بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين. حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة دليل الطالب لنيل المطالب مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله تعالى عليه.
موعدنا اليوم مع باب جديد من أبواب هذا الكتاب المبارك، ألا وهو باب الشروط في البيع. وهنا أذكر نفسي وإخواني، وأنا دائما في بداية المدارس العلمية أحب أن أرفع الهمم لنفسي ولإخواني في ميدان العلم، لأننا في زمن قل فيه الطارقون لهذا السبيل. فلربما طالب العلم حينما يرى قلة في السالكين وطولا في الطريق يشعر بالوحشة ويطلب الأنيس، وها نحن نستأنس ببعضنا بعضا في طريق عظيم شريف مهم هو أساس انطلاق وبعث هذه الأمة من جديد، ألا وهو طريق العلم. فإنه لا يمكن أن تقوم حضارة ولا أمة إسلامية ولا دولة مسلمة ولا مفهوم فكر إسلامي ناضج إلا بعد أن يرتوي كثير من طلبة العلم بالعلوم الشرعية، وأن نؤسس جيلا صالحا من طلبة العلم المتقدمين الذين يعشقون العلم. وهذه هي الفكرة التي أتحدث عنها في مطلع مجلس اليوم: أهمية عشق العلم أحبائي.
العلم في بداية الطريق يكون ثقيلاً على نفس الطالب، وأحيانا يفتر الطالب، وأحيانا ينشط للمجلس العلمي، وأحيانا يكسل، وأحيانا يتقدم وأحيانا يتأخر وهكذا؛ يكون ابتداءً ثقيلاً. لكن صدقوني أحبائي، من واظب على الدرس، وقهر هذه النفس، واستدام حضور مجالس أهل العلم، واستدام التلخيص والمذاكرة، وسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق، وسأل الله عز وجل أن يصرف عنه الصوارف، واجتنب المعاصي قدر المستطاع، وأدام التوبة؛ هذا مع الوقت سيتحول معه العلم من مجرد ثقل وهم إلى عشق مستدام. سيصبح العلم هو النفس الذي يتنفسه، هو الهواء الذي يستنشقه، هي الحياة التي يطلبها؛ لا يعرف يجلس يوما من الأيام من دون أن يكون بين يديه كتاب، أو أن يسمع فائدة علمية، أو أن يحفظ منظومة، أو أن يحقق مسألة. إذا مر عليه يومه من دون شيء من هذه الأشياء شعر بالنقص، شعر بالخلل، شعر بالزلل.
وهذا الذي نبحث عنه في أنفسنا، نحن نسعى أن ننتقل من مرحلة التكلف في العلم إلى مرحلة العشق والراحة والطمأنينة لهذا الباب. عندما أقرأ في سير الأوائل، أقرأ محمد بن الحسن الشيباني حينما كان يصاب بالمرض كان يتداوى بطلب العلم، يشعر أنه إذا مسك كتاباً وبدأ ينظر في مسألة أن المرض تقل آثاره عنه، ينشغل ويذهب كلياً مع هذا. ابن حزم الظاهري رحمة الله تعالى عليه كان يتكلم عن شرف العلم في مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق، ويتحدث أن العلم لو لم يكن له شرف إلا أنه يمنعك عن الخطرات والآمال المضنية التي لا خير يرجى من ورائها، بل يرجى من ورائها الشر، لكفى به شرفًا.
فكان القوم ينظرون إلى العلم على أنه السعادة والراحة والطمأنينة وهدوء النفس، ليس مجرد أنه تحصيل معلومات؛ لا، هو فيه جانب تعبدي، وفيه جانب من العشق، فيه جانب من النهم، فيه جانب من السرور، فيه جانب من التطلع لآفاق جديدة. فوسع نظرتك للعلم يا طالب العلم، لا تظن أن العلم هو مجرد تحصيل معلومات، بل العلم هو راحة النفوس، العلم يصرف عنك الخطرات السيئة، يصرف عنك هموم وأرق الحياة، العلم يفتح لك آفاقًا جديدة، العلم يكسبك الحكمة، العلم يكسبك القرب من الله سبحانه وتعالى، وكفى بذلك شرفًا.
صدقوني أحبابي أن العلم الشرعي لكثير من طلبة العلم اليوم -وهذا أعرفه من حالهم- يشكل لهم صمام أمان أمام الشهوات وأمام المعاصي والذنوب. كثير ممن يطلب العلم ووفقه الله وهداه إلى هذا الباب هو يعلم من نفسه أنه إذا ترك طلب العلم وتكاسل عنه أنه سينشغل بمعصية الله سبحانه وتعالى، وبالنظر الحرام، وبالسمع الحرام، وبالكلام الحرام. فطلب العلم لو نظرت في فائدته وشرفه ونبله وما يحققه للإنسان من الكمال -أقصد الكمال الإنساني- والارتقاء وسمو النفس والهم العالي، العلم شيء رائع جداً بأصنافه المختلفة، وأجلها العلوم الشرعية. فلن تجد سعادة ولا راحة ولا طمأنينة ولا أنسا ولا جمالا في هذه الحياة الدنيا إلا إذا لازمت هذا الثغر وواظبت عليه. فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا المداومة على هذه المجالس، وأن يرزقنا همة، وأن يرزقنا توبة، وأن يرزقنا صدقا وإخلاصا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
موعدنا اليوم كالعادة مع باب جديد كما قلنا، ألا وهو باب الشروط في البيوع. سابقاً أحبائي تحدثنا عن تعريف البيع، وتحدثنا عن أركان عقد البيع، وتحدثنا عن شروط صحة البيع. وسأتحدث ابتداء إن شاء الله عن الفرق بين شروط صحة البيع وعن الشروط في البيع، وإن كنت أشرت إليها مسبقاً. تكلمنا إذاً عن شروط صحة البيع، وتكلمنا أيضا عن بيوع محرمة لوصف خارجي تعلق بها. موعدنا اليوم مع فكرة جديدة أيضا من الأفكار التي تشكل منظومة عقد البيع، ألا وهي فكرة الشروط في البيع.
ابتداء أحبابي دعونا نتكلم ما هو الفرق بين شروط صحة البيع -وهو الباب الذي درسناه سابقا- وبين الشروط في البيع؟ الفرق الأساسي بينهما هو أن شروط صحة البيع تتحدث عن الشروط التي اشترطتها الشريعة المحمدية زادها الله شرفا ليكون عقد البيع صحيحا؛ فهي شروط من الشارع سبحانه، وليس من المتعاقدين. وأما الشروط في البيع فهي بالعكس، هي شروط يشترطها أحد المتعاقدين أو يشترطها كلا المتعاقدين على الآخر. فوظيفتنا في هذا الباب، باب الشروط في البيع، أن ندرس هذه الشروط التي يمكن أن يشترطها أحد المتعاقدين على الآخر، ونعرف ما الذي يصح من هذه الشروط ويقبل في منظور الشارع، وما الذي يرفض من هذه الشروط ويترك في منظور الشارع. هذه هي -أو هذا هو- الفرق باختصار بين شروط صحة البيع، هذه من الله، وبين الشروط في البيع، هذه من المتعاقدين، ونحن ننظر في هذه الشروط التي من المتعاقدين، هل هي مقبولة في منظور الشارع أو ليست بمقبولة.
ننتقل للفقرة الثانية، وهي تقسيم الشروط في البيع. الشروط في البيع -وأنا سأقسم تقسيماً أشمل من التقسيم الذي ذكره الشيخ مرعي رحمة الله تعالى عليه لتكتمل الصورة- تنقسم أحبابي ابتداءً إلى نوعين. الشيخ مرعي قال: وهي قسمان، صحيح لازم -أي يلزم للمتعاقدين، صحيح بالتالي يلزم ما دام اتفقا عليه- وفاسد مبطل للعقد. الآن كلمة مبطل للعقد هذه أريد أن أزيحها قليلاً، فأقول: هي ابتداءً قسمان، صحيح وفاسد. الآن هل الفاسد كله يبطل العقد؟ في الحقيقة لا، هناك فاسد يبطل العقد وهناك فاسد لكنه لا يبطل العقد. بالتالي أحبابي، القسمة الكاملة لهذه الشروط أن نقول: الشروط في البيوع على قسمين؛ شرط صحيح -عرفنا كلمة صحيح هذا حكم وضعي، يعني شرط يترتب عليه أثره في منظور الشارع- وفي المقابل هناك شرط فاسد، يعني لا يترتب أثره؛ شرط لا يترتب أثره اسمه فاسد.
الآن هذا الشرط الفاسد هل دائما يسبب بطلان العقد؟ لو قرأت عبارة الشيخ مرعي ابتداءً فقال: وهي قسمان صحيح لازم وفاسد مبطل للبيع؛ سيذهب ذهنك أن الشروط الفاسدة دائما تبطل البيع. لكن في الحقيقة لا، هناك عبارة أدق من ذلك، لأن الشروط الفاسدة منها ما يبطل البيع، ومنها ما لا يبطل البيع. وهذه أحبائي تظهر فائدة استشراح الكتب والمصنفات العلمية على من درسها وعلى المعلمين وعلى الشارحين. هذا الكتاب وأي كتاب علمي في حياتكم العلمية خذوها مني، أي كتاب علمي دقيق فيه مسائل وتحريرات، الأصل أن الطالب في بداية طلبه لا يقرأ وحده؛ لأنه إذا قرأه وحده قد يسبب له كثير من التشوهات العلمية والخطأ في تصورات المسائل، وقد ترسخ هذه الأخطاء في ذهنه فتبقى معه طوال حياته.
لو جاء طالب قال: أنا أريد أن أدرس دليل الطالب وحدي؛ أقول له لا يصلح ذلك. كتاب أقصر المختصرات أريد أن أدرسه وحدي؛ أقول لا يصلح ذلك. لأن هذه الكتب في النهاية أصحابها المصنفون حاولوا بقدر طاقتهم أن يجعلوها محررة مدققة، لكن في النهاية هو جهد بشري، يغيب عن ذهن المصنف فكرة معينة أثناء تصنيفه للمسألة أو تدوينه لها، قد يقصر ذهنه في بعض الأبواب، قد لا ينتبه أن طريقة تصويره للمسألة قد تسبب خللاً عند الطلبة حينما يقرؤونها بعد ذلك. لذلك هنا يأتي دور أن يكمل بعضنا بعضاً، وهكذا تبقى سلسلة العلم حية في حياة الأمة. هذا العالم الجليل رحمه الله عليه صنف هذا الكتاب، وهو مجهود كبير جزاه الله عنا خير الجزاء، لكن في النهاية كأي مجهود بشري هناك خلل في بعض التبويبات، في بعض المسائل؛ يأتي دور الشارح أن يبين أماكن النقص ويكملها. ثم يأتي من بعدي، فربما يأتي شخص بعدي يسمع شرحي على هذا الكتاب فينقذني في بعض النقاط، فيقول: والله يا أخي إبراهيم هذه النقطة تحتاج إلى تعديل، هذه تحتاج إلى توضيح أكثر. ثم بعد ذلك يأتي شخص يعدل، وهكذا يبقى العلم ينقح ويزاد ويحشى، فيبقى العلم حياً في حياة الأمة.
