دخولتسجيل الدخول

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرم الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على مبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبابي لمجلس جديد نعقد في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي، على مذهب سادة الحنابلة، رضوان الله تعالى عليهم. في المحاضرة السابقة أنهينا مجموعة من التصرفات التي تحدث في عقد النكاح، مثل تصرف الإيلاء، مثل تصرف الظهار، مثل تصرف اليمين، وأرض من الأحكام المترتبة عليها.

اليوم بإذن الله نأتي إلى مفهوم مهم جداً في كتاب النكاح، ألا وهو مفهوم العدة. هذا من المفاهيم الأساسية التي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يكون على عناية بها في أمور النكاح، وهي قضية عدة المرأة من زوجها؛ لأن العدة إما أن تكون من وفاة، وإما أن تكون من طلاق، وأيضاً يلحق بالطلاق الخلع والفسخ وما شابه ذلك، فلذلك هي من المسائل المهمة متكررة الوقوع، وشيء حاصل بكثرة في حياة الناس، فتعرف أحكامه من الأهمية بمكان.

فقال الشيخ مرعي رحمه الله تعالى عليه، سأشرع معه، قال في تعريف العدة: «كتاب العدة، وهي أي العدة: تربص من فارقت زوجها بوفاة أو حياة». هذا مفهوم العدة، العدة هي عملية التربص، والمراد بالتربص هي الانتظار. فالعدة مفهومها التربص، وما معنى التربص؟ الانتظار؛ أن تنتظر المرأة ولا تبني علاقة زوجية جديدة حتى تنتهي المدة المحددة، هذه العدة، هذا التربص.

سببه إما مفارقة الزوج لزوجته بسبب الموت، بأن مات الزوج وبقيت الزوجة على قيد الحياة، أو يكون هذا التربص بسبب الفراق في حال الحياة، والفراق إما أن يكون بطلاق، وإما أن يكون بخلع، وإما أن يكون بفسخ من الفسوخ. فإذاً العدة هي عملية التربص، عملية انتظار المرأة بنفسها وعدم بنائها علاقة زوجية.

فمفهوم العدة هذا مفهوم يتخصص بالنساء وليس بالرجال؛ فالرجال لا يعتدون، وإنما التي تعتد هي المرأة. فالعدة هي تربص المرأة، انتظار المرأة، وعدم بنائها لعلاقة زوجية جديدة، وسبب هذا التربص مفارقة الزوج لها، إما سبب الموت، أو في حال الحياة بطلاق أو خلع أو فسخ.

لكن سيأتي معنا في الحقيقة أن العدة أيضاً قد تثبت في غير العلاقة الزوجية، وهنا لما ذكر تعريف العدة بأنها تربص من فارقت زوجها بوفاة أو حياة، هو يذكر ما هو المعتاد والأغلب في موضوع العدة، أن تكون بين زوجين انتهت العلاقة الزوجية بينهما إما بموت الزوج، وإما بوقوع فراق في حال الحياة بطلاق أو خلع أو فسخ.

لكن سيأتي معنا أن الموطوء بشبهة أو الموطوءة بزنا أيضاً تعتد، فلذلك نقول هذا للعدة الذي ذكره الشيخ مرعي هو للحالة الأغلب، الأكثر، لكن لا يمنع هذا من أن العدة سترد معنا في الرجل الذي يطأ امرأة أجنبية بزنا، أو الرجل الذي يطأ امرأة أجنبية بشبهة؛ هناك سيكون لها عدة وإن لم تكن بينهم علاقة زوجية، لكنها حالة على خلاف، فلذلك لا يذكرونها في التعاريف، لكنها ثابتة، فأردت أن أبين هذا الاستدراك على هذا التعريف؛ لأنه ظاهر التعريف أنه حصر موضوع العدة بالعلاقة الزوجية، والحقيقة العدة أعم من ذلك ولكن ما ذكره هو الأشهر.

بعد أن عرفنا مفهوم العدة: تربص من فارقت زوجها بوفاة، أي بوفاة الزوج، أو فارق زوجها في حال الحياة بطلاق أو خلع أو فسخ، بدأ يذكر لنا أنواع العدة. يعني ما هي المدة التي يجب أن تتربصها المرأة؟ أن تنتظرها المرأة قبل أن تبني علاقة زوجية جديدة، كم مقدارها الزمني؟ هذا هو الموضوع الكبير المهم عندنا.

وقد قسمته لكم على الشاشة هكذا، فقلت: المعتدة إما معتدة من وفاة الزوج، وإما معتدة -ولا أريد حصرها- من طلاق، خلينا نقول من طلاق أو خلع أو فسخ حتى يكون الكلام أعم. طبعاً موضوع الفسوخ هذا يأتي معنا كمان مرة معنا في العيوب، أليس كذلك؟ أن الزوج يفارق زوجته بسبب عيب مثلاً ظهر فيها، وكذلك الزوجة على ما اخترته. المهم متى ما ذكرنا أن الزوج أنهى علاقته مع زوجته بطلاق أو بخلع أو بفسخ، كيف تكون العدة وما مدتها؟

الآن دعونا نشرع في هذه الأحكام. قال الشيخ مرعي سيبدأ بالقسم الأول: المعتدة التي انتهت علاقتها مع زوجها بسبب وفاة الزوج. فقال: «فالمفارقة بالوفاة، يعني المعتدة التي تعتد لأنها فارقت زوجها بسبب وفاته، هذه تعتد مطلقاً». ما معنى مطلقاً؟ سواء كان الزوج قد دخل بها أو خلا بها، أو كان الزوج لم يخلُ ولم يدخل بها.

تزوج هند ولم يخلُ بها ولم يطأها ولم يفعل شيئاً، عُقد عليها من هنا، اليوم الثاني مات لم يحدث خلوة ولا وطأ، هل ستعتد هند؟ نعم ستعتد لوفاته. فعدة الوفاة -انتبهوا لها- تعتد لها المرأة مطلقاً؛ أي سواء دخل بها الزوج أو لم يدخل بها، ففي جميع الأحوال متى انتهت العلاقة الزوجية بسبب وفاة الزوج، هناك عدة على المرأة.

طيب كم مدتها؟ قال: «فإن كانت هذه المرأة حاملاً من الميت، بأن واطئها، فعدتها حتى تضع كل الحمل، وإن لم تكن حاملاً منه ما كانت حاملاً». فهنا نفرق بين الحرة والأمة؛ فإن كانت حرة فعدتها أربعة أشهر وعشر ليالٍ بأيامها، وعدة الأمة نصفها.

إذن الكرام باختصار، المرأة التي توفي عنها زوجها إما أن تكون غير حامل وإما أن تكون حاملاً. الآن إذا كانت غير حامل منه، فهنا سنفرق بين عدة الزوجة الحرة وعدة الزوجة الأمة؛ فإذا كانت الزوجة حرة فعدتها عند وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإذا كانت الزوجة أمة فعدتها شهران وخمسة أيام، وهي نصف الأربعة أشهر وعشرة أيام. الشيخ مرعي قال لكم عدة الأمة نصف عدة الحرة.

وأما إذا كانت حاملاً، إذا كانت المرأة المتوفى عنها زوجها حاملاً من هذا الزوج، ففي هذه الحالة أحبابي لا نفرق بين الحرة والأمة، ما في تفريق، في كل الأحوال عدتها بوضع الحمل، وإذا كانت حاملاً بأكثر من جنين، توأم أو أكثر من ذلك، فتنتهي عدتها بوضع الحمل.

بوضع آخر جنين، لذلك هو إيش قال الشيخ مرعي؟ فعدتها حتى تضع كل الحمل. شو يعني حتى تضع كل الحمل؟ هذا يتصور أحبابي إذا كانت -ما قلت لكم- حاملة بأكثر من جنين في بطنها، فالأطباء أخرجوا الجنين الأول. هل بمجرد إخراج الجنين الأول انتهت العدة؟ لا، لابد يخرجوا كل ما في بطنها من الأجنة، ثم بعد ذلك نقول انتهت عدتها.

جميل، هذه مسائل سهلة، هي ستعتمد لغة الأرقام. انتهينا من عدة المتوفى عنها زوجها، نذهب إلى المرأة التي فارقت زوجها في حال الحياة، يعني الزوج حي وهي حية وتفارقا. هنا فراق إما سيكون بسبب طلاق، أو بسبب خلع، أو بسبب فسخ من الفسوق التي تمتلكها المرأة أو يمتلكها الزوج وتعلمناها سابقًا.

متى انتهت العلاقة الزوجية بطلاق أو خلع أو فسخ؟ فهنا متى تكون العدة؟ ركزوا. قال: «والمفارقة في الحياة أي فراق بين الزوجين في حال حياة الزوج، والمفارقة في الحياة يعني المرأة المفارقة في الحياة لا تعتد إلا إن خلا بها الزوج الخلوة التي أخذناها بشروطها، خلى بها عن مميز فصاعدًا وهو ممن يطأ مثله وهي ممن يوطأ مثلها مع علمه بأن هذه زوجته وكانت مطاوعة له».

هذه هي شروط الخلوة التي أخذناها لما درسنا متى يتقرر المهر كاملاً، هذه الخلوة بشروطها. لذلك قال: التي فرقت في حال الحياة لا تعتد إلا إذا حصل بينها وبين زوجها الخلوة التي ذكرناها بشروطها، أو حصل بينهما وطء.

بس إذا حصل بينهما أحد هذين الأمرين، أما إذا حصل بينهما تقبيل من دون خلوة، أو نظر إلى فرجها من دون خلوة، أو لمسها بشهوة من دون خلوة، ففي هذه الأحوال الثلاث صحيح نحن أخذنا أنه يتقرر لها المهر كاملاً، لكن لو طلقها ما عليها عدة. ركزوا، حالة التقبيل من دون خلوة، أو النظر للفرج بشهوة من دون خلوة، أو اللمس لها بشهوة من دون خلوة، هذه مرجعنا أنها تقرر المهر كاملاً، لكن لو أنه طلقها لا يكون هناك عدة لها. ستأخذ المهر كاملاً مقابل أنه قبلها أو لمسها بشهوة ونظر إلى فرجها بشهوة، لكن لن يكون لها عدة. العدة لا تكون إلا إذا خلا بها الخلوة بشروطها أو إذا وطئها.

فموضوع تقرر المهر كاملاً شيء، وموضوع العدة شيء آخر، لا تربط بينهما. فإذا المرأة التي تعتد لأنها فارقت زوجها في حال حياته بطلاق أو خلع أو فسخ، نقول عليها العدة بشرط أن يكون خلا بها الخلوة بشروطها أو وطئها، بخلاف عدة الوفاة، هنا لا فرق خلا بها أو ما خلا بها، لكن هنا لا فرق ما إذا كان ما خلا بها ولا وطئها ما في عدة، وهذا أشرت إليه في الطلاق، لكن إذا كان خلا أو وطئ نعم هنا ستحدث العدة.

لذلك قال: «والمفارقة في الحياة لا تعتد إلا إن خلا بها أو وطئها، وكان طبعاً ممن يطأ مثله ويوطأ مثلها»، وهو ابن عشر، يعني من الذي يطأ مثله وتُوطأ مثله؟ ابن عشر سنين وهي بنت تسع سنين، وهذا ذكرته لما ذكرت شروط الخلوة.

طيب، كم مدة العدة إذا خلا بالزوجة أو وطئها؟ كمدة العدة نفس الشيء سنفرغ، نقول أحبابي الكرام هنا الموضوع سيكبر قليلاً. نقول إن كانت المرأة حامل، فهنا لا فرق بين الحرة والأمة، عدتها بوضع الحمل. لذلك إيش قال؟ «وعدتها إن كانت حاملاً بوضع الحمل».

طيب ممتاز، إن لم تكن حاملاً، فهناك عندنا احتمالات: أن تكون من ذوات الحيض، أي امرأة يأتيها الحيض، فإذا كانت من ذوات الحيض فعدتها إن كانت حرة ثلاث حيضات، وإن كانت أمة حيضتان. ذوات الحيض اللي بيحيضوا النساء اللي بيحيضوا، فعدتها إن كانت حرة ثلاث حيضات، وكما قال الشيخ مرعي، وحيضتان إن كانت أمة، دائمًا معدتها أقصر من عدة الحرة.

طيب، وإن لم تكن ممن تحيض؟ هذه المرأة إما بأن كانت صغيرة لسا ما جاءها الحيض، أو كانت آيس، وصلت سن الخمسين، نعرفه في المذهب المرأة التي تصل خمسين سنة انتهى أمرها في باب الحيض، أو كانت بالغة لكن لم يأتها الحيض، هناك نساء بالغة قالوا لا يأتيها حيض، ما جاءها الحيض. فإذا كانت صغيرة أو آيس أو بالغة لا يأتيها الحيض أصلاً، فهنا نقول إذا كانت حرة فعدتها ثلاثة أشهر، وإن كانت أمة فعدتها شهران، سهل هالشغلة.

