بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَمْدَ الذَّاكِرِينَ الشَّاكِرِينَ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَمَحَجَّةً لِلسَّالِكِينَ، نَبِيِّنَا وَحَبِيبِنَا وَقُرَّةِ أَعْيُنِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مُبَارَكًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
حَيَاكُمُ اللَّهُ أَحْبَابِي الْكِرَامَ إِلَى مَجْلِسٍ جَدِيدٍ نَعْقِدُهُ فِي مُدَارَسَةِ كِتَابِ دَلِيلِ الطَّالِبِ لِنَيْلِ الْمَطَالِبِ، مَعَ الْإِمَامِ مَرْعِيِّ بْنِ يُوسُفَ الْكَرْمِيِّ عَلَى مَذْهَبِ السَّادَةِ الْحَنَابِلَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ. فِي الْمُحَاضَرَةِ السَّابِقَةِ أَحْبَابِي أَهْنَيْنَا الْحَدِيثَ عَنْ مَسَائِلِ الْوَقْفِ، وَالْيَوْمَ مَوْعِدُنَا بِإِذْنِ اللَّهِ مَعَ الْعَقْدِ قَبْلِ الْأَخِيرِ، دَعُونَا نَقُولُ مِنْ عُقُودِ الْمُعَامَلَاتِ، أَلَا وَهُوَ الْهِبَةُ.
وَالْهِبَةُ أَحْبَابِي الْكِرَامِ أَظُنُّ كَمَفْهُومٍ عَامٍ وَمَعَالِمَ عَامَّةٍ وَاضِحَةٌ لَدَيْكُمْ، لَكِنَّنَا نَتَحَدَّثُ عَنْهَا بِالْمَفْهُومِ الْفِقْهِيِّ وَبِالْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي رُبَّمَا تَخْتَلِفُ فِيهَا الْمَذَاهِبُ أَوْ فِي تَقْرِيرِهَا. قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَ أَيْنَ مَوْقِعُ عَقْدِ الْهِبَةِ مِنْ خَارِطَةِ الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ عُمُومًا، دَعُونَا نَعْرِفْ مَفْهُومَهَا؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْمَفْهُومِ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُكَ تَحْكُمُ عَلَيْهَا. وَالْقَاعِدَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي عِلْمِ الْمَنْطِقِ: الْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ؛ فَحَتَّى تَعْرِفَ هَذَا الْعَقْدَ هَلْ أُصَنِّفُهُ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ أَوْ الْإِرْفَاقِ أَوْ التَّوْثِيقِ أَوْ التَّبَرُّعَاتِ؟ يَجِبُ أَنْ أَعْرِفَ مَفْهُومَهُ وَصُورَتَهُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْكُمَ عَلَيْهِ.
فَنَقُولُ الْهِبَةُ أَحْبَابِي الْكِرَامِ كَمَا عَرَّفَهَا الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ: وَهِيَ التَّبَرُّعُ بِالْمَالِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ. الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ اخْتَصَرَ التَّعْرِيفَ جِدًّا وَانْتُقِدَ عَلَى ذَلِكَ، انْتَقَدَهُ ابْنُ عِوَضٍ وَغَيْرُهُمْ، لَكِنَّنِي فِي الْحَقِيقَةِ أَرَى تَعْرِيفَ الشَّيْخِ مَرْعِيٍّ يُعْطِينَا صُورَةً كَافِيَةً عَنْ طَبِيعَةِ عَقْدِ الْهِبَةِ. بَعْضُ الَّذِينَ يُعَرِّفُونَ يُطَالِبُونَ بِذِكْرِ كُلِّ الشُّرُوطِ وَالتَّفَاصِيلِ الْأَسَاسِيَّةِ فِي التَّعْرِيفِ، وَأَنَا فِي الْحَقِيقَةِ أَحْيَانًا أَرَى أَنَّ التَّعْرِيفَ الْمُخْتَصَرَ أَثْبَتُ فِي الذِّهْنِ مِنَ التَّعْرِيفِ الْمُطَوَّلِ؛ وَإِنْ كَانَ التَّعْرِيفُ الْمُطَوَّلُ قَدْ يَكُونُ أَشْمَلَ وَأَثْبَتَ وَأَدَقَّ، لَكِنْ بَعْضُ التَّعَارِيفِ الْمُخْتَصَرَةِ لِكَيْ تُعْطِيَ تَصَوُّرًا عَامًّا عَنْ طَبِيعَةِ الْعَقْدِ تَكُونُ أَسْهَلَ وَأَسْلَسَ لِلطَّالِبِ وَأَقْرَبَ إِلَى ذِهْنِهِ.
وَلِذَلِكَ أَنَا أَعْتَبِرُ كَلَامَ الشَّيْخِ مَرْعِيٍّ مَقْبُولًا حَقِيقَةً عُمُومًا وَيُعْطِينَا تَصَوُّرًا كَافِيًا عَنْ طَبِيعَةِ الْعَقْدِ، بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ نَعْرِفُ تَفَاصِيلَهُ مِنْ خِلَالِ الشُّرُوطِ وَالْأَحْكَامِ الْآتِيَةِ. وَلَاحِظُوا إِذًا أَنَّهُ قَالَ: الْهِبَةُ تَبَرُّعٌ، فَأَخَذَ التَّبَرُّعَ جِنْسًا فِي التَّعْرِيفِ كَمَا يَقُولُ الْمَنَاطِقَةُ، أَخَذَ لَفْظَةَ التَّبَرُّعِ جِنْسًا فِي التَّعْرِيفِ، وَهَذَا سَيَكْشِفُ لَكُمْ عَنْ طَبِيعَةِ هَذَا الْعَقْدِ. فَمَنْ قَرَأَ تَعْرِيفَ الْهِبَةِ بِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ، أَظُنُّهُ سَيَنْكَشِفُ لَهُ أَيْنَ يَتِمُّ تَصْنِيفُ الْهِبَةِ ضِمْنَ خَارِطَةِ الْعُقُودِ.
إِذًا الْهِبَةُ هِيَ مِنْ عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ، الْعُقُودُ عِنْدَنَا: مُعَاوَضَاتٌ، إِرْفَاقٌ، تَوْثِيقٌ، تَبَرُّعٌ، الْهِبَةُ تُصَنَّفُ مِنْ عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ. فَهِيَ عَقْدٌ، وَسَنَعْرِفُ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَقُولُونَ إِنَّ لَهَا عَقْدًا وَهِيَ تَحْتَاجُ إِلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ، فَاحْتِيَاجُهَا إِلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَقْدٌ. لَكِنْ مِنْ أَيِّ الْعُقُودِ هِيَ؟ مِنْ عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ؛ لِأَنَّكَ تُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا تَنْتَظِرُ مُقَابِلًا.
إِذًا قَالَ هِيَ التَّبَرُّعُ بِالْمَالِ، وَكَلِمَةُ الْمَالِ تَشْمَلُ الْأَعْيَانَ وَالْمَنَافِعَ. اكْتُبُوا: الْمَالُ هُنَا تَشْمَلُ الْأَعْيَانَ وَتَشْمَلُ الْمَنَافِعَ، فَيُمْكِنُ أَنْ أَهَبَ مِثْلَ هَذَا الْجَوَالِ لِصَدِيقِي، وَيُمْكِنُ أَنْ أَهَبَ مَنْفَعَةً؛ أَنْ أَهَبَ مَنْفَعَةَ الْمُرُورِ عَبْرَ سَطْحِ مَنْزِلِي أَوْ الْمُرُورِ عَبْرَ مَزْرَعَتِي لِشَخْصٍ مِنَ الْأَشْخَاصِ. فَالْهِبَةُ إِذًا إِمَّا هِبَةُ أَعْيَانٍ وَإِمَّا هِبَةُ مَنَافِعَ. وَالْمَالُ هُنَا هُوَ الْمَالُ الَّذِي يُعْتَبَرُ مَالًا، وَهُوَ الْمَالُ الَّذِي عَرَفْنَاهُ فِي الْبُيُوعِ وَفِي كُلِّ الْمُعَامَلَاتِ. وَكُلُّ مَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ انْتِفَاعًا مُطْلَقًا بِلَا حَاجَةٍ، طَبْعًا هَلْ هُنَاكَ اسْتِثْنَاءٌ مِثْلَ الْكَلْبِ الَّذِي يُقْتَنَى أَوْ بِالنَّجَاسَاتِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا مِثْلَ مَا دُبِغَ مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ وَكَانَ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ حَالَ الْحَيَاةِ وَجَازَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ؟ هَلْ هَذِهِ تَجُوزُ هِبَتُهَا أَمْ لَا تَجُوزُ هِبَتُهَا؟
فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ لَعَلِّي أَذْكُرُهَا فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ، لَكِنَّ الْأَصْلَ الْعَامَّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي تَجُوزُ هِبَتُهُ هُوَ الْمَالُ الَّذِي يَجُوزُ بَيْعُهُ. هَلْ هُنَاكَ أُمُورٌ تُسْتَثْنَى؟ يَعْنِي هَلْ هُنَاكَ أُمُورٌ يَجُوزُ هِبَتُهَا مَعَ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ بَيْعُهَا مِثْلَ الْكَلْبِ الَّذِي يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ وَالنَّجَاسَاتِ الَّتِي يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهَا؟ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ دَاخِلَ دَائِرَةِ الْمَذْهَبِ، لَكِنَّهَا خَلُوهَا اسْتِثْنَائِيَّةً وَلَا نَعْتَبِرُهَا أَصْلًا. وَالْأَصْلُ الْعَامُّ كَمَا قُلْتُ لَكُمْ: إِنَّ الْمَالَ الَّذِي يَجُوزُ بَيْعُهُ هُوَ الَّذِي يَجُوزُ هِبَتُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ هِبَتُهُ. هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْعَامُّ.
إِذًا الْهِبَةُ هِيَ التَّبَرُّعُ بِالْمَالِ لَكِنْ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، هَذَا الْقَيْدُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْقَيْدُ الْمِفْصَلِيُّ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُفَرِّقُ لَنَا بَيْنَ الْهِبَةِ وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ. لِمَ؟ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ هِيَ أَيْضًا تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ، فَالْمُوصِي يَتَبَرَّعُ بِمَالٍ لَكِنَّهُ تَبَرُّعٌ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، تَبَرُّعٌ لَيْسَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ بَلْ تَبَرُّعٌ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ. فَأَنَا عِنْدَمَا أُوصِي بِهَذَا الْجَوَالِ لِصَدِيقِي، مَا مَعْنَى أَنَّنِي أُوصِي؟ يَعْنِي أَنَا أَتَبَرَّعُ لَهُ بِهَذَا الْجَوَالِ لَكِنَّنِي لَا أَتَبَرَّعُ لَهُ بِهِ فِي حَالَ حَيَاتِي، أَتَبَرَّعُ لَهُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِي، هَذَا هُوَ الْفَرْقُ الْأَسَاسُ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ. فَالْهِبَةُ تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ لَكِنَّهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَيَاةِ، وَالْوَصِيَّةُ هِيَ تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ لَكِنَّهَا مُضَافَةٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ. وَلِذَلِكَ رَكَّزَ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ عَلَى هَذَا الْقَيْدِ بِالتَّحْدِيدِ حَتَّى يُفَرِّقَ لَكَ بَيْنَ الْهِبَةِ وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ.
هَكَذَا إِذًا عَرَفْنَا عُمُومًا مَا مَفْهُومُ الْهِبَةِ، قَالَ: مَا حُكْمُهَا؟ قَالَ: وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِأَنَّهَا خَيْرٌ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا». فَالْهِبَةُ وَمِنْ أَسْمَائِهَا الْهَدِيَّةُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِفُرُوقٍ لُغَوِيَّةٍ دَقِيقَةٍ لَا تَهُمُنَا هُنَا. النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَثَّ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تَزْرَعُ الْمَحَبَّةَ وَالْمَوَدَّةَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا». فَإِذًا هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ شَرْعًا.
طَيِّبٌ، كَيْفَ تَنْعَقِدُ؟ الْآنَ الْهِبَةُ أَحْبَابِي تَحْتَاجُ إِلَى إِيجَابٍ وَإِلَى قَبُولٍ، تَحْتَاجُ إِلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ وَمِثْلُهَا مِثْلُ سَائِرِ الْعُقُودِ. الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ قَدْ يَكُونُ بِالصِّيغَةِ الْقَوْلِيَّةِ وَقَدْ يَكُونُ بِالصُّورَةِ الْفِعْلِيَّةِ، مِثْلُهَا مِثْلُ سَائِرِ الْعُقُودِ عِنْدَنَا فِي الْمَذْهَبِ، تَنْعَقِدُ كَمَا قَالَ لَكَ بِكُلِّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا. فَيُمْكِنُ أَنْ أَقُولَ لِشَخْصٍ: وَهَبْتُكَ الْجَوَالَ، وَهُوَ يَقُولُ لِي: قَبِلْتُ. وَيُمْكِنُ مِنْ دُونِ أَنْ أَتَلَفَّظَ؛ مِنْ سِيَاقِ الْقَرَائِنِ أُعْطِيهِ هَذَا الْجَوَالَ وَأَبْتَسِمُ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ يَأْخُذُهُ مِنِّي، وَسِيَاقُ الْقَرَائِنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّنِي قَصَدْتُ الْهِبَةَ وَهُوَ فَهِمَ ذَلِكَ وَأَخَذَهُ مِنْ دُونِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِقَبُولٍ، جَائِزٌ، جَائِزٌ، مَا عِنْدَنَا مُشْكِلَةٌ.
فَإِذًا قَالَ: تَنْعَقِدُ بِكُلِّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى هَذَا الْعَقْدِ. ثُمَّ قَالَ: وَشُرُوطُهَا ثَمَانِيَةٌ. أَنَا سَأُسْرِعُ لِأَنَّ فِي الْحَقِيقَةِ أَظُنُّ الْأُمُورَ أَصْبَحَتْ وَاضِحَةً، لَا يُحْتَاجُ أَحْيَانًا إِلَى تَكْرَارِ مَا تَمَّ تَوْضِيحُهُ خِلَالَ رُبَّمَا ثَلَاثِينَ أَوْ عِشْرِينَ دَرْسًا عَشْنَاهَا فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ.
شُرُوطُهَا ثَمَانِيَةٌ حَتَّى تَكُونَ صَحِيحَةً:
أَوَّلًا: كَوْنُهَا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَالْمُرَادُ الْوَاهِبُ وَلَيْسَ الْمَوْهُوبَ لَهُ. رَكِّزُوا هُنَا لَمَّا قَالَ: كَوْنُهَا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ أَيْ أَنْ يَكُونَ الْوَاهِبُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ. أَمَّا الْمَوْهُوبُ لَهُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُوهَبَ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ سَفِيهٌ بَلْ حَتَّى الْعَبْدُ، وَسَنَعْرِفُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ إِذَا وُهِبَ لِصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ فَإِنَّ الَّذِي يَقْبَلُ عَنْهُمْ وَيَقْبِضُ هُوَ وَلِيُّهُمْ، لَكِنْ فِي النِّهَايَةِ تَصِحُّ لَهُمْ، لَكِنَّ وَلِيَّهُمْ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ عَنْهُمْ وَيَقْبِضُ عَنْهُمْ، وَتَكُونُ فِي رِعَايَتِهِ إِلَى أَنْ يَكْبُرَ الصَّغِيرُ وَيَسْتَيْقِظَ الْمَجْنُونُ وَيُفَكَّ الْحَجْرُ عَنِ السَّفِيهِ. فَالْقَوْلُ: كَوْنُهَا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ أَيْ مِنْ طَرَفِ الْوَاهِبِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَاهِبُ غَيْرَ جَائِزِ التَّصَرُّفِ. فَإِذَا جَائِزُ التَّصَرُّفِ عَرَفْنَا هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْحُرُّ الرَّشِيدُ. فَبِالتَّالِي يَقُولُ الْحَنَابِلَةُ: لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ مِنَ الصَّغِيرِ، وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ مِنَ الْمَجْنُونِ، وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ مِنَ السَّفِيهِ، وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ مِنَ الْعَبْدِ.
لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ، هَؤُلَاءِ لَا تَصِحُّ هِبَتُهُمْ وَلَوْ أَذِنَ لَهُمْ وَلِيُّهُمْ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْهِبَةَ مِنْهُمْ تَصَرُّفٌ لَا حَظَّ فِيهِ لَهُمْ، لَا حَظَّ دُنْيَوِيَّ، وَوَلِيُّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي تَصَرُّفٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ إِلَّا فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَعُودُ لَهُمْ بِالنَّفْعِ النَّفْعِ الْمَادِّيِّ. أحْنَا لِمَاذَا وَضَعْنَا وَلِيًّا لِصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ؟ أَلَيْسَ لِيَنْظُرَ فِي أَمْوَالِهِمْ بِمَا يَعُودُ لِصَالِحِهِمْ؟ فَالْوَلِيُّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِصَّغِيرِ وَلَا لِلْمَجْنُونِ وَلَا لِلسَّفِيهِ بِالتَّبَرُّعِ، وَالْهِبَةُ مِنْ عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ لِأَنَّ هَذَا يَعْنِي بِالْمَفْهُومِ الْمَادِّيِّ إِضْرَارًا مَحْضًا بِهِمْ، فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ أَصْلًا فِي ذَلِكَ.
أَمَّا الْعَبْدُ وَهُوَ الرَّابِعُ، الْعَبْدُ كَمَا قُلْنَا الْأَصْلُ أَنَّ هِبَتَهُ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ أَصْلًا لَا يَمْلِكُ، فَهُوَ عِنْدَمَا يَهَبُ شَيْئًا وَإِنَّمَا يَهَبُ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ. لَكِنْ يَقُولُونَ لَوْ أَنَّ سَيِّدَهُ أَذِنَ لَهُ فِي الْهِبَةِ جَازَ، فَالْعَبْدُ نَسْتَثْنِيهِ وَنَقُولُ: لَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْهِبَةِ جَازَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَحَالُهُ حَالُ الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ وَالْمَجْنُونِ. إِذًا هَذَا أَوَّلُ شَرْطٍ: كَوْنُهَا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ. اكْتُبُوا: أَيْ أَنْ يَكُونَ الْوَاهِبُ وَلَيْسَ الْمَوْهُوبَ لَهُ، أَنْ يَكُونَ الْوَاهِبُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ.
ثَانِيًا: كَوْنُهُ مُخْتَارًا غَيْرَ هَازِلٍ. الَّذِي يَهَبُ يَكُونُ مُخْتَارًا وَلَيْسَ مُكْرَهًا عَلَى الْهِبَةِ، وَيَكُونُ غَيْرَ هَازِلٍ جَادًّا؛ لِأَنَّهُ أَحْيَانًا أَحْبَابِي الْكِرَامَ مُمْكِنُ الشَّخْصِ يُكْرَهُ عَلَى الْهِبَةِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ هَازِلًا يَمْزَحُ مَعَ صَدِيقِهِ، يَقُولُ: خَلَاصْ يَا عَمِّي خُذْ هَذِهِ السَّيَّارَةَ مُقَدِّمَةً، حَتَّى فِي لُغَتِنَا الْعَامِّيَّةِ يَعْنِي كَثِيرٌ مَا بِنَسْتَعْمِلُ كَلِمَةَ خَلَاصْ خُذْ هَذَا مُقَدَّمٌ. لَكَ مَثَلًا شَخْصٌ يَقُولُ لَكَ: مَا شَاءَ اللَّهُ إِيشْ هَذَا الْجَوَالُ؟ تَقُولُ لَهُ: مُقَدَّمٌ. الْآنَ أَنْتَ فِي الْحَقِيقَةِ لَمَّا كُنْتَ مُقَدِّمًا أَنْتَ يَعْنِي مِنْ بَابِ الْأَدَبِ وَالْأَخْلَاقِ وَلَا تَقْصِدُ حَقِيقَةَ الْهِبَةِ، صَحِيحْ؟ هَايْ كَثِيرْ بِنَحْكِيهَا فِي عُرْفِنَا خَلَاصْ هَذَا مُقَدَّمٌ لَكِنَّنَا لَا نَقْصِدُ، فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْهَزْلِ فَلِنُسَمِّ أَوْ عَدَمِ الْجِدِّيَّةِ لَكِنِ الْمُرَادُ بِهِ الْأَخْلَاقُ وَالْمُرُوءَاتُ، فَهَذَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْهِبَةُ. لَابُدَّ إِذًا أَنْ يَكُونَ الْوَاهِبُ مُخْتَارًا لِلْهِبَةِ جَادًّا بِهَا غَيْرَ هَازِلٍ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: كَوْنُ الْمَوْهُوبِ، يَعْنِي الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ سَوَاءً كَانَ عَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً، كَمَا قُلْنَا يَصِحُّ بَيْعُهُ. وَهَذَا مَا ذَكَرْتُهُ فِي بِدَايَةِ الْمَجْلِسِ؛ الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ أَنَّ كُلَّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مِمَّا يُبَاحُ نَفْعُهُ، مَا يُبَاحُ نَفْعُهُ مُطْلَقًا بِلَا حَاجَةٍ، كُلُّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ أَيْ مَا يُعْتَبَرُ مَالًا يَصِحُّ بَيْعُهُ تَصِحُّ هِبَتُهُ، وَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ.
لَكِنْ وَقَعَ خِلَافٌ فِي الْكَلْبِ الَّذِي يُقْتَنَى، الَّذِي يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ وَهُوَ كَلْبُ الصَّيْدِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ، وَكَذَلِكَ النَّجَاسَاتِ الَّتِي يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهَا مِثْلَ الدُّهْنِ النَّجِسِ لِلِاسْتِصْبَاحِ بِهِ، وَكَذَلِكَ كَمَا قُلْنَا جُلُودِ الْمَيْتَةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ إِذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْيَابِسَاتِ، فَهَلْ هَذِهِ تَجُوزُ هِبَتُهَا؟ هَسَّةَ الْأَصْلُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ هِبَتُهَا لِأَنَّهَا إِيشْ؟ لِأَنَّهَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ. لَكِنْ فِي الْحَقِيقَةِ الْحِجَاوِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي زَادِ الْمُسْتَقْنِعِ وَكَذَلِكَ فِي الْإِقْنَاعِ، ذَهَبَ إِلَى رَأْيِ طَائِفَةٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ يَجُوزُ هِبَتُهَا اسْتِثْنَاءً مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا. وَالشَّيْخُ مَنْصُورٌ البُهُوتِيُّ عَلَّقَ عَلَى كَلَامِ الْحِجَاوِيِّ فِي الْإِقْنَاعِ وَكَذَلِكَ حَتَّى فِي الشَّيْخِ أَظُنُّهُ الشَّيْخُ مَنْصُورٌ البُهُوتِيُّ فِي الدَّقَائِقِ وَالنُّهَى عَلَّقَ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ فَإِيشْ قَالَ؟ قَالَ: الْكَلْبُ الَّذِي يُقْتَنَى وَالنَّجَاسَاتُ الَّتِي يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهَا يَجُوزُ أَنْ تَتَنَاقَلَهَا الْأَيْدِي، فَلَوْ أَنَا عِنْدِي كَلْبُ صَيْدٍ هَلْ يَجُوزُ أُعْطِيهِ لِشَخْصٍ آخَرَ؟ يَجُوزُ. وَإِذَا عِنْدِي كَلْبُ زَرْعٍ هَلْ يَجُوزُ أُعْطِيهِ لِصَاحِبِ زَرْعٍ آخَرَ؟ يَجُوزُ. وَإِذَا كَانَ عِنْدِي نَجَاسَةٌ يُنْتَفَعُ بِهَا هَلْ يَجُوزُ أُعْطِيهَا لِشَخْصٍ آخَرَ مَجَّانًا؟ يَجُوزُ.
لَكِنْ يَقُولُ الشَّيْخُ مَنْصُورٌ البُهُوتِيُّ فِي يَعْنِي كَأَنَّهُ يُقَرِّرُ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّ هَذِهِ النَّجَاسَاتِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا وَالْكَلْبَ الَّذِي يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ تَنَاقُلَهُ بَيْنَ الْأَيْدِي لَا نُسَمِّيهِ هِبَةً حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا مُجَرَّدُ تَنَاقُلٍ بَيْنَ الْأَيْدِي. فَإِذَا الْحَنَابِلَةُ يُقَرِّرُونَ جَوَازَ تَدَاوُلِ هَذَا الْكَلْبِ الَّذِي يُقْتَنَى مَا بَيْنَ الْأَيْدِي، فَأَنَا عِنْدِي كَلْبُ صَيْدٍ أُعْطِيكَ إِيَّاهُ، وَكَذَلِكَ النَّجَاسَاتُ الَّتِي يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهَا يُقَرِّرُونَ جَوَازَ وَصِحَّةَ تَدَاوُلِهَا بَيْنَ الْأَيْدِي، لَكِنْ هَذَا التَّدَاوُلُ أَيُسَمُّونَهُ هِبَةً؟ لِمَ؟ قَالُوا: لِأَنَّ الْهِبَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَهَذِهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فَيَجُوزُ تَدَاوُلُهَا لَكِنْ لَا نُسَمِّيهِ هِبَةً.
فِي الْحَقِيقَةِ صَارَ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا، صَارَ الْخِلَافُ فِي النِّهَايَةِ لَفْظِيًّا، يَعْنِي إِذَا أَنَا أَعْطَيْتُكَ كَلْبَ الصَّيْدِ حَقِّي وَأَعْطَيْتُكَ إِيَّاهُ وَأَصْبَحْتَ أَنْتَ تَنْتَفِعُ بِهِ وَأَنْتَ أَعْطَيْتَهُ لِشَخْصٍ آخَرَ وَتَنَاقَلَتْهُ الْأَيْدِي، وَفِي الْحَقِيقَةِ فِيهِ هِبَةٌ، يَعْنِي رُبَّمَا لَا نُسَمِّيهِ هِبَةً لَفْظًا وَلَكِنْ فِي الْوَاقِعِ الْعَمَلِيِّ يُسَمَّى. فَإِذَا كَانَ الشَّيْخُ مَنْصُورٌ البُهُوتِيُّ يُقَرِّرُ جَوَازَ تَنَاقُلِ هَذِهِ الْأُمُورِ بَيْنَ الْأَيْدِي لَكِنَّهُ يَقُولُ: وَلَا يُسَمَّى هِبَةً. فَنَقُولُ: خَلَاصْ لَوْ لَمْ تُسَمِّهِ هِبَةً كَلَفْظٍ هُوَ فِي الْوَاقِعِ الْعَمَلِيِّ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الْهِبَةِ، فَلَعَلَّ إِذًا رَأْيَ الْحِجَاوِيِّ فِي الْإِقْنَاعِ أَرْوَى مُقْنِعٌ أَكْثَرُ فِي أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ يَصِحُّ هِبَتُهَا وَإِنْ كَانَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ إِذَا عَرَفْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَالِاسْتِثْنَاءَ فِيهَا.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ قَالَ: وَكَوْنُ الْمَوْهُوبِ لَهُ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ. هَذَا الشَّرْطُ الرَّابِعُ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْهِبَةِ، أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الْآخَرُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الطَّرَفُ الْآخَرُ مِمَّنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ.
الْآنَ انْتَبَهُوا هُنَا: الشَّيْخُ ابْنُ عِوَضٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَهُوَ إِمَامٌ فَاضِلٌ فِي الْحَقِيقَةِ خلُونِي أَقُولُ سَهَا فِي شَرْحِ هَذَا الشَّرْطِ سَهْوًا وَاضِحًا، وَلَا يَصِحُّ كَلَامُهُ أَبَدًا! الشَّيْخُ ابْنُ عِوَضٍ مَاذَا قَالَ؟ يَقُولُ: وَكَوْنُ الْمَوْهُوبِ لَهُ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ. فَيَقُولُ ابْنُ عِوَضٍ: فَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ لِصَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَقِنٍّ. وَهَذَا الْكَلَامُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ! يَعْنِي بَعْدَ قَلِيلٍ سَيَذْكُرُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ نَفْسُهُ أَنَّ الْهِبَةَ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ يَقْبَلُهَا وَلِيُّهُمْ، فَكَيْفَ لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالْعَبْدِ؟ فِي الْحَقِيقَةِ كَلَامُ الشَّيْخِ ابْنِ عِوَضٍ هُنَا فِي شَرْحِهِ لِدَلِيلِ الطَّالِبِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَعَلَّهُ سَهْوٌ مِنْهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَنَا وَلَهُ، لَا يُقْبَلُ الْكَلَامُ هَذَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَكَوْنُ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
يصح تملكه. أخرج بهذا القيد من لا يصح تملكهم من الذين ذكرهم في كتاب الوقف، تذكروا في الشرط الرابع من شروط الوقف أو الخامس يعني ربما نزيد. لما قال: وأن يكون الموقوف عليه يصح تملكه. ذكر أن الذين لا يصح تملكهم مثل الملائكة والجن والبهائم والأموات والحمل استقلالاً. قال: هؤلاء لا يصح تملكهم. وهؤلاء هم المقصودون هنا في قوله: وكون الموهوب لا يصح تملكه. فالمراد بكون الموهوب له يصح تملكه أن الذي لا يصح أن يكون فيه تملك أصلاً. من لا يصح له تملك أصلاً، ويقصد بهم الملائكة والجن والأموات والبهائم والحمل، هؤلاء لا تصح الهبة لهم. فلو قال شخص: هذا الجوال هبة لملك من الملائكة، أو لجن أو شيطان من الشياطين، أو لهذا الجوال هبة لبقرة أو لخيل، أو أهبه لفلان الميت، أو أهبه للحمل الذي في بطن هذه المرأة، لا تصح هذه الهبة؛ لأن هؤلاء لا يصح تملكهم. أما الصغير والمجنون والسفيه فتصح الهبة لهم، لكن الذي يقبل هو وليهم وهو الذي يقبض. فانتبهوا حتى لا تقعوا في خطأ مع الشيخ ابن عوض في شرحه؛ فهو لم يشرحها بصورة صحيحة.
طيب، الشرط الخامس وكونه يقبل ما وهب له بقول أو فعل يدل عليه. يعني الشرط الخامس أن الطرف الموهوب له عليه أن يقبل، وهذا ذكرته لكم أصلاً أن الهبة في النهاية عقد تحتاج إلى إيجاب وقبول، فهو جعل القبول كأنه شرط من الشروط، وأنا في الحقيقة قد أترض على هذا الكلام؛ هو لا يحتاج أن يذكره إلا ضمن الشروط، بل هو في الحقيقة من أركان الهبة. بما أن الهبة عقد من العقود، من أركانها الصيغة، والصيغة تحتاج إلى إيجاب وقبول، فالقبول ليس شرطاً من شروطها، بل هو ركن من أركانها تبعاً للإيجاب. لكن هكذا فعل الشيخ مرعي وأنا أشرح كلامه، لكنني قد ما أجده يحتاج إلى إعادة نظر؛ هي من أركانها الإيجاب والقبول وهي الصيغة. فلا يجعل شرطاً من الشروط، لكن هو هكذا فعل. قال: وقوله يقبل، أي لا بد للموهوب له أن يقبل. يقبل إما بالقول نفسه كما قلت لكم، أو بالفعل، إما يقول: قبلت الهبة، أو يقبضها مثلاً قبضا يدل على أنه قبل. فإذاً كونه يقبل ما وهب له بقول أو فعل يدل عليه قبل تشاغلهما بما يقطع البيع عرفاً.
الآن أحبابي، ربما هي مسألة لم تذكر في كتاب البيع. الآن الإيجاب والقبول سواء في عقد البيع أو في سائر العقود التي تحتاج إيجاباً وقبولاً عموماً في الجملة، يعني ليس كل العقود ولكن عموماً في الجملة الإيجاب والقبول يكون في مجلس العقد، يكون بمجلس العقد. جيد، فيقولون: إذا صدر الإيجاب وتأخر القبول تأخراً يقطع العقد، فإن هذا العقد لا يقبل ويحتاج إلى إعادته مرة أخرى. مثل ماذا يقطع القبول عن الإيجاب؟ قالوا: إذا قطع بسكوت طويل، أو كلام أجنبي، كلام أجنبي عن العقد يعني. سواء هذا كما قلت لكم في جملة العقود، تستثنى طبعا بعض العقود مثل الوكالة فيصح أن يكون القبول متراخياً حتى ولو كان بعد المجلس لا يهم، لكن عموماً عقود البيوع والمعاوضات وعقود الهبات أيضاً تحتاج إلى أن يكون القبول مع الإيجاب في نفس المجلس بنفس المجلس.
فإذا انفصل القبول عن الإيجاب بسكوت طويل، يعني قلت لشخص: وهبتك هذا الهاتف، سكت سكت سكت سكت، وبعد نصف ساعة قال: قبلت، بنقول: لا، بطل العقد وعليكم أن تعيدوا مرة أخرى؛ لأن هناك انفصالاً بسكوت طويل بين القبول والإيجاب. وهذا أيضاً في البيع، وكما قلت لكم في جملة عقود المعاوضات، وكذلك لو كان الانفصال بكلام أجنبي عن العقد. يعني لو قلت له: وهبتك هذا الجوال، أو بعتك هذا الجوال، وهو لم يقبل بعد ودخلنا في نقاشات سياسية وتكلمنا عن أحوال المسلمين في العراق والشام وفي مصر واليمن، ثم بعد أن انتهينا عدنا إليه، فقال الموهوب له: قبلت، بنقول: ما بينفع، من هنا القبول انفصل عن الإيجاب بكلام أجنبي. فمتى انفصل القبول عن الإيجاب بسكوت طويل أو بكلام أجنبي بطل العقد، سواء في البيع أو في الهبة أو في جملة عقود المعاوضات، لا يصح لا يصح.
هناك بعض العقود تقبل التأخير؟ نعم، لكن عموماً ركزوا لي على البيع وهبة لا يصح الانفصال بين القبول والإيجاب بسكوت طويل ولا بكلام أجنبي عن العقد. لذلك قال: وكونه يقبل، قالوا: ما وهب له بقول أو فعل يدل عليه قبل تشاغلهما بما يقطع البيع عرفاً. قبل تشاغلهما بما يقطع البيع عرفاً، والذي يقطع البيع عرفاً هو ما ذكرته لكم: سكوت طويل أو كلام أجنبي، وكان هذا كله شرط واحد، لاحظوا يعني كونه يقبل ما وهب له بقول أو فعل يدل عليه قبل تشاغلهما بما يقطع البيع عرفاً.
ربما يقول قائل: إذاً يا شيخ هو لم يجعل القبول شرطاً من الشروط؟ لا، هو قصد أن القبول أن يكون متصلاً بالإيجاب بحيث لا يقطع بما يقطع البيع عرفاً، هذا هو الشرط. فبالتالي لا معنى أو لا داعي لاعتراضك على الشيخ مرعي أقحامه قضية القبول ضمن الشروط، وأنت غيرها قبل، لقد أترضت وقلت: الأصل أن القبول مع الأركان وليس مع الشروط. فيمكن في الحقيقة أن أنتقد في هذه القضية ويقال: لا، بل الشيخ مرعي لم يقصد أن يذكر القبول كشرط من الشروط، بل قصد القبول بهذه الصفة، يعني أنه يريد أن يجعل القبول من شروطه أن يكون متصلاً بالإيجاب فلا يقطع بما يقطع البيع عرفاً. يقصد هذه الصورة النهائية وهذا قصد أن يجعله شرطاً وليس نفس القبول.
أقول: ممكن، ممكن هذا الأمر ممكن، وهكذا يمكن أن نصحح كلام الشيخ مرعي ونقبله. المهم قال: والشرط السادس وكون الهبة منجزة. الهبة أيضاً مثل مثل الوقف، مثل مثل البيع، لا تصح معلقة؛ وهبتك إن جاء رمضان أو إن جاء فلان. لا بد تكون منجزة؛ لأن التمليك في العادة عند الحنابلة هذه قاعدة عندهم: إذا ملكت شيئاً، التمليك يجب أن يكون منجذاً ولا يصح التمليك معلقاً، فالبيت فيه تمليك، الوقف فيه تمليك، الهبة فيها تمليك، عقود التمليك لا تصح معلقة، بخلاف مثلاً عقود الضمان والكفالات والتوثيق عموماً، عرفنا أنه يصح أن تكون معلقة؛ لأنها أساساً ليست عقود تمليك، وإنما هي عقود توثيق.
الشرط السابع قال: وكونها غير مؤقتة. وكونها غير مؤقتة، لا تصح الهبة مؤقتة؛ لأنها تمليك أبدي مثلها مثل البيع، الهبة تمليك أبدي مثلها مثل البيع، فلا تصح أن تكون مؤقتة، فأقول مثلاً: وهبتك هذا الجوال شهراً، أو وهبتك هذا الجوال سنة، نقول: هذا لا يصلح. طيب، لكن لاحظوا هذا الاستدراك، لو وقتت بعمر أحدهما. الآن هناك نوع من الهبة اسمه في الشريعة الإسلامية، وهذا كان يفعله الجاهليون طبعا، لكن صححته الشريعة الإسلامية في صور محددة. هناك ما يسمى العمرى، يسمى أيضاً الركبة، العمرى والركبة هذه صيغة من صيغ كما قلت لكم الهبات، كان يفعلها الجاهليون ولها صور، الصورة التي صححها الإسلام أن يقول: طبعا هذه صورة من صور توقيت الهبة، لكن أنظروا كيف صححها الإسلام. العمرى أن يقول الواهب للموهوب له: هذا الجوال وهبتك إياه مدة عمرك أو مدة عمري، جيد؟ هذا الجوال وهبتك إياه مدة عمرك، لذلك سميت عمرى؛ لأنها تعلق بالعمر، وقتها بالعمر. هذا الجوال وهبتك إياه مدة عمرك، أو وهبتك إياه مدة عمري، وسكت.
الآن هل هذا التوقيت يصح ولا لا يصح؟ في الحقيقة المذهب عندنا يقولون: هذه الهبة جائزة بهذا التوقيت، لكن يلغى التوقيت ولا يجعل له أثر، يعني لما قال له: هذا الجوال لك مدة عمرك، طيب إذا مات الموهوب له ماذا يحدث به؟ يذهب لورثته ولا يعود إلى الواهب. وكذلك لو قال له: هذا الجوال أهبه لك مدة عمري، طيب يعني إذا مات الواهب ماذا يحدث؟ هل سيعود الجوال لورثة الواهب؟ كلا، سيبقى للموهوب له ولورثته. ففي الحقيقة العمرى يعني صححها الإسلام، كان يفعلها الجاهليون، الجاهليون كانوا يفعلونها ويريدون بها التوقيت أنه يقول: هي لك عمرك أو عمري، ثم بعد أن يموت أحدهما تعود للواهب. الإسلام صححها، قال: ما عنا مشكلة لو قلتم بهذا اللفظ، لكن لا عبرة بالتوقيت، لا عبرة بالتوقيت، فكأنها كأن هذا التوقيت وجوده كعدمه.
لذلك ايش قال الشيخ مرعي؟ قال: لو وقتت بعمر أحدهما، اكتب فوقها: وهذه هي العمرى، بأن يقول الواهب: وهبتك هذا الجوال مدة عمرك أو مدة عمري. ماذا يحدث؟ هل نبطلها لأنها مؤقتة؟ قال: لا، المهم عندنا بمشيها، لكن ايش يقول؟ يقول: لزمت مؤبدة وألغي التوقيت. هذا الذي يحدث فعلياً، أنها لزمت وصحت وإن كان مؤقتاً، نقول: هي لازمة لكن نلغي هذا التوقيت ولا عبرة بقوله: مدة عمرك أو مدة عمري، فهي خلاص أصبحت للموهوب له، وإذا مات الموهوب له تنتقل لورثته من بعده، ولا نلتفت إلى هذا التوقيت، فكان وجوده كعدمه.
جميل، طيب هذا إذاً هو الشرط السابع أنها لا بد أن تكون غير مؤقتة، لا بد أن تكون غير مؤقتة. فإذا قال: هذا سنة أو شهراً، لا تصح أصلاً، لا تصح كل الهبة. لكن لو قال: وهبتك إياه مدة عمرك أو مدة عمري، تصح لكن نلغي التوقيت. هذا الفرق لو وقتها ابتداء بصيغة: هذا الجوال وهبتك إياه سنة أو خمسة أشهر، لا، نقول: كل هذه التوقيتات تبطل الهبة أساساً. لكن هناك لفظة أو لفظات، ألفاظ محدودة، وهي صيغة العمرى والركبة، بأن قال: أو وهبتك هذا الجوال عمرك أو عمري، هذه نصححها، لا نبطل عقد الهبة، لكن نلغي التوقيت فقط، نلغي التوقيت فقط. فهذا وجه الاستدراك، هذا وجه الاستدراك، فقال: لكن لو وقتت بعمر أحدهما، لزمت وصحت وألغي التوقيت.
الشرط الثامن والأخير -هو وقع شروطها ثمانية- الشرط الثامن والأخير لصحة الهبة أن تكون بغير عوض، أن الواهب لا ينتظر من الموهوب له أن يعطيه عوضاً عليها، لأنه إذا أعطاه عوضاً ماذا ستصبح؟ أنظروا ماذا قال: فإن كانت بعوض معلوم فأصبحت بيعاً، وبعوض مجهول فباطلة. إذا قال شخص لآخر: وهبتك هذا الجوال على أن تعوضني مكانه سيارتك الفلانية، نقول: هذه ليست هبة، هذا أصبح بيعاً فيصح، لا يصح هبة، يصح بيعاً. وأما إذا قال له: أهبك هذا الجوال على أن تعطيني مقابله أي شيء من عندك، لاحظوا يريد مقابل شيء لكنه شيء مجهول، قال: أهبك هذا الجوال على أن تعطيني أي عوض أو أي شيء من عندك. نقول: لا، هنا أنت وهبت شيئاً وطلبت مقابله شيئاً آخر، وهذا الشيء الآخر الذي طلبته مجهول، فإذا كان العوض الذي طلبته مجهولاً، لا يمكن أن نصحح هذا الكلام، لا على الهبة ولا على البيع. يعني لو قال له: وهبتك وأريد منك سيارتك فقبلنا، نحن نصحح ما عنا مشكلة، لكن على أنه بيع وليس هبة. أما إذا قلت: أهبك هذا الجوال على أن تعطيني مقابله شيئاً ولم تحدد ما هو هذا الشيء، فهذا لا يصح لا هبة ولا بيعاً. فلذلك قال: وإذا كان العوض الذي حددته مجهولاً، فهي باطلة من كل النواحي، لا يمكن أن نصحح هذا الكلام لا على وجه الهبة ولا على وجه البيع.
جميل، قالوا: من أهدى ليهدى له أكثر فلا بأس. يعني لو كان شخص أهدى هدية بطرف وهو أهداها بقصد داخلي أن يُهدى له أكثر، فلا بأس. مثلاً أنا أعرف أن هذا الشخص فلان الفلاني إذا أعطيته هدية من طبيعته أن يكافئ بأكثر منها، فأنا أعطيته هدية وهبته هبة وقصدي في الحقيقة أن يكافئني عليها أكثر، هذا قصدي، أنا ما بحت به، لكن هذا قصدي فأنا أعطيته إياها وقلت: وهبتك يا فلان هذا الجوال. طبعا هو قال: ما شاء الله، الشيخ إراهيم أهداني جوالاً وجزاه الله خيراً وكذا. قالت: والله لأردن إليه هدية أكبر، أنا عارف أنه سيفعل هيك، وهذه كانت نية ابتداء. هل هذا فيه حرمة أو كراهة؟ لا، الحنابلة يقولون: لا بأس بذلك، لذلك في النهاية أنت ما أجبرته على أن يعوضك، أنت لم تجبره على أن يعوضك أو أن يعطيك شيئاً، هو أعطاه من طيب نفس له، لكن أنت بالنهاية قصدك ما كان خالصاً لله، فأنقصت ثوابك، الثواب نعم، راح الثواب، الأصل أن ذهب؛ لأنك لم تهبها لوجه الله، وإنما لتحصل على العوض، لكن كصحة تصح ولا حرج في ذلك من حيث الحكم الدنيوي.
ثم قال: ويكره رد الهبة وإن قلت. إذا شخص وهبك هبة، بعض الناس بيقول له: أنا ما بقبل، أنا مثلاً نفسي تأبى؟ لا، لا، أقول لك: يكره أن ترد الهبة، مكروه. ويكره رد الهبة وإن قلت، لو كانت تمرة، ولو كانت تمرتين، اقبل ما دام أعطاها عن طيب نفس. قال: بل السنة أن يكافئ أو يدعو؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أزدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له». إذاً فالسنة إذاً أن تقبل الهبة، وأن تكافئ عليها إن استطعت أن تكافئ بالشيء المادي، وإن لم تستطع أن تكافئ فتدعو لصاحبها بالخير، وهذه خير مكافأة.
وإن علم أنه أهدى حياء وجب الرد، هذا انتبهوا لها، إذا أنت تعلم أن شخصاً أهدى إليك شيئاً على وجه الحياء، يجب أن ترده إليه ولا تقبل، إياك! فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه».
فإذا أنا بظني أحيانا بعض الناس يمزحون مع بعضهم كثيرا، أنه يا فلان والله ما شاء الله هذا الجوال لعندك رائع وممتاز، شو رأيك تهديني إياه وكذا؟ يمزحون كثيرا، يمزحون مع شخص كثير إلى أن هذا الشخص يحرج ويقول والله خلاص صدق لا أعطيك إياه من كثر ما حكيت عنه.
في الحقيقة هنا السياق يدل على أنه وهبك إياه حياء منك لكثرة ما ذكرته أمامه. الآن إذا أنت شعرت بالقرائن أنه وهبك هذا الشيء حياء منك، وجب أن ترده، ولا يجوز أن تقبله، حرام أن تقبله. انتبهوا لهذه القضية لأن كثيرا من الناس يتهاونون فيها.
ثم قال: فصل. تملك الهبة بالعقد وتلزم بالقبض. الآن أحبابي الكرام، طبعا أخذنا أكمل العبارة وتلزم بالقبض بشرط أن يكون القبض بإذن الواهب. الآن خلونا نفسر عقد الهبة، واحد نقول: الهبة تملك بمجرد الإيجاب والقبول، يعني تصبح ملكا للموهوب له. الهبة تملك بمجرد الإيجاب والقبول، أي أنها تصبح ملكا للموهوب له بمجرد الإيجاب والقبول، ولو لم يتم القبض بعد، ولو لم يقبض.
فأنا إذا قلت لك وهبتك هذا الجوال، وأنت قلت قبلت، بمجرد الإيجاب والقبول الذي هو العقد، تنتقل ملكية هذا الجوال للموهوب له. طيب، لكن الهبة قبل القبض عقد جائز؛ إذا كانت عقد جائز قبل القبض، يعني يصح للواهب أن يتراجع عنها ويعود في ذلك وإن كان مكروها، الأصل أنك تمضي فيها.
طيب، واما الهبة بعد القبض فهي عقد لازم؛ إذا الموهوب له قبضها وكل شيء قبضه بحسبه مثل ما تعلمنا في البيوت وسيذكره الآن مرة أخرى. إذا قبض الموهوب له العين الموهوبة، أصبحت عقدا لازما، فليس له أي ليس للواهب أن يرجع عنها، اللهم إلا الأب كما سيأتي استثناءه بعد قليل بإذن الله.
فلذلك قال: وتلزم بالقبض. ما مفهوم ذلك؟ أنها قبل القبض لا تكون عقدا لازما، بل تكون عقدا جائزا، يستطيع الواهب أن وإن كان مكروها كما ذكرنا. إذا وتلزم بالقبض. طيب، لكن بدنا نعرف شغلة، احنا عرفنا أنها بعد القبض تصبح عقدا لازما، لابد أن يكون هذا القبض من قبل الموهوب له بإذن الواهب، يعني لما يأتي الموهوب له ليقبض العين الموهوبة، ما بصير يقبضها من دون إذن الواهب، بده يستأذن الواهب، يا واهب تسمح لي أن أقبض العين الموهوبة لي؟ إذا الواهب أذن له، يصح قبضه، فهذا القبض الصحيح يترتب عليه أن العقد لازم.
أما إذا موهوب له قبضها من دون إذن الواهب، فهذا القبض فاسد غير معتبر، فلا يؤدي إلى أن تصبح الهبة لازمة، بل تبقى جائزة. لذلك قال: وتلزم بالقبض بشرط أن يكون هذا القبض بإذن الواهب. ممتاز.
فقبض ما وهب الآن سيبين لك أن الأشياء الموهوبة أقسام، وكل قسم قبضه على طريقته كما عرفنا في البيوع؛ لما تكلمنا في البيوع عرفنا مثلا أن ما يكal وما يوزن ويعد ويذرع، هذه الأمور الأربعة قبضها يكون بكيلها ووزنها وذرعها وعديها. واما قبض الصبرة، الصبرة الآن صحيح الصبرة الأصل فيها أن تكون مكيلة، لكن هو يقصد بالصبرة أي الأشياء المبيعة جزافا، من دون كيل محدد، أو وزن محدد، أو عد محدد، أو ذرع محدد.
وعرفنا أن بيع الجزاف بشكل عام يصح، فكذلك هبة الجزاف تصح. فقبض الصبرة وكل ما بيع جزافا، وكذلك قبض ما ينقل مما ليس بمكيل ولا موزون ولا معدود ولا مزروع، فهذا يكتفى فيه بالنقل. إذا إذا كان المبيع مكلا بالكيل وموزونا بالوزن ومعدودا بعته بالعد أو مزروعا بالزرع، فالقبض يكون بالكيل والوزن والعد والذرع، هذا عرفناه.
إذا كان الذي بعته بعته وهبته وهبته جزافا، صحيح هو أصله يعني مكيل أو موزون أو معدود أو مزروع، لكنك وهبته بالجزاف كأنك بعته بالجزاف، إذا كان جزافا، أو كان أصلا مما لا يكال ولا يوزن ولا يعد ولا يزرع، مثلا بعت جوال، بعت كأس ماء، بعت أثاث، هذا كله ليس أصلا من المكيلات ولا الموزونات ولا المعدودات ولا المزروعات، فهذه كلها مبيع جزافا أو ما وهب جزافا، وما كان من غير الأربعة، فهذا قبضه كيف صورته؟ بالنقل، لابد أن ينقل من عند الواهب إلى الموهوب له.
وأما الأشياء التي طبيعتها أنها تتناول بالتناول، مثل ايش؟ مثل الكتب، هناك أشياء طبيعتها بالتناول مثل الكتب، ويكون أيضا مثل الدراهم والدنانير، الدراهم والدنانير والعملات النقدية، اللهم إلا أنا البعض يجعلها من ضمن المعدودات، وبعضها تكون ضمن الموزونات والمكيلات، لكن المهم خلونا نقتصر على الكتب، ما بطبيعتها في أنه يباع بالتناول، فهذا قبضه بتناوله.
وأما ما سوى ذلك، والمراد ما سوى ذلك الأصول الثابتة مثل العقارات، أنا وهبتك عقار أو وهبتك شقة أو وهبتك شجر، فهذا يكون قبضه تخلياً بين الموهوب له وبينها، مثل البيع تماما. إذا بتذكره في البيوع تكلمنا عن طرق القبض، فعرفنا أن هناك ما يقبض بالكيل والوزن والعد والذرع، وهناك ما يقبض بالنقل، وهناك ما يقبض بالتناول، وهناك ما يقبض بالتخلية بحسب طبيعة المال المبيع أو المال الموهوب.
فالمهم عندنا أن إذا حصل القبض بطريقة من طرق القبض التي ذكرناها الآن، إذا حصل القبض بإذن الواهب، أصبحت الهبة عقدا لازما، إذا حصل القبض بدون إذن الواهب فالهبة ما حكمها؟ تبقى عقدا جائزا.
ثم قال: ويقبل ويقبض لصغير ومجنون وليهما، وأضيفوا السفيه طبعا، الصغير والمجنون والسفيه، الذي يقبل ويقبض لهما الولي، إذا ويقبل ويقبض لصغير ومجنون وسفيه وليهما، فهو الذي يقبل وهو الذي يقبض لهم. والولي عرفنا من ولي الصغير والمجنون؟ عرفنا أنه الأب، فإن لم يكن فالوصي، فإن لم يكن فالحاكم.
ثم قال: ويصح أن يهب شيئا ويستثني نفعه مدة معلومة. هذه مثلها مثل الوقف، مرت معنا في الوقف مصر شبيهة بها، أستطيع أن أهب سيارة لشخص، لكن يمكن يحق لي أن أستثني نفعها مدة معلومة، وحتى هذا في البيع، أنا لو بعتك سيارة ولكني استثنيت نفعها مدة معلومة كشرط يجوز، يجوز مر معنا. فكذلك الهبة سيارة وقلت ولكنني أشترط هبة نفعها لمدة شهر لي، يجوز، ما عندنا مشكلة في ذلك، لكن لابد يستثني نفعه لمدة معلومة بس، وبعد ذلك خلص تصبح موهوب له.
ويصح أن يهب حاملا سواء كانت أمة حامل، ليست أم ولد، نتكلم عن أمة حامل كأن من كانت مثلا أمة متزوجة من عبد، فهذه ليست أم ولد، هذه أمة حامل، إذا كانت أمة حامل يستطيع أن يهبها لغيره ويستثني حملها له، أو كانت شاة حامل يستطيع أن يهبها ويستثني حملها له.
فإذا من كان عنده شيء حامل سواء أمة أو ناقة أو بقرة، يستطيع أن يهب الأم ويستثني الحمل لصالحه، إذا وأن يهب حملا ويستثني عفوا أن يهب حاملا ويستثني حملها، والذي يهمكم في الوقت المعاصر مثال كما قلنا الشاة والناقة، الحيوانات عموما التي تكون حوامل فاستطيع أن أهبها واستثني حملها يكون ملكي، أي أقول عندما تلد الحمل لي وأنت لك الأم فقط، هذا يجوز.
وإن وهبه وشرط الرجوع متى شاء، لزمت ولغى هذا الشرط. الآن لو أنني قلت للموهوب له: أنا وهبتك هذه السيارة على أن لي الرجوع متى شئت، يعني وقت ما بدي أخذها منك بأخذها، بنقول ما بنفع، هذا الشرط يخالف مقتضى العقد، والشروط التي تخالف مقتضى العقد تلغى ويصح العقد، مثل بالبيع، تذكره في البيع لما قصرنا الشروط الفاسدة إلى شروط تبطل بنفسها ويبطل معها العقد، وشروط تبطل بنفسها ولا يبطل معها العقد، وذكرنا أن الشروط التي تبطل بنفسها ولا يبطل العقد، الشروط التي تخالف مقتضى العقد فنلغي الشرط ويبقى العقد صحيحا، وهذه نفس الفكرة.
فلو قال: أهبك هذه السيارة على أن لي أن أعيدها متى شئت، نقول هنا عقده صحيح، العقد صحيح، مش شرط لاغ فاسد بذاته فقط، لكنه لا يؤدي إلى فساد العقد، ليه؟ لأنه شرط يخالف مقتضى العقد فيلغو وحده.
قال: وإن وهب دينه لمدينه أو أبرأه منه أو تركه له صح. من صور الهبة الإبراء، جيد أن إذا وهب الشخص دينه لمدينة، أنا أريد من شخص ألف دينار، قلت له خلص يا عمي هاي الألف دينار التي أريدها منك هي هبة لك، أو أبرئك منها، أو تركتها له، أو تركها أو تركه له، يعني من دون ما يقول وهبتها لك أو أبرأتك، خلاص تركها، ما عاد يطالب بها ولا يقبضها وفي نيته فيها وفي نيته أنه تاركها له، فهذا يصح، وهذا من الخير الجميل ولزم بمجرده.
إيش يعني لزم بمجرده؟ هنا لا نحتاج إلى قبول، هنا لا نحتاج إلى عفوا لا نحتاج إلى قبض لتلزم الهبة، ركزوا ماذا قصد، إذا أنا لاحظوا هذه ربا، كنت أريد من شخص ألف دينار فقلت له وهبت لك الألف دينار، الآن الألف دينار هي أصلا في ذمته، فهل تحتاج إلى قبض حتى يصبح العقد لازما؟ لا، نقول إذا وهبته دين تريده منه أو أبرأته منه أو تركته له، هذا يصح ولا يكون العقد إلا لازما، لا يمكن أن يكون جائزا.
ليه؟ قالوا: لأنه بمجرد أن وهبه له، حصل القبض تلقائيا، وهناك قبض معنوي في الحقيقة ما في قبض حسي، لأنني أنا وهبت له الألف التي أريدها منه، فبمجرد أن أقول له وهبت لك هذه الألف أو منها أو تركتها له، حصل القبض تلقائيا، فلذلك قال: لزم بمجرده، يعني يريد أن يقول اللزوم لا يحتاج إلى قبض في هذه الحالة، وبمجرد اللفظ يحصل اللزوم ولا يمكن في هذه الحالة أن يكون أو أن تكون الهبة جائزة، لذلك قال: لزم بمجردها، أي من دون الحاجة إلى قبض اكتبوا.
قالوا: ولو قبل حلوله. إيش يعني ولو قبل حلوله؟ يعني لو كان الدين الذي أريد منه من الديون المؤجلة، مثلا أن بعته هذا الجوال وعلى أن يأتيني بألف دينار بعد خمسة أشهر، هيك اتفقنا، قبل الخمسة أشهر أنا من الشهر الثاني قلت له يا عمي أنا واهبك الألف دينار أو أبرأتك منها أو سامحتك بها، هنا لزم بمجرده حتى ولو كان الدين لم يحل وقته لم يحل وقته بعد. طيب، إذا ولو كان الدين لم يحل وقته بعد.
ثم قال: وتصح البراءة ولو مجهولا. هذه مسألة خلافية: هل يصح الإبراء من المجهول؟ يعني أنا أريد من شخص مبلغ من المال، لكنني والله نسيته، مش عارف هو ألف، ألفين، ثلاثة آلاف، فقلت له خلص أبرأتك من الدين الذي أريده منك، وإن كنت جاهلا بقدره وصفته، هل تصح براءته من المجهول؟ المعتمد في المذهب أنها تصح، المؤتمر في المذهب أنها تصح.
لذلك قال: وتصح البراءة ولو مجهولا، أي ولو كان الشيء الذي أبرأته منه أنا أجهله، أنا أعلم أن لي حق عليه لكنني نسيته، ففي هذه الحالة هل تصح البراءة منه؟ نعم، تصح البراءة منه، فلو تذكرته بعد ذلك: أف والله أنا كنت بدي منه خمسة آلاف والله نسيت، لا تعال يا عمي ما عاد أبرأتك، لا بنقول ما بنفعش، إذا أبرأته من مجهول تصح، يصح الإبراء ويكون لازما وليس لك أن تعود.
ثم قال: ولا تصح هبة الدين لغير من هو عليه إلا أن كان ضامنا. أنا أريد من شخص ألف دينار، هل يجوز أن أهب الألف دينار؟ طيب لشخص آخر، يعني محمد يريد من زيد ألف دينار، هل يصح أن محمد يهب هذه الألف دينار التي يريدها من زيد قبل أن يقبضها لسا ما استلمهاش، يهبها مثلا لفؤاد؟
قالوا: لا ما بنفع. محمد عرفنا أنه يستطيع أن يهب هذه الألف دينار التي في ذمة زيد لزيد، عرفنا قبل قليل يهبها لنفس المدين، لكن لا يستطيع محمد أن يهب الألف دينار التي يريدها من زيد، أن يهبها لأيش؟ لمين؟ لفؤاد، ليه؟
قالوا: لأن محمد في اللحظة التي وهب فيها الألف دينار لفؤاد، هو لا يستطيع تسليمها، لأنها ليست في يده بل في ذمة زيد ما زالت بعد، فبالتالي لا يصح، ولا تصح أو نقول: لا يصح للدائن أن يهب الدين الذي في ذمة المدين لطرف أجنبي قبل أن يستلمه، هذه هي العبارة.
فلذلك قال: ولا تصح هبة الدين لغير من هو عليه. أما لو وهب محمد الألف لزيد نفسه، فهذه مرت معنا، هي المسألة السابقة لما قال: وإن وهب دينه لمدينه، هذا لا حرج فيه، أما لو وهبه لغير مدينه لا يصح، لأنه لا يتمكن من تسليمه للموهوب له، لأنه ما زال في ذمة المدين.
قال: إلا شخص واحد إلا أن كان ضامنا. إذا كان فؤاد أحبابي، أنا ما بعرف ليش بصير الشاشة مرة وحدة خارطة، محمد يريد ألف دينار من زيد، يصح لمحمد أن يهب هذه الألف دينار لفؤاد إذا كان فؤاد هو ضامن لزيد، في هناك عقد ضمان، فؤاد حضرته كان ضامنا من زيد لمحمد، تمام، فؤاد هو الضامن لزيد ضامن زيد لمحمد، فبالتالي محمد بعقد الضمان على ما درسناه سابقا يستطيع أن يطالب زيد بالدين، ويستطيع أن يطالب فؤاد، فهل يستطيع محمد أن يهب الألف دينار التي يريدها من زيد لفؤاد الضامن؟ اه، هذا الشخص يستطيع أن يهب له الألف دينار هو الشخص الوحيد الضامن، هو أصلا محمد يعني هذا الدين اللي هو الألف دينار، هذا الدين اللي هو الألف دينار محمد في الواقع يريده من زيد ويريده من فؤاد وله الأحقية في مطالبة أي شخص منهما، فكان الألف دينار ثابتة.
في ذمة زيد وثابتة في ذمة فؤاد، ومحمد بدل من أن يهبها لزيد المدين، وهبها للضامن، فكأنه في الحقيقة نفس المسألة السابقة، وهب الدين للمدين، لكن ليس للمدين الأصلي بل للمدين التبعي، وهو الضامن، هكذا هي صورة المسألة.
لذلك قال: إلا الضامن؛ لأن الضامن في الحقيقة هو مدين لمحمد، نفس الشيء مثل المدين الأصلي.
جميل، ثم قال: ولكل واهب أن يرجع في هبته قبل إقباضها؛ لأنه عرفنا قبل أن يقبض الموهوب له العين، العقد جائز، الهبة عقد جائز حتى يتم القبض، فقبل القبض هي جائزة فللواهب أن يرجع قبل القبض مع الكراهة؛ لأنه مكروه، أنت أخرجت شيئاً، الأصل أنك خرجت لله، تطلب الأجر، فيكره لك أن تعود فيها، لكنه يصح ولا يصح الرجوع.
لكن الواهب مثلاً قرر الرجوع قبل القبض، قال: أنا بدي أرجع، لسه ما أقبض، يصح، لكن لا يصح الرجوع إلا بالقول.
الرجوع لا يصح إلا بالقول، ما بينفع رجوع فعلي، بس الإيجاب والقبول لصاحب القول وبالفعل، أما الرجوع ما بصح إلا بالقول، هذه هي الفكرة، فلا يصح الرجوع إلا بالقول، بده يصرح: أنني رجعت بالهبة.
ثم قال: وبعد إقباضها إذا كان الموهوب له قبضها انتهت، يحرم الرجوع أصلاً ولا يصح، يحرم من حيث الحكم ولا يصح من حيث الحكم الوضعي، ما لم يكن أبًا، فالأب هو الشخص الوحيد الذي إذا وهب شيئاً لأبنائه يجوز له أن يرجع فيه ويصح، ولو بعد إقباضهم، لكن بشروط.
ما هي؟ قال: دعوني أقرب هذا الكتاب.
قال: ما لم يكن أبًا، فإذا كان الأب يصح له الرجوع بعد الإقباض ولا يحرم، وهذا ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا الوارد فيما يعطي ولده».
قال: ما لم يكن أبًا، فله أن يرجع بشروط أربعة.
ما هي يا ترى هذه الشروط؟ إذا لم تتوفر لا يجوز حتى للاب الرجوع.
ما لم يكن أبًا فله أن يرجع بشروط أربعة.
أولاً: ألا يسقط حقه في الرجوع، إذا كان الأب لما وهب الهبة لابنه صرح وقال: أنا أسقط حقي في الرجوع، بنقول: خلاص، إذا أسقطت أيها الابن حقك في الرجوع سابقًا، ليس لك أن تعود في الهبة التي سلمتها لولدك، ها هذا الشرط الأول: ألا يكون أسقط حقه في الرجوع.
اثنين: ألا تزيد هذه الهبة زيادة متصلة عند ابنه، أنا أعطيت ابني مثلاً شاة عندي، مثلاً ابن واحد وأهديته شاة، هذه الشاة سمنت عنده، وبعد أن سمنت عنده قلت له: أريد أن أرجعها، ليه؟ هل يحق لي ذلك؟ قالوا: لا، بما أن هذه الشاة زادت زيادة متصلة عند ابنك لا تستطيع الرجوع بها؛ ليه؟ لأنه هي لما زادت زيادة متصلة زادت وهي في ملك ابنك شرعًا، فهي من حق الابن هذه الزيادة المتصلة، ولا يمكن أن نأخذها ونفصلها ونرجع لك الشاة أيها الأب؛ لأنها بطبيعتها متصلة، فبالتالي نقول: الأصل بقاء الهبة عند الموهوب له وإرجاع الهبة للأب، هذا أمر استثنائي فلا تخالف به القواعد العامة.
فإذا زادت الشاة أو الشيء بشكل عام زيادة متصلة، هذا ملك للابن، فلا نستطيع أن نفصله للابن، وبالتالي ليس للأب أن يرجع، لا نستطيع أن نفصله للابن ونعطي الأب الشاة من دون سمنها، وبالتالي نقول للأب: والله صعب الآن ترجع في هبتك؛ لأن الزيادة المتصلة هذه من حق ابنك، ولا نستطيع أن نقطعها، فلا تستطيع أنت أن ترجع خلاص فالعين الموهوبة.
أما لو كانت زيادة منفصلة ما بينفع، ما في مشكلة، مثلاً شاة ولدت وولدت عند الابن، خلاص، الابن يأخذ الولد على حدة، والأب يرجع في الشاة، يمكن الفصل، أما في الحالة الأولى لا يمكن الفصل ذهب وسقط حق الأب في الإرجاع.
قال: وأن تكون باقية في ملكه، إذا كان الابن تصرف في هذه العين الموهوبة تصرفًا أخرجها بها عن ملكه؛ لأنه كان باعها لغيره أو وهبها للآخرين أو تصدق بها، انتهى الأمر، ليس للأب الآن أيضاً أن يرجع؛ لأنه خلاص خرجت من ملك ابنه.
رابعاً واخيراً: وألا يرهنها، ألا يكون الابن رهنها في دين؛ لأنه إذا كان رهنها أصبحت هذه العين حق للمرتهن حتى يستوفي حقه، إلا إذا انفك الرهن وعادت العين إلى الابن غير مرهونة، أصبحت الآن؟ نعم، حينئذ يستطيع الأب الرجوع فيها، وأما وهي مرهونة لا يستطيع الرجوع فيها، فهذه إذاً أربعة شروط.
هذه أربعة شروط حتى يستطيع الأب الرجوع: أولاً: ألا يسقط حقه من الرجوع، ثانياً: ألا تزيد العين الموهوبة زيادة متصلة عند الابن، ثالثاً: أن تكون باقية في ملكه أي في ملك الابن، ألا يكون أخرجها من ملكه، رابعاً: وألا يرهنها، فإن رهنها لا يصح للأب الرجوع في أثناء مدة الرهن، وله الرجوع بعد انتهائه.
طيب، بعد ذلك انتقل الشيخ مرعي رحمة الله عليه لمسألة مشهورة، وهي مسألة هل يجوز للأب أن يتملك من مال ابنه من دون إذنه؟ هذه مسألة شهيرة وبها يتعلق الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك»، وكثير من الناس يسألني عن هذه القضية، يقول: أبي جاء فأخذ من مالي وأنا في الحقيقة لست راضياً بذلك.
طيب، ما هي حدود الرضا وما هي حدود عدم الرضا؟ وما الذي يحق لأبي؟ وما الذي لا يحق لأبي؟ فانظروا ماذا يقول السادة الحنابلة، يقولون: وللأب الحر، إذن ليس للأب العبد، طيب، للأب الحر أن يتملك من مال ولده ما شاء بشروط خمسة، بشروط خمسة حتى نضبط المسألة.
إذاً، الأصل أن للأب الحر أن يتملك من مال ولده، وكلمة الولد تشمل الذكر والأنثى، له أن يتملك ما شاء لكن بشروط خمسة.
الشرط الأول: ألا يضره، بحيث لا يجحف بمال أبنه أو مال ابنته، فيتضرر هذا الابن أو عائلة هذا الابن من هذا الأخذ، فنقول للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء، لكن الشرط الأول: ألا يضره، فلا يجحف بماله بحيث يضره ويضر عياله.
ثانياً: وألا يكون في مرض موت أحدهما، لا يجوز للأب أن يأخذ من مال الولد في مرض موت الأب أو في مرض موت الابن؛ ليه؟ لأنه الأب إذا أخذ من مال ولده في مرض موت الأب هنا الأب متهم أنه يريد أن يأخذ من مال الولد ويتملكه حتى إذا مات هذا الأب يذهب ما أخذه لباقي الورثة، لأنه الأب لو سمحنا له أن يأخذ من مال الولد في أثناء مرض موت الأب، نقول هذا الأب مش ضايلوش كثير، شهر، شهرين وبموت، طيب لماذا أخذت من مال ابنك؟ بكون هنا في تهمة أنه أخذ من مال ابنه حتى يصبح له، فإذا أماته وأصبح ورثة للجميع، بنقول: أنت متهم بهذا فلا يجوز أن تأخذ في مرض موتك، وكذلك في مرض موت الابن، يعني الابن الآن في الأيام الأخيرة جاء الأب فأخذ من ماله، بدنا نقول: أيها الأب أنت أيضاً متهم في هذا الأخذ؛ لأنه الآن هذا ابن سيموت وماله سيذهب ويقسم على الورثة، وأنت أحد الورثة أيها الأب، فأخذك من مال الابن في مرض موت الابن هو تهمة في أنك تريد الاستيلاء على هذه الورثة ولا تريد أن يبقى شيء لباقي.
فباختصار في حال مرض موت الأب أو في مرض حال مرض موت الابن ليس للأب أن يأخذ شيئاً من مال ابنه أو ولده عموماً لأنه متهم في هذا الأخذ في كلا الحالين، إذاً: ولا يكون في مرض موت أحدهما.
ثلاثة: وألا يعطيه لولد آخر، ما بنفع الأب يستولي على شيء من مال ابنه ليعطيه لابن آخر، أنت بتوخذ لتنتفع أنت، ولكن ليس لك أيها الأب أن تعطي ولداً آخر.
رابعاً: وأن يكون التملك بالقبض مع القول أو النية، طريقتك للتملك أن يكون بالقبض، لازم يقبض ويقول للولد، لابد يقبض ويقول: قبضت هذا من مالك لي، فيقبض مع القول، أو يقبض مع النية، أن يقبض وينوي في قلبه أنه يقبض لنفسه، فإذا ما كان هناك قبض، مجرد قول أو نية ما بنفع، أو إذا كان هناك قبض، لكن ما في قول صدر منه ولا نية صدرت منه، أيضاً ما بينفع، يعني لا يكون انتقالا للملك من الابن للأب حتى يكون الأب تملك حقيقة، لابد يكون قبضه مع قول أو نية، فالقبض وحده ما يكفيه، والقول أو النية وحدهما لا تكفي، لابد من اجتماع الأمرين.
خامساً: وأن يكون ما يتملكه عيناً موجودة، الأب إذا تملك من مال ابنه يتملك عيناً شيء موجود، فلا يصح أن يتملك ما في ذمته من دين ولده.
قال: ولا أن يبرئ نفسه، إيش يعني؟ يعني لو كان الابن داين الأب عشرة آلاف، لو كان الابن داين والده عشرة آلاف، فوالده إيش قال؟ قال: بما أن لي أن أتملك من مال ابني، خلاص بدي أقول لابني: يا بني العشرة آلاف التي تريدها مني أنا خلاص قبضتها لنفسي اعتبرني أخذتها، خلاص لي، أو أنا أبرأت نفسي بنفسي، بنقول: ما بنفع، بدك تسلم أيها الأب بالعشرة آلاف لابنك، وبعد ما تسلمها لابنك وتقبضها لابنك ترجع تأخذها، إذا استكملت باقي الشروط الأخرى، فلابد أن الابن يمتلكها لتصبح عيناً موجودة عند الابن، ثم بعد ذلك يتسلط الأب عليها مرة أخرى فيأخذها لنفسه بهذه الطريقة.
أما أن يتملكها بمجرد أنها في ذمته، والله ابني دايني عشرة آلاف وأنا ما بديش أسده، فبقول له: خلاص، مش أنا بحق لي أملك من مالك، أنا امتلكت اعتبرني أو أبرأت نفسي بنفسي، ما بنفع، بدك ترجعها للابن، وبعد ذلك حبيت تملكها مع استيفاء الشروط الخمسة تملكها بشرط ألا تضره ولا كذا ولا كذا، شروطه الخمسة التي ذكرناها، أما أن تبرئ نفسك بنفسك أو أن تأخذها لنفسك من نفسك ما بينفع، وهذا ما يتعلق بالشرط الخامس: أن يكون ما يتملكه عيناً موجودة في يد الابن، لابد الأب إذا بده يتملك يتملك عين موجودة في يد الابن، أما دين كان الابن داينه لوالده، ما بنفع يتملك الوالد بمجرد أنه في ذمته أو أن يبرئ نفسه منه، لابد يسلمه لابنه، بعد ذلك يتملكه.
ثم قال: وليس للولد أن يطالبه بما في ذمته من الدين، هذا ينتبه لها الابن ليس له أن يطالب أباه عند الحنابلة بما في ذمته من الدين، أنا داينت والدي عشرة آلاف ليس لي أن أطالبه، وإذا أبوي ما أعطاني أروح عند القاضي وأرفع قضية على والدي، لا لا ما بنفع، ليس لي أن أطالب والدي أمام القضاء.
إذن، وليس لولده أن يطالبه بما في ذمته من الدين، إذا داينته هو رجع لك حيا هلا، ما رجع لك طيب شو أعمل إذا ما رجع لي يا شيخ؟ اه لاحظ الحل.
بل إذا مات أخذه من تركته من رأس ماله، إذا مات والدك بنقول: تعال أيها الابن أنت تكون داينت والدك، كم والله قال؟ عشرة آلاف، عشرة آلاف هذه خسارة، مئة ألف، قال لها: خلاص خليها مئة ألف، أنا داينته مئة ألف، ونقول: هل رجع لك اياها والدك؟ قال: والله ما رجع لي اياها، والله أنا ما طالبته؛ لأن الحنابلة يقولون: لا يجوز مطالبة الوالد ولا الذهاب للقضاء، والوالد الله يسامحه ما رجعها، بنقول: ممتاز، قبل ما يتم توزيع الورثة هذا الابن له أن يأخذ مئة ألف من ورثة الوالد، قبل ما يتم التوزيع الورثة له أن يأخذ.
مش قلنا نحن حقوق التركة أول شيء تجهيز الميت منها، ثم بعد ذلك الديون، وتقدم الديون المتعلقة بالعين، ثم الديون التي في الذمة على مدى درسناه في دورة الفرائض، الابن له أن يأخذ المئة ألف من الديون تعتبر ديناً على الوالد، الابن له أن يأخذها من التركة ثم بعد ذلك توزع الورثة إن بقي ورثة، لذلك قال: بل إذا مات أخذه من تركته من رأس ماله أي قبل أن توزع التركة ورثة.
ثم قال: ويباح للإنسان، هذا جديد مسألة جديدة، ويباح للإنسان أن يقسم ماله بين ورثته في حال حياته، بيجيني بعض الناس بيقول لي: يا شيخ، بصير أوزع مالي الموجود حالياً على ورثتي في حال الحياة، يعني ورثتي طبعا الورثة الموجودون حالياً، هل يجوز لي أن أوزع مالي وأنا حي قبل ما أموت على ورثتي بالطريقة الشرعية في حال الحياة؟ بنقول له: بجوز، فقالوا: ويباح، مش سنة ولا واجب، مباح، ويباح للإنسان أن يقسم ماله بين ورثته وهو ما زال على قيد الحياة، يقسمه على، يعني بيحسب حاله كأنه مات، بشوف كم كل شخص بطلع له حصة ويعطيهم وهو ما زال حياً.
طيب يا شيخ، إذا ظهر مع الوقت وارث جديد، مثلاً هذا الشخص قسم ماله بين ورثته أبناؤه وزوجته، فولد له في المستقبل بعد ما قسم ولدت له زوجته ولد جديد، بده يرجع يقسم من جديد ويعطي هذا الولد الجديد حصته، لذلك قال: ويعطي من حدث أي من حدث بعد هذه القسمة بده يرجع يعطيه حصته وجوباً مثله مثل غيره؛ لأنه هو في النهاية وارث من الورثة.
طيب، ويجب عليه التسوية بينهم على قدر إرثهم، اه هذه انتبهوا لها، الحنابلة يقولون: الشخص إذا أراد أن يهب هبة في حال الحياة وهذه عموماً يعني إذا أراد الشخص أن يهب هبة حال الحياة لأحد ورثته، فيجب عليه أن يعطي باقي الورثة معهم ويوزع الهبة على قدر إرثهم، يعني إذا أنا أب أريد أن أهب ابناً وعندي بنت وعندي ابن آخر، بنقول: إذا بدك تعطي هذا الابن بدك تعطي جميع الورثة، ما بصير أن تخص وارث دون آخر.
إذا الأب أو الشخص عموماً أعطى أحد الورثة، عليه أن يعطي جميع الورثة ولا يخص وارثاً دون غيره. طيب لما الأب بده يعطي جميع أبناءه، هل عليه التسوية بين البنات والبنين؟ وما الهبة لما تقسم في حال الحياة؟
فتقسم كما تقسم أو كما يقسم الميراث بعد الموت. في الحقيقة الهبة ليست مثل الوقف. في الوقف اخذنا البارحة أن الأب مثلاً إذا وقف على أبناءه يسوي بين الذكر والأنثى، واما الهبة فهي مثل الميراث. الأب لا يسوي بينهم بل يعدل، والعدل أن يعطي للذكر مثل حظ الأنثيين. فإذا كان الأب وهب ابنه، خلوني امسح عنده سعاد وزيد وخالد، إذا أعطى زيد ألف دينار، لازم يعطى خالد ألف دينار، واما سعاد بعطيها خمسمائة دينار، للذكر مثل حظ الأنثيين، مثل حال الموت. فمن وهب أحد الورثة يجب أن يعطي جميع الورثة، لكن يعطيهم ليس بالتسوية بل على قدر إرثهم. هذه قاعدة بتحفظوها عند الحنابلة، فبده يعطي زوجته، وبده يعطي إذا كان هناك ورثة غير هؤلاء، بده يعطيهم كالأب أو الأم. هكذا يرى الحنابلة الموضوع أنه لا يجوز تخصيص أحد.
طبعا المسألة فيها خلاف. البعض وهذا قول عند الحنابلة ورواية يختارها الموفق بن قدامة، يقول إن التسوية يجب أن تكون فقط بين الأبناء، فإذا أعطى أحد الأبناء يعطي الباقين ولا يجب أن يعطي باقي الورثة الزوجة والأب وما شابه ذلك. لكن المعتمد في المذهب الرواية المعتمدة عموماً أنه إذا أعطى أحد الورثة بغض النظر من كان، عليه أن يعطي باقي الورثة وعلى قدر الإرث. وهذا الواجب عليه التسوية بينهم على قدر إرثهم في الهبة. أي التسوية بينهم أي بين الورثة وليس بين الأبناء فقط. اكتبوا يجب التسوية بينهم أي بين الورثة، وكيف تكون التسوية؟ على قدر الإرث وليس التسوية بنفس المبلغ.
فلاحظ ايش قال؟ قال فإن زوج أحدهم مثلاً، أب عنده أولاد، زوج أحدهم أو خصصه بهبة من الهبات بلا إذن البقية، أي بلا إذن بقية الورثة، حرم عليه ما فعل. أب زوج ابنه الأول وما زوجش ابنه الثاني، أو خصص ابنه هذا بعطية ولم يعط الثاني. فإذا زوج أحدهم أو خصصه بلا إذن البقية، هسا إذا باقي الورثة أذنوا ما عنا مشكلة أن يخصص أحدهم أو أن يزوج أحدهم دون الباقين. إذا لم يأذنوا حرم عليه، ولازمه أن يعطيهم حتى يستووا على قدر إرثهم، طبعا.
فإذا مات هذا الشخص قبل التسوية بينهم وليس التخصيص بمرض موته المخوف، ثبت للأخذ. فإن كان بمرض موته، لم يثبت له شيء زائد عن باقي الورثة إلا بإجازتهم، ما لم يكن وقفا فيصح الثلث كالأجنبي. الآن ايش بقول لك؟ لاحظوا المسائل، المسألة الأولى: إذا الأب أو الرجل بشكل عام خصص أحد الورثة بامكانه مثلاً عنده أبناء زوج أحدهم أو خصصه بدون إذن الباقين حرم عليه. طيب ايش الإجراءات؟ لزمه أن يعطيهم حتى يستووا. إما برجع بعطية هذا الولد، خلاص ما هو الأب له أن يرجع في العطية كما ذكرنا بالشروط، واما أنه بعطي الباقين حتى نصل لمرحلة العدل. لذلك هذه المنص عليها الطريقة الثانية: ولزمه أن يعطيهم حتى يستووا على قدر الإرث طبعا، وليس المراد الاستواء بنفس المبلغ، الاستواء على قدر الإرث، لازمه أن يعطي الباقين حتى يستووا إذا هم ما قبلوش.
حضر هذا الأب مثلاً مات، مات قبل أن يقوم بهذه التسوية. مات خلينا نقول وقد ظلم الأبناء بأن خصص بعضهم دون الآخر. وقت كثير للأسف يحدث. فإن مات قبل التسوية بينهم، نقول هكذا: هذا التخصيص لأحد الورثة دون الباقين أو لأحد الأبناء دون الباقين، هذه التخصيص هذه العطية التي أعطاها لأحد الأبناء ولم يجزها الباقون. هل وقع هذا التخصيص أو هذه الهبة أو هذه العطية، هل وقعت في مرض الموت؟ إذا كانت وقعت في مرض الموت، إذا لم تكن وقعت في مرض الموت لهذا الأب بل وقعت وهو في الحالة السوية الصحيحة، خلص بنقول الأب أخطأ لما خصص أحدهم دون إذن الباقين، أخطأ لكن هذا التخصيص مات عنه قبل أن يعدل ولم يكن هذا التخصيص في مرض موته، شغلتين ها مات عنه ولم يكن في مرض موته، فيقول ثبت للأخذ. خلاص ثبت لمن أخذ، هو الأب يقابل ربه سبحانه وتعالى والله يعامله كما يشاء.
وأما إن كان هذا التخصيص أو هذه الهبة أو هذه العطية التي أعطاها لبعض أبنائه دون بعض أعطاها في مرض موته، لأ، استنوا شوية، قال هنا: لم يثبت له شيء زائد عنهم. هذا الأب أعطى بعض الأبناء دون الآخرين، لم يجوز الباقون له ذلك وكانت هذا التخصيص في مرض موته ثم مات، نقول إذا كان هذا التخصيص في مرض موته أو هذه الهبة في مرض موته ثم مات عنها، لا يستحق هذا الوارث ما أخذه من الأب، لا يستحق، قال: لم يثبت له شيء زائد عنهم. بده يصير حالك حال باقي الورثة إلا بإجازتهم. وهذا حق باقي الورثة، لم يثبت له شيء زائد عنهم إلا بإجازتهم. فاذا كان اخذ زائد عنهم وهم رافضين نسحبه من هذا الابن، قول يلا بدك توزعه على باقي الورثة، لا يثبت لك ذلك. إذا لم يثبت له شيء زائد عنهم إلا بإجازتهم.
ما لم، رجع استثنى، قال: ما لم يكن وقفا فيصح بالثلث كالأجنبي. إلا إذا كان هذا الأب اللي خصص في مرض الموت، كان تخصيصه على شكل وقف، مثلاً قال هذا الأب: وقفت هذه السيارة على ابني زيد. الأب في مرض الموت خصص على صورة وقف، مش صورة هبة، صورة وقف. قال: وقفت هذه السيارة على ابني زيد. الان في هاي الحالة صحيح هو فعل في مرض الموت، فالأصل أنها ما تمشيش إلا بإذن باقي الورثة، لكن هون بما أنه وقف الوقف قوي جدا، طب امشي حتى ولو لم يأذن باقي الورثة، لكنه يمشي وينفذ إذا كان من ثلث ماله، كما لو كان مثلاً أوصى أو وقف هذا المال لأجنبي، كما لو وقف هذه السيارة أو هذا المال بعد الموت لأجله، بيمر معناها أن الوقف يجوز إضافته لما بعد الموت، وعرفنا أحكامه. المهم لو أنه وقف سيارة بعد الموت على أجنبي، عرفنا أن الوقف نفس الإشي سينفذ من الثلث، فينفذ من ثلث ماله. فكذلك يعني سواء وقف على أجنبي أو وقف على أحد أبناؤه، سينفذ، ونفوذه على أحد الأبناء لا يحتاج إلى إذن باقي الورثة. لأنه الوقف قوي جداً، فينفذ، لكن من الثلث فقط.
إذا كان هذا الوقف الذي وقفه على أحد الأبناء في مرض موته أكثر من الثلث، يعتبر منه الثلث فقط، وما زاد يوزع على باقي الورثة. جيد؟ فلذلك ايش قال هو؟ إذا كان في هذا التخصيص في غير مرض موته المخوف، ثبت للأخذ. إذا كان في مرض موته المخوف، كان في مرض موته ومات، لم يثبت هذا التخصيص للأخذ، إلا إذا أجاز الورثة، إلا إذا كان هذا التخصيص على شكل وقف، فانه يجوز، فانه حتى ولو كان في مرض الموت وخصص به أحد الورثة، فينفذ من دون إذن باقي الورثة. ينفذ وخصص به زيد، ينفذ لزيد، خلص وقف، لكن ينفذ لزيد من الثلث فقط، وليس زائداً على الثلث، وليس زائداً على الثلث. زائد على الثلث بده إذن الباقي. إذا ما أذن باقي الورثة خلاص يعود إرثا للجميع. فهذا معنى قوله.
ثم قال فصل: والمرض غير المخوف. هنا بدأ يتكلم عن قضية الهبة التي تكون في مرض الموت. والهبة التي في مرض الموت أحبابي لها اسم خاص في الفقه الإسلامي تسمى في الحقيقة عطية. اكتبوا عندكم: الهبة في مرض الموت تسمى عطية. وهذا يعني يوجد في كتب الفقهاء يا إخوان. العطية الفرق بينها وبين هبة. طبعا هناك فروق أيضاً بين الهبة وبين العطية، لكن هذا أهم شيء عندنا أن العطية هي الهبة في مرض الموت. الهبة بمرض الموت الآن سيفصل ويبين ما هو مرض الموت وماذا يعتبر مرض موت.
قال والمرض غير المخوف مثل الصداع مثل وجع الضرس، تبرع صاحبه نافذ في جميع ماله كتبرع الصحيح، حتى ولو صار مخوفاً ومات منه بعد ذلك. يعني شخص معه صداع، فالصداع نقول: الصداع هل هو مرض مخوف ولا غير مخوف؟ مرض غير مخوف يا شيخ، ويعني الصداع الله يعافينا وإياكم، ولازم الإنسان في أغلب أيامه. فهنا الحنابلة باختصار يقولون الأمراض على نوعين: مرض غير مخوف لا يخشى منه الموت عادة، وهناك مرض مخوف.
الآن إذا كان الشخص مصاب بمرض غير مخوف، أضراسه بتوجعه، رجله بتوجعه، صداع برأسه، نقول المرض غير المخوف، إذا إنسان في اثنائه وهب كل ماله لا حرج فيه. لذلك قال في المرض غير المخوف، تبرع صاحبه أي صاحب المال نافذ في جميع ماله. يعني لو أنا معي كنوز الأرض وفي كنت في مرض غير مخوف ووهبت هذه الكنوز للناس، ما حدا اله عندي، لأنني أنا في مرض غير مخوف، لكن لذلك قال: تبرعه كتبرع الصحيح. يعني من كان في مرض غير مخوف له أن يهب جميع أمواله، هو حر في ذلك، كما لو غير مريض أصلاً، كما لو كان صحيحاً أي غير مريض أصلاً.
طيب حتى إذا ويا شيخ هذا المرض الغير مخوف ابتداء وأنا وهبت في كل أموالي، تطور بعد ذلك لمرض مخوف ومتممه، حتى لو تطور لمرض مخوف بعد ذلك، ومدمن، خلاص ما وهبته نفذ ولو كانت جميع أموالي. يعني شخص عافانا الله وإياكم كان معه صداع خفيف، الآن الصداع زي ما قال لك مرض غير مخوف، وهو بصداع تبرع بجميع أمواله، هباته صحيحة، إجابته صحيحة. بعد سنة أو بعد فترة ذهب صور رأس رنين مغناطيسي، فاذا بهم يكتشفون أنه هذا الصداع هو سرطان، تطور لسرطان ومات من سرطان مرض مخوف، ومات ابن الشخص. هل نقول آه ارجعوا يا جماعة كل الهبات اللي أعطاها هذا الشخص أثناء الصداع قبل ما يتطور لسرطان بدنا نرجعها؟ بنقول لأ، بما أنه ابتداء كان مرض غير مخوف وتبرع في اثنائه، هو الآن غير متهم لأنه هو يظن أنه مرض غير مخوف، هو غير متهم في تبرعاته، فبالتالي لو تبرع بكل أمواله لا حرج ويعامل معاملة الصحيح تماماً غير المريض.
جميل يعني لو شخص صحيح تبرع بكل أمواله وفجأة مات، موت الفجأة هل منرجع الهبات اللي أعطاها؟ لأ هذا قدر الله. وكذلك نفس الشيء لو كان الشخص في مرض غير مخوف وتبرع بكل أمواله ثم تطور لمرض مخوف ومات، ونقول خلاص الهبات التي وهبها صحيحة ولا إشكال فيها ولو كانت كل أموالها.
وأما المرض المخوف، ثم مثل على الأمراض المخوفة، مثل ايش؟ المرض المخوف الذي يخشى منه الموت مثل البرسام. ويقولون هو مرض يعني أبخرة ترتفع إلى الدماغ، عافاني الله وإياك، وذات الجنب، هذا من الأمراض المعروفة عندهم، والرعاف الدائم، شخص معاه رعاف رعاف نزيف دماء باختصار، والقيام المتدارك. القيام المتدارك هو الإسهال الشديد، وكانوا يعتبرونه مرض مخوف. في الحقيقة في أزمانه هناك أمراض مخوفة في أزماننا اليوم إخواني تنحل بأبرة بأبرة أو بحبة فولتارين وما شابه ذلك. كما يذكره الفقهاء هنا ليس ضابطاً، يعني أنت فقط افهم المرض مخوف. أما ما يذكره من أمثلة في زمنهم كانت مخوفة يموت منها، في زمننا الحمد لله بأقل الأقاليم تذهب للدكتور بعطيك حبة فولتارين ولا شيء بتروح. فانت بدك تشوف المرض الموقوفة في زمنك مثلاً مثل السرطانات القوية، مثل أمراض الأوبئة عافاني الله وإياكم.
يعني كورونا هل يعتبر مخوف ولا غير مخوف؟ في الحقيقة هذا يعني يحتاج إلى اجتهاد، يحتاج إلى اجتهاد وتقييم من الأطباء، لأنه قد يكون في بعض حق بعض الناس أبداً غير مؤثر، وفي بعض الناس يموتون منه مثل كبار السن، فقد يكون مخوف في عقل كبار السن مثلاً، نقول غير مخوف في حق الشباب. يعني هذا يمكن أن يكون تقسيماً مقبولاً.
إذاً القيام المتدارك، وكذلك من كان بين الصفين وقت الحرب، هذا يعامل معاملة المرض المخوف. شخص بين الصفين يعني حضر صف القتال. هذا مش مرض بل لكنه يعامل معاملة المرض المخوف في أحكام عطاياه. لو شخص بين الصفين في لحظة القتال وهب هبة، ما حكم عطايا؟ حكم عطايا من به مرض مخوف على ما سيأتي.
أو كان باللجة وقت الهيجان. شخص كان في عرض البحر وقتها هيجانه، هذا يعتبر كأنه في مرض مخوف لأنه يخشى عليه من الموت. أو وقع الطاعون ببلده، مثل شخص وقع طاعون، يعني هل كورونا وغيرها تعتبر طاعوناً؟ أيضاً فيه خلاف، البعض يعتبره وباءه ليس طاعون، أن هناك بعض الفوارق الدقيقة عند بعضهم بين الوباء وبين الطاعون، يقولون الطاعون مرض فتاك أشد من الأوبئة، خلاص ينتشر في البلد انتشار النار في الهشيم. فإذا الشخص كان في بلد فيها طاعون، حتى ولو لم يصب به، يعتبر كأنه في مرض الموت، حتى ولو لم يصب به، بأنه احتمالية موته أصبحت يعني في متناول اليد في أي لحظة.
وكذلك قدم للقتل أو حبس له. شخص عارف أنه الآن يقدم المشنقة أو حبس في بيت لأنه سيقدم للمشنقة، فسواء قدم له أو حبس له، في كلا الحالتين هذا يعامل معاملة المرض المخوف. أو جرح جرحاً موحياً، أي جرح بليغ شخص جرح جرح وصل إلى قاصي جوفه، هذا جرح في العادة.
يموت منه الشخص. قال: فكل من أصابه شيء من ذلك ثم تبرع، وهب هبة في هذه الحالة ومات بعدها، نفذ تبرعه فقط بالثلث أيضاً. من قل تبرعاتك يا أخي الكريم وهباتك هذه التي فعلتها في مرض موتك، أو في أثناء لجة البحر، أو في أثناء الحرب، هبات هذه لكن تسمى عطايا؛ هذه العطية وهذه الهبة بعد موتك راح نمشيها فقط إذا خرجت من الثلث، وما زاد على الثلث منها.
ما زاد على الثلث منها هذا يتوقف على إذن باقي الورثة، لذلك قال: نفذ تبرعه بالثلث فقط وللأجنبي فقط. ها، ركزوا ايش قال؟ ولا للأجنبية فقط. أما إذا كان على وارث من الورثة فمر معنا قبل قليل، إذا كان على وارث من الورثة ما منمشيها إلا اللهم إذا كان وقفنا يدعونا من سورة الوقف بالوضع الطبيعي. إذا كان في مرضه المخوف وأعطاها لوارث من الورثة، ما بتمشي إلا بإذن الورثة. لكن إذا كان في مرضه المخوف وهو هبة لأجنبي، وهب هبة لأجنبي، فإننا نجيزها لهذا الأجنبي فقط ومن الثلث فقط، واما ما زاد على الثلث أو ما كان لوارث من الورثة، فلا نجيز هذه العطية بعد موت هذا الشخص إلا بإذن باقي الورثة.
وإن لم يمت فكالصحيح. يعني شخص مرضه المخوف وهب أكثر من ثلث ماله، وهبة أكثر من ثلث ماله، فاحنا الآن بدنا نقول: هذه والله الهبة موقوفة شوي؛ لأنه إذا مات هذا الشخص بمرضه المخوف، من هذا المرض المخوف، راح نمشيها فقط إذا خرجت من ثلث ماله للأجنبي. وأما إذا زادت على الثلث، والله بدنا نوخذ إذن باقي الورثة، ما أذن وحقهم، طيب واحنا بنستنى واحنا بنستنى واحنا بنستنى نشوف شو راح يصير في هذا الشخص، إذا بهذا الشخص يشفيه الله والله قادر على كل شيء، كان معاه سرطان مخيف مرعب لكن الله شفاه.
فلما شفاه الله سبحانه وتعالى الآن ستصبح هذه الهبة التي وهبها في أثناء مرضه المخوف نافذة ولو كانت زيادة على الثلث. ركزوا؛ لأنه خلاص قال: وإن لم يمت وعاش بعد ذلك، فهذه هبة تعتبر كأنها أصبحت هبة صحيح، ننفذها ولو كانت زائلة على الثلث. إذا، من كان في مرضه المخوف وأعطى عطية، الآن بدنا ننتظر: هذا المرض المخوف هل مات منه الشخص ولا لم يمت؟ إذا مات منه الشخص، سنجيز هذه العطية إذا كانت ثلث المال من ثلث المال فقط ولأجنبي فقط. أما إذا زادت على الثلث، فالمقدار الزائد سيتوقف على إذن باقي الورثة، وإذا كانت لوارث سواء كانت أكثر من الثلث ولا أقل من الثلث، سيحتاج إلى إذن باقي الورثة.
أما إذا لم يمت من هذا المرض، استنينا استنينا وربنا شفاه ولم يمت من، خلاص هذه العطية ستنفذ، هذه العطية ستنفذ ولو زادت على الثلث؛ لأن تصرفاته هو الآن خلاص ستأخذ حكم تصرفات الصحيح، سنعتبره كأنه وهب في حال بصحته فتنفذ، ومن وهب في حال صحته هبته تنفذ ولو بكل ماله. وهذا نهاية المجلس أحبابي الكرام ونهاية باب الهبة.
في المحاضرة القادمة بإذن الله بقي علينا الباب الأخير ألا وهو باب الوصية. يعني إن شاء الله أن الأمور تسير بضبط واتقان وفهم لحقيقة هذه الأبواب ونضج في استيعابها. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أكرم الأكرمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل