غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية. يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، محجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف، رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة، أنهينا الحديث عن شروط صحة البيع وعن مسائل تفريق الصفقة، وهكذا نكون عرفنا البيع وعرفنا أركان البيع وعرفنا شروط صحة البيع.
اليوم سينتقل بنا الإمام مرعي الكرمي، رحمة الله عليه، إلى فصل عقده في البيوع المحرمة، وسبب تحريمها يعود لأمر خارج عن أركان العقد وشروطه. عقد البيع عرفنا أنه يبطل إذا اختل ركن من أركانه، أو اختل شرط من شروطه السبعة التي ذكرناها، فإذا كان العقد باطلاً فالأصل أنه لا يجوز الإقدام عليه مع العلم ببطلانه.
سنتكلم اليوم عن بيوع منهي عنها محرمة، وسنعرف أنها على نوعين: بيوع محرمة وهي باطلة لا تصح، وبيوع محرمة لكن يمكن أن تصح، وتصح شرعاً؛ لأن البيوع المحرمة على نوعين. كلمة «محرم» هذا حكم تكليفي، وكلمة «صحيح» و«باطل» هذا حكم وضعي، كما سنبين الآن على الشاشة بإذن الله.
فالبيوع المحرمة التي ذكرها في هذا الفصل الجديد، سبب تحريمها وبطلان ما يبطل منها لا يعود إلى اختلال ركن من أركان عقد البيع الثلاثة، ولا يعود إلى اختلال شرط من شروط صحة البيع السبعة، بل يعود تحريمها وبطلان ما يبطل منها لوصف خارجي تعلق بعقد البيع فقط.
أريدكم أن تحفظوا هذه المعلومة؛ هذا الفصل بالبيوع المحرمة، والتي ستنقسم إلى نوعين: محرمة لا تصح وهي باطلة، ومحرمة تصحح. لكنه في العموم يتكلم عن العقود المحرمة، وسبب تحريمها ليس اختلال ركن من الأركان، وليس اختلال شرط من الشروط السبعة، بل سبب تحريمها لوصف خارجي تعلق بعقد البيع. هذا الوصف الخارجي هو الذي سبب تحريم عقد البيع في هذه الحالة، وأتمنى أن تكون الآن الفكرة توضحت عندكم في الجملة، ومن خلال الأمثلة تتضح أكثر وأكثر.
انظروا ماذا قال في الأمثلة التي ذكرها: «فصل: ويحرم ولا يصح بيع ولا شراء في المسجد». خليني أذهب للشاشة حتى أذكرها، مسألة مسألة؛ ما بدي أسردها، صارت بعد ذلك أعود إليها واحدة واحدة نبتدئ بها مباشرة.
الآن إخواني، عموماً هذا الفصل عقده في البيوع المحرمة لوصف خارجي تعلق بعقد البيع، هكذا أنا أعنون دائماً: البيوع المحرمة لوصف خارجي تعلق بعقد البيع. وماذا يقصد بالوصف الخارجي؟ أريد أن أبين أن هذه البيوع المحرمة ليست اختلال ركن من الأركان أو اختلال شرط من الشروط، لا، بل سبب تحريمها وصف خارجي تعلق بعقد البيع هو الذي سبب التحريم.
وهذه البيوع المحرمة على نوعين: باطلة -بين قوسين أكتب لا تصح، إنه استعمل عبارة لا تصح، يعني باطلة هنا- وصحيحة. الآن إخواني دائماً أنبه الإخوة؛ كلمة «بيع محرم»، التحريم حكم تكليفي، و«الصحة» و«البطلان» حكم وضعي، ولذلك هذا يدل على أهمية أن يكون الطالب عنده دراسة ولو مبدئية لعلم أصول الفقه قبل أن يلج في المصنفات الفقهية ويتعمق فيها.
لأنه إذا كنت إلى الآن لا تميز بين قولنا هذا عقد محرم، وبين قولنا هذا عقد باطل، فإنه في مشكلة كبرى عندك. كلمة «عقد محرم»، كلمة «محرم» هذا حكم من الأحكام التكليفية الخمس؛ فالمحرم ما يأثم فاعله ويثاب تاركه امتثالاً. فإذا قلنا البيع محرم، يعني بيع يأثم فاعله ويثاب تاركه امتثالاً.
لما نقول بيع باطل، هذا أمر آخر. كلمة «باطل»، البطلان يعني أن هذا البيع لا يترتب عليه أثره؛ لأننا درسنا في أصول الفقه أن الصحة معناها ترتب الأثر على العقد، والبطلان معناه عدم ترتب الأثر على العقد. ومن باب الاختصار والتسهيل، ذكرنا في أصول الفقه أنه عندما نقول عقد صحيح، سواء كان بيعاً ولا إجارة أو غيرها، ما معنى صحيح؟ يعني يترتب أثره عليه، وعقد باطل يعني لا يترتب أثره عليه.
فالصحة والبطلان تتكلم عن ترتب الأثر وعدم ترتب الأثر. فعقد البيع عندما نقول عقده باطل، ما معنى باطل؟ بالرجوع لتعريف الباطل في الأحكام الوضعية في أصول الفقه: الباطل هو الذي لا يترتب أثره عليه. إذاً عقد البيع الباطل هو الذي لا تترتب عليه أي أحكام، فلا تنتقل السلعة فيه إلى المشتري ولا ينتقل الثمن إلى البائع لأنه باطل. وأما عقد البيع الصحيح فهو الذي تترتب عليه آثاره؛ ما هي آثاره؟ تنتقل السلعة إلى المشتري وينتقل الثمن إلى البائع، وهذا أهم أثر يحدث في البيع.
إذاً، لما نقول بيوع محرمة، كلمة «محرم» يعني حكم تكليفي، يعني بيوع من أقدم عليها فهو آثم لأنها محرمة من حيث الحكم التكليفي. طيب، لو أقدم عليها وفعل المحرم، هل نحكم بصحة العقد ونرتب بالتالي الآثار، أم نقول لا، هو محرم والعقد باطل لا تترتب عليه الآثار؟ سنكتشف أن البيوع المحرمة على نوعين: هناك بيوع محرمة وهي باطلة في نفس الوقت، فهي محرمة من حيث الحكم التكليفي وباطلة من حيث الحكم الوضعي فلا تترتب عليها الآثار، وهناك بيوع محرمة، يعني هي فيها إثم لكن من حيث الحكم الوضعي ستصح وتترتب عليها الآثار، فلا يحدث ارتباط بين التحريم وصحتها؛ فيكون هي محرمة من حيث الحكم التكليفي وصحيحة من حيث الحكم الوضعي.
ممتاز، الآن سيبدأ الشيخ مرعي، رحمة الله عليه، بذكر هذه البيوع المحرمة والتي كان سبب تحريمها وصف خارجي يتعلق بعقد البيع. أول شكل من الأشكال قال: «ويحرم ولا يصح»، لاحظ ماذا قال: «ويحرم ولا يصح»، يعني هو الآن يتكلم عن الحالة الأولى؛ البيوع المحرمة الباطلة التي لا تصح. ما هو أول مثال؟ قال: «بيع ولا شراء في المسجد»، أي عملية بيع أو شراء تتم في داخل المسجد فهي محرمة، نقول هذا عقد البيع محرم، والعقد باطل، لا تترتب عليه الآثار، فلا ينتقل المبيع إلى المشتري ولا ينتقل الثمن إلى البائع.
هذا أول مثال، البيع والشراء في المسجد. طبعاً أحبابي، لما نقول في المسجد، أريدكم أن ترجعوا معي لباب الاعتكاف وتتذكروا أن...
عند الحنابلة يشمل ما هو داخل البناء، ويشمل الساحة الخارجية المسورة، ويشمل منارة المسجد التي بابها في المسجد؛ أي أن منارة المسجد إذا كانت داخل الساحة فهي من المسجد، أو على الأقل أن يكون بابها في المسجد. وهذا درسناه في باب الاعتكاف، عرفنا أن المسجد عند الحنابل يشمل ما هو داخل المبنى والساحة، والساحة الخارجية المحوطة المسورة، ومنارة المسجد إذا كانت داخل المسجد أو كانت خارج المسجد لكن بوابتها في داخل المسجد.
فبالتالي، هذا الذي يحدث واقعيًا هو أن الباعة المتجولين لا يدخلون داخل مبنى المسجد؛ لصعوبة دخولهم داخل المبنى الداخلي على السجاد ويفردوا بضاعتهم. الذي يحدث في كثير من المساجد أن البائع يمكن أن يدخل إلى ساحة المسجد المحوطة ويقوم بالبيع والشراء داخل الساحة، فهنا أي عملية بيع أو شراء داخل الساحة المحوطة تعتبر وقعت داخل المسجد، فهي عملية باطلة، وانتبهوا على هذا الحكم؛ عملية عقد باطل ومحرم في نفس الوقت. كثير من الباعة هداهم الله يدخلون إلى الساحات المحوطة المرتبطة بالمسجد ويقومون بالبيع والشراء فيها، فيجب أن ننصحهم وأن نبين لهم بهدوء ورفق أن هذه الساحات تعتبر في حكم المسجد، وبالتالي العقد فيها محرم وهو باطل.
لا أطيل أكثر من ذلك، نذهب للمثال الثاني. قال بسم الله: «ولا ممن تلزمه الجمعة»، اكتبوا: «ولو بغيره تلزمه الجمعة ولو بغيره». لأنه عرفنا أن الذي في صلاة الجمعة أن هناك أناسًا تلزمهم الجمعة بأنفسهم، وهناك من تلزمهم الجمعة بغيرهم، وهناك من لا تلزمهم الجمعة أبدًا لا بأنفسهم ولا بغيرهم. تذكر هذا التقسيم ذاتي بأحوال الناس في صلاة الجمعة: من تلزمه الجمعة بنفسه، ومن تلزمه الجمعة بغيره، ومن لا تلزمه الجمعة.