وإن لم تكن تحيض، فكانت صغيرة أو بالغة لم ترَ الحيض أصلاً، ولا نفاساً، أو كانت آيسة وهي من بلغت الخمسين، هذا ضابط الآيس عندنا، من بلغت خمسين سنة، ومر معنا هذا في كتاب الحيض، فهنا عدتها ثلاثة أشهر إن كانت حرة، وشهران إن كانت أمة.

ممتاز، وأما من كانت تحيض لكن انقطع عنها الحيض؛ المرأة في الوضع الطبيعي هي من ذوات الحيض، لكن فجأة انقطع عنها الحيض ما بيجيها ولساتها في الثلاثينات أو الأربعينات، فهنا يفرق الحنابلة بين من انقطع حيضها وعرفت السبب، وبين من انقطع حيضها ولم تعرف سبب انقطاع الحيض.

فيقولون المرأة المطلقة أو المخلوعة أو المفسوخة التي انقطع حيضها ولم تعرف سبب الانقطاع، هذه تتربص تسع أشهر لاحتمال أنها تكون حاملاً لذلك انقطع حيضها، في احتمالية نحن مش متأكدين، بس حتى نقطع الشك باليقين، بيقولوا لها اجلسي تسع أشهر، بعد ذلك ما جاءك الدم ولم تعد لكِ الحيضة بعد التسع أشهر، تعتدين آيسة، فإن كنتِ حرة ستعتدين بثلاثة أشهر، وإن كنتِ أمة ستعتدين بشهرين. ممتاز، إذاً إن لم تعرف سبب انقطاع الحيض تجلس تسعة أشهر، ثم تعتد آيسة، إن كانت حرة ثلاثة أشهر وإن كانت أمة بشهرين.

وأما إن انقطع حيضها وعرفت السبب، أنه والله حكوا لها الأطباء إن معك مرض في المبايض أو ما شابه ذلك هو الذي سبب انقطاع الحيض، أو مثلاً قالوا لها إنك شربتِ دواء، وهم أكثر الأدوية اليوم، شربتِ دواء سبب لكِ انقطاع الحيض، هنا الحنابلة قالوا بقول حقيقة غريب وسأناقشه، قالوا إن انقطع حيضها وعرفت السبب لأنه سببه مرض معين أو دواء معين، قالوا عليها أن تبقى تتربص حتى يصل عمرها إلى خمسين سنة، ثم إذا وصلت للخمسين وما رجع لها الحيض تعتد آيسة، ثلاثة أشهر إن كانت حرة، وشهرين إن كانت أمة.

تخيلوا معي المسألة، بنت عمرها خمسة وعشرون سنة، زوجها طلقها وانقطع حيضها وعرفت السبب أنها باقية شاربة دواء أو عندها مشكلة في المبايض أو ما شابه ذلك، هذه البنت الحنابلة بيقولوا لها: إن انقطع حيضك وأنتِ تعرفين سبب الانقطاع، لا بد تنتظري ولا يجوز لك أن تتزوجي.

تنتظري وتنتظري حتى يعود الحيض، طيب ما رجع؟ بتنتظري وبتنتظري حتى يصير عمرك خمسين سنة، يعني وصلت إلى سن اليأس. إذا صار منك خمسين سنة وما رجع لك الحيض، خلص صرتي كآيس؛ وإذا المرأة صارت آيس لا عبرة بأي دم تراه عند اليأس، فحينئذ ستعتد عدة الآيس ثلاثة أشهر إن كانت حرة، وشهرين إن كانت أمة.

الآن إخواني سأناقش معقولية قولية هذا الرأي. هل يعقل بالله عليكم فتاة ما زالت في ريعان الشباب، زوجها يطلقها وانقطع حيضها لسبب عرفته، كدواء شربته، أن يقال لها: بدك تضلي تستني حتى يرجع لك الحيض أو توصلي خمسين سنة؟ إذا ما رجع لك الحيض تضلي تستني حتى توصلي خمسين سنة، بعد خمسين سنة بتعتدي ثلاثة أشهر إن كنت حرة وشهرين إن كنت أمة، بعدين يحل لك أن تتزوجي! يعني إحنا ضيعنا عليها زهرة شبابها، مين يتزوجها بعد الخمسين سنة؟ فهذا القول في الحقيقة -وإن كان معتمد المذهب- لكنني لا أذهب إليه في الصراحة.

أذهب إلى ما قرره شيخ الإسلام؛ شيخ الإسلام ناقش هذا القول وكثير من الحنابلة ناقشوا هذا القول واعتبروه ضعيفًا وإن كان قضية مذهب. هنا أريد أن أبقى على قضية أحبابي، لما نقول المعتمد في المذهب هي مجموعة من القواعد وضعها المتأخرون جعلوا فيها ما يقررونه هو المعتمد، لكن هذه الكلمة يجب أيضًا ألا تكون شماعة لإغلاق العقول وعدم التفكير في مدى معقولية بعض الآراء. كون هذا الرأي هو معتمد المذهب، كلمة معتمد المذهب تجعلني طالب علم أقول خلاص أوقف ولا أعمل عقلي، معناها بما أنه معتمد مذهب ما تفكر، خلص خدوا هذه الفتوى من دون ما تفكروا فيها. لا، أنا لست مع التمذهب غير العاقل، أنا مع الوعي، وإذا كان هناك رأي ولو كان معتمد المذهب لكنه في الحقيقة لا ينسجم مع سهولة الشريعة ومع المصالح، لا ينسجم مع مقاصدها الكبرى، لا أريد أن أوقف وأقول انتظر، هذا القول قريب جداً؛ بنت عمرها خمس وعشرين سنة انقطع حيضها وعرفت السبب، بنقول لها بدك تضلي تستني حتى كيف؟ من خمسين سنة؟ بعدين تعتد كآيس، بعدين يحل لها الزواج! قتلناها، يعني إحنا قتلنا طموحها في الحياة.

ولذلك سانقل لكم -انظروا الفقيه العالي في فقهه- ماذا نقل ابن قدامة في حواشيه على الفروع؟ كتاب الفروع لابن مفلح، هناك حواشي لو تسمى حواشي ابن قدامة، وهذا الرجل كثيرًا ما ينقل عن أبي العباس ابن تيمية رحمه الله، وابن تيمية هو أحد أعمدة الحنابلة. ينقل عنه جدًا في هذا القول وبيان ضعفه، ويبين ما هو الرأي الصحيح الذي يجب الذهاب إليه في هذه المسألة. ركزوا وانظروا ماذا قال ابن قدامة.

فائدة ينقلها ابن قدامة عن شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى، يقول شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى إنه سئل عن امرأة شابة -ركزوا- سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن امرأة شابة لم تبلغ سن القياس، يعني عمرها في الأربعينات أو الثلاثينات أو العشرينيات، وكانت عادتها أن تحيض فشربت دواء فانقطع دمها، بطلت تحيض وعرفنا سبب انقطاع الحيض، واستمر انقطاع الدم عنها نحو خمس سنين من حين طلقها زوجها. فما الحل؟ هل تكون عدتها من حين الطلاق بالشهور؟ أو عليها أن تتربص حتى تبلغ سن القياس كما يقول الحنابلة في المعتمد؟ ما رأيك يا شيخ الإسلام؟ هل لازم تضل تستنى حتى توصل سن القياس لخمسين سنة؟

فيقول شيخ الإسلام -لاحظوا ما هو الجواب-: إن كانت تعلم أن الدم لا يأتي فيما بعد بحال، خلاص انقطع عنها الدم قطعًا بقول الأطباء، قالوا لها أنتِ حرقتِ البويضات أو عملتِ شيئًا لا يمكن أن يأتيك الدم أو الحيض بعد ذلك، فهذه عدتها مباشرة ثلاثة أشهر، مثلها مثل الصغيرة والآيس والبالغة التي لا تحيض أصلاً، مباشرة لثلاثة أشهر، لا تستنى خمسين ولا شيء.

وإن كان يمكن أن يعود الدم ويمكن ألا يعود، في احتمالية يرجع لها الحيض ويمكن ألا يعود، فإنها تتربص سنة كاملة. ماذا يعني سنة كاملة؟ يعني تعامل معاملة من انقطع حيضها ولم تعرف السبب، تتربص سنة كاملة؛ يعني تسعة أشهر احتياطًا لأنه ممكن تكون حامل، ثم ثلاثة أشهر إن كانت حرة، وشهرين إن كانت أمة. فقوله سنة، هذه سنة إن كانت حرة؛ أنها ستكون تسعة أشهر ثم بعد ذلك ثلاثة أشهر، تسعة أشهر احتياطًا للحمل ثم ثلاثة أشهر كالأيس، سواء كانت أمة فبتقول تسعة أشهر احتياطًا للحمل وشهرين للأمة فبتكون أحد عشر شهرًا.

فباختصار، شيخ الإسلام أنها ستعامل معاملة من انقطع حيضها ولم تعرف السبب، قال: فإنها تتربص سنة ثم تتزوج وتصبح حلالًا للزواج، كما قضى عمر بن الخطاب في المرأة التي يرتفع حيضها ولا تدري ما رفعه. عمر بن الخطاب قضى في المرأة التي انقطع حيضها ولم تعرف السبب بهذا الحكم: تسعة أشهر ثم بعد ذلك ثلاثة أشهر كالأيس، فبتصير سنة للحرة وإحدى عشر شهرًا للأمة. فشيخ الإسلام يقول لك هذه من عرفت السبب يجب أن تقاس عليها، قال: فإذا تتربص سنة، وهذا مذهب الجمهور كمالك وأحمد؛ لاحظوا أن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن هذا هو مذهب أحمد، وهذا قول آخر للإمام أحمد بن حنبل، وفي الحقيقة هو الذي ينبغي أن يراعى وينظر إليه.

هذا القول الذي يجعل من عرفت السبب كمن لم تعرف السبب هو الذي يجب أن يراعى، وهذا مذهب الجمهور مالك وأحمد؛ نسوي له أحمد. وأما من قال تنتظر حتى تدخل في سن الآيسات، يعني حتى توصل خمسين، وهذا هو قول المعتمد عندنا، فهذا قول ضعيف جدًا مع ما فيه من الضرر الذي لا تأتي الشريعة بمثله. إحنا قتلناها لهذه الفتاة، ضررناها لما جعلنا عدتها أنها توصل خمسين سنة ثم بعدها تعتد ثلاثة أشهر. لا تأتي الشريعة بمثله؛ تمنع هذه الفتاة من النكاح وقت حاجتها إليه، ويؤذن لها فيه حتى لا تحتاج إليه. هل يعقل أن هذه الفتاة عمرها خمسة وعشرون سنة زوجها الأول طلقها، نقول لها: بدك تستني حتى يصير عمرك خمسين؟ وهي محتاجة للزواج في الخمسة والعشرين والستة وعشرين، ولما توصل عمرها خمسين يلا، استني للخمسين بعدين اعتدي بثلاثة أشهر، الآن يحل لك النكاح! عاد ليس لها حاجة في النكاح! بقول لك شيخ الإسلام واحد عمره واحد وخمسون سنة، يعني فات القطار كما يقولون. فبقول لك: أنا لما كانت محتاجة للنكاح منعناها، ولما صارت مش محتاجة للنكاح أعطيناها، مش منطق.

فبالتالي أنا أتفق مع هذا الرأي وهو قول آخر عندنا في المذهب، وأقول ينبغي أن يفتى به. وهذا القول لا يفتي به فقيه في وقتنا المعاصر؛ ففيه من الضرر الكبير على النساء. ويجب أن نراعي مقاصد الشريعة ونحن نتعلم. هذه مناقشة لهذا الرأي.

وكما قلنا الصحيح أن من عرفت السبب حالها كمن لم تعرف السبب. تسعة أشهر ثم كآيسة، كما قال شيخ الإسلام: «انجزمت بقول الأطباء الثقات المسلمين إنه لا يمكن أن يأتيها الحيض بحال»، خلاص انقطع حيضها تمامًا وعرفت أنها ليست حاملًا بالأجهزة الحديثة مثلاً، نقول: فهنا يمكن كما قال شيخ الإسلام أنه مباشرة ما تستنى حتى تسعة أشهر ثم تقاس للآيسة مباشرة ثلاث أشهر، والله ييسر أمورها.

إذاً هذه مناقشة سريعة في هذه المسائل. لذلك قال: «ومن كان التحيض ثم ارتفع حيضها قبل أن تبلغ سن الإياس، ولم تعلم ما رفعه». فهذه تتربى تسعة أشهر ثم تعتد عدة الآيسة. وإن علمت ما رفعه من مرض أو رضاع، أحيانًا بعض النساء بسبب الرضاعة ينقطع عنها الحيض ونحوه، كأن شربت دواء فلا تزال حتى يعود الحيض فتعتد به، فإن لم يعد الحيض أو تصير آيسة -يعني يصير عمرها خمسين- فبعد ذلك تعتد عدة الآيسة ثلاثة أشهر إن كانت حرة، وشهران إن كانت أمة. وعرفنا ضعف هذا القول، والله تعالى أعلم.

هكذا انتهينا من تقرير أحكام العدة، وهذه العدة للمرأة التي فُرقت في حال حياة. لاحظوا ما قال: «فُرقت في حال حياة»، فيشمل فراقها بطلاق أو خلع أو فسخ.

الآن ماذا قال الشيخ في الفصل اللاحق؟ قال: «وإن وطئ الأجنبي». والأجنبي إنسان وطئ هذه المرأة، وهو أدخل في الأجنبي ثلاثة صور: شبهة، أو نكاح فاسد، أو زنا. واعتبر النكاح الفاسد أن العلاقة بين الرجل والمرأة ليست علاقة صحيحة مئة بالمئة، فاعتبرهما كالأجانب عن بعضهما، أو زنا. «من هي في عدتها أتمت عدة الأول ثم تعتد للثاني».

بسم الله، أحبابي الكرام، إنسان اسمه زيد وطئ امرأة تعتد؛ هذه المرأة هي الآن في فترة عدة، اسمها سعاد، وهي الآن في فترة عدة إما عدة وفاة وإما عدة فراق في حال الحياة، بغض النظر عن سبب العدة. هي الآن في عدة، جاء زيد فواطأها، كيف وطئها؟ قال: إما وطئها بسبب شبهة، فظنها زوجته، أخطأ طلعت واحدة ثانية بعد ما اكتشف أنها ليست زوجته، هي سعاد. أو وطئها بزنا -والعياذ بالله-، أو وطئها بأن عقد عليها نكاحًا فاسدًا.

لذلك قال: «وإن وطئ الأجنبي»، إما وطئ بشبهة أو بزنا أو بنكاح فاسد. وعرفنا النكاح الفاسد. وطأ إنسان امرأة هي الآن في فترة عدة، كان مات عنها زوجها أو فارقها في حال الحياة. هنا ستحدث عدة أخرى لكن بعد أن تنهي المرأة العدة التي هي فيها. إذا وطأ زيد هذه المرأة بزنا أو وطء شبهة وهي أصلاً في عدتها من زوجها الذي فارقها في الحياة أو الموت، نقول لهذه المرأة: تنهي العدة من زوجك الأول حسب نوع عدتك، ثم بعد ما تنهي عدتك من زوجك عليك أن تعتدي عدة أخرى بسبب وطء الشبهة أو الزنا، بسبب هذا الرجل الأجنبي عنك الذي وطأك بشبهة أو زنا. لذلك قال: «أتمت عدة الأول ثم بدها تعتد عدة أخرى للثاني». وعدتها للثاني طبعًا بحسب؛ إذا كانت من ذوات الحيض، وإذا كانت ليست من ذوات الحيض وكانت صغيرة أو آيسة، بالغة لم تحض، على نفس التقسيم الذي ذكرته لكم. إذا أتمت عدة الأول بتخلص عدتها من زوجها، ثم بعد ذلك تبدأ عدة أخرى لهذا الثاني الذي وطئها بشبهة أو زنا أو نكاح فاسد.

ثم قال: «وإن وطأها». الآن مسألة أخرى؛ زوج فارق زوجته فراقًا بائنًا، يعني هي ليست رجعية. الزوج إذا طلق زوجته مثلاً وكانت لسه رجعية بقدر يطاها أثناء العدة، لكن نحن نتكلم عن زوج فارق زوجته فراقًا بائنًا، كان الفراق بينهم بائنًا لسبب من أسباب البينونة التي تعلمناها سابقًا، كأن نعتبره خلعًا. وفي أثناء أن المرأة هذه تعتد من هذا الزوج، في أثناء عدتها من هذا الزوج، هذا الزوج ذهب فوطئها في أثناء عدتها وطئًا عمدًا، أي متعمداً أن يطأها؛ هو يعلم أنه فارقها فراقًا بائنًا لكنه في أثناء العدة وطئها، وفي ناس للأسف كثير يعملون هذا الموضوع، يكون طلاقه بائنًا، ممكن يكون مطلقها الثلاث وهذا طلاق بائن، وفي أثناء العدة وهو عالم وطئ زوجته. نقول هذا الوضع ابتداءً: هذا اسمه زنا، هذا الوطء زنا لأنك عالم.

لذلك قالوا: «وإن وطأها»، إذا وطئها زوجها عمدًا، أو باختصار: «وإن وطأها عمدًا من أبَانها». يعني إذا وطئها زوجها الذي أبانها عمدًا في أثناء العدة، فالحكم هنا كحكم فيما لو وطئت هذه المرأة من شخص أجنبي. نحن في المسألة السابقة عرفنا أن المرأة الزوجة في أثناء عدتها إذا وطئها شخص أجنبي بزنا أو وطء شبهة، حكينا بتنهي عدة زوجها الأول ثم تبدأ عدة جديدة من وطء الشبهة أو الزنا. هنا نفس الفكرة، يقولون إذا الزوج فارق زوجته فراقًا بائنًا وهي الآن في عدتها فوطئها الزوج عامدًا في أثناء عدتها، طبعًا هو الآن ليس زوجًا لأنها خلصت بينونة، لكنه وطئها عامدًا في أثناء عدتها فيكون حكمه حكم الأجنبي، أنه يعتبر زانيًا.

فهذه المرأة بالتالي عليها أن تنهي العدة الأولى من هذا الزوج، ثم تبدأ عدة أخرى بعد ذلك منه أيضًا. لكن العدة الثانية ستكون بسبب أنه زنى بها، وأما العدة الأولى فستكون بسبب الفراق الصحيح الذي وقع بينهما. فعليها عدتان من نفس الشخص؛ العدة الأولى بسبب الفراق البائن، ثم عدة ثانية بسبب الزنا. لكنهم يقولون هذه فائدة اكتبوها: إذا كان هذا الزوج الذي وطأ زوجته في أثناء عدتها، إذا ثبت أنها حملت من هذا الوطء، وطء الزنا، في هذه الحالة.

ستنقطع عدتها الأولى، نقول لها: أعدتكِ الأولى وأخفيها عليها، أن تبدأ العدة الثانية وهي عدة الحمل، فتروح على العدة الثانية عدة الحمل وتنتظر حتى تضع حملها، ثم بعد ذلك -أحبابي الكرام- كما قال أستاذ الحنابلة تعود للأولى.

يقول السيد الحنابلة: «إذا حملت من الوطء الثاني -هذه فائدة اكتبوها- عليها أن تنهي العدة الثانية وهي عدة الحمل حتى تضع حملها، ثم تعود بعد ذلك للعدة الأولى». هي تنهي عدتها الأولى ما بتكملها، بتروح على العدة الثانية لأن العدة الثانية عدة حمل، فبتضلها حتى تنقضي عدتها، ثم بعد ذلك تعود للعدة الأولى. وهذا يظهر لي أيضًا أنه في المسألة السابقة نفس الشيء؛ إذا أجنبي وطأ امرأة معتدة.

ما هي المسألة السابقة؟ نحن حكينا أنها تتم العدة الأولى ثم تذهب للعدة الثانية، وهذا يكون إذا لم تحمل من وطء الأجنبي لها، فإذا كانت قد حملت لابدها أن تروح على عدة العدة الثانية وهي عدة الحمل التي تخلصها، ثم ترجع على العدة الأولى.

طبعًا أحبابي، ظاهر كلام الشيخ ابن عوض عندكم في الحاشية أنها تتم العدة الأولى بعد أن تضع الحمل من الثاني، تتم العدة الأولى بعد أن تضع الحمل من الثاني وليس تستأنف عدة جديدة. يعني مثلاً، خلينا نقول هذا زوج وطئ زوجته، وفي أثناء العدة فارق زوجته فراقًا بائنًا، وهي الآن في أثناء العدة، مثلاً اعتدت بالحيضة الأولى واعتدت بالحيضة الثانية، ثم في هذا الطهر جامعها عمدًا -فهذا عرفنا أنه زنا لما جامعها في هذا الطهر- إذا بها تحمل، فلما حملت قلنا لها: عليك أن تنهي هذا الحمل فتعتد العدة الثانية، ثم بعد أن تضع الحمل تعودي فتتمي العدة الأولى بحيضة ثالثة.

أقول هذا ظاهر كلام الشيخ ابن عوض عندكم لما قال: «ثم تتم العدة»، قال تستأنفها من جديد؟ قال: «تتمها»، فهذا يدل أن العدة الأولى احتُسب منها أول حيضتين، والحيضة الثالثة التي بقيت منها انتظرنا حتى تنهي العدة الثانية عدة الحمل ثم تعود فتتمها.

وكذلك لو كانت امرأة مطلقة وهي الآن في عدتها، فجاء أجنبي زنا بها أو وطئها بشبهة، في هذه الحالة إذا جاء الأجنبي فزنا بها أو وطئها بشبهة، نحن عرفنا أنها تتم العدة من زوجها ثم بعد ذلك تدخل في عدة الزنا أو الوطء بشبهة. لكن نفرض أنها من عدة زوجها لم يبقَ لها إلا حيضة واحدة، ثم إذا بها يحمل من الزنا أو الوطء بشبهة، فحينئذ الأصل أنها كما قلنا تكمل عدة الثاني بوضع الحمل، ثم بعد ذلك تعود فتتم العدة الأولى.

فهذه المسألة الاستثنائية، أرجو أن تتوضؤوا عندكم، فقد كان الشيخ ابن عوض في الحاشية... إذاً وإن وطئها، لا نرجع للمسألة التي نحن فيها، لأنه في الحقيقة هناك مسألتان: مسألة الأجنبي الذي يطأ امرأة معتدة، ومسألة الزوج الذي فارق بائنًا ووطئ امرأته المعتدة منه.

نحن في الأجنبي قلنا: سواء الأجنبي وطئ هذه المرأة المعتدة في أثناء عدتها بزنا أو شبهة أو حتى نكاح فاسد، فهذه المرأة تنهي عدتها من زوجها الأول، ثم بعد ذلك تبدأ عدة ثانية من هذا الأجنبي الذي وطئها بزنا أو شبهة أو نكاح فاسد ما لم يحدث حمل.

أما بالنسبة للزوج الذي يطأ زوجته التي أبَانها في أثناء عدتها، هنا في تفريق بين الزوج الذي وطأ عمدًا، وبين الذي وطأ بشبهة. لأن المتعمد الذي هو الزاني، فنفس الشيء المرأة تنهي العدة الأولى ثم عليها عدة ثانية إلا إذا بان الحمل. أما إذا كان هذا الزوج وطأ امرأته المعتدة منه في أثناء عدتها بشبهة، فماذا قال الشيخ مرعي؟ انظر ماذا قال: «وبشبهة استأنفت العدة من أولها»، إذا كان وطئها عمدًا قال: «فكالآجنبي مثلها»، أي مثل موضوع الأجنبي تتم العدة الأولى ثم عليها عدة ثانية.

وأما إذا كان الزوج الذي أبَان زوجته وهي الآن في العدة، وطئها في أثناء العدة بشبهة، يعني بالخطأ وطئها بالخطأ، فهنا أحبابي الكرام ما في داعي لعدتين، قال الحنابلة: خلص، بس عدة واحدة تعيدها من جديد. يعني هي الآن أنهت الحيضة الأولى والثانية، إذا بزوجها الذي أبَانها يطأها خطأ بشبهة، فهنا ما نقول لها أنهي العدة الأولى ثم ابدئي بعدة جديدة، لا، هنا يقول لها أستاذ الحنابلة: خلص، الغي هذه العدة التي أنتِ فيها وابدئي العدة من جديد وخلص، تبدئي العدة من جديد بالحيضات، تبدئي بحيضة أولى ثم حيضة ثانية ثم حيضة ثالثة وخلاص، ما في داعي أن تعتد عدة أولى ثم عدة ثانية، لا، خالص تعيد العدة من جديد وتنتهي أمورها.

لذلك قال: «وإن وطئها عمدًا من أبَانها فكالآجنبي، وبشبهة استأنفت العدة من أولها»، ففرقوا في حالة كان الواطئ هو الزوج في أثناء العدة؛ إذا كان الواطئ متعمدًا فهذا زانٍ، فهنا عدة، وأما إذا كان بشبهة فعدة واحدة لكن تستأنف من جديد.

ثم قال: «وتتعدد العدة بتعدد الواطئ بالشبهة لا بالزنا»، يعني لا بتعدد الزنا. ما معنى هذا الكلام؟ امرأة وطئها زيد بشبهة، بالخطأ فكرها زوجته طلعت ليست زوجته، وطئها أيضًا في نفس الوقت أو بعد دقيقة أو دقيقتين خالد بالشبهة وبالخطأ، وبعد كمان نصف ساعة جاء رأفت وطئها بالخطأ شبهة.

فرضًا بدك تفرض المسائل الفقهية حتى تجد لها حلولًا: إذا امرأة وُطئت بشبهة من أكثر من شخص، كم تعدُّ عليها؟ هل تعتد من جميعهم عدة واحدة أم عليها أن تعتد لكل واحد عدة؟ قال الحنابلة: عليها أن تعتد لكل واحد عدة. فمن أول واحد وطئها زيد، أول شيء تخلص عدته، بعدين خالد تخلص عدة خالد، ثم رأفت تخلص عدته؛ فعليه أن تعتد مثلاً ثلاث حيضات، ثم كمان ثلاث حيضات، ثم ثلاث حيضات إذا كانت من ذوات الحيض، وإن لم تكن من ذوات الحيض مثلاً ثلاث أشهر، ثلاث أشهر، ثلاث أشهر.

وأما إذا كان التعدد ليس بشبهة وإنما بزنا، امرأة زنا بها شخص -وهذا يحدث كثيرًا في السجون عافانا الله وإياكم- زنا بها شخص ثم شخص ثم شخص تتابعوا في الزنا بها، هذه كم عدة عليها؟ هل تتعدد العدة بتعدد الزناة؟ قالوا: لا، قالوا هذه عليها عدة واحدة من الجميع. لماذا يا ترى؟ سأعطيكم الآن حكمًا مهمًا جدًا جدًا يقول الحنابلة...

الموطوءة بشبهة إذا أنجبت من هذا الوطأ فالولد ينسب للواطئ، وأما إذا وطأت بزنا فالولد لا ينسب للواطئ. هذه من القواعد المهمة.

أحبابي، رجل وطأ امرأة بشبهة فحملت منه فأنجبت، هل هذا الولد ينسب إلى أبيه وهو الواطئ بالشبهة؟ نعم. رجل زنا بامرأة فأنجبت، هل هذا الولد ينسب إلى أبيه؟ لا. فالوطء بشبهة الولد الناتج منه ينسب إلى أبيه، وأما في الزنا فالولد الناتج لا ينسب إلى أبيه.

ومن هنا، إذا تعدد الذين يطؤون المرأة بشبهة، زي ما ذكرنا واحدة أكثر من شخص وطؤها بشبهة، عليها أن تعتد من كل واحد عدة مستقلة احتياطاً، حتى نتأكد من عدم وجود حمل لا من هذا ولا من هذا ولا من هذا؛ لأنه أي حالة سيثبت فيها الحمل ونعرف من خلال التقديرات أنه هذه العدة لفلان أو فلان أو فلان، سيلحق به الولد الناتج لو فرض حدث هذا.

لكن إذا كانت المرأة مزني بها من قبل أكثر من شخص، فهذه المرأة حتى لو أنجبت فالولد الناتج لن ينسب لا إلى هذا ولا إلى هذا ولا إلى هذا، لأنه ولد زنا، ولد زنا لا ينسب لا إلى هذا ولا إلى هذا ولا إلى هذا. فبالتالي خلص، ليش نطول على المرأة عدة؟ عدة واحدة تبي تكفي إذا تعدد الزنا. أما إذا تعدد الواطئون بشبهة، لأنه في حالة متى ثبت الولد لأحدهم سيلحق به؟ قالوا عليه أن تعتد من كل واحد منهم عدة مستقلة. وهذي فائدة اكتبوها عندكم: قضينا أن من وطأ بشبهة فأولد المرأة، الولد سينسب له، ومن وطئها بزنا فأنجم الولد لن ينسب له. إذا تتعدد العدة بتعدد الواطئ بالشبهة لا بتعدد الزنا.

ثم قال: «ويحرم على زوج الموطوءة بشبهة أو زنا أن يطأها في الفرج ما دامت في العدة». الآن هذه مسألة مختلفة تماماً؛ امرأة لها زوج، يعني هي ليست مفارقة، الحمد لله لها زوج، لكن زني بها -عافاني الله وإياكم- أو وطأت بشبهة. هذه المرأة التي زني بها أو وطئت بشبهة ولها زوج، بمجرد أن يزنى بها أو يوطأ بشبهة عليها عدة. وفي أثناء هذه العدة نقول لا يجوز لزوجها أن يطأها؛ ليه؟ لأننا نريدها أن تعتد، هذه المرأة ثلاث حيضات حتى نتأكد من براءة رحمها. نريدها أن تعتد في الأصل حتى نتأكد من براءة رحمها، حتى ولو كانت صغيرة وتعتد بالأشهر.

لأنه يا إخواني الكرام هناك شيء أريد أن أقوله لكم، أن العدة في جانب منها معنى معقول، وفيها جانب تعبدي أيضاً. من يظن أن العدة إنما شرعت للمعنى المعقول فقط، فهذا الكلام ليس صحيحاً؛ ففي قسم منها جانب تعبدي، وفي قسم منها أيضاً يكون معقول المعنى.

لماذا أقول هذا الكلام؟ لأنه لو قلنا العدة فقط هي لمعنى معقول وليس فيها جانب تعبدي، معناتها اليوم على وفق الأجهزة الحديثة التي عندنا، إذا رجل فارق زوجته ورحنا على الأجهزة الحديثة وشفت أنها ليست حاملاً منه، خلص الأصل أنه ليس لها عدة. هكذا البعض يفكر أن العدة فقط شرعت لمعنى معقول وهو التأكد من براءة الرحم. بالتالي إذا المرأة طلقت وذهبت للمستشفى وقالوا لها لا، رحمك ليس فيه شيء الحمد لله، فتفكر أنه خلاص أنا ليس عليَّ عدة لأنني تأكدت أن رحمي نقي وليس فيه أي حمل، بنقول لا، بدك تعتدي على كل الأحوال حتى لو تأكدت أن رحمك نقي. ليه؟ لأن العدة فيها جانب أيضاً تعبدي لله سبحانه وتعالى، فيجب ألا نعارض. نعم فيها جانب معقول المعنى وهو التأكد من براءة الرحم، لكن أيضاً فيها جانب تعبدي، هذا مدموج مع هذا؛ فبالتالي الأحكام يجب أن تبقى متصلة بالجانب التعبدي ولا تنفك عنه. وعرفنا إذاً هذه المسألة حكمها: «ويحرم على زوج الموطوءة بشبهة أن يطأها في الفرج ما دامت في العدة».

الآن يريد أن يتكلم لنا عن موضوع المرأة التي تعتد من زوجها المتوفى عنها، في أثناء عدتها لها حكم خاص وهو ما يسمى في الشريعة بالإحداد. المرأة التي تعتد من وفاة زوجها، أظن هذا الحكم تعلمونه، عليها في أثناء العدة أن تطبق الإحداد. فيا ترى ما هو مفهوم الإحداد للمرأة في أثناء عدتها من وفاة زوجها؟ انظروا ماذا قال؛ قال الشيخ مرعي -رحمة الله تعالى عليه-: «يجب الإحداد على المتوفى عنها زوجها بنكاح صحيح ما دامت في العدة».

الآن أحبابي أريدكم أن تنتبهوا على شغلة: إذا كان النكاح صحيحاً أو فاسداً ومات الزوج، فإن المرأة عليها عدة وفاة، أما إذا كان النكاح باطلاً فالمرأة لا يوجد عليها عدة وفاة. هذه أول معلومة؛ رجل تزوج امرأة بنكاح صحيح أو نكاح فاسد فمات هذا الزوج عن هذه المرأة، المرأة عليها عدة وفاة. أما إذا كان النكاح بينهم باطلاً -مش فاسداً- فهنا حتى لو مات عنها هذا الرجل لا يوجد لها عدة وفاة؛ لأن النكاح الباطل وجوده عدمه، لا شيء، لا تنبني عليه الأحكام.

أما النكاح الفاسد، لأنه مختلف فيه كما عرفنا، تترتب عليه بعض أحكام النكاح الصحيح ومنها العدة؛ عدة الوفاة. فمن فارق زوجته بالموت في نكاح فاسد فهذه الزوجة عليها عدة الوفاة كما لو فارقها بالموت في نكاح صحيح. لكن ما الفرق بين النكاح الصحيح والنكاح الفاسد في عدة الوفاة؟ أنه في النكاح الصحيح المرأة يجب عليها عدة وفاة زائد الإحداد الذي سنعرفه إن شاء الله، وأما في النكاح الفاسد المرأة عليها عدة وفاة لكن ليس عليها إحداد.

فهمتم؟ إذاً النكاح الباطل لا عدة فيه ولا إحداد، النكاح الفاسد فيه عدة وفاة لكن ما في إحداد، النكاح الصحيح فيه عدة وفاة وفيه إحداد. لذلك قيد فقال: «ويجب الإحداد على المتوفى عنها زوجها بنكاح صحيح» بهذا القيد، ما دامت في العدة، والإحداد يكون خلال مدة العدة.

ويجوز للبائن... ماذا يعني ويجوز؟ يقول الحنابلة: يباح، مجرد إباحة. يباح للمرأة التي أبانها زوجها في حال الحياة بالطلاق ثلاثاً أو خلعها، يباح للمرأة التي فارقها زوجها في حال الحياة بالطلاق الثلاث أو الخلع أو غيره من أنواع الطلاق البائن أو الفرقة البائنة أن تطبق الإحداد أيضاً، لكن مجرد إباحة، لا يسن ولا يجب. أما المرأة المتوفى عنها زوجها، فلا، فهذه هي المرأة التي يكون الإحداد في حقها واجباً. طيب، ما هو الإحداد؟ خلينا نفهم ما هو الإحداد؟ قال:

والإحداد معناه ترك؛ أي المرأة تترك الزينة والطيب كالزعفران، والترك لبس الحلي ولو خاتما. إذا ان تترك المرأة التزين وأن تترك الطيب ولو كان الطيب من أمثلته الزعفران، وأن تترك المرأة لبس الحلي ولو خاتما في إصبعها.

طبعاً المسائل يجب النساء تعرفها، خاصة من توفى عنها زوجها؛ في أثناء عدتك لا يصير تتزيني، ولا يصير تتطيبي، ولا يصير تلبسي الحلي ولو خاتم في إصبعك. ولا يجوز، وعليها أيضا أن تترك لبس الملون من الثياب كالاحمر والأصفر والأخضر، تلبس إما أسود وإما أبيض.

وترك التحسين بالحناء والإسفيداج؛ كان الإسفيداج شيئا يستعملونه للتجمل، فالمرأة عليها أيضا في أثناء عدة الوفاة وجوبا ترك التحسين، يعني التزيين باستعمال الحناء والإسفيداج -وأنا لا أعرف بالضبط ما هو- والاكتحال بالأسود، عليها أن تترك الاكتحال بالكحل الأسود لأنه مظهر من مظاهر الجمال في المرأة.

لكن قال صاحب الإقناع في "الإقناع" إنه يجوز لها أن تستعمله في الليل إن احتاجت إليه لعلاج العين وتمسحه في النهار. هذا كلام الإقناع، وإن كان ظاهر المنتهى بإيرادات المنع مطلقا من استعمال الكحل الأسود حتى ولو كان للحاجة في الليل، ولكن أنا أذكر كلام الحجاوي في "الإقناع" يقول: إذا احتاجت إليه في الليل للعلاج تضعه ليلا وتمسحه نهارا.

المهم، خلونا نفهم الآن أصل الإحداد، ومن ثم ننتقل إلى الاستثناءات. إذا كان عليها أن تترك الاكتحال بالأسود، أما إذا اكتحلت بغير السواد فمذهب المذهب الجواز. وكذلك الأدهان بالمطيب، عليها أن تترك أي عملية تدهن بها شيئا فيه طيب، كأن تدهن شعرها أو ما شابه ذلك بدهن فيه طيب.

وترك أيضا تحميل الوجه، تضع عليه المحمرات وهذا شيء تعرفه النساء، أو الحمرة على الشفاه. وحُرم عليها أيضا أن تحف الشعر الذي يخرج عن الوجه؛ تعرف المرأة دائما تحب أن تحف وجهها حتى لا يظهر عليه الشعر ولو كان وبرا، فالحنابلة يقولون: أثناء عدة الوفاة لو خرج شعر أو وبر لا تلمسه المرأة عن وجهها، لا تحف هذا الشعر عن وجهها.

لكن إذا طال وأصبح، مثلا بعض النساء تكون مشعرة جدا بحيث يصبح لها لحية، في الحقيقة المرأة ليست مطالبة أن تصبح بشعة، فإذا أخرجت لحية أو ما شابه ذلك الذي يظهر، فلا مانع من القص. لكنهم يتكلمون كما قلنا عن إحياء هذا الشعر الصغير الأشقر الذي يخرج على وجه النساء والنساء في العدة يحببن أن يزنه يكون مثل الوبر، فهذا الذي لا تحفه. أما لو خرجت لها لحية ونبت لها شارب، فهذه لا يظهر أنه من لزوم الإحداد أن تبقي هذا الشعر عليه.

ثم قال، إذا هذا مفهوم الإحداد عموما، بدك تفهم المرأة ما هو الإحداد؟ بدها تترك الزينة، تترك وضع الطيب، تترك وضع الحلي ولو خاتما، تترك الملونات من الثياب، تترك الحناء والتحسن بها، تترك الكحل الأسود، تترك الأدهان بالمطيبات، تترك تحميل الوجه وإزالة ما عليه من الوبر وحفه. ولها لبس الأبيض ولو حليب، عرفنا أن تلبس الثياب البيض ولها أن تلبس الثياب السود، لكن الملونات لا يجوز لأن ذلك من مفهوم الإحداد.

ثم قال: وتجب عدة الوفاة في المنزل الذي مات زوجها فيه ما لم يتعذر. لازم المرأة تعتد في البيت الذي مات عنها زوجها وهي فيه، في المنزل الذي مات زوجها فيه، وصلها الخبر وهي في هذا المنزل تعتد في هذا البيت. إذا كان هذا المنزل ملكا للزوج الأمور سهلة، بنحكي للورثة: خلوا المرأة في البيت حتى تنتهي العدة، مات زوجها، الورثة يقسمون البيت ويبيعوه، لازم أمكم تضل في هذا البيت، إنه هذا هو البيت الذي بلغها وفاة الزوج فيه.

أما إذا كان هذا المنزل ليس ملكا لزوجها، كان إيجارا أو عارية، إذا صاحب العارية قال أنا بدي أسترد هذا البيت، فبالتالي هنا المرأة تستطيع أن تنتقل إلى أي بيت شاءت لأن صاحب البيت يريد أن يسترد بيته. وكذلك إذا كان إيجارا؛ المرأة ليست ملزمة بأن تدفع الإيجار من جيبتها، فإذا كان الزوج مسددا الإيجار كاملا مثلا عن هذا البيت لسنة ومات خلال هذه السنة فالمرأة تجلس فيه. إذا لم يسدد الزوج الإيجار، وما في أحد تبرع بدفع الإيجار، ففي هذه الحالة يا أحبابي المرأة عليها الإقامة، صاحب البيت يريد البيت، وما في أحد يدفع الإيجار والمرأة مش ملزمة أن تدفعه، فبالتالي لها أن تنتقل أين شاءت.

إذن المرأة يجب عليها أن تعتد في المنزل الذي مات زوجها فيه، قال الحنابلة: ما لم يتعذر ذلك، بأن كان المنزل ليس ملكا وصاحب المنزل أراد أن يستردdeه، وكان عارية أو كان إيجارا والزوج لم يسدد الإيجار، فهنا المرأة تنتقل إلى حيث شاءت. وأما ما سوى ذلك فإنها يجب عليها أن تعتد فيه ولا يجوز لها الخروج منه.

طيب، قضية خروج المرأة في أثناء العدة من هذا البيت؛ يقول الحنابلة: إذا كان خروجها لحالة اضطرارية قصوى فلها أن تخرج ليلا أو نهارا، وأما إذا كانت تريد أن تخرج لحاجة من حوائج الدنيا، بدها مثلا تروح تجيب الراتب من البنك، أو تشتري بضاعة للبيت من خضار وفواكه، أو بدها تشتغل حتى تجيب مال تترزق به في حياتها؛ فإذا كان هناك حاجة للخروج، لها أن تخرج نهارا فقط.

فالحنابلة هنا يفرقون بين الاضطرار والحاجة؛ الضرورة إذا المرأة ما فعلتها يمكن أن تقع في مهلكة، وأما الحاجة فهي شيء من أمور الدنيا لو ما فعلته لا تقع في مهلكة، لكن ممكن تقع في مشقة أو حرج. فالحاجة كما قلنا تروح للبنك تجيب راتبها، تروح تشتغل حتى ترزق حالها وأولادها، بدها تجيب خضار للمنزل، فهنا إذا أرادت للحاجة أن تخرج وليس للضرورة، فتخرج نهارا فقط.

طب يا شيخ، لو كان هناك من يقضي لها حوائجها، هل يجوز لها أن تخرج في النهار؟ يقولون نعم، ما دامت تخرج لحاجة ولو كان هناك من يمكن أن يقضي لها حوائجها، ما دامت تخرج لحاجة وليس للعب وللهو، فبالتالي يجوز لها الخروج.

وليس من شرط الحاجة ألا يكون هناك من يقضيها لها، كما ذكر عندكم ابن عوض في الحاشية؛ إذا خرجت المرأة لحاجة في النهار وليس للهو جاز لها هذا الخروج في أثناء عدة الوفاة، ولو كان هناك من يمكن أن يقضي لها هذه الحوائج.

ثم قالوا: وتنقضي العدة بمضي الزمان حيث كانت. يعني باختصار، المرأة حتى ولو لم تلتزم بأحكام عدة الوفاة، بأن لم تلتزم بالإحداد مثلاً، أو لم تلتزم بأن تمكث في بيت الزوجية، ولم تمكث في عدتها في بيت الزوجية وذهبت مباشرة عند دار أهلها، نقول: أنتِ فعلتِ حراماً أنكِ تركتِ الإحداد، وفعلتِ حراماً أنكِ خرجتِ من بيت الزوجية من دون عذر، لكن العدة شغالة. المدة أربعة أشهر وعشرة أيام هي شغالة، لن تتوقف على أنكِ أحددتِ أو لم تحددي، وأنكِ جلستِ في البيت أو لم تجلسي، لكن تركك لهذه الأمور تكونين آثمة فيه ما دمتِ لستِ معذورة.

انتهى الآن من موضوع ما يسمى الفراق بين الزوجين، العدة التي تكون بسبب الفراق بين الزوجين، فراق الموت أو فراق الحياة. الآن سينتقل لموضوع يلحق بهذا الباب، وهو موضوع استبراء الإماء. هذا الموضوع يتعلق حقيقة بموضوع الإماء بالتحديد، وهي علاقة هذه الأمة بسيدها، متى يجب على سيدها أن يستبرئ رحمها؟ وإذا انتقلت هذه الأمة لسيد جديد، متى هذا السيد الجديد عليه أن يستبرئها وكم مدة الاستبراء؟ هذا موضوع هذا الفصل: باب استبراء الإماء.

ما معنى الاستبراء أولاً؟ الاستبراء معناه هو التأكد من براءة رحم هذه الأمة من الولد. متى يجب استبراء الإماء وكم مدة هذا الاستبراء؟ قال الشيخ رحمه الله: «باب استبراء الإماء، وهو واجب في ثلاثة مواضع». هناك ثلاثة مواضع يجب فيها على السيد أن يستبرئ الأمة وسنعرف مدة الاستبراء إن شاء الله. ولاحظوا، نحن هنا لا نتكلم عن العلاقة الزوجية للإماء، لو كانت الأمة علاقتها علاقة زوجية وانتهت علاقة الزوجية بموت أو فراق، فقد ذكرنا ذلك قبل قليل في العدة، لكن هنا نتكلم عن علاقة الأمة بالسيد، متى يجب على السيد أن يستبرئها؟ يعني أن يتأكد من رحمها من خلال الانتظار للمدة المحدودة التي سنأتي لذكرها.

نبدأ بالحالة الأولى، قال الشيخ مرعي: «وهو واجب في ثلاثة مواضع». أول موضع قال: «إذا ملك الرجل...». وكلمة الرجل هنا مقصودة ليخرج المرأة، فلو قال «إذا ملكت امرأة»؛ وفي الحقيقة كنت أتمنى أن يقول «إذا ملك ذكر» أحسن من «رجل»، لأنه قال: «إذا ملك الرجل ولو طفلاً»، فكيف إذا ملك الرجل ولو طفلاً؟ كلمة الرجل ولو طفلاً تعني أن الطفل لن يكون رجلاً والرجل لا يكون طفلاً، لذلك لو قال: «إذا ملك الذكر ولو كان طفلاً أمة يوطأ مثلها».

إذا امتلك بأي طريقة من طرق الملك المشروعة أمة يوطأ مثلها، والأمة التي يوطأ مثلها يكون عمرها تسع سنوات. إذا كان عندنا ذكر امتلك أمة عمرها تسع سنوات بأي طريقة من طرق الملك، وهبت له، أو أُعطيت له من حرب أو من غنيمة، هذا الذكر امتلك أمة يمكن أن توطأ، أي أكملت تسع سنوات قمرية، حتى ولو ملكها من أنثى. يعني حتى لو كانت هذه الأمة عند سيدة أولى أنثى، وهذه السيدة أعطت هذا الذكر هذه الأمة ببيع أو بهبة.

هنا لماذا قال: «حتى ولو كانت من أنثى»؟ لأننا عرفنا أن الاستبراء هو التأكد من براءة الرحم، وفي الوضع الطبيعي إذا كانت هذه الأمة عند سيدة، فالسيدة لا توطأ أمتها، وهذا حرام شرعاً، ففي الوضع الطبيعي هذه الأمة وهي تحت هذه السيدة الأصل والظاهر أنها لا تكون حاملاً، ومع ذلك، لأنه الاستبراء فيه جانب معقول والمعنى صحيح، ولكن فيه جانب تعبدي أيضاً، فمع ذلك حتى ولو كانت الأمة ملكاً لسيدة وهذه السيدة وهبت الأمة أو باعتها لهذا الذكر، على هذا الذكر أن يستبرئها حتى لو كان الظاهر أن هذه الأمة ليس من الممكن أن تكون حاملاً، لأن في ذلك جانباً تعبدياً.

لذلك قال: «حتى لو ملكها من أنثى أو كان بائعها قد استبرأها». يعني حتى لو كان هناك سيد هو الذي عنده هذه الأمة، وهذا السيد قبل أن يبيع هذه الأمة قد استبرأها عنده، جلسها عنده شهراً واستبرأها فيه بحيضة، فالاستبراء إما أن يكون بشهر إذا كانت صغيرة أو آيسة أو بالغة لا تحيض، أو يكون بحيضة إذا كانت من ذوات الحيض، حسب نوع الأمة؛ إذا كانت أمة من ذوات الحيض فتكون بحيضة، وإذا كانت الأمة كما سيأتي معنا صغيرة أو آيسة أو بالغة لا تحيض فهذه بشهر.

المهم، هذا السيد عنده أمة استبرأها الاستبراء المطلوب منه ثم باعها لهذا الذكر، فلما وصلت الأمة لهذا الذكر يجب أن يستبرئها مرة أخرى. إذن نقول: أي ذكر امتلك أمة يوطأ مثلها، حتى لو تملكها من أنثى، وحتى لو امتلكها من سيد كان قد استبرأها قبل أن يعطيه إياها، على هذا الذكر أن يستبرئها في كل هذه الأحوال ما دام تجدد ملكه عليها.

قال: «أو باع أو وهب أمته ثم عادت إليه بفسخ أو غيره». يعني حتى لو كان هذا الذكر هو المالك السابق لهذه الأمة، كانت هذه الأمة عنده فباعها لشخص مثلاً، وهذا الشخص وجد فيها عيباً، فجعل هذا الذكر وقال: اسمع، هي أمّتك أنا وجدت فيها عيباً ولا أريدها، أريد فسخ عقد البيع؛ لأننا عرفنا إذا وجد عيب فله خيار فسخ العقد واسترداد الثمن. فإذا رفض المشتري وأراد الفسخ، فعادت الأمة لهذا الذكر الذي باعها، فبمجرد أن تعود إليه بفسخ عقد البيع يجب أن يستبرئها من جديد. تصوروا أين يحتاطون في الاستبراء! هذه الصورة الأخيرة انتبهوا لها، هذا الذكر كان مالكاً لهذه الأمة التي عمرها تسع سنوات.

ذهب فباعها المشتري ووجد فيها عيباً، فقال: "وجد فيها عيباً، بدي أرجعها"، فرجعها. هذا الذكر بده يستبرئها مرة أخرى؛ لأنه هذا قالوا تجدد له ملك جديد، لأنه تجدد له الملك عليها فسيحتاج أن يستبرئها مرة أخرى. لذلك قال: «أو باع أو وهب الإنسان الذكر أمته ثم عادت إليه بفسخ أو بأي طريقة أخرى»، ما دام تجدد الملك من جديد سيتجدد الاستبراء عليك.

ثم قال: «وحيث انتقل الملك لم يحل استمتاعه بها ولو بقبلة حتى يستبرئها». في كل الصور التي ذكرناها، ما دام هذا الذكر امتلك هذه الأمة التي يوطأ مثلها، ما دام هذا الذكر تجدد ملكه أو حصل له ملك على هذه الأمة التي يمكن أن يوطأ مثلها، فبالتالي عليه أن يستبرئها قبل أن يستمتع بها. نقول له: لا يجوز لك أن تستمتع بها بأي شكل من الأشكال ولو بقبلة.

بعض الناس، أحبابي، بيفكروا بموضوع مسائل الإماء في الشريعة أنها هيك متساهلين فيها أو شوربة، يعني أي شيء خالص، خذ أمة افعل فيها ما شئت كيف شئت. قل لهم أنا يا إخواني أحكام دقيقة جداً وعظيمة، والتساهل فيها حرام، انتبهوا يا جماعة. هذا الإنسان الذكر الذي امتلك أمة عمرها تسع سنوات فصاعداً، يعني يمكن أن يوطأ مثلها، نقول له قبل أن تستبرئها لا يجوز لك أي شكل من أشكال الاستمتاع ولو بقبلة، لأنه يجب عليك أن تستبرئها جيداً.

لذلك هذه الحالة الأولى التي يجب فيها الاستبراء: أي ذكر ولو طفل امتلك أمة يمكن أن يوطأ مثلها عليه أن يستبرئها، وسنعرف مدة الاستبراء؛ ذوات الحيض بحيضة وغيرهن بماذا؟ على تفصيل الذي سيأتي معنا إن شاء الله. مثله مثل العدة في تفاصيلها عموماً، ولو كان ملكها من أنثى، ولو كان البائع الذي باعه إياها أو وهبه إياها استبرأها، ولو كان هو أصلاً المالك لهذه لكنه أخرجها عن ملكه لشخص ثم عادت إلى ملكه من جديد بفسخ أو نحوه، بده يستبرئ ما دام تجدد له الملك. وقبل أن يستبرئ في أي صورة من الصور التي ذكرناها يحرم عليه الاستمتاع بها ولو بقبلة.

نأتي على الحالة الثانية التي يجب فيها موضوع استبراء الإماء. قال الثاني: «إذا ملك أمة ووطئها ثم أراد أن يزوجها لشخص أو يبيعها لشخص فعليه أن يستبرئ». إذا ملك أمة ثم أراد أن يزوجها أو يبيعها قبل الاستبراء قال: يحرم قبل أن يستبرئ، فلو خالف يصح البيع دون النكاح وإن لم يطأ جاز.

ما هي الحالة الثانية؟ هذا الذكر كان مثلاً استبرأ هذه الأمة، صارت له في الوضع الطبيعي وهو يطأها خالص. امتلك هذا الذكر أمة يوطأ مثلها وبدأ استبرأها، عمل الخطوة الأولى المطلوب منه، هو الآن أصبح بعد الاستبراء يطأها، يجامعها. في يوم من الأيام قرر هذا الإنسان أن يزوج أمته، قال: بدي أزوجها وخلاص ما بديش، أو قرر أن يبيعها. بنقول له: إذا قررت أنك تزوجها أو تبيعها لشخص يجب عليك أيضاً أن تستبرئها.

فإذا رجل يطأ أمته ثم أراد تزويجها أو بيعها، بنقول له قبل ما تزوجها، سواء زوجها لعبد أو لحر بشروطه، أو قبل ما يبيعها، يجب عليه أيضاً أنه يستبرئها ليتأكد من براءة رحمها من أي ولد يمكن أن يُنسب له. فإذا باعها قبل أن يستبرئها أو زوجها قبل أن يستبرئها، فما الحكم؟ حرام. هذا حرام كحكم تكليفي، لكن هل يصح هذا البيع أو هذا النكاح؟ قال: كبيع نعم يصح. فلو خالف، يعني لو باعها قبل أن يستبرئها أو أزوّجها قبل أن يستبرئها، هنا سيصح البيع ولكن النكاح لا يمكن أن يصح، لذلك قال: يصح البيع ولا يصح النكاح.

لكن إذا كان هذا الذكر الذي يمتلك هذه الأمة هو لا يطؤها أصلاً، قال: يا عمي أنا زلمة عارف حالي، أنا هذه الأمة التي عندي ما بطؤها، ففي هذه الحالة هل يجوز له أن يبيعها أو أن يزوجها من دون أن يستبرئها؟ نعم له أن يفعل ذلك، هو أدرى بنفسه. إذا الإنسان الذي يملك ما يعلم أنه لا يطأها، بالتالي له أن يبيعها وأن يزوجها قبل أن يستبرأها أو من دون أن يستبرئها.

لكن انتبهوا، إذا باعها دون أن يستبرئها، الشخص الذي انتقل إليه الملك الآن سيتبعه موضوع النكاح. موضوع النكاح خلص ما فيه عدة، لكن الشخص مثلاً قال: أنا لا أطأ أمّتي، هل يجوز أن أبيع من دون أن أستبرئ؟ نقول له نعم، لكن الشخص الذي سيشتري منك وسيمتلك هذه الأمة سيجب عليه أن يستبرئها، لأنه سيأتي على الحالة الأولى، سيكون من الحالة الأولى؛ يكون هذا المشتري امتلك أمة يمكن أن يوطأ مثلها فعليه أن يستبرئها.

إذن الشخص الذي يمتلك أمة الآن هي تحت ملكه، إذا كان يطأها نقول له: لا يجوز لك أن تبيعها ولا أن تزوجها حتى تستبرئها للاستبراء المعروف، فإن لم يفعل ذلك ففعل حراماً ويصح بيعه لكن لا يصح تزويجه. وأما إن كان هو لا يطأ فيجوز أن يبيعها وأن يزوجها من دون أن يستبرئها.

الحالة الثالثة التي يجب فيها الاستبراء ما هي؟ قال الثالث: «إذا أعتق أمته أو أم ولده». ما عرفنا من هي أم الولد؛ التي أنجبت من سيدها. أو مات عنها، إذا أعتق أمته أو أم ولده، أو مات عنها، لزمها استبراء نفسها إن لم تستبرئ قبل.

الآن أحبابي الكرام، رجل أعتق أمته صارت حرة، قلت له أنا بنيجي على هذه الأمة، خلونا الآن في الأم، رجل كان عنده أمة أعتقها صارت حرة، قلت لها: أنت الآن حرة، هل سيدك قبل أن يعتقك استبرأك؟ إذا قالت: والله سيد استبرأني قبل أن يعتقني بنقول خلاص ما عليك استبراء، لكن إذا السيد ما كان استبرأها قبل أن يعتقها سنقول لهذه الأمة التي هي الآن حرة: عليك أن تستبرئي نفسك المدة التي سنقررها بعد قليل.

هذا في موضوع الأمة، إذا كانت أم ولد بالتحديد، يعني أنجبت من سيدها، وعرفنا هذه اسمها أم ولد، يعني أمة أنجبت من سيدها يصير اسمها أم ولد. إذا كانت أم ولد فأم الولد إذا أعتقها السيد قبل أن يموت، أو مات وعرفنا أنها تصبح حرة بمجرد أن يموت، أم الولد إذا أعتقها ومات عنها، في كلا الحالتين برضه...

هل استبرأك سيدك قبل أن يعتقك، أو استبرأك قبل أن يموت فرضا؟ إن قالت نعم: استبرأني وأنا الآن أصبحت حرة، نقول لها: ما عليك، استبراء جديد. وإذا قالت: لا والله ما استبرأني قبل أن يعتقني أو قبل أن يموت، نقول: صحيح، أنتم الآن حرة ولكن عليك أن تستبرئي نفسك.

فبالنسبة للأمة، يأتي موضوع العتق فقط، ما لها إلا موضوع عتق؛ لأن الأمة إذا لم تكن أم ولد ومات سيدها عنها، ما بتصير حرة، تظل أمة. وينتقاد الورثة، والوارث الذي ستنتقل إليه هذه الأمة عليه أن يستبرئها على القاعدة الأولى أنه امتلكها، وهي يمكن أن يوطأ مثلها، فعليه أن يستبرئها الوارث. لكن هنا نتكلم عن الأمة نفسها التي تعتق؛ فالأمة إذا اعتقت ولم يستبرئها سيدها، وقبل الإعتاق عليها أن تستبرئ نفسها، وأم الولد نفس الشيء إذا اعتقت أو مات عنها سيدها فأصبحت حرة، بالتالي عليها أن تستبرئ نفسها إذا لم تستبرأ قبل ذلك. هذه هي الأحوال الثلاث التي يجب فيها الاستبراء، وكلام الشيخ مرعي هنا مرتب جدا في الحقيقة في ترتيب الأحوال التي يجب فيها استبراء الإماء.

الآن سيبدأ ينتقل في الفصل يتكلم عن: كم مدة الاستبراء؟ عرفنا متى يجب، طب كم مدة الاستبراء؟ هذا سأسرده سريعًا لأنه ينبني على فهمكم السابق لقضية عدة المزوجة. قالوا: واستبراء الحامل بوضع الحمل. الآن إذا كانت الأمة حامل، استبراؤها يكون وضعها للحمل، وأما إذا لم تكن حامل، فإما أن تكون من ذوات الحيض فاستبراؤها يكون مدته فقط حيضة واحدة، وأما أن تكون آيسة أو صغيرة أو من البالغات اللاتي لم يحضن، فهذه استبراؤها يكون بشهر.

وأما إذا كانت ممن ارتفع حيضها، فالتفصيل مثل الذي كنا نذكره في عدة الزواج؛ إذا كان الفراق حال الحياة، فالتفصيل في قضية أنها حامل، أو ذوات حيض، أو آيسة، أو صغيرة، أو ممن ارتفع حيضها، لكن تختلف المدد. لذلك قال: والمرتفع حيضها ولم تعلم ما رفعه، عليها أن تستبرئ بعشرة أشهر؛ تسعة أشهر للحمل وشهر احتياطًا، يعني هو شهر تعامل فيه معاملة الآيس، يسمونه تسعة أشهر للحمل وشهر تعامل فيه معاملة الآيس.

وأما إن كانت عالمة بالذي رفعه، فعليها أن تستبرأ خمسين سنة ثم بشهر كالأيس، وقلنا هذا القول ضعيف، وإن كان هو المعتمد في المذهب لكنه من الناحية العملية ضعيف. فالأمة إذا أردت أن أستبرئها خمسين سنة، عفوا، استبرئها حتى يصير عمرها خمسين سنة. قال: والعاني بما رفعه بخمسين سنة، وهي عبارة موهمة؛ المراد العالمة بما رفع حيضها، أي أنها عارفة أنه بدواء وما شابه ذلك. إذا حاضت ترجع إلى الحيض حيضة، إذا ما حاضت تنتظر حتى يصير عمرها خمسين سنة، بعدين عليها أن تجلس شهراً، ثم يصير لي أني أطأها. وهذا ليس منطقياً، أن أنتظر حتى يصير عمرها خمسين سنة ثم بعد ذلك أستبرئها بشهر ثم بعد ذلك أطأها، وهي بعد الخمسين سنة تصبح لا تشتهى ولا يُنظر إليها. ففي الحقيقة كما قلت لكم هذا القول مشكل.

ثم قال: ولا يكون الاستبراء إلا بعد تمام ملك الأمة كلها. الاستبراء لا يكون إلا بعد أن تمتلك الأمة كاملة. فإذا شخص باعك نصف الأمة أو وهبك نصف الأمة، لا يكون عليك استبراء؛ إذا ملكني نصف أو ملكني جزءًا منها لا يكون علي الاستبراء، الاستبراء لا يكون حتى أمتلك الأمة كاملة. لماذا؟ لأنه إذا ملكني نصفها أو ربعها، أنا أصلاً لا يحق لي أن أطأها، وإنما الأمة التي يحق لي أن أطأها هي التي أمتلكها كاملة. بالتالي قال: ولا يكون الاستبراء إلا بعد تمام ملك الأمة كليًا. فإذا أنا أصبحت مالكًا لجزء من الإماء لا يجب علي الاستبراء لأنه لا يجوز لي أصلاً الوطء.

قال: ولا يكون الاستبراء إلا بعد تمام ملك الأمة كلها ولو لم يقبضها. يعني إذا اشتريتُ كاملة وأصبحت ملكي، انتقلت لملكي، فهنا أستطيع أن أبدأ الاستبراء ولو لم أقبضها بعد. أنا اشتريتها وأصبحت ملكي لكن لسا ما قبضتها، أستطيع أن أبدأ مدة الاستبراء ولو لم أقبضها، ما عندنا مشكلة في ذلك.

ثم قال: وإن ملكها حائض. طب إذا أنا امتلكتها ودخلت في ملكي وهي أصلاً في نصف حيضتها، هذه الحيضة لا يعتد بها، قال: لم يكتفِ بتلك الحيضة بل عليه أن ينتظر حتى تحيض حيضة أخرى.

ثم قال: وإن ملك من تلزمها عدة من غيره. اكتبوا: «وإن ملك من تلزمها عدة من غيره اكتفى بها». ما معنى هذا الكلام؟ الآن أحبابي الكرام، ذكر امتلاك أمة، خلينا على أول صورة نصور وجوب الاستبراء: امتلك أمة عمرها تسع سنوات. هذه الأمة التي امتلكها ودخلت في ملكه بطريقة من الطرق، هي أصلاً الآن عليها عدة من غيره. كيف يعني؟ يعني مثلاً هذه الأمة زني بها، وعرفنا أن أي امرأة يُزنى بها ولو كانت أمة عليها عدة، بس عرفنا أن عدة الأمة تكون أقل من عدة الحرة، فإذا زني بها تكون عدتها بحيضتين.

فإذا كانت هذه مثلاً زني بها فعليها أن تعتد، أو وطئت بشبهة، أو مثلاً كانت متزوجة وفارقها زوجها طلقها فهي الآن عليها العدة. فإذا هذا الذكر امتلك هذه الأمة، وهي أصلاً لما امتلكها هي الآن عليها عدة من غيره، هل تجزئ هذه العدة التي عليها من غيره عن الاستبراء؟ قالوا: نعم. إذا هذا الذكر امتلك أمتها، هي تبرأ، مش هكذا حكينا في أول صورة مصورة للوجوب؟ لكن إذا امتلكها وهي أصلاً عليها عدة؛ لأنها وطئت بالزنا أو بشبهة أو كان زوجها فارقها، فالآن هي عليها العدة، فإذا امتلكتها وهي عليها عدة، هذه العدة إذا مضت يجزئني عن الاستبراء، لأنها إذا مضت خلاص تأكدنا من براءة الرحم، فلا حاجة إلى أن أستبرئها بعد ذلك. إذاً «وإن ملك من تلزمها عدة من غيره» هكذا نقول اكتفى بها ولا حاجة أن يستبرئها استبراءً خاصًا.

ثم: «وإن ادعت الأمة الموروثة حريمها على الوارث بوطء مورثه، أو ادعت المشترات أن لها زوجًا، صدقت». هذه مسائل قضائية. المسألة الأولى: سيد عنده أمة مات، هذا السيد رحمه الله، هذه الأمة ستصبح للورثة، إلا إذا صارت أم ولد فتعتق بموت سيدها، لكن لأنها لم تحمل من سيدها فهي الآن للورثة. الآن إذا أصبحت هذه الأمة ملكاً للورثة، هل يجوز للورثة أن يطأوها؟ فالآن نقول: إذا كان سيدها وهو أبوهم مثلاً، إذا كان سيدها يطؤها فالورثة ليس لهم أن يطؤوها، لا يجوز أن يتعاقب عليها الأب والابن.

فإذا كانت الأمة كان يطؤها سيدها قبل أن يموت، وهي الآن ورثة، فحتى لو أصبحت ورثة ودخلت في ملك الأبناء، ليس لهم أن يطؤوها إذا كان والدهم يطؤها. أما إذا كان والدهم لا يطؤها، فالأبناء هنا أي واحد منهم يحصل على هذه الأمة يستطيع أن يطأها. فالمهم هذه الأمانة، نحن لا نعرف هل كان سيدها يطؤها أم لا، فلما جاءت على الورثة قالت لهم: اسمعوا، أنا والِدكم كان يطأني، فهنا يقبل قولها لأنها أدرى بذلك، خاصة أن موضوع العشرة الزوجية موضوع خاص وفي العادة لا يكون عليه شهود، وهي ليست عشرا زوجية بس، هي عشرة بين السيد وبين هذه الأمة؛ ففي العادة لا يوجد سيد، هي توأمته أمام الجماهير، فبالتالي ما في مجال إلا أن نصدق قولها. فإذا قالت كان يطأني والدكم، فبالتالي ليس للأبناء وإن ورثوها أن يطؤوها.

لذلك قال: «وإن ادعت الأمة الموروثة تحريمها على الوارث بوطء مورثه»، أي أنك لا تستطيع أن تطأها لأن أباك مثلا كان يطأني، فهي تصدق في ذلك لأنها أدرى بهذه العلاقة الخاصة. أو ادعت مشتراه، أو أمة اشتراها رجل، أما تقول اشتراها رجل فجاء هذا الرجل بعد أن اشتراها واستبرأها، قال: سأطأك، فقالت له: اسمع، أنا حقيقة متزوجة، هل تصدق؟ قالوا نعم تصدق، لا يوجد في ذلك مشكلة. فإذا كان هذا الرجل يجهل أنها متزوجة، فهذا عيب يستطيع أن يعود به على من باعه. أما إذا اشتراها وهو يعلم أنها متزوجة، فهذا موضوع آخر.

أما الكلام عن اشتراها وهو لا يعلم أنها متزوجة، فقالت له: أنا متزوجة، هنا ما يصير يطأها، وهي المصدقة في ذلك؛ هي أدرى إذا كان لها زوج أم لا. لكن إذا اكتشف ذلك، كما عرفنا، أصبح عيبًا؛ أي: أنا اشتريتها من أجل أن أعطيها، واكتشفت أنها متزوجة، يستطيع أن يعود على من باعه ويقول له: هذه معيبة أنها متزوجة فلا أستطيع أن أطأها، خذها وأعطني مالي وانتهت القضية.

هكذا نكون انتهينا من موضوع الاستبراءات. ننتقل سريعًا أحبابي الكرام لموضوع الرضاع. كتاب الرضاع موضوع الرضاعة سهل ولن يطول إن شاء الله. الرضاع من أحد أسباب نشوء علاقة التحريم، وذكرنا سابقًا لما ذكرنا المحرمات في النكاح على التأبيد، عرفنا أن من أنواع التحريم على التأبيد ما ينشأ بسبب الرضاع بين الرضيع وبين التي أرضعته. وقلنا الرضيع له عائلة حقيقية وله عائلة من الرضاع. الرضيع له عائلة حقيقية وله عائلة الرضاع، وهي العائلة التي أرضعته.

يقول الشيخ: يكره أولًا استرضاع الفاجرة والكافرة وسيئة الخلق، والمريض بمرض الجذام والبرص؛ لأنهم يقولون الرضاع يؤثر في الطفل، فلكذلك يكره أن تجعل ابنك يرضع من امرأة فاجرة، فربما يؤثر هذا على أخلاقه، حتى اللبن منها لا نريده، وهو مكروه طبعًا وليس حرامًا. وكذلك من امرأة كافرة أو من امرأة سيئة الخلق؛ لأنه يخشى انتقال هذه الصفات من خلال اللبن، والله أعلم. وكذلك إذا كانت مصابة بالجذام أو بالبرص، خوفًا من انتقال هذه الأمراض من خلال اللبن إلى الطفل الرضيع. إذن، يكره استرضاع الفاجرة، الكافرة، سيئة الخلق، الجذماء، والبرصاء.

نرجع للفائدة الأساسية الآن؛ أن يقول: «إن أرضعت المرأة طفلاً بلبن حملٍ لاحقٍ بالواطئ صار ذلك الطفل ولدهما». ركزوا معي في هذه العبارة لأن فيها تفكيكًا. امرأة أرضعت طفلاً، قلنا لها: هذا اللبن الذي عندك في ثديك من أين أتى؟ فقالت: أتى من حمل بجنين يلحق نسبه بالذي وطئني. من خلال دراستنا السابقة، متى هذا الجنين الذي في رحم هذه المرأة يلحق نسبه بالذي وطئها؟ إذا كان هذا الواطئ زوجًا لهذه المرأة، أو وطئ بشبهة، أو حالة ثالثة كان سيدها، فبإمكانه بملك اليمين أن يطأها.

إذا كانت هذه المرأة عندها لبن، ونركز من أين مصدر اللبن؛ إذا قالت مصدر اللبن أنني من حملي بجنين، هذا الجنين حكمه الشرعي يلحق نسبه بالذي وطئني، فهنا نأتي لنفكر في الجنين الذي يلحق نسبه بالواطئ في الشريعة الإسلامية: إذا كان الواطئ زوجًا، نعم فإن هذا الجنين سيلحق نسبه إليه. إذا كان الواطئ وطئها بشبهة، سيلحق نسب هذا الجنين إليه. إذا كان الواطئ هو سيد هذه المرأة وكانت أمة، فهذا الجنين سيلحق نسبه بالسيد.

في هذه الأحوال الثلاث، ما الذي خرج؟ إذا كان الواطئ قد وطئ هذه المرأة بالزنا -والعياذ بالله- فهنا الجنين الذي سيأتي، صحيح هذه المرأة صار عندها لبن، لكنه لبن من حملها بجنين لا يلحق نسبه بالذي وطئ، بالتالي هذا لا ينشئ علاقة تحريم الرضاعة؛ لأنه ليس لبنًا ناشئًا عن جنين يلحق نسبه بالواطئ. يجب أن يكون اللبن الذي عند هذه المرأة ويسبب محرمية الرضاع لهذا الطفل لبنًا نشأ من حملها بجنين يلحق نسبه بالواطئ. فالجنين الذي يلحق نسبه بالواطئ هو الجنين الذي يكون بسبب واطئ عبارة عن زوج لهذه المرأة، أو وطئها بشبهة، أو كان سيدًا لها.

أما إذا كان اللبن بسبب حملها بجنين لا يلحق نسبه بالواطئ وهو وطء الزنا، فهذا اللبن لا يسبب محرمية الرضاعة. هذه أول قاعدة يجب أن نفهمها. لذلك قال: «وإن أرضعت المرأة طفلًا بلبن»، أي أرضعته بلبن نتج من حمل بجنين يلحق نسبه بالواطئ، صار ذلك الطفل الذي أرضعته هذه المرأة بهذا اللبن ولدًا لهذه المرأة بالرضاع وولدًا للواطئ بالرضاع. حتى ولو كان الواطئ سيدًا لهذه الأمة، أو كان واطئًا بشبهة لها؟ نعم، لا يشترط أن يكون الواطئ زوجًا لهذه المرأة، يمكن أن يكون واطئًا بشبهة أو أن يكون سيدًا لها. ففي كل الأحوال هذا الطفل أصبح ابنًا لهذه المرأة بالرضاع وابنًا لهذا الواطئ بالرضاع.

لهذا صار ذلك الطفل ولدهما، وأولاد هذا الطفل وإن سفلوا هم أولاد ولدهما، سيكونون كأنهم أحفاد لهذه المرأة ولهذا الواطئ. وأولاد كل منهما من الآخر أو غيره هم إخوة هذا الطفل من الرضاع وأخواته، وقس على ذلك.

أبناء هذه المرأة الحقيقيين هم إخوان وأخوات لهذا الطفل من الرضاع، سواء كانوا أبناء هذه المرأة من زوجها أو من رجل آخر، وكذلك أبناء هذا الواطئ الحقيقيين سواء كانوا أبناءه من هذه المرأة أو من غيرها سيكونون إخوانه وأخواته من الرضاعة. فأي طفل أنجرته هذه المرأة، وأي طفل ينجبه هذا الواطئ، سواء كان من علاقتهما مع بعضهما إذا كانت علاقة زوجية أو من غيرها من العلاقات، سيكون أخا أو أختا لهذا الطفل الرضيع من الرضاعة.

فهذا يبين لك ما هي العلاقات التي ستنشأ؛ إذ يصير هذا الولد طفلاً لهما، هذا والده وهذه والدته. وأولاد هذا الطفل وإن نزلوا هم أحفاد لهذه المرأة ولهذا الواطئ، وكل ولد حقيقياً لهذه المرأة أو حقيقياً لهذا الواطئ سيكون أخاً لهذا الطفل من الرضاع، وسيكون أخاً له من جهة الأب.

لو كانت هذه المرأة لها أولاد غير حقيقيين، أي أولاد من الرضاع الآخر، وكذلك هذا الواطئ له أولاد من الرضاع الآخر، هل يكونون إخوان وأخوات لهذا الطفل الرضيع؟ أي نعم، هذه فكرة صحيحة. فلو هذه المرأة عندها أطفال من الرضاع، وهذا الرجل له أطفال ينسبون إليه من الرضاعة -خلينا نقول ليس نسباً بل يعتبرون أولاده- فمن هم إخوان وأخوات لهذا الطفل من الرضاع؟

سواء كان أولادها حقيقيين أو من الرضاع، أو كان هذا أولاده حقيقيين أو من الرضاع، سيكونون إخوة وأخوات لهذا الطفل من الرضاعة؛ هذه الفكرة احفظوها هكذا. الآن، كم الرضعات التي يجب أن يرتضعها الطفل حتى تنشأ علاقة المحرمية؟ هل الرضعة الواحدة تكفي من هذه المرأة؟

في الحقيقة هناك عدد معين عند الحنابلة. قال الشيخ: «وتحريم الرضاع أو ربما لسه لم نصل لموضوع عدد الرضعات»، ثم قال: «وتحريم الرضاع في النكاح وثبوت المحرمية كالنسب». وهذه مرة معنا أن التحريم الذي ينشأ بين هذا الطفل الرضيع وبين هذه العائلة هو تحريم بالنسب، أو مثل تحريم النسب؛ لأن النبي ﷺ قال: «إنما يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».

فالذي ينشأ عنه من تحريم في النكاح وثبوت المحرمية هي مثلها مثل النسب؛ نفس علاقات النسب، وهذا شرحته سابقاً. فقلت لكم: هذه امرأة مرضعة، وهذا مثلاً واطئ -خلينا نقول على إطلاقها- وهذا الطفل الرضيع، فإن هذه أسرته من الرضاعة يحرم عليه من هذه الأسرة ما يحرم عليه لو كانت هذه الأسرة أسرة من النسب؛ فأمه من الرضاع تحرم عليه، وأخته تحرم عليه، وخالته من الرضاعة تحرم عليه، وعمته من الرضاعة تحرم عليه.

فهذا الطفل يحرم عليه من هذه الأسرة -أسرة الرضاع- ما يحرم عليه لو كانت هذه الأسرة أسرة نسب حقيقية، وكذلك علاقة ذوات المحارم تنشأ له من هذه الأسرة كما تنشأ له هذه العلاقة لو كانت هذه الأسرة أسرة نسب؛ فتكون مثلاً هذه المرأة محرماً له، وبناتها محارم كأنهن من ذوات المحارم من النسب وإن لم يكنن كذلك، لكن الرضاع يؤسس علاقة مثل علاقة النسب. وكذلك مثلاً خالاته وعماته كلهن هناك علاقة محرمية بينهم.

لذلك قال الشيخ: «وتحريم الرضاع في النكاح ومن حيث ثبوت المحرمية أن تكون محارم عليه مثل النسب». فلو كانت هذه أسرة من النسب كل واحدة لا يجوز له أن يتزوجها من النسب، فتقول لا يجوز لها من الرضاع، وكل واحدة تثبت بينها وبين الطفل علاقة أنه محرم لها من النسب، تثبت مثل هذه العلاقة بالنسبة للرضاع. فهذا معنى: «وتحريم الرضاع في النكاح وثبوت المحرمية كالنسب».

لكن قال بشرط، بدأ يذكر كم عدد الرضعات التي ينبغي أن تكون؟ قال بشرط: «أن يرتضع خمس رضعات في العامين». فالرضاع الذي ينشئ كل العلاقات الخطيرة له شرطان: الشرط الأول أن يكون خمس رضعات، والثاني أن يكون خلال العامين الأولين من حياة هذا الطفل الرضيع.

قال: «فلو ارتضع بقية الخمس بعد عامين بلحظة لم تثبت الحرمة». يعني لو أن هذه المرأة أرضعت طفلاً ثلاث رضعات في العامين الأولين، ورضعتين بعد العامين، نقول هذا الطفل لن تنشأ بينه وبين هذه المرأة حرمة الرضاع؛ لأن في رضعتين كانتا بعد العامين. لذلك قال: «فلو ارتضع بقية الخمس بعد العامين ولو بثانية واحدة لم تثبت حرمة الرضاعة».

ومن امتص الثدي ثم قطعه -ولو قهراً بأن كانت المرأة هي التي سحبت ثديها من فمه- ثم عاد فامتصه ثانياً، فهذه رضعة ثانية. هل الرضعة هي الرضعة المشبعة في الحقيقة؟ لا، الحنابلة يقولون: إذا أرضعت امرأة طفلاً ثم نزعت ثديها من فمه ثم عاد هو فمسك الثدي مرة أخرى فراضع، هذه تعتبر رضعة ثانية. فيمكن أن تخلص الخمس رضعات في ساعة واحدة؛ ترضع، ثم تسحب الثدي، ثم تعود فترضع، ثم تسحب الثدي، ثم تعود فترضع، خمس مرات انتهت هذه خمس رضعات. فلا يشترط أن تكون خمس رضعات مشبعات، ولا يشترط أن يكون الطفل وحده هو الذي يترك الثدي؛ بل لو هي نفسها أرضعت ثم سحبت الثدي قبل أن يشبع ثم عادت فأرضعت، هذه تعتبر ثانية.

ومما -أحبابي الكرام- حكم امتصاص الثدي عند الحنابلة: الصعود في الأنف، أو الوجور في الفم، أو أكل ما جبن من لبن هذه المرأة، أو خلط بالماء وصفاته باقية. ما معنى هذا الكلام؟ يعني لو أخذنا لبن هذه المرأة ووضعناه في إبرة وحقناه نقط في أنف هذا الطفل خمس حقونات، فهذه تقوم مقام خمس رضعات. أو أخذنا لبن هذه المرأة ووضعناه في حقن ونقطناه تنقيطاً من خلال الوجور، هذا يسمى التنقيط في الفم، خمس تنقيطات تعتبر كأنها خمس رضعات. وكذلك ما جبن، يعني أخذنا لبن هذه المرأة -وهذا شيء غريب- أخذنا هذا اللبن صنعنا منه جبناً، ولقمناه لهذا الطفل خلال العامين، بمجرد أن يلتقم خمس لقم صار كأنها خمس رضعات. أو أتينا بلبن هذه المرأة سحبناه ووضعناه في كوب فيه ماء فاختلط حليب هذه المرأة بالماء.

لكن بقيت صفات الحليب ظاهرة من حيث اللون والطعم والرائحة، بقيت صفات الحليب بعد خلطها بالماء ظاهرة، ثم سقيناه لهذا الطفل، أيضًا هذا يسبب حرمة الرضاع.

فالرضاع لا يشترط فيه أن يكون امتصاصًا من الثدي مباشرة، بل يجوز أن يكون من خلال التنقيط في أنفه، أو التنقيط في فمه، ولو جعلنا منه جبنًا فأطعمناه إياه، أو أخرجناه فخلطناه بماء بشرط بقاء صفات الحليب ظاهرة وسقيناه إياه، هذا كله يثبت الرضاع.

وإن شك في الرضاع أو عدد الرضعات، كأن نشك هل هذا الطفل رضع من هذه المرأة أم لم يرضع؟ الأصل أنه لم يرضع فلا تثبت الحرمة بالشك. وكذلك إذا شككنا في عدد الرضعات، كم رضعة رضعت؟ أربعة ولا خمسة؟ نبني على اليقين وهو الأقل، فنقول أربعة، فبالتالي لا تثبت محرمية الرضاع. لذلك إذا شكك في الرضاع هل وقع أو لم يقع أصلاً، أو شك في عدد الرضعات هل هي أربعة أم خمسة، فإنه يبنى على اليقين وهو الأقل.

وإن شهدت به امرأة مرضية ثبت التحريم، وهذا حدث مع أحد الصحابة. كيف تصير مع الناس؟ مثلاً سعد يريد أن يتزوج هند، فأتت امرأة مرضية في دينها غير متهمة وقالت: «أشهد أن سعدًا هو أخو هند من الرضاع»، لماذا؟ لأنني أشهد أن سعدًا قد رضع مثلاً من أم هند. فإذا أتت امرأة مرضية واحدة وشهدت أن هناك عملية رضاع وقعت لسعد من هذه المرأة، فإن هنا يثبت الرضاع، وبالتالي تثبت المحرمية، وبالتالي لا يجوز لسعد أن يتزوج أخته من الرضاع. لذلك قال: «وإن شهدت بوقوع الرضاع امرأة واحدة يثبت التحريم»، لا نحتاج إلى أكثر من ذلك بشرط أن تكون هذه المرأة التي شهدت أن سعدًا رضع من أم هند امرأة مرضية.

ثم قال: «ومن حرمت عليه بنت امرأة كأمه وجدته وأخته إذا أرضعت هذه المرأة طفلة حرمتها عليه أبدًا». «ومن حرمت عليه بنت رجل كأبيه وجده وأخيه وابنه إذا أرضعت زوجة هذا الشخص بلبن هذا الرجل طفلة حرمتها عليه أبدًا».

هذه المسائل الختامية سهلة إن شاء الله. أي امرأة بنتها الحقيقية لا يجوز لي أن أتزوجها، هيك القاعدة بتحكي. أي امرأة بنتها الحقيقية لا يجوز لي أن أتزوجها، فإذا أرضعت هذه المرأة طفلة فلا يجوز لي أن أتزوج هذه الطفلة أيضًا. أي امرأة بنتها الحقيقية النسبية أنا كإنسان ذكر لا يجوز لي أن أتزوجها، فكذلك إذا أرضعت هذه المرأة طفلة لا يجوز لي أن أتزوج هذه الطفلة؛ لأنها ستعامل معاملة بنتها الحقيقية. هذه المرأة ممكن تكون أمك، ممكن تكون أختك، ممكن تكون جدتك.

إذا أخذنا نطبق: أمك أيتها الذكر، هل يجوز لك أن تنكح ابنتها الحقيقية؟ راح تقول لي بالتأكيد لا، لأنه بنتها الحقيقية هي أختي. أمي لا يجوز لي أن أنكح ابنتها الحقيقية لأنها أختي. فأقول فكذلك أمك إذا أرضعت طفلة، فهذه الطفلة لا يجوز لك أن تنكحها، لأنها تأخذ حكم أختك، لكنها أختك من الرضاعة.

مثال آخر: أختك الحقيقية، إذا كانت هذه المرأة أختك الحقيقية هل يجوز لك أن تنكح ابنتها؟ راح تقول لي لا، لأن أختك لو عندها بنت حقيقية هل يجوز لك تتزوج بنتها؟ رح تقول لي لا، لأني سأكون خالها. فتقول كذلك أختك لو أنها أرضعت طفلة فلا يجوز لك أن تتزوج هذه الطفلة لأنك خالها من الرضاع.

فهذه قاعدة مساعدة: لو أن هذه المرأة جدتك، جدتك لو عندها بنت حقيقية هل يجوز لك أن تتزوجها؟ راح تقول لي لا، لأنه إذا كانت جدتي من جهة أبي فبنتها الحقيقية راح تكون عمتي، وإذا كانت جدتي من جهة أمي فبنتها الحقيقية راح تكون خالتي، ولا يجوز لي أن أتزوجها. بالتالي جدتك لو أرضعت طفلة لا يجوز لك أن تتزوج هذه الطفلة، لأن هذه الطفلة ستكون إما عمتك من الرضاع أو خالتك من جهة الرضاع. هذه القاعدة والطرد فيها.

وكذلك المثال الآخر: قال «ومن حرمت عليه بنت رجل»، يعني رجل ابنته تحرم عليه. رجل ابنته الحقيقية تحرم علي، ما يصير أتزوجها. لو أن زوجة هذا الرجل أرضعت طفلة بلبن هذا الرجل، وهذا قيد مهم، لو أن زوجة هذا الرجل أرضعت طفلة بلبن هذا الرجل وليس بلبن رجل آخر؛ إذا زوجته أرضعت طفلة بلبن هذا الرجل لا يجوز لي أن أتزوج هذه الطفلة.

وذكر لك أمثلة: مثلاً يكون هذا الرجل أبوك، أبوك هل يجوز لك أن تتزوج ابنته الحقيقية؟ راح تقول لي لا، ما هي أختي. إذا زوجة أبيك أرضعت طفلة بلبن أبيك، يعني اللبن الذي عندها كان من إنتاج أبيك، ففي هذه الحالة لا يجوز لك أن تتزوج هذه الطفلة لأنها في حكم أختك من الرضاع. وكذلك مثلاً جدك، لو كان هذا الرجل جدك، هل يجوز لك أن تتزوج ابنته الحقيقية؟ راح تقول لي لا، لأن ابنته الحقيقية راح تكون يا عمتي يا خالتي. فنقول فزوجة جدك لو أرضعت بلبن جدك طفلة، لا يجوز لك أن تتزوج هذه الطفلة لأن هذه الطفلة ستكون إما عمتك من الرضاع أو خالتك من جهة الرضاع.

كذلك مثلاً أخوك، هل يجوز أن تتزوج أنت ابنته الحقيقية؟ راح تقول لي لا، لأني سأكون عمها. إذا زوجة أخيك أرضعت طفلة بلبن أخيك، لا يجوز لك أن تتزوج هذه الطفلة لأنك عمها من الرضاع.

المثال الأخير: لو كان هذا الرجل ابنك، هل يجوز أن تتزوج ابنته الحقيقية؟ راح تقول لي لا، كيف أتزوج ابنته وأنا سأكون جدها؟ فأقول إذا ابنك زوجته أرضعت بلبنه طفلة، لا يجوز لك أن تتزوج هذه الطفلة لأنك جدها من الرضاع.

وهكذا تنضبط قواعد التحريم من الرضاع من خلال هاتين القاعدتين اللتين ذكرهما الشيخ. وأنا ذكرت لكم أيضًا سابقًا في باب المحرمات من النكاح كيف يؤثر التحريم من الرضاع وأنه يؤثر في تحريم النسب، كلها تحريمات نسبية، ولا يؤثر في تحريم... وبينت ذلك سابقًا فلا أعيده، وهذا نهاية المجلس إن شاء الله، بقي علينا.

الحديث في كتاب النفقات، وفي كتاب الحضانة، وينتهي حديثنا إن شاء الله في كتاب النكاح.

شدوا عزائمكم، استعينوا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.