المشكلة أن بعض المدرسين ما عنده هم إكمال النقص، أو ما عنده هم النقد الأدبي الراقي لبعض الكلمات التي تكون غير محررة في المصنفات؛ خلص هو يقرأ الكلمة يشرحها، غير هيك ما يتوسع، أو ما يعرف يحكي للطالب أنه لا، هذه الكلمة تحتاج؛ يمكن أن تنقد، أو لو أن المصنف رحمة الله عليه توسع أو بين التقسيمات بشكل أوضح. مو هذا النفس النقدي المؤدب الراقي الذي فيه ترحم على المصنف -ليس كما يفعل بعض طلبة العلم الصغار يستعجلون ويتهجمون على المصنفين الأكابر- لا، هذا الشيء ينبغي للمعلم أن ينقله إلى تلاميذه، وهي كيف أنه ينظر في الكتاب ويحرر عبارته وينقدها، لكن بشكل مؤدب مع إعطاء الأصل في العبارة الصحة حتى يثبت خلاف ذلك. فيبقى المدرس يلهم الطالب كيف ينقد لكن بأدب، كيف لا يهجم على العبارة هجوماً، كيف يتأنى في تحليل العبارة وتدقيقها ومعرفة الصالح منها مما يمكن أن ينحى. المهم، الشروط الفاسدة على نوعين: ما يبطل العقد، وما لا يبطل العقد.
سأبدأ معكم بالشروط الصحيحة. الشروط الصحيحة كما قلت لكم الشيخ مرعي سردها سرداً، قال: فالصحيح كشرط تأجيل الثمن أو بعضه، أو رهن، أو ضمن، أو ضم ضمين معين، أو شرط صفة في المبيع كالعبد كاتباً أو صائغاً أو مسلماً، والأمة بكراً أو تحيض، والدابة هملاجة أو لبوناً أو حاملة، والفهد أو البازي صيوداً، فإن وجدت المشروط لزم البيع، وإلا فللمشتري الخيار أو أرش فقد الصفة. هكذا تكلم الشيخ مرعي رحمة الله تعالى عليه عن الشروط الصحيحة، لكن في الحقيقة الأمور تحتاج إلى ترتيب أكثر وأكثر وتكميل بعض الزوايا التي لم يتحدث عنها؛ فأقول: الشروط الصحيحة أحبائي يقسمها الحنابلة إلى ثلاثة أنواع.
أول نوع من الشروط الصحيحة، ولم يتطرق إليه الشيخ مرعي أبداً، اسمه شروط هي من مقتضى العقد ابتداءً. إيش يعني هي من مقتضى العقد؟ يعني هذا النوع من الشروط العقد بحد ذاته يستلزمها ويقتضيها ولو لم يشترطها أحد المتعاقدين، بالتالي لا قيمة لاشتراطها أصالة؛ هي صحيحة لكن لا قيمة لاشتراطها، ليه؟ لأن العقد بحد ذاته يقتضيها. فأنت أيها البائع أو أيها المشتري لو لم تذكر هذا الشرط، عقد البيع بحد ذاته يستلزمه، فلا داعي لهذا الاشتراط.
مثل ماذا يا شيخ؟ مثلا كأن يشترط البائع على المشتري استلام الثمن؛ يقول البائع للمشتري أنا أريد ثمنا، أشترط أن آخذ ثمنا. فهنا نقول للبائع: اشترط هذا أو لم تشترط، هو أصلا عقد البيع يقوم على أنك تأخذ الثمن؛ فهذا شيء طبيعي أنك تأخذ الثمن فلا داعي لأن تشترطه، إذا اشترطته لا قيمة لهذا الشرط، هو صحيح لكن لا قيمة له لأن العقد بحد ذاته يقتضي. أو أن يقول المشتري للبائع: أشترط أن أقبض السلعة، أشترط أن آخذ سلعتي؛ نقول انتقال السلعة للمشتري هذا أيضا من مقتضى العقد. أليس عقد البيع هو انتقال الثمن للبائع والسلعة للمشتري؟ فإذا اشترط المشتري على البائع أن ينتقل المبيع إليه، فهذا أصلا من مقتضى العقد. طيب مثلا يقولون أن يشترط المشتري -وهذه ركزوا فيها مثال مهم- أن يشترط المشتري على البائع أن يرد السلعة إذا ظهر فيها عيب.
هل هذا الشرط له قيمة أم هو أصلاً من مقتضى العقد؟ أعيد: المشتري اشترط على البائع فقال: «أشترط عليك أيها البائع أنني إذا وجدت في السلعة عيباً أن أردها». نقول: هذا الشرط أيضاً لا قيمة له أو لا يحتاج إليه المشتري.
لماذا؟ لأن رد المشتري السلعة إذا ثبت فيها عيب هذا حق له ابتداءً، وهو من مقتضيات ولوازم عقد البيع؛ أن أحد الأطراف إذا وجد في مما قبضه له الحق في رده. فبالتالي اشتراط المشتري هذا أو عدم اشتراطه لا يؤثر. فإذا المشتري أخذ سلعة، أخذ سيارة ووجد عجلات السيارة فيها مشكلة وفيها عيب، جاء للبائع ليردها، فقال البائع: «لا، انتهى، أنت ما اشترطت رد السلعة بالعيب». فنقول للبائع: هو لا يحتاج أن يشترط رد السلعة بالعيب؛ هذا الأمر، وهو رد السلعة إذا ثبت أنها معيبة، هذا من مقتضيات عقد البيع.
شيء بديهي في عقد البيع أنه أحد الأطراف إذا اكتشف أن ما قبضه معيب أن يرده، وله الحق في ذلك، فلا يحتاج المشتري أن يشترط. بعض البائعين عنده هذا التصور، يفكر أنه المشتري ليس له الحق أن يرد السلعة إذا اكتشف فيها عيب إلا إذا كان مشترطاً ابتداءً، أقول له: خطأ، المشتري له الحق في أن يرد السلعة إذا ثبت فيها العيب ولو لم يشترط ذلك، فهذا من مقتضيات العقد.
إذاً النوع الأول من الشروط هي شروط من مقتضى العقد ابتداءً، اكتبوا أمثلة عليها، مثل اشتراط المشتري رد السلعة إذا وجد فيها عيب، فنقول: هذا شرط لا قيمة له. وكذلك كما ذكرت لكم اشتراط المشتري انتقال السلعة إليه واشتراط البائع انتقال الثمن إليه، كل هذه مقتضيات العقد. فهذا الشرط اكتبوا عليه: شرط غير مؤثر ولا يحتاج إليه ولا قيمة له فعلياً لأن ما اشترطه هو مقتضى العقد ابتداءً.
ننتقل للنوع الثاني من الشروط الصحيحة، وهي شروط لمصلحة العقد. النوع الثاني من الشروط ما يسمى شروطاً لمصلحة العقد، وهي التي اهتم الشيخ مرعي -رضوان الله تعالى عليه- في ذكر أمثلتها، كشرط تأجيل الثمن أو بعضه. هذه الشروط هي أن أحد الأطراف أو كلاهما يشترط شرطاً في عقد البيع يعود لمصلحة العقد، والبعض يعبر بأنه يعود لمصلحة هذا العاقد في العقد، عبر كما شئت؛ إما أن تعبر كما يعبر كثير من الحنابلة: شرط يعود لمصلحة العقد.
ما معنى شروط لمصلحة العقد؟ يعني شروط تحقق مصلحة لأحد المتعاقدين أو لكليهما في العقد. مثل ماذا؟ قالوا: مثل اشتراط البائع على المشتري، مثلاً إذا كان المشتري سيدفع الثمن مؤجلاً والبائع سلمه السلعة حالياً، فيشترط البائع على المشتري رهناً. يقول البائع للمشتري: ترى أنا أعطيتك سلعة والثمن مؤجل، فبدي إياك تعطيني رهناً، يا بترهني هذه السلعة نفسها، يا بترهني شيئاً آخر. الآن اشتراط البائع على المشتري رهناً هذا ليس من مقتضى العقد؛ يعني عقد البيع نفسه هل من مقتضاه ومن لوازمه أن البائع يأخذ رهناً؟ لا.
لكن لو أن البائع اشترط رهناً على المشتري، هل يحق للبائع أن يفعل ذلك؟ نعم، لأنه اشتراط الرهن هنا فيه مصلحة تعود للبائع في العقد. ما هي المصلحة؟ أن البائع يستوثق حقه؛ أن هذا الرجل المشتري أخذ السلعة والثمن سيأتي به مؤجلاً، فيقول البائع: أنا والله بدي أستوثق، بدي أحفظ حقي، افرض هذا المشتري غدرني وذهب ولم يعد مرة أخرى، فيقول له: ضع الرهن. الآن اشتراط البائع رهناً هذا حق، أو هذا الشرط صحيح لأن فيه مصلحة تعود للبائع في العقد في نفس عقد البيع، وهو أن يستوثق لثمنه.
كذلك اشتراط ممكن البائع ما يقول بدي رهن، يقول البائع: بدي ضميناً، واحداً يضمن لي إياك أنك ستسد الثمن، أو كفيلاً، واحداً يكفلك أنك سترد الثمن. فهذه كلياتها شروط صحيحة لأنها تتضمن مصلحة للعاقد، وهو هنا البائع في العقد. وفي المقابل ممكن المشتري مثلاً يشترط تأجيل الثمن.
الآن مقتضى عقد البيع -ركزوا حتى تفهموا قضية المقتضى- مقتضى عقد البيع أن البائع يسلم السلعة في المجلس، والمشتري يسلم الثمن في المجلس؛ هذه الحالة الأصيلة الطبيعية، وليست الحالة الأصيلة أن يكون الثمن مؤجلاً أو السلعة مؤجلة، فالتأجيل في السلعة أو في الثمن يحتاج إلى اشتراط واتفاق. فإذا المشتري اشترى سلعة من البائع وقال: «أشترط عليك أن أسلم الثمن بعد شهر»، الآن هذا شرط اشترطه المشتري على البائع، وهو فيه مصلحة؛ مصلحة لمين طبعاً؟ مصلحة للمشتري ابتداءً، يعني في العادة مصلحة هذا الشرط تكون للمشتري لأنه أرفق به أن يسدد الثمن مؤجلاً أو على دفعات. فإذا المشتري اشترط تأجيل الثمن أو أن يسدد الثمن على أقساط فهذا شرط صحيح من النوع الثاني، شرط لمصلحة العقد؛ أي لمصلحة يحققها المشتري لنفسه في عقد البيع في ذات العقد.
طيب، ممكن أعطيك أيضاً مثالاً آخر من جهة المشتري، وهو مثال مشهور جداً كلكم لابد تفهموه، وهو اشتراط المشتري على البائع صفة معينة في السلعة. أنا مشتري اشتريت سلعة، لكني بدي فيها وصفاً محدداً مميزاً أنا أرغب فيه، فأذهب للبائع فأقول: أيها البائع، أريد سلعة، جوال، سيارة، كتاب، طاولة، كرسي، شاشة، لكن أريد فيها وصفاً محدداً هو كذا وكذا. مثلاً أريد سيارة هونداي موديل السنة كذا، الآن هو البائع عنده كثير سيارات من هذا النوع، لكن المشتري يقول للبائع: اسمع، في وصف معين مميز بدي إياه، إنها تكون سيارة موفرة للبنزين، قال: هذا الوصف أهم شيء عندي.
هنا المشتري اشترط في السلعة التي يريدها وصفاً، سيارة توفر البنزين. أو مثلاً اشترى شاشة، فيقول المشتري للبائع: أريد شاشة من عندك، فقال له البائع: ما شاء الله، هنا المحل كله شاشات، قال: اسمع، أريد شاشة فيها وصف معين، شاشة تعمل باللمس بالإصبع، لا أريد إلا شاشة تعمل باللمس بالإصبع، اشترط وصفاً معيناً. فهنا أحبائي البائع ملزم بأن يأتي للمشتري بسلعة يتحقق فيها الوصف الذي اشترطه المشتري، يعني أنت كبائع رضيت بهذا الشرط؟ والله رضيت، إذاً أنت ملزم بأن...
تأتي بسلعة للمشتري فيها هذا الوصف الذي ذكره، فهذا طبعاً هذا الشرط ايش اسمه؟ اشتراط المشتري وصفاً في السلعة اسمه أيضاً شرط لمصلحة العقد، ليه؟ لأن المشتري بهذا الشرط يحقق لنفسه مصلحة من عقد البيع، فهو أيضاً مصلحة من المصالح في عقد البيع.
لذلك ذكره وأطال في ذكره الشيخ مرعي هذا النوع من الشروط، الشروط التي هي لمصلحة العقد، انظروا ايش مثل لها، قال: كشرط تأجيل الثمن أو بعضه. هذا في العادة بيكون من مين؟ من طرف المشتري في العادة. هسه ممكن البائع، يعني شيخ، مش ممكن البائع هو اللي يطالب المشتري بتأجيل الثمن؟ ممكن.
كيف ممكن؟ مثلاً البائع والله عنده سفر، وخايف الآن ياخذ مصاري من عند المشتري، بقولك وين بدي أروح في هي المصاري. فالبائع قال للمشتري: بعطيك السلعة بس أرجوك وأشترط عليك إن الثمن يكون مؤجل لأنه الآن ما بستطيع أستلم مصاري لأني على سفر. ممكن، لكن مش الحالة المعتادة، خلينا نمشي على الحالة المعتادة إنه اشتراط تأجيل الثمن أو اشتراط تأجيل بعض الثمن ممكن يكون هذا في العادة يكون شرط من جهة المشتري.
في المقابل اشتراط رهن أو ضمين معين، هذا في العادة يكون من جهة البائع، إنه البائع ببيع سلعة والمشتري بيكون مثلاً اشترط التأجيل، فالبائع بقول: ممتاز، أنت يا مشتري اشترطت التأجيل بس أنا كبائع بدي أحفظ حقي فأشترط منك رهنًا، أن تأتي برهن معين ترهنه عندي حتى أحفظ حقي، أو ضمين، جيب إنسان يضمنك أو يكفلك حتى أستطيع أن أحفظ حقي. فهذا كله شروط لمصلحة العقد.
قال: أو شرط صفة في المبيع، اللي هو ما ذكرناه قبل قليل، أن يشترط المشتري صفة في السلعة التي يريدها، ثم ذكر أمثلة كثيرة كالعبد كاتباً. في زمان لما كان هناك عبيد، ممكن المشتري يجي عند البائع فيقول: اسمع أيها البائع، أنا أريد منك عبد، أنت ما شاء الله بياع عبيد وبدي منك عبد، بس اسمع أيها البائع، أريد هذا العبد والله كاتب.
الآن إخواني، الحالة الأصلية للعبد يعني لما تقول للبائع: أريد عبداً من دون ما تشترط هذه الصفة. العبد مثلاً البائع ورجاك عبد من العبيد اللي عنده قالك: هي عندي كمشة عبيد، خذلك واحد منهم. أنت شفت واحد وأخذته وروحت فيه على البيت. هسا المشتري لما ذهب بهذا العبد على البيت وما كان اشترط أن يكون كاتباً، والله وصل البيت قال للعبد: يلا اكتب، فالعبد قال له: ما أنا بكاتب، أنا بعرفش أكتب.
الآن هل المشتري له الحق إنه يرجع على البائع ويقول والله أنا بدي أرجع العبد العبد طلع ما بيكتب؟ الآن هنا ليس له الحق، ليه؟ لأنه البائع بده يقول له الوضع الطبيعي في العبد أنه ما بيكتب، وأنت ما اشترطت أن يكون كاتباً، فأنت رأيت السلعة بنفسك وشاهدتها ولمستها، فالبيع هنا بالمشاهدة كما ذكرنا، ولم تشترط فيه أن يكون كاتباً، فأنا أعطيتك إياه بالمشاهدة وسلمته، أنت لم تشترط أن يكون كاتباً، فأنا ما خدعتك بشيء.
لو أنت أيها المشتري اشترطت أن يكون كاتباً، فأنا بعتك عبد وخرج العبد غير كاتب، أنا هنا كبائع بكون أخلفتك، أما إذا أنت مش مشترط هذا الشرط، فأقول هذا الوصف ليس من مقتضى العقد، فأنا بعتك عبد وأنت لم تشترط فيه وصفاً معيناً، فبالتالي ليس لك أن تقول لي والله عبدك معيب. متى بتقدر تقول لي؟ لما تكتشف أنه أنت اشترطت وصفاً وأنا ما أعطيتك هذا الوصف اللي اشترطته.
كذلك مثلاً أن يكون العبد صانعاً، والله عنده صنعة، لأن الأصل في العبيد أنه ما عنده صنعة، هي حالته الطبيعية، أو أن يكون مسلماً، لأنه ممكن يكون العبد كافراً، فالمشتري يقول للبائع أنا أريده مسلماً مثلاً، والأمة بكراً أو تحيض. الأمة ممكن الآن إذا أنا مشتري اشتريت أمة من بائع إماء.
طبعاً إخواني ممكن البعض يستثقل بقول يا شيخ يعني أمثلة العبيد والإماء، يعني هو في وقتنا الحاضر. إخواني أولاً هذه الكتب التي كتبت كتبت في زمن كان فيه هذا المفهوم قائماً وحاضراً، هذه أول فكرة، فلا تلوم هذا الرجل على ما يذكر أو هذا الإمام على ما يكتب، أنه هو في زمن كانت فيه هذه القضية موجودة.
يعني هذه القضية يا إخواني ما انتهت إلا من مئة سنة، حتى أن البعض يقول لي إلى الآن -وأنا لم أشاهد لكن البعض قال لي- أن هذه القضية لم تنتهي إلا الآن، بل هناك بعض المناطق في موريتانيا وفي بعض المناطق في اليمن، إن صحت، أنه يوجد هذا المفهوم ما زال قائماً ويتوارثونه جيلاً بعد جيل، يعني يوجد مفهوم العبيد والإماء ما زال قائماً.
أنا الآن ما بدي أتكلم في هذا الموضوع أو ما الآن هو قائم مش قائم مش موضوعي، أنا موضوعي أن يفهم الطالب لماذا هؤلاء الأئمة يكثرون من قضية العبيد وأحكامهم والإماء وأحكامهم وتذكر في كثير من المسائل في البيوع والمعاملات لأنها قضية كانت شيء واقعي. كيف نحن في زمننا السيارات والإلكترونيات هي دائماً نمثل عليها، في زمنهم العبيد والإماء هذا من أهم السلع التي يمثل عليها، من أهم السلع. فلا تلوم القوم على هذه الأمثلة وأنت تستطيع أن توظف هذه الأمثلة وتسقطها على واقعك المعاصر في أشياء أخرى. فلا تلوم هذه الفكرة حتى بعض يقول يا شيخ ايش هذه الأمثلة؟ هذا هو الموجود.
طيب، المهم قال: والأمة بكراً، الآن في زمنهم كانوا يبيعون الإماء، فإذا المشتري جاء إلى البائع فقال أريد أمة، الآن إذا قال أريد أمة بقوله هي عندي إماء وخذ اللي بدك إياه، فالمشتري أخذ أمة وذهب بها. الآن إذا ذهب بها إلى بيته وأراد أن يطأها فوجدها ثيباً ليست بكراً، هل للمشتري أن يعود على البائع ويقول يا بائع أنا وجدت هذه الأمة ثيب ما بدي إياها، بدي أردها فيها عيب؟ هنا البائع بقوله لا وقف، كونها ثيب ولا بكر هذا الشيء أنت ما اشترطته.
شيء ما اشترطته ابتداءً، أنت قلت لي بدي أمة قلت لك هي أمة، وليس من عيوب الأمة أن تكون ثيباً، ليس عيباً هذا جسدي، لا أبداً في عرفهم، ليس عيباً جسدياً ركزوا. هنا الأوصاف التي يشترطها المشتري على البائع عدم وجود هذا الوصف ليس عيباً، لأنه إذا كان عدم وجود هذه... ركزوا فيها جيداً، انتبهت عليها، بسم الله، خلوني أشرب ماء قبل ما أذكرها، بسم الله، الحمد لله.
ركزوا معي إخواني، لما نقول أن المشتري يشترط على البائع صفة في السلعة، الآن فقدان هذه الصفة هو ليس عيباً في السلعة، هذا شرط. ليه؟
لأنه إذا كان فقدان هذه الصفة هو عيب في السلعة، فأصلًا حتى لو لم يشترطه المشتري يجب على البائع أن يوفر السلعة خالية من هذا العيب. وإذا استلم المشتري هذه السلعة فوجد فيها هذا العيب له أن يرد السلعة على البائع؛ لأنه من مقتضى العقد أن المشتري يرد السلعة على البائع إذا كان فيها عيب، مش هيك حكينا في الحالة الأولى؟
فبدنا نفهم ما معنى أن يشترط المشتري صفة في السلعة؛ أنه السلعة من دون اشتراط هذه الصفة ما فيها عيب، السلعة لو فقدت هذه الصفة ما بتكون معيبة، مقبولة. فإذا المشتري لم يشترط هذه الصفة على البائع والبائع باعه سلعة سليمة لكن لا توجد فيها هذه الصفة، هنا ليس للمشتري أن يعود على البائع ويقول: لا والله أنت ما أعطيتني هذه الصفة، فالبائع بيقول له: أنا سلمتك سلعة سليمة، بس المواصفة بدك إياها أنت هذه مواصفة زائدة.
فإذا كنت تريدها وترغبها بدك تشترطها، إذا لم تشترطها أنت الذي خسرت، يعني أنت هي مشكلتك ليست مشكلتي أنا كبائع. فهنا كما قلت لكم إذا أنا أريد أن أشتري أمة، الآن الأمة ليس عيبًا فيها أن تكون بكرًا أو ثيبًا، بس إذا أنا أرغب أن تكون بكرًا بدي أشترط على البائع، إذا ما اشترطت الحق علي ساعتها. فهمتوا هذه الفكرة؟ حتى لا تقولوا طب ما هو الوصف إذا ما وجد مش عيب؟ لا، هو مش عيب؛ لأنه هذا الوصف زائد على حالة السلامة. هذه جدًا مهمة الفكرة حتى لا تخطئوا.
والأمة بكر أو تحيض، ممكن المشتري يقول للبائع: أنا أريد أمة تحيض، إذا البائع أعطاك أمة ما بتحيض، والله بترجع للبائع. إذا أنت كمشتري ما اشترطت هذه الصفة، فكون الأمة تحيض ولا لا تحيض هذا ليس عيبًا فيها.
قال: وكذلك اشتراط الدابة هملاجة، يعني اشترى فرس أو دابة قال أريدها هملاجة، يعني سريعة المشي، مثل اليوم سيارة أريدها سريعة المحرك. أو أريدها لبون، اشترى دابة مثل غنم أو بقر أو ناقة قال أريدها لبون، يعني بدي إياها ذات لبن كثير. هنا لاحظ هذا شرط زائد، إذا أنا بعتك دابة ووضعها طبيعي، عندها لبن مقبول زيها وزي غيرها، وأنت لم تشترط أن تكون لبون، ما إلك ترد علي السلعة وتقولي والله هذه مش لبون. لكن إذا أنت اشترطت أيها المشتري أن تكون لبون، والله هنا حقك أن تأخذ لبون، فإذا أخذت شاة أو ناقة ووجدتها مثلها مثل غيرها، لا لبون ولا حاجة، في هذه الحالة تردها على البائع إذا أحببت.
فهذه كلها إذا شروط لمصلحة العقد، ومنها كذلك إذا الدابة هملاجة أو لبون أو حامل، ممكن المشتري يقول أنا بدي دابة حامل، ما بدي إياها ليست حامل، لأنه بده يضرب عصفورين بحجر. مثلاً فهد أو بازي، ممكن يريد أن يشتري فهد أو بازي، البازي طائر من الطيور التي يصطاد بها، فإذا المشتري جاء على البائع وقال له: أنا بدي أشتري منك فهد أو بازي بس بدي إياه صيود، يعني معلم في الصيد ليس مبتدئ، فمن حق المشتري أن يأخذ فهدًا صيودًا أو بازيًا صيودًا.
قال: فإذا وجد المشروط. تكلمنا إذا عن الشروط التي لمصلحة العقد، سواء ممكن يشترطها البائع مثل قضية الرهن والكفيل والضمين، أو ممكن يشترطها المشتري كاشتراط المشتري وصفًا في العقد أو اشتراطه تأجيل الثمن أو بعضه. الآن هذه الشروط كما ذكرناها التي تسمى شروطًا لمصلحة العقد، الأصل فيها أن توفى من الطرف الآخر، فإذا الطرف الآخر لم يوفِ بهذه الشروط، فللمشترط الذي اشترطها إما أن يفسخ العقد ويقول: والله أنا عملت هذا العقد معك على شرط من شروط مصلحة العقد وأنت لم توفِ به، إذاً أريد أن أفسخ العقد ويرده، وله الحق هو نفسه أن يقبل إمرار هذا العقد وتكميله ويغض الطرف عن الشرط الذي اشترطه.
هذا ابتداءً، الآن سأذكر بالنسبة لقضية اشتراط المشتري صفةً في المبيع، حالة تفصيلية أخرى أدق، لكن أنا أتكلم الآن في الجملة؛ الشروط التي لمصلحة العقد يشترطها البائع على المشتري أو المشتري على البائع، الحالة العامة لها إنه المشترط اشترط شرطًا لمصلحة العقد، نقول هذا شرط صحيح، الطرف الآخر وفى به أنعم به وأكرم والعقد تم وماشي الأمور، الطرف الآخر لم يوفِ به، فبنحكي للمشترط بنقول له: اسمع الطرف الآخر لم يوفِ ما اشترطته، إما إنك تفسخ عقد البيع وترد، وإما إنك تمشي هذا العقد وتغض الطرف عن الشرط الذي اشترطته، أنت مخير بين هذا وهذا.
لكن بالنسبة لاشتراط المشتري وصفًا في السلعة فيها تفصيل أكثر، وهو الذي ذكره الشيخ مرعي فقال: «فإن وجد المشروط لزم البيع، وإلا فللمشتري الفسخ أو أرش فقد الصفة». الآن هذا كلام عن هذا الشرط بحد ذاته، كلام الشيخ مرعي هنا عن هذا الشرط بحد ذاته وليس عن الشروط التي لمصلحة العقد في الجملة، هو يتكلم عن هذا الشرط بحد ذاته وهو نوع من أنواع الشروط التي لمصلحة العقد، شرط المشتري وصف معين في السلعة.
فهذا فيه تفصيل أكثر، فيقولون إذا اشترط المشتري وصفًا معينا في السلعة، إذا وفى البائع بهذا الوصف، يعني المشتري قال أريد عبدًا كاتبًا فالبائع أعطاه عبدًا كاتبًا زي ما بده، تمام وفى البائع، إذا العقد صحيح وتم والأمور تمام. إذا البائع لم يوفِ، المشتري اشترط العبد كاتبًا فالبائع أعطاه عبدًا ليس كاتبًا، إذا ما وفى بهذا الشرط ما هي النتيجة؟ هنا بنقول للمشتري: البائع لم يوفِك الصفة التي اشترطتها، فأنت بين خيارين؛ إما إنك تفسخ عقد البيع وتقول للبائع: أنت لم توفني شرط الصفة التي اشترطتها فخذ عبدك وأعطني المال، وله حق الفسخ، وله حق آخر أو خلينا نقول خيار آخر أنه يقبل إمضاء البيع ولكن يأخذ أرش نقص الصفة.
يسمى أرش نقص الصفة؛ الأرش هو الفرق بين قيمة هذا العبد وهو فاقد لهذه الصفة وبين قيمته وهو يمتلك هذه الصفة. خليني أقرب لك شو يعني كلمة الأرش، طبعًا الأرش سنبحث أكثر ونفهم طريقة حسابه بصورة دقيقة إن شاء الله لما نتكلم عن خيار العيب في الخيارات السبع إن شاء الله، لكن الآن فقط بدي أتكلم كلام سريع. الأرش كيف أحسبه في العبد؟ الآن نقول العبد مثلاً قيمته من دون أن يكون كاتبًا 50 دينارًا، إذا كان العبد والله في صفة الكتابة والله بتكون قيمته 100 دينار، جيد؟ الآن إيش الفرق بين الـ 50 والـ 100؟
والله الفرق بين الـ 50 والـ 100 تقريبًا، اللي هو النص، صح ولا لا؟ اللي بيسموها النسبة. اللي هي النص، يعني العبد من دون ما يكون كاتب سعره نصف ما يكون كاتب، إذا كان كاتب 100، إذا ما كان كاتب 50. هذه قيمته السوقية.
فالآن بنيجي على المشتري، بنقول أيها المشتري -لاحظوا الحساب الدقيق- البائع كم باعك العبد الذي اشترطت فيه أن يكون كاتبًا؟ قال: والله يا شيخ باعني إياه بـ 80 دينار. ركزوا. الآن هو قيمته... بدكم تفرقوا بين القيمة، وهذا أمر مهم جدًا، مسائل البيوع كثيرة ولا بد يفهم الطالب، بدكم تفرقوا بين القيمة وبين الثمن.
القيمة هي تقييم التجار لهذه السلعة، بغض النظر هل كان الثمن الذي بيعت به مساويًا للقيمة أو كان أكثر أو أقل. وهذه فائدة، خلوها هون: الثمن ليس هو القيمة. لأنه كثير من الطلاب في ذهنه رابط قضية قيمة السلعة أنها ثمن السلعة، خطأ. قيمة السلعة ليس بالضرورة أن يكون ثمن السلعة.
قيمة السلعة مثلا هذا الكأس قيمته وما يقوّم به عند التجار أنه قيمة هذا المعروفة خمس دنانير. الآن هذه قيمته عند التجار. أنا كتاجر يمكن أبيعه للمشتري بثمن أعلى من قيمته؛ هو قيمته خمسة في عرف التجار، لكن أنا بعته بسبعة، هنا إذًا الثمن أكثر من القيمة. وممكن أنا والله إجاني صاحب إلي عزيز بدي أكرمه، فقلت له اسمع يا صاحبي ترى هذا قيمته خمسة، بس لأنك عزيز علي الثمن الذي سأطلبه منك أقل من القيمة، أعطيني ثلاث، فكأنك سامحته.
فإذًا الثمن ليس هو القيمة. القيمة ما تقوّم بها السلعة في عرف التجار، اكتبوا هذه المعلومات، قلّ أن ينبّه عليها في الدروس الشروحات العلمية: القيمة ما تقوّم به السلعة عند التجار. والثمن قد يكون مساويًا للقيمة، يعني هذه الكأس لو بعتها بخمسة أنا بعتها بقيمتها، فالثمن صار مساويًا للقيمة. إذا بعتها بأكثر من خمسة، الثمن أعلى من القيمة. إذا بعتها بأقل من خمسة، هنا الثمن أقل من القيمة.
جيد؟ فانتبهوا يا رعاكم الله أن الثمن ابتداءً ليس هو القيمة. الثمن هو ما يطلبه البائع من المشتري عند شراء السلعة، والقيمة ما تقوّم به السلعة عند التجار. جيد. المهم هذا العبد قيمته 50، قيمته عند التجار 50 إذا لم يكن كاتبًا، إذا كان كاتبًا حضرته يقوّم عند التجار بـ 100.
فالآن إجا مشتري على بائع، فقال: أريد منك عبد وبدي صفة أن يكون كاتبًا. ممتاز. هسا أنا كبائع للأسف ضحكت على هالمشتري، خلينا نحكي باللغة البسيطة، ضحكت على هالمشتري، أعطيته عبد ما بيكتب، ما بعرفش ولا له دخل في الكتابة، بعته عبد ما بيكتب وأنا عارف إني ضاحك عليه، فقلت له: اسمع أنا هي هذا عبد منيح وكذا وإن شاء الله إنه فيه صفة، بس أنا عارف إنه ما فيه هذه الصفة.
فقال لي المشتري: كم بتبيعني إياه؟ فقلت له: اسمع ترى العبد الكاتب في السوق والله يا أيها المشتري أنه بـ 100 دينار، لكن من أجلك ولأنك إنسان خلوق أنا بدي أبيعك إياه بـ 80 دينار. لاحظوا الثمن أقل من القيمة، قيمته السوقية 100 والبائع باعه بـ 80، بس هو فعليًا لما باعه بـ 80 هو ما باع عبدًا كاتبًا. المشتري مفكر إنه حصل عبد كاتب بـ 80 أقل من القيمة، فراح المشتري على البيت فرحان مسرور يقول لزوجته: حصلت عبدًا كاتبًا بـ 80 دينار، مع إنه قيمته السوقية هذا اللي زيه بـ 100 دينار ما بتجيبيه، هذه قيمته.
فزوجته قالت له ممتاز، خلينا نشوف بيكتب ولا ما بيكتب. والله الزلمة صدقك ولا لأ. بدأ هذا المشتري يقول لهذا العبد اكتب، فإذا بالعبد قال: والله لست بكاتب. انصدم المشتري، فعاد للبائع قال له: أنا قلت لك أريد عبد كاتب، وهذا العبد ليس بكاتب، ها اكتب أيها العبد، العبد قال ما بعرف. هنا البائع تصبب عرقًا وشعر بالإحراج.
فهنا نقول للمشتري: البائع أخلفك الوصف الذي اشترطته، فأنت أيها المشتري بين أمرين: إما أنك تفسخ العقد وهذا حقك، تقول للبائع: خذ عبدك الله يسهل عليه وأعطيني 80 دينار والسلام عليكم، وإما أنك ترضى بهذا العبد وتأخذ أرش نقص الصفة، يعني باختصار تعويض من البائع مقابل نقص الصفة. المشتري ممكن يمشّي العقد إذًا، لكنه يجبر البائع على إعطائه أرشًا، يعني تعويضًا عن نقص هذه الصفة التي اشترطها.
طيب كيف سيحسب هذا التعويض؟ بهذه الطريقة: إنه بنشوف هذا العبد قيمته ليست كاتبًا في السوق كم 50، وقيمة كاتب 100، وننظر النسبة بين الـ 50 والـ 100، والله هي النص. بعد ذلك بعد ما آخذ هذه النسبة بحطها على جنب، باجي بقول أيها المشتري كم الثمن؟ الآن ما بركز على القيمة، بركز على الثمن، بقول للمشتري كم الثمن الذي طلبه منك؟ قال: والله هو طلب مني ثمن 80 دينار. إذا هذه الـ 100 هي القيمة لكن الثمن كان 80.
فنقول ممتاز، هو باعك العبد بـ 80 دينار على أنه كاتب صح؟ هو باعك العبد بـ 80 دينار على أنه كاتب وأنت هيك فكرت، قال: اه والله أنا هيك اقتنعت أنه هو باعني إياه بـ 80 دينار كاتب، ممتاز. إذا قيمة العبد ليس بكاتب 50، وقيمته كاتب 100، والنسبة النصف، بالتالي سنأخذ نصف الـ 80 نسبة وتناسب، ما هي؟ وهي الـ 40.
فهي التي ستكون أرشًا لك، فيلزمك أيها المشتري فقط للبائع 40 دينار، والبائع عليه أن يرد لك 40 أخرى. راح تقول لي شيخ من وين جبت الـ 40؟ ما هي نسبة وتناسب؛ إذا كانت قيمة العبد 50 وهو ليس بكاتب وقيمته كاتب 100 دينار، فأنا آخذ النسبة فقط وهي النصف، فأنظر في الثمن فأقول هو اشترى هذا المشتري المسكين عبدًا بـ 80 دينار على أنه كاتب، فاكتشفنا أنه ليس بكاتب، فالنسبة والتناسب تقول إذا نفس الفكرة أنه نصف الـ 80 كم؟ 40. إذًا هذا هو ثمن العبد الذي يستحقه البائع إذا أراد المشتري إمضاء العقد فقط 40، و40 الأخرى على البائع أن يردها للمشتري أرشًا عن نقص هذه الصفة، يعني تعويضًا عن نقصها.
فالأرش إذا يحسب أحبائي، يحسب بالنسبة. بتشوف القيم السوقية، قيمة العبد أو السلعة عمومًا من دون الصفة، وقيمتها بهذه الصفة، بعد ذلك تأخذ النسبة وتضعها على جنب. تنظر في الثمن الذي تم عليه العقد، هذا الثمن تخصم منه النسبة التي عرفتها سابقًا، فالـ 80، والله النسبة نسبة وجود الصفة من عدم وجودها النصف، إذًا الـ 80 أقسم منها النصف، فيخرج لي كم مقدار الأرش الذي سيدفع للمشتري، اللي هو التعويض، وكم سيمكث عند البائع من الثمن فقط.
هكذا سريعًا نحسب الأرش، طبعًا هذا كله في قضية اختلال هذا الشرط بحد ذاته، اختلال شرط الصفة.
المشتري اشترط صفة على البائع، والبائع لم يوفِ بها، فالمشتري إما أن يفسخ العقد بالكلية، وإما أن يمضي العقد لكن يطلب من البائع أرش نقص الصفة، ويحسب بالطريقة التي ذكرتها لكم.
أحبائي، جيد. الآن بقيت معلومة، وهي فرق بين مسألتين، وركزوا معي جداً الآن. فرق إخواني بين مسألة اشتراط المشتري صفة في السلعة، هذه المسألة التي نتحدث عنها، وبين مسألة سابقة مرت معنا في المحاضرة السابقة، أو التي قبلها، وهي أن يبيع البائع سلعة بالوصف.
إذا تذكرتم في المحاضرات السابقة، لما تكلمنا في شروط صحة البيع، قلنا الشرط السادس كان معرفة الثمن والمثمن. وقلنا معرفة الثمن والمثمن تكون إما من خلال المشاهدة، أنه المشتري يشاهد السلعة، أو من خلال وصف البائع لها، صحيح؟ معرفة السلعة خلينا نقول إما المشتري يعرف السلعة بالمشاهدة وإما من خلال الوصف، وعرفنا أن معرفة السلعة بالوصف إما أن تكون سلعة معينة يريدها المشتري بحد ذاتها، وإما أن تكون سلعة موصوفة في الذمة وليست سلعة معينة.
دعوني أتكلم عن السلعة الموصوفة بشكل عام. السلعة الموصوفة بشكل عام سواء كانت موصوفة من النوع الأول موصوفة معينة، أو موصوفة للمشتري ولكنها ليست معينة، هذا النوع هو السلعة التي بيعت بالوصف. أنا كبائع جاءني مشتري وقال لي: «إيش عندك سيارات؟»، قلت له: «الآن السيارات مش عندي موجودة على طريق آخر أو في مكان آخر، لكن عندي سيارة أصفها لك»، مثال ذكرناه سابقاً: سيارة أصفها لك أنها هونداي نوعية كذا مواصفاتها كذا، فالبائع هنا هو الذي يبيع سلعته بالوصف.
فالمشتري قال: «جيد، هذه السيارة مواصفاتها جيدة وصفتها بشكل جيد، أريدها»، كم؟ قال لي: «خلص أعطيني عليها 10,000 دينار»، المشتري مثلاً وضع 10,000 دينار والبائع جاءه بعد ذلك بهذه السيارة. المشتري أخذ السيارة وذهب إلى بيته، فلما نظر في السيارة وجد أن هذه السيارة تفقد كثيراً من الأوصاف التي وصفها البائع.
فهنا هذا البيع الموصوف، وركزوا، هنا البائع هو الذي ذكر الأوصاف للمشتري، والمشتري اقتنع بها وأراد هذه السلعة أن يشتريها بالوصف وليس بالمشاهدة كما مر معنا سابقاً، فاشتراها وأخذ السيارة بعد ذلك فوجدها ناقصة الأوصاف عما وصفها البائع. في هذه الحالة المشتري إما أن يرد السلعة للبائع، وعرفنا أنه إذا كانت سلعة معينة ليس له أن يطالبه ببديل عنها، وإذا كانت سلعة موصوفة لكنها غير معينة له أن يطالبه ببديل عنها، المهم له أن يرد هذه السلعة للبائع.
يطالب ببديل أو لا يطالب ببديل، هذا يعتمد على أي النوعين. وله، إذا ما بده يرد السلعة، هل له خيار أن يمسك السلعة أيضاً؟ نعم، له الخيار أن يمسك السلعة لكن من دون أن يطالب بأرش. وهذا الفرق الدقيق بين مسألة اليوم وبين مسألة بيع الموصوف.
هذا فرق دقيق؛ أنه إذا المشتري هو الذي اشترط صفة في السلعة على البائع، اللي هي المسألة التي أتكلم عنها اليوم، والبائع أخلف هذه الصفة، هذا الذي نتكلم عنه، أنه المشتري مخير بين أن يفسخ البيع وبين أن يمسك السلعة ويطالب البائع بالأرش، لأن المشتري هو الذي اشترط صفة معينة والبائع أخلف فيها. أما المسألة في الدروس السابقة، وهي مسألة بيع الموصوف بنوعيها، فهنا المشتري ما اشترط صفة، كلا، هنا البائع باع سلعة بالوصف لأن السلعة ليست حاضرة حتى يشاهدها المشتري، البائع باع سلعة بالوصف، سلعة موصوفة.
ثم المشتري استلم هذه السلعة الموصوفة فاكتشف أن الصفات التي ذكرها البائع غير موجودة، فهنا نقول للمشتري: إما أن تمسك السلعة من دون أرش، وإما أن تردها. فإذن في البيع الموصوف بالذمة، المشتري إذا قرر الإمساك ليس له أن يطالب بالأرش، بينما إذا كان المشتري في مسألتنا هو الذي اشترط صفة فالبائع أخلفه، في هذه الحالة للمشتري أن يطالب بالأرش، يرعاكم الله، وهذا فرق دقيق بين المسألتين انتبهوا إليه.
جيد، هكذا أكون انتهيت من الكلام عن النوع الثاني وهي الشروط التي لمصلحة العقد. الآن نذهب للنوع الثالث: اشتراط أحد المتعاقدين منفعة في المعقود عليه. النوع الثالث من الشروط الصحيحة هو اشتراط أحد المتعاقدين منفعة في المعقود عليه، هذا نوع ثالث أحبائي من الشروط الصحيحة أيضاً لكن بضوابط كما سيأتي، وهو أن يشترط البائع أو المشتري منفعة معينة يريد تحصيلها في المعقود عليه، مثل ماذا؟ بالأمثلة يتضح.
قالوا كأن يبيع البائع للمشتري دابة ويقول للمشتري: «اسمع أنا أبيعك هذا الجمل بـ 1000 دينار لكن أشترط منفعة هذا الجمل لمدة شهر»، فالمشتري وافق. البائع قال له مثلاً، خلينا نحكي سيارة: «أنا ببيعك هذه السيارة بـ 10,000 دينار، بس اسمع بدي أشترط عليك شرط»، المشتري قال: «تفضل»، فقال البائع: «أريد أن أنتفع بهذه السيارة لمدة شهر»، المشتري قبل. هل في هذا إشكال؟ قالوا لا إشكال فيه، هنا أحد المتعاقدين وهو البائع اشترط منفعة في المعقود عليه.
أو قال له مثلاً: «أغلبك بدي أبيعك هذه السيارة بس بدي أوصل فيها أمي على المطار»، أو أعمل فيها منفعة مباحة أخرى، ينفع، بس لازم يعين بالضبط شو هي هذه المنفعة التي يريد أن ينتفع بها، لا بد تكون منفعة معلومة التفاصيل. وفي المقابل ممكن المشتري يشترط، كيف؟ المشتري مثلاً اشترى حطباً من بائع، فقال للبائع: «اسمع أيها البائع، بدي أشترط عليك منفعة»، قال: «ما هي؟»، قال: «والله بدي أغلبك، بدي إياك تكسر هذا الحطب»، أنه ما شاء الله كان حطباً كبيراً، قال: «أريد منك تكسيره، فأنا بشتريه منك بالسعر الذي أنت طلبته، ممتاز، بس بدي منك تكسيره»، البائع وافق، قال: «ما عندي مشكلة، بقوم لك بهذه المنفعة»، هل في مشكلة؟ لا.
أو مثلاً المشتري اشترى من البائع قماشاً، وقال للبائع: «اسمع أيها البائع، أنا بدي أشتري منك هذا القماش، بس بدي أشترط عليك منفعة»، قال البائع: «إيش بدك؟»، قال المشتري: «أريدك تخيط لي هذا القماش مع بعضه البعض لهدف»، فالبائع قال: «ما عندي مشكلة». لاحظوا هنا هذه الشروط ليست شروطاً لمصلحة العقد، لا، هذا اسمه شروط لمنفعة يريدها أحد المتعاقدين في العقد. شوفوا البائع لما قال: «والله بدي منفعة السيارة أوصل فيها زوجتي على المطار»، هذا ليس شرطاً يعود لمصلحة العقد بالنسبة للبائع، لا، هو يعود منفعة يريدها البائع في المبيع، أو العكس إذا كان من المشتري، المشتري يريد منفعة يحققها له البائع في المبيع، هي منفعة، فهي ليست لمصلحة العقد بل منفعة يريد أن ينتفع بها أحد الطرفين.
الآن ما حكم هذا النوع الثالث من الشروط: اشتراط أحد المتعاقدين منفعة في المعقود عليه؟ الآن إخواني، في الحقيقة هذا النوع من الشروط...
له ضوابط، وأنا أريد أن أذكرها لكم. هذا النوع من الشروط، النوع الثالث: اشتراط أحد المتعاقدين منفعة في المعقود عليه، له ضوابط. طبعًا انتبهوا، قد أحيانًا بمثل دائمًا على السلعة، لكن الثمن نفس الشيء؛ ممكن البائع يطلب من المشتري منفعة في الثمن، أو المشتري -خلينا نقول الآن بما أنه الثمن رايح للبائع، نقول العكس- ممكن المشتري يطلب من البائع منفعة في الثمن، يكون الثمن شيء معين والمشتري طلب فيه منفعة قبل أن يسلمه للبائع ووافق البائع، نفس الفكرة. الفكرة تطبق على السلعة وعلى الثمن، لكن نحن في العادة نمثل على السلعة لأنها أسهل عليكم.
المهم هذا النوع الثالث إخواني من الشروط، اشتراط أحد المتعاقدين منفعة في المعقود عليه له ضوابط حتى يكون صحيحًا مقبولًا، فهو ليس مقبولًا على الإطلاق. ما هي هذه الضوابط؟ اكتبوا عندكم:
واحد: لا يصح الجمع بين شرطين من هذا النوع في عقد البيع الذي نتكلم عنه، لا يصح الجمع بين شرطين من هذا النوع، معكم فقط أيها المتعاقدان شرط واحد فقط من هذا النوع. الآن الأنواع السابقة ما عندنا مشكلة؛ الشروط لمصلحة العقد، والشروط لمقتضى العقد، اشترطوا زي ما بدكم، مائة شرط ما عندنا مشكلة، لكن بالنسبة لاشتراط أحد المتعاقدين منفعة في المعقود عليه، فليس إلا شرط واحد.
لماذا؟ لأن النبي ﷺ قال: «لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع»، هذه هي اللفظة: «ولا شرطان في بيع». فالحنابلة فهموا هذه العبارة «ولا شرطان في بيع» على هذا النوع من العقود، وهو اشتراط أحد المتعاقدين منفعة في المبيع، قالوا: هذا هو الذي قصده النبي ﷺ في قوله: «لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع»، شرطان من هذا النوع.
فإذا البائع قال للمشتري -وطبعًا لما نقول لا يحل الجمع بين شرطين من هذا النوع سواء من جهة واحدة، يعني إنه البائع يشترط شرطين، أو المشتري يشترط شرطين، أو من الجهتين؛ إذا البائع اشترط شرطًا من هذا النوع والمشتري اشترط شرطًا من هذا النوع أيضًا ما يجوز، فسواء كان الشرطان من جهة واحدة أو شرط من جهة وشرط آخر من جهة، كله لا يجوز، لا بد في كل عقد بيع شرط واحد فقط من هذا النوع، وسيكون بالتأكيد من أحد الأطراف.
فنقول إذًا أحبائي، إذا البائع قال للمشتري، أو خلينا نمثل على المشتري، مثلًا المشتري اشترى حطبًا، فقال للبائع: اسمع يا بائع بدي أشترط عليك شرطين، الشرط الأول بدي إياك تكسر لي هذا الحطب -لاحظوا هذه أول منفعة- والشرط الثاني بدي إياك مثلًا تضبط لي إياه في رزم وتعمل لي إياه بطريقة معينة وترتب لي إياه في مكان معين. طبعًا هذه الأمور ليست شغل البائع، البائع خلص باعك إياه، يحط لك إياه في حزم؛ إذا كان طبعًا هذا ليس عرف بيعها، أما إذا كان عرف بيعها فتكون في حزم، قضية أخرى، لكن أنا أتصور أنه ليس عرف بيعها. فأنت اشترطت على البائع أن يكسر، وهذه وظيفة، واشترطت عليه أن يضعها في رزم، فنقول لك أيها المشتري لا ينفع هكذا، أنت اشترطت شرطين، ولا يصح أن تشترط شرطين منفعة في المعقود عليه، معك شرط واحد، يا تشترط عليه التكسير، يا تشترط عليه أن يضعها في رزم، أما كلاهما فلا ينفع.
أو صورة أخرى، البائع باع سيارة للمشتري، فالمشتري قال للبائع: اسمع أنا بشتري منك هذه السيارة، بدي أشترط عليك منفعة أنك تروح تغسل لي إياها في المغسلة الفلانية. فالبائع قال: ماشي أنا بقبل، بس أنا في المقابل بدي أشترط عليك منفعة يا مشتري، بدي إياك تعطيني هذه السيارة أذهب بها مثلًا شهرًا إلى العقبة وأعود. هنا شرط منفعة من المشتري وشرط منفعة من البائع، اجتمع شرطان أيضًا هذا لا يجوز، فإذا اجتمع شرطان من هذا النوع من الشروط فهذا باطل لا يجوز.
نذهب للحالة الثانية، الضابط الثاني نقول: لا بد وأن يكون اشتراط المنفعة التي سيشترطها أحد الطرفين معلومًا، فإذا كانت المنفعة التي اشترطها مجهولة فحينئذٍ يبطل هذا الشرط ويصح العقد. يعني في هذه الضابطة الثانية إذا اختلت لا تؤثر على صحة العقد لكن يبطل الشرط، وإذا بطل الشرط يصبح هنا لمن اشترطه الخيار.
كيف يعني؟ يعني أنا كبائع بعت السيارة وقلت للمشتري: والله بدي منفعة هذه السيارة خلص بدي إياها، من دون ما أحدد أين بدي أروح فيها، وكم مقدار المسافة التي سأسير بها، وكم المدة التي سأحتاجها. فالمشتري مثلًا قلبه رهيف قال له: خلص ماشي بعطيك منفعتها كم يوم هيك. لاحظوا هنا المنفعة التي طلبها البائع في هذه السيارة غير معلومة، مش معروف بالضبط ماذا سيفعل بها، ولا معروف بالضبط الوقت المحدد لهذه المنفعة، في جهالة، فهنا نقول لا هذا الشرط باطل لا عبرة به، والعقد صحيح، فنبطل الشرط دون العقد.
البائع إذا عرف أن الشرط باطل نعطيه الخيار، لأنه البائع يقول: والله اسمعوا أنتم أبطلتم لي الشرط، بس أنا ما بعت السيارة إلا بناءً على هذا الشرط واكتشفت الآن أن شرطي باطل، فأعطوني الخيار. فيصبح له الخيار إنه يفسخ العقد وينهيه، لأنه خلص شرطه تبين أنه باطل، أو أن يقبل بإمرار العقد من دون شرطه. فنقول إذًا لا بد وأن تكون المنفعة التي اشترطها أحدهما معلومة التفاصيل، فإن كانت مجهولة صح عقد البيع وبطل هذا الشرط ولصاحبه الخيار.
ثالثًا، سأماسيكم فيه حتى لا أشوش عليكم، يحتاج إلى شيء من التفاصيل، لذا سأقتصر على هذين الضابطين: الضابط الأول لا يصح الجمع بين شرطين من هذا النوع، وهذه فكرة واضحة. والشرط الثاني لا بد وأن يكون الشرط الذي يشترطه أحدهما معلوم التفاصيل، فإن لم يكن كذلك صح العقد دون الشرط، لكن في الحالة الأولى في حالة اشتراطهم شرطين من هذا النوع، هنا يبطل العقد ويبطل الشرط. هذا إذًا كلامنا في اشتراط البائع أو المشتري منفعة في المبيع، ودعوني أقرأ كلام الشيخ مرعي فيه، قال: ويصح، لاحظوا الشيخ مرعي ماذا قال؟
ذكر الشيخ مرعي كل شروط الصحة مع بعضها البعض، قال: «ويصح أن يشترط البائع على المشتري منفعة ما باعه». لاحظوا، يصح أن يشترط البائع على المشتري منفعة ما باعه، مثل ما حكينا يشترط البائع على المشتري منفعة في السيارة التي باعه إياها لمدة معلومة؛ لأنه إذا لم تكن معلومة عرفنا الحكم فيها. قال: «كسكنى الدار شهرًا»، أنا بعتك دارًا، بس اسمع، أنا كبائع بدي أسكنها شهر، بتسمح لي؟ المشتري قال: بسمح لك، خلاص بقبل هذا الشرط.
جيد، أو قال: «وحملان الدابة إلى محل معين»، اللي هي مثال السيارة. أو العكس، أن يشترط المشتري على البائع حمل ما باعه؛ المشتري بيقول للبائع: اسمع يا بائع، أنا اشتريت منك والله تنكات زيت، بس أشترط عليك تحمل لي إياهم على ظهرك للبيت. هنا هذا شرط اشترطه المشتري على البائع لمنفعة. قال: «أو تكسيره، إذا كان حطب». جيد، حمل ما باعه أو تكسيره إذا كان حطب. قال: «أو خياطته إذا كان قماش، أو تفصيله». أو تفصيله أيضًا إذا كان قماش، ولات الحنابلة يجعلون الخياطة خدمة وتفصيل الثوب خدمة أخرى، فيصبح هذا شرطًا وهذا شرطًا. فإذا أنا رحت على بائع وقلت له اسمع اشتريت منك قماش بدي إياك تخيط وتفصل، لا لا ما بينفع؛ يا بخيط يا بفصل، الاثنين بطل العقد وبطل الشرط.
الحمد لله، هيك بكون انتهيت من الشروط الصحيحة. الآن ننتقل سريعًا إلى الشروط الفاسدة. الشروط الفاسدة إن شاء الله أمرها أسرع من الشروط الصحيحة؛ الشروط الصحيحة أخذت منا حيزًا من التمثيل وذكر الأحوال والأصول والاستثناءات وما شابه ذلك. وأكد أن العلم يحتاج إلى تدقيق، ولذلك هناك عبارة للإمام الشافعي رحمه الله ذكرها في "الأم" يقول بمعناها -ربما لا تحضرني بلفظها-: أن من طلب العلم فليدقق حتى لا يضيع دقيق العلم، أو من قرأ فليدقق حتى لا يضيع دقيق العلم.
هناك إخواني بعض الناس يدرس العلم بالكيل بالجملة، يعني ما عنده نهم، كل كلمة يضعها على الفرازة. إخواني، الذي يدرس العلم من دون ما يضع كل كلمة يقرأها على الفرازة في الكتب العلمية الرصينة لن يصبح متينًا. كل كلمة بتقرأها في كتاب علمي، خاصة المنظومات والكتب والمصنفات العلمية. الآن كتب المعاصرين كثير فيها حشو، للأسف قل أن تجد كتابًا معاصرًا تعضد نفسك به، أغلبها حشو، بتلاقي الصفحة كلياتها هي كلمتين يستطيع الكاتب أن يختصرها لكن حشو بعد حشو. لكن كتب العلماء، كتب الأقدمين، كل كلمة على الفرازة تحسب، فيا انتبهوا على التدقيق في العلم.
الآن الشروط الفاسدة قلنا على نوعين، هناك شروط فاسدة تبطل البيع، ما هي الشروط الفاسدة التي تبطل البيع؟ الآن الشيخ مرعي رحمه الله ذكر نوعًا منها وأنا سأذكر لك النوع الآخر بإذن الله. الفاسد الذي يبطل، قال: «والفاسد المبطل كشرط بيع آخر أو سلف أو قرض أو إجارة أو شركة أو صرف للثمن، وهو بيعتان في بيعة»، المنهي عنه في حديث النبي ﷺ، وكذا كل ما كان في معنى ذلك؛ في معنى بيعتين في بيعة، مثل أن تزوجني ابنتك أو أزوجك ابنتي، أو تنفق على عبدي أو دابتي.
ما معنى هذا الكلام؟ النوع الأول من الشروط التي تبطل العقد أحبائي هو اشتراط عقد آخر مع عقد البيع. باختصار، اكتبوه: اشتراط عقد آخر مع عقد البيع. إذا أحد المتعاقدين، البائع أو المشتري، اشترط عقدًا آخر مع عقد البيع، فهنا هذا الشرط فاسد والبيع باطل؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا يحل سلف وبيع»، وفي حديث آخر نهى عن بيعتين في بيعة.
نهى عن بيعتين في بيعة، وهذا هو الأساس، الحديث الثاني هو الذي اعتمد عليه الحنابلة. كيف فهم الحنابلة نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة بهذه الطريقة؟ قالوا: معنى نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة أنه لا يجوز أن يشترط أحد المتعاقدين عقدًا آخر مع عقد البيع، أي عقد آخر. كيف يعني؟ يعني أنا الآن عندي سيارة، بعت السيارة للمشتري وقلت له: اسمع، أنا ببيعك هذه السيارة بشرط أن تشتري مني هذا الجوال، هنا أنا بعت السيارة وعملت عقد بيع واشترطت معاه عقد بيع آخر.
أو صورة أخرى: أبيعك هذه السيارة بـ 10,000 بشرط إنك تستأجر داري التي في مكة المكرمة لمدة خمسة أشهر بأجرة 500 دينار فرضًا، هنا البائع باع السلعة واشترط عليه أن يعمل معه عقد إيجار. أو مثلاً ممكن يكون عقد زواج كما ذكر؛ أي عقد: أبيعك هذه السيارة بـ 10,000 بس شرط بدي أتزوج بنتك، أو أنت تتزوج بنتي، بده عقد نكاح معاه، ما بينفع؛ فهنا الشرط فاسد ويؤدي إلى بطلان البيع.
نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة، يعني في صفقة واحدة أنت عملت بيعتين؛ بعت السيارة واشترطت على المشتري إنه يشتري منك شيء آخر. وطبعًا هم وسعوا الدائرة الحنابلة، فهموا العقد بشكل أكبر؛ سواء العقد الآخر الذي اشترطه البائع كان عقد بيع أو عقد إجارة -طبعًا ذكرنا لك الأمثلة- أو عقد سلف، وطبعًا عقد السلف هو نفسه عقد السلم الذي سنوضحه في الدروس القادمة إن شاء الله.
أو ببيعك السيارة بتستقرضني عقد قرض، بدي منك قرض 20,000 دينار، أو إجارة بتعملي إجارة، أو شركة ببيعك السيارة بس تدخل معي شركة عنان أو مفاوضة، ببيعك السيارة بس تعمل أنا وياك عقد صرف -رح نعرف كل أسماء هذه العقود: عقد الصرف وعقد الشركة وعقد القرض وعقد الإجارة وعقد السلم- كلها شروط. أو عقد زواج برضه داخل، قال: أو أبيعك سيارة وفيما هو بمعنى العقد إنه أبيعك هي السيارة مقابل إنك تنفق على عبدي، أو تنفق على دابتي، أو تنفق على زوجتي لمدة سنتين. اشترط عليه النفقة، أصلًا النفقة ليست عقدًا لكنها في معنى العقد هنا أنه ألزمه بالنفقة، لكن دعوكم من قضية النفقة، ركزوا في القضية الأساسية؛ هو اشتراط عقد آخر مع عقد البيع، هذا شرط فاسد ويبطل البيع.
طيب يا شيخ لو كان الطرف الآخر هو من اشترط العقد الآخر؟ يعني البائع قال للمشتري: ببيعك هذه السيارة بـ 10,000، فالمشتري قال: ممتاز، قبلت.
«بس أنا بشترط عليك: إني إذا بدي أشتري السيارة منك، إنك تستأجر الدار مني». لاحظوا، هنا مش نفسه البائع، اشترط عقدًا آخر مع عقد البيع. لا، هنا البائع بده يبيع، والمشتري الطرف الآخر هو اللي اشترط العقد الآخر، ونفس المشكلة بتكون. فالمشتري قال: «اسمع، أنا بشتري منك هي السيارة يا بائع، بس بشترط عليك تستأجر داري، أو تزوجني بنتك، أو أزوج بنتي»، إلى آخره.
كل الأمثلة التي ذكرناها، فاشتراط عقدٍ آخر مع عقد البيع، سواء اللي اشترط هذا العقد هو نفس البائع اللي باع السلعة، أو المشتري، فهذا العقد فاسد والبيع باطل. والدليل نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة، يعني أن تجري عقدين معًا بصفقة واحدة باختصار، وكما يقولون وإن كان تعبير الصفقة الواحدة ليس دقيقًا لكن من باب التقريب جيد. إذًا هذا نوع من الشروط لا يصح ويُبطل العقد.
الآن هناك نوع آخر من الشروط يُبطل العقد ذكرته في المحاضرة السابقة أو قبل السابقة، وقلت لكم الأصل أنه يُذكر هنا، وهو الشرط السابع الذي ذكره الشيخ مرعي في شروط صحة البيع. الآن إذا بتذكروا الشرط السابع من شروط صحة البيع جعله الشيخ مرعي أن يكون عقد البيع مُنجزًا لا مُعلقًا، لكن أكثر الحنابلة لا يذكرون هذا الشرط في شروط صحة البيع، بل يذكرونه في الشروط في البيع؛ لأنه في الحقيقة هو شرط من جهة المشتري أو من جهة البائع، يعني شرط من جهة المتعاقدين، والشريعة تحكم عليه بالفساد وبطلان البيع معه.
فالأصح والأقرب -والله أعلم- مسألة اجتهادية أن يُذكر هنا، فنقول: اشتراط تعليق البيع. وهو نفس الفكرة، الشرط السابع من شروط صحة البيع الذي ذكرناه سابقًا. إذا قال المشتري، أو إذا قال البائع للمشتري: «ببيعك هذه السلعة إن جاء رمضان بـ 1000 دينار»، والمشتري قال: «قبلت»، فاعتبروا هذا عقد بيع، بنقول لهم مش راح ينفع. هذا عقد البيع باطل لأنه اشترط فيه شرطًا فاسدًا وهو شرط التعليق: «أبيعك هذه السلعة إن رضي زيد»، «أبيعك هذه السلعة إن جاء محمد».
أي عقد بيع تم تعليقه من البائع أو من المشتري على شيء في المستقبل يسمى هذا الشرط عقد بيع معلق. يسمى عقد بيع معلق، واشتراط التعليق فاسد ويؤدي إلى إبطال العقد وإفساده. اشتراط التعليق: «إن جاء كذا»، «إن جاء كذا» فاسد ويؤدي إلى إبطال العقد وإلغائه. واستثنينا قضية ماذا؟ استثنينا قضية «إن شاء الله» إن قالها تبركًا لا ترددًا. وهناك استثناء آخر عند الحنابلة في قضية التعليق وهو بيع العربون، لكن ما بدي الآن أدخلكم في قضية بيع العربون، خليكم تركزوا في هذه الأفكار المذكورة بين أيديكم. إذًا الشروط الفاسدة التي تبطل البيع: اشتراط عقد آخر مع عقد البيع، أو اشتراط تعليق البيع.
حتى لا نطيل نذهب للحالة الثانية، شرط فاسد لا يبطل البيع، ما هو؟ قالوا: إن اشترط أحدهما شرطًا يخالف مقتضى العقد. تذكروا في الشروط الصحيحة إيش كان أول نوع من الشروط الصحيحة كتبتموه عندكم؟ الشرط الموافق لمقتضى العقد وقلنا هذا لا أثر له. هذا عكسه تمامًا؛ أن يشترط أحد المتعاقدين شرطًا يخالف مقتضى العقد.
مثل إيش؟ اعكسوا الأمثلة التي ذكرتها هنا. مش حكينا المشتري له أن يرد السلعة بالعيب إذا ثبت فيها؟ لو اشترط البائع على المشتري فقال: «يا مشتري أنا ببيعك سلعة بس ما إلك ترد لي هاي السلعة إذا ثبت فيها عيب»، بنقول هذا شرط مخالف لمقتضى العقد فيُلغى تمامًا، والبيع صحيح. اشتراط البائع أن لا ترد السلعة إذا وجد فيها العيب هذا يخالف مقتضى العقد.
أو المشتري مثلًا قال للبائع: «أنا اشتريت منك هذه السلعة، لكن إذا السلعة ما انباعت معي في السوق أشترط أن أردها»، أو «إذا السلعة ما جابت لي ربح كثير أشترط أن أردها عليك». هذا الاشتراط يخالف مقتضى العقد، لأن مقتضى العقد أنه إذا السلعة راحت للمشتري وما في فيها أي مشكلة والثمن راح للبائع، فإن العلاقة بينهما انتهت، فما يحق للمشتري أن يربط البائع معه، ليس للمشتري أن يشترط هذا على البائع لأن هذا الشرط يخالف مقتضى العقد ومقتضى العقد انتهاء العلاقة بينهما بصحة البيع.
فكذلك مثلًا أجرينا عقد بيع والبائع اشترط إنه تبقى السلعة معه، هذا شرط يخالف مقتضى العقد؛ لأنه ما هي السلعة لازم تنتقل للمشتري. فإذا اشترط البائع أن السلعة تكون معه، هذا شرط يخالف مقتضى العقد. أو المشتري قال الثمن يبقى معي، هذا يخالف مقتضى العقد. أي شرط من الشروط التي تخالف مقتضى العقد، طبعًا أنتم إن شاء الله غدًا لما تجتازوا دورة دليل الطالب وندرس معًا -إن كان في العمر بقية- الروض المربع وتبدؤون تقرأون وحدكم، ستكتشفون الأمثلة الكثيرة التي يذكرونها على هذه القضية، قضية مقتضى العقد. أنا أذكر مثالين لتتضح الصورة ولكن الأمثلة أكثر من ذلك. فإذا اشترط أحدهما شرطًا يخالف مقتضى العقد وطبيعة عقد البيع، فإننا نقول: والله شرطك هذا لا قيمة له أيضًا، والبيع صحيح لا يتأثر بهذا الشرط الذي يخالف مقتضى العقد.
بقيت مسألة أخيرة أختم بها في هذا الفصل، طبعًا هذه الحالة لم يذكرها الشيخ مرعي أصلًا، أنا التي ذكرتها لكم فاكتبوها. بقيت مسألة أخيرة أختم بها هذا الفصل وهو قوله: «ومن باع ما يذرع على أنه عشرة، فبان أكثر من عشرة أو أقل من عشرة، صح البيع، ولكل الفسخ». هذه مسألة نهائية هي لها علاقة بقضية فسخ البيع، ويذكرها الحنابلة عادة في نهاية الشروط في البيع.
وهي وإن كانت في الحقيقة ما فيها موضوع الاشتراط، بل هي مسألة منفصلة تمامًا تستطيع أن تبوبونها فتقولون: مسألة من باع سلعة على أنها بعدد معين، ثم بانت أكثر من ذلك أو أقل، ماذا يحدث؟ صورة هذه المسألة: من باع ما يذرع، ما يذرع يعني ما يقاس بالذراع، ومثله ما...
يقاس بالأمتار أو الدونمات أو ما شابه ذلك، وما يقاس بالذراع مثل الأقمشة. الدونمات والأمتار مثل شخص اشترى أرضًا، فإذا شخص اشترى شيئًا يباع بالذراع أو يباع بالمساحات والدونمات وما شابه ذلك.
بسم الله، من اشترى شيئًا من هذا النوع اشتراه على أن له مقدارًا محددًا أخبر المشتري به، مثلًا اعتبروني أنا إنسان بدي أشتري قماشًا على أنه عشرة أذرع، فالبائع قال: «خلص خذ هي قماش عشرة أذرع»، أعطاني أنا كمشتري أخذته وذهبت به. لما روحت به على البيت قسته، الآن هناك ثلاث احتمالات عقلية: إما أن يخرج القماش فعلًا عشرة أذرع كما قال لي البائع، فهنا الأمور تمام وفي السليم وما في أي مشكلة.
وإما أن يخرج القماش أكثر من عشرة أذرع، يعني هو البائع باعه على أنه عشرة، فأنا روحت الدار اكتشفت أنه اثنا عشر، البائع مسكين شكله ما حسب صح فبان أكثر. الاحتمال الثالث أن يكون أقل، أنه باعني إياه على أنه عشرة فتروحت على الدار وجدته ثمانية، وهذا هو العادي، يعني الباعة في العادة ما بيغلطوا بنقصوا ما بيزيدوا. المهم فالبائع باعني إياه على أنه عشرة فبان أقل.
إذًا هي ثلاث احتمالات: أن يبيعني إياه على أنه عشرة أذرع فأكتشف أنه عشرة زي ما هو تمام، أو باعني إياه على أنه عشرة فخرج أكثر، هذا الاحتمال الثاني، أو باعني على أنه عشرة فبان أقل. الآن إذا بان على أنه عشرة فخرج عشرة، هذه مسألة واضحة ما في أي علاقة بين البائع والمشتري، الأمور تمام. الآن المشكلة إذا بان أكثر أو أقل، هذا الذي يريد أن يتحدث عنه.
فدعوني أتكلم عن الحالة الأولى، الحالة الأولى إذا بان أكثر. هناك حالتان، طبعًا أنتم اكتبوا المسألة عندكم أنا حتى أختصر الوقت، نقول هناك حالتان: الحالة الأولى أن يبان أكثر، أنا اشتريت منه على أنه عشرة، ذهبت للبيت إذا هو اثنا عشر. الآن هنا واجب على المشتري الذي يتقي الله أن يرجع للبائع ويقول: «اسمع يا بائع، ترى أنا اشتريت عشرة منك ودفعت لك مائة دينار فبان لي أنه أكثر، بان لي اثنا عشر».
جيد، الآن هنا البائع له الحق في أن يفسخ، ويقول: «لا والله، أنا بعتك إياه على أنه عشرة، إذا طلع اثنا عشر أنا بدي أفسخ». الآن ابتداءً هل العقد صحيح نقول ولا العقد مش صحيح؟ لأنه السلعة بانت أكثر، لا نقول العقد مش صحيح، نقول العقد صحيح شرعًا، لكن نعطي حق الفسخ، لذلك قال: «صح العقد أو البيع ولكل الفسخ» لكل من الطرفين، يعني البائع.
بعني إياه على أنه عشرة فبان أكثر، اثنا عشر، هنا المشتري بيرجع على البائع لازم وجوبًا شرعيًا فبقول خرج اثنا عشر. الآن هنا البائع له الحق، البائع له الحق أنه يسترد، ويقول له: «يا عمي أنا بعته على أنه عشرة، إذا طلع اثنا عشر بدي أفسخ البيع ورجع لي سلعتي».
هناك حل آخر، أنه ممكن البائع يقول للمشتري: «لا والله، إذا في مترين زيادة أو ذراعين زيادة بدك تعوضني، أنا بعتك إياه على أنه عشرة بـخمسين، الآن بدك الله يعينك تعطيني ستين، بدي منك تعويض». هنا المشتري له الحق يقول: «لا يا عمي أنا ما بديش أدفع تعويض، خذ سلعتك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته». له الحق في ذلك المشتري، لذلك قال: «ولكل الفسخ».
ممكن البائع يفسخ ويقول: «لا يا عمي رد لي السلعة»، وممكن المشتري، الآن المشتري متى بيحل له؟ لما البائع يطالب بتعويض المترين اللي زيادة أو بالذراعين اللي زيادة، المشتري له الحق يقول: «لا، خذ سلعتك وأنا لا أريد أعوضك»، فلكل الفسخ إلا في حالة واحدة. قالوا إذا البائع أعطى المشتري هذه الزيادة مجانًا فليس للمشتري أن يفسخ.
أجينا، المشتري قال للبائع: «اسمع ترى يا بائع أنا اشتريت منك على أنه عشرة بان أكثر»، فالبائع قال للمشتري: «خلص هدية لك، حلال عليك، صار واصل لك مش مرده». هنا البائع أعطى المشتري الزيادة هدية منه تبرعًا، ففي هذه الحالة ليس للمشتري أن يفسخ. إذا البائع أعطى المشتري الزائد مجانًا، ليس للمشتري أن يطالب بالفسخ على مذهب الحنابلة، ليش؟ لأنه ازداد نفعًا، يعني أنت أخذت عشرة بخمسين، طلع أكثر من عشرة، طيب أنت مشتري استفدت أكثر، فليس لك أن تطالب بالفسخ وما ضرك بل هو نفعك أكثر.
جيد؟ إذا بان أكثر الأصل أنه لكل واحد منهما الفسخ، البائع إذا قال رده، بدي أفسخ له الحق، وإذا البائع طالب المشتري بالتعويض المشتري له الحق في الفسخ. الحالة التي ليس للمشتري فيها الحق في الفسخ إذا البائع أعطاه الزيادة مجانًا. هذا بالنسبة للحالة الأولى أن يبان أكثر.
الحالة الثانية أن يبان أقل، يعني المشتري اشتراه على أنه عشرة فبان ثمانية. ما هو الحكم عند الحنابلة في هذه المسألة؟ بسم الله، الآن إخواني يقول الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم: إذا بان ثمانية، الآن المشتري رجع على البائع، فقال: «يا بائع أنا اشتريت منك على أنه عشرة فبان أقل، بان ثمانية»، فالآن العقد صحيح، ولكل الفسخ أيضًا.
كيف يعني لكل الفسخ؟ ممكن المشتري يقول للبائع: «اسمع، أنا لا أريد هذه السلعة، خذ سلعتك بما أنه طلعت أقل ما بدي إياها، خذ سلعتك ورد لي المال والسلام عليكم»، هذا حق المشتري. وممكن المشتري يقول للبائع: «أيها البائع طلعت ثمانية، أنا اشتريت منك إذًا ثمانية بخمسين دينار، وأنا كنت مفكر إني شاري عشرة، فأريد منك أنك ترد لي قسط الذراعين»، يعني أنا اشتريت منك ثمانية بخمسين فعليًا مع إني أنا كنت طالب منك عشرة بخمسين دينار، اكتشفت أنك معطيني ثمانية بخمسين، أريد منك تعوضني، ترد لي جزء من المبلغ تعويض عن هذين الذراعين اللذين فقدتهما.
الآن هل البائع مجبر على ذلك؟ البائع ليس مجبرًا على ذلك، بيقول: «والله يا عمي أنا بعتك إياه أنه عشرة طلع ثمانية، أنا ما بعطي تعويض، يا أنك بتأخذ هالسلعة زي ما هي، يا مش عاجبتك هذه السلعة واكتشفت أنها ثمانية رد لي إياها وبرجع لك كل الثمن والسلام عليكم». فالبائع لا يجبر على التعويض، فله أيضًا حق الفسخ. إذًا المشتري له حق الفسخ، والبائع له حق الفسخ إذا طالبه المشتري بالتعويض مقابل النقص.
وهناك حالة استثنائية ليس للبائع أن يطالب فيها بالفسخ، أظنكم عرفتموها قياسًا على المسألة السابقة، وهي إذا المشتري قبل بالنقص مجانًا، يعني قال للبائع: «اسمع، صح هي طلعت ناقصة، لكنني أنا مسامحك بالنقص، خلص خذ الخمسين حلال عليك وأنا قابل بالنقص»، هنا ما بحق للبائع إنه يحكي للمشتري لا أنا بدي أفسخ.
لأنه المشتري نفع البائع ترى ما ضره، إنه هو البائع الأصل كان باعه عشرة بألف، فطلع باعه ثمانية بألف، فإذا المشتري سامح البائع، إذا البائع ليس له الحق في الفسخ. فلا بد تحفظوا هذه التفاصيل، الشيخ مرعي لم يذكر هذه الأحوال الاستثنائية، سواء إذا بان أكثر أو بان أقل.
الآن لو نقول صح البيع ولكل من الفسخ واضحة، بس بدك تبين إنه إذا بان أكثر ليس للمشتري الفسخ إذا البائع أعطاه الزيادة مجانا، وفي الحالة المقابلة إذا بان أقل ليس للبائع الفسخ إذا المشتري رضي بالنقص مجانا، حتى يكتمل عقد المسألة لديك، وهكذا يتم تعليقنا على هذا الباب.
طبعا مثل مسألة الذراع ومسألة الدونمات؛ أنا اشتريت أرض 100 دونم، اكتشفنا -والله اجت دائرة الأراضي- اكتشفنا أنها أكثر من 100 دونم، اشتريتها 100 دونم بـ 100,000 دينار، اكتشفنا أنها أكثر، والله طلعت 110 دونمات. هنا في زيادة، نفس الشيء؛ المشتري بيرجع على البائع بيقول له: يا بائع ترى أنا اشتريتها 100 بـ 100,000 والله طلعت 110. إذا بدك تعطيني الزيادة مجانا، خلص أنا ما بحق لي أرد، جزاك الله عني كل خير، إذا أعطيتني إياها مجانا، ما بحق لي أفسخ.
إذا ما بدك تعطيني مجانا وبدك تحاسبني على 10 دونمات وبدك إياني أعوض الزيادة، والله أنا ما بعوض، خذ الأرض وأعطيني الـ 100,000 والسلام عليكم. أو ممكن البائع يقول: لا ترى أنا بعتها على أنها 100 دونم، والله طلعت 110، سامحني ما بدي أبيع، رجع لي أرضي وخذ الـ 100,000؛ يحق لكل الطرفين الفسخ في هذه الأحوال.
وإذا بانت أقل، اشتراها 100 دونم اكتشفنا أنها 80، هنا المشتري له الحق أن يرد الأرض تماما ويطلب الثمن، وإذا المشتري طالب البائع بمقابل النقص تعويض مقابل النقص، البائع له حق الفسخ، وأما إذا المشتري رضي بالنقص مجاناً، هنا ليس للبائع الفسخ في هذه الحالة. هكذا إذاً تفهم هذه المسائل التي هي من هذا النوع؛ المسائل اللي فيها رقم، يعني السلعة مبنية على رقم: عشرة أذرع قماش، بعشرة أذرع، صبرة بـ 100 كيلو فبانت أكثر أو أقل، أرض دونمات هكذا فبانت أكثر أو أقل، أي سلعة بيعت برقم فبان أكثر من هذا الرقم أو بان أقل من هذا الرقم، تطبق عليها الأحكام التي ذكرناها.
لا أطيل أكثر من ذلك، أنا كنت مخطط نبدأ بالخيارات؛ خيار المجلس والشرط ونكمل، لكن إن شاء الله سبحانه وتعالى غير ذلك. نسأل الله أن يكون هذا التفصيل وهذا التوسع والتعليق والزيادة على كلام الشيخ مرعي يكون فيها نفع عميق لطلبة العلم.
وفي النهاية هي مجلس عقدناه معكم، فلا بد أن نوفيها حقها من الشرح والتفصيل. وهذه طريقتي أني إذا شرحت شيئاً علي أن أشرحه بما أؤمن شخصياً أنني شرحت، لا أحب أن أشرح شيئاً وأنا غير مقتنع بطريقتي في الشرح وغير مقتنع أنني لم ألم شعث الباب وأكملت رسمه؛ لأنني أشعر أنني لم أؤد الأمانة للطالب. فأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا جميعاً وأن يرزقنا همة على الإكمال، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل