دخولتسجيل الدخول

الدرس 41 - زكاة الحبوب والثمار

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية. يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي، رحمه الله تعالى عليه، على مذهب السادة الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم. بالمحاضرة السابقة أحبائي، أنهينا الحديث عن النوع الأول من الأموال الزكوية وهو بهيمة الأنعام، فعرفنا شروط زكاة هذا النوع، وعرفنا الأصناف التي تدخل تحت بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، وعرفنا نصاب الإبل ونصاب البقر ونصاب الغنم وما الذي يجب إخراجه مع كل نصاب، وأقفلنا هذا الباب.

اليوم ننتقل إلى النوع الثاني من الأموال الزكوية وهو زكاة الخارج من الأرض. وهنا أنبه ابتداءً أن الشيخ مرعي يقصد بالخارج من الأرض ما يشمل الحبوب والثمار والمعادن والركاز، والحق بها العسل. طبعاً العسل عندما عُدَّ الأموال الزكوية ابتداءً في الباب الأول من أبواب الزكاة، جعل العسل قسماً مستقلاً، لم يجعله مما خرج من الأرض، لكن لما أتى إلى هذا الباب، باب زكاة الخارج من الأرض، ذكر العسل فيه.

لماذا يا ترى؟ ليس لأن العسل مما يخرج من الأرض، بل لأن حديث الفقهاء عن زكاة العسل حديث محدود، يعني الكلام في زكاة العسل كلام محدود في جملتين أو في ثلاث جمل، بالتالي لم يرَ الشيخ مرعي أن يفصل الكلام عن العسل في باب أو في فصل مستقل، فذكره تبعاً تحت باب زكاة الخارج من الأرض، وإن كان في الحقيقة ليس هو خارجاً من الأرض، بل هو مال زكوي مستقل عند السادة الحنابلة.

فباختصار، الخارج من الأرض عند الشيخ مرعي يشمل الحبوب والثمار والمعادن والركاز، وذكر العسل في هذا الباب أو في هذا الفصل ليس لأنه مما خرج من الأرض، لكن لأن الكلام فيه محدود فذكره تبعاً تحت هذا الباب. غير الشيخ مرعي، في مصنفات أخرى للحنابلة، لما تذهب للروض المربع أو كتب أخرى كالمُنتهى والإقناع، قضية الخارج من الأرض هل تشمل هذه الأصناف الأربعة أم البعض يفصل؟ فيقول الحبوب والثمار هذا نوع، والخارج من الأرض هذا نوع، ويقتصرون فيه على المعادن والركاز.

هذه طريقة أخرى، في بعض مصنفات الحنابلة ستجدونهم يجعلون الحبوب والثمار مالاً زكوياً مستقلاً، والخارج من الأرض يجعلونه مالاً زكوياً آخر ويقصدون حينئذٍ بالخارج من الأرض المعادن والركاز. وهذه في النهاية طرق اصطلاحية، طرق في التصنيف لا تؤثر على المادة العلمية، ولا تؤثر على أصل الفكرة؛ فسواء جعلت الخارج من الأرض يشمل الحبوب والثمار والمعادن أو فصلت فقلت الحبوب والثمار لا، هذا على جنب، والخارج من الأرض هو المعادن والركاز فقط، كل هذه طرق تصنيفية لا حرج فيها.

فلذلك نحن سنسير على طريقة الشيخ مرعي بما أننا نشرح كتابه. هذا الفصل ستجدونه يشمل العديد من الصور، وإن كان في الحقيقة لم يذكر المعادن أو زكاة المعادن ولم يتطرق إلى شرحها وتفصيلها، وإن كنت أتمنى أنه فصلها في هذا الفصل. ابتداءً سيبدأ الشيخ رحمه الله عليه بذكر زكاة الحبوب والثمار باعتبارها أهم الأنواع الخارجة من الأرض، فقال: «تجب في كل مكيل مدخر من الحب»، ثم ذكر أنواع الحبوب والثمر، ثم ذكر أنواع الثمار.

إذن الآن سنبتدأ الحديث عن زكاة الحبوب والثمار، دعوكم الآن من العسل والركاز والمعادن، وركزوا معنا، نحن الآن سنتكلم عن زكاة الحبوب والثمار فقط. السؤال الأول هو: ما هي الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة؟ هل الزكاة تجب في كل حب خرج من الأرض وفي كل ثمر خرج من الأرض، أم هناك ضابط للحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة عند الحنابلة؟

نعم، في الحقيقة هناك ضابط للحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة عند الحنابلة. دعونا نذهب إلى الشاشة لنفصل هذا الضابط، ولأبين لكم قضية قبل هذا الضبط. ما ذكره الشيخ مرعي رحمه الله في هذا الباب، والباب نقول: باب زكاة الحبوب والثمار وقوت الحبوب والثمار لأنني سأشرحها ابتداءً، بعد ذلك نأتي إلى سائر ما خرج من الأرض. هو قال الحبوب والثمار واقتصر على هذا، لكن في مطولات الحنابلة نجدهم يذكرون صنفاً ثالثاً مع الحبوب والثمار، فيقولون: «وأوراق الشجر المقصودة».

المقصودة؛ أي أن هناك حبوباً وهناك ثماراً وهناك أوراق شجر يقصدها الناس وينتفعون بها، مثل ورق السدر، لا يخفى عليكم ورق السدر الذي له فوائد عديدة طبية، بل حتى يستعمل في علاج الحسد والعين والسحر، فورق السدر يستعمل أيضاً في تغسيل الموتى، ورق مهم جداً يقصده الناس وله استعمالات عديدة. أيضاً ورق الآس قديماً، كذلك ورق الخطمي كان يستعمل في الغسل، كما نحن اليوم نستعمل مثلاً الشامبو أثناء الاستحمام، قديماً كانوا يستعملون هذا الورق.

بالتالي أحبائي، سأزيد شيئاً ثالثاً على الحبوب والثمار لم يذكره الشيخ مرعي وهو أوراق الشجر المقصودة. لماذا تقول مقصودة يا شيخ؟ لأنه هناك العديد من أوراق الشجر لا ينتفع بها، فحديث الحنابلة كان عن أوراق الشجر المقصودة بالتحديد، أي أوراق الشجر التي يقصدها الناس للانتفاع بها وليس أي ورق شجر. إذن الفائدة الأولى في هذه المحاضرة أن زكاة الحبوب والثمار سنضيف إليها شيئاً ثالثاً لم يذكره الشيخ مرعي وهو أوراق الشجر المقصودة، فأصبح العنوان: زكاة الحبوب والثمار وأوراق الشجر المقصودة.

الآن نعود للسؤال الأساس: ما هو ضابط الحبوب والثمار وأوراق الشجر المقصودة التي تجب فيها الزكاة؟ لأنه ليس كل حب أو ثمر أو ورق شجر تجب فيه الزكاة، هناك ضابط. ما هي هذه الضوابط؟ هناك ضابطان: الأول أن تكون مكيلة، والثاني أن تكون مدخرة. إذا بهذين الشرطين تجب الزكاة في الحبوب والثمار وأوراق الشجر، فأي حب يوجد فيه هذان الشرطان، أو أي ثمرة يوجد فيها هذان الشرطان، أو أي ورق شجر مقصود يوجد فيه هذان الشرطان، تجب فيه الزكاة.

قال: «وما تفسير الشرط الأول؟» قال: «أن تكون مكيلاً». ما معنى أن تكون مكيلاً؟ المراد بالكيل هنا أحبائي أن تكون هذه الحبوب أو الثمار أو الأوراق مما تباع...

أي بالمكيال، وليست مما يباع بالوزن أو يباع بالعدد والحبة. الآن عندما تذهب إلى البائع، طريقة شراء الحبوب أو الثمار تختلف بحسب طبيعة هذا الحب أو الثمرة؛ فهناك ثمار تباع بالوزن، وهناك ثمار تباع بالعدد، وهناك ثمار تباع بالكيل.

المكيال هو الآلة التي يستعملها البائع للغرف. الآلة التي يستعملها البائع في الغرف تسمى المكيال؛ يعني أنت لو ذهبت إلى محلات العطارة، وكان مثلاً هناك أكياس رز وأكياس شعير وأكياس قمح وما شابه ذلك، عندما تطلب من البائع كمية من الشعير أو من القمح فإنه يأتي بالمكيال، هذا يسمى مكيالًا عند العرب، ويبدأ يعبأ بهذا المكيال ويضع في الكيس. هذه الحبوب أو الثمار التي تباع بهذه الطريقة، طريقة المكيال، هي التي تسمى حبوبًا وثمارًا أو أوراقًا مكيلة.

أحياناً العرف ربما اختلف؛ فهناك كثير من الحبوب والثمار، خاصة الثمار قديماً في العهد القديم في عهد النبي ﷺ، كانت تباع بالكيل. ربما نحن الآن في وقتنا نبيعها بالوزن، بل ربما البعض يبيعها بالعدد. فالمعتبر عندنا العرف القديم، العرف الذي كان سائداً في عهد النبي ﷺ. الثمار والحبوب والأوراق التي كانت تباع في عهد النبي ﷺ بالكيل هي الثمار التي تجب فيها الزكاة حتى ولو أصبحت في زماننا تباع بالوزن.

انتبهوا على هذه الفكرة؛ الثمار والحبوب وأوراق الشجر التي كانت في عهد النبي ﷺ، في عهد التشريع، تباع بالكيل هي التي تجب فيها الزكاة، حتى ولو أصبحت في زماننا الآن توزن وزناً أو تباع بالعدد والحب. فإذا كان أي حب يباع بالكيل -وهذا هو الغالب في الحبوب أو ثمرة طبيعتها في عهد النبي ﷺ أنها كانت تباع بالكيل- أو أوراق شجر طبيعتها أنها تباع بالكيل، هي التي تجب فيها الزكاة إذا وُجد الشرط الآخر، وهو أن تكون مدخرة.

فأنا الآن أريدكم أن تفهموا وتتصوروا ما معنى الكيل هنا؛ لأنه كثير من الطلاب غير المتصورين ما معنى الحبوب المكيلة أو الثمار المكيلة أو الأوراق المكيلة، فعليكم أن تضبطوا هذا التصور؛ فتقولوا: الحبوب والثمار وأوراق الشجر تختلف طريقة شرائها من البائع؛ فهناك قسم يباع بالوزن تضعه على الميزان، وهناك قسم يباع بالعدد والحبة، وهناك قسم يباع بالكيل.

ما هو الكيل المكيل؟ يعني أقرب تصور له أن تتصوروا المكيال الذي يستعمله البائع في محلات العطارة وما شابه ذلك، فيغرف به الحبوب أو يغرف به الثمار التي تباع بالمكيال ويعبأ، فتقول له مثلاً: ضع لي مكيالين أو ضع لي ثلاثة مكاييل، فيضع هذه الغرفة، وهذه الغرفة الثانية، وهذه الغرفة الثالثة، ويكون حجم هذا المكيال متعارفاً عليه بين الناس. فالحبوب والثمار والأوراق التي طبيعتها أن تباع كيلاً في عرف النبي ﷺ أو في العهد القديم هي التي تجب فيها الزكاة مع توفر الشرط الثاني. فهمنا ما يعني أن تكون مكيلة؟

جميل، ننتقل للشرط الثاني: قال «أن تكون مدخرة». ما معنى أن تكون الحبوب أو الثمار أو الأوراق مدخرة؟ معنى الادخار يعني أنها تقبل التجفيف والتخزين لقابل الأيام؛ هذا معنى أن تكون مدخرة. أن تكون هذه الحبوب أو هذه الثمار أو هذه الأوراق مما يقبل التجفيف والتخزين لقابل الأيام؛ هذا معنى أن تكون مدخرة. فأي حب أو ثمر أو ورق شجر مكيل ويقبل التجفيف والتخزين لقابل الأيام، هذا الذي تجب فيه الزكاة.

الزكاة لا تجب في أي حب أو في أي ثمر أو في أي ورق شجر كلاً، بل تجب في الحبوب والثمار والأوراق التي يتوفر فيها هذان الضابطان: أن تكون مما تباع كيلاً، هذا واحد، وأن تكون مما تقبل التجفيف والتخزين لقابل الأيام، يعني أن تكون مدخرة. فأي حبة أو ثمرة أو ورق شجر لا يوجد فيه هذان الضابطان أو يوجد فيه أحد الضابطين فقط، لا تجب فيه الزكاة.

تعالوا الآن نعود إلى الشيخ مرعي وننظر في الأمثلة التي ذكرها على الحبوب وعلى الثمار التي تجب فيها الزكاة. قال الشيخ مرعي: «تجب في كل مكيل مدخر»، يعني تجب في كل حبة وفي كل ثمرة وفي كل ورق شجر مقصود طبيعته أنه مكيل يباع بالكيل وليس بالوزن أو العدد، ومدخر يقبل التجفيف والتخزين لقابل الأيام. تجب في كل مكيل مدخر من الحب. كلمة الحب ضعوا فوقها ألفاً أو واحداً حتى تعرف الأصناف التي فيها الزكاة: حب وثمر، وأنا أضفت لكم ورق الشجر المقصود.

ثم انظروا في الأمثلة التي ذكرها على الحبوب؛ قال: كالقمح. القمح فعلاً يباع بالمكيال وليس بالوزن ولا بالعدد في عهد النبي ﷺ، ومدخر يقبل التخزين والتجفيف لقابل الأيام. والشعير كذلك، والذرة قديماً كانت تباع بهذه الطريقة، تباع كيلاً وتقبل التجفيف والتخزين. الأرز، الحمص -وركزوا هذه لقطتها المشهورة- الحمص، العدس، الباقلاء، الكير سنة (طبعاً هذه أنا لا أعرفها في الحقيقة، كثير من أسماء النباتات أو الحبوب يذكرها الشيخ مرعي في زمنهم لها اسم ربما في زمننا تختلف)، السمسم، الدخن، الكراوية، هذه أيضاً أعرفها، الكزبرة، وبزر القطن والكتان والبطيخ ونحوه.

لاحظوا من عند كلمة بزر ما بعد ذلك معطوف؛ بزر القطن، وبزر الكتان، وبزر البطيخ ونحوه. إن بعض الطلاب قد يقرأ هذه الجملة خطأ، فيقرأ: بذر القطن ويقف، والكتان والبطيخ، ويظن أن الكتان يعني هذا حب أو البطيخ هذه حب، والبطيخ ليس من الحبوب، والكتان ليس من الحبوب، ولكن هذه معطوفة على كلمة بزر. انتبهوا لما تقرأوا: وبزر القطن وبذر الكتان وبزر البطيخ، هذا المراد؛ فبذور القطن وبذور الكتان وبذور البطيخ هذه من الحبوب التي تكال وتدخر ونحو ذلك.

ثم قال: «ومن الثمر»، الثمر ضعوا تحتها أو فوقها باءً أو اثنين لأن الصنف الثاني. ثم بعد ذلك ذكر الأمثلة فقال: كالتمر والزبيب واللوز والفستق والبندق والسماق. فلاحظوا أمثلة الثمر التي ذكرها؛ التمر، التمر في عهد النبي ﷺ كان يباع بالكيل، كان يباع بالمكيال وليس بالوزن أو العدد، وهو أيضاً مدخر. كيف مدخر؟ الرطب أحبائي في عادة الناس أنهم كانوا -طبعاً يمكن أن تؤكل مباشرة ويمكن أيضاً أن تقبل الادخار- يمكن أن تجفف وتدخر على صورة التمر الجاف. كذلك العنب، أرينا في عهد النبي ﷺ يمكن أن يؤكل مباشرة، وكثيراً ما كان يجفف ويدخر على صورة الزبيب، وهي أيضاً ماكيلة؛ فالعنب كان يباع بالكيل وهو مدخر. اللوز كذلك يباع بالكيل بالمكيال في عهد النبي ﷺ، وهو...

يجفف أو يقبل التجفيف والادخار، وكذلك الفستق والبندق والسماق؛ فهذه أمثلة على الثمر الذي تجب فيه الزكاة. ثالثًا، وهذه أضيفوها كما قال الشيخ مرعي، لم يذكرها: أوراق الشجر المقصودة، فأوراق الشجر مثل السدر، مثل الختمة، مثل القاس. هذه الأوراق التي يقصدها الناس تباع بالمكيال، وهي تقبل التجفيف والتخزين في المخازن والادخار.

بالتالي بعض الناس أحبائي يظن أنه أي ثمرة تخرج في البستان عليها زكاة، وهذا ليس بصحيح. ليس أي ثمرة أو أي حب أو أي ورق شجر عليه زكاة، لا بد أن تكون هذه الحبوب أو هذه الثمار أو هذه الأوراق مما يباع بالمكيال، واثنين مما يقبل التجفيف والادخار، وهذه أمثلة عليها.

الآن سيذكر الشيخ مرعي أمثلة على ثمار لا تجب فيها الزكاة، سيذكر الآن أمثلة على ثمار لا تجب فيها الزكاة لاختلال أحد الشرطين أو لاختلال كليهما. مثال ذلك، قال: ولا زكاة في العناب. العناب أحبائي، وأظنكم تعرفون، هذه الثمرة لا زكاة فيها في المعتمد من المذهب، لأن هناك خلافًا حقيقة في دائرة المذهب: هل هناك زكاة في العناب أم لا؟ لكن المعتمد أنه لا زكاة فيه. والسبب في ذلك أن العناب كان يباع بالمكيال، لكن الذي اختل فيه الشرط الثاني وهو أنه ليس مما يجفف ويدخر؛ ليس من عادة الناس أن يجففوه ويدخروه، فاختل فيه شرط الادخار.

كذلك الزيتون، وهتنتبهوا عليها، الزيتون عند الحنابلة في المعتمد من المذهب لا زكاة فيه. لماذا يا شيخ؟ ألا يباع بالمكيال؟ صحيح، ويباع بالمكيال وجد فيه الشرط، لكن ليس من عادة الناس أن تجففه وأن تدخره. الآن بعض الناس يقول لك: كيف يا شيخ الناس ما بتدخر الزيتون؟ مش الناس بتكبر الزيتون وتضعه في مرتبانات وفي أوعية وتدخره لسنة وسنتين تأكله؟ نقول جميل، لكن هم في الحقيقة لا يجففونه، هم يضعونه بالملح والماء والليمون ويخزنونه لسنة أو سنتين يأكلونه، وهذا لا يسمى ادخارًا بالمفهوم الشرعي.

الادخار هو أن تجفف الثمرة وتحافظ عليها، والزيتون لا يجفف تجفيفًا ويدخر، إذا أردت أن تحافظ على الزيتون لفترة طويلة تحتاج أن تضعه في الماء وفي ملح وفي الليمون وتحافظ عليه، وهذا لا يسمى ادخارًا. الادخار هو أن تجفف الثمرة ثم تدخرها، بالتالي الزيتون ليس مما يدخر بهذا المفهوم، بالتالي لا زكاة في الزيتون عند الحنابلة حتى ولو بلغ مئات الكيلوغرامات.

الجوز كذلك، الجوز الشرط الذي اختل فيه هو الشرط الأول، شرط الأكيال. الجوز ليس مما يباع بالكيل في العرف القديم، بل الجوز يباع بالعدد، هكذا كانوا يتبايعون الجوز بالعدد؛ ضع لي حبتين، ضع عشر حبات، ضع خمس عشرة حبة، فهو مما يباع عددًا وليس كيلًا، وبالتالي اختل فيه شرط الكيل.

التين كذلك، التين الآن ممكن البعض يقول لك: يا شيخ التين يجفف، ونسميه نحن في بلادنا بعد التجفيف قطين، وكذلك المشمش، المشمش في بلادنا يجفف، إذًا مما يدخر. نقول نعم، التين والمشمش مما يدخر، لكنه ليس مما يباع بالكيل، ليس التين يباع كيلًا بالمكيال؛ لا تذهب إلى البائع تقول: ضع لي بالمكيال تين، أو ضع لي بالمكيال مشمش، لا يباع بالعدد أو الوزن.

فبالتالي لاحظوا مثلا: الزيتون اختل فيه شرط الادخار، الجوز والتين والمشمش اختل فيه شرط المكيال، وكذلك التوت والنبق والزعرور والرمان هذه ليست مما يباع كيلًا، فلذلك انخرم فيه الشرط الأول فلا تجب فيه الزكاة. إذًا إخواني فعليًا هم يقولون أكثر الفواكه لا تجب فيها الزكاة لأنها إما لا تباع كيلًا أصالة، وإما لا تقبل الادخار. لذلك أغلب الفواكه الحمد لله لا تجب فيها الزكاة لأنها في العادة لا تباع بالكيل وأكثرها لا يقبل الادخار.

وكذلك الخضروات، الخضروات أحبائي أغلبها أيضًا ليس مما تجب فيه الزكاة؛ مثل الكوسا والباذنجان والخيار والبندورة وغيرها، ليه يا أحبائي؟ في العادة لا تباع بالكيل، يعني ما بتدخل على محل بتقول له: ضع لي بالمكيال بندورة، أو ضع لي بالمكيال خيار، أو ضع لي بالمكيال كوسا، تعرفون، تباع إما بالوزن وإما بالعدد.

فلذلك فقهيًا أكثر الفواكه وأكثر الخضروات لا تجب فيها الزكاة، وهذه فوائد مهمة يا إخواني في حياتنا العملية لأن كثير من الناس تصورهم عن زكاة الحبوب والثمار تصور مغلوط، فعلينا أن نصححه. فإذا كل مكيل مدخر من حب أو ثمر أو ورق شجر مقصود هذا الذي يجب فيه الزكاة، ما سوى ذلك لا زكاة فيه.

جميل، الآن بعد أن عرفنا ما هي طبيعة الحبوب والثمار والأوراق التي تزكى، علينا أن نعرف شروط وجوب الزكاة فيها. إذا بتذكروا في الباب السابق، باب بهيمة الأنعام، إحنا ابتداء عرفنا أنواع بهيمة الأنعام التي فيها الزكاة، وهي الإبل قلنا بأنواعها، والبقر بأنواعها، والغنم بأنواعها. بعد ذلك تعرفنا على شروط وجوب الزكاة فيها، فذكرنا ثلاثة شروط لوجوب الزكاة في بهيمة الأنعام: أن تكون مقتناة للدر والنسل والتسمين لا للعمل، ثانيًا قلنا أن تكون سائمة، ثالثًا أن يكون قد حال عليها الحول، وأن تبلغ نصابًا.

صحيح، ونفس الشيء سنتعامل فيه في الزروع والثمار. عرفنا ابتداء ما هي الحبوب والثمار التي تزكى؟ كل مكيل مدخر. الآن بدنا نتعرف على ما هي شروط وجوب الزكاة فيها، فهذا نفس الأسلوب الذي إذا عملناه في بهيمة الأنعام سنمارسه في الحبوب والثمار. عرفنا ما هي الحبوب والثمار التي تزكى؟ الآن بدنا نعرف شروط وجوب الزكاة فيها.

فقال الشيخ مرعي: «وإنما تجب الزكاة فيما تجب». إيش يعني فيما تجب؟ أي فيما يقبل التزكية أو فيما يزكى من الحبوب والثمار، هذا معنى «وإنما تجب فيما تجب» بشرطين. يعني إنما تجب الزكاة فيما يقبل التزكية من الحبوب والثمار والأوراق بشرطين، هذا هو المقصود بالعبارة.

ما هما هذان الشرطان؟ دعونا نذهب إلى السبورة. إذًا «وإنما تجب الزكاة فيما تجب»، هذه العبارة مقلقة لبعض الطلاب يقول لك: إيش يعني؟ «وإنما تجب فيما تجب»؟ يعني شروط وجوب الزكاة في الذي يقبل التزكية من الحبوب والثمار والأوراق، لأنه الذي يقبل التزكية هو كل مكيل مدخر فقط، فكل مكيل مدخر من الحبوب والثمار وأوراق الشجر، ما هي شروط وجوب الزكاة فيه؟

هذه خطوة أو مسألة ثانية، كل مكيل مدخر من الحبوب والثمار وأوراق الشجر ما هي شروط وجوب الزكاة فيه؟ هناك شرطان كما ذكر الشيخ مرعي، ونقول شروط وجوب الزكاة في المكيل المدخر: الشرط الأول قالوا: أن يبلغ نصابًا. هذا هو الشرط الأول، وهذا شرط متكرر في كل الأموال التي يشترط فيها النصاب، وهي جل الأموال الزكوية. فلما في المحاضرة السابقة لما تكلمنا عن زكاة بهيمة الأنعام كان من شروط زكاة...

بهيمة الأنعام أن تبلغ نصاباً، وكذلك الأمر في الحبوب والثمار بالتأكيد؛ فأول شرط من شروط وجوب الزكاة في المكيل للمدخر من الحبوب والثمار أن تبلغ نصاباً. قال الشيخ مرعي: "الأول أن يبلغ نصاباً"، وقدره ما قدر النصاب؟ قال: "وقدره بعد تصفية الحب وجفاف الثمر خمسة أوسق، وهي ثلاثمئة صاع".

الآن أحبائي، قبل أن نذكر قدر النصاب بالتحديد، دعوني أبين لكم كيف يحسب النصاب ابتداءً في الحبوب والثمار وأوراق الشجر، لأن هناك طريقة محددة في حساب النصاب للحبوب والثمار. أولاً، هذه الخطوات التي سأذكرها هي خطوات حساب النصاب أو كيف يحسب النصاب أو طريقة استخراجه.

لابد من تصفية الحب من قشره وتجفيف الثمر، هذه أول خطوة إذا أردت أن تحسب ما لديك من الحبوب أو الثمار وتعرف هل بلغت النصاب أو لم تبلغ؛ عليك أن تصفي الحبة من القشر. إذا كانت عندك حبوب، عليك أن تخرج الحبة من قشرها وتحسب نصاب الحبوب أو كمية الحبوب التي عندك من دون القشر الذي عليها، وإذا كان عندك ثمار مثل التمر أو العنب، عليك أن تجفف الثمرة وتحسب النصاب والثمرة جافة وليس رطبة.

هذا أمر مهم جداً وضابط مهم جداً في حساب النصاب للحبوب والثمار؛ فالنصاب في الحبوب لا يحسب والحب ما زال بقشره، وبالنسبة للثمر لا يحسب النصاب والثمرة رطبة فيها ماؤها. إذا كان حبوباً لازم تصفي الحب من قشره، وإذا كانت ثماراً لازم تجفف الثمرة، ثم بعد ذلك تحسب النصاب والثمرة جافة والحبة خالصة من قشرها.

طبعاً هل هناك استثناءات؟ نعم، هناك استثناءات في أشياء لكن لا أريد الآن أن أتعبكم بها، دعوا الاستثناءات للمستقبل إن شاء الله. اعتمدوا القاعدة الأساسية: أي حب لا يحسب نصابه حتى يصفى من قشره، ففي القمح لا تحسب نصابها وهي في قشرتها، بل تخرج حبة القمح من قشرتها وبعد ذلك تحسب النصاب، وكذلك في كل الحبوب. وبالنسبة للثمار، لا تحسب الثمار والعنب ما زال عنباً فيه ماؤه، والتمر ما زال رطباً في مائه بل ينبغي أن يجفف وبعد ذلك يحسب النصاب. هذه القاعدة الأولى: لابد من تصفية الحب من قشره وتجفيف الثمر قبل أن يحسب النصاب.

ثانياً، القاعدة الثانية: تضم أنواع الجنس الواحد بعضها إلى بعض في حساب النصاب. هذه القاعدة لم يذكرها الشيخ مرعي، اذكروها أنتم. ما معنى هذا الكلام؟ التمر في الحقيقة ليس نوعاً واحداً، وهذا يعرفه إخواننا في الخليج؛ فالتمر أنواع عديدة، هناك التمر السكري، وهناك عجوة المدينة، وهناك البرني، وهناك أنواع أخرى للتمر. كذلك العنب وهذا معروف في بلادنا؛ هناك أنواع وأجناس، هناك عنب أحمر، وهناك عنب أخضر، وهناك عنب جبلي، وهناك عنب من الغور، وقل ذلك في سائر الثمار والحبوب.

فجنس التمر تحته أنواع وأصناف، وجنس العنب فالعنب جنس وتحته أنواع من العنب مختلفة، وقل ذلك كما قلنا في سائر الحبوب والثمار؛ فالقمح جنس وتحته أنواع. فعندما نحسب النصاب نضم أنواع الجنس الواحد بعضها إلى بعض؛ يعني جماعة التمر إذا كان عنده أكثر من نوع يجمع الأنواع بعضها إلى بعض في حساب النصاب. لا يصح أن يقول: "التمر السكري هذا على جنب، والتمر المشدود هذا على جنب آخر، وتمر العجوة هذا على جهة أخرى"، بل يضمهم؛ فلو كان التمر السكري عندك أقل من النصاب، لكن إذا جمعته مع تمر آخر كمله النصاب، فهو يجب أن تجمعه. فما يصير تقول: "تمر العجوة ما جمع نصاب وبالتالي ما في زكاة، وتمر السكري ما جاب نصاب وبالتالي ما في زكاة"، لا، هذه طريقة خاطئة. نقول لك التمر جنس وتحته أنواع، وهذه الأنواع يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب وتخرج الزكاة عن مجموعها.

فإذا كان لدى شخص مزارع عنب في مناطق مختلفة من الأردن، وكل منطقة تخرج له نوعاً من العنب في نهاية الموسم أو عند قطافه، يجمع كل هذه الأنواع بعضها إلى بعض في تكملة النصاب. لا يصح أن يقول: "هذا العنب في هذه المنطقة نوعه كذا وكذا وما بلغ النصاب خلاص ما في زكاة، وهذا الذي في المنطقة الجبلية أيضاً ما كمل النصاب"، هذا خطأ؛ تجمع كل الأنواع بعضها إلى بعض وتكمل بها النصاب.

ثالثاً، لا يضم جنس إلى جنس في تكميل النصاب، هذه قاعدة مختلفة. أما إذا اختلفت الثمرة، مثل شخص عنده عنب وعنده رطب تمر، هل يضم هذا الجنس إلى هذا الجنس في إكمال النصاب؟ لا. فإذا كان العنب الذي عندك لا يكمل النصاب، وكان الرطب الذي عندك لا يكمل النصاب، لا زكاة عليك، ولا نلزمك أن تضم ثمرة العنب إلى ثمرة التمر في تكميل النصاب؛ فكل ثمرة جنس، فالعنب جنس والرطب جنس، فالأجناس لا تضم إلى بعضها البعض في إكمال النصاب.

فإذا كان عندك من هذه الثمرة مقدار لا يبلغ النصاب، ومن هذه الثمرة الأخرى مقدار لا يبلغ النصاب، فلا زكاة عليك حتى ولو كان جمعهما مع بعضهما يوصل للنصاب، لا يلزمك بذلك ما دام أن كل جنس لم يبلغ النصاب. فنحن نتعامل مع الأجناس، كل جنس زكاته على حدة. مثل بهيمة الأنعام، هل من ضمن الإبل للبقر في تكميل النصاب؟ نقول لا، لأن الإبل جنس والبقر جنس والغنم جنس، ونفس الشيء هنا؛ العنب جنس والرطب جنس، وذلك في الأجناس المختلفة، فلا نضم جنساً إلى جنس في تكميل النصاب.

القاعدة الرابعة والأخيرة تقول: تضم ثمرات العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب. هذه القاعدة مهمة أيضاً أحبائي، وتوضح أن عليك أن تضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في إكمال النصاب. الآن أصحاب مزارع العنب مثلاً، العنب أنواع مختلفة وكل نوع وقت قطافه في السنة يختلف عن وقت قطاف النوع الآخر، وكذلك في الرطب.

الوقت الذي ينزل فيه هذا النوع من الرطب يختلف عن الوقت الذي ينزل فيه النوع الآخر، فتقول هذه القاعدة: ثمرة العام الواحد تضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب.

إذا أنا مثلا في شهر عشرة قطفت، أو خلينا نقول في شهر سبعة قطفت جزءًا من العنب، هذا الجزء من العنب ما بلغ النصاب، ثم بعد شهرين قطفت قسمًا آخر من العنب، نوعًا آخر حان وقت قطافه ولم يبلغ النصاب، هل نقول ما عليه زكاة لأني في كل قطفة ما كان عندي نصاب؟ لا، نقول هذه القطفة التي في شهر سبعة تضمها للقطفة التي في شهر عشرة، وإذا كان مثلا في قطف شهر اثني عشر تضمها أيضًا، فتضم قطفات الموسم الواحد بعضها إلى بعض وبتحسب النصاب الكلي.

بعض الناس يقول لك: هذه القطفة التي في شهر سبعة ما بلغت النصاب خلص ما في علي زكاة، ويجي لقطفة شهر عشرة يقول لك لأ ما في علي زكاة، نقول لا، ثمرة العام الواحد، نحن بنحسب موسمًا موسمًا، يسمونها الموسم الزراعي، والعام الواحد هنا المراد به الموسم الزراعي، وهذا يعرفه أهل الزراعة. الموسم الزراعي الواحد تضم ثمارُه بعضها إلى بعض؛ فموسم النخيل كما قلنا يقطف في أكثر من فترة في الموسم، أو العنب يقطف في أكثر من فترة في الموسم الواحد، ولما نحسب هل عندي نصاب من العنب ولا ما عندي، أو هل عندي نصاب من الرطب ولا ما عندي، علي أن أجمع ثمرة كل الموسم وأضم بعضها إلى بعض. القطف الذي في شهر سبعة أضم هذا القطف الذي في شهر عشرة وبحسب النصاب، ولا أحسب كل قطفة على حدة، لا، هذه ليست حسبة صحيحة.

بالتالي هذه قواعد أربعة مهمة جدًا في حساب نصاب الحبوب والثمار والأوراق المدخرة: القاعدة الأولى تقول: لا بد من تصفية الحب من قشره وتجفيف الثمر قبل حساب النصاب. القاعدة الثانية تقول: تضم أنواع الجنس الواحد بعضها إلى بعض في حساب النصاب. القاعدة الثالثة تقول: لا يضم جنس إلى جنس آخر مختلف عنه في تكميل النصاب. القاعدة الرابعة الأخيرة: تضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب.

بعد هذه القواعد الأربعة تسألني: طب هو كم النصاب يا شيخ؟ أقول لك النصاب هو خمسة أوسق كما قال ﷺ: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، والخمسة أوسق هي ثلاثمئة صاع، وبالحسابات المعاصرة ستمئة وإحدى عشر كيلو غرام. أنا أدرك أن هذا هو الذي تتعاملون معه في الوقت المعاصر فاحفظوا هذا الرقم جيدًا. أي إنسان مسلم عنده حب أو ثمر أو ورق مقصود مكيل مدخر بلغ نصابًا وعرفنا طريقة حساب النصاب، عنده ستمئة وإحدى عشر كيلو غرام تمر، أو عنده ستمئة وإحدى عشر كيلو غرام عنب، أو عنده ستمئة وإحدى عشر كيلو غرام قمح أو شعير أو ذرة أو رز إلى آخره، هذا الذي تجب عليه الزكاة إذا بلغ نصابًا، طبعًا مع استكمال سائر الشروط. النصاب هو ستمئة وإحدى عشر كيلو غرام.

أعطيكم مثالًا تدريبيًا: شخص عنده ثلاثمئة كيلو غرام تمر، وعنده خمسمئة كيلو غرام عنب، هل عليه زكاة؟ قولي لي يا شيخ ما علي زكاة، ليه؟ لأن التمر ما بلغ النصاب والعنب ما بلغ النصاب، طب بقول لك اجمع التمر مع العنب يصير نصاب؟ قل لي لأ يا شيخ، التمر جنس والعنب جنس آخر لا يضمان إلى بعضهما البعض، القاعدة تقول لا يضم جنس إلى جنس في تكميل النصاب.

لكن شخص عنده من التمر السكري ثلاثمئة كيلو غرام، وعنده من تمر العجوة ثلاثمئة كيلو غرام، وعنده من تمر آخر ثلاثمئة كيلو غرام، هل بيقول لي والله أنا ما علي زكاة لأنه كل نوع لم يبلغ النصاب؟ نقول له لأ، تقول له بتجمع كل الأنواع، هذه الأنواع كلها تحت جنس واحد هو التمر، بالتالي عليك أن تجمعها مع بعضها البعض، ويطلع المجموع عندك تسعمئة كيلو غرام، فعليك زكاة، كم الذي يجب إخراجه؟ هذا سنأتي إليه إن شاء الله.

فإذاً هذا هو الشرط الأول أن يبلغ نصابًا، والنصاب ستمئة وإحدى عشر كيلو غرام وعرفنا طرق استخراج هذا النصاب، بعد ذلك سأنتقل للشرط الثاني حتى لا أطيل في هذه الفكرة. عرفنا إذا نصاب الحبوب والثمار والأوراق ستمئة وإحدى عشر كيلو غرام، دعونا ننتقل للشرط الثاني من شروط وجوب الزكاة بالمكيل المدخر من الحبوب والثمار.

ماذا قال الشيخ مرعي؟ إذا بعد أن ذكر الشرط الأول -طبعًا هو ذكر ثلاثمئة صاع ثم بدأ يبين معهم الصاع بالعراقي وبالمقدسي، وهذه كلها حسابات غير موجودة ونقول شبه مفقودة في وقتنا المعاصر ولا نحتاج إليها، فقط نقتصر على الرقم الذي نتعامل معه- الشرط الثاني قال: أن يكون مالكًا للنصاب وقت وجوبها.

هذا هو الشرط الثاني أحبائي، قال: أن يكون مالكًا للنصاب في وقت وجوب الزكاة. ما معنى هذا الكلام؟ يقول الحنابلة يجب أن تكون هذه الحبوب أو الثمار أو الأوراق المكيلة المدخرة في ملكك حينما يأتي وقت وجوب الزكاة فيها. كلمة "وقت" ضعوا تحتها خط لأنها هي الأساس، حتى تجب علي الزكاة بالحبوب أو في الثمار أو في الأوراق يجب أن أكون مالكًا، يعني يجب أن تكون هذه الحبوب أو الثمار أو الأوراق في ملكي حينما يأتي وقت وجوب الزكاة فيها، وهذا بالتالي سيقودنا أن نتكلم ما هو وقت وجوب الزكاة في الحبوب وما هو وقت وجوب الزكاة في الثمار وكذلك في الأوراق، ولذلك الشيخ مرعي انتبه على هذه القضية.

قال: فوقت وجوب الزكاة في الحب إذا اشتد. ما معنى إذا اشتد؟ يعني إذا أصبحت حبة القمح أو حبة الشعير شديدة صلبة صالحة لأن تحصد، هذا معنى الاشتداد وهذا يعرفه الزراع؛ إذا اشتدت يقول لك والله الثمرة اشتدت، الحب اشتد، يقول لك والله القمح حبتها اشتدت، صارت الآن صالحة للحصاد، وكذلك الشعير وسائر الحبوب. ووقت وجوب الزكاة بالثمار قالوا: إذا بدأ صلاحها، إذا بدأ صلاحها وأصبحت صالحة لأن تقطف وأن تتناول وتؤكل، وهذا أيضًا له عرفه. وكذلك وقت وجوب الزكاة في الأوراق، هذه أضيفها أنا.

وننقل الثمار ونقول الأوراق إذا صلحت لأن تقطف، وهذا أيضًا يعرفه الزراع؛ فإذا دخل وقت وجوب الزكاة في الحب وهو وقت اشتدادها، أو دخل وقت وجوب الزكاة في الثمار وهو بدء غدو صلاحها، أو دخل وقت وجوب الزكاة في الأوراق، وهذه الحبوب وهذه الثمار وهذه الأوراق في ملكك، حينئذ أنت الذي ستخاطب بزكاتها ونقول وجبت عليك زكاتها.

أعيد وأكرر، ما هو الشرط الثاني الذي ذكره الشيخ برعي؟ قال: أن يكون مالكًا للنصاب في وقت وجوب الزكاة. يعني إذا دخل وقت وجوب الزكاة في الحبوب، ما هو وقت وجوب الزكاة في الحبوب؟ إذا اشتدت. أو إذا دخل وقت وجوب الزكاة في الثمار، ما هو وقت وجوب الزكاة في الثمار؟ متى تجب الزكاة في الثمار؟ خليني أفصلها أكثر.

أحبائي، خليني أتكلم، ما معنى وقت وجوب الزكاة؟ الآن لما نقول وقت وجوب الزكاة في الحبوب إذا اشتدت، هذا معناه أن الحب قبل ما يشتد، يعني القمح والشعير وغيره من الحبوب، قبل ما يشتد ما في زكاة، لا توجد فيه زكاة، يعني لم تجب فيه الزكاة بعد. فإذا تلف قبل أن يشتد، خلاص ما في زكاة على المزارع. كذلك مثلا الثمار، الثمار قبل أن يبدو صلاحها وتنضج وتصبح صالحة للقطاف، قبل أن تصل إلى هذه المرحلة لا تجب فيها الزكاة. متى يدخل وقت وجوب الزكاة فيها؟ إذا بدا صلاحها، وكذلك الأوراق.

نعود للشرط فنقول: إذا كنت أنا كشخص مزارع أملك الحبوب في وقت وجوب الزكاة فيها، يعني دخل وقت وجوب الزكاة في الحبوب وهي في ملكي، أو دخل وقت وجوب الزكاة في الثمار وهي في ملكي، أو دخل وقت وجوب الزكاة في الأوراق وهي في ملكي، حينئذ تجب علي أنا شخصيًا الزكاة.

أما إذا دخل وقت وجوب الزكاة في الحب وهي ليست في ملكي، يعني ممكن أنا مزارع بعت المحصول الذي عندي قبل أن يشتد، بعت لشخص آخر، بالتالي زكاة هذا المحصول لا تكون علي؛ لأن هذا الحب لما اشتد لم يكن في ملكي، أنا بعته قبل ما يشتد وبعته لشخص آخر، تكون زكاته على المشتري الذي اشتد في ملكه. كذلك أنا عندي ثمار على الأشجار قبل ما يبدو صلاحها اشتراها مني، فهل دخل وقت وجوب الزكاة فيها وهو بدو صلاحها وهي عندي؟ كلا، دخل وقت وجوب الزكاة فيها وهي عند المشتري، بالتالي الزكاة على المشتري، وكذلك الأوراق.

فهذا الذي يقصده بأن يكون مالكًا للنصاب في وقت وجوب الزكاة؛ فإذا لم أكن مالكًا للنصاب في وقت وجوب الزكاة لا تجب الزكاة علي. الآن هذه لها صور في الحقيقة، وفي الجهة المقابلة يقولون: ماذا ينبني على هذه الفكرة؟ ينبني لو أن شخصًا امتلك نصابًا من الحبوب أو الثمار أو الأوراق بعد وقت الوجوب.

الآن الفكرة بالعكس، أنا قلت لكم قبل قليل إذا أنا بعت الحبوب والثمار قبل دخول وقت الوجوب، أنا كبائع ما في علي زكاة، وإنما الزكاة على المشتري. الآن الفكرة المعاكسة وهي التي يهتم بها الحنابلة: لو أن شخصًا امتلك الحبوب أو الثمار بعد وجوب الزكاة فيها. يعني أنا البائع، الحبوب اشتدت عندي، أو أنا البائع، الثمار بدأ صلاحها وهي عندي قبل أن أبيعها، ثم بعد ذلك بعتها للمشتري. الآن بالعكس، امتلك الحب بعد اشتداده وامتلك الثمر بعد بدو صلاحه، أي بعد وقت وجوب الزكاة فيه، بالتالي ليست الزكاة هنا على المشتري، الزكاة هنا على البائع؛ لأنه لما دخل وقت وجوب الزكاة في الحب وهو الاشتداد ما كانت عند المشتري، كانت عند البائع. وكذلك لما دخل وقت وجوب الزكاة في الثمار وهو بدو صلاحها ما كانت عند المشتري، كانت عند البائع.

فباختصار، الشخص الذي يدخل وقت وجوب الزكاة في الحب عنده هو الذي يجب عليه الزكاة، الشخص الذي يدخل وقت وجوب الزكاة في الحب عنده وهو في ملكه هو الذي يجب عليه الزكاة، سواء كان البائع أو كان المشتري.

صورة أخرى لتأكيد هذه الفكرة أكثر وأكثر: إنسان عنده محصول من القمح، دخل وقت وجوب الزكاة في الحب عنده، يعني اشتد القمح وهو عنده في ملكه، بالتالي هو الذي يجب عليه زكاة هذا المحصول. اتفق مع عامل، نادى عاملًا من العمال وقال: «أيها العامل، بدي إياك تحصد لي هذا المحصول وأجرتك ربع الناتج»، فوافق العامل وحصد هذا المحصول من القمح وأخذ ربع الناتج. أجينا على العامل، قلنا: «أيها العامل، كم ربع الناتج؟ كم حصلت؟». قال: «والله ما شاء الله هذا الحقل ضخم، وربع الناتج الذي حصلته سبعمائة كيلوجرام». قال: «والله يا شيخ طلع لي سبعمائة كيلوجرام». هل من قول لهذا العامل؟ أيها العامل، هذه سبعمائة كيلوجرام والله هذه فوق النصاب، عليك أن تزكيها.

يقول العامل: «ليش أنا أزكيها يا شيخ؟ أنا امتلكت هذا المقدار بعد وقت وجوب الزكاة، يعني لما الحبة اشتدت هي ما كانت عندي، هي كانت عند صاحب الأرض، هو الذي عليه زكاة كل الخارج من الأرض، وأما أنا فإن ما امتلكت هذا المقدار، السبعمائة كيلوجرام، أجرت عملي وأنا عملت واشتغلت بعد اشتداد الحب، بالتالي لا تجب زكاة علي، وإنما زكاة المحصول الزراعي كاملاً تكون على صاحب الأرض».

تمام؟ أعطيكم صورة أخرى من الناس، أعانهم الله، الثمار يبدو صلاحها، وتعرفوا تصير بعض الثمار تتساقط على الأرض، وبعض الناس لفقرهم وقلة ذات اليد يذهبون ليجمعوا هذه الثمار المتساقطة على الأرض في أكياس. أفترض أن هناك شخصًا وظيفته "لقاط"، هكذا عايش المسكين أعانه الله، يدخل على مزارع النخيل بعد أن يبدو صلاحها، فيبدأ يجمع في أكياس ما يقع على الأرض من الرطب.

ثم جمع هذه الأكياس، هذا اللقط قلنا له: «والله كم طلع عندك من الأكياس؟». قال: «والله جمعت من المتساقط عن الأرض سبعمائة كيلوجرام». هذا اللقط جمع من المتساقط سبعمائة كيلوجرام، ما شاء الله، نقول له: «يلا عليك أن تزكيها لأنها بلغت النصاب». يقول: «لا، أنا ما علي زكاة». لماذا ما عليك زكاة؟ يقول: «أنا امتلكت هذه الثمار المتساقطة، امتلكتها متى؟ بعد أن بدا صلاحها، يعني هي بدأ صلاحها عند صاحب المزرعة، وأنا متى بدأت ألتقط وأضع في الأكياس وأمتلك؟ بعد تبدو صلاحها، بالتالي لا تجب علي الزكاة فيها، وإنما زكاة هذه الثمر كلها على صاحب الأرض».

بالتالي إخواني، بدكم تفهموا هذه القضية؛ حتى تجب عليك الزكاة في الحبوب أو في الثمار أو في الأوراق، لابد عندما يدخل وقت وجوب الزكاة في الحب أو في الثمر أو في الورق كون هذه الحبة أو الثمرة أول ورقة في ملكك. فإذا دخل وقت وجوب الزكاة فيها وهي ليست في ملكك، لا تجب عليك الزكاة فيها، وإنما تجب على من دخل الوقت وهي في ملكه، بائعًا أو مشتريًا بغض النظر.

لا بد أن تكون مالكًا للنصاب أيها الإنسان في وقت وجوب الزكاة، وعرفنا ما هو وقت وجوب الزكاة. لذلك دعونا نجلس نقرأ ماذا قال الشيخ مرعي؛ قال: «أن يكون مالكًا للنصاب وقت وجوبها»، أي وقت وجوب الزكاة، ثم بين لك وقت وجوب الزكاة، قال: «فوقت وجوبها في الحب إذا اشتد، فوقت وجوبها في الثمرة إذا بدا صلاحًا، ووقت وجوبها في الأوراق المقصودة كما قلنا إذا صلحت لأن تُقطف أيضًا».

إذا فهمنا متى تجب عليك الزكاة في الحبوب والثمار؟ أولًا لابد يبلغ عندك النصاب ستمئة وأحد عشر كيلوغرامًا، وعرفنا كيف يحسب النصاب. ثانيًا لابد أن تكون هذه الحبوب وهذه الثمار في ملكك وقت وجوب الزكاة.

الحمد لله، الآن بقيت فكرة أحبائي لم يذكرها الشيخ مرعي رحمه الله، لكن أجدها مهمة أن يفهمها الطالب، وهي فكرة ما يسمى استقرار وجوب الزكاة عليك. الآن يقولون -وانتبهوا لهذه الفكرة بدي أصوغها نوعًا ما باختصار حتى تفهموها- الحبوب والثمار المكيلة المدخرة في العادة، بعد أن تحصد أو تُقطف تجمع وتوضع في المخازن، هذا المخزن يسمونه الجنين قديمًا.

في العادة تجمع وتحفظ في المخازن، فيقول الفقهاء: إذا شخص حصد محصولًا من الحبوب المكيلة المدخرة، أو قطف ثمارًا مكيلاً مدخرًا، والآن هذه الحبوب بلغت النصاب ودخل وقت وجوب الزكاة فيها وهي في ملكي، وكذلك هذه الثمار بلغت النصاب ودخل وقت وجوب الزكاة فيها وهي في ملكي، يعني وجد الشرطان.

لكن انتبهوا ماذا حدث بعد أن حصدت المحصول وعرفت أنه نصاب ودخل وقت الزكاة وهو في ملكي؛ أنا الآن بدأت أجمعه وأضعه في السيارات وأريد أن أذهب به إلى المخازن، كان حبًا أو تمرًا، وقبل أن يصل هذا المحصول أو هذه الثمار إلى المخازن جاءت جائحة من السماء؛ صاعقة، أمطار غزيرة، أو جاء جراد فانكب على هذا المحصول فألفه تمامًا قبل أن يصل هذا المحصول إلى المخزن.

بهذه الحالة يقول الفقهاء: لا تجب عليك الزكاة إذا تلف المحصول كاملاً قبل أن يصل إلى المخزن. إذا تلف بجائحة من السماء من دون تعدٍ ولا تفريط منك، لا تجب عليك الزكاة، ويقولون هكذا: استقرار وجوب الزكاة عليك إنما يكون إذا وصلت هذه الحبوب أو هذه الثمار إلى المخزن. فإذا تلفت بجائحة من السماء من دون تعدٍ ولا تفريط منك، قبل أن تصل إلى مخازن التخزين، تسقط الزكاة عنك.

هذا إذا تلف كل المحصول، وإذا تلف بعض المحصول وليس كله؛ جاءت الجائحة فأصابت قسمًا منه وبقي قسم، هنا القسم المتبقي هل فيه زكاة ولا ما فيه زكاة؟ في الحقيقة فيه خلاف بين المتأخرين؛ صاحب الإقناع يقول: القسم المتبقي إن بلغ هو وحده نصابًا فيه زكاة، وإن لم يبلغ نصابًا وحده، هذا المتبقي لا زكاة فيه. أما صاحب المنتهى فلا يقول بذلك، بما أن الكل كان نصابًا وتلف بعضه، فالمتبقي فيه الزكاة مطلقة، سواء كان المتبقي بقدر النصاب أو أقل أو أكثر.

أعيد الفكرة؛ الآن بدنا نفرض أن الجائحة ما أتلفَت كل المحصول الزراعي وبقي قسم منه، هل هذا القسم المتبقي فيه زكاة؟ تقول هناك خلاف بين بعض الفقهاء، وهو قول صاحب الإقناع، إيش يقول؟ يقول في المتبقي زكاة إن كان المتبقي وحده يصل النصاب، فبدنا نعيد حساب النصاب من جديد للمتبقي، إذا كان المتبقي بلغ نصابًا فيه زكاة، لم يبلغ نصابًا خلاص ما في زكاة.

قول آخر هو قول صاحب المنتهى، يقول: لا، المتبقي بلغ نصابًا أو لم يبلغ نصابًا فيه زكاة، ما دام أنه مع التالف كانوا الاثنين مع بعض نصابًا وتلف قسم، فالمتبقي تبقى فيه الزكاة واجبة؛ لأنه هو كان مع التالف نصابًا، ولا نلغي الزكاة في المتبقي بحجة أن المتبقي لا يصل إلى النصاب. فهذان قولان في دائرة المذهب.

إذن هذا ما يسمى استقرار الوجوب، وهذه فكرة لم يذكرها الشيخ مرعي لكنها مهمة في إكمال الفكرة؛ وهي أن الحبوب أو الثمار إذا تلفت، والحبوب والثمار بلغت النصاب وأنت كنت مالكًا لها في وقت وجوب الزكاة فيها، حصدتها أو قطفتها وكنت تجهزها لتوديها للمخازن، تلفت بجائحة من السماء بدون تعدٍ ولا تفريط منك قبل أن تصل إلى المخازن؛ إذا تلف كل المحصول لا زكاة عليه، وإذا تلف قسم منه المتبقي هناك قولان فيه.

قول يقول: المتبقي إذا كان نصابًا نخرج الزكاة عنه، وقول يقول: لا، المتبقي تخرج الزكاة عنه مطلقًا، كان نصابًا أو لم يبلغ نصابًا ما دام أنه كان مع التالف يجمع النصاب. طبعًا هذه الفكرة أحبائي إنما تكون لمن بطبعه أو من عادته أن يذهب بمحصوله وثماره إلى المخازن.

أما إذا كنت أنت أيها المزارع من النوع الذي لا يضع في المخزن، وإنما مباشرة تقطف أو تحصد وتبيع، لا تضع في المخزن؛ في ناس يقول لك: أنا أحصد وأبيع ما أودي للمخازن، أو أقطف الثمار وأبيعها مباشرة في السوق المركزي. في هذه الحالة بمجرد ما قطفت وبعتها وذهبت بها تجب عليك الزكاة، أو بمجرد ما حصدت تجب عليك الزكاة.

إذا كان الشخص ممن لا يضع في المخازن وإنما يخلص بجمع وقطف وحصد وبيع، فهذا عليه الزكاة مباشرة؛ لأنه ما في مخزن ننتظره الآن، ما في مخزن ستذهب إليه البضاعة. أما صاحبنا فهو من الأشخاص الذين يحصدون ويبيعون ويقطفون الثمار ويبيعون، فهذا لا نحتاج فيه إلى هذه الفكرة؛ لأنه شخص بائع مباشرة من دون أن تمر البضائع على المخازن، بائع بأرضه كما يقولون، فمثل هذا الشخص الزكاة واجبة عليه وعليه أن يخرجها فورًا. وكذلك أنت ممكن أصلاً تبيع الثمرة بعد بلوغ صلاحها.

وهي على الشجر، أليس كذلك؟ بعض الناس يفعلون هكذا، فمثلاً شخص عنده مزرعة نخيل، الثمرة التي على الشجر تصل سبعمائة كيلوغرام بالراحة لو قدرناها جافاً، وسنأتي الآن لقضية الخرس. هذه الثمار التي على النخيل لو قدرناها جافة -لأننا عرفنا أن النصاب يحسب والثمرة جافة- بالتالي لو أنه بائع باع الثمرة وهي على رؤوس الشجر، هنا ستدخل ما يسمى قضية الخرس، وهو التقدير والتخمين؛ إما أنه إذا كان خبيراً أو يأتي بشخص مخمن يقول له: "والله هذه الرطب التي على رؤوس الشجر عندك لو جفت ستجلب سبعمائة كيلوغرام بالراحة".

بالتالي هذا البائع نعتبره مالكاً للنصاب؛ لأنه عنده رطب على رؤوس الشجر لو قدرت جافة ستبلغ النصاب بالتأكيد، وهذا صاحب الأرض أيضاً. هذه الرطب دخل وقت وجوب الزكاة فيها وهي بدو صلاحها وهي عنده، بالتالي صاحب الأرض عنده نصاب ودخل وقت وجوب الزكاة في الثمرة وهي عنده. لو أنه باع هذه الثمار وهي على رؤوس الشجر لمشتري جديد، الزكاة ستجب على البائع، أليس كذلك؟ لأنه هو الذي امتلك النصاب ابتداءً وهو الذي دخل وقت وجوب الزكاة عنده.

بالتالي نقول له: إذا بعت هذه الرطب وهي على رؤوس الشجر لمشتري، الزكاة ليست على المشتري، الزكاة عليك، فعليك أن تخرجها، خلاص لصقت في ذمتك. وهنا لا توجد فكرة المخزن؛ لأنه قد باعها قبل أن يقطفها أصلاً، فكرة المخزن كلها غير موجودة. فإذا باع الإنسان الثمرة أو المحصول قبل أن يأويه إلى المخازن ستجب الزكاة عليه مباشرة وتتعلق بذمته.

فكرة استقرار الزكاة أو استقرار وجوب الزكاة إنما تكون إذا وصلت البضائع إلى المخازن؛ هذه الفكرة لمن بطبعه يشحن إلى المخازن ثم بعد ذلك يبدأ يبيع، أما الذي لا يشحن للمخازن ويبيع مباشرة، أو يبيع المحصول في أرضه أو الثمرة في شجرها، فهذه الزكاة خلاص تستقر عليه وتثبت في ذمته مباشرة.

ممتاز، إذا عرفنا يا شيخ ما هي الحبوب والثمار والأوراق التي تجب فيها الزكاة، وهي كل مكين مدخر، وعرفنا شروط وجوب الزكاة فيها وهي النصاب، وأن أكون مالكاً للثمرة أو للحبة عند وقت وجوب الزكاة. الآن بدنا نتعرف يا شيخ ما هي الكمية التي يجب إخراجها من هذا النصاب فصاعداً للفقراء؟ في الإبل مثلاً كنا نقول: في كل خمس من الإبل... إلى الخمسة والعشرين، من خمسة وعشرين لخمسة وثلاثين تطلع للفقراء بنت مخاض، ومن ستة وثلاثين لخمسة وأربعين تطلع للفقراء بنت لبون. مثلاً في البقر كنا نقول: إذا كان عندك ثلاثين بقرة تخرج للفقراء تبيع. نفس الشيء هنا؛ بعد أن عرفنا النصاب، علينا أن نتعرف ما هو الواجب إخراجه؟ ما هي الكمية التي يجب إخراجها للفقراء؟

فقال الشيخ مرعي فصلاً: «ويجب فيما يسقى بلا كلفة العشر، وفيما يسقى بكلفة نصف العشر». على هذا اختصر الشيخ مرعي، وهذا في الحقيقة يحتاج إلى تفصيل لأنه لم يذكر المسائل كاملة في هذه القضية. الآن إخواني، الكمية التي يجب إخراجها في الزكاة تختلف باختلاف طبيعة سقيك للمحصول أثناء العام. الكمية التي يجب إخراجها في زكاة الحبوب والثمار تختلف، يعني يختلف ما يجب عليك أن تخرجه للفقراء باختلاف طريقة سقي المحصول الزراعي خلال العام؛ لأن هناك طريقتين للسقي عموماً في الجملة: إما طريقة البعل، أو طريقة الكلفة.

خليني أسميها طريقة البعل؛ أنك تعتمد على مياه الأمطار وتعتمد على الأنهار الجارية والينابيع التي أخرجها الله سبحانه وتعالى من دون أن تدفع درهماً واحداً. هذه الطريقة البعلية. والطريقة الأخرى يسمونها الطريقة المروية أو طريقة الكلفة، مع أن بعض الناس يسقي محصول الزرع من خلال خزانات وصهاريج مياه هو يدفع ثمنها، شخص في منطقة قليلة مياه الأمطار، ما فيها ينابيع وما فيها أنهار، بالتالي كيف سيسقي محصوله؟ سيضطر أن يدفع أموالاً لصهاريج مياه تسقي المزروعات. بالتالي هل الشخص الذي يعتمد يخرج نفس المقدار الذي يخرجه الشخص الذي يعتمد على الكلفة المادية في السقي؟ بالتأكيد لا، فالشريعة الإسلامية شريعة العدل، فقسمت الناس أحوالاً في هذه القضية.

أقول: ما هو الواجب إخراجه في زكاة الحبوب والثمار؟ عرفنا أنه سيختلف الواجب إخراجه باختلاف طريقة السقي. هذه القاعدة كلية: يختلف الواجب إخراجه باختلاف طريقة السقي؛ هل هي بعلية؟ أو بكلفة؟ الآن بناءً على هذا سنقول الناس أحبائي على خمسة أحوال:

الحالة الأولى: إذا كان يعتمد على البعل طوال العام، شخص طوال العام ما يدفع درهماً، الحمد لله المطر مستمر وهناك ينابيع أخرجها الله وأنهار حوله، فإذا كان يعتمد على البعل طوال العام فهذا عليه أن يخرج العشر من المحصول الزراعي. أنا عندي محصول زراعي بلغ النصاب ودخل وقت وجوب الزكاة فيه وهو عندي، علي أن أخرج منه العشر إذا كنت طوال العام أعتمد على الري البعل.

ثانياً: إذا كان يعتمد على الكلفة طوال العام، فهذا يخرج نصف العشر. إذا كان المزارع في منطقة شحيحة جداً بالمياه، فطوال العام يتكلف في سقي محصوله الزراعي من خلال شراء صهاريج المياه، فهذا عليه أن يخرج نصف العشر فقط. الأول نقول عليه العشر أنت لست متكلفاً، تستطيع أن تخرج العشر، لكن الثاني لا لأنه تكلف طوال العام، نقول خلاص أنت أخرج نصف العشر فقط.

الحالة الثالثة: إذا كان يعتمد على كلا النوعين، على البعل والكلفة بالمنتصف، فهذا يخرج ثلاثة أرباع العشر. إذا كان الشخص يعتمد على كلا النوعين، يعني يسقي بالبعل، عنده ما شاء الله أحياناً تمطر، ويسقي أيضاً بالكلفة وكان هذا بالمنتصف. ايش يعني بالمنتصف بالضبط؟ يعني نصف العام بعل ونصف العام كلفة، ستة أشهر يعتمد على مياه الأمطار وستة أشهر فرضا يعتمد على صهاريج المياه. فهذا منخليه بالتالي بالمنتصف؛ لا نقول له عليك العشر لأنه عنده شوية كلفة، ولا نقول له عليك فقط نصف العشر لأنه أيضاً في المنتصف، يعني نصف السنة على البعل، فبنقول له عليك ثلاثة أرباع العشر. ثلاثة أرباع العشر هي المنطقة الوسط بين العشر ونصف العشر. وهذا إذا كان يعتمد على كلا النوعين: البعل وعلى الكلفة بالمنتصف.

الحالة الرابعة: إذا كان يعتمد على كلا النوعين لكن هناك تفاوت. ايش يعني؟ الحالة الرابعة شخص يعتمد على كلا النوعين، يعني يسقي بالبعل شوي، وعنده بعل شوي، وأيضاً يسقي بالكلفة شوي.

لكن هناك تفاوت، أحد النوعين يعتمد عليه أكثر من الآخر. هذا معنى هناك تفاوت؛ أحد النوعين يعتمد عليه أكثر من الآخر، فالقضية ليست بالمنتصف كالحالة الثالثة، بل يعتمد على أحد النوعين أكثر من الآخر. فنقول هذا عليه أن يخرج بحسب الأكثر، النوع الذي تعتمد عليه أكثر تخرج زكاته.

فإذا كنت تعتمد على البعل أكثر، فعليك زكاة البعل وهي العشر، وإذا كنت تعتمد على الكلفة أكثر، فعليك زكاة الكلفة وهي نصف العشر. فنقول يعتبر الأكثر الشخص الذي يسقي بالبعل وبالكلفة وهناك تفاوت، ما نقول الواجب عليك أن تعتبر الأكثر؛ أنت الآن لست بالمنتصف، لو كنت بالمنتصف قلنا لك ثلاثة أرباع العشر، لا، بل في واحد أكثر من الآخر تعتمد عليه.

فنقول الذي تعتمد عليه أكثر هو الذي تخرج زكاته. فإذا كنت تعتمد على البعل أكثر من الكلفة، خلص بنحسب زكاتك بعلية، عليك العشر، وإذا كنت تعتمد على الكلفة أكثر، بنعتبر زكاتك زكاة كلفة عليك نصف العشر.

خامساً وأخيراً إن شاء الله، التاسع هنا وربما لا تصح، خلاص أضع الخامس: «إن جهل عليه العشر». إيش يعني أن جهل؟ لأنها سهلة وضعتها هنا. خامساً يقول: «إن جهل عليه العشر». إن جهل يعني قال: والله يا شيخ أنا متفاوتة الأمور عندي، أنا أسقي وأعتمد أيضاً على الكلفة، والأمور متفاوتة لكن في الحقيقة لا أدري أيهما أكثر، الأمور عندي شابكة ببعضها متداخلة؛ لأنه أحياناً تمطر وأحياناً أجيب صهاريج، ويوم تمطر ويوم لا، الأمور مختلفة ومتداخلة طوال العام، فلا أستطيع أن أجزم أيهما أكثر.

فنقول له: خلص احتياطاً أخرج العشر، احتياطاً بنعتبرك بعلي وعليك أن تخرج العشر. إذاً «جهل» يعني شخص يعتمد على كلا النوعين في السقي لكنه جهل أيهما أكثر، فماذا عليه أن يفعل؟ نقول احتياطاً عليك أن تخرج العشر، مذهبنا الاحتياط، خلص لأنه ما في حل إلا أن يحتاط بجانب الفقراء.

إذاً هذه هي كمية المخرج من المحصول الزراعي، بن كان أو ثمراً أو ورقاً، ورأيت من اختلاف يعتمد على طريقة السقي. طريقة السكي هي التي ستحدد الكمية التي يجب عليك أن تخرجها على هذه الأحوال الخمس. ثم وبعد ذلك طبعاً الشيخ مرعي كما قلت لم يفسر كل هذه الأحوال، أنا فصلتها لكم فاكتبوها لتتم الفائدة.

بعد ذلك أعطاك فائدة الشيخ مرعي قال: «ويجب إخراج زكاة الحب مصفى والثمر يابسة، فلو خالف وأخرج رطباً لم يجزئه ووقع نفلاً». الآن كما أننا في أحبابي لما بنحسب، اتفقنا أنه يجب أن يخرج الحب من قشرته وأن الثمرة تجفف، اتفقنا في حساب النصاب؛ هذه كانت القاعدة الأولى، أنه ما يصير أحسب نصاب الحب وهو ما زال في قشره، وما بحسب نصاب الثمر وهو ما زال رطباً فيه ماؤه، وإنما يحسب الحب إذا صفي من قشره والثمر إذا جف كذلك.

كذلك لما تخرج الزكاة للفقراء، بتعطي الفقير الحب مصفى. خرجت العشر أو خرجت نصف العشر أو خرجت ثلاثة أرباع العشر، الواجب عليك الكمية التي تخرجها للفقراء إذا كانت من الحبوب تخرج الحب مصفى من قشره، وإذا أخرجت تمراً تخرج الثمر مجففاً يابساً صالحاً للادخار، ولا تعطي الفقير حباً في قشره حتى يتكلف المسكين أنه يذهب إلى مصانع تخرج له الحب من قشره. ولا تعطي الفقير الثمر وهو ما زال رطباً؛ لأنه هذا الفقير قد لا يحسن تجفيف هذا الثمر، وبالتالي يتلف الثمر عنده ولم يستفد منه شيئاً. فلذلك يقولون إذا أعطيت الفقير تعطيه الحب جاهزاً للأكل، وإذا أعطيته ثمراً تعطيه الثمر جاهزاً للتخزين للمستقبل.

فإذا خالف، قال: «فلو خالف وأخرج رطباً»، إذا خالفت وأخرجت الثمر وهو رطب لم يجف بعد، لم يجزئ، عليك تخرج الزكاة مرة أخرى، وتعتبر صدقتك الأولى نفلاً، ولا تعتبر زكاة. عليك أن تخرج الزكاة مرة أخرى، فإنه هناك شرط في الإخراج؛ لما تخرج أيضاً تخرج الحب مصفى من قشره وتخرج الثمر جافاً حتى ينتفع الفقراء به تمام الانتفاع.

الآن سيذكر لك بعض التفاصيل المتعلقة في زكاة الحبوب والثمار وهي مهمة لاختلاف أحوال الناس، قال: «وسُنَّ للإمام بعث خالص لثمرة النخل والكرم إذا بدا صلاحها، ويكفي واحد، وشرط كونه مسلماً أميناً خبيراً، وأجرته على رب الثمرة».

الآن إخواني، هذه المسألة عند الحنابلة تتعلق بنوعين من الثمر بالتحديد وهما النخل والعنب. إيش هذه المسألة؟ يقولون يسن، ليس واجباً، يسن للإمام المسلمين أو لنائبه وأمرائه على المناطق أن يبعث خالصاً. والخالص هو المقدر، المخمن، في وقتنا المعاصر بنسميه مخمناً. يسن للإمام أن يبعث خالصاً يعني مخمناً لما يأتي موسم قطاف النخل والعنب، والكرم هو اسم من أسماء العنب.

يُسن للإمام أو لنائبه أن يبعث مخمناً لما يحين أو لما يقترب موعد قطاف النخل والكرم. إيش وظيفة هذا المخمن؟ لذلك قال: «وسُنَّ للإمام بعث خالص لثمرة النخل والكرم إذا بدا صلاحها». فبين قال لك متى يبعث؟ إذا بدأ صلاحها، لأنه إذا بدأ صلاحها واقترب موعد جنيها بالتالي نحن نقول دخل وقت وجوب الزكاة فيها، لأنه وقت وجوب الزكاة في الثمار عرفنا ما قبل قليل.

إذا بدأ صلاحها والآن ستُقطف أو اقترب قطافها، في هذا الوقت يسن للإمام أن يبعث مخمناً لمزارع النخل والعنب، إيش وظيفته؟ قال: «ويكفي واحد»، يعني يكفي مخمن واحد. أنا الآن سأنص لك على وظيفته؛ وظيفة هذا المخمن أحبائي أنه يدخل على مزرعة النخيل أو مزرعة العنب وينظر فيها، ويخمن. هذا معنى الخرس التخمين، يخمن لصاحب المزرعة هذه الثمار التي على الشجر وهي رطبة الآن؛ لو كانت جافة كم ستخرج له تخميناً تقريباً من التمر.

فمثلاً يدخل المخمن الخالص على مزرعة النخيل فيقول لرب الأرض، يفحص الأنواع كلياتها ويشيك عليها، فيقول لرب الأرض: هذه الثمار الرطبة الآن لو جفت، لو قدرناها، يعني لو خمناها جافة، تقريباً تخرج ثمانمئة كيلو غرام، بالتالي يا صاحب الأرض عليك زكاة ثمانمئة كيلو غرام من التمر الجاف. عليك زكاة ثمانمئة كيلو غرام، يعني هي قدرناها أنها لو كانت جافة ثمانمئة كيلو غرام من التمر الجاف. الآن إذا كان هو يعتمد على البعل طوال العام.

عندك عشر الثمانمائة إذا كان يعتمد على الخرص العام، عليك نصف عشر الثمانمئة. إذا كان بالمنتصف نصفها بعلي ونصفها بالكلفة، عليك ثلاثة أرباع. على القواعد فبقولوا: يا عليك العشر، يا عليك نصف العشر، يا ثلاثة أرباع، يحدد له.

بهذا يذهب ويروح هذا الخالص، الآن صاحب المزرعة خلص عرف الواجب عليه، فالآن يستطيع أن يتصرف في المزرعة. لو جاء شخص وقال: يلا بدي أشتري هذه النخل بما عليها من الثمر، يقول له: خلص خذها اشتريها، أنا عرفت ما يجب علي من الزكاة. عرفت أنه علي العشر، وأستطيع الآن أن أذهب فأشتري هذا العشر من السوق تمراً يابساً جافاً وأعطيه للفقراء، أو زبيباً إذا كانت مثلاً مزرعة عنب؛ أذهب أشتري زبيباً جافاً، عشرة ثمانمئة أو نصف العشرة على حسب ما يجب علي، وأعطيه للفقراء.

فهذا في الحقيقة فيه مساعدة لأصحاب المزارع، وإن كان الحنابلة يخصون بمزارع النخل والعنب كون هذه المزارع هي التي كانت شائعة حقيقة في عهد النبي ﷺ. والخرص إنما جاء في الأحاديث في النخل والعنب، لكن في الحقيقة هو نوع من النظر والاجتهاد. الخرص الذي ورد في الأحاديث النبوية كان يتكلم عن خرص العنب وخرص النخل، لأنها الثمار التي كانت شائعة في العهد النبوي أو في مدينة النبي ﷺ.

فهل هذا يمنع من تطبيق الخرص على ثمار أخرى غير العنب والنخل؟ ربما في بلاد الشام أو في العراق أو في مصر هناك ثمار انتشارها بين الناس وتعامل الناس بها أكثر من تعاملهم بالتمر أو بالعنب، بالتالي ما المانع من أن نطبق عليها فكرة الخرص إذا كانت هذه الثمار مما تجب فيه الزكاة؟ اجعلوها قضية تقبل الاجتهاد والنظر.

إن الحنابلة في الحقيقة يخصصون الخرص وهذه السنة بالنخل والعنب، ويعللون ذلك بأن هذه الثمار هي التي يقصدها الناس ويحتاجون أن يأكلوها رطبة. لكن في الحقيقة هذا الأمر كما يوجد في النخل والعنب يوجد في غيرهما، وهذا يختلف باختلاف البلدان وما هي الثمار الشائعة عندهم.

دعونا نتكلم في النخل والعنب كونه مذهب الحنابلة في المفتى به؛ لماذا الحنابلة قالوا يسن للإمام أن يبعث مخمناً لهاتين الشجرتين؟ قالوا لأنه عادة الناس، هل كل الناس طبيعتها أنها تقطف الرطب أو تقطف العنب وتجففه وتوديه للمخازن؟ في الحقيقة لا، كثير من الناس لا يجففون الرطب ولا يجففون العنب، بل يأكلونه وهو رطب.

لو أن الشريعة المحمدية ﷺ ستجبر جميع الناس أنه يقطفوا الرطب ويجففوه، ويقطفوا العنب ويجففوه جبراً؛ بالتالي لن نستطيع أن نأكل العنب وهو رطب، ولن نستطيع أن نأكل التمر وهو رطب، لأن فيه ماءه. وكثير من الناس تشتهي أكل العنب وتشتهي أكل الرطب، فالشريعة من عدلها ومن رحمتها بالناس أنها ما كلفت صاحب المزرعة أنه يجب أن تقطف ثمرك قبل ما تبيعه وتحوله إلى تمر، وإذا كان عنباً لازم تحوله للزبيب.

تقول لصاحب المزرعة: جيب مخمناً، وإذا كنت أنت يا صاحب المزرعة نفسك مخمناً ما عندنا مشكلة. طبعاً هذه الوظيفة في الأصل وظيفة الإمام، لذلك قد يسن للإمام أنه هو يبعث المخمنين، لكن إذا لم يكن هناك إمام مسلمين أو الإمام لم يبعث مخمناً، فهي سنة، إذا أراد صاحب الأرض نفسه أن يبيع هذا المحصول وهو رطب ولا يريد أن يجففه، عليه أن يمارس التخمين.

عندما نقول يسن للإمام بعث مخمن لثمرة النخل والعنب، هذه سنة تتعلق بالإمام. إذا الإمام لم يبعث مخمناً وصاحب المزرعة يريد أن يبيع الثمار الرطبة وهي على الشجر، هنا الخرص أصبح واجباً عليه؛ لأنك أيها البائع دخلت وقت الوجوب وهو وقت بلوغ الثمرة النصاب، بالتالي يجب عليك يا صاحب الأرض أن تخرص، إما إذا كنت من أهل الخبرة أو تأتي بمخمن خارجي وتقول له: أيها المخمن، أنا أريد أن أبيع المحصول وهو على الشجر، ولن أحول الرطب لتمر ولن أحول العنب لزبيب، فبدي إياك تقدر لي هذا المحصول كم يقدر وهو جاف، وخذ بالأحوط.

يقول له وهو جاف بالأحوط: ثمانمئة كيلوغرام، تسعمائة كيلوغرام. هنا صاحب الأرض عرف أنه عنده عنباً جافاً -طبعاً هو ليس جافاً الآن لكنه تقريباً لما يكون جافاً لن يقل عن ألف كيلوغرام- فيعرف أنه عليه زكاة ألف كيلوغرام، فيحفظ الواجب عليه، بالتالي الآن يستطيع أن يتصرف في المحصول ويبيعه وهو رطب.

كثير من الناس في السوق تحتاج العنب قبل أن يكون زبيباً، وتحتاج التمر رطباً قبل أن يصبح تمراً، وهل سنحرم المجتمع من أكل العنب ومن أكل الرطب؟ هنا قد تتداخل الأمور على طالب العلم، فيقول: يا شيخ، ما أنت قلت النصاب لازم يُحسب والثمرة مجففة، والآن تقول لنا إنه يجوز بيع الرطب وهو رطب في السوق وبيع العنب وهو عنب في السوق، فكيف نجمع بين هذا وهذا؟

نقول: صحيح، النصاب يجب أن يُحسب والثمرة جافة يابسة، لكن هذا الكلام يتعلق بطريقة حساب النصاب؛ أي أنه لا يُقدر النصاب والثمرة رطبة، بل يُقدر والنثمرة جافة. لكن إذا أردت أن أبيع الثمرة وهي رطبة، أستطيع من خلال المخمنين أن أعرف هذه الثمرة لو كانت يابسة كم ستخرج لي؟ بالتالي فعلياً ليس الواجب هو أن أجفف الثمرة، لأنه لو كان الواجب هو عملية التجفيف، فبالتالي لما جاز لنا أن نبيع الرطب وهو رطب، كان لازم نجفف كل شيء ونحسب نصابه بعد ذلك ثم نبيعه.

وهذا لا تستقيم به الحياة. الواجب في الحقيقة في حساب النصاب أن يُحسب النصاب على أن الثمر يابس، على هذا التقدير. الآن إذا أنت جففته فعليًا وحسبت النصاب، أنعم به وأكرمه. أما إذا لم تجففه فعليًا وأردت أن تبيعه رطبًا، فأنت مجبر أن تأتي بمخمن، أو إذا كنت أنت مخمنًا برضه لا إشكال، وتقدر هذا الثمر الرطب: لو كان يابسًا كم سيكون؟

فباختصار، إما أن تجفف فعليًا الثمر وتحسب النصاب، وهذه طريقة، والطريقة الأخرى إذا ما تريد تجفيفه، أنك تخمن تخمينًا وتعتبر الأحوط أنه هذا الثمر لو جُفف كم سيخرج. فأنت بين خيارين: إما التجفيف الفعلي لحساب النصاب، وإما التخمين والتقدير وتأخذ بالأحوط فتقدر الثمرة رطبة يابسة وكم ستخرج تقريبًا، ثم بعد ذلك تصرف فيها كما شئت.

هذه هي فكرة وسنة للإمام، بعث الخارص لثمرة النخل والكرم المخمن. المخمن لماذا احتيج إليه؟ لأن كثيرًا من الناس يبيعون هنا الثمار وهي رطبة ولا يجففونها، وحساب الزكاة أو حساب نصاب الزكاة يجب أن يكون والثمار يابسة، فكيف سنفعل؟ سنحتاج إلى المخمن. والمخمن وظيفته أن يقدر لك أن هذه الثمار الرطبة لو كانت يابسة كم ستخرج لك. لذلك قال: إذاً من المسنون لإمام المسلمين أنه يبعث هؤلاء الخارصين لثمرة النخل والكرم.

وأنا قلت لكم إنه لو بدنا نجتهد نوسع الدائرة أكثر من دائرة النخل والكرم، لكل ثمرة تباع رطبة وتجب فيها الزكاة؛ لأن متى تكون هذه السنة إذا بدأ صلاحها؟ لأن هذا وقت وجوب الزكاة فيه. ويكفي واحد، يعني يكفي مخمن واحد لا نحتاج إلى أكثر من شخص. ولكن هذا المخمن فيه شروط، قال وشرط أن يكون مسلمًا، هذا الشرط الأول. الثاني: أمينًا، إذا كان المخمن غير أمين ما ينفع. الثالث: خبيرًا، لأنه إذا ليس خبيرًا ما يخمن صح، فبالتأكيد لابد أن يكون خبيرًا، ويعرف أن هذا العدد من الأشجار التي عليها هذه الرطب كم تخرج لي من التمر اليابس؟ وهذا العدد من العنب من شجر العنب لما عليه من الثمر كم يخرج لي من الزبيب الجاف؟ لابد أن يكون خبيرًا.

هذه الشروط الثلاثة، وأنا أضيف الشرط الرابع الذي لم يذكره الشيخ مرعي، وهو أن يكون غير متهم. وقالوا معنى أن يكون غير متهم أن لا يكون هذا الخارص الذي يبعثه الإمام من عمود النسب بالنسبة لصاحب الأرض. الآن لما نأتي إن شاء الله لباب الشهادة، لا تقبل في الشهادة أن يشهد للإنسان عمود النسب له؛ عمود النسب المراد به آباؤه وأجداده، أو أبناؤه وبناته، يعني الأصول والفروع. الأصول والفروع لا يجوز أن يكونوا شاهدين لك، لماذا؟ لأنهم يحابونك، يمكن أن يشهدوا لك زورًا وبهتانًا. فبالتالي الخارص نفس الشيء، يقولون لابد يكون الخارص ليس من عمود النسب، ليس من أصول صاحب المزرعة ولا من فروعه.

أما أن صاحب المزرعة يجيب ابنه أو يجيب أصوله ويبدأ هم يخمرون له، فالإمام لا يقبل ذلك لأن هذا قد يكون فيه تلاعب. فإياك، يشترط في المخمن الذي يبعثه الإمام أن يكون مسلمًا، أمينًا، خبيرًا، غير متهم، أي ليس من عمود النسب، لا من أصول ولا من فروع صاحب المزرعة.

وأجرته أجرة هذا الخارص الذي يبعثه الإمام على من؟ قالوا أجرته على رب الثمرة، يعني صاحب الأرض المزارع هو الذي يدفع الأجرة للخارص. فالإمام وظيفته أنه يبعث لك الخارص، والخارص يدخل عندك ويقول لك: والله هذا النخل تقريبًا يطلع لك كذا من التمر، أو هذا العنب تقريبًا يطلع لك كذا من الزبيب، وعليك كذا وكذا، ثم يروح، وقبل ما يروح يريد أن يأخذ راتبه. هو موظف، هذا الموظف أجرته على من؟ الآن فيه خلاف في المذهب، هناك أقوال تقول أجرته على بيت مال المسلمين، والقول المعتمد أن أجرته على من؟ على رب الثمرة، على المزارع صاحب الأرض، وليس على بيت مال المسلمين، فأجرته يحصدها من رب الثمرة.

ثم قال: ويجب عليه ويجب على الإمام. الآن مسألة أخرى، الإمام إمام المسلمين هناك أمر مسنون له وهناك أمر واجب. انتهى من الأمر المسنون؛ المسنون بعث الخارصين لمزارع النخل والعنب عند بدو صلاحها ليخمنوا للناس، هذه سنة مش واجبة. أما الواجب على الإمام، قال: ويجب عليه بعث السعاة قرب الوجوب لقبض زكاة المال الظاهر. يعني يجب على الإمام أن يبعث السعاة، هم العاملون على الزكاة، يبعثهم الإمام لقبض زكاة المال الظاهر.

الآن الأموال يا أحبائي على نوعين: هناك أموال زكوية ظاهرة، وهناك أموال زكوية باطنة. الباطنة يعني لا يطلع عليها الناس، وهناك أموال زكوية ظاهرة ظاهرة لكل الناس. الناس كلها شايفتها. الأموال الزكوية الظاهرة هي الزروع والثمار وبهيمة الأنعام. الأموال الزكوية الظاهرة نوعان: الزروع والثمار، وبهيمة الأنعام، والعسل في الحقيقة يلحق بالزروع والثمار والله أعلم، فالحقوا العسل بها. إذاً الأموال الظاهرة هي الزروع والثمار ويلحق بها العسل وبهيمة الأنعام.

إيش يعني ظاهرة؟ يعني الناس كلها تراها، والفقراء وهم يسيرون في الطرقات يرونها وتتعلق نفوسهم بها. وهناك أموال باطنة، وهي أموالك النقدية، أرصدتك في البنوك، أو عروض التجارة الخاصة بك، أو ما عندك من الذهب والفضة، أو الركاز الذي عندك، أو المعدن الذي أنت استخرجته. فالأموال الباطنة هذه أنت تخرجها بنفسك، لا إمام المسلمين يذهب يفتش في أرصدتك البنكية، ولا يدخل بيتك ويفتش إيش عندك ذهب وفضة أو إيش عندك ركاز ومعادن، لا، هذه أنت تخرجها بينك وبين الله.

أما الأموال الزكوية الظاهرة التي يراها الفقراء وتتعلق بها نفوسهم، وهي الزروع والثمار، يراها الفقراء وهم يسيرون، شايفين ما شاء الله مزارع على مد البصر، أو شايفين ما شاء الله غنم وبقر ومعها قطيع من الإبل، أو يرون عسل ما شاء الله ومزارع معبأة بصناديق العسل. الأموال الزكوية الظاهرة يجب على إمام المسلمين أن يبعث عمال الزكاة ليجبوها.

قال: ويجب علي، أي على إمام المسلمين، بعث السعاة، يعني العاملين على الزكاة قرب الوجوب، قرب وجوب الزكاة فيها، لقبض زكاة المال الظاهر. وظيفة هؤلاء العمال أن يذهبوا إلى أصحاب المواشي يقولون: أعطونا ما يجب عليكم من الزكاة، ويذهبوا لأصحاب الزروع والثمار يقولون: يلا أعطونا العشر أو نصف العشر أو ثلاثة أرباع العشر وإحنا بنوزعه على الفقراء. هذا واجب على الإمام من أجل المحافظة على مصلحة الفقراء. تخيل لو أن إمام المسلمين اليوم يقوم بهذا الواجب، يذهب إلى المزارع ويذهب إلى أصحاب القطيع والمواشي ويأخذ منهم هذه الزكوات، لاحظوا كيف سنسد حاجة كثير من المجتمع؛ لأن كثيرًا للأسف...

أصحاب الأموال، أصحاب المزارع، لا يبالون بالفقراء ولا يخرجون زكاة الأموال. وكثير من أصحاب الغنم والبقر والإبل لا يبالون بهذه القضية، ولا يقسمون حساب الفقراء، ولا يخشون الله سبحانه. هذه وظيفة الإمام؛ أنه يجبرهم إجبارًا على دفع الزكاة وإخراجها. الإمام يقول لهم: أنا أتعامل معكم في المال الظاهر، الآن ما في جيوبكم وبيوتكم وأرصدتكم البنكية هذا بينك وبين الله أنت والمسؤولون، لكن الأموال الظاهرة التي يراها الفقراء وتتعلق نفوسهم بها، وظيفتي أن أخرج لهم حقهم منها، فهذا واجب عليه.

إذاً، يجب عليه بعث السعاة قرب الوجوب لقبض زكاة المال الظاهر فقط، وأما المال الباطن فهذا يخرجه الإنسان بينه وبين مولاه سبحانه وتعالى. هناك أمر مسنون للإمام وهو أن يبعث المخمنين؛ النخل والعنب بالتحديد عند بدو صلاحها، ليخمنوا ويقدروا كم تسوى وهي جافة، ليعرف صاحب الأرض كم عليه من الزكاة، وبالتالي يستطيع بعد ذلك صاحب الأرض أن يتصرف في هذه الثمار كما يريد.

فصاحب الأرض لا يجوز له أن يتصرف في الثمار التي يبدو صلاحها وتجب فيها الزكاة قبل أن يعرف ما عليه من الزكاة فيها. لا يجوز أحبائي لأصحاب الثمار والمحاصيل الزراعية عمومًا أن يتصرفوا في الزكاة بعد وجوبها عليهم إذا كانت نصابًا وكانوا مالكين لها وقت الوجوب، لا يجوز لهم أن يتصرفوا فيها بعد ذلك حتى يعرفوا كم تخرج لهم من الزكاة وكم عليهم من الزكاة، ثم بعد ذلك يتصرفون فيها. أما أنك تتصرف أيها البائع بمحصولك الزراعي قبل أن تعرف ما يجب عليك من الزكاة، فأنت تأكل حق الفقراء.

فبالتالي يسن للإمام أنه هو الذي يبعث الخمن المقدر. إذا ما فعل الإمام هذه السنة، فصاحب المحصول لا يقل: بما أن إمام المسلمين غير موجود وما في ساعٍ أنا أتصرف؛ لا، إذا الإمام ما فعل هذه السنة، صاحب المزرعة هو الذي يجب عليه أن يخمن بنفسه إن كان خبيرًا، أو يأتي بمخمن خارجي يخمن له، وبعد أن يعرف كم تقريبًا يجب عليه أن يخرج من الزكاة، بعد ذلك يتصرف كما يشاء بمحصوله الزراعي. وأما ما يجب على الإمام فهو بعث السعاة قرب الوجوب لقبض زكاة المال الظاهر.

قال: ويجتمع العشر والخراج في الأرض الخراجية. لا أطيل عليكم أكثر من ذلك؛ لأن هذه مسألة جديدة وتحتاج لشيء من التفصيل، وسأحاول بما أنه أصبح عندنا خمس محاضرات في الأسبوع أن تكون المحاضرة لا تتجاوز ساعة أو ساعة وربع.

نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يعيننا على طلب العلم وتحصيله وتحليل مسائله وفهمها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.