دخولتسجيل الدخول

الدرس 62 - تكملة شروط البيع

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد في مذاكرة دليل الطالب لنيل المطالب مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله تعالى عليه. المحاضرة السابقة أحبائي شرعنا في شروط صحة عقد البيع، وعرفنا أن هناك سبعة شروط كما قال الشيخ مرعي.

الشرط الأول كان الرضا من الطرفين، وعرفنا أن الرضا يخرج به الإكراه بغير حق والهزل، فمن أكره على العقد بغير حق أو كان هازلاً لا يصح عقده لعدم وجود الرضا. إذاً أولاً الرضا.

الشرط الثاني أن يكون المتعاقدان جائزي التصرف، وعرفنا جائز التصرف هو البالغ العاقل الحر الرشيد، وعرفنا ما يستثنى من هذا الأصل من الاستثناءات ومتى يصح بيع وشراء الصبي والسفيه والعبد. هذا هو الشرط الثاني، إذاً أن يكون المتعاقدان جائزي التصرف.

الشرط الثالث أن يكون المعقود عليه مالاً، وعرفنا أن المال في المفهوم الشرعي أضيق من المال في مفهوم الناس، فإن الناس يدخلون في المال كل شيء حتى المحرمات، أما في المفهوم الشرعي فالمال إما عين وإما منفعة مباحة النفع مطلقاً بلا حاجة، وعرفنا ما معنى أن تكون العين مباحة النفع مطلقاً بلا حاجة وما الذي خرج بهذه القيود. إذاً لا بد أن يكون المعقود عليه مالاً في منظور الشرع، فإن لم يكن مالاً في منظور الشرع حتى ولو كان مالاً في منظور الناس فإنه لا يصح العقد. إذاً هذا هو الشرط الثالث أن يكون المعقود عليه مالاً.

الشرط الرابع أن يكون المعقود عليه -سواء كان المبيع من جهة البائع أو الثمن من جهة المشتري- مملوكاً. إذا كان المعقود عليه مبيعاً يكون المبيع مملوكاً للبائع أو مأذوناً له على الأقل في التصرف فيه كحال الوكيل، وإذا كان الثمن أن يكون الثمن مملوكاً للمشتري أو مأذوناً له في التصرف فيه. وعرفنا ماذا خرج بهذا الشرط من بيع الفضول وشراء الفضول، وعرفنا الفرق بينهما. ثانياً أيضاً المباحات قبل حيازتها لا يصح العقد عليها لأنها ليست ملكاً لأحد. كذلك الأراضي التي أوقفها الإمام لمصالح المسلمين -الأراضي الخراجية- فهذه أيضاً ليست ملكاً لأحد، بالتالي لا يصح بيعها ولا شراؤها. هذا هو الأصل فيها، إذاً هذه الشروط الأربعة.

اليوم نكمل رحلتنا مع شروط عقد البيع ونسير بإذن الله. الشرط الخامس أحبابي من شروط صحة عقد البيع قال الشيخ مرعي: الخامس القدرة على تسليمه. لا بد من وجود القدرة على تسليم المعقود عليه، تسليم المبيع من جهة البائع وتسليم الثمن من جهة المشتري. فالقدرة على تسليمه هذا لا يختص فقط بالمبيع الذي من جهة البائع، بل يشمل أيضاً الثمن الذي من جهة المشتري، فلا بد من أن يكون البائع قادراً على أن يسلم السلعة، ولا بد من أن يكون المشتري قادراً على أن يسلم الثمن، وهذا شيء أظنه معلوم لديكم.

بناءً على هذا، أي شيء عُقِد عليه ولا يقدر على تسليمه فالعقد باطل من أساسه. فقالوا مثلاً: فلا يصح بيع الآبق والشارد. الآبق هو العبد الذي هرب من سيده، والشارد المراد بالشارد الدواب الشاردة التي هربت من مالكها. فإذا كان عندنا سيد عنده عبد آبق هرب منه، هل يصح للسيد أن يبيع هذا العبد الهارب منه لشخص آخر؟ لا يصح أن يبيعه؛ لأنه لا يستطيع في حالة العقد أن يسلمه لأن العبد هارب. كذلك لو أنا عندي شاة هربت مني ثم جاء شخص فقال يا فلان ترى في عندك شاة أنا بعرفها شفتها قبل يومين وأوصافها كذا، قلت له آه ممتاز ببيعك إياها توكل على الله، فقال لك وين هي؟ قلت له والله هي شاردة لكن إن شاء الله بجيب لك إياها، وأجريت العقد مع أنك الآن في وقت إجراء العقد لا تستطيع أن تسلم الشاة لأنها هاردة، هل يصح هذا العقد؟ العقد باطل لاختلال شرط من شروطه وهو أن البائع لا يستطيع أن يسلم المبيع بأنه شارد.

قوله: ولو لقادر على تحصيلهما. ما معنى أحبائي؟ قالوا معناه لا يجوز للبائع أن يبيع العبد الآبق الهارب منه ولو باعه لشخص -يعني لمشتر- يستطيع هذا المشتري أن يأتي بالعبد الآبق، ولا يصح للبائع أن يبيع شاته الشاردة لمشتر يستطيع أن يأتي بالشاة الشاردة. تصوروا لو أنا صاحب عبد وعبدي آبق هرب مني، جاء شخص قال تبيعني عبدك فلان الذي اسمه زيد، قلت له والله يا صاحبي عبدي هرب مني للأسف، قال ما عندي مشكلة أنا بشتريه منك بألف دينار وأنا بعرف كيف أحصله، فقلت له خلص ممتاز إذا أنت تعرف كيف تحصله أعطيني الألف وروح جيب العبد والعبد لك. هل يصح هذا العقد؟ قالوا لا يصح هذا العقد؛ لأن البائع لا يستطيع أن يسلم السلعة.

كون المشتري قادراً على تحصيله أو غير قادر على تحصيله هذا لا يؤثر، فالعقد يبقى باطلاً لأن المعتبر أن يكون البائع هو القادر على تسليم سلعته؛ لأنه لو فرضنا هذا المشتري يمكن يكون متوهماً من نفسه أنه قادر أن يأتي بالعبد الآبق فذهب المشتري واتصل بالجهات الأمنية وعنده معارفه فذهبوا يأتونه بالعبد الآبق، لو فرضنا أنهم ما استطاعوا أن يأتوا به قدراً، الآن سيعود هذا المشتري ويعمل مشكلة للبائع ويقول للبائع ترى أنا والله حاولت آتي بالعبد الآبق وما استطعت، بدي إياك ترجع لي الألف دينار، هنا البائع راح يقول له طب أنا قلت لك من الأول إن العبد آبق وأنت قلت لي أنا بحصله، والألف دينار أنا تصرفت فيها، هنا ستبدأ النزاعات والمشاكل. فلذلك الشريعة حسمت الباب من أول وقالت: إذا كان البائع لا يستطيع أن يسلم سلعته للمشتري فلا يصح هذا العقد حتى ولو كان المشتري قادراً على تحصيل هذه السلعة.

كذلك مثال الشاة الشاردة، لو أنا عندي شاة شاردة فجاءني شخص فقال لي أنا رأيت عندك قبل يومين شاة ممتازة أوصافها كذا وكذا، قلت له آه والله لكنها هربت، فجاء قال اسمع خلص بعني إياها وأنا بعرف أحصلها، أنا شفتها عند ناس بعرفهم شكلها شردت عندهم، فقلت له ما عندي مشكلة خلاص أعطيني ألف دينار وأنت اذهب حصل هذه الشاة. الآن لو المشتري ما استطاع تحصيل الشاة سيعود على البائع وتبدأ المشاكل، فهنا الشريعة أغلقت الباب وقالت: لا يصح للبائع أن يبيع سلعة لا يستطيع أن يسلمها، كالعبد الآبق والشارد ولو باعها لقادر على تحصيلها؛ يعني ولو باع هذا العبد الآبق أو هذه الشاة الشاردة لمشتر قادر على أن يحصلهما، لو كان ذلك لا يصح لأن المفروض أن البائع هو الذي يسلم سلعته.

ويقاس على ذلك أيضاً عدم صحة بيع السمك في الماء، قالوا لا يصح للإنسان أن يبيع سمكة في ماء بحر أو نهر. فلو جاءني شخص فقال لي والله تبيعني هذه السمكة التي في البحر التي أراها أنا وإياك، فقلت له خلص ببيعك إياها، لا يصح؛ لأنك لا تستطيع أن تسلم السلعة. الآن وقت العقد هل أنت تستطيع أن تسلمها؟ قالوا لا يستطيع أن يسلمها، بالتالي لا يصح بيع السمك في الماء ولا الطير في الهواء. يعني أنا عندي طير وهذا الطير الآن طاير في الهواء؛ يعني ليس في قفص ولا في محل محدود يمكن أن يلتقط منه، فجاءني شخص فقال لي أريد طيرك الذي أوصافه كذا وكذا، فقلت له ممتاز أبيعك إياه، قال كم تبيعني؟ قلت بخمسين دينار، قال وين هو؟ قلت له الآن هو فعلياً طاير في الهواء لكن إن شاء الله بس يجي الطير ببيعك إياه أو أسلمك إياه. هل يصح هذا العقد؟ لا يصح؛ لأنه في وقت حصول العقد بين البائع والمشتري البائع لم يكن قادراً على تسليم الطير لأن الطير في الهواء.

أما إذا كان الطير أو السمكة في مكان محصور، أحياناً تكون السمكة في حوض صغير من المياه فيأتي شخص مشترٍ يشتري سمكة في حوض محدد، يستطيع البائع أن يمد يده ويأخذ السمكة ويسلمها مباشرة، هذا لا حرج فيه. أو كان الحمام مثلاً في عُش أو في مكان صغير مهيأ له بحيث يستطيع البائع أن يدخل عليهم وأن يأخذ الحمامة ويسلمها، هذا لا حرج فيه. لكن الحرج إذا كانت سمكة في بحر ولا في نهر، هنا حتى لو كانت السمكة لي -يعني أنا اشتريت سمكة وحطيتها في نهر كبير وأنا شايفها وأطلع عليها- لا أستطيع أن أبيعها الآن لأنها ما زالت في الماء والماء الآن نهر ليس مكاناً محصوراً يمكن أن أمد يدي فأحصلها. فبالتالي لا بد إذاً من القدرة على تسليم المبيع ولا بد من القدرة على تسليم الثمن، فلا يصح بيع العبد الآبق ولا العبد الشارد ولا يصح بيع السمك في الماء ولا الطير في الهواء. هذا هو الشرط الخامس.

الشرط السادس أحبابي قالوا: لا بد من معرفة الثمن والمثمن، يعني باختصار لا بد من معرفة المعقود عليه. فالبائع لا بد يعرف بالضبط ما هو الثمن الذي سيستلمه، والمشتري لا بد يعرف بالضبط ما هي السلعة التي سيستلمها. إذاً معرفة الثمن والمثمن لطرفي العقد هذا أساس فيه. ما هي طرق معرفة الثمن والمثمن؟ هل هي طريقة واحدة؟ لا أحبائي، في الحقيقة هناك طرق لمعرفة الثمن والمثمن، لذلك ايش قال الشيخ مرعي: معرفة الثمن والمثمن إما بالوصف أو بالمشاهدة حال العقد أو قبله بيسير. أنا كنت أتمنى أنه يقدم المشاهدة على الوصف لأن المشاهدة هي الأصل، لكن ما عندنا، عموماً الآن أحبابي نقول بسم الله: المعقود عليه وهو الثمن الذي سيكون من جهة المشتري والمثمن الذي من جهة البائع -السلعة- لا بد وأن يكون معروفاً، فالبائع يعرف الثمن الذي سيستلمه والمشتري يعرف السلعة التي سيستلمها.

ما هي طرق هذه المعرفة؟ قالوا هناك طريقان، الطريق الأول طريق المشاهدة وهي التي تبدأ بها، فالمشتري يشاهد السلعة التي سيشتريها بعينه. إما يشاهدها حال العقد، هذه الصورة الأولى أنه أنا أثناء العقد شايفها، يعني هذا الجوال سأبيعه فيأتي المشتري فينظر إليه ويشاهده، نحن الآن في مجلس العقد المشتري قال أريد هذا الجوال، فأريته أنا كبائع هذا الجوال، فالمشتري شاهده قال تمام أريده، فقلت له والله سعره مئة دينار، أعطاني هو المئة وأنا سلمته هذا الجوال، إذاً هنا المشتري عرف السلعة من خلال المشاهدة في مجلس العقد.

ويمكن -هذه حالة ثانية- أن تكون المشاهدة قبل مجلس العقد، يعني هو جاءني البارحة ونظر في المحل وقال أريد جوال صفة كذا وكذا، فقلت له صدق هذا الجوال يعجبك، فهو نظر إليه البارحة وأعجبه وقال خلاص ممتاز تم الأمر، أريد هذا بس ما راح أشتريه، ما بدنا الآن نعمل العقد، أريد أن آتيك غداً فننشئ العقد غداً. في اليوم التالي فعلاً جاء المشتري دخل المحل وقال لي أيها البائع أريد أن أشتري الجوال الذي رأيته وشاهدته البارحة، هل يصح هذا؟ قالوا يصح حتى ولو لم يرَ المشتري الجوال الآن؛ لأنه رأى الجوال البارحة، فرؤية البارحة تجزئ عن المشاهدة في مجلس العقد. فهنا السلعة معروفة من حيث المعرفة، كيف عرفها المشتري؟ من خلال المشاهدة. هل المشاهدة وقعت في المجلس اليوم؟ لا، وقعت في مجلس البارحة. لذلك قال: أو المشاهدة حال العقد أو قبله بيسير.

الآن بالنسبة لقضية المشاهدة قبل مجلس العقد احنا عرفنا أنها تجوز، لكن في الحقيقة هناك استثناء قال الحنابلة: بعض السلع هي بطبيعتها تتغير صفاتها من يوم إلى آخر، مثل الفواكه والخضراوات، يعني لو جاء شخص البارحة فنظر في فواكه عندي معينة، بوكسة ممتازة ما شاء الله من البندورة أو ما شابه ذلك، فقال لي أنا أريد هذه البندورة أو أريد هذا الموز، ممتاز لكن لن أشتريه منك اليوم، راح آتي غداً وأشتريه منك. لما جاء غد المشتري قال والله يلا أريد الآن أنشئ معك العقد، أريد أن أشتري بوكسة البندورة التي رأيتها البارحة أو سحارة الموز التي رأيتها البارحة، هنا سنقول للمشتري: ما ينفع تقول والله أنا أكتفي برؤية البارحة خلص بعني، بنقول له تحتاج إلى المشاهدة مرة أخرى، ليه؟ لأنه هذه السلعة بطبيعتها تتغير من يوم إلى آخر، الفواكه والخضراوات تذبل ويتغير لونها وصفاتها من يوم إلى آخر، فإذا كانت السلعة تتغير من يوم إلى آخر هذه ينبغي أن تشاهد في مجلس العقد.

أما السلع التي يكتفى بمشاهدة قبل مجلس العقد بوقت يسير، مثل الجوال، سيارة، ما شابه ذلك، هذه ما تتغير من يوم لثاني، فهذه نعم يكتفى فيها بالمشاهدة قبل العقد بيسير كما قال لك. أما لو هو المشتري رأى هذه السلعة، هذا الهاتف قبل العقد بسنة، لا، هذه رؤية.

غير معتبرة لأنها قبل العقد بوقت طويل، أو قبل العقد بستة أشهر، ما ينفع. لا بد أن تكون الرؤية إما حال العقد، وهذا هو الأكمل، أو قبله بيسير. اكتبوا عند قوله: أو قبله بيسير، هذا في السلع التي لا تتغير في المدة اليسيرة. أما السلع التي تتقلب في مدة يسيرة، لا، هذه لا بد أن تشاهد في مجلس العقد حتى تعتبر مشاهدة. جيد.

إذاً المشاهدة نقول في مجلس العقد أو قبله بيسير. اكتب القيد: إذا كانت مما لا يتغير، إذا كانت السلعة أو الثمن مما لا يتغير. أنا أذكر مثاله على السلعة، بدك أنت نفس الشيء تطبقه على الثمن؛ لأنه ممكن يكون هو الثمن. البائع أيضاً لا بد الطريقة الأولى أن يشاهد الثمن في مجلس العقد أو قبله بيسير، نفس الشيء.

الآن أتكلم عن قضية المشاهدة. في مسائل تتعلق بالمشاهدة الآن هناك ثلاث أحوال في موضوع المشاهدة: الحالة الأولى: قالوا أن يشاهد السلعة كاملة، أو اكتبوا المعقود عليه كاملاً أفضل. أن يشاهد السلعة أو المعقود عليه حتى نشمل السلعة والثمن. أن يشاهد السلعة كاملة، وهذه أكمل أشكال المشاهدة. فيأتي المشتري فيشاهد السلعة كاملة من كل جهاتها وأطرافها، ممتاز، هذه مئة بالمئة صحيحة.

الحالة الثانية: أن يشاهد بعض السلعة الدال على بقيتها. ما معنى هذه؟ أن يشاهد بعض السلعة التي يريد شراءها، ويكون هذا البعض يدل على بقيتها. كيف؟ يعني عندي مثلاً هنا أكوام من القمح، أو سحارات كثيرة من البندورة، أو سحارات من فاكهة أو قمح أو رز أو ما شابه ذلك. الآن صعب المشتري ينظر في كل تفاصيل كومة القمح أو كل تفاصيل الرز الذي سيشتريه، إذا كان بده يشتري كميات مثلاً، أو كل تفاصيل البندورة والسحارات التي سيشتريها، وإنما اكتفى المشتري برؤية بعض السلع التي سيشتريها بشرط أن تكون هذه السلعة من طبيعتها أن رؤية بعضها يدل على باقيها في العادة. يعني لما عندك كومة قمح بدي أشتريها، فأنا الآن ما استطعت أني أنظر في كل الكومة، استطعت أنظر في بعضها. قال لي البائع: تفضل هي جزء منها، أراني جزءاً من السلعة التي أريد أن أشتريها. فالآن في العادة هذا الجزء سيشابه باقي الكومة. فإذا نظر المشتري وشاهد بعض السلعة ليس كامل السلعة، وكان هذا البعض يدل في عادة الناس على الباقي، فهل هذه الرؤية والمشاهدة معتبرة؟ نعم، بس بشرط أن تشاهد بعض السلعة التي تريد شراءها.

لماذا تركز على هذه؟ حتى تعرفوا الفرق بينها وبين الصورة الثالثة. إذا شاهدت بعض السلعة وليس كامل السلعة، ولكن كان هذا البعض في العادة يدل على الباقي، فهذا يجزئ؛ لأنه بعض الناس إخواني أحياناً يشترون كميات زي بائع الجملة، يشتري كميات من القماش، أو كميات من الرز، أو من الطحين، أو ما شابه ذلك. الآن أنه يكشف له عن كل كمية الطحين وتكون بالأطنان، هذا فيه مشقة ظاهرة حقيقة، فيكتفى هنا بأن يشاهد البعض الدال على الباقي، ممتاز. طيب افرض يا شيخ انضحك عليه؟ الآن هو حله في الرد بالعيب، وسيأتي معنا خيار رد العيب، لكن الأصل حتى لا نشق على الناس في مبايعاتهم وتجاراتهم، يقولون يكتفى برؤية بعض السلعة التي تريد شراءها إذا كانت في العادة تدل على طبيعة الباقي.

الحالة الثالثة: قالوا أن يشاهد أنموذجاً من السلعة، لكنه لن يشتري هذا الأنموذج، وسيشتري صبرة أخرى، هذا اللي يسمونه في الفقه بيع الأنموذج، وهذا عند الحنابلة هذه المسألة فيها خلاف. اكس حط عندها، لا تصح. ايش يعني بيع الأنموذج؟ إخواني أحياناً تدخل أنت على محلات عطارة أو محلات بيع محاصيل زراعية أو محلات بيع خضار، فيكون هو حاط نماذج من السلع التي يبيعها على طاولة، حاط نماذج هيك بنسميها نماذج. نموذج من قمح، نموذج كومة رز، نموذج من شعير، نموذج من كذا، أو إذا كانت عطور ممكن يكون نموذج من عطر ونموذج من عطر آخر. فيدخل المشتري فينظر في هذه النماذج، فمثلاً بدنا نعتبر محل بيع محاصيل زراعية، دخل المشتري فنظر في النماذج، فقال: هذا مشتري بده يشتري طحين، فنظر في الطحين ووجده أنموذجاً منه. قال: آه والله ما شاء الله هذا النوع من الطحين ممتاز. فقال للبائع: أريد منك أيها البائع أن تبيعني خمسة كيلو من هذا الطحين. الآن البائع ما باعه من هذا النموذج الذي شاهده، لأ، ذهبت إلى الداخل إلى مخازنه وطلع خمس شوالات من الطحين.

أباح لهذا المشتري الآن، المشتري لم يشاهد الخمس شوالات، لم يشاهد الأكياس الخمسة التي أخرجها أبداً ولا عرف عنها شيئاً، وجدها في سيارته، المشتري فقط شاهد النموذج. الحنابلة يقولون بيع الأنموذج لا يصح. مسألة خلافية نعم، لكن أنا بعطيكم وجهة نظر الحنابلة. الحنابلة قالوا بيع الأنموذج لا يصح لأن المشتري لم يشاهد السلعة كاملة ولم يشاهد بعض السلعة التي يريد شراءها الذي يدل على باقيها، وإنما شاهد أنموذجاً منفرداً. يقول الحنابلة هناك احتمال كبير أن يكون هذا البائع يغش، وأنه الأنموذج اللي يعرضه يختلف عن طبيعة السلعة الموجودة في المخازن، فهو هنا يعرض لك أنموذجاً من طحين ممتاز ما شاء الله، وفي الأكياس التي وضعها لك في سيارتك ما وضع بنفس مواصفات هذا الطحين. فيقول الحنابلة هنا في مقدار من الجهالة لا يغتفر، فلا يصح عندهم بيع الأنموذج. احفظوا، فإذا دخلت على محل وضع لك نماذج وبعدين أنت قلت له خلص يلا أعطيني خمس أكياس منها أو ست أكياس، والست أكياس راح جابها من المخزن ووضعها في السيارة وأنت لم تشاهدها، لا يصح هذا البيع. تمام؟

إذاً إذا شاهد المشتري أنموذجاً من السلعة، أنموذجاً بس لكنه لم يشتري هذا الأنموذج وإنما سيشتري صبرة أو أكياساً أو كومة موجودة في المخازن، فهل تصح هذه المشاهدة؟ قال الحنابلة لا تصح. إذاً المشاهدة التي تصح إما أن يشاهد السلعة كاملة التي يريد شراءها أو يشاهد بعض السلعة التي يريد شراءها الدال على بقيتها. أما مشاهدة الأنموذج فهذه لا تصح. هكذا أكون استوعبت الكلام نوعاً ما عن قضية معرفة المعقود عليه من خلال المشاهدة.

الآن خلينا ننتقل للطريقة الأخرى لمعرفة المعقود عليه. الحمد لله هذه الشريعة شريعة فيها يسر، وتتماشى مع واقع الناس فيما لا يخالف شرع الله سبحانه وتعالى، وفيما يحقق مقاصد الشريعة، فمن تيسير هذه الشريعة أنه ما حصرت طرق معرفة المعقود عليه في المشاهدة فقط، بل أذنت بطريق آخر، فقالت: إذاً معرفتك للمعقود عليه إما من خلال المشاهدة وهناك طريق آخر من خلال الوصف. أن يوصف لك المعقود عليه فتقوم بشرائه بناءً على الوصف.

الآن قضية الوصف لها صورتان، طبعاً أنا بناءً على الصورتين أتعرف، لا أريد أن أذكر أمثلة حتى لا ألخبط، مباشرة أريد أن أدخل معكم في طريقة الوصف نوعيها. إذاً الطريقة الثانية من طرق معرفة المعقود عليه طريقة الوصف، البائع السلعة ليست موجودة عنده الآن في المجلس، وإنما يصفها للمشتري، فالمشتري يشتري بناءً على الوصف فقط وليس على مشاهدته. الآن معرفة المعقود عليه عن طريق الوصف لها حالتان. سامحوني هناك بعض التفاصيل أنا أرى أنها ملحة في واقع الحياة وينبغي على طالب العلم أن يكون عارفاً بها.

الحالة الأولى: قالوا بيع عين معينة موصوفة غائبة عن مجلس العقد. بيع عين، هذه العين معينة وموصوفة وهي الآن غائبة، أن تكون موصوفة يعني غائبة عن مجلس العقد. مثل ماذا؟ قالوا كأن يبيعه سيارة معينة من سياراته، أو عبداً معيناً من عبيده. أعطيكم مثالاً تقريبياً: أنا عندي سيارة وهذه السيارة عُرفت بين الناس أن إبراهيم عنده سيارة معينة مميزة، لونها ما شاء الله رائع، وصفاتها رائعة، وكل شيء فيها ممتاز. فجاء شخص فقال لي: يا إبراهيم هل تبيعني سيارتك الفلانية المعروفة بين الناس؟ الآن ركزوا، المشتري جاء ليشتري سلعة معينة بالذات، سلعة معينة ما بده أي شيء، لأ، بده السلعة المعينة، بدي سيارتك المعروفة بين الناس اللي أنت اشتريتها قبل سنتين اللي لونها كذا وكذا وكذا. فإذاً هو جاء يبحث عن عين معينة ولها صفات. الآن هاي السيارة لما جاء هو يفاوضني عليها ما كانت موجودة في مجلس العقد، هي غائبة ليست حاضرة ليراها المشتري بعينه فيكتفي بالمشاهدة. لأ السيارة ما كانت موجودة، كان مثلاً ابن عمي أخذها ورايح فيها مشوار بعيد. هذا المشتري كما قلت لكم دخل بيتي وقال: يا إبراهيم السلام عليكم أنا أريد أن أشتري سيارتك المعينة تمام، بع لي سيارتك هذه اللي لونها كذا وكذا بس أوصف لي إياها. فهنا أنا الآن ماذا سأفعل؟ أبدأ بوصفها، أقول له: أنت تريد سيارتي اللي اشتريتها قبل سنتين، سأصفها لك، لازم أصفها وأضبطها وأذكر الصفات العامة لها، أقول: هذه سيارتي اللي لونها هكذا، اللي موديلها كذا، اللي محركها كذا. فأصف له الصفات التي تُعرف بها. فإذا أنا ارتضيت، هو مثلاً قال: بعني هذه السيارة، بدأ القبول من عنده، قال: بعني بصيغة الأمر، قلت له: يلا بعتك إياها، وقال مثلاً: بعني إياها بخمسة عشر ألفاً، قلت: بعتك إياها بخمسة عشر ألفاً.

الآن هل يصح هذا العقد؟ لاحظوا ايش ميزة هذا العقد؟ أنه لما صار العقد بين البائع والمشتري السلعة ليست موجودة في مجلس العقد، غائبة، لكنها سلعة معينة بحد ذاتها، قمت أنا كبائع بوصفها تماماً للمشتري، وقلت: هي سيارتي التي لونها كذا ومحركها كذا والتي أتيت بها قبل سنتين من المنطقة العامة لبيع السيارات وكان فحصها ممتاز. فهو قال: نعم أريد هذه السيارة بهذه الأوصاف التي قلتها لي. فالآن هل هذا العقد صحيح وهل تم معرفة السلعة؟ قال الفقهاء نعم، الحنابلة قالوا هذا العقد صحيح، وإن كانت السلعة غائبة؛ لأنك قمت بوصفها وهي سلعة معينة.

الآن ماذا سيترتب على هذا العقد من أحكام؟ وانتبهوا إخواني على هذه الأحكام. الحكم الأول الذي سيترتب على هذا العقد، الآن هو صار الإيجاب والقبول بيني وبينه، الحكم الأول الذي سيترتب أنه في حال أنني سلمته السيارة بعد يومين جبت السيارة وسلمتها له، في حال أني سلمت السيارة فاكتشف أن أوصافها ليست كما وصفتها له، أنا قلت له: أنا شريتها وفحصها كامل ما فيها ضربات، فإذا بالمشتري يكتشف: إيه والله هذه فيها ضربات يا شيخ أنت ما صدقتني! فإذاً المشتري عندما سلمته هذه السلعة بعد يومين أو ثلاث اكتشف اختلاف وصف من الأوصاف التي ذكرتها له، أنه كانت أوصافي ليست دقيقة، فللمشتري الحق في أن يرد هذه السيارة ويقول: أنت ما وصفت لي إياها بشكل دقيق، في أوصاف ما كانت مطابقة لكلامك، خذ سيارتك، هذا يحق له نعم. وليس للمشتري أن يطالب البائع بسيارة أخرى مطابقة للأوصاف التي وصفها بها، يعني لو المشتري قال: تراها سيارتك هذه اللي حكيت لي عنها لا والله أوصافها ليست كما وصفت، فيها ضربات فيها مشاكل كذا، اسمع خلص روح جيب لي سيارة أخرى، أريد سيارة أخرى.

هنا ليس للمشتري أن يطالب البائع بسيارة أخرى بدلاً من هذه السيارة، سيارة أخرى تشتمل على المواصفات التي كان يرغب المشتري بها. ليه؟ لأن المشتري لما جاء على البائع هو جاء ليشتري السيارة المعينة، السيارة التي أملكها أنا والتي عُرفت بين الناس، فهو لم يأتِ ليشتري أي سيارة تمتلك المواصفات، لا انتبهوا على هذه الفكرة، هو جاء لي ليشتري سيارة معينة بحد ذاتها، يريدها هي هذه السيارة التي يريدها، فإذا سلمت هذه السيارة فاكتشف أن المواصفات ليست كما وصفتها، فالآن نقول له: بدك تمسكها وخلص وتمضي العقد أيها المشتري امسكها، بدك ترجعها للبائع رجعها ما عندنا مشكلة، لكن ليس لك أن تطالب البائع أن يعطيك والله سلعة أخرى بدلاً عنها، أنه لأ بدك تجيب لي سيارة أخرى فيها المواصفات، لا لأ. أنت طلبت سيارة معينة، اكتشفت أن المواصفات ليست كما قيلت لك، ترد هذه السيارة المعينة وتأخذ مالك وتذهب. فهذا أول حكم يتعلق بهذا النوع من الوصف.

الحكم الثاني: وهذا ركزوا فيه، في هذه الحالة وفي هذه الصورة يجوز أن يتفرق البائع والمشتري من مجلس العقد من دون أن يسلم البائع السيارة ومن دون أن يسلم المشتري الثمن. فهو في الحقيقة صورة من صور بيع الذمة في الذمة، تذكروا لما تكلمنا عن صور البيع الست وقلنا من صور البيع بيع ذمة مع بيع ذمة، السلعة في الذمة من جهة البائع والثمن في الذمة من جهة المشتري، وقلنا إنه الأصل في هذه الصورة أنها لا تجوز إلا في أحوال محددة، من هذه الأحوال المحددة التي يجوز فيها بيع الذمة في الذمة هذه الحالة، أنه هذا المشتري جاء ليشتري سيارة معينة له أو أي سلعة معينة هو يعرفها بذاتها، صح ما شاهدها هو بس هو عارف سمعتها.

فإذا أنا وصفتها له بالوصف الدقيق فهو وافق وقلت الحمد لله، خلص. هذه السيارة بخمسة عشر ألفاً؟ قال: ممتاز خمسة عشر ألفاً. هل يجوز أن نتفرق عن مجلس العقد قبل أن أسلم أنا السيارة وقبل أن يسلم المشتري الثمن، يعني لم يتم تسليم أي شيء في مجلس العقد؟ قالوا: نعم يجوز، ليه؟ قالوا: لأن المشتري جاء لسلعة معينة، ووصف البائع لهذه السلعة المعينة يقوم مقام قبضها وتسليمها في مجلس العقد. يقوم مقامه قبضها وتسليمها في مجلس العقد، أنهم بيتكلموا كانوا عن شيء معين بحد ذاته، فيجوز هنا أن يتفرق الطرفان قبل أن يسلم البائع السلعة، وقبل أن يسلم المشتري الثمن، وهذه من الصور الاستثنائية لبيع الذمة في الذمة. جيد، فهذان الحكمان انتبهوا عليهما يا رعاكم الله.

الآن الحالة الثانية من البيع بالوصف هو بيع عين موصوفة في الذمة غير معينة. ركزوا، بيع عين موصوفة في الذمة لكنها غير معينة، وهذا هو الفرق بين الحالة الثانية والحالة الأولى. في الحالة الأولى كان بيع عين معينة بحد ذاتها، بينما في الحالة الثانية هي بيع عين موصوفة في الذمة غير معينة. ما صورة هذه الحالة؟ صورة هذه الحالة أحبابي أن يأتي مشترٍ إلى بائع سيارات، الآن المشتري ليس في ذهنه سيارة معينة يعني سمع بسمعتها أني أنا أمتلكها، لا لا. جاء مشترٍ كما قلت لتاجر يبيع أشياء، سيارات، خضروات، كتب، أثاث، والمهم المشتري هنا جاء للبائع فقال: أيها البائع، أنا أعلم أنه عندك معرض سيارات. طبعاً المشتري ما جاء للبائع في المعرض، لو كان المشتري جاء للبائع في المعرض كان المشتري ذهب فشاهد السيارات بعينه، التقوا في طريق عام، في مسجد، في جامع، فالمشتري عرف أن هذا بائع سيارات، فقال: أيها البائع، أريد سيارة. ما عيَّن، ركزوا، هذا الفرق بين الحالة الثانية والأولى. المشتري قال للبائع: أريد سيارة هونداي نوعية كذا، لونها كذا. فالبائع قال له: ممتاز، أنا عندي معرض سيارات، عندي مجموعة، يكون مش سيارة معينة عنده يكون مجموعة، عندي سيارات هيونداي لون أحمر، محركها كذا وكذا، صفتها كذا وكذا، وعندي منها مجموعات، تمام؟ هل ترغب؟ فالمشتري قال: آه والله أرغب. فهنا حدث عقد بينهما، المشتري قال: كم تبيعني؟ قلت: ببيعك سيارة موصوفة بهذه الصفات بعشرة آلاف دينار. المشتري قال: قبلت. تم العقد، تم العقد. هل هذا العقد يصح؟

أولاً بدي إياكم تركزوا ما هو الفرق بين الحالة هذه والحالة هذه. هنا المشتري لم يأتِ ليتكلم عن سيارة معينة عند البائع، لا لا، هو جاء ليشتري سيارة موصوفة غير معينة، وبده سيارة بمواصفات، أي سيارة بتجيب لي إياها متوفرة فيها هذه المواصفات أنا أقبلها. هذا لسان حال المشتري، بينما في الحالة الأولى لا لا، المشتري يريد من البائع سيارة معينة، عرفت، هذه السيارة بعينها، سيارة إبراهيم التي اشتراها قبل سنتين سمعتها طيبة لونها حلو، وهو بيتكلم عن سيارة معينة، لكن المشتري في الحالة الثانية لا يتكلم عن شيء معين، هو يتكلم عن شيء بمواصفات. فالبائع أعطاه المواصفات وضبط له إياها، قال له: خلص بجيب لك سلعة إن شاء الله بهذه المواصفات، فهو لا يتكلم عن سلعة معينة، يتكلم عن مجرد عين وجدت فيها مواصفات، والمشتري قبل هذه المواصفات.

الآن هذا النوع أو هذه الحالة الثانية بيع عين موصوفة في الذمة غير معينة في الحقيقة لا تصح في جميع السلع، استعمال هذه الطريقة لا يصح في جميع السلع، ولا في أي شيء يصح؟ يقول الحنابلة: هذا النوع يصح فيما يصح بيعه سلماً. لما نجيء إن شاء الله لعقد السلم، راح نعرف أحبابي ما هي السلع التي يصح بيعها سلماً، وما هي السلع التي لا يصح بيعها سلماً. طبعاً بيع السلم سنأتي إليه إن شاء الله، أنه المشتري يدفع مالاً معجلاً ويكون طلب من البائع أن يأتي بسلعة بعد خمسة أشهر أو ستة أشهر. هذه السلعة طبيعتها أنها تقبل أن تباع مؤجلة مثل الزيت ومثل التمر وما شابه ذلك، سنأتي إن شاء الله لمواصفات السلع التي يمكن أن تباع سلماً. ما بدي أشغلكم بأنه الآن ندخل في شروط السلم وما هي السلع التي تباع، راح ندخل في موضوع جديد. لكن احفظوا الآن هذا الضابط، قولوا: بيع عين موصوفة في الذمة غير معينة يصح بشرطين: الشرط الأول: يصح فيما يصح بيعه سلماً، أي يصح هذا الشكل من أشكال البيوع في السلع التي يصح بيعها سلماً، وأما السلع التي لا يصح بيعها سلماً فلا يجوز أن تباع بهذه الطريقة.

الشرط الثاني: أن تضبط هذه السلع بصفات السلم. أيضاً إيش يعني؟ الآن سنعرف إن شاء الله في بيع السلم ما هي السلع التي تقبل أن تباع سلماً، وسنعرف أن هذه السلع التي تقبل أن تباع سلماً، لما يأتي البائع ليصفها ما هي التي يجب أن يذكرها ولا يحرمها أبداً، لأنه ممكن تكون السلعة يصح بيعها سلماً، لكن البائع ما ضبطها بالصفات بشكل دقيق فهذا أيضاً لا يصح في السلم، فلا يصح هنا. فلذلك قال الحنابلة: بيع عين موصوفة في الذمة غير معينة لابد أن يكون في السلع التي يصح بيعها سلماً، ولابد أن يذكر البائع في وصفها الصفات المعتبرة في عقد السلم. لما نجيء لعقد السلم راح نعرف ما هي الصفات التي يكون البائع ملزماً أن يذكرها في السلعة، فلابد في بيع العين الموصوفة في الذمة وهذه العين غير معينة أن يذكر البائع هذه الصفات من حيث الجنس والنوع، إلى غير ذلك من الصفات المؤثرة التي يختلف فيها الناس.

فإذا بيع عين موصوفة في الذمة غير معينة لا يكون في كل السلع بل في السلع التي يصح بيعها سلماً، اثنين: لابد حتى يصح هذا البيع أن البائع يذكر جميع الصفات المعتبرة في السلم. وستذكر إن شاء الله في السلم، فإذا كانت السلعة يصح بيعها سلماً والبائع جزاه الله خيراً ذكر الصفات المطلوبة منه، هنا يصح هذا الشكل من أشكال البيع. لكن له أحكام، أحكامه مخالفة ومعاكسة تماماً للأحكام التي ذكرتها في النوع الأول. ما أحكام هذه الحالة إذا صحت؟ قالوا: إذا باع البائع عيناً موصوفة في الذمة، يعني نرجع لمثالنا، المشتري جاء وطلب هذه السلعة، طلب هذه السيارة، أو طلب مثلاً تمراً، أو طلب زيتاً. المهم أن المشتري كما قلنا يمكن يطلب تمراً، فاكهة، ممكن يطلب زيتاً، المهم شيء يصح فيه السلم على ما سيأتي. فإذا المشتري جاء للبائع وقال: والله احكي لي عن صفات زيتك أو عن صفات تمرك، فأنا البائع وصفت له إياه، قلت له: خلص ببيعك تمر سكري، نوعيته كذا، شكله كذا. فالمشتري قال: ممتاز، جيب لي من هذا النوع من التمر. ولاحظوا الأحكام الآن، أنا كبائع رحت على المخازن أتيت بهذا التمر الذي وصفته، فسلمت للمشتري، المشتري ينظر فيه، فإذا المشتري نظر فوجد أن صفاته مطابقة للصفات التي قالها البائع، خلص هنا لزم، بنقول له: خلص، الرجل وفى معك وصدق، أعطاك نفس الصفات التي وصفها.

أما إذا المشتري نظر في السلعة فإذا بالسلعة صفاتها تختلف عن الصفات التي ذكرها البائع، البائع قال تمر سكري، فإذا التمر نوع ثاني، نوع مجدول، ولا تبرني، ولا غيرها من الأنواع، وجد اختلاف، فهنا المشتري له الحق بأن يطالب البائع بأن يسلمه سلعة أخرى تنطبق عليها الصفات، أو المشتري نظر في السلعة فوجد فيها عيباً، يعني البائع قال له: أنا بدي أعطيك تمر سكري صفته كذا وكذا وكذا، فإذا مثلاً هو شغل السنة، المشتري أخذ السلعة فإذا هو يكتشف أنها معيبة أو مضروبة أو شغل قبل سنتين، مش شغل السنة كما ذكر البائع، هنا للمشتري الحق بأن يطالب البائع أن يعطيه سلعة أخرى تنطبق عليها المواصفات التي وصفها البائع. في الحالة الأولى من باع عيناً معينة موصوفة قلنا: إذا المشتري لما استلم السلعة المعينة التي كان يريدها فوجدها مخالفة للصفات التي ذكرها البائع، هنا يرجع السلعة للبائع إذا ما بده إياها وليس له أن يطالب البائع ببديل، لأنه جاء ليطلب عيناً معينة. بينما هنا لأنه جاء ليطلب عيناً موصوفة وليست معينة في حالة أن البائع سلم المشتري سلعة غير مطابقة للصفات، للمشتري أن يطالب بسلعة أخرى: لا، ما بدي إياها، جيب لي نوعاً آخر، والله مضروبة فيها مشكلة، مغشوشة، فيها سوس، فيها قمل، المشاكل المعروفة، فهنا البائع مجبر أن يأتي بماذا؟ بسلعة أخرى مطابقة للصفات التي ذكرها.

هذا هو الحكم الأول، الحكم الثاني أحبابي أنه في هذا الشكل من أشكال السلع الموصوفة في الذمة غير المعينة لا يجوز أن يفترق المتعاقدان قبل أن يسلم أحدهما العوض، فلا بد هنا في مجلس العقد قبل التفرق، يا البائع بيسلم السلعة، بيروح بيحكي مع أحد الشباب عنده في المخازن: يا فلان، جيب لنا والله هذا التمر، فيسلم في مجلس العقد، الحالة الأخرى أنه المشتري يسلم الثمن، مش مشكلة، واحد منهم لازم يسلم، ما بينفع يصير بيع ذمة في ذمة، لا، هذه ما بينفع فيها، لابد أحدهما يسلم في مجلس العقد، فيكون بيع حاضر في الذمة في النهاية. أما أن يفترق الشخصان ولم يسلم لا هذا سلم الثمن ولا هذا سلم السلعة، هذا لا يصح أبداً، فهنا لا يصح بيع ذمة في ذمة. لكن هنا في الحالة في بيع العين المعينة يصح بيع الذمة في الذمة، يصح أن يفترق البائع والمشتري، لا هذا سلم الثمن ولا هذا سلم السلعة ويأتيان في موعد آخر لعملية التسليم، لكن في الصورة الثانية لا يصح، لا بد أحدهما يسلم، ولاحظوا هذه الفروق الدقيقة بين من اشترى عيناً معينة موصوفة وهي غائبة عن مجلس العقد وبين من اشترى عيناً موصوفة في الذمة.

طبعاً في الأغلب الناس تعتمد هذه الطريقة، هذا هو عادة الناس، أنه المشتري يدخل على البائع بيقول له بدي.. ما بده شيء معين هو في باله، هو بده شيء بمواصفات، خلص بده شيء قمح مواصفات كذا، فالبائع بيبلش يوصف له المواصفات، فحينئذ بدنا نقول حتى يصح بيع العين الموصوفة غير التي لم يشاهدها المشتري، نحن اتفقنا سيشتري بالوصف، فلابد أن يكون مما يصح فيه السلم، ولابد أن البائع يضبط بالصفات، يذكر الصفات التي تشترط في السلم، فإذا وجد الشرطان ممتاز. الآن لا بد واحد منهم يسلم قبل ما يفترق المجلس، فإذا سلم واحد منهم، المهم البائع نفترض أن البائع هو الذي سلم، جاء البائع فسلم السلعة للمشتري، المشتري نظر في السلعة، السلعة والله مطابقة للصفات، والله لزمتك، السلعة غير مطابقة للصفات، أما المشتري ركزوا، المشتري بيقول: خلص يا عمي أنا مسامح وقبلان فيها، وفي هذه الحالة يمسكها المشتري وليس له أن يطالب البائع بأرش العيب وسنعرف إن شاء الله ما هو الأرش لما نتكلم عن خيار العيب، أما أن المشتري خلص يرضى بالأمر الواقع ويقبلها، وإما أن يقول للبائع: لا، أنا لا أريد هذه، أنا بدي سلعة مطابقة للصفات، فبالتالي هنا البائع ملزم أن يأتي بسلعة أخرى مطابقة للصفات، بينما في الحالة السابقة زي ما عرفنا، هي سلعة نسلمها للمشتري في حالة بيع عين معينة، أنه أنت بدك سيارتي الفلانية صح؟ بدك سيارتي الفلانية أو بيتي الفلاني المعين، أنا وصفت لك إياه، هاي سلمتك إياه، مش مطابق للصفات اللي ذكرتها، ما لك شيء آخر، بترجع لي إياه وبرجع لك الثمن وانتهى الأمر.

فهذه طبعاً تفاصيل دقيقة لكنها مهمة في الحياة العملية للناس، وكثيراً ما تحدث فيها إشكاليات بعدم ضبط طلاب العلم للفرق بين هذه الصورة وهذه الصورة، وعدم معرفتهم قضية أنه بيع العين الموصوفة في الذمة غير المعينة متى تصح، أنه بعض طلبة العلم ظنوا أن هذا ما بيصح أصلاً، لا، يصح، لكن بالضوابط والشروط التي ذكرتها لك.

إذاً هذا هو الشرط السادس يرعاكم الله، هذا هو الشرط السادس من شروط صحة البيع معرفة المعقود عليه، أما بالمشاهدة، وعرفنا ما هي بالمشاهدة المقبولة، وأما بالوصف أن يشتري بمجرد الوصف، وعرفنا أن الوصف إما أن يكون لعين معينة يريدها المشتري فيصفها له البائع، وإما أن يكون لا عين ليست معينة مطلقة ويصفها البائع، وعرفنا حكم هذه الحالة أيضاً.

جميل، الآن أعود إذاً بعد كل هذه الرحلة الطويلة للشيخ مرعي رحمة الله عليه لنكمل معه، قال: قد انتهينا من الشرط السادس معرفة الثمن والمثمن، الشرط السابع قال: أن يكون منجزاً لا معلقاً، يعني أن يكون عقد البيع منجزاً لا معلقاً. الآن هذا في الحقيقة كثير من الحنابلة لا يذكرونه ضمن شروط صحة البيع، وإنما يذكرونه لما يتكلموا عن الشروط المفسدة لعقد البيع. الآن إن شاء الله في عندنا باب قادم اسمه الشروط في البيوع، الشروط التي يشترطها البائع على المشتري أو يشترطها المشتري على البائع، راح نعرف قضية الشروط في البيوع، ما هي الشروط الصحيحة، وما هي الشروط التي لا تصح وتفسد العقد، وما هي الشروط التي لا تصح لكنها لا تفسد العقد؟ طبعاً بدنا إن شاء الله يومئذٍ نميز بين مصطلح شروط صحة البيع وبين مصطلح الشروط في البيع، شروط صحة البيع هذه شروط حددتها الشريعة، الشروط السبعة هذه شروط حددتها الشريعة، هذا هو.

أما الشروط في البيع، لا، هذه شروط يشترطها أحد الأطراف على الآخر، عرفتم الفرق بينها وبين شروط صحة البيع؟ شروط صحة البيع هذه من الشريعة؛ الشريعة قالت: لصحة البيع لابد أن يكون هناك رضا، ولابد أن يكون جائز التصرف، ولابد أن يكون البائع قادراً، ولابد أن يكون المعقود عليه مالاً، إلى آخر الشروط. هذه شروط حددتها الشريعة حتى يكون عقد البيع صحيحاً.

لكن "الشروط في البيوع" هذا موضوع آخر تماماً، والمراد بها ما يشترطه أحد الأطراف على الآخر. فهذه القضية هي الشرط السابع الذي ذكره هنا، والواقع أن أكثر الحنابلة لا يذكرونه ضمن شروط صحة البيع، بل يذكرونه ضمن "الشروط في البيع"، وهي الشروط التي يشترطها أحد الأطراف على الآخر.

الشيخ مرعي ذكرها ضمن شروط صحة البيع، فانتبهوا يا رعاكم الله لما تقرأوا في كتب الحنابلة؛ فكثيراً لن تجدوا هذا الشرط هنا، بل ستجدون قضية أن يكون العقد منجزاً لا معلقاً تذكر ضمن "الشروط في البيوع"، يعني الشروط التي يشترطها أحد الأطراف على الآخر، وستعرفون أنه إذا اشترطه أحد الأطراف على الآخر فهو شرط فاسد ومفسد للعقد.

والشيخ مرعي لماذا ذكره هنا؟ لأنه مفسد للعقد، لذلك ذكره هنا، لكن الأصل والذي ارتأيه أنه لا يذكر هنا، وإنما يذكر في الشروط في البيع، وهي الشروط التي يشترطها أحد الأطراف. سنتكلم عنها إن شاء الله في المجلس القادم، ونقسم الشروط التي يشترطها أحد الأطراف إما شروط صحيحة له الحق أن يشترطها، وإما شروط باطلة.

الشروط الباطلة بعضها يبطل العقد بالكلية، وبعضها شروط باطلة لكنها لا تؤثر في العقد، يعني العقد صحيح لكن الشرط لحاله باطل. الأصل أن يذكر هذا ضمن الشروط الباطلة التي تبطل العقد، لكن الشيخ مرعي ذهب إلى طريقة أخرى، ويهمنا في النهاية أن نفهم ما هو المراد.

قوله: "أن يكون منجزاً لا معلقاً"، ما معنى هذا الكلام؟ ذكر مثالاً: «بعتك إذا جاء رأس الشهر» أو «بعتك إن رضي زيد». الآن يا إخواني، إذا أحد الأطراف علق عملية البيع والشراء على حصول شرط في المستقبل، فهنا عقد البيع باطل وهذا الشرط باطل؛ يعني اشتراطه أن هذا العقد يتم إذا حصل شيء في المستقبل هو شرط باطل، وسنعرف إن شاء الله لما أذكر الشروط في البيوع أن هذا الشرط باطل والعقد أيضاً سيبطل بسبب اشتراط هذا الشرط.

فإذا جاء مشترٍ فقال يا بائع بعني هذا الجوال، فقلت له: ممتاز أبيعك هذا الجوال، الآن نريد أن نجري العقد؛ أبيعك هذا الجوال بألف دينار، فقال المشتري: قبلت، لكن بعني إياه إذا جاء زيد معي، أو إذا حل الحول، أو إذا جاء رمضان. هنا أحد الأطراف اشترط تعليق العقد، أي أنه ليس منجزاً.

ما معنى منجز؟ منجز يعني حالي، عكسه معلق أو متأخر. فالأصل في عقد البيع أن يكون منجزاً؛ العقد الآن يحدث: بعتك، قبلت، انتهى الأمر، العقد الآن تم. أما إذا أحد الأطراف علق فقال: أبيعك إذا جاء زيد، فقال المشتري: قبلت، هنا نقول لهم كل هذا العقد لا قيمة له. فلو جاء زيد في المستقبل، وفرضاً جاء المشتري إلى البائع وقال: يا أيها البائع أنت قلت لي أبيعك إذا جاء زيد، وها هو زيد قد جاء، فخلاص العقد تم، هنا ماذا نقول؟ نقول لا، العقد لم يتم، يجب أن تعيدوا العقد مرة أخرى؛ لأن الصيغة السابقة للعقد كانت باطلة.

والعقد الأول كان باطلاً؛ لأنه عقد معلق على المستقبل وليس عقداً منجزاً، والبيع لابد أن يكون عقداً منجزاً وليس معلقاً. هكذا طبيعة البيع، شيء منجز: بعت، اشتريت، خذ، أعطِ. أما إذا تم تعليقه فهنا خرج عن طبيعته وعن مقصوده فلا يصح تعليقه، فمتى تم تعليقه سواء من جهة البائع أو من جهة المشتري فهنا التعليق باطل والعقد باطل برأسه.

لذلك قال: "أن يكون منجزاً لا معلقاً"، كقوله: «بعتك إذا جاء رأس الشهر» أو «إن رضي زيد»، إلا في حالة واحدة يصح التعليق فيها، قالوا: يصح إذا علق على مشيئة الله تبركاً لا تردداً. يعني إذا قال البائع للمشتري: بعتك هذه السلعة إن شاء الله، وهذا التعليق يكون بأدوات الشرط مثل: «بعتك إذا جاء زيد»، «بعتك إن جاء رأس السنة»، «بعتك إن شاء الله».

هذه "إن شاء الله" تعليق، لكن هذا التعليق مغتفر إذا كان المراد منه التبرك لا التردد؛ لأن كثيراً من المسلمين عندما يقول "إن شاء الله" تكون جارية على لسانه من باب التبرك ولا يقصد التعليق الحقيقي. أما إن قصد التعليق الحقيقي الذي هو التردد، يعني عندما قال البائع للمشتري: «بعتك هذا الجوال إن شاء الله»، نقول للبائع: ما قصدك بـ "إن شاء الله" هنا؟ هل أنت تتبرك بها أم أنت متردد؟ فإذا قال: صراحة يا جماعة أنا متردد، نقول له: إذا كنت متردداً فهذا أيضاً من التعليق الباطل، فلا يصح هذا العقد لأنه معلق.

وإن قال: لا، أنا قلتها والله تبركاً، لا أقصد أني متردد، مثلما يقول الناس "إن شاء الله" في أحوالها، نقول له: خلص، إذا كنت قلتها تبركاً فلا حرج، فلا عبرة بهذا التعليق؛ لأن كل شيء في العالم يحدث بمشيئة الله، وبيعك هو يؤذن بالواقع بمشيئة الله مئة بالمئة. فإذا قال: قلتها تبركاً يصح، وإذا قال: قلتها تردداً لا يصح، كما نص على ذلك الخلو في حاشيته على منتهى الإرادات.

جميل أحبابي، هكذا نكون انتهينا من الشروط السبعة، شروط صحة البيع التي إذا اختل شرط منها فالبيع باطل لاختلال شرط من شروطه. وهكذا نكون تعرفنا على البيع وعلى أركان البيع وعلى شروط صحة البيع.

الآن بقي في هذا الفصل مسألة واحدة سأختم بها اليوم إن شاء الله، مسألة تسمى "مسألة تفريق الصفقة"، وهي مسائل ثلاث في الحقيقة. صفقة يعني البيعة، وعند الحنابلة هناك مسائل يسمونها مسائل تفريق الصفقة، تفريق البيعة، ولها أحوال ثلاثة محددة سنذكرها إن شاء الله، وسنعرف هل تفريق الصفقة جائز وما أحكامه؟ هذه المسألة في العادة يذكرونها بعد شروط صحة البيع.

الآن الشيخ مرعي ذكر مسألة منها، وأنا سأذكر الثانية والثالثة حتى يكتمل هذا العقد عندكم. بسم الله، يقول الشيخ مرعي: «من باع معلوماً ومجهولاً لم يتعذر علمه صح في المعلوم بقسطه، أي بقسطه من الثمن، وإن تعذر معرفة المجهول ولم يبين ثمن المعلوم فباطل».

ما معنى هذا الكلام؟ الآن يا إخوان المسألة سهلة جداً، أقول لك أنا بائع، ونحن عرفنا من شروط صحة البيع الشرط السادس أن يكون...

المبيع الذي هو المثمن معلوماً للمشتري إما بالمشاهدة وإما بالوصف، إذا كان المبيع ليس معلوماً للمشتري لا بالمشاهدة ولا بالوصف هنا يسمى المبيع مجهولاً ولا يصح العقد عليه. وكذلك الثمن إذا كان الثمن ليس معلوماً للبائع لا بالمشاهدة ولا بالوصف فهو مجهول، فلا يصح البيع لاختلال شرط من شروطه.

أنا هنا بائع باع سلعتين للمشتري ببيعة واحدة بصفقة واحدة، باع عينين لمشتري بصفقة واحدة؛ إحدى العينين معلومة يعني المشتري شاهدها أو وصفت له، والعين الأخرى مجهولة يعني المشتري لا هو شاهدها ولا وصفت له بوصف معتبر. إذاً عندنا بائع باع سلعتين بصفقة واحدة، إحداهما معلومة للمشتري بالمشاهدة أو الوصف والأخرى مجهولة.

الآن هل يصح هذا البيع؟ من قال: هذا البيع يا شيخ في جزء منه معلوم وفي جزء منه مجهول، فهل نقول كل الصفقة لاغية أم يمكن تفريق الصفقة؟ وماذا نستفيد من تفريق الصفقة؟ نستفيد أننا نصححها في القدر المعلوم ونلغي القدر المجهول فقط.

أنت الآن بين خيارين في هذه الصفقة التي فيها شيء معلوم وقسم مجهول: فإما أن تقول بما أنه المبيع هنا قسم منه مجهول إذاً في مشكلة، تلغي الصفقة كلها وكلها باطلة، وإما أن يكون معك مجال أن تفرق الصفقة، بأن تصححها في القدر المعلوم وتلغيها في القدر المجهول فقط.

ما قول الحنابلة؟ يقولون هنا في حالات؛ قال: «من باع معلوماً ومجهولاً لم يتعذر علمه». سأعطيكم مثالاً: بعت لشخص شاتين، واحدة منها معلومة شاهدها المشتري أو وصفت له، والأخرى مجهولة ليس دارياً عنها، فقلت للمشتري: أبيعك شاتين، واحدة تعرفها ومعلومة لديك إما بالمشاهدة أو بالوصف، وأشياء أخرى ليست معلومة لديك مجهولة، أبيعك كلا الشاتين بمئة دينار.

إذاً هي صفقة واحدة باع فيها البائع شاتين، واحدة معلومة وواحدة مجهولة بمئة دينار، هل يمكن تفريق الصفقة فنصححها في الشاة المعلومة ونبطلها فقط في الشاة المجهولة، أم لازم نلغي كل الصفقة؟ يقول الحنابلة: لا، إذا أمكن معرفة الشاة المجهولة كم قسطها من المئة دينار، أي إذا أمكن معرفة المجهول.

إذا أمكننا أن نعرف كم قسط الشاة المجهولة من المئة دينار، كأن يطلع قسطها خمسين ديناراً مثلاً، كيف عرفت ذلك وهي مجهولة؟ قد يكون ذلك برؤية بعد العقد؛ هي لم يتم العقد عليها وهي مجهولة فالعقد في حقها باطل، ولكن بعد العقد استطعنا أن نعرف أن قسطها من الثمن مئة دينار هو خمسون ديناراً، فنقول: المجهولة قسطها خمسون ديناراً فهذا نسقطه ونلغيه، والشاة المعلومة خلاص عرفنا قسطها وهو خمسون ديناراً، فنصححه ونمضي كما يقول قائل.

فإذا أمكن معرفة قسط السلعة المجهولة من الثمن الكلي، كم تأخذ من الثمن؟ خمسين ديناراً أو أربعين ديناراً، فهذا القسط سنُسقطه من الثمن الكلي ونبطل شراء السلعة المجهولة ونصحح السلعة المعلومة بالقسط المتبقي من الثمن. هذا متى؟ إذا أمكن معرفة كم هو قسط الشيء المجهول من الثمن الكلي.

أو صورة أخرى يمكن أن تحدث، وهي أن البائع ابتداءً يحدد هو بنفسه قسط كل شاة من هاتين الشاتين. يعني البائع قال للمشتري: أبيعك شاتين، واحدة معلومة لديك وأخرى مجهولة، أبيعك هاتين الشاتين بمئة دينار، المعلومة سعرها ستون والمجهولة سعرها أربعون. هنا البائع ريحنا ابتداءً، فقد باع المشتري بصفقة واحدة شاتين، واحدة معلومة وواحدة مجهولة، وبينهما التفاصيل الدقيقة.

نقول للبائع: أنت عملت عقداً فيه مشكلة، ولكن نريد أن نصلح الأمور بهدوء من دون أن تعمل عقداً جديداً، فنقول: هذه المعلومة سنقبلها منك بستين ديناراً، أما الشاة المجهولة فسامحنا لن نقبلها منك لأن المشتري لم يشاهدها ولا وصفت له، فبالتالي المئة دينار سنأخذ منها ستين حق الشاة المعلومة، وأما الشاة المجهولة سنلغي العقد فيها والمشتري لن يدفع ثمنها، وهكذا فرقنا الصفقة.

إذن، إذا باع بائع سلعتين واحدة معلومة وأخرى مجهولة بصفقة واحدة وسعر واحد، هل يمكن تصحيح هذا العقد؟ قالوا يمكن تصحيح هذا العقد في حالتين: الحالة الأولى إذا كان البائع لم يعطنا التفاصيل، باع سلعة معلومة ومجهولة بثمن واحد، ونحن بأنفسنا كمشتري أو كخبراء استطعنا أن نعرف كم قسط السلعة المجهولة من الثمن الكلي، فنقول: هذه السلعة المجهولة طلع قسطها من الثمن الكلي أربعين أو خمسين، فنسقط قسطها ونبقي قسط الشيء المعلوم فقط، فهذا يصح.

أو أن البائع في الحالة الثانية هو نفسه ابتداءً -أو أشار إليها إشارة خفية- لما باع السلعتين المعلومة والمجهولة بثمن واحد أعطانا التفاصيل، فقال: المعلومة قسطها من المئة ستين، والمجهولة قسطها أربعون؛ فنقول له: المجهولة قسطها لاغٍ لأنها مجهولة، والمعلومة هي التي ستمضي بقسطها.

فهذا يسمى تفريق الصفقة؛ لذلك قال: «من باع معلوماً ومجهولاً لم يتعذر علمه»، واكتبوا فوق: «لم يتعذر علمه» أي لم يتعذر علم قسطه من الثمن الكلي. يعني من باع معلوماً ومجهولاً، هذا المجهول استطعنا نحن كمشترين أن نعرف قسطه من الثمن الكلي، سواء كان أربعين أو خمسين أو ثلاثين ديناراً، هذا معنى: مجهول لم يتعذر علمه. لماذا؟ لأنه مفهوم المخالفة كما سيأتي، أن السلعة المجهولة إذا لم نستطع أن نعرف كم قسطها من الثمن الكلي.

والبائع نفسه ما أعطانا التفاصيل، ما قال لنا المعلومة سعرها كذا، والمجهولة سعرها كذا؛ هنا سنلغي العقد بالكلية إذا لم نستطع أن نعرف كم قسط المجهولة من الثمن الكلي ولم يكن البائع منحنا التفاصيل، فسيتم إلغاء العقد بالكلية ولا يمكن تفريق الصفقة حينئذ؛ لأن السلعة المجهولة لا نستطيع أن نعرف كم قسطها من الثمن الكلي حتى نلغيه، ولما لم يعطنا تفاصيلها فلا يمكن حل هذه المعضلة فيتم إلغاء العقد.

لذلك هو دقيق؛ قال: «من باع معلومًا ومجهولًا لم يتعذر علمه»، يعني بعبارة أسهل: «من باع معلومًا ومجهولًا يمكن معرفة قسطه من الثمن الكلي، فإن العقد يمكن تفريقه حينئذ»، فيصح شأن تفريقه؛ فيصح في المعلوم بقسطه من الثمن الكلي. فإذا كان هذا المعلوم من الثمن الكلي هو ستون دينارًا من المئة، فيصح في المعلومة فقط بقسطه، أي بقسطه من الثمن الكلي، أما إذا تعذر معرفة المجهول.

إذا تعذر معرفة المجهول، يعني تعذر معرفة كم قيمة هذا المجهول أو كم قسط هذا المجهول من السعر الكلي ولم يبين ثمن المعلوم، وكان البائع لم يبين لنا ثمن المعلوم، لذلك قلت لكم إنه إذا البائع بين ثمن المعلوم؛ فالبائع الآن باع شيئًا معلومًا ومجهولًا بمئة دينار، باع الشاتين بمئة دينار وقال لنا الشاة المعلومة قسطها ستون من المئة، إذا هنا تلقائيًا نحن عرفنا أنه المجهولة قسطها أربعون من المئة.

فإذا كان البائع، قلنا هناك حلان: إما أننا بأنفسنا نعرف المجهول كم قسطه من الثمن الكلي فنخلص ونعرف الأمور، أو أن يكون البائع أعطانا التفاصيل فقال لنا: والله المعلومة أنا معطيها من الثمن الكلي ستين دينارًا، هنا حتى لو لم يذكر المجهول عُرف ضمنيًا أنه هو أربعون، فهاتان الصورتان يجوز فيهما تفريق الصفقة.

أما إذا ما عرفنا كم قسط المجهولة من الثمن الكلي ولم يعطنا البائع لا ثمن المعلومة على التفصيل أو ثمن المجهول على التفصيل، حينئذ فالعقد باطل برمته. هذه هي الصورة الأولى من صور تفريق الصفقة: بائع باع سلعتين، واحدة معلومة وأخرى مجهولة بصفقة واحدة بسعر واحد كلي، ففي هذه الحالة هل يمكن تصحيح جزء من هذا العقد؟ قالوا: نعم في حالتين.

في الحالة الأولى: إذا أمكن معرفة كم قسط المجهول من الثمن الكلي، عرف المشتري كم قسط المجهول من الثمن الكلي، فحينئذ يسقط بيع المجهول وسيصحح العقد في المعلومة فقط، فهكذا نكون فرقنا الصفقة. أو أن يكون البائع ابتداءً أعطانا المعلومات بالتفصيل، فأعطانا كم قسط المعلومة من الثمن الكلي أو قسط المجهول من الثمن الكلي، فعرفنا التفاصيل، فهنا نفس الشيء يصحح في المعلوم ويلغى في المجهول.

أما إذا لم نعرف كم قسط المجهول من الثمن الكلي ولا البائع أعطانا تفاصيل الصفقة، فحينئذ سنضطر أن نلغي العقد بالكلية ونقول أعيدوا العقد من جديد على المعلومة فقط، إلا إذا كانت هناك الطريقة لمعرفة أوصاف هذه المجهولة أو رؤيتها. هذه الصورة الأولى من صور تفريق الصفقة.

الصورة الثانية الآن التي لم يذكرها الشيخ مرعي، والثالثة سريعًا؛ أحيانًا نكرر وأعيد وأكرر لأني أدرك إخواني أن التكرار هو الذي يثبت الأفكار. إذاً مسائل تفريق الصفقة، خلينا نقول المسألة الأولى: بيعه معلوم ومجهول، والآن ننتقل للحالة الثانية: «من باع شيئًا يملك بعضه فقط».

أقف هنا الآن عند «من باع شيئًا يملك بعضه فقط». صورة هذه المسألة أحبائي: لو أنا كنت أمتلك سيارة، لكن أنا في الحقيقة لا أمتلك كاملها، وإنما أنا شريك فيها مع صديق لي اسمه زيد، السيارة إبراهيم لزيد، فجاء مشتري اسمه محمد، جاء محمد على إبراهيم فقال: يا إبراهيم بعني هذه السيارة، فقام إبراهيم ببيع المشتري السيارة كاملة مع أن إبراهيم يملك بعضها.

فهنا أنا بعت شيئًا أملك بعضه فقط، جاء محمد على إبراهيم فقال: بعني هذه السيارة، فقام إبراهيم ببيع هذه السيارة لمحمد مثلاً بعشرين ألف دينار. الآن هل إبراهيم يملك كل السيارة؟ لا، إبراهيم يملك نصف السيارة ونصفها الآخر لزيد، وزيد لم يأذن لإبراهيم أن يبيع نصيبه، فإبراهيم أخطأ، لكن في النهاية هذا الذي وقع، أنه إبراهيم باع السيارة كاملة، باع شيئًا كاملاً يملك بعضه فقط لمحمد بعشرين ألف دينار.

الآن محمد له حالتان أحبابي: الحالة الأولى أنه يكون محمد لا يعرف أنه إبراهيم ليس مالكًا لكل السيارة، وإنما مالك لبعضها، محمد مفكر السيارة لإبراهيم كاملة، هو لا يعرف أن هذه السيارة نصفها لإبراهيم ونصفها لزيد، فلما جاء محمد -مسكين محمد غشيم بلغتنا العامية- قال لإبراهيم: والله تبيعني سيارتك، وهو مش عارف أن السيارة جزء منها لزيد، فإبراهيم تجاسر وقال: والله أبيعك السيارة كلها، فباع إبراهيم السيارة كاملة بعشرين ألف دينار لمحمد.

الآن ماذا سيحدث؟ هل نقوم بإلغاء العقد ونقول العقد باطل بالكلية لأن إبراهيم باع هذه السيارة وهو لا يملك إلا بعضها؟ والذي يمكن تفريق الصفقة؛ لأنني أنا كإبراهيم بعت لمحمد شيئًا أملكه وزائد شيء لا أملكه، وهذه المسألة ترجع للشرط الرابع من شروط البيع وهو أن يكون المبيع ملكًا للبائع. فهي تتعلق هنا بأن إبراهيم باع شيئًا يملكه وهو نصف السيارة، وشيئًا لا يملكه وهو النصف الآخر.

فهل يمكن تصحيح العقد؟ فنقول: والله يصح هذا العقد في النصف الذي يملكه إبراهيم ويبطل في النصف الذي لا يملكه، زي ما عملنا في الحالة السابقة لما صححنا العقد في الجزء المعلوم وأبطلناه في الجزء المجهول. هل يمكن أن نفعل نفس الطريقة في هذه الحالة؟ نقول إبراهيم باع السيارة كاملة، الآن إبراهيم لا نقول إنه لا يملك شيئًا من السيارة ولا نقول إنه يملك السيارة، بل هو في حال منتصف، إبراهيم يملك نصف السيارة، فبالتالي لما إبراهيم باع السيارة كاملة لمحمد وباع شيئًا يملك بعضه فقط، باع جزءًا يملكه ومشكلته أنه باع جزءًا لا يملكه، فهل يمكن تفريق الصفقة على محمد؟ فنقول: يا محمد تعال، أنت مش عارف الموضوع، ترى هذه السيارة فقط نصف هذا لإبراهيم وليس كلها.

فإبراهيم لما باعك السيارة كاملة، باعك شيئًا يملكه زائد شيء لا يملكه؛ باعك إياها بعشرين ألف دينار. الآن محمد انصدم، قال: «هاي السيارة مش كلها لإبراهيم؟». لا والله، طلع نصفها لإبراهيم ونصفها لزيد.

الآن نقول لمحمد: في مجال لتفريق الصفقة، نقدر ونعطي الخيار. الآن محمد إذا عرف الموضوع وعرف أنه هو ما كان عارف هذه التفاصيل، نقول له: يا محمد لك الخيار؛ إذا حابب ترد كل البيع أنت مخير فيه، أنه الآن يا محمد إذا دخلت ما راح تدخل كامل السيارة، أنت فقط نستطيع أن نعطيك جزء إبراهيم الذي يملكه، أما الجزء الذي لا يملكه إبراهيم بل يملكه زيد، لا نستطيع أن نعطيك إياه.

فإذا دخلت يا محمد في السيارة وقبلت حصة إبراهيم فقط، أنت ستدخل شريكًا مع زيد فيها، ولن تكون كامل السيارة لك، وستكون عليك فقط عشرة آلاف؛ طبعًا لأنها عشرون ألفًا لكل السيارة. اكتشف محمد أنه سيشتري فقط حصة إبراهيم، ما راح يقدر يشتري كامل السيارة، فسيكون عليه مثلاً النصف عشرة آلاف. فنقول لمحمد: أنت الآن لك الخيار بما أنك ما كنت تعرف هذه التفاصيل. لك الخيار يا إما أن ترضى تدخل شريكًا مع زيد في هذه السيارة بحيث تشتري حصة إبراهيم فقط التي هي النصف بعشرة آلاف دينار، بحق لك ذلك، وإذا حبيت ترد كل البيع وتفسخه ولا تقبل به أيضًا لك الخيار.

لأن محمد ممكن يقول: «لا يا عمي أنا لا أريد سيارة يكون معي فيها شريك، أنا أريد سيارة كاملة لي»، وأنا ظننت السيارة هذه كاملة لإبراهيم، وإبراهيم ما أعطاني التفاصيل؛ يعني إبراهيم غشني فيها نوعًا من الغش. فهنا محمد له الخيار.

هكذا نقول: من باع شيئًا يملك بعضه فقط، وكان لا يعلم المشتري بهذه التفاصيل، لا يعلم المشتري أن البائع يملك جزءًا منها فقط، فهنا المشتري نقول له الخيار؛ إما أن يفسخ العقد بالكلية ويقول: «أنا لا أريد هذا العقد، خلاص الغِه تمامًا»، وإما أن يدخل في هذا العقد على صورة تفريق الصفقة، فيدخل مكان إبراهيم فقط ويأخذ حصة إبراهيم فقط بحصتها من الثمن، يعني حصة إبراهيم هي عشرة آلاف من العشرين ألفًا، فيدفع عشرة آلاف ويدخل محمد شريكًا مع زيد فيصبح هو الشريك.

وهنا قمنا بتفريق الصفقة؛ فصححنا هذا البيع في جزء إبراهيم وأعطيناه لمحمد، وفي جزء زيد لم نصححه، فصححناه في جزء وبطلناه في جزء، لذلك سميت تفريق الصفقة. فيمكن إذا لمحمد أن نفرق الصفقة عليه، فنقول: خلاص اشترِ جزء إبراهيم خذه، وجزء زيد هذا ما يحق لك أن تأخذه، وادفع قسطه من الثمن؛ جزء إبراهيم قسطه من الثمن عشرة، ادفع بس عشرة. ممكن محمد يقبل ويقول: «ما عندي مشكلة»، وله الخيار، وممكن محمد لا يقبل ويقول: «أنا ما بدي أدخل شريك، أبغوا لي كل هذا العقد».

هذا في حالة أنه كان محمد لا يعلم أن إبراهيم يملك نصف السيارة فقط أو جزءًا منها. أما إذا كان محمد يعلم أن إبراهيم يملك نصف السيارة، ومع ذلك طلب منه أن يبيعه كامل السيارة، فهنا محمد ليس له الخيار في فسخ العقد، بل هو ملزم أن يدخل في تفريق الصفقة. ويجب عليه، يعني محمد أنت عارف أن إبراهيم ما يملك كل السيارة، يملك جزءًا منها، ومع ذلك يا محمد طلبت من إبراهيم أنه يبيعك كل السيارة، فبدك تتحمل النتائج؛ فالعقد سيكون ملزمًا لك، وعليك يا محمد أن تأخذ حصة إبراهيم جبرًا بنصيبها من الثمن بقسطها، يعني بالعشرة آلاف دينار، ومجبر أن تدخل شريكًا مع زيد لأنك عارف التفاصيل.

إذا أحبابي نعيد لملمة هذه الأفكار، نقول: من باع شيئًا يملك بعضه، هناك حالتان للمشتري: أن يكون المشتري لا يعلم أن البائع يملك البعض فقط، ففي هذه الحالة يكون المشتري مخيرًا؛ إما أن يفسخ العقد بالكلية ويبطله، وإما أن يدخل على تفريق الصفقة فيقبل أن يدخل شريكًا مع الطرف الآخر.

وأما إذا كان المشتري يعلم ابتداءً أن البائع لا يملك كل السلعة، ومع ذلك طلب منه أن يبيعه كل السلعة، في هذه الحالة ليس للمشتري الخيار في الفسخ، بل هو مجبر أن يدخل على تفريق الصفقة. إذاً من باع شيئًا يملك بعضه فقط، إن كان المشتري يجهل ذلك، فله الخيار إما بالفسخ وإما أن تفرق الصفقة فيأخذ القسم الذي يملكه البائع بقسطه من الثمن.

نحن الآن عندنا ثمن؛ أنا إبراهيم بعت السيارة كلها بعشرين ألفًا، فالمشتري هذا الغشيم نقول له: يا إما تفسخ العقد، يا إما تقبل بحصة إبراهيم فقط وتدخل شريكًا مع زيد، وطبقه. فالآن سيتم تفريق الصفقة، وهو يقول لنا حصة إبراهيم كم تساوي من الثمن الكلي؟ نقول له حصة إبراهيم هي نصف الثمن الكلي؛ الثمن الكلي عشرون ألفًا وحصة إبراهيم عشرة. ممكن تكون حصتي أقل أو أكثر، المهم. فمنقول للمشتري هذا المسكين: حابب تفسخ العقد؟ قال: «لا، بدي خلص مش مشكلة، باخذ حصة إبراهيم فقط»، فيأخذ حصة إبراهيم بقسطها من الثمن.

أما الحالة الثانية، إذا كان المشتري يعلم الحال، يعني عارف أن إبراهيم لا يملك كل السيارة، ومع ذلك طلب منه أن يبيعه كل السيارة، فليس له الخيار في الفسخ، ما يقدر يفسخ، وهو مجبر أن يدخل على تفريق الصفقة ويأخذ حصة إبراهيم فقط بقسطها من الثمن؛ يعني عنده خيار واحد لا ثاني له وهو أن تفرق الصفقة.

طبعًا أنتم أكملوا هذا الكلام حتى لا نطيل، إلى أن نصل إلى الصورة الثالثة وأختم بها إن شاء الله اليوم، أنا طولت عليكم. لكن إن شاء الله نستفيد. الصورة الثالثة: من باع شيئًا يباح بيعه مع شيء لا يباح بيعه بصفقة واحدة؛ من باع شيئًا مباحًا وحرامًا بصفقة واحدة.

جاء شخص لبائع معين، فقام هذا البائع ماذا عمل؟ قال للمشتري: «أبيعك خلا وخمرًا بمئة دينار»، أبيعك زجاجة خل وزجاجة خمر بمئة دينار. الآن المشتري دخل على البائع، وشاف البائع بدأ يعمل عروضًا في المحل، فقال للمشتري: «إيش رأيك أبيعك خل وخمر بمئة دينار؟». الآن الخل مباح ما في مشكلة في بيعه، والخمر حرام في مشكلة في بيعه، هنا البائع باع المشتري خلا وخمرًا بمئة دينار في صفقة واحدة؛ باعه خلا وخمرًا، الآن إخواني فيها التفصيل السابق.

وهو أن كان المشتري يعلم الحال، أو كان المشتري لا يعلم الحال. إذا كان المشتري ظن أن كلا الزجاجتين خل فاشتراها بمائة دينار، فاكتشف بعد ذلك أنه في واحدة منهما خمر، هنا المشتري له الخيار؛ إما أن يرجع للبائع ويقول له: اسمع، أنت بعت الزجاجتين وأنا مفكرهم الثنتين خل وبعتني إياهم بسعر واحد مئة دينار، أنا فكرت حالي ممتاز ربحان، فإذا اكتشفت أنه واحدة خل وواحدة خمر، وكان المشتري جاهلاً بالموضوع وكان البائع قد ضحك عليه وغش عليه، فهنا له الخيار؛ إما أن يقول: لا يا عمي أنا كل هذه البيعة ما بدي إياها، بيعة بنيت على غش أنا ما أريدها، رجع لي المئة دينار وخذ هذا الخل وهذا الخمر، ما بدي.

له الخيار أن يفسخ، وللمشتري الخيار في ماذا؟ في الحالة الأخرى أن يأخذ الخل بقسطه من الثمن فقط ويرد الخمر، وهو تفريق الصفقة. كيف بدنا نرد الخمر؟ قال الحنابلة: تقدر هذه الخمر على أنها خل؛ لأن الخمر إخوانه أصلاً، في مرحلة من المراحل تكون خلاً بعدين بتصير خمراً، وممكن الخمر ترجع تصير خلاً، أصلاً هناك علاقة بين الخمر والخل، فبدكم تنتبهوا حتى ما يصير عندكم الخل خمراً.

الآن يقول الحنابلة: يمكن إذا أردنا تقدير الخمر كم قسطها من الثمن، ما نقدر الخمر وهي خمر، والله سعر الخمرة هذه خمسين ديناراً، لا، لأنه الخمر ليس مالاً فلا يجوز تقويمها. طيب ولماذا نفعل؟ نقدر هذا الخمر خلاً؛ يعني نقول هذا الخمر أي نوعها؟ والله خمر من العنب، خلينا نقول خمر من العنب، ممتاز، هذه خمر عنب، فمنقول هذه الخمر إذا صارت خل عنب، إذا تحولت لخل، كم يكون قيمتها خل عنب؟ والله قيمتها خل عنب أربعين ديناراً، منقول ممتاز، يا أيها المشتري خلص ادفع ستين ديناراً، سعر الخل المباح؛ لأننا عرفنا أن هذه الخمر تقديرها خلاً يطلع أربعين ديناراً، فإذا هذه الخمر خل بأربعين ديناراً من المئة، فبالتالي هذا الخل المباح سعره ستين ديناراً من المئة، فبنقول للمشتري: خذ الخل المباح بستين ديناراً وألقِ الأربعين ديناراً عند الباقي، بتأخذها وبترجع له زجاجة الخمر وتلقيها في وجهه.

ممتاز، إذاً هذه الحالة الأولى: المشتري لا يعلم الحال، هو ظن أن كلا الزجاجتين خل فاكتشف أنه في واحدة خل وفي واحدة خمر، وانباعوا الثنتين بمئة دينار، وله الحق يرجع للبائع يقول: أنا لا أريد كل البيعة، أنت ضحكت علي وأعطني مئة دينار، له خيار الفسخ، وله الخيار في تفريق الصفقة أن يأخذ الخل المباح بالستين ديناراً إذا كان مثلاً بما أن الخمر لما قدرناها خلاً طلعت أربعين ديناراً، فيأخذ هذه بستين وله أن يرد لنفسه الأربعين ويعطي البائع خمره.

الحالة الثانية أن يكون المشتري يعلم الحال ابتداءً، يعني عارفاً أنه هذا البائع باع زجاجة خل وزجاجة خمر بصفقة واحدة بمئة دينار، في هذه الحالة المشتري مجبر على تفريق الصفقة، وهو مجبر أن يأخذ المباح بقسطه من الثمن وعليه أن يرد الخمر ويأخذ مقابل قسط من الثمن بعد أن نقدر الخمر خلاً. يعني مشتري دخل على بائع، قال له: اسمع هذه خل وهذا خمر، خلص أخبره بمئة دينار، فالمشتري قبل، الآن ما حكم هذا العقد؟ هل هو كله باطل؟ لا، الحنابلة يقولون في مجال لتفريق الصفقة، ما يقولوا كله باطل، فيقولوا في السلعة المباحة التي هي الخل بنقبلها، والسلعة المحرمة هي الخمر بنردها.

طيب كيف سيتم الرد وهي صفقة واحدة؟ نأتي بنقدر الخمر على أنها خل ونشوف الخل لو كانت هذه الخمر خلاً كم سعرها؟ أربعين، ثلاثين، خمسين؟ نسقط هذا السعر من الثمن الكلي، فيكون الباقي هو سعر السلع المباحة، وهنا يجبر المشتري على تفريق الصفقة. أما كما قلنا إذا كان جاهلاً بغش وكان يظن كلا الزجاجتين خلاً، فاكتشف أن إحداهما خمر، لا، هو له الخيار؛ لأنه ممكن يكون هو أخذ زجاجتين خل، يعني مفكر أن السعر هو ربحان فيه، فاكتشف أنه واحدة طلعت خمراً، فهو في النهاية إما أن يلغي العقد بالكلية، وإما أن يقبل بتفريق الصفقة.

نفس ما ذكرنا الحالة السابقة من باع شيئاً يملك بعضه فقط، نفس الشيء المشتري يمكن يكون جاهلاً ويمكن يكون عالماً؛ إذا كان المشتري جاهلاً فهو مخير بين الفسخ وبين تفريق الصفقة، وإذا كان المشتري عالماً فهو مجبر على تفريق الصفقة. ونفس الشيء هنا؛ إذا كان المشتري جاهلاً أن هناك سلعة محرمة ضمن السلعة المباحة فهو مخير بين الفسخ وبين تفريق الصفقة، وإذا كان عالماً فهو مجبر على تفريق الصفقة. والله تعالى أعلم، لا أطيل أكثر من ذلك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.