فهنا قوله: «ولا ممن تلزمه الجمعة»، أضيفوا: «ولو بغيره». أي شخص تلزمه الجمعة لنفسه أو تلزمه الجمعة لغيره يحرم عليه البيع والشراء بعد ندائها الذي عند المنبر، يعني باختصار بعد الأذان الثاني للجمعة؛ يحرم عليه بعد الأذان الثاني للجمعة. طبعًا هو ما قال بعد الأذان الثاني، قال الأذان الذي عند المنبر، والأذان الذي عند المنبر هو الأذان الثاني فعليًا.
لماذا يسمونه الأذان الذي عند المنبر؟ أنتم تعرفون أنه في عهد النبي ﷺ كان هناك أذان واحد لصلاة الجمعة وكان هناك إقامة. في عهد عثمان بن عفان -وهو أحد الخلفاء الراشدين فله سنة متبعة- أمر عثمان بالأذان الأول وأن يؤذن في الزوراء، أي في وسط السوق، فكان الأذان الأول في عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم في العادة يؤذن في وسط السوق أو على بوابات المسجد الخارجية؛ لأن الأذان الأول كان المقصود منه تنبيه الناس أنه وقت الجمعة فاستعدوا واغتسلوا وتعالوا إلى المساجد، هذا الهدف من الأذان الأول، فلا يؤذن في داخل المسجد بما أن الهدف منه إعلام الناس الذين في خارج المسجد أن الوقت قد اقترب، فإما أن يؤذن في الأسواق أو على ساحات المسجد وعلى المنارات المرتفعة للمسجد، هذا هو الأذان الأول.
أما الأذان الثاني، فالقصد منه الإعلان بدخول الوقت فقط، فكان في العادة يؤذن عند المنبر، يعني عند المنبر الذي سيصعد عليه الإمام ليخطب، فلذلك أصبح يعبر عن الأذان الثاني في كثير من كتب الفقه بـ «الأذان الذي عند المنبر». فإذا قرأت في كتاب فقهي «الأذان الذي عند المنبر يوم الجمعة»، اكتب عنده هو الأذان الثاني، هو الذي يؤذن عند المنبر. أما الأذان الأول فلا يؤذن عند المنبر، بالعكس كان يؤذن خارج المسجد وفي الأسواق حتى يعرف الناس أن الوقت قد اقترب.
باختصار، يحرم البيع والشراء من شخص تلزمه الجمعة ولو بغيره بعد الأذان الثاني. لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]. الله هو الذي أمرنا بذلك في القرآن، فقال العلماء: أي بيع أو شراء بعد الأذان الثاني ممن تلزمه الجمعة بنفسه أو بغيره، فهذا عقد محرم وباطل، لا يصح البيع والشراء بعد الأذان الثاني للجمعة.
لكن الشخص الذي لا تلزمه الجمعة، لا بنفسه ولا بغيره، مثل المرأة مثلاً، هل يصح للمرأة أن تبيع وتشتري بعد الأذان الثاني؟ بما أنه قال لا يصح البيع ولا الشراء ممن تلزمه الجمعة، إذاً الشخص الذي لا تلزمه الجمعة يصح بيعه وشراؤه بعد الأذان الثاني؛ لأنه لا تلزمه الجمعة. فيقول الحنابلة: من لا تلزمه الجمعة يصح بيعه وشراؤه بعد الأذان الثاني، لكن يكره لهذا الشخص الذي لا تلزمه الجمعة أن يعامل شخصًا تلزمه الجمعة، حتى لا يعاونوا على الإثم والعدوان.
الآن فائدة: هل الذي يحرم ويبطل بعد الأذان الثاني للجمعة هو البيع والشراء فقط؟ أم كل العقود؟ في الحقيقة الحنابلة حصروا الأمر في البيع والشراء فقط؛ لأنه هو الذي يقع في العادة المتكررة بعد الأذان الثاني للجمعة، أما العقود الأخرى فيقل أن تقع في هذا الوقت. فبالتالي مثلاً لو كان عقد نكاح، هل يصح بعد الأذان الثاني للجمعة ممن تلزمه الجمعة؟ قالوا يصح، قالوا يصح ولا يبطل. لماذا؟ قالوا لأنه إيقاع عقد النكاح أو أي عقد غير البيع والشراء بعد الأذان الثاني للجمعة هو أمر نادر وقليل، لا نلحقه بالبيع والشراء فنصححه. وإن كان إذا أشغلك وأضاع عليك الجمعة ستكون آثمًا والعقد فيه حرمة تحريم، هذه قضية أخرى، سيكون محرمًا إذا فوت الجمعة عليك، لكن هل يبطل؟ لا يبطل.
فيقول الحنابلة: البطلان إنما هو في البيع والشراء فقط، وأما سائر العقود التجارية الأخرى أو عقود الأنكحة الأخرى فإنها تصح بعد الأذان الثاني، وإن قلنا بتحريمها إذا أشغلت عن الصلاة مئة بالمئة، لكنها تصح. لماذا انحصر الأمر في البيع والشراء؟ قالوا أولًا: لأن النص القرآني قال: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، ما قال «وذروا العقود الأخرى». ثانيًا: عندهم نظرة تعليلية وهي أن العقود الأخرى يقل جداً وقوعها بعد الأذان الثاني، فبالتالي لا تُعطى حكم البيع والشراء، فتصحح مع أنها حرام لأنها أشغلتك عن الجمعة.
حرام وصحيحة، لا يتم إبطالها. أما البيع والشراء فهو الذي يتم إبطاله، ونحن هنا نتكلم عن البيع والشراء، هذا الذي يهمنا، لذلك اختصر عليه. فالبيع والشراء إذا بعد الأذان الثاني للجمعة يحرم ولا يصح.
وكما قالوا في حال ضاق وقت المكتوبة، مثل الجمعة في الحكم، فالصلوات المكتوبات إذا ضاق وقتها؛ الآن الأصل في الصلاة المكتوبة أن وقتها موسع، فأنت الفجر مثلاً عرفنا سابقاً وقت بدايتها ونهايتها، وكذلك الظهر عرفنا وقت بدايته ونهايته، والعصر لها وقت مختار، والمغرب لها بداية ونهاية، والعشاء لها وقت مختار.
عرفنا إذا أن أوقات ابتداء الصلوات المكتوبة موسعة، لكن إذا بقي الشخص يسوف ويؤخر ويؤخر حتى تضايق وقت المكتوبة؛ شخص دخل عليه وقت الظهر لم يصل في أول الوقت وظل يؤخر حتى بقي من وقت الظهر خمس دقائق فقط ثم سيخرج، هنا ضاق وقت مكتوبة. هذه الخمس دقائق لا تسع إلا أن يصلي فيها، ما في مجال يعمل أي شيء آخر فيها، إذا عمل أي شيء آخر فيها سيصلي الظهر في خارج الوقت.
فقالوا إذا تضايق وقت المكتوبة بحيث أصبح لا يتسع إلا لصلاة الفرض فيه، فإذا فعل في هذا الوقت أي تصرف آخر ستقع الفريضة خارج وقتها، إذا تضايق وقت المكتوبة فلا يجوز أيضاً البيع ولا الشراء. إذاً البيع والشراء بعد الأذان الثاني للجمعة لا يصح، وكذلك إذا تضايق وقت المكتوبة.
فاحفظ؛ أي صلاة مكتوبة من الصلوات الخمس تضايق وقتها وما ضل منه إلا دقائق معدودة وسيخرج وأنت لم تصل بعد، فعليك وجوباً أن تصلي في هذه الدقائق المعدودة. أصبح الوقت مضيقاً عليك، وبما أن الوقت مضيق عليك وأنت الآن ملزم بالصلاة، فأي عملية غير الصلاة مثل البيع والشراء فإنها ستكون عملية محرمة ولا تصح. فعملية البيع والشراء إذا تضايق وقت المكتوبة محرمة ولا تصح، وحكمها حكم الأذان الثاني للجمعة؛ تحرم ولا تصح.
طيب، إذا كان الشخص لا تلزمه المكتوبة مثل الحائض في فترة حيضها، لا هنا شيء آخر؛ بما أنه لا تلزمها صلاة مكتوبة، بالتالي يصح بيعها وشراؤها، مثلها مثل المرأة التي لا يلزمها حضور الجمعة.
الآن سينتقل إلى صورة ثالثة: «ولا بيع العنب أو العصير لمتخذه خمراً، ولا بيع البيض والجوز ونحوهما للقمار». الصورة الثالثة: لا يصح بيع الخمر أو العصير، عفواً، لا يصح بيع العنب أو العصير لمتخذه خمراً.
الآن إذا شخص باع سلعة، يا ترى هي قاعدة عامة وليست خاصة بالعنب والعصير، بدي أعطيك قاعدة عامة: أي شخص بائع يبيع سلعة مباحة ابتداءً، هي مباحة ما فيها مشكلة، عبارة عن مال مباح، عين مباحة أو منفعة مباحة، أي بائع يبيع مالاً مباحاً لشخص وعلم البائع يقيناً -ولو من خلال القرائن- أن هذا الشخص المشتري سيستعمل هذه السلعة ويوظفها في الحرام، فإن هذا العقد حرام وهو خطر لا يصح.
أعيد مرة أخرى: أي بائع عنده سلعة وعين أو منفعة مباحة باعها لشخص وعلم -لما يقول لك علم البائع يعني مئة بالمئة، هذا هو المذهب- ليس ظناً، أنه هذا المشتري سيستعمل هذه السلعة في الحرام. لا، الظن ليس معتبراً عند الحنابلة في المذهب، وإن كان هو رواية أخرى اختارها ابن تيمية ومجموعة، لكن ليست المعتمد، المعتمد في المذهب اعتبار العلم اليقيني.
إذا علم البائع يقيناً، يعني مئة بالمئة، كيف؟ من خلال القرائن أو من خلال تصريح المشتري. هناك عدة طرق يعلم بها، المهم إذا علم البائع علماً يقينياً أن هذه السلع المباحة التي باعها للمشتري سيقوم المشتري بتوظيفها في المحرمات، فالعقد حينئذ يكون محرماً ولا يصح.
إذاً الحالة الثالثة: بيع سلعة لمن يعلم أنه يستعملها في الحرام، بيع سلعة لمن يعلم مئة بالمئة، كلمة يعلم احفظوها مئة بالمئة، أن البائع علم وليس غلب الظن. وهذه ما ذكرها أمثلة فقط؛ فمثلاً أنا بائع عندي عصير عنب أو أي عصير، بعت للمشتري وعلمت بطريقة من الطرق أنه هذا المشتري اشترى مني عصير العنب أو غيره من العصائر حتى يعمل فيه خمراً، أنا عارف أنه سيستعمله في الخمر مئة بالمئة، فما حكم هذا العقد؟ حرام ولا يصح.
طيب، شخص اشترى "ستالايت" وأنا عالم مئة بالمئة أن هذا الشخص اشترى مني هذا الستالايت لينظر إلى الأفلام التي تغضب الله سبحانه وتعالى، هذا شغله، لأنه في ناس ممكن يشتروا بهدف صحيح، يعني يطلع هذه الأخبار وهكذا ثم يحدث خطأ وتزل عينه، هذه قضية أخرى ليست حكمها كهذه. لكن إذا أنا علمت أن هذا الشخص -ليش اشتريت يا فلان الدش الذي هو ستالايت؟ أو لماذا اشتريت تلفازاً أو أي شيء من هذه الإلكترونيات؟- علمت بقرائن الأحوال أو هو صرح لي قال: والله أنا بدي أتابع عليها أفلام نتفلكس، أريد أتابع عليها أفلاماً من شركات أجنبية، إذا هو صرح أنه يريد استعمالها في الحرام، حينئذ ما حكم بيع هذه الإلكترونيات؟ حرام ولا يصح.
نفس الفكرة، المثال المذكور هنا: «ولا بيع البيض ولا بيع البيض والجوز ونحوهما للقمار». قديماً كانوا يستعملون البيض والجوز ويلعبون بها القمار، فإذا البائع عنده بيض أو جوز، لأن البيض يجوز بيعه، سلعة مباحة، وكذلك الجوز ثمار مباحة يجوز بيعها، متى يحرم؟ يحرم لوصف خارجي.
لاحظوا كلها أوصاف خارجية، يحرم إذا علم البائع أن المشتري سيستعمل البيض أو الجوز في لعب القمار، فحينئذ بيع الجوز والبيض لمن يستعمله في القمار حرام ولا يصح. فإذاً هذه كلها أمثلة مشتركة.
قال: «ولا بيع السلاح في الفتنة أو لأهل الحرب أو لقطاع الطريق»، ترى هذه كلها أيضاً أمثلة على نفس الفكرة، لذلك لا أريد أن أجعلها فكرة أخرى. «ولا بيع السلاح في الفتنة»؛ الآن إذا هناك فتنة واقتتال بين المسلمين، هل يجوز بيع السلاح؟ هل يجوز لبائع أن يبيع الأسلحة للناس؟ لا يجوز، لأنك تعينهم على المعصية، قتال فتنة، طائفتان اقتتلتا من المسلمين، قتال بينهم، قتال فتنة؛ ليس والله طائفة باغية نريد أن نقتلها أو نقاتلها لأنها باغية، لا، هذا قتال حق، لكن قتال فتنة، طائفتان اقتتلتا ولا يوجد بغي، يعني الأمور ليست واضحة بينهما، متداخلة كما يقولون، دخل الحابل بالنابل، فهذا يسمى قتال فتنة.
وفي قتال الفتنة لا يجوز لأي بائع أن يبيع السلاح؛ لأن السلاح سيستعمل في الاقتتال وفي سفك الدماء المعصومة، فهذا أيضًا يدخل تحت هذه الفكرة: بيع سلعة لمن يعلم أنه يستعملها في الحرام، فأنت تعين الناس في الفتنة على الاقتتال ببيعك للأسلحة.
قال: «ولا بيع السلاح لأهل الحرب أو لقطاع الطريق»، نفس الفكرة. هل يجوز لبائع مسلم -وأسمعوا أيها المجرمون الذين تبيعون خيرات بلاد المسلمين لأعداء الأمة يتجبرون بنا ويتحكمون بنا- ما حكم هذا العقد؟ وأتمنى من العلماء الكبار الذين يجلسون على الكراسي ويأخذون الألقاب الكبرى والخامة والسيادة والهيئات العلمية الكبرى، أتمنى أن يبينوا هذا الحكم لهؤلاء السلاطين.
ما حكم بيع السلاح لأهل الحرب، يعني للكفار الحربيين؟ عرفنا أن الأصل في علاقتنا مع الكفار علاقة حربيين، ويستثنى من ذلك عقد الذمة وعقد الصلح وعقد الهدنة، فهذه الثلاث مستثناة، والأصل علاقتنا معهم علاقة حربيين. فإذا المسلم باع سلاحًا لأهل الحرب للكفار الحربيين، هذا السلاح سيستعينون به على قتل المسلمين؛ فما حكم هذا العقد؟ باطل ومحرم.
فما بالك بأناس يبيعون النفط والبترول وخيرات بلاد المسلمين تباع وتعطى لأعداء الأمة يحركون بها بوارجهم؟ قال: النفط في وجهة نظري هو سلاح وإن لم يكن سلاحًا يستعمل في ميادين المعارك، لكنه في النهاية تزود به الطائرات، وتزود به البوارج، وتزود به الدبابات، فكيف تشتغل هذه كل هذه الأسلحة؟ فهو سلاح. من يبيع النفط والغاز لأعداء الأمة يحركون بها بوارجهم وطائراتهم والدبابات ويغزون بها بلاد المسلمين، ما حكم هذه العقود يا علماء المسلمين؟ أليست عقودًا محرمة؟ أليست عقودًا محرمة تغضب الرب سبحانه وتعالى وهي باطلة؟ هذا حكم يجب أن يعلمه الناس.
إذن بيع السلاح لأهل الحرب حرام ولا يصح، أو لقطاع الطريق، والله بائع الأسلحة للحرامية واللصوص قطاع الطرق، أكيد طبعًا لا يصح؛ لأنه يدخل في كل هذه الأمثلة الأربعة التي ذكرها: بيع العصير لمن يتخذه خمرًا، بيع البيض لمن يستعمله في القمار، بيع السلاح في الفتنة أو لأهل الحرب أو لقطاع الطرق، كلها تدخل تحت هذا الضابط الثالث: بيع سلعة لمن يعلم أنه يستعملها في الحرام. جيد، فهذه كلها عقود محرمة وباطلة.
ثم انتقل لصورة أخرى جديدة، قال: «ولا بيع قن مسلم لكافر». نضعها صورة رابعة؛ بيع القن، أي العبد، اسم من أسماء العبد. بيع العبد المسلم لشخص كافر، لاحظوا في قيوده هو ذكرها، قال: لا يصح، يعني حرام ولا يصح، يكون باطل بيع عبد مسلم لرجل كافر، بغض النظر كان كافرًا ذميًا ولا كافرًا حربيًا.
يقول الحنابلة: لا يجوز للمسلم إذا كان عنده عبد مسلم تحت يده أن يبيع هذا العبد المسلم لرجل كافر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]. عموم هذه الآية يستدل به الحنابلة على هذه المسألة. أنت لما تبيع يا مسلم عبدك المسلم الذي تحت يدك الذي يصوم ويصلي لرجل كافر، يتسلط عليه هذا الكافر ويستعبده ويهينه، هنا أنت جعلت سلطانًا وسبيلًا للكافر على المسلم، وهذا لا يحق لك، بالتالي أي مسلم يبيع عبدًا مسلمًا لشخص فالعقد محرم لا يصح.
هل نقول بمفهوم المخالفة إنه البائع المسلم إذا كان عنده عبد كافر يجوز أن يبيعه للكافر؟ لأنك قلت لا يصح ويحرم بيع العبد المسلم لشخص كافر. طب إذا كان العبد مش مسلمًا، عبد كافر، أنا رجل مسلم عندي عبد كافر، هل يجوز لي أن أبيعه لشخص كافر؟
إخواني في الحقيقة مر معنا في كتاب الجهاد مسألة، تذكر لما قلنا ونفس الشيخ مرعي قال إنه إذا نحن سبينا من الكفار سبيًا، وهذا السبي الذي سبيناه تم استرقاقه، مثلا سبينا نساء كافرات أو سبينا رجلًا مقاتلًا حرًا من الحربيين كان في المعركة والحاكم المسلم حكينا مخير فيه. السبي هذا خلصنا منه، لكن قضية الأسير؛ عندنا رجل مقاتل حر من الحربيين أسرناه في المعركة، عرفنا أنه إذا تم أسره في المعركة فالحاكم فيه أربعة خيارات: منها أن يسترق، وإما أن يمن عليه، وإما أن يأخذ الفدية، وإما أن يقتله، وإما أن يحكم استرقاقه، أليس كذلك؟
إذا حكم الحاكم باسترقاقه وأصبح هذا الكافر رقيقًا في أيدي المسلمين، هنا إذا أصبح هناك رجل مسلم تحته رقيق كافر، هل يجوز بيع هذا الكافر لرجل كافر؟ أنت لو بدك تمشي مع ظاهر كلامه هنا: «لا يصح بيع قن مسلم لكافر»، راح تقول بمفهوم المخالفة إنه يصح بيع العبد الكافر للكافر، فستقول والله يصح. لكن في الحقيقة لا، بدنا نظبط الأمر.
وهذا نبه عليه الخلوة في حاشيته على منتهى الإيرادات، وهو الكتاب الذي اختصره مرعي الكرمي؛ الخلوة يقول: لا يصح بيع قن مسلم لكافر، ولا يصح أيضًا بيع العبد الكافر الذي جرت عليه سهام المسلمين. يعني باختصار العبد الكافر الذي استرققناه من خلال المعركة، سواء كان استرقاقه ابتداء مثل النساء والصبيان، أو العبد الذي الحاكم اختار أن يسترق كما مرت معنا التفاصيل في كتاب الجهاد؛ فباختصار أي عبد كافر، أنثى أو ذكر، تم استرقاقه في المعارك وجرت عليه سهام المسلمين كما عبر الخلوة، فحتى هذا العبد الكافر لا يجوز بيعه لكافر.
فقوله: «ولا بيع قن مسلم لكافر»، العبارة توهم أنه يجوز بيع العبد الكافر للكفار وهذه ليست دقيقة على مذهب الحنابلة، بل تقول: ولا يصح أيضًا بيع عبد كافر جرت عليه سهام المسلمين، هذه عبارة الخلوة. يعني العبد الكافر الذي تم استرقاقه، هو أصلاً رجل من المحاربين الكفار تم استرقاقه في المعركة رجلًا أو أنثى، فهذا العبد الكافر الذي تم استرقاقه في المعركة وجرت عليه سهام المسلمين، خلص صار في سهام المسلمين رقيقًا من الإرْقاء.
فلا يجوز أيضًا بيعه للكفار. هذا النوع أيضًا لا يجوز بيعه للكفار؛ فالقضية إذًا ليست محصورة فقط في العبد المسلم، فالعبد المسلم لا يجوز بيعه، والعبد الكافر الذي تم استرقاقه في ميادين المعارك هذا أيضًا لا يجوز بيعه للكفار، والله تعالى أعلم.
لكنه استثنى استثناءً بعد ما بينا كل هذا الحكم، قال: «ولا بيع قن مسلم لكافر لا يعتق عليه». كلمة «لا يعتق عليه» هذه حالة استثنائية. ما معنى حالة استثنائية؟
الآن إخواني، إن شاء الله في باب العتق سنتعرف على أحكام العتق والعبيد عمومًا. سنعرف أن الإنسان إذا اشترى عبدًا وكان هذا العبد له علاقة رحم محرمة بالمشتري؛ إذا الإنسان اشترى عبدًا، أنا إنسان مشتري، اشتريت عبدًا وهذا العبد بيني وبينه علاقة رحم محرم، يعني كان هذا العبد والدي، أو كان عمي، أو كانت عمتي، أو كانت خالتي، أو كان خالي، عبد بينك وبينه علاقة رحم محرم.
وكلمة محرم، سأعرفها إن شاء الله في حينها، يعني لو كان الرحم المحرم هو الذي إذا كان أحد الأطراف منهم ذكرًا والآخر أنثى لا يجوز أن يتزوج الذكر الأنثى، هذا بسموه الرحم المحرم. أعيد لتأصيل الفكرة: المشتري إذا اشترى عبدًا وكان هذا العبد بينه وبين المشتري علاقة رحم محرم، هذا بمجرد أن أشتريه يصبح حرًا، ولا أستطيع أنا المشتري أن أستعمله كعبد ورقيق، ليس لك؛ لاحظوا فخامة الإسلام، حتى في أحكام الرقيق هناك احترام للعلاقات الأسرية. كيف أنت أيها المشتري تسترق أباك، أو تسترق ابنك، أو تسترق عمك أو خالك؟ هل هذا لا يصح أن تعامل هؤلاء معاملة العبيد؟
يقولون: «من ملك ذا رحم محرم فهو حر». يعني من اشترى أو امتلك بأي طريقة من الطرق عبدًا وكان هذا العبد رحمًا محرمًا عليه، فإن هذا العبد يصبح حرًا مباشرة، وليس للإنسان أن يسترق ذا رحم محرم منه.
ممتاز، طيب ما علاقة هذه المسألة بالقضية التي نحن فيها هنا؟ علاقتها أخي الكريم: يقولون نحن عرفنا أنه لا يصح بيع العبد المسلم لشخص كافر، صح تمامًا، لكن إذا كان -لاحظوا الاستثناء- إذا كان هذا العبد المسلم بينه وبين الكافر علاقة رحم محرم، في هذه الحالة يجوز أن نبيع هذا العبد المسلم لهذا الشخص الكافر. ليه؟ لأنه هذا العبد المسلم بمجرد أن نبيعه لهذا الشخص الكافر مباشرة سيصبح حرًا، فهنا انتفع هذا العبد المسلم وامتلك حريته، والشريعة تتشوف للحرية.
فنحن عندما نبيع هذا العبد المسلم للشخص الكافر نحن لا نضره، ولا نجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا، بالعكس نحن بننفعه لهذا العبد المسلم؛ لأن الكافر بمجرد ما يشتري العبد المسلم ففي حكم الإسلام سيصبح هذا العبد المسلم حرًا مباشرة إذا كان هناك علاقة رحم محرم بين المسلم والكافر.
لذلك لاحظوا ماذا قال الحنابلة: متى لا يصح ويحرم بيع العبد المسلم لشخص كافر؟ إذا كان عندنا عبد مسلم وشخص كافر ولا توجد بين المسلم والكافر علاقة رحم محرم، هنا يأتي أنه يحرم ولا يصح؛ لأنه إذا بعت العبد المسلم للشخص الكافر وما في علاقة رحم محرم هنا سيصبح هذا العبد المسلم رقيقًا لكافر ويتسلط عليه الكافر، والله قال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 224]، والمقصود هنا ألا نجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا.
لكن إذا كان هناك علاقة محرمية، يعني رحم محرم بين العبد المسلم والشخص الكافر، فهنا يحل والعقد صحيح؛ بيع العبد المسلم للشخص الكافر، لأن الكافر بمجرد ما يشتري هذا العبد المسلم سيصبح هذا العبد المسلم حرًا بحكم الإسلام. لذلك قال: يحرم ولا يصح، «ولا بيع قن مسلم لكافر لا يعتق عليه»، اكتبوا: أما إذا كان القن المسلم سيعتق على الكافر، ما معنى يعتق عليه؟ أي أنه سيصبح حرًا بمجرد أن يشتريه، وهذا في حالة وجود علاقة رحم محرم بين العبد المسلم والشخص الكافر، فهنا يحل ويصح بيع هذا العبد المسلم للشخص الكافر. أظن أني وضحت ما معنى «لا يعتق عليه»، فهو لا يعتق عليه لأنه لا توجد علاقة رحمية محرمة، ومتى يعتق عليه؟ إذا كانت هناك علاقة رحم محرم.
ثم قال من الصورة الخامسة من الصور التي تحرم ولا تصح: «خامسًا: ولا بيع المسلم على بيع أخيه»، كقوله لمن اشترى بعشرة: «أعطيك مثله بتسعة»، «ولا شراء عليه»، يعني ماذا؟ ويحرم ولا يصح شراء مسلم على شراء أخيه، كقوله لمن باع شيئًا بتسعة: «عندي فيه عشرة».
الآن هي المسألة الخامسة: بيع المسلم على بيع أخيه، وشراء المسلم على شراء أخيه. الحنابلة يقولون يحرم أن يبيع مسلم على بيع أخيه، ويحرم شراء مسلم على شراء أخيه، لكن في الحقيقة هناك قيد في تصور هذه المسألة، أن نبيع المسلم على بيع أخيه الذي هو محرم ولا يصح، وشراء المسلم على شراء أخيه الذي هو محرم ولا يصح. صورته عند الحنابلة إنما تكون في خلال مدة خيار المجلس وخيار الشرط.
ما معنى خيار المجلس وخيار الشرط؟ إن شاء الله بعد ما ننتهي من الكلام عن الشروط في البيع سنتكلم عن الخيارات في البيوع، وسنتعرف على خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب، وخيار الغبن، وخيار التدليس إلى غير ذلك من الخيارات. الشيخ مرعي ضبطها بشكل جيد، سنأتي إليها إن شاء الله، لكن الآن أنا مضطر أذكرها حتى تكتمل الصورة لديكم.
يقول الحنابلة: ما صورة بيع المسلم على بيع أخيه المحرمة ولا تصح، والتي صورتها أن تكون خلال مدة خيار المجلس وخيار الشرط. الآن إخواني أنا بائع، سأعطيكم مثالًا: أنا الآن بائع بعت الجوال الذي معي، بعت هذا الجوال لشخص بكم؟ بعته بعشرة دنانير لشخص اسمه زيد. الآن سنعرف إن شاء الله أن خيار المجلس هو الخيار الثابت للمتعاقدين ما دام في مجلس العقد قبل أن يتفرقا. يعني أنا ممكن أبيعك سلعة وأنت تأخذها وتسلمني الثمن، وبعد ما ينتهي عقد البيع وقبل أن نتفرق تقول: اسمع، أريد إرجاع السلعة، فهذا هل يجوز ويصح الفسخ؟ نعم، لأنه نحن ما زلنا في مدة خيار المجلس، وخيار المجلس ينتهي بانفضاد المجلس كما سيأتي معنا إن شاء الله.
فإذا حصل عقد البيع وكان المتعاقدان ما زالا في المجلس، ففي حق أي طرف منهما الفسخ؛ لأنهما ما زالا في مدة خيار المجلس. هذا اسمه خيار المجلس باختصار.
وهناك خيار الشرط، وسنأتي به إن شاء الله، وهو أن يشترط أحد المتعاقدين لنفسه الخيار، خيار الفسخ لمدة محددة. فيقول مثلا: "الآن أنا بعت هذا الجوال بعشرة"، فالمشتري يقول: "خلص ممتاز أنا قبلت، خذ هذه العشرة، بس اسمع، أنا أريد الخيار لنفسي ثلاثة أيام، بحيث خلال الثلاثة أيام إذا قررت أرجع لك الجوال برجع لك إياه إذا ما ارتحت له، وإذا انتهت الثلاثة أيام وما رجعت لك الجوال خلص الأمور، اعتبر انتهى الخيار". فالبائع قال: "ما عندي مشكلة"، فافترقا على خيار شرط، وسنأتي به إن شاء الله. هذا اسمه خيار الشرط.
وممكن يكون خيار الشرط من طرف البائع؛ أن يبيع البائع السلعة ويقول للمشتري: "اسمع، أنا سأعطيك إياها بعشرة دنانير، بس أنا أريد أن تعطيني الخيار لمدة ثلاثة أيام خلالها أحسم أموري، إن شاء الله سأكمل وإذا سأفسخ". هذا هو خيار الشرط؛ أن تشترط كبائع أو كمشتري لنفسك مدة محددة حتى تجزم فيها أنك تريد إكمال هذا العقد أو فسخه.
إذن هذا هو خيار المجلس، والصورة الثانية هي خيار الشرط. هذا كلام باختصار جدا، والآن نرجع لموضوعنا. أنا كبائع عندي هذا الجوال بعته لزيد بعشرة دنانير، وخلال مدة خيار المجلس، أو خلال مدة خيار الشرط، جاء بائع آخر فوسوس لزيد، قال له: "إبراهيم باعك الجوال، بكم حقه؟"، قال زيد: "والله باعني إياه بعشرة". فجاء البائع الآخر وقال لزيد: "اسمع، أنا سأبيعك جوالاً نفسه بنفس المواصفات بثمانية دنانير".
الآن، هل مع زيد فرصة أنه يفسخ مع إبراهيم، البائع الأول؟ نعم معه؛ لأنه خلال مدة خيار المجلس أو خلال مدة خيار الشرط، يوجد مجال لزيد أنه يفسخ. فإذا جاء بائع آخر على زيد وأقنعه أن يرجع السلعة لإبراهيم وأنا سأبيعك جوالاً مثله بثمانية دنانير، فهذا البائع الآخر ماذا فعل فعلياً؟ لقد قرب بيعة إبراهيم.
إذا وافق زيد البائع الثاني وقال: "خلاص ممتاز، بيعني هذا الجوال بثمانية دنانير"، فهذا البيع الثاني حرام ولا يصح؛ لأنه بيع المسلم على بيع أخيه. هذا البائع الثاني باع على بيعي وأنا مسلم، فباع رجل على بيع أخيه المسلم وضره بالتالي. هذا العقد الثاني نقول عنه عقد باطل ولا يصح، أي أنه حرام من حيث الحكم التكليفي ولا يصح من حيث الحكم الوضعي.
أما لماذا علقت الأمر بمدة خيار المجلس وخيار الشرط؟ لأنني أريد أن أفترض أنني بعت الجوال -ونرجع لأصل المسألة- أنا إبراهيم بعت الجوال لزيد بعشرة، وافترقنا عن المجلس فانتهى خيار المجلس، وفي نفس الوقت زيد ما اشترط خيار شرط، فقال: "أعطني ثلاثة أيام"، لم يشترط خيار الشرط. فهنا هذا البيع تم وانتهى خيار المجلس وانتهى خيار الشرط، وبالتالي أصبح ملزماً لكلا الطرفين.
يعني زيد لا يستطيع أن يفسخ العقد ما دامت السلعة سليمة واستلمها سليمة وليس فيها عيب، لزم العقد لزيد ولزم العقد لإبراهيم. فهنا قالوا في هذه الحالة: لو جاء شخص بائع ثانٍ وجاء على زيد وقال له: "بكم باعك إبراهيم الجوال؟"، فقال له زيد: "باعني إياه بعشرة"، قال: "رجع له إياه وأنا سأبيعك مثله بثمانية"، في هذه الحالة لن ينفع الموضوع، ولن يستطيع البائع الثاني أن يضرني.
لماذا؟ لأن الحنابلة تصوروا أنه لو اقتنع زيد بالبائع الثاني، فرجع على إبراهيم البائع الأول وقال له: "اسمع، ترى عُرض علي سعر أقل، أريد أن أرجع لك السلعة"، يستطيع إبراهيم أن يرفض والشرع معه، ويقول: "لا، أنا والله ما أريد، خلص البيع ملزم، وأنت اشتريته وأنا استلمت الثمن، والبيع ملزم، لا يوجد خيار مجلس يحق لك فيه أن تفسخ، ولا يوجد خيار شرط يمنحك الفسخ، فالأمر منتهي، ارفض".
فبالتالي قالوا: إذاً زيد لا يستطيع أن يضر، أو البائع الثاني لا يستطيع أن يضر إبراهيم البائع الأول؛ لأن مدة خيار المجلس وخيار الشرط قد انتهت، وبالتالي لا أثر لهذا الكلام. فلو أن البائع الثاني جاء على زيد وقال له: "افسخ مع إبراهيم"، لن ينفع معه هذا الكلام. فبالتالي مشكلة "بيع المسلم على بيع أخيه" قال الحنابلة إنما تظهر في خلال مدة خيار المجلس وخيار الشرط؛ أنه فعلياً يمكن للبائع الثاني أن يخرب بيعة البائع الأول.
وكذلك في الصورة الثانية: "شراء المسلم على شراء أخيه". فالحنابلة يقولون كذلك إن شراء المسلم على شراء أخيه خلال مدة خيار المجلس أو خيار الشرط لا يصح، وهي الصورة المعاكسة تماماً.
أنا إبراهيم معي الجوال، بعته لزيد بعشرة دنانير -سنركز على العكس- فخلال مدة خيار المجلس، أي وأنا وزيد لا نزال في مجلس العقد، أو خلال مدة خيار الشرط التي اشترطتها لأربع أو خمسة أيام، جاء مشترٍ آخر على إبراهيم، فقال لي: "يا إبراهيم، هذا الجوال سمعت أنه يفيدك، كم بعته لزيد؟"، فأقول: "والله بعته لزيد بعشرة دنانير".
فهذا المشتري الجديد قال: "اسمع، افسخ بيعك مع زيد وأنا سأشتريه منك باثني عشر ديناراً، ربحني في أكثر". وهنا أنا كبائع بدأ الشيطان يوسوس لي: "والله هذا ربحني فيه أكثر". فأقول لزيد: "خلص يا زيد، نحن الآن في مدة خيار مجلس العقد، أو نحن خلال مدة خيار الشرط التي اشترطتها لثلاثة أيام، سامحني، بما أننا في مدة خيار المجلس أو خيار الشرط، فبحقي أن أفسخ أنا كبائع، فبدي أن أفسخ العقد معك، والله يسهل أمرك". وبغض النظر هل أعرف زيداً أم لا، فالمشكلة أنني خربت البيعة مع زيد وقلت للمشتري الثاني: "تعال، أنت تعطيني ربحاً أكثر، خذ مني هذا الجوال باثني عشر ديناراً".
الآن ما فعله المشتري الثاني اسمه شراء مسلم على شراء أخيه. شراء مسلم على شراء أخيه في خلال مدة خيار الشرط أو خلال مدة خيار المجلس؛ فهذا يحرم، والعقد الثاني لا يصح. عقدي مع المشتري الثاني الذي سيعطيني اثني عشر دينارًا لا يصح، هو حرام ولا يصح، ويصنف ضمن هذه البوتقة لأنه ضر أخاه المسلم.
أما إذا تمت البيعة بيني وبين زيد بعشر دنانير وانتهى خيار الشرط وخيار المجلس، ثم بعد ذلك جاء مشترٍ آخر فقال لي: كم بعت؟ قلت له: بعشرة، قال: لا، أنا بعطيك في أكثر. هنا هذا الكلام لا يضر؛ لأنه العقد أصبح ملزمًا لكلا الطرفين، فأنا كبائع لا أستطيع أن أقول لزيد: تعال بدي أفسخ أنا وإياك، لأنه انتهت مدة خيار المجلس وخيار الشرط.
طبعًا هناك رأي آخر لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يرى أن قضية النهي في قوله ﷺ: «لا يبيع المسلم على بيع أخيه»، تحريمها يعم مدة خيار المجلس أو خيار الشرط، ويعم أيضًا الصورة الأخرى؛ لو انتهى خيار المجلس أو خيار الشرط ولو كان العقد ملزمًا، يحرم البيع على بيع أخيك والشراء على شراء أخيك، وقال يمكن أن يلحق الضرر.
كيف يعني؟ شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أنه لو خلونا في هذه الصورة: أنا الآن بعت هذا الجوال لزيد بعشر دنانير، فجاء مشترٍ آخر بعد انتهاء مدة خيار المجلس أو الشرط، فقال لي: كم بعت لزيد؟ قلت له: بعشرة، قال: أنا بشتري منك باثني عشر. فالآن أنا صحيح كبائع ما عندي خيار مجلس ولا خيار شرط، ويحق له أن أفسخ، والبيع ملزم لي وملزم لزيد، لكن في الحقيقة بعض الباعة عندهم أساليب استبداد وأساليب قاهرة؛ أن هذا البائع يروح على بيت زيد ويصير يطرق عليه الباب يوميًا ويتعبه ويقلقه: يا زيد بدنا نعمل أنا وإياك إقالة.
وسنعرف إن شاء الله أنه يمكن أن تتعرض الإقالة، والإقالة لابد فيها من تراضي الطرفين. يقول: أفلني في البيع، خلص يا زيد أرجوك سامحني، رجع لي هذه السلعة وخذ هذه ثمانين وهذه مصاريك لك، وزيد ما بده، فيصير هذا البائع يقلق زيد ويتعب زيد حتى بعد انتهاء مدة خيار المجلس أو خيار الشرط، ممكن يصير يتعب ليعمل معه إقالة ويرد له السلعة، وتعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل العقد؛ لأن هذا البائع طمع في الربح الذي يريد أن يعطيه إياه المشتري الثاني.
فإذاً شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن ضرر بيع المسلم على بيع أخيه وشراء المسلم على شراء أخيه يمتد حتى بعد انتهاء مدة خيار المجلس أو خيار الشرط، فهناك ضرر يقع حتى بعد انتهاء مدة خيار المجلس أو خيار الشرط، فهو حرام في كل الصور. أما الحنابلة، فالمعتمد في المذهب عندهم لم يأخذوا برأي شيخ الإسلام في التعميم، فالمعتمد عندهم هو أن هذا التحريم إنما يكون في خلال مدة خيار المجلس وخيار الشرط فقط. جيد، يعني هذا فقط من باب الاستطراد والفائدة.
بسم الله، الحمد لله. الآن إخواني بقي كلمة أخيرة أقولها في هذه المسألة، وهي قول الحنابلة: بيع المسلم على بيع أخيه، وبيع الكافر، وشراء المسلم على شراء أخيه. كلمة المسلم هنا لها مفهومها، عودوا فانظروا؛ قال: ولا بيع على بيع مسلم، هكذا قال، قال الشيخ مرعي: لا يحرم ولا يصح أن يبيع أحد على بيع مسلم.
كلمة مسلم هنا لها مفهوم المخالفة المعتبر، فيقول الحنابلة: يصح أن يبيع البائع الثاني على بيع كافر، يصح البيع على بيع الكافر. يعني لو كان البائع الأول كافرًا، فجاء بائع مسلم ثاني خلال مدة خيار المجلس أو خيار الشرط، فأقنع المشتري أنه يشتري منه وأنه يفسخ مع البائع الكافر، هل هذا حرام؟ يقول الحنابلة: ليس حرامًا ويصح العقد الثاني؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يبيع المسلم على بيع أخيه، وكلمة أخيه هنا يعني أخوه المسلم، فنهى أن يبيع البائع الثاني على بيع أخيه الأول المسلم، فقالوا إذاً يجوز بالتالي للبائع الثاني أن يبيع على بيع الكافر لأن الكافر ليس له حرمة المسلم.
وكذلك في الشراء، إذا كان المشتري الأول كافرًا، يحق للمشتري الثاني أن يقنع البائع بفسخ العقد مع المشتري الأول خلال مدة خيار المجلس أو خيار الشرط؛ لأن البائع المشتري الأول كافر فلا حرمة له، وهذه المشاعر لا تُحترم في جانبه احتراما في المسلم. طبعًا المسألة خلافية في النهاية اجتهادية، لكن الحنابلة أخذوا بظاهر نص قوله ﷺ: «لا يبيع مسلم على بيع أخيه ولا يشتري المسلم على شراء أخيه»، فكلمة الأخوة هنا تقتضي أن الإشكالية هنا في البيع على بيع المسلم والشراء على شراء المسلم، وليس في البيع على بيع الكافر والشراء على شراء الكافر.
تمام، إذا قال: ولا بيع على بيع مسلم، كقوله لمن اشترى شيئًا بعشرة؛ الضمير في هذه الهاء يعود على الثاني، يعني كقول البائع الثاني، هذا مثال على بيع المسلم على بيع أخيه، كقول البائع الثاني لمن اشترى شيئًا من البائع الأول. اكتبوا هذا الكلام: لمن اشترى من البائع الأول بعشرة، قال البائع الثاني لمن اشترى شيئًا من البائع الأول: أعطيك مثله بتسعة، أنا بعطيك مثل الذي أعطاك إياه البائع الأول بسعر أقل بتسع دنانير.
والحالة الثانية قال: ولا شراء عليه، أي لا يحرم ولا يصح شراء على شراء المسلم. ثم مثل: كقول المشتري الثاني لمن باع شيئًا بتسعة لمشترٍ أول؛ أنا بعت شيئًا بتسعة لزيد فرضًا، فيأتيه بمشتري ثاني فيقول لي: عندي فيه عشرة، يعني أنا أعطيك في عشرة، المشتري الأول أعطاك في تسعة أنا أعطيك في أكثر، عشرة؛ فهذا شراء على شراء أخيك، ولكن في خلال مدة خيار المجلس أو خيار الشرط. أما في خارج هذه المدة فعند الحنابلة لا حرج فيه، لأنهم رأوا أنه لا أثر له ولا يؤثر على لزوم العقد.
بسم الله، طيب الآن سأنتقل إلى النوع الثاني، هكذا نكون انتهينا أحبابي من المسائل الخمس المتعلقة بالبيوع المحرمة التي تبطل ولا تصح لوصف خارجي تعلق بها.
لاحظوا أنه كل هذه البيوع الإشكال فيها ليس أنه في ركن من الأركان انتفى، أو شرط من الشروط السبعة التي درسنا في المحاضرات السابقة، المشكلة فيها تتعلق بأمر خارجي. مثلا: البيع والشراء في المسجد، هنا الأمر المشكلة تتعلق بالمكان الذي تم فيه العقد.
البيع والشراء عند الأذان الثاني للجمعة، أو عند تضايق وقت المكتوبة، هنا المشكلة مش في أركان البيع أو شروطها، لا، في الزمن الذي وقع فيه البيع. كذلك بيع سلعة لمن يعلم أنه يستعملها في الحرام، هنا المشكلة وين؟ المشكلة مش في السلعة، السلعة الحمد لله مال حلال، لكن المشتري سيقوم بتوظيفها في الحرام، وهذا الذي أثر على عقد البيع.
كذلك بيع العبد المسلم لشخص كافر، هنا المشكلة ممكن البعض يقول: "آه يا شيخ إن المشكلة في نفس السلعة"، لا، هو في الحقيقة المشكلة في وصف يتعلق بالسلعة، أنه هذه السلعة التي هي العبد المسلم لا يجوز أن توضع تحت الكافر لأمر خارجي، وهو أن الكافر لا يصح أن يتسلط على المسلم؛ فالموضوع لا يتعلق بنفس العقد أركانه وشروطه وجدت جميعها، لكن يتعلق بطبيعة علاقة الكافر بالمسلم، وهذا وصف خارجي أيضًا. كذلك المسلم عن أبيه أخيه، وشراء المسلم عن شراء أخيه، هذه أيضًا قضايا بأمور أخلاقية أدبية وليست بنفس العقد، يعني كأركان وشروط.
الآن بدنا ننتقل للشق الثاني وهي العقود المحرمة التي تصح، يعني هو عقد محرم أن يُفعل إثم لكنه يصح. مثالها: «وسَوْمُ الْمُسْلِمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ»، وبيع المصحف، وبيع الأمة التي يطأها قبل استبرائها فحرام، ويصح العقد، يعني هو حرام لكن العقد صحيح. إذاً هي ثلاثة أمثلة ذكرها.
أولاً: صوم المسلم على صوم أخيه. إيش يعني هذا الكلام؟ وإيش الفرق بين صوم المسلم على صوم أخيه وبين الصورتين السابقتين: بيع المسلم على بيع أخيه وشراء المسلم على شراء أخيه؟
ساوم إخواني، خلينا نسميها المفاصلة، في لغتنا العامية، المفاصلة والمماكسة التي تحدث بين البائع وبين المشتري. نعطيكم مثالًا تقريبيًا: الآن دخل علي مشتري وقال بعني هذا الجوال، الظاهر هذا الجوال راح أبيعه ألف مرة خلال هذه الدورة. المهم دخل على أي مشتري فقال لي: بعني هذا الجوال، قلت له: ببيعك إياه، كم تعطي فيه؟ هو الذي يريد مفاصلة، وهو الذي يسمى السوم في المفهوم الفقهي.
بدأنا نتساوم عليه، نتفاصل عليه، قال لي: والله بعطيك فيه سبعين، قلت له: لا ما ينفع مئة، قال: لا سبعين، قلت: مئة، قال: طيب خلص بعطيك ثمانين، قال: لا خلص بيني وبينك تسعين، قال: خلص آخر شيء خلص خمسة وثمانين، قلت له: خلص يلا أنا ما بفشلك. الآن لسه نعقد، هذا العقد لم يتم بعد، لم يحصل بيع ولا شراء، وإنما حدث سوم، ركزوا، وحدث تراكم، حدث السوم ثم وقع بعده تراكم، يعني كلاهما للآخر، أنه صار اتفاق جملي أن يتم البيع آخر شيء بخمسة وثمانين.
فإذا حدث سوم وصاحبه ركون -يعني كما قال هنا، العبارة التي هي الرضا الصريح- الرضا الصريح حدث، سوم بيني وبين مشترٍ مسلم وحدث رضا صريح، لسه ما أجرينا العقد ما صار إيجاب وقبول، لكن صارت مساومة ومفاصلة عن السعر وصار رضا صريح عن خمسة وثمانين. هذه بعد ما صارت مساومة وصار رضا صريح على سعر، دخل شخص جديد على الخط وصار يساوم على نفس السلعة. دخل رجل من الخارج قال له: اسمع، كم بده هذا الرجل يعطيك؟ قلت له: والله حكى خمسة وثمانين أنا وإياه وتراكنا عليه، قال: اسمع أنا بعطيك أكثر، أنا بعطيك مئة.
هل الآن البائع والمشتري الأول صار بينهم عقد؟ لسه ما صار عقد، صار مساومة ورضا صريح بالخمسة وثمانين دينار، جاء شخص جديد فخرب الأمر وبدأ مساومة جديدة وقال للباقي: أنا بعطيك أكثر، بعطيك فيه مئة دينار. فهنا الذي حدث اسمه سوم مسلم على سوم أخيه، هذا الرجل الجديد سام على سوم أخيه.
إيش حكم هذا؟ حرام. حرام إذا صار رضا صريح، يعني إذا أثناء المساومة -لسه ما صار رضا صريح- دخل طرف خارجي وبدأ يساوم هو أيضًا، ما في مشكلة. التحريم إذا صارت مساومة وتبعها رضا صريح، ثم جاء طرف آخر فتدخل وبدأ يساوم من جديد، هنا تقع الحرمة. إذا حدثت مساومة بيني وبينه مشتري وصار رضا صريح واتفاق عام، ثم دخل شخص فساوم من جديد على نفس السلعة، فهذا ما فعله حرام.
طيب عرفنا أنه حرام، بدنا نفرض أنه البائع باع هذا المساوم الجديد لأنه أغرى السعر وترك المشتري المساوم الأول، ما حكم هذا العقد؟ هنا العقد صحيح لم يتأثر، لأن المساومة قال الحنابلة هي عملية منفصلة عن عقد البيع تمامًا، فبالتالي هي ليست مؤثرة على صحة العقد، هذه كانت وجهة نظرهم.
ليش إذا باع على بيع أخيه أو اشترى على شراء أخيه كان العقد محرم ولا يصح، بينما هنا إذا سام مسلم على سوم أخيه ثم حدث بعد ذلك بيع أو شراء فإن البيع والشراء يكون صحيحًا مع وجود الإثم؟ بنقول لأن الإثم هنا مش متعلق بالبيع والشراء نفسه، لا، هو متعلق بقضية ما وقع من سوم مسلم على سوم أخيه، وعملية السوم عملية منفصلة عن الإيجاب والقبول الذي هو عملية الشراء. فبالتالي نقول إذا سام مسلم على سوم أخيه فهذه العملية محرمة، لكن لو تبعها عقد، يعني لو واحد فعل الحرام وتبعها عقد فالعقد سيعتبر صحيحًا وتترتب عليه آثاره لأن موضوعه منفصل عن موضوع السوم.
إذاً هذه هي الفكرة الأولى. أما إذا سام مسلم على سوم كافر، حتى ولو بعد وقوع الرضا الصريح، فإنه لا يعد حرامًا عند الحنابلة، لأنه كما قلنا قيد كلمة المسلم عندهم كلمة أساسية في المسألة؛ ما إذا سام مسلم على سوم أخيه المسلم، أما إذا سام مسلم على سوم كافر فالحنابلة لا يعتبرون الكافر في حرمة المسلم.
أيضًا قضية بيع المصحف، الآن بيع المصحف إيش يا شيخ المشكلة ببيع المصحف؟ ما هي كلها الناس بتبيع مصاحف. الحنابلة لهم رأي، الحنابلة يقولون المصحف شيء معظّم لا يجوز أن يمتهن ويعامل كمال والسلعة، هذه وجهة نظر السادة الحنابلة، المصحف شيء معظّم لا يجوز أن يمتهن وأن يعامل كسلعة تباع وتشترى.
ما عنا مشكلة. لكن تبيعه وتعامله كسلعة، الحنابلة رفضوه، وهذا جيد. فقال الحنابلة: بيع المصحف حرام. بيع المصحف حرام، لكن لو أن شخصًا باعه، ما هو الحكم؟
في الحقيقة، الشيخ مرعي هو وضع المصحف تحت هذه الخانة؛ فهو يرى أن بيع المصحف حرام، لكن إذا شخص فعل ذلك فالعقد صحيح، تترتب عليه آثاره، وينتقل المصحف للمشتري ويأخذ البائع الثمن. فهو حرام لكن العقد صحيح، هذا الذي قاله الشيخ مرعي في «دليل الطالب»، فقد تبع فيه «المنتهى»، وهو الأصل لهذا الكتاب «الفتوح»، فالمنتهى نعم نص على أن بيع المصحف حرام لكنه يصح.
أما صاحب «الإقناع» الشيخ الحجاوي، وهو كتاب يعد أحد العمد الأساسية عند المتأخرين في الفتيا، فالشيخ الحجاوي في «الإقناع» قال: لا، قال بيع المصحف حرام ولا يصح. الشيخ الحجاوي في «الإقناع» وضع بيع المصحف تحت هذه الخانة، تحت ما هو حرام وباطل، لا يصح العقد أصلاً مع حرمته. لكن دليل الطالب، صاحب المنتهى، في أنه بيع حرام لكنه يصح، فأدرجه تحت هذه الخانة. فإذاً بيع المصحف فيه خلاف عند متأخرين الحنابلة؛ المنتهى وصاحب الدليل وضعوه تحت خانة ما يحرم لكنه يصح.
طبعًا في حالة استثنائية قالوا: يجوز للمسلم أن يشتري المصحف من كافر استنقاذًا منه، هذه قضية أخرى تمامًا، ليست قضية أصلية، هي قضية استثنائية لمصلحة المصحف نفسه.
نرجع لموضوع الحالة الثالثة. قال: «والأمة التي يطؤها قبل استبرائها». الصورة الثالثة: الأمة التي نطؤها قبل استبرائها. إن شاء الله راح نتعرف في قادم الأيام لما نأتي لباب العتق، أنه إذا كان إنسان عنده أمة، يعني سبي من الحرب، سبعين امرأة وصبيان من الكفار، وأخذ هذا الجندي من هذا السبي وصار عنده أمان، راح نعرف أنه الأمة يجوز لسيدها أن يطأها، هذا حكم الشارع سبحانه وتعالى، الأمة يجوز لسيدها أن يطأها.
الآن، إذا السيد كان يطأ أمته ويعاشرها، ثم في يوم من الأيام قرر أن يبيعها، فالحكم الشرعي أنه يحرم عليه أن يبيعها قبل أن يستبرئها، يعني قبل أن يتأكد أن هذه الأمة رحمها فارغ من الولد، يعني لم تحمل منه حتى لا يحدث اختلاط أنساب؛ لأنه إذا كان السيد عنده أمة وكان يطأها ممكن الأمة تحمل منه، إذا حملت منه صار في مشكلة عندنا، فلا يصح للسيد الذي يطأ أمته أن يبيعها قبل أن يستبرئ رحمها، يتأكد من خلو رحمها من الولد حتى لا يحدث اختلاط أنساب. لو كل هذه الأمة بدها تنتقل من يد إلى يد لآخر وكل واحد يطأها، ثم بعدين نكتشف أنها حامل، لمين الولد هذا؟ سيعرض اختلاط أنساب، والشريعة حافظت على الحدود، لا يصير اختلاط الأنساب، لا بد نعرف.
الشريعة تقول للسيد الذي عنده أمة يطأها: إذا أردت أن تبيعها في يوم من الأيام يجب أن تستبرئها، يجب أن تستبرئها بحيضة. إذا حاضت حيضة هذا يسمى استبراء للأمة، إذا حاضت حيضة هنا نتأكد أنها ليست حاملًا، بالتالي يحق للسيد أن يبيعها. فإذا قال السيد: لا، أنا مستعجل على البيعة، بدي أبيع هذه الأمة التي أطؤها قبل أن أستبرئها بحيضة، بنقول له هذا حرام.
طيب هل يصح عقده مع الحكم بحرمته؟ قال الحنابلة: نعم، لكنه يصح. يعني أنت الآن أيها السيد مصر ترتكب الحرام، هل نقول عقدك صحيح من حيث الحكم الوضعي؟ نقول نعم، عقده صحيح وتنتقل الأمة لهذا المشتري الجديد، وسنطالب المشتري أن يستبرئها، بنقول للمشتري: ترى عليك أن تستبرئها لأن البائع لم يستبرئها، فالمشتري نطالبه بأن يستبرئ، فالعقد صحيح لكن البائع آثم.
«والأمة التي يطؤها». الآن إذا كان هو عنده أمة لا يطأها، يعني رجل عنده أمة لكنه قال أنا مكتفي بزوجتي، لا أريد أن أطأها، هو حر في ذلك، فهذا له أن يبيع قبل أن يستبرئها ما عندنا مشكلة. لكن المشكلة في هذا النوع؛ السيد الذي عنده أمة ويقوم بوطئها، إذا أراد أن يبيعها عليه أن يستبرئها قبل أن يبيعها بحيضة ليتأكد من براءة رحمها، فإن باعها قبل أن يستبرئ فهو فعل حرامًا لكن عقده صحيح.
هكذا نكون انتهينا من الصور الثلاث التي ذكرها تحت البيوع المحرمة ولكنها تصح. سيختم الآن هذا الفصل بهذه الفائدة: قال: «ولا يصح التصرف في المقبوض بعقد فاسد ويضمن هو وزيادته كمغصوب».
الآن هذه الفائدة تتعلق بالنوع الأول من البيوع المحرمة وهي البيوع الباطلة، لكنها في الحقيقة لا تتعلق فقط بالبيوع الباطلة بسبب وصف خارجي، بل تتعلق بكل بيع باطل، سواء كان البيع باطلًا لوصف خارجي تعلق بعقد البيع، وهي المسائل التي تكلمنا عنها الآن، أو كان البيع باطلًا لاختلال ركن من أركانه أو شرط من شروطه السابقة؛ لأن البيع يبطل إما لاختلال ركن من أركانه، أو اختلال شرط من شروطه السبعة السابقة التي ذكرناها في المحاضرة السابقة، وقد يبطل البيع لوصف خارجي تعلق به مثل المسائل الخمس التي تكلمنا عنها اليوم. فالبيع بطلانه له أسباب عديدة: إما اختلال ركن من أركانه الثلاث، أو اختلال شرط من شروطه السبعة، أو لوصف خارجي تعلق به.
إذا بطل البيع، طبعًا كلمة باطل في هذا الباب واحدة؛ كلمة باطل وفاسد في هذا الباب نفس الشيء. في الحج كان هناك فرق، كان هناك فرق بين الحج الباطل والحج الفاسد؛ فالحج الباطل هو الحج الذي ارتد فيه صاحبه، فهذا يخرج منه مباشرة، وهناك حج فاسد وهو الحج الذي وقع فيه الوطء قبل التحلل الأول، فهذا عرفنا أنه في الحج فاسد، ومعنى فاسد أنه عليه أن يكمل المشوار للآخر وعليه أن يقضي. فكان هناك فرق بين الحج الباطل والحج الفاسد، كلمة باطل وفاسد كانت تختلف.
ستأتي معنا برضه هذه الفكرة إن شاء الله في كتاب النكاح أيضًا، لكن في باب البيوع، الحمد لله الأمور مريحة. كلمة باطل وفاسد نفس الدلالة عندنا. فقول الشيخ: «ولا يصح التصرف»، كلمة التصرف هذه كلمة منتشرة في كتب الفقه، لما يقول لك التصرف هذا يشمل جميع العقود؛ المراد بها جميع العقود. يعني لما يقول ولا يصح التصرف، يعني لا يصح أن تجري أي عقد أو تقوم بأي إجراء.
التصرف المراد به هنا إجراء العقود، وهذا هو في العادة معنى هذه الكلمة في كتب الفقه. فإذا قال لا يصح التصرف، يعني لا يصح أن تجري أي عقد أو أي معاملة مالية بالمقبوض بعقد فاسد، فإذا البائع والمشتري عقدوا عقدًا باطلاً فاسدًا، والله أعلم ما سبب بطلانه أو فساده، ممكن الاختلال ركن، أو الاختلال شرط، أو لأمر محرم بوصف خارجي.
فإذا البائع والمشتري أنشأوا عقدًا فاسدًا باطلًا، فما قبضه البائع من الثمن وما قبضه المشتري من السلعة لا يصح، لا يصح لكل واحد منهما إجراء أي تصرف فيه، يعني لا يصح لهما إجراء أي عقد عليه. فإذا مثلاً البائع باع لمشتري سيارة، والمشتري سلم البائع ألف دينار أو عشرة آلاف دينار، الآن العقد فاسد لسبب من الأسباب؛ المشتري ليس له أن يتصرف، يعني أن يجري أي عقد على هذه السيارة، ما يصير للمشتري أنه يبيع هذه السيارة لشخص آخر، أو أن يهبها لشخص آخر، أو أن يؤجرها لشخص، أو أن يفعل فيها أي شيء. وكذلك البائع لا يصح أن يفعل في الثمن أي شيء، ما يصير يقرضه، ما يصير يهبه، ما يصير يوصف فيه أي تصرف من التصرفات؛ فإذا كان عقد البيع باطلاً فاسدًا، فالمقبوض من البائع ومن المشتري لا يصح أي شكل من أشكال التصرفات فيه. هذه أول فائدة؛ لا يصح، يعني يكون باطل أي تصرف راح يعملوه فيها.
الفائدة الثانية: قال «ويضمنه»، ترى هذه الأصل تقول «ويضمنه»، وهذا في بعض النسخ: «ويضمنه هو وزيادته»، كما يضمن المغصوب. الآن أيضًا أضيف هذا الحكم الثاني الذي يتعلق بالبيوع الفاسدة، اكتبوا عندكم: البيوع الفاسدة التي هي الباطلة لها حكمان: الأول لا يصح التصرف في المقبوض من كلا الطرفين، والثاني كل طرف يضمن ما قبضه ضمانًا تامًا ويضمن زيادته المتصلة والمنفصلة.
ما معنى هذا الكلام يا شيخ؟ الآن عرفنا أنه كل طرف لا يصح له أن يتصرف في الذي قبضه، وكذلك كل طرف يضمن ما قبضه. الآن المشتري قبض السلعة فهو الآن ضامن لها، يعني إذا تلفت السلعة تحت يد المشتري، فعليه أن يردها؛ أن يرد مثلها إن كانت مثلية للبائع، أو يرد قيمتها للبائع إن لم تكن مثلية. وكذلك الأمر بالنسبة للبائع؛ باع الآن فقبض الثمن، الثمن يضمنه البائع، فإذا تلف الثمن عند البائع فإنه يضمنه للمشتري إن كان مثليًا بمثله، وإن كان قيميا بقيمته.
ويضمن الزيادة أيضًا، الآن بعض السلع يحدث فيها زيادات، والزيادة على نوعين: هناك زيادة متصلة بالسلعة وهناك زيادة منفصلة عن السلعة. أعطيكم مثالًا على الزيادة المتصلة: أنا بائع بعت لمشتري شاة، العقد حكم عليه أنه باطل وفاسد لسبب من الأسباب، فالآن الشاة مضمونة في يد المشتري، فإذا تلفت الشاة المشتري يضمنها للبائع.
الشاة ممكن وهي عند المشتري، فترة وجودها في يد المشتري قبل أن ترد للبائع ويعلم أن العقد باطل، الشاة عند المشتري سمنت، السمنة في الشاة يسمونها زيادة متصلة؛ لأن السمنة ليست شيئًا منفصلاً عن الشاة، بل هي أمر متصل بجسد الشاة. فهذه تسمى زيادة متصلة، زيادة وقعت في السلعة وهي متصلة بها. فإذا هذه الشاة سمنت عند المشتري، ثم بعد مدة فقدت سمنها، ثم ردها المشتري على البائع، هنا نقول للمشتري: عليك أن تضمن السمن الذي كان في الشاة، لأنك لما رديتها للبائع لم تردها بالسمن الذي وقع بالزيادة التي حصلت، بل رديتها بعد ما خسرت هذه الشاة زيادتها، فيضطر المشتري أن يضمن هذه الزيادة للبائع؛ فيرد الشاة وسيضمن أيضًا قيمة الزيادة. فالمشتري يرد الشاة وسيرد معها فرق الزيادة.
لذلك شبهها بضمان المغصوب؛ سنعرف إن شاء الله في المغصوبات أن المغصوب إذا زاد عند الغاصب ثم فقد هذه الزيادة، فإن الغاصب حينما يرده لصاحبه عليه أن يرده ويرد فرق الزيادة التي كانت موجودة فيه وخسرها. قد تقول يا شيخ الزيادة حصلت عند المشتري، حتى لو حصلت عند المشتري أو عند الغاصب؛ الآن المشتري هو لا يملك في الحقيقة هذه السلعة لأن العقد باطل، فبالتالي أي شيء سيخسر، إذا خسرنا الشاة كلها فإنه يضمنها للبائع، وإذا حصلت فيها زيادة متصلة ثم خسرنا هذه الزيادة المتصلة، فإنه عندما يرد الشاة للبائع يضمن أيضًا مقدار الزيادة المتصلة التي اكتسبتها الشاة.
وكذلك الحال إذا كانت زيادة منفصلة، يعني بعض الأشياء تنتج؛ فمثلاً نرجع لموضوع الشاة، أنا عندي شاة وبعتها لشخص، هذه الشاة عند هذا الشخص سبحان الله أنجبت، ثم مات ولدها، فالآن عرف المشتري والبائع أن العقد باطل وفاسد ولازم يرد، فالمشتري رجع الشاة للبائع، فالبائع يقول له: أنا سمعت أن هذه الشاة أنجبت عندك، أين الولد؟ فقال المشتري: الولد مات. فقال البائع: طب اضمن لي الولد. هذه الزيادة المنفصلة.
لاحظوا لماذا الولد زيادة منفصلة عن أمه؟ لأن الولد منفصل، ليس ملتصقًا بجسد أمه كالسمنة. فهنا المشتري يقول للبائع: فرضًا أنا أخذت منك شاة والعقد باطل فرجعت لك، الزيادة المنفصلة ما علاقتك فيها؟ هنا يقول البائع: لا، الآن في الفقه الإسلامي المشتري يضمن، المشتري يضمن السلعة إذا كان العقد فاسدًا باطلًا، فإن المشتري يضمن السلعة ويضمن للبائع أي زيادة تحصل لها، متصلة أو منفصلة.
إذا خسرت هذه السلعة قبل أن يردها للبائع، فهذا الولد الذي أنجبته هذه الشاة عند المشتري؛ المشتري عليه أن يضمنه للبائع. والفكرة نفسها للبائع، لو البائع قبض شيئًا من المشتري والعقد باطل، فإنه إذا زاد زيادة متصلة أو زيادة منفصلة ثم خسرها، فإن البائع لما يرد الثمن للمشتري عليه أن يضمن الزيادة المتصلة أو المنفصلة التي اكتسبها الثمن عنده ثم خسرها.
ولذلك الشيخ دقيق لما قال: «ويضمن هو وزيادته كمغصوب»، يعني حكم الضمان هنا حكم ضمان الغصب. فمن غصب شيئًا فإنه يضمن هذا الشيء الذي غصبه، ويضمن أي زيادة متصلة أو منفصلة تحدث لهذا الشيء ثم يفقدها؛ وجه الضمان التمام لأن العقد عقد فاسد. فالحقيقة المشتري لا يملك السلعة، والبائع لا يملك الثمن، فعليه أن يرد السلعة بزيادتها المتصلة والمنفصلة، والبائع عليه أن يرد الثمن للمشتري بزيادته المتصلة والمنفصلة.
فإذا رد أحدهما السلعة أو الثمن من دون الزيادة، يعني بعد أن خسرت الزيادة المتصلة أو المنفصلة، عليه أن يضمن مقدار ما تم خسارانه من الزيادة المتصلة كالسمنة أو المنفصلة كالولد؛ اكتبوا عليها مثالًا جيدًا. إذاً البيوع الفاسدة لا يصح التصرف في المقبوض من كلا الطرفين، وكل طرف يضمن لصاحبه ما قبضه ضمانًا تامًا؛ لأنه قال: «هذا عندك يدك عليه، الضمان تام إذا حدث في أي تلف بدك ترده ويضمن زيادته المتصلة والمنفصلة». ففي حال تمت خسارة هذه الزيادة ينبغي أن تُضمن.
جيد، الحمد لله. الآن بعد ذلك سينتقل لباب جديد، لكن أنا أظن الأمور استوت تمامًا عند أحبابي الطلبة. نلتقي في مجلس آخر إن شاء الله، وأنا حريص أن نسرع في المسير، لكني حريص أيضًا أن تستفيدوا وأن يتم توضيح المعلومات بالأمثلة؛ فكتب البيوع أو كتب المعاملات عمومًا لا تتضح إلا بالأمثلة.
أي معلومة لا يتم ضرب مثال عليها يبقى فيها غموض عند الطالب، فأنا أكثر من الأمثلة وهذا سيطيل الوقت قليلاً، لكن بإذن الله هو لمصلحة الطالب في أن يكون فعلاً فهم المسألة. أنا لا أريد طالبًا يفهم المسألة جملة وفيها ضبابية، أنا أريده أن يفهمها في الواقع العملي للحياة، بحيث غدًا لما ينزل لميدان الفتيا ويقابل الناس في حياتهم، من خلال الأمثلة التي أذكرها يسقطها على الواقع ويبدأ يمارس ويطبق.
هذا هو المرجو من الدرس الفقهي، فإذا لم نصل لهذه المرحلة وبقي الطالب لا يحسن المسائل الفقهية على الواقع، ففي الحقيقة هو لم يستفد شيئًا إلا اللهم الثواب بحضور هذه المجالس، إن أخلص وصدق نيته مع ربه. فنسأل الله أن يرزقنا الهمة العالية، وأن يرزقنا الإنابة والتوبة والاستغفار؛ لأنها هي السبيل للدوام والاستمرار في حضور مجالس العلم.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل