غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية. يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب، للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبابي الكرام لمجلس جديد نعقده في مدارسة دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي على مذهب السادة الحنابلة -رضوان الله تعالى عليهم-. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أكرم الأكرمين.
في المجلس السابق أنهينا أحبابي الكرام مجموعة من المسائل التي تتعلق بعقد النكاح، منها مسألة العدة، ومنها مسائل استبراء الإماء، ومنها مسائل أيضًا الرضاعة. واليوم بإذن الله نكمل بعض الأبواب أيضًا التي يختم بها كتاب النكاح في العادة عند الحنابلة -رضوان الله تعالى عليهم- في مصنفاتهم، حيث يختمون كتاب النكاح بذكر مسائل وأبواب النفقات، ثم الباب الأخير أبواب الحضانة.
فنبدأ بكتاب النفقات. عندما يتكلم الحنابلة عن النفقات هم يتكلمون عن النفقات التي تلزم الإنسان عمومًا تجاه الآخرين. وفي هذا الباب هناك أربعة أقسام، أو يتكلمون عن أربع جهات على الإنسان أن ينفق عليها طبعًا بأحكام وضوابط. ما هي هذه الجهات؟ رسمتها لكم على الشاشة كمخطط سريع: النفقات التي يتحدث عنها الحنابلة في هذا الباب هي: النفقة على الزوجة، والنفقات على الأقارب، والنفقات على المماليك (العبيد والإماء الذين يملكهم الإنسان)، والنفقات على البهائم التي يملكها الإنسان.
فعندما تتكلم عن نفقات الإنسان نتكلم عن هذه الجهات الأربع: نفقته على زوجته، ونفقته على أقاربه، ونفقته على عبيده وإمائه، ونفقته على دوابه وبهائمه، وكل باب له أحكامه. فبدأ الشيخ -رحمه الله عليه- بالباب الأول وهو باب النفقة على الزوجة. فماذا قال فيه؟ قال رحمه الله: «يجب على الزوج ما لا غنى لزوجته عنه».
أي يجب على الزوج أن ينفق ويبذل ما لا غنى لزوجته عنه، أي ما لا تستغني الزوجة في حياتها الاعتيادية عنه من مأكل ومشرب وملبس ومسكن. إذًا النفقات التي لا غنى للزوجة عنها هي ثلاث جهات أساسية: الطعام، والمسكن، والملبس؛ هذه هي الحاجات الأساسية للإنسان عمومًا. فإذاً نفقة الزوج على زوجته تكون في هذه الأمور الثلاث: نفقة الطعام وهذا يشمل الأكل والشرب، ونفقة المسكن أن يسكنها، ونفقة الملبس. فالإنسان في حياته يحتاج إلى سكن يأوي إليه، وإلى لباس يستره، وإلى طعام وشراب، فعلى الزوج أن ينفق على الزوجة في هذه الجهات الثلاث بالمعروف.
لذلك قال: يجب على الزوج ما لا تستغني عنه الزوجة. ما هو الذي لا تستغني عنه الزوجة؟ الزوجة لا تستغني عن الطعام وعن الملبس وعن المسكن، فيجب عليه أن ينفق عليها بالمعروف ابتداءً، أي المتعارف بين الناس ويعتبر الحاكم ذلك إن تنازع بحالهما.
أي أننا نقول ابتداءً: ينفق الزوج على زوجته في طعامها ومسكنها وملبسها بالمعروف المتعارف عليه بين الناس. فإن وقع خلاف بين الزوج وزوجته؛ الزوجة تقول: لا، أنا حقي أكثر من هذا، فالزوج يقول: لا، ليس هذا من حقك، هذا يكفيك. إذا وقع خلاف بين الزوج والزوجة بمقدار النفقة الواجبة للزوجة وترافعا عند القضاء، فهنا يأتي قول الشيخ مرعي: «ويعتبر الحاكم ذلك إن تنازع»، أي اعتبره الحاكم ذلك، أي هذه النفقة إن ارتفع إليه في حالة التنازع بحالهما.
ماذا يعني "بحالهما"؟ هنا يقصد الحنابلة في قولهم "بحالهما" أي على الحاكم أن ينظر في المستوى المعيشي للزوج والمستوى المعيشي للزوجة، يعني حال الزوج المعيشي وحال الزوجة المعيشي. فإن كان الزوج في طبيعته موسرًا والزوجة أتت من بيئة ومن أسرة موسرة، فالحاكم هنا يفرض على الزوج نفقة تتلاءم مع هذه الطبقة المعيشية؛ فيفرض من الخبز مثلاً ومن أنواع اللحم أعلاها، ويقول للزوج: عليك أن تعطيها خادمًا؛ لأن هذه الزوجة من عائلة مترفة فهي مثلها يخدم وأنت موسر. فالمهم يفرض لها من مطعم ومسكن وملبس أعلى شيء، طبعًا أعلى شيء معقول، يعني ليس أعلى شيء يذهب للماركات، بل أعلى شيء معقول بناءً على أن هذا الزوج موسر وهي من عائلة موسرة.
وإذا كان الزوج معسرًا وهي من عائلة معسرة أيضًا، يعني هو من بيئة فقيرة وهي أيضًا من بيئة فقيرة، فهنا يفرض الحاكم ما يتناسب مع هذا المستوى المعيشي؛ فنقول يفرض من الخبز المستوى البسيط الذي يأكله عوام المسلمين، ويفرض من اللحم المستوى البسيط الذي يأكله فقراء المسلمين، وكذلك من اللباس. فبالتأكيد مستوى اللحم والخبز واللباس والمسكن للمعسرة تحت هذا المعسر ليس كمستوى الخبز والطعام والمسكن والكسوة للموسرة تحت الموسر. لابد أن نراعي أحوال المجتمعات وهذا شيء قدره الله سبحانه وتعالى على الحياة الإنسانية.
أما إذا كانت الحالة الثالثة، فماذا ستكون؟ كان الزوج موسرًا مترفًا لكن أخذ زوجة من عائلة معسرة، أو العكس، أو الزوج متوسط المعيشة والزوجة متوسطة. في هذه الأحوال الثلاث: إذا كان هو موسر وهي موسرة، أو العكس هو معسر وهي موسرة، أو كلاهما متوسط الحال؛ في هذه الأحوال الثلاث يفرض الحاكم مستوى متوسطًا من النفقة بالنسبة للطعام والشراب وبالنسبة للمسكن وبالنسبة للكسوة. يفرض الحاكم ليس الأقل وليس الأعلى مراعاة لحالهما. فإذا كان هذا موسرًا وهي معسرة، نجعله في النص على المتوسط، أو العكس هو معسر وهي موسرة، بالنص، وكذلك هو متوسط وهي متوسطة، فيفرض الحاكم المستوى المعيشي المتوسط.
جيد، فهذا هو تفسير قول الشيخ مرعي: «ويعتبر الحاكم ذلك»، أي يعتبر الحاكم هذه النفقات، نفقة الزوج على زوجته في حال تنازعهما وترافعهما إلى القاضي، باعتبار حالهما، فينظر في حال الزوج وفي حال الزوجة على هذا التقسيم الذي ذكرته لكم، أرجو أن تكتبوه عندكم. وأما إذا لم يرتفعوا عند الحاكم، وكان الزوج موسرًا والزوجة موسرة لكن رضيت الزوجة أن تعيش بأدنى مستوى معيشي، نقول هي حرة، هي حرة ما تنازعت مع زوجها ورضيت بأدنى شيء هي حرة في ذلك، لكن متى تنازع وارتفع للحاكم؟ هنا الحاكم سينظر في المستوى المعيشي.
لكل واحد منهما جميل. ثم قال: وعليه، أي ويلزم الزوج بالإضافة إلى أننا كنا نقول إن النفقات الأساسية هي نفقة الطعام والملبس والمسكن، الآن سنضيف أشياء للزوج، قال: وعليه مؤنة نظافتها.
عملية تنظيفها لجسدها تحتاج إلى دهون، نحن في وقتنا المعاصر نسميها منظفات، رأس شامبوهات وما شابه ذلك؛ فمؤنة التنظيف من دهن وأوراق السدر هذه كانت تستعمل قديماً، أنت تريد أن تفكر في وقتك المعاصر، ماذا قام مقامها؟ من المنظفات والشامبوهات التي تباع في المولات. نعم، يلزم الزوج أن يأتي لها أيضاً بمؤنة نظافتها من دهن وستر، وعليه أن يدفع ثمن ماء الشرب، وهذا يدخل تحت موضوع الشراب.
وعليه أيضاً ثمن ماء الطهارة من الحدث الأصغر والحدث الأكبر؛ امرأة تريد أن تتطهر من حدث أصغر عشان تصلي، أو من حدث أكبر حل بها، من الذي سيأتي لها بالماء؟ هذه المطالبة تأتي بماء الطهارة، فماء الطهارة على الزوج أن يوفره، وكذلك الماء لغسل الثياب. فإذاً عليه أن يوفر ثمن ماء الشرب، وماء الطهارة من الحدث والخبث -أي النجاسات- وماء غسل الثياب. الماء لكل هذه الأمور المهمة الزوج هو المسؤول عن توفيره.
أما مسألة مثلا العطور، هل الزوج ملزم أن يشتري لزوجته عطوراً لتتطيب بها؟ في الحقيقة لا يلزمه أن يشتري لها طيباً، الآن أخلاقاً ومروءة هو جميل لكن نحن نتكلم عن الحقوق الشرعية، لا يلزمه أن يشتري لها طيباً، لكن إن اشترى لها طيباً حتى تتعطر منه وهي لم تتعطر منه فيلزمها ذلك، نلزمها؛ قالت ما أريد أن أتعطر، نقول يلزمكِ، لأن هذا حق الزوج في أن يشم رائحة طيبة وهو أتى بنفسه بالطيب إليكِ، فيلزمكِ أن تتعطري له وجوباً، وإذا لم تفعل ذلك فهي آثمة.
إذاً وعليه مؤنة نظافتها، يعني أدوات النظافة عليه حتى المشط الذي تمتشط به على الزوج، وكذلك ثمن الماء الذي سيستعمل للشرب، والشرب طبعاً هذا واضح لأنه يدخل تحت المأكل والمشرب الذي أخذناه في الأعلى، وأيضاً عليه ثمن ماء طهارة وماء غسل الثياب.
ثم قال طبعاً أحبابي في المطولات يفصلون أكثر من هيك، يعني في تفاصيل تفاصيل الأمور التي يلزمه أن يأتي بها والأمور التي لا يلزمه أن يأتي بها، جميل، لكن أنا سأقتصر على مستوى دليل الطالب حتى لا تتضخم المادة أكثر من هذا. ثم قال: وعليه لها خادم إن كانت ممن يخدم مثلها.
هذه قاعدة عامة، إذا كان الرجل متزوج امرأة، هذه المرأة بطبيعتها في أسرتها كانت تخدم، فالزوج مكلف أن يأتي لها بخادم، إذا كانت المرأة أتت من بيئة هي تخدم فيها وليست هي التي تقوم بالأمور بنفسها، كما قال امرؤ القيس: «نؤوم الضحى لم تنطق عن تفضلي»؛ لما وصف بيضة الخضر وصفها بأنها نؤوم الضحى، يعني هي في وقت الضحى ليست كمثل باقي النساء اللاتي يخرجن للفلاحة والزراعة في الحقول لتأتي بلقمة العيش، محبوبته نؤوم الضحى تنام في وقت الضحى وتكون مطرفة ولا تنطق ولا ما شابه ذلك من الأمور التي تفعلها النساء العاملات. فباختصار إذا تزوج رجل امرأة تخدم مثلها فعليه أن يأتي لها بخادم.
قال وهذي مسألة غريبة اسمها مسألة ختامية، قال: وتلزمه مؤنسة لحاجة. يعني يلزم الزوج أن يأتي لزوجته بامرأة تؤانسها وتحدثها، إذا احتاجت الزوجة لهذه المرأة المؤنسة يلزم الزوج أن يستأجر لزوجته امرأة تؤنسها، هيك تقول تسولف معها. متى تحتاج إليها؟ قالوا مثلاً إذا كان الزوج سكن زوجته في مكان فيه وحشة بحيث الزوجة لا تعرف أحداً فيه وتخشى على نفسها عندما يخرج زوجها للعمل أن تبقى وحدها في المنزل، فهنا الزوج يلزمه أن يستأجر مؤنسة تجلس مع زوجته.
تصوروا كيف الفقه الإسلامي أعلى من شيئاً من شأن المرأة وراعى مشاعرها! فإن كان الزوج هو الذي يؤنسها بنفسه قالوا خلاص ما يلزمه، لكن إذا كان دوامه طويلاً ويذهب من الصباح للمساء والمرأة في مكان لا يوجد فيه أحد، مغتربة أو في مكان وحش، والناس كلهم فيه غرب وأطباعهم غريبة وهي تخاف أن تعيش وحدها في المنزل، فهنا يلزمه أن يستأجر لها مؤنسة.
طبعاً من الطرف الجميلة، أنا أعتبر الشيخ منصور البهوتي -أحبابي الكرام- كما نقل عنه عثمان النجدي في هداية الراغب، يقول: من الطعام والشراب الذي يلزم الزوج أن يوفره لزوجته القهوة إذا كانت الزوجة معتادة أن تشرب القهوة. يقولون إذا كانت الزوجة معتادة أن تشرب القهوة وأصبحت مدمنة عليها، فإذا تزوج امرأة معتادة أن تشرب القهوة، من نفقاتها الأساسية في الطعام والشراب أن يأتي لها بالقهوة، وهذا شيء مما يستطرف.
نعم، عرفنا إذاً أن النفقات الأساسية هي نفقة طعام ومسكن وكسوة، ويضاف عليها بالنسبة للزوج تجاه زوجته أدوات النظافة وماء الشرب والتطهير وغسل الثياب. طبعاً أدوات النظافة هي تشمل كما قلت لكم المشط وما شابه ذلك من الأدوات المهمة لتنظيف جسدها والموس إذا لإزالة شعر العانة أو ما شابه ذلك، فكل أدوات النظافة الجسدية هذه تكون على الزوج عليه أن يوفرها لزوجته.
ثم قال: فصل، الآن يبدأ يتكلم في هذا الفصل أنه متى يلزم الزوج أن يدفع نفقة الطعام ونفقة الكسوة، متى يلزمه أن يدفعها لزوجته؟ قال: والواجب عليه دفع الطعام أول كل يوم.
الآن سيبدأ الحديث عن نفقة الطعام، أول شيء يجب أن تعرفوه أحبابي الكرام أن الزوج الواجب عليه أن يدفع إلى زوجته طعاماً، ولا يلزمه أن يدفع لها دراهم تشتري بها الطعام. لا، يعني لو الزوجة قالت له اسمع أنا ما أريد طعاماً، أنا أريد بدله، أريد أن تعطيني دراهم وأنا أشتري الطعام على كيفي، لا يلزمه ذلك. إذا هو حب يعطيها حرية، لكن نحن لا نلزمه شرعاً، الذي يلزمه شرعاً أن يوفر لها الطعام، يجيب لها خبزاً، يجيب لها لحماً، يجيب لها الأكل ويضعه.
أما أن يعطيها بدلاً دراهم لتشتري هي به ما شاءت فهذا يعود إلى قراره، فإذا هو حب يعطيها، وكذلك إذا هو قال لها أنا ما أريد أعطيك طعاماً أريد أعطيك دراهم أنتِ تروحي تشتري، أيضاً لا يلزمها أن تقبل، قالت لا لا أنا ما أريد أشتري أنت جيب لي طعاماً وأعطني إياه، حقها في ذلك. فباختصار الطعام هو الذي عليه أن يبذله لزوجته، فإذا أراد أن يبذل أموالاً نقدية وهي تشتري، فإذا هي رفضت أخذ أموال نقدية أو هو رفض بذلها فله الحق في ذلك، وهي لها الحق في ذلك، لأنه الواجب هو الطعام، فالذهاب إلى بدله من الأموال.
نقدية يحتاج إلى رضا الطرفين، يرعاكم الله. هذه فائدة اكتبوها عندكم؛ لذلك قال: «والواجب عليه أن يدفع طعاماً لا بدله من الأموال النقدية إلا بتراضيهما».
متى عليه أن يدفع الطعام؟ قالوا: عليه وجوباً أن يدفع الطعام في أول كل يوم، والمراد بالأول هنا طلوع الشمس وليس طلوع الفجر، ركزوا أن بعض المسائل يكون أول طلوع أو أول اليوم المراد به طلوع الفجر، وفي بعض المسائل يكون المراد بأول اليوم طلوع الشمس وليس الفجر. ففي هذه المسألة قالوا: الواجب عليه دفع الطعام في أول كل يوم، المراد بالأولية هنا طلوع الشمس؛ لأنه هو الوقت المعتاد، يعني في العادة عندهم لتناول الطعام وليس عند الفجر، فلذلك هذا هو الوقت الذي يلزمه فيه أن يدفع الطعام.
إذا حكيت: لا، خلية شوي، ما في مشكلة، إذا اتفقوا، يعني هم بيقولوا إذا هي قالت أنا بدي إياه في الوقت الشرعي، نقول الوقت الشرعي الذي تستحقين فيه الطعام طلوع الشمس، فإذا هي اضطرت أن تؤخره مع زوجها فلها الحق في ذلك. ثم قال: «ويجوز دفع عوضه إن تراضيا»، وهذه بينتها؛ يعني يجوز أنه يعطيها عوضه إذا هم اتفقوا على هذا العوض، ولا يملك الحاكم أن يفرض عوض القوت دراهم مثلاً أو أي شيء آخر إلا بتراضيهما.
هذا ليس بلازم، يعني ولو فرضه لا يلزم. هل يجوز للحاكم أن يفرض على الزوج أنه يا زوج عليك أن تعطيها دراهم عند طلوع الشمس في كل يوم ولا تعطيها طعاماً، بل أعطها دراهم مثلاً؟ المرأة راحت عند القاضي وقالت له: يا قاضي، أنا ما بدي إياه يعطيني طعاماً، بدي إياه يعطيني دراهم وأنا أشتري اللي بدي إياه، فراح القاضي ألزم هذا الزوج أن يعطيها دراهم بدل الطعام، هل يلزم؟ كلا، وهذا القضاء لا ينفذ. لذلك قال: «ولا يملك الحاكم أن يفرض عوض القوت» أي بدل القوت دراهم على الزوج مثلاً إلا بتراضيهما، يعني إلا إذا هم متراضون مع بعض على أن بدل القوت دراهم، هذا يرجع لهم، بدون تراضيهم الحاكم لا يملك ذلك، ولو فرض ذلك الزوج لا يلزمه، ولو فرض الحاكم ذلك على الزوج فلا يلزمه أن يرد على هذا القضاء.
هذا بالنسبة للطعام. بالنسبة للكسوة، نحن حكينا أن النفقة الأساسية ما هي طعام، احفظوها هذه: كسوة، مسكن، ها هي النفقات الأساسية التي لا غنى للزوجة عنها، وما ذكرناه من أدوات النظافة فهذه كلياتها تعتبر تبعاً وليست من الأساسيات. ثم قال: «ويجب لها الكسوة في أول كل عام». إذن بالنسبة للكسوة فعلى الزوج أن يدفعها لزوجته في أول كل عام، خلاص كسوة واحدة في العام، هذا الذي يلزمه. وتدفع هذه الكسوة وجوباً في أول كل عام، إلا إذا الزوجة سامحت أو قالت أجلها لي وهو وافق، فهذا يعود إلى تراضيهما.
ومتى تملكها؟ تملكها بالقبض، قال: «وتملكها بالقبض». يعني إذا هو اشترى الكسوة لكن لسه ما سلمها لزوجته، لسه هي لا تملكها، بالتالي لو أن سرقت منه هذه الثياب وهو في سيارته قبل أن يسلمها لزوجته، عليه أن يشتري لها ثياباً جديدة؛ لأنها لسه ما أخذت كسوتها. وأما إذا هو سلمها الثياب وقبضتها، الآن هي أصبحت مالكة لها، بالتالي لو سرقت منها الثياب بعد أن قبضتها، أو بليت أو تلفت أو حرقت أمام المدفأة، هنا لا يلزمه أن يشتري لها ثياباً جديدة، وهذا الكلام انتبهوا. نحن لا نتكلم عن الأخلاقيات، نتكلم عن الحقوق التي هي مقاطع النكاح، والأخلاقيات أكيد أرفع من هذه الأمور.
إذاً الزوجة إذا قبضت الثياب أصبحت الآن مالكة لها، بالتالي إذا حدث فيها أي حرق أو تلف أو سرقت، الزوج ليس عليه أن يشتري لها كسوة جديدة لهذا العام، خلاص كسوة العام أنتِ أخذتيها، أنتِ حرقتيها أو سرقت منكِ، خلاص قدر الله وما شاء فعل. أما إذا سرقت أو احترقت قبل أن يسلمها الزوج فعلى الزوج أن يأتي ببدلها. لذلك قال: «وتملكها بالقبض فلا بدل لما سرق أو بلي منها بعد أن تقبض»، هذا المراد.
قال: «وإن انقضى العام والكسوة باقية». بدنا نفرض أن هذا العام كله مشى والمرأة ما استعملت هذه الكسوة، وضعتها في خزانتها ولم تستعملها، هي ما بدها تستعملها، أو أنه مثلاً استعملتها لكنها بقيت ما شاء الله ممتازة، هل للزوج في العام القادم يقول لها: خلاص بما أن الكسوة تبعت العام السابق ممتازة، عليكِ ما في داعي أشتري لكِ كسوة جديدة؟ لا، ما ينفع. لذلك قال: «وإن انقضى العام والكسوة باقية فعليه كسوة للعام الجديد»، ما يقدر يشغل علاقته بماذا حدث في الكسوة التي للعام السابق.
وإن مات الزوج أو ماتت الزوجة أو بانت منه ببعض طرق البينونة التي تعلمناها سابقاً، أو بانت قبل انقضاء العام، يعني إذا مات الزوج قبل انقضاء هذا العام وماتت الزوجة قبل انقضاء هذا العام، أو حدث بين الزوج والزوجة بينونة قبل انقضاء هذا العام، رجع عليها بقسط ما بقي. بسم الله، ما معنى هذا الكلام؟
الحمد لله، يعني زوج اشترى لزوجته ثياباً بقيمة مئة دينار وسلمها إياهم في أول العام، طيب في أثناء العام مات الزوج أو ماتت الزوجة أو وقعت بينونة بين الزوج والزوجة، هنا يستطيع الزوج أن يعود على الزوجة بقسط ما بقي من قيمة هذا الثوب. كيف يعني؟ يعني كأننا سنقسمه، لأن هذا الثوب الزوج دفعه للزوجة على مدى العام لعام كامل، فإذا هم الاثنين ما كملوا هذا العام، بالتالي يستحق الزوج أو ورثته في حال كان الزوج هو الذي مات أن يعودوا على الزوجة بما تبقى بالقسط الذي تبقى من هذا الثوب.
هذا الثوب مئة دينار كأننا نقسمه على اثني عشر شهراً، ونشوف متى حدث الموت أو حدثت البينونة مثلاً، وقع في الشهر كذا، هذا المئة دينار تقسمه على اثني عشر، كل شهر له نصيبه. هو مثلاً مات في نصف السنة، أو ماتت في نصف السنة وحدث بينهما البينونة في نصف السنة، القسط الذي لم يتبقَّ من السنة يستطيع الزوج أو ورثته المطالبة به، يقولون لها: هذا ثوب مئة دينار لحول كامل، نريد قسط ما تبقى من العام، لأنكِ مات عنكِ الزوج أو حدثت بينكِ وبين البينونة في منتصف العام، فأنتِ لا تستحقين كامل هذه الكسوة، لا تستحقين كامل هذه.
وكذلك يقولون لو كانت القضية أن الزوج مثلاً بتراضيه مع زوجته، بتفعلها نفقة العام من الطعام والشراب، هم متفقين أنه يا عمي هذه أنا بدفع لك من بداية السنة خمسة آلاف دينار، هذه نفقة السنة كاملة لك طعاماً وشراباً، متفقين على هيك. في نصف السنة وقع الموت من أحدهما أو البينونة، يستطيع الزوج أن يعود فيطالب الزوجة بالقسط المتبقي للسنة، بقول أنا أعطيتك خمسة آلاف طعام وشراب لكل سنة، ذهبت في منتصف السنة حدث بيننا بينونة مثلاً فآنا لي الحق أن أرجع في القسط المتبقي. فنقسم الخمسة آلاف على اثني عشر شهراً، ونشوف كل شهر كم يطلع له، الأشهر التي مضت خلص راحت أخذتها الزوجة، وما تبقى بعد البينونة أو بعد موت أحدهما يستطيع الزوج المطالبة به. فهذا إذا في حال الكسوة وفي حال النفقة إذا كان نفقة الطعام والشراب إذا كان الزوج قد قدمها سنة كاملة.
ثم قال الشيخ مرعي رحمه الله عليه: «وإن أكلت معه عادة أو كساها بلا إذن سقطت». معنى هذا الكلام أحبابي الكرام لو أن الزوجة كانت تأكل مع زوجها عادة، هي لا تنفرد بنفسها بحيث نوجب على الزوج أن يأتيها عند طلوع الشمس بالطعام ويملكه إياها، لا هي هذه الزوجة بطبيعتها أنها تأكل مع زوجها، وهذا هو أصلاً عادة الناس أنهم يأكلون مع بعضهم البعض، مع أبنائهم أو في المطعم يخرج الزوج مع زوجته، فإذا كانت هذه الزوجة تأكل مع زوجها سقطت نفقتها. المراد بسقوط نفقتها أي سقطت قضية أن الزوج يجب عليه أن يأتي بالطعام عند كل طلوع شمس يعطيه لها، لأنه هي في العادة تأكل مع زوجها، فنعمل بالعرف هنا. هذه المرأة في عادتها تأكل مع زوجها، فالزوج يأتي بطعام ويضعه يأكل هو وتأكل زوجته، نقول خلاص هذا هو طعامها وشرابها، فليس لها أن تقول تعال أنت ما أعطيتني طعام الصبح عند طلوع الشمس، لم تدفع لي الطعام في أول النهار، بنقول لا، مو أنتِ عادتك أن تأكلين معه، فهو يأتي بطعام وهو يجلس وأنت تجلسين وتأكلان مع بعضكما البعض، فهذا يسقط عنه النفقة التي في أول النهار، هذا بالنسبة للطعام.
وكذلك بالنسبة للكسوة، لو أن رجلاً دخل على زوجته، ليس في موعد الكسوة المعروف، وإنما رجل قال خلاص بدي أعطي هذه كسوة وراح اشترى لحاله من دون ما يخبر الزوجة، أحياناً هو الأصل كأنه في قضية الكسوة أن الزوج يعلم الزوجة وأنه سيذهب يشتري لها كسوة لهذا العام، يذهب الزوج يشتري الكسوة ويسلمها لزوجته، هذه هي الحالة الأصلية التي تكلم عنها سابقاً، لكن لو نفترض أن الزوج ما عمل هيك وما اتفق مع الزوجة أنه يروح يشتروا الكسوة، لا، هو الزوج ذهب فاشترى كسوة تصلح لها بدون إذنها وأعطاها، دخل على الدار ومعه الجهاز وقال يا امرأة خذي هذه الكسوة من دون ما يكون مخبرها على اتفاق مسبق، فهل هذا يصح ويسقط عنه الكسوة؟ نعم.
لذلك قال: «أو كساها بلا إذن»، يعني ذهب وحده واشترى كسوة وأعطاها وقال خلاص هذه الكسوة الثانية لك، فهل تقول لا والله نحن ما اتفقنا على هكذا، يلا بدك تروح تشتري لي مرة أخرى بعد الاتفاق بيني وبينك؟ لا، يلزمه أن يفعل ذلك، لأنه في العادة هكذا الأمور المتعارف عليها بين الناس، تكون الأمور بسهولة وليس على التحديد. إذا وإن أكلت معه في العادة أو كساها من دون أن يخبرها ويستأذنها مسبقاً، فهذه يسقط نفقتها في الطعام والشراب وكذلك نفقتها في الكسوة.
ثم أراد أن يبين بعض المسائل المتعلقة بنفقة بعض النساء، فقال: «والرجعية مطلقاً، المطلقة الرجعية والبائن والناشز الحامل والمتوفى عنها زوجها الحامل، هذه كالزوجة في نفقة الطعام والشراب والكسوة والمسكن، ولا شيء لغير الحامل منهن». الآن هو تكلم عن أصناف معينة، المطلقة الرجعية هذه سواء كانت حاملاً أو غير حامل، أما اللواتي يشترط فيهن الحمل فهي: البائن، والناشز، والمتوفى عنها زوجها الحامل. الناشز هي امرأة ما زالت في عصمة زوجها لكنها تتبرم أو تمتنع من بذل ما يلزمها، أي أن تسلم نفسها لزوجها.
أحبابي الكرام، الآن المطلقة الرجعية، المطلقة التي يجوز للزوج أن يرجعها في خلال عدتها، هذه زوجة، فعلى الزوج أن ينفق عليها طعاماً وكسوة ومسكناً، ما تزال النفقة عليها واجبة مثل الزوجة العادية سواء كانت حاملاً أو غير حامل؛ لأنها كزوجة. أما اللواتي يشترط الحمل حتى يلزم الزوج الإنفاق عليهن: الأولى: المطلقة البائن، طلق زوجته طلقة بائنة أو طلقة ثالثة أو أي شكل من أشكال البينونة التي تعلمناها، فإذا كانت المرأة بائناً من زوجها وهي حامل، أو كانت المرأة ما زالت زوجة لكنها ناشز، زوجة تمتنع من تسليم نفسها لزوجها وهي حامل، أو المتوفى عنها زوجها وهي حامل.
في هذه الأحوال، متى كانت البائن حاملاً، أو الناشز حاملاً، أو المتوفى عنها زوجها حاملاً، نعم هنا يلزم على الزوج أن ينفق على هذه البائن وعلى هذه الناشز، ويلزم ورثة الزوج أن ينفقوا على هذه المتوفى عنها من أموال والده حتى تضع الحمل. لماذا على الزوج أن ينفق على البائن منه وعلى الناشز وعلى المتوفى عنها إذا كانت حاملاً؟ قالوا هذه النفقة لمصلحة الحمل، لأن هذا الحمل الذي في بطن البائن أو الناشز أو المتوفى عنها في النهاية هو ينسب إلى الزوج، ابنه، بالتالي هو ينفق على هؤلاء النسوة لمصلحة الحمل.
أما إذا كانت البائن غير حامل، أو كانت المرأة الزوجة الناشز غير حامل، أو كانت المتوفى عنها زوجها غير حامل، فهذه لا نفقة لها ولا كسوة ولا سكنى. قلنا قضية أن المتوفى عنها في أثناء العدة تبقى في بيت الزوجية من أجل حرمة العدة، لكن ليس لها ابتداءً النفقات، فالنفقات لا تثبت لهؤلاء الثلاث، وإنما هي تجلس في بيت الزوجية فقط لحرمة العدة.
وإلا فبعد أن تنتهي العدة، ليس لها أن تطالب بسكنى من مال زوجها المتوفى. وأما المطلقة الرجعية، فلها النفقة مطلقا ما دامت خلال العدة، سواء كانت حاملاً ولا غير حامل.
المطلقة الرجعية ما دامت في أثناء العدة هي أكيد رجعية، فإذا خلصت عدتها وما رجعها صارت بائنة. أما الحامل، فيصبح حكمها كالبائن؛ فينفق عليها حتى تضع الحمل، ومثلها الناشز الحامل تنفق عليه حتى تضع الحمل، ومثل المتوفى عنها زوجها وهي في فترة العدة فهي زوجة، فلذلك سواء كانت حاملاً ولا غير حامل من حقها النفقة.
أما البائن، والناشز غير الحامل، والمتوفى عنها زوجها وهي غير حامل، فهذه كالزوجة في نفقة الطعام والشراب والكسوة والمسكن، ولا شيء لغير الحامل منهن؛ أي من البائن ومن الناشز والمتوفى عنها. فأي امرأة ناشز من زوجها ما بتطيعه، ليس لها نفقة ولا سكنة ولا كسوة. والمرأة المتوفى عنها زوجها ليس لها شيء وهي غير حامل، ليس لها نفقة ولا كسوة ولا سكنى، وكذلك البائن.
ومثلهن أي مثل البائن غير الحامل، ومثل الناشز غير الحامل، ومثل المتوفى عنها غير الحامل في عدم النفقة عليها. وقال: «ولا لمن سافرت لحاجتها أو لنزهة أو زيارة لأبيها أو ما شابه ذلك، ولو بإذن الزوج». أي امرأة تسافر لحاجتها، سافرت وحدها لحاجتها، طبعاً مع وجود محرم غير الزوج. إذا سافر معها زوجها، فالنفقة لها؛ لأن هذا الزوج يستطيع أن يستمتع بها. لكن هي سافرت من دون زوجها، أي امرأة سافرت من دون زوجها لحاجتها، أو لنزهة، أو لزيارة والدها أو إخوانها في دولة أخرى، ولو استأذنت زوجها وزوجها أذن لها، إذا سافرت لحاجتها لا نفقة لها، وعليها أن تنفق على نفسها بنفسها.
لماذا يا شيخ؟ لأنه خلال هذه السفر الزوج لا يستطيع أن يستمتع بها وهي بعيدة عنه، وهي سافرت ليس لحاجة الزوج بل لحاجتها هي؛ فنقول لها شرعاً إننا لا ننفق عليك. الزوج لو حب يعطيكِ، الله خير وهذا من الأخلاق، لكن إذا ما حب يعطيكِ، شرعاً لا يلزمه. إذاً: «ولا لمن سافرت لحاجتها أو لنزهة أو زيارة ولو بإذن الزوج».
وإن ادعى نشوزها أو أنها أخذت النفقة وأنكرت، فالقول قولها بيمينها. زوجان اختلفوا وراحوا عند القاضي، الزوجة تقول: «يا قاضي هذا الرجل ما ينفق علي»، فالزوج ماذا قال؟ قال: «يا قاضي هذه امرأة ناشز وهي غير حامل فلا تستحق النفقة»، أو قال الزوج: «يا أيها القاضي أنا أعطيتها النفقة». فهنا في كلا الحالتين، من الذي عليه البينة ومن الذي مطلوب منه اليمين؟ من المدعي ومن المدعى عليه؟ في الحقيقة الزوجة هنا هي المدعى عليها، فهي التي عليها اليمين فقط، والزوج هو الذي عليه أن يأتي بالبينة أن هذه الزوجة ناشز أو أنه دفع إليها النفقة. لذلك قالوا: وإن ادعى الزوج نشوز زوجته أو ادعى أن زوجته أخذت النفقة وهي أنكرت أمام القضاء وقالت ما أخذت شيئاً ولا نشزت، فالقول قولها بيمينها، والزوج هو الذي يأتي بالبينة.
الآن أحبابي الكرام، انتقل الشيخ مرعي إلى الحديث عن مسألة متى يحق للزوجة أن تطالب بالفسخ من زوجها عند القاضي في حالة وقوع إشكالية في النفقة. متى يحق للزوجة أن تطالب القاضي أن يفسخ نكاحها من زوجها في حالة وقوع إشكالية في النفقة؟ هناك حالات ذكرها الشيخ مرعي نقرأها سريعاً؛ قال: «ومتى أعسر الزوج بنفقة المعسر أو كسوته أو مسكنه، أو صار الزوج لا يجد النفقة إلا يوماً دون يوم، أو غاب الموسر وتعذرت عليها أي على الزوجة النفقة بالاستدانة وغيرها، فلها الفسخ».
يعني لها أن تطالب بالفسخ، وعلى التراخي، ولا يصح هذا الفسخ إلا بحاكم، فيفسخ بطلبها أو بطلب الحاكم. الآن لا نريد أن نركز متى يحق للمرأة أن تطالب بالفسخ من زوجها بسبب النفقة؟ أول صورة: «متى أعسر الزوج»، أي تعذر عليه توفير نفقة المعسر. تصوروا، نحن عرفنا المعسر، إنما يُفرض عليه أدنى شيء من الطعام والكسوة والمسكن، فإذا وصل الزوج لمرحلة أنه يعسر بنفقة المعسر، يعني وصل لمرحلة يتعذر عليه أن يوفر لزوجته حتى نفقة المعسرين، مش قادر يوفرها لزوجته، وهنا يقولون حتى ولو كانت زوجته موسرة، هذه المسألة عند الحنابلة يقولون حتى ولو كانت زوجته موسرة.
متى تعذر على الزوج أن يوفر لزوجته بغض النظر عن مستواها، متى تعذر عليه أن يوفر لزوجته حتى نفقة المعسرين من طعام وكسوة ومسكن؟ أو في بعض كتب الحنابلة يقولون: أو تعذر عليه أن يوفر بعض نفقة المعسرين. يعني إذا تعذر عليه توفير كل نفقة المعسرين، وهذا باختصار يكون شخصاً معدوماً تماماً لا يستطيع أن يوفر لزوجته أي شيء من نفقة المعسرين، فمعناته هذا لا يوجد شيء، أو يجد بعض نفقة المعسرين وليس كاملة، وهذا أيضاً فيه ضعف كبير. فباختصار، وصل الزوج لمرحلة يتعذر عليه أن يوفر لزوجته مجرد نفقة المعسرين في الطعام والكسوة والمسكن، أو صار لا يجد النفقة إلا يوماً دون يوم، يعني يوم يجد نفقة، واليوم الثاني لا يجد، واليوم الثالث يجد، واليوم الرابع لا يجد.
أو كان الزوج موسراً لكنه غائب عن البلد، أو غائب، المهم غائب لا نعرف أين هو، وتعذرت عليها النفقة بالاستدانة وغيرها، ولم تجد المرأة طريقة لتنفق على نفسها بالاستدانة وبغيرها، ما وجدت أي طريقة حتى إنها تستدين، ما وجدت. هنا لها أن تطالب بالفسخ. ظاهر هذه العبارة أن المرأة إذا استطاعت أن تنفق على نفسها أثناء غيب زوجها الموسر من خلال الاستدانة أو بطريقة من الطرق المقبولة، هنا ليس لها أن تطالب بالفسخ؛ لأن هي تستطيع أن تستدين أو تحصل على المال بطريقة مقبولة، فعليها أن تنفق على نفسها من خلال هذه الطريقة، ولما يحضر زوجها الموسر يتبين ويظهر سنطالبه بدفع كل هذه التكاليف التي تحملتها المرأة. لكن إذا المرأة ما استطاعت أن توفر النفقة لنفسها، لا باستدانة ولا بغيرها من الطرق، وزوجها الموسر غائب ولا نعرف أين هو، ومن رأسنا لا نستطيع أن نوصل له، في هذه الحالة أيضاً لها كما قلنا أن...
تطالب بالفسخ، فهذه ثلاث أحوال لها أن تطالب بالفسخ. متى يعسر الزوج؟ يعني تعذر عليه أن يوفر نفقة، المعسر ما قادر يوفر من طعام وكسوة ومسكن، أو حتى بعضها ما استطاع يوفرها، أو صار لا يجد نفقة إلا يوماً دون يوم، أو غاب الزوج الموسر.
عذرت على نفسها بالاستدانة وغيرها من الطرق المقبولة، فلها الفسخ حينئذ، وهذا الفسخ يكون على الفور، بدها على الفور لها ذلك، وبدها تستنى شوي وتفسخ بعد سنة، بعد سنتين لها ذلك، فوراً وتراخياً. لكن لا يصح بلا حاكم، يعني ما يصير وهي في الدار تتخذ هذا القرار، لازم تروح عند المحاكم. وانتبهوا أيتها النساء، مش تفسخي لحالك في الدار تقول ما هو بينفق علي بروح عند أهلي؛ الفسخ يكون عند الحاكم ولا يصح بلا حاكم، فيفسخ الحاكم بطلبها، بتروح عند الحاكم تطلب ذلك.
فالحاكم هو بنفسه يفسخ بطلب الزوجة، أو إذا ما بده هو يفسخ يوعظ الزوجة يقول لها خلص افسخي، لذلك قال: «أو تفسخوا بأمره»، أن هو يأمرها ويقول لها خلص افسخي، فهي حينئذ تفسخ. فإما هو الحاكم يفسخ بطلب الزوجة، أو يعطي هذا التفويض للزوجة ويقول لها خلص بدك تفسخي أنت بنفسك افسخي، فكأنه وكّلها في أن تفسخ، لكن المهم لابد أن يكون الأمر عند حاكم.
وإن امتنع الموسر من النفقة، هذه مسألة أخرى؛ إن كان الموسر موجوداً أو ماله موجود لكنه يمتنع من النفقة، والمراد بالنفقة الطعام والشراب أو الكسوة. وقدرت هذه المرأة أن تصل إلى ماله بطريقة من الطرق، مثل ما صار مع سيدتنا هند بنت عتبة، لما كان سيدنا أبو سفيان رضي الله عنه، قالت يا رسول الله: «إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني»، فقال النبي ﷺ: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك».
فهنا الحنابلة أخذوا هذا الحديث وبنوا عليه هذه القاعدة: إذا امتنع الزوج الموسر من النفقة أو الكسوة وقدرت المرأة على مال هذا الزوج الموسر، فلها أن تأخذ منه بلا إذنه بقدر كفايتها في طعامها وفي كسوتها، وبقدر كفاية أولادها الصغار، أما الأولاد الكبار فهذا موضوعهم آخر نأتي إليه إن شاء الله في نفقة الأقارب. إذاً فلها الأخذ من مال هذا الزوج الممتنع الموسر بقدر كفايتها وكفاية ولدها الصغير.
هذه ختام هذا الفصل، انتهى الآن من الكلام عن نفقة الزوجات، ننتقل الآن إلى القسم الثاني من النفقات، وهو نفقة الأقارب ونفقة المماليك، سنبدأ بنفقة الأقارب. قال الشيخ: «يجب على القريب نفقة أقاربه وكسوتهم وسكناهم». كلمة نفقة أقاربك مباشرة يعني الطعام والشراب، اكتبوا عندها أنه يعبر بنفقة الأقارب والكسوة والسكنى، والمراد بالنفقة الطعام والشراب.
يجب على القريب نفقة أقاربه، يعني طعام أقاربه وكسوتهم وسكناهم، لأن هذه هي الحاجات الأساسية للإنسان. وذكرت في الزوجة: يجب على القريب نفقة أقاربه وكسوتهم وسكناهم بالمعروف بثلاثة شروط. حتى يجب علي أن أنفق على أقاربي هناك ثلاثة شروط، فالأمر ليس مطلقاً، متى يجب على الإنسان أن ينفق على أقاربه؟
قال هناك ثلاثة شروط: أولاً أن يكونوا فقراء لا مال لهم ولا كسب. هذا أول شرط، أن يكون قريبي هذا فقيراً ليس له مال من ميراث من ما شابه ذلك، ليس عنده مال ولا يستطيع أن يتكسب ويعمل بيده ليجلب المال، لازم الاثنين، هذا هو الفقير الذي تنفق عليه؛ لا مال عنده موجود في الأرصدة البنكية، وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يتكسب. فإذا كان ما عنده مال لكن ما شاء الله عنده صحة ويستطيع ينزل لسوق العمل ويشتغل، لا، هذا لا يعتبر فقيراً يجب علي أن أنفق عليه، لازم يكون فقيراً ليس له مال ولا يستطيع التكسب، هذا أول شرط.
الشرط الثاني أن يكون الشخص الذي سنلزمه بالنفقة لابد أن يكون غنياً، إما غني بمال عنده، مال في الأرصدة كان وارثه عن والده أو أُهدي له أو ربح من تجارة، المهم عنده مال في أرصدته، أو عنده قدرة جسدية على التكسب، فمن كان عنده قدرة جسدية على التكسب ويستطيع يذهب ويشتغل هذا يعتبر غنياً، فيجبره الحاكم أن يذهب ويتكسب ويأتي بالمال لينفق على نفسه وعلى أقاربه، لذلك قال: أن يكون المنفق غنياً، إما بوجود مال فعلي بين يديه أو قدرته على التكسب والإتيان بالمال.
نكمل: أن يكون المنفق غنياً إما بماله أو بكسبه، وأن يفضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يوماً وليلة، وعن كسوتهم ومسكنهم. يعني إذا كنت أنا كإنسان عندي مال أو أستطيع أتكسب وآتي بالمال، لكن هذا المال الذي موجود عندي أو المال الذي أكسبه من عملي في الحقيقة هو بالكاد يكفيني لأنفق على نفسي وزوجتي ورقيقي. طبعاً ليش ذكر الرقيق هنا دون غيره؟ إخواني الزوجة يجب عليك أن تنفق عليها في كل الأحوال، كنت موسراً أو كنت معسراً، مسؤولية النفقة عليك، والرقيق عبدك وأمتك مسؤولية النفقة عليها أو عليه عليك أنت أيها السيد كنت موسراً أو معسراً، أما بقية الأقارب حتى أبناءك إذا كنت معسراً، لا، مسؤولية النفقة تنتقل إلى غيرك كما سيأتي معنا، ووالداك نفس الشيء، إذا كنت معسراً مسؤولية النفقة تنتقل إلى غيرك.
فهنا نص على الزوجة والرقيق، فاكتب لأن هذين الصنفين أنا مسؤول أن أنفق عليهما كنت موسراً أو كنت معسراً، وأما باقي الأصناف من الأقارب كالآباء والأبناء والإخوان فنفقتي عليهم إنما تلزمني إذا كنت موسراً أو غنياً، وأما إذا لم أكن كذلك فلا تلزمني.
نعود لنقول الشرط الثاني: حتى يجب علي أن أنفق على أقاربي - وكلمة أقاربي هنا تشمل أبنائي وتشمل آبائي وتشمل إخواني عموماً - أن يكون المنفق غنياً إما من خلال مال يوجد عنده أو من خلال تكسب بجسده يكسب منه مالاً، ويكون هذا المال الذي عنده أو يكسبه من خلال العمل يفضل، يعني زائداً عن حاجته وحاجة زوجته وحاجة رقيقه يوماً وليلة، وعن كسوتهم ومسكنهم.
فإذا أنا عندي مال يفضل عن حاجتي وحاجة زوجتي ورقيقي يوماً وليلة، يفضل عن حاجتهم في الطعام والشراب وفي الكسوة والمسكن، فحينئذ هذا المال الذي يفضل عن حاجتي وحاجة زوجتي ورقيقي في اليوم والليلة، هذا المال الفاضل علي أن أعطيه لقريبي الفقير الذي إن شاء الله سنكمل الشروط التي يجب علي الإنفاق عليها. إذاً الشرط الأول أن يكون المنفق عليه فقيراً بحيث لا مال عنده ولا قدرة على التكسب، والثاني أن يكون المنفق الذي سنلزمه بالنفقة غنياً إما من خلال مال أو من خلال وظيفة، ويكون...
ما يفضل عن ما له أو وظيفته، يفضل عن طعامه وطعام زوجته ورقيقه يوما وليلة. لنلزمه في هذا اليوم بأن ينفق على القريب الفقير. الشرط الثالث أن يكون هذا الإنسان الذي سنلزمه بