي إلى نوع آخر من الأموال الزكوية. هكذا نكون انتهينا من زكاة بهيمة الأنعام بالتفصيل، وانتهينا من زكاة الخارج من الأرض زروعًا وثمارًا وركازًا، وألحقنا بها العسل. ننتقل الآن لزكاة الأثمان، ثم نتكلم عن عروض التجارة بإذن الله، وينتهي الكلام عن الأموال الزكوية.
قال: «باب زكاة الأثمان». ما هي زكاة الأثمان؟ المراد بالأثمان أساسًا الذهب والفضة، وكذلك الأموال النقدية؛ الدنانير، الدولارات، الدراهم، الريالات، وإن كان البعض -وأنا ذكرت لكم في بداية مجالس الزكاة- أنه يلحق بها الأموال النقدية، لكن اليوم نريد أن نتكلم بدقة أكثر، أن الأموال النقدية عند الحنابلة...
يعاملونها معاملة عروض التجارة، يسمونها عروض تجارة، ما يسمونها أثمانًا؛ حتى تكونوا أنتم على بينة أن الحنابلة بالنسبة لهم الأموال النقدية، الفلوس، يدخلونها تحت مفهوم عروض التجارة وليس تحت مفهوم الأثمان. وإن كان فعليًا اليوم في الوقت المعاصر أصبحت الأموال النقدية هي الأثمان، وأصبحت الأموال النقدية هي الأثمان وحلت محل الذهب والفضة، وأصبحت تحسب بها قوة الدول الاقتصادية وما شابه ذلك.
الواقع المعاصر يفرض علينا رؤية فقهية جديدة أو اجتهادات جديدة في التعامل مع هذه المسائل، لكن أنا أدرس الفقه القديم ابتداءً، فأقول لكم من باب الفائدة أن تعرفوا أن الفلوس -هكذا يسمونها الفلوس والأموال النقدية- تعامل معاملة عروض التجارة؛ لأنها تقوم بالذهب والفضة. عرفتم ليه؟ لأنه كذلك عروض التجارة تقوّمها بالذهب والفضة قديمًا. كذلك الأموال النقدية الأصل فيها أنها كانت تقوم بالذهب والفضة، وهذا لعهد قريب؛ يعني الألف وتسعمئة وسبعين وما حولها، الأموال النقدية كانت تقوم بالذهب والفضة.
فكانت الأموال النقدية معاملة عروض التجارة أنها تقيم أو تقوم بالذهب والفضة. لذلك الأصل في كلمة الأثمان في الفقه الإسلامي أنها خاصة بالذهب والفضة؛ لأنها هي التي كان الناس يتعاملون بها بيعًا وشراء، فكانت هناك الدنانير الذهبية والدراهم الفضية، هي التي كانت تقوم بها السلع والبضائع كالعقار، وحتى الأموال النقدية كانت تقوم بالدنانير والدراهم الفضية. لذلك هي الأصل هي الأثمان.
لذلك ماذا قال الشيخ؟ ما هو زكاة الأثمان، وهي الذهب والفضة. نقطة، ما أدخل الفلوس؛ معناها كانت موجودة في زمانه، ما أدخل الفلوس معها، بتقول لي ليه؟ يقول لك إن الحنابلة يعاملون الفلوس والأموال النقدية عندها عروض تجارة. طيب، إذا قال: وهي الذهب والفضة وفيها ربع العشر إذا بلغت نصابًا، أتكلم عن الكمية التي يجب إخراجها قبل ما يتكلم عن النصاب، خلينا نروح على النصاب بعد ذلك، ألجأ لهذه الكمية وهي ربع العشر.
ما هو نصاب الذهب وما هو نصاب الفضة؟ قال: نصاب الذهب بالمثاقيل عشرون مثقالًا. عشرون مثقالًا، خليني أرسمها على الشاشة؛ الذهب نصابه عشرون مثقالًا. طبعًا عشرون مثقالًا في زمن النبي ﷺ كانت تساوي عشرين دينارًا ذهبيًا. عشرون مثقالًا كانت تساوي عشرين دينارًا ذهبيًا. لكن الشيخ ماذا قال لكم؟ وبالدنانير خمسة وعشرون، بعد ذلك قال وسبع دينار وتسع دينار؛ هذا ليس في زمن النبي ﷺ، هو يتكلم عن زمنه. لكن في زمن النبي ﷺ عشرون مثقالًا كانت تساوي عشرين دينارًا.
وأما بالنسبة للفضة، قبل أن أنتقل للفضة خليني أنتهي من قضية الذهب؛ إذا الذهب عشرون مثقالًا وتساوي عشرين دينارًا ذهبيًا في الوقت المعاصر، الفقهاء لما قيموا أنه عشرون دينارًا ذهبيًا لعشرين مثقالًا التي تكلم عنها النبي ﷺ، كم تساوي بالغرامات؟ وجدوها تساوي بالغرامات خمسة وثمانين غرامًا. لأننا للأسف الآن ما نتعامل بالدنانير الذهبية بيعًا وشراء، نتعامل في وقت واحد لما نتزوج، مش يقول لك دينار ذهبي تعطي زوجتك دينار ذهبي تضعه دبلة وبتاع حلقة، لكن الناس ما بتشتري ولا تبيع فيها.
فالفقهاء قالوا حتى نسهل على الناس حساب الزكوات: خلينا نقيم، كيف مثقالي في عشرين دينار ذهبي؟ كم تساوي من الغرامات؟ خمسة وثمانون غرامًا. فبالتالي نصاب الذهب خمسة وثمانون غرامًا؛ كل شخص عنده من الذهب خمسة وثمانون غرامًا فصاعدًا هذا ملك النصاب. وأما بالنسبة للفضة، ماذا قال؟ الفضة مئتا درهم. مئتا درهم تساوي بالغرامات بالحسابات المعاصرة خمسمائة وخمسة وتسعين غرامًا.
بالتالي أنا يهمني تحفظوا هذا الرقم الختامي، من هو الذي ستتعاملون به في حياتكم المعاصرة؟ إنه نصاب الذهب خمسة وثمانون غرامًا، ونصاب الفضة خمسمائة وخمسة وتسعون غرامًا. كم يجب أن أخرج من الذهب أو من الفضة؟ عليك أن تخرج من النصاب ربع العشر. يعني بتيجي لو أنا فرضًا معي خمسة وثمانون غرامًا بالضبط، عليّ أخرج ربع العشر، هكذا أتحدث؛ ربع العشر من الخمسة وثمانين. وإذا أنا معي خمسمائة وخمسة وتسعون، عليّ أخرج ربع العشر من الخمسمائة وخمسة وتسعين. معي ألف غرام فضة، ربع العشر من الألف. معي مائة غرام ذهب، عليّ ربع العشر من المائة، وهكذا تحسب الحسابات.
طيب، إذا شخص إخواني معه ذهب وفضة، هل تضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب؟ أم من عامل الذهب والفضة معاملة الإبل والبقر؟ يعني شخص عنده إبل وعنده بقر، هل من مجمع الإبل مع البقر في تكميل النصاب؟ ولا نقول لا، كل حيوان على حدة نصابه، كل حيوان على حدة؛ هكذا كنا نحكي، صح؟ يعني واحد عنده خمسة من الإبل، بنقول له: يلا عندك خمسة من الإبل وعشرين بقرة، يلا اجمعهم مع بعض وطلع؟ لا، لا تضم بعضها إلى بعض.
أو مثلاً عنده ثلاث إبل، وعنده عشرين بقرة، الآن ثلاث إبل نصاب؟ لأنه أقل نصاب بالإبل خمسة. وعشرون بقرة نصاب؟ لا، أقل نصاب البقرة ثلاثون. فلو قال: طب يا شيخ، العشرين بقرة التي عندي هي بتساوي ناقتين، بالتالي أنا عندي ثلاثة إبل وعندي قيمة ناقتين من الإبل لأن عندي عشرين بقرة، بنقول: لا، لا، الإبل وحدها جنس، والبقر جنس، والغنم جنس. كذلك الزروع والثمار؛ في الزروع والثمار شخص عنده ثلاثمائة غرام عنب، وسبعمائة غرام -وخلينا نقول- وثلاثمائة غرام تمر، ماذا نضع عليهم؟ تحط شعير، عنده ثلاثمائة، هل من جمع الحب مع الثمرة، هذه مع هذه، بنقول أنت مجموع الذي عندك تسعمائة؟ لا، لأن هذا جنس، العنب جنس، والتمر جنس، والشعير جنس.
فالثمار المختلفة والحبوب المختلفة أجناس، لا تضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب. ففي بهيمة الأنعام الأجناس المختلفة لا تضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، وفي الحبوب والثمار الأجناس المختلفة لا تضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب. لكن في الذهب والفضة الأمور مختلفة؛ الذهب والفضة الأمور مختلفة. ليه؟ قال الفقهاء: يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب. هذا له نصاب مستقل خمسة وثمانون، وهذا له نصاب مستقل خمسمائة وخمسة وتسعون، لكنهما يضمان إلى بعضهما البعض في تكميل النصاب. ليه؟ قالوا لأنهما نقدان، فكأنهما من جنس واحد؛ لأنهما نقود تتعامل بها الناس، فهذا نقود وهذا نقود.
فالنقد كأنه جنس، وهذه أنواعه فقط، هكذا عاملوهم؛ قالوا كأنهما من جنس واحد لأنهما نقود تتعامل بها الناس في زمنهم، فلذلك يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب. لكن هناك طريقة عند الحنابلة دقيقة في إكمال النصاب في قضية الذهب والفضة.
ماذا قال الشيخ مرعي؟ بعد أن ذكر نصاب الذهب وذكر نصاب الفضة قال: «ويضم الذهب إلى الفضة في النصاب، ويخرج من أيهما شاء». اكتبوا: يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب بالأجزاء لا بالقيمة؛ لأن هذه مسألة فيها خلاف بين الفقهاء. لما يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، هل يضمان باعتبار القيم أم باعتبار الأجزاء؟
ابتداءً اكتبوا: ضم الذهب إلى الفضة عند الحنابلة في إكمال النصاب يكون ضم أجزاء لا ضم قيم. والآن نريد أن نفهم ذلك من خلال المثال. سأمثل على طريقة الفقهاء القدامى؛ شخص عنده عشرون ديناراً ذهبية، وتقنياً تساوي مائتين درهم فضة، هذه فائدة على الهامش، لكن الحسابات القديمة كانت هكذا. هذه الفكرة تهمني في بناء ما أنا عليه.
شخص معه عشرة دنانير ذهبية ومع مئة درهم فضية؛ هذا الشخص هل يملك النصاب أم لا؟ يملك، لأن العشر دنانير تمثل فعلياً مئة درهم، فبالتالي لو جمعنا المئة مع المئة كم تساوي؟ مائتين درهم، بالتالي معه النصاب، وعليه أن يخرج الزكاة كذلك.
مثلاً لو شخص معه خمسة دنانير ذهبية ومع مئة وخمسين درهماً فضية، هل معه النصاب؟ معه النصاب؛ لأن الخمس دنانير تساوي خمسين درهماً فضياً، فبالتالي خمسون زائد مئة وخمسين تساوي مائتين درهم، إذاً معه النصاب.
والفضة يمكنك حساب نصابها بالعكس؛ فلو قلنا المئة وخمسين درهماً فضية كم تساوي من الذهب؟ تساوي خمسة عشر ديناراً ذهبياً، فخمسة دنانير ذهبية زائد خمسة عشر ديناراً ذهبياً تساوي عشرين ديناراً، إذاً معه النصاب. هذا يسمى ضم أجزاء؛ عندي ذهب وعندي فضة، والقاعدة تقول: عشرون ديناراً ذهباً تساوي مائتين درهماً فضة، فبضم الأجزاء إلى الأجزاء، إما يحسبها بالذهب أو بالفضة ويرى هل معه النصاب أم لا، وهذا هو حساب الأجزاء الذي يعتمده الحنابلة.
الآن سأعطيكم هذا المثال: شخص معه تسعة دنانير ذهبية ومعه مئة درهم فضية، هل معه النصاب بالأجزاء في نظرك؟ لا؛ لأن التسع دنانير ذهبية تساوي تسعين درهماً فضياً، فهو فعلياً معه مئة وتسعون درهماً فضية.
لكن اسمعوا، لو افترضنا أن هذه التسع دنانير ذهبية ارتفع سعرها وأصبحت تساوي مئة درهم، فبالتالي قيمتها مئة، ومئة زائد مئة تساوي مائتين، فهل نقول إنه جمع النصاب؟ لا، نحن نضم الذهب إلى الفضة بالأجزاء، فالتسع دنانير هي عبارة عن تسعين درهماً فضياً في الفقه القديم من دون ارتفاع ولا نزول، فإذا جمعتها مع المئة درهم هي فقط مئة وتسعون درهماً. أو إذا أردنا تحويل الدراهم إلى ذهب، المئة درهم هي عشرة دنانير، بالتالي هو معه فقط تسعة عشر ديناراً ذهبياً. فنحن نضم الأجزاء التي نراها أمامنا من دون أن ننظر في القيم، فقط طبقاً للقاعدة: عشرون ديناراً تساوي مائتين درهماً، وعلى هذا جاء الإسلام، فنبقى على هذا.
الحنابلة ماذا يقولون؟ الآن هناك نظرة لفقهاء -أظنهم الحنفية- هي نظرة استصلاحية، قالوا: لماذا تفعلون ذلك؟ انظروا للقيم، فإذا كانت التسع دنانير تساوي مئة درهم، فإنه صار معه النصاب. أما الحنابلة فلا يعاملون الأمر كذلك، لأن أصل القضية في عهد النبي ﷺ أن العشرين ديناراً تساوي مائتين درهم، فنحن نبقى على ذلك ونتعامل بالأجزاء ولا ننظر إلى القيم.
مذاهب أخرى قالت: ننظر للقيم وتؤثر في الحكم الشرعي، أما الحنابلة فلم يلتفتوا إلى هذا اعتماداً على التمسك بظاهر النص؛ فالنبي ﷺ نص على عشرين ديناراً ونص على مائتين درهماً في الحديث، فلا نتجاوز النص إلى هذه الأقيسة، فهو نوع من التمسك بالظاهر عند السادة الحنابلة.
البعض قد يسأل: لماذا نظروا للقيم؟ أقول: الحنابلة يتمسكون بظاهر الأحاديث، إن النبي ﷺ قال عشرين ديناراً ومائتين درهماً، فلا نغير شيئاً. بينما فقهاء آخرين نظروا نظرة استصلاحية فقالوا: إذا ارتفعت قيمة الذهب أو نزلت، أو الفضة نزلت، يجب أن نتعامل مع القيم لأنها أضبط. أما الحنابلة فقالوا: نبقى نتعامل مع الأجزاء، فالتسع مع المئة لا تجلب النصاب، بينما عشرة مع مئة تجلبه؛ نضم هذا الجزء إلى هذا الجزء، وبالتالي تبقى القواعد عندنا ثابتة.
عند الحنابلة القواعد ثابتة في هذه الفكرة، أما الذي ينظر للقيم فالأمور تختلف معه لأن القيم تختلف مع الوقت، أما عند الحنابل فلا تختلف الأمور لأنهم جمعوا أجزاءً؛ فالخمس دنانير معروف كم تساوي، وعندما أجمع هذا الجزء مع المئة وخمسين درهماً، نعرف مباشرة أنها تأتي بالنصاب؛ لأن الخمس دنانير تساوي خمسين درهماً على عهد النبي ﷺ، فمئة وخمسون زائد خمسون تساوي مائتين، وإذا أردنا تحويل الدراهم لذهب، فالمئة وخمسون درهماً هي خمسة عشر ديناراً، وخمسة زائد خمسة عشر تساوي عشرين ديناراً ذهبياً. الحسبة عندنا واضحة، فنظم هذا الجزء إلى هذا الجزء، وهذا هو "ضم الأجزاء". أما "ضم القيم" فهو عندما تأتي للخمس دنانير وتنظر إلى قيمتها، فلو فرضنا أن قيمتها نزلت وأصبحت تساوي عشر دراهم فضية...
قدر الله أنه ذهب، يصبح لا قيمة له أو قيمته ضعيفة جداً. فاصبحت الخمس دنانير تساوي عشرة دراهم فضية، بس على رأي الحنابلة هذا عليه زكاة ولا ما عليه زكاة؟
لأ، عليه زكاة. خمس دنانير زائد مئة وخمسين درهماً. خمس دنانير كم تساوي في عهد النبي ﷺ؟ خمسين. خمسين زائد مئة وخمسين، متى إذاً عليه زكاة؟ بس عند جماعة القيمة اللي بقول لك يا عم الخمس دنانير هذي خمسين درهماً هادا أيام النبي ﷺ. الآن اختلفت الأمور، هسا الخمس دنانير ذهب بتجيبش عشر دراهم فضية، فعشر دراهم زائد مئة وخمسين درهماً مئة وستين، إذاً ما اكتمل النصاب عند غير الحنابلة ما في عليه زكاة، بس عند الحنابلة عليه زكاة.
يقولوا حتى لو قيمة الذهب الآن عشر دراهم فضية لا عبرة، العبرة عندنا بالأساس متمسكين بالظاهر، فالنبي ﷺ قال عشرين ديناراً، بنضل على عشرين ديناراً شو ما صارت قيمتها، ومائتي درهم شو ما صارت قيمتها. فلذلك سماه الحنابلة "ضم أجزاء" وليس "ضم قيم"، لأننا كحنابلة لا ننظر إلى قيمة الذهب اليوم، ولا ننظر إلى قيمة الفضة، وإنما ننظر إلى الأجزاء.
عندك خمس دنانير خلص معروف الجزء هذا، الخمسة إذا جمعته مع مئة وخمسين درهماً بطلع نصاب، فانتهت القضية إيش ما كانت القيم المعاصرة. فلذلك يقول الحنابلة يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب بطريقة الأجزاء، وطريقة الأجزاء مريحة لك لأنه خلص لا تنظر للقيمة المعاصرة، أنا عندي حسابات معينة وواضحة، إذا هيك مع هيك بيجيني نصاب مش نصاب بناءً على ذلك.
طيب لما أجي أخرج الزكاة من إيش أخرجها؟ مثلاً أنا عندي خمس دنانير ذهبية ومئة وخمسين درهماً، وعرفنا أنه هذا نصاب، لأنه الخمس دنانير مع المئة وخمسين بتجمع نصاب، بضم هذا الجزء إلى هذا الجزء بكمل النصاب. من أين أخرجها؟ أخرجها ذهب ولا فضة؟ قالوا أنت مخير، بدك تطلع ربع العشر طلعوا من الذهب من خمس دنانير، وتريد أن تخرج ربع العشر من المئة وخمسين درهماً لك ذلك، لذلك قال: «ويخرجوا من أيهما شاء». بدك تطلعه من الذهب بدك تطلعه من الفضة، الأمر في ذلك لك. أرجو أن تفهموا قضية أن إكمال النصاب يكون بالأجزاء وليس بالقيم حتى تفهموها تماماً عند الحنابلة.
الآن انتقل إلى زكاة الحلي، وهذه القضية التي فيها الخلاف الكبير بين الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم: هل فيه زكاة ولا ما فيه زكاة؟ الحلي الآن ما عادت الذهب والفضة عملات نقدية، لا، أصبحت الآن حلي قلائد، سوارات، خواتم، قراريط، خلاخيل في الأقدام. هل الحلي المصنوع من الذهب أو الفضة فيه زكاة عند السادة الحنابلة؟ في الحقيقة الأمر فيه تفصيل.
يقول الحنابلة: «لا زكاة في حلي مباح»، كلمة مباح ضعوا تحتها خط، لأنه في حلي محرم عند الحنابلة. الحلي المحرم، خليني أرجع للسبورة، دائماً الشاشة بتساعدنا على ترتيب الأفكار، أنا لذلك أحرص أن أستعملها متى ما استطعت. الحنابلة إخواني لما يتكلموا في هذه المسألة يفصلوه هذا التفصيل، بقولوا الحلي منه ما هو محرم ومنه ما هو مباح. دائماً التشجير أحبائي مهم جداً لطالب العلم حتى يفصل الفكرة.
الحلي المحرم هو كل حلي حرم الإسلام علينا أن نستعمله، مثل ما أخذنا في باب الآنية، لو عندي وعاء ذهبي، بصير يكون عندي وعاء ذهبي سواء كنت رجلاً أو امرأة؟ ما بصير. قلم ذهبي، القلم الذهبي يحرم رجلاً أو امرأة لأنها ليس من عادة النساء أن تتحلى بالأقلام الذهبية، طاولة ذهبية، صحن ذهبي أو ما شابه ذلك، هذا اسمه حلي في الفقه الإسلامي لكن اسمه حلي محرم؛ لأنه يحرم اتخاذ أو استعمال الحلي في الأواني والصحون والأقلام والمناظر التي توضع في البيوت أو ما شابه ذلك، هذا كله يدخل تحت الحلي المحرم. فهمنا إذا إيش الحلي المحرم؟ وكذلك إذا كان هناك حلي للرجال، الحلي الذي يستعمله الرجال في أماكن معينة يصنع للرجال، هذا أيضاً حلي محرم.
وهناك الحلي المباح، الآن خلونا نتكلم عن الحلي المباح، هو الذي بدأ فيه، يعني الحالي الذي يباح استعماله، صناعة مباحة ويستعمل في المباحات، يعني بتستعملها النساء في زينتها ما شابه ذلك. هذا يقسم عند الحنابل إلى الحلي المباح إلى ما يستعمل أو يعار؛ امرأة عندها حلي، وهذه الحلي تستعملها في أعراسها وأفراحها، أو أنها ما بتستعمله لكن سألناها إيش بتعملي فيه؟ قالت والله أنا واضعة للإعارة، أي واحدة فقيرة، أي واحدة مسكينة لما يجي فرحها وما عندها تشتري ذهب، أنا بعيرها إياه مجاناً لوجه الله، بتلبسه وبترجعي لي، هذا حلي مباح للإعارة كأي امرأة عندها حلي مباح، إما يستعمل أو يعار، فهذا نقول لا زكاة فيه. ما في زكاة في حلي مباح للاستعمال أو للإعارة.
طبعاً هنا ذكر الشيخ ابن عوف فكرة أنه الحلي الذي للإعارة ممكن يكون مالكه رجلاً، يعني رجل واضح حلي في بيته ليش حاطه؟ قلنا له قال أنا واضع الحلي لإعارة النساء الفقيرات، فهذا يعتبر حلي مباح. هو قال هنا كما لو اتخذ الرجل للنساء لإعارتهن أو بالعكس، يعني حتى ولو كان الحلي مما يحرم استعماله عليه، كما لو اتخذ الرجل حلي النساء لإعارتهن، فادخلوا ضمن هذه المسألة. لو رجل عنده ذهب سوارات وكذا، ليش حاطهم عندك؟ قال والله أنا بدي أعير النساء الفقيرات، فهذا يدخل ضمن الحلي المباح للإعارة، فليس الأمر خاص بالنساء فقط بالنسبة للإعارة وبالنسبة للاستعمال، لأن هي التي تستعمل، سوى ما سيستثنى مما يجوز استعماله للرجل من الذهب لأنه سيستثني إن شاء الله أشياء محددة صغيرة، أما بالنسبة للإعارة هذا يمكن يكون للرجل يعير نساءً أو المرأة تعير امرأة.
فإذا كان حلي مباح للاستعمال أو للإعارة بالمفهوم العام هذا لا زكاة فيه. النوع الثاني: الحلي المباح للتأجير أو للنفقة؛ امرأة عندها حلي، قلنا لها ليش الحلي هذا؟ هو رجل عنده حلي، قال ليش؟ قال هذا بأجره، مش إعارة، أنا وضعتُه للتأجير أو للنفقة. إيش للنفقة؟ بتعرفوا كثير من النساء الكبار في السن بتقول لك أنا كبرت وما عدت ألبس، طب ليش مخبية هذا الحلي؟ والله بدي أنفق منه لنوائب الدهر.
إذا كانت المرأة عندها حلي مباح للتأجير أو للنفقة، فمن قولنا إن عليها زكاة، فهذا عليه زكاة إذا كان الحلي ذهبًا مباحًا للتأجير أو للنفقة. وهنا ممكن الرجل يكون عنده ذهب يؤجره للنساء، مش ممكن؟ ممكن أنا عندي محل ذهب، قال أنا مش للبيع، والله هذا محل بأجر فيه، يصير عليه زكاة. فإذا كان الحلي مباحًا للتأجير أو للنفقة، ويريد أن ينفق منه، فهذا عليه زكاة.
قال الشيخ بعد ذلك، والشيخ مرعي قال: «ولا زكاة في حلي مباح معد للاستعمال أو للإعارة». الحلي المباح الذي للاستعمال أو للإعارة قال لا زكاة فيه. أما الحلي المحرم -وهذه سآتي إليها إن شاء الله- أو الحلي الذي هو مباح لكنه للتأجير أو للنفقة، جمعهم مع بعض فقال: «وتجب في الحلي المحرم وكذا في المباح المعاد... للكراء، الكراء هي الإجارة، أو للنفقة، يجب فيه الزكاة». قال: «إذا بلغ نصابًا وزناً ويخرج عن قيمته إذا زادت».
ما معنى هذا الكلام؟ وأنا هنا عندي تعليق في الحقيقة لأن العبارة فيها إشكال قبل أن أتكلم عن طريقة إخراج الزكاة. المهم، الحلي المحرم هذا أيضًا فيه زكاة؛ الحلي المحرم مثل ماذا يا شباب؟ قلنا مثل شخص عنده صحن ذهب، أو قلم ذهبي، الأشياء التي لا يجوز أن تتخذ وأن تستعمل من الذهب أو الفضة، سواء على الرجل أو المرأة، لا يجوز عملها؛ فالحلي المحرم هذا فيه الزكاة.
طيب، ما الفرق بين زكاة الحلي المحرم وبين زكاة الحلي المباح؟ في الحقيقة هناك نوع ثالث، سامحوني بدي أضيفه على الحلي المباح، وستعرفون لماذا وضعته بشكل مستقل بعدين، وهو: الحلي المباح لعروض التجارة، التي هي كثير من محلات الذهب والفضة. هذا ليس للتأجير ولا للنفقة، بل عنده حلي مباح للبيع، هذا أيضًا عليه زكاة.
بالتالي، الحلي المباح هناك أنواع: نوع من عروض التجارة، محلات الذهب أو الفضة التي تجدونها في الأسواق، هذه ليست للتأجير ولا للنفقة ولا ينفق منها على نفسه، بل هي عارضة للتجارة للبيع، فهذه عليها زكاة. والحلي المباح الذي للتأجير أو للنفقة عليه زكاة. والنوع الوحيد الذي ليس فيه زكاة هو الحلي المباح المعد للاستعمال أو للإعارة للناس، أما الحلي المحرم أيضًا فيه زكاة.
لكن هناك فرق بين زكاة الحلي المباح الذي للتأجير أو للنفقة، وبين زكاة الحلي المباح الذي هو عروض التجارة، وبين زكاة الحلي المحرم. ركزوا معي في هذه العبارات المختصرة: زكاة الحلي المحرم نحسب نصابه بالوزن ونخرج زكاته بالوزن. يعني عندي صحن ذهبي، لما بدي أحسب هو نصاب مثلاً، النصاب خمسة وثمانون، أضعه على الميزان، طلع هذا الصحن الذهبي مئة غرام، بالتالي بلغ النصاب بالراحة.
الآن في شيء اسمه في الحياة العملية -إن شاء الله بتعرفوا إيش اسمه- "المصنعية"، وهي الصنعة التي دخلت على الذهب، هذا ليس ذهبًا حرًا، هذا ذهب صار فيه مصنعية وصنعوه على شكل وعاء أو على شكل قلم، وهذه المصنعية لها قيمة أيضًا في عملية البيع، لذلك عروض التجارة تهمهم. في شيء يذهب إلى بائع الذهب، يقول لك: والله هذا ذهب وزنه كذا، ومصنعيته تطلع خمسين دينارًا، فالمصنعية شيء مختلف عن قيمة الوزن نفسه.
افترض أن هذا الصحن مئة غرام، وإذا كان غرام الذهب الصافي عيار أربعة وعشرين اليوم بـأربعين دينارًا، أعتبر أن وزن الغرام الواحد مئة غرام يساوي أربعمئة دينار. هو لما يبيعك إياه، يبيعك إياه بأربعمئة دينار زائد قيمة المصنعية؛ يقول لك: أنا ما بعتك ذهبًا فقط، أنا بعتك ذهبًا مصنعًا على شكل صحن. فإذا كان سعر الغرام أربعين دينارًا وعندك مئة غرام، فالمجموع أربعة آلاف دينار، وسعر الصحن أربعة آلاف دينار زائد المصنعية، فلو قال لك المصنعية مئتا دينار، تدفع له أربعة آلاف ومئتي دينار.
لكن لأنه هذا الصحن محرم في الفقه الإسلامي، يقولون لا قيمة للمصنعية؛ لماذا؟ لأن هذا الذهب صُنع على شكل فنجان أو كاسة أو قلم، وهو حرام، فالمصنعية عندنا حرام ولا قيمة لها شرعًا. فبالتالي لما يحسبون ما عليك من زكاة الحلي المحرم، يقولون: نحن نحسب نصابه بالوزن، إذا كان وزنه مئة غرام نقول المئة غرام فيها ربع العشر، ولا قيمة للمصنعية لأن المصنعية هنا مصنعية محرمة. فإذا كتبتم بالنسبة للحلي المحرم: نصابه بالوزن، والمخرج يكون باعتبار الوزن أيضًا، ولا قيمة للمصنعية لا يُنظر إليها.
نرجع للنوع الثاني الذي فيه الزكاة، وهو الحلي المباح الذي هو للتأجير أو للنفقة، رجل أو امرأة. هذا إخواني لما نحسب نصابه -كما ذكر الشيخ مرعي- يحسب نصابه بالوزن، لكن لما نأتي نخرج الزكاة لا نخرج فقط بالوزن، بل نضيف عليه أيضًا قيمة المصنعية. كيف يعني؟ امرأة عندها سلسال ذهبي وزنه مئة غرام، قالت: والله أنا بأجره أو أنفق منه. هذا حلي مباح وزنه مئة غرام، يهمني الوزن في حساب النصاب، فأضعه على الميزان فإذا بلغ النصاب، عندما تأتي لتخرج الزكاة (ربع العشر) لا تخرج زكاة الوزن فقط، بل نضيف عليها أيضًا المصنعية.
نقول لها: أخرجي زكاة القيمة، لأن المصنعية هنا لها أثر ولها قيمة وهي مباحة شرعًا. فبالتالي نقول: مئة غرام ومصنعيته مئتا دينار؛ نحن اتفقنا قبل قليل أن مئة غرام ضرب أربعين تطلع أربعة آلاف، والمصنعية مئتا دينار، فالمجموع أربعة آلاف ومئتا دينار. هو كذهب لحاله أربعة آلاف، لكن لما تأتي لتخرج الزكاة، نقول لها: أخرجي ربع العشر عن أربعة آلاف ومئتي دينار.
ليس فقط أربعة آلاف، وهذا معنى قوله: «ويخرج عن قيمته إن زادت». يعني الأربعة آلاف زائد المائتين، والله زادت، صار أربعة آلاف ومائتين. بالتالي لو سألتك أنا: السلسال الذهبي في النهاية كم طلعت قيمته؟ لو طلعت قيمته فرضا ثلاثة آلاف وخمسمائة، وقالوا: خلص قيموه لك بثلاثة آلاف وخمسمائة مع المصنعية، هنا أخي الكريم ركز؛ يهمني مائة غرام ذهب الآن، هو مائة غرام ذهب، لذلك قال لك: «ويخرج عن قيمته» التي تحسبها عندما تريد إخراج الزكاة، فتخرجها عن القيمة لا عن الوزن؛ لأن القيمة إذا كانت أغلى سيربح الفقير.
لاحظ القيمة هنا أربعة آلاف ومائتين، لو أن قيمته في السوق نزلت لهبطت لسبب معين، وأنا لا ألتفت للقيمة، لو القيمة هبطت وأنا ألتفت إلى أنه مائة غرام أريد أن أخرج عنها. ممكن الذهب يخسر، فتحدث أشياء؛ بالتالي لو فرضنا -وهي ليست شغلة صعبة- أنه لو أصبحت قيمته أقل من قيمة مائة غرام ذهب، لأن هذا السنسال مثلاً صار قديماً أو ما شابه، قيمته أقل من قيمة مائة غرام ذهب حالي. مائة غرام ذهب حالي قيمتها أربعة آلاف، وقيمة هذا السنسال لأنه قديم يقول لك: والله معتق، وهذا أمريكي وهذا روسي، المهم فرضت أن قالوا: قيمته نزلت عن قيمة مائة غرام ذهب، أي مائة غرام بأربعة آلاف، وهو قيمته ثلاثة آلاف وخمسمائة.
لا، يجب أن تخرج أربعة آلاف وليس ثلاثة آلاف وخمسمائة؛ لذلك هو دقيق الشيخ، قال لك: «ويخرج عن القيمة إذا كانت القيمة الكلية أكثر»، أي عن سعر الذهب وزناً. أما إذا كانت قيمته أقل، فلا، هنا نعتمد سعر الذهب نفسه ولا نلتفت إلى القيمة؛ لأننا لو نظرنا إلى القيمة ستطلع أقل، فأنا هنا يهمني القيمة إذا زادت على وزن الذهب.
إذا كان الحلي مباحاً للتأجير أو للنفقة، النصاب أنه بلغ النصاب أو لم يبلغ، نعتبر الوزن، لكن عندما أريد إخراج الزكاة أعتبر القيمة الكلية إذا كانت القيمة الكلية زائدة. فهنا النصاب مائة، وطلعت أربعة آلاف، وقيمة المصنعية مائتين، صار أربعة آلاف ومائتين، إذاً أنا أخرج عن القيمة الإجمالية النهائية لأنها أكثر من قيمة الذهب وحده.
نريد أن نفرض إخواني أنه أنا وضعت هذا السنسال على الميزان، كم جاب؟ قال: جاب يا شيخ خمسين غراماً فقط، هل عليه زكاة أم لا؟ وضعت هذا السلسال على الميزان وطلع خمسين غراماً، وهو حالي مباح للتجارة والنفقة، هل فيه زكاة؟ تقول لي: لا يوجد زكاة لأنه النصاب خمسة وثمانون. أنا وضعت السنسال، ألم نقل إن نصابه بالوزن نعتبره، ولما تأتي تخرج تخرج عن القيمة إذا كانت القيمة عن الوزن وزيادة؟ فبما أنني وضعت هذا السلسال على الميزان وطلع وزنه خمسين غراماً فقط، نقول لا زكاة عليه حتى لو كانت قيمته آلافاً مؤلفة، انظر، حتى لو كانت قيمته آلافاً مؤلفة لا زكاة عليه؛ لأن وزنه أقل من خمسة وثمانين، ولا ننظر إلى قيمته، ولا ننظر الآن إلى القيمة حتى لو كانت مصنعيته أيما كانت، بما أن وزنه أقل لا نلتفت إلى القيمة النهائية، هذا بالنسبة للحلي المباح الذي هو للتأجير أو للنفقة.
بقي علينا النوع الثالث، وهو الحلي المباح لعروض التجارة، في الحقيقة نعامله معاملة عروض التجارة؛ قال: أما تحسب نصابه فتحسبه بالقيمة لا بالوزن، ولما تريد إخراجه أيضاً تخرجه باعتبار القيمة لا الوزن. كيف يعني؟ عروض التجارة نصابها ابتداءً يحسب بالقيمة، أي يتم تقييمه بغيره، ولما تريد الإخراج تخرج أيضاً بغيره.
فمثلاً لو أن شخصاً عنده سلسال عرضه للبيع، هو عروض تجارة؛ هذا العقد عندما أريد أن أشوف هل بلغ النصاب أم لا، لا أنظر إلى وزنه وإنما أقيم تقييماً، انظروا إلى قيمته. طيب، أقيم ماذا؟ هو عقد ذهبي أم فضي؟ تقول لي ذهبي، تمام، عقد ذهبي تقومه بقيمة الفضة، كم يسوى هذا من الفضة؟ قم به بالفضة لأننا الآن ننظر إلى قيمته، تقول لي مثلاً: قيمته مائتا درهم، خلينا نقول في الزمن القديم لنعرف كيف نتعامل. هذا عقد ذهبي قيمته مائتا درهم، طيب كم وزنه؟ قال له: وزنه خمسون غراماً، فيوجد زكاة؟ الوزن لا، ولكن فيه زكاة؛ لأنه بلغ نصاباً من حيث القيمة وإن كان وزنه أقل من خمسة وثمانين غراماً، عقد ذهبي قيمته بالجنّس الآخر مائتا درهم، إذاً هو بلغ نصاباً من حيث القيمة وإن كان من حيث الوزن خمسين غراماً لم يبلغ النصاب.
فهذا نتعامل معه باعتبار القيمة وليس باعتبار الوزن، لأنه يتعامل الآن مع هذا العقد على أنه عروض تجارة، فأريد أن أقيم كأنه عرض تجارة، هذا السلسال معروض للبيع كأنه سيارة، كم قيمة هذا السنسال؟ قال: قيمته مائتا درهم. أقول له: ممتاز، مائتا درهم بلغت النصاب بالتالي تجب فيه الزكاة.
طبعاً أنت اليوم مثلاً مائتا درهم، كم تساوي في الأموال المعاصرة؟ مائتا درهم إذا نزلت إلى السوق تجدها مثلاً خمسمائة وخمسة وتسعين غرام فضة. كم سعر غرام الفضة اليوم في السوق؟ أنت أخبر مني، هل هو ثلاث دنانير أم أربعة دنانير؟ لنقل أربعة دنانير، نضرب خمسمائة وخمسة وتسعين في أربعة حتى نعطي الحسابات المعاصرة، كم تطلع؟ إذا حسبناها على الآلة الحاسبة تطلع ألفين وثلاثمائة وثمانين. فبنيجي إلى هذا البياع ونقول له: العقد الذهبي هذا كم؟ قال: ثلاثة آلاف. إذاً هو أكيد بلغ النصاب؛ لأننا قلنا إن مائتي درهم بعد ضربها في غرامات الفضة طلعت ألفين وثلاثمائة وثمانين، وهو يقول لنا قيمته ثلاثة آلاف، إذاً هو تجاوز النصاب.
صح لو قال لنا ثلاثة آلاف دينار أردني؛ إذًا هو تجاوز النصاب. طب كم وزنه؟ وضعناه على الميزان ما جاء خمسين غرام ذهب، فيه زكاة؛ فيه زكاة، ولما نخرج الزكاة نخرجها باعتبار القيمة، فنخرج ربع العشر عن ثلاثة آلاف دينار؛ لأنه قيمته ثلاثة آلاف دينار أردني.
بالتالي إخواني خلينا نرتب لكم الأفكار النهائية: الحلي المحرم نصابه بالوزن وتخرج الزكاة أيضًا باعتبار القيمة. الحلي المباح للإجارة أو للنفقة (وليس للإعارة، فالإعارة ما فيها عندي زكاة)، نصابه بالوزن. انتم شفتوا الفرق بين هذه الحالة وحالة عروض التجارة؟
امرأة عندها نفس العقد، شايفين نفس العقد الذي وزنه خمسون غرامًا، نفس العقد لو كان هذا العقد لامرأة تستعمله للإجارة أو للنفقة ما في زكاة عليها؛ لأنه ليس للاستعمال. أنا كتبت للإجارة أو للنفقة؛ لأن الإعارة ما فيها زكاة. لاحظوا لو كان عند امرأة للإجارة أو للنفقة، لما نأتي نحسب النصاب ونحسب الوزن، فإذا كان وزنه أقل من خمسة وثمانين غرامًا ما في زكاة، حتى ولو قيمته ثلاثة آلاف سوقيًا ما في زكاة؛ لأنه الوزن لم يبلغ نصاب الذهب.
إذًا إذا كان الحلي المباح للإيجار أو للنفقة، نصابه بالوزن لكن الإخراج يكون باعتبار القيمة النهائية إن زادت، إن كانت القيمة النهائية ترفعه ولا تقلله. الحالة الثالثة، وهذه مسائل كثير من الطلاب ينبغي أن يتقنها إخواني؛ ينبغي أن يتقن هذا دين، يعني لما تتكلم في الزكاة لا يجوز أن تتكلم فيها إذا لم تكن متقنًا لهذه التفاصيل.
إذا كان الحلي المباح عروض تجارة، هنا ماذا تقول لي؟ نصابه بالقيمة وإخراجه بالقيمة. بالتالي نفس العقد الذي كان وزنه خمسون غرامًا، لما قيمته بالجنس الآخر بالفضة فوجدت أنه يصل إلى نصاب الفضة، عليك أن تخرج زكاته، وهذا نصابه بالقيمة وليس بالوزن، وعليك أن تخرج زكاته أيضًا باعتبار القيمة النهائية له.
فإذا فهمتم الفرق بين هذه الثلاث: الحلي المباح (المحرم) نصابه بالوزن وإخراجه بالوزن، لا قيمة للمصنعية لأن المصنعية محرمة. الحلي المباح للإيجار أو للنفقة، لما أحسب نصابه أحسب الوزن أولًا، هذا الذي يهمني، إذا طلع الوزن وصل إلى النصاب، لما آتي أخرج باعتبار القيمة النهائية إن كانت القيمة النهائية زائدة. أما الحلي المباح المعد للتجارة (عروض تجارة)، فهذا لما أحسب نصابه لا ننظر لوزنه، انظر لقيمته بالجنس الآخر، فلما أخرج منه إذا بلغ النصاب أخرج منه أيضًا باعتبار القيمة النهائية.
لاحظوا الاختلاف: هذه نصابها بالوزن وإخراجها بالوزن، وهذا بالمنتصف؛ نصابها بالوزن وإخراجها بالقيمة، وهذا كله بالقيمة. كي تضبطها عقليًا: الحالة الأولى كلها بالوزن، الحالة الأخيرة كلها بالقيمة، والحالة التي في المنتصف النصاب بالوزن والإخراج بالقيمة. يضبطها بهذا السلم.
طبعًا هنا سأعلق على كلام الشيخ مرعي وكلام الشيخ ابن عوض؛ لأن هناك إشكالية في الحقيقة، لأنه جعل الحلي المحرم مثل الحلي المعد للإجارة أو للنفقة في أن نصابه بالوزن وإخراجه بالقيمة. وليس هذا المذهب؛ لأنه قال: «وتجب في الحلي المحرم وكذا في المباح المعد للكراء أو للنفقة إذا بلغ نصابًا وزنًا ويخرج عن قيمته».
هنا الآن ماذا أفهم من كلامك؟ أنك جعلت الحلي المحرم مثل الحلي المباح المعد للإجارة أو للنفقة في أن النصاب بالوزن والإخراج بالقيمة، لكن في الحلي المحرم الإخراج ليس بالقيمة، بل بالوزن أيضًا؛ لأنه لا قيمة للمصنعية، فالمصنعية محرمة. فهذا الكلام يحتاج إلى تعديل؛ فنقول: إذا بلغ نصابًا وزنًا ويخرج عن قيمته إن زادت، هذا يكون خاصًا بالحالة الثانية، المباح المعد للإيجار أو للنفقة. أما الحلي المحرم فهذا نصابه بالوزن وإخراجه أيضًا بالوزن.
وأنا أستغرب أن الشيخ ابن عوض مشى مع المؤلف أن المحرم والنفقة كلاهما يخرج بالقيمة، لكن هذا الكلام ليس بدقيقًا على المعتمد في المذهب. فالمعتمد في المذهب أن من الحلي المحرم إخراجه ليس بالقيمة، أنه لا قيمة للمصنعية، وهذا شيء منطقي؛ هل هذه المصنعية يقيمها الشرع؟ وأنت لما تريد أن تقيم مصنعية يجب أن يكون لها اعتبار في الشرع، فلما تكون المصنعية محرمة، المحرم لا قيمة له في الشرع، فكيف سأحسبه؟ لذلك الحلي المحرم نصابه بالوزن وإخراجه بالوزن.
إن شاء الله المحاضرة القادمة بإذن الله نتكلم عما يجوز للرجل أن يتخذه من الذهب ومن الفضة، وما يجوز للمرأة، وننتقل إلى زكاة عروض التجارة. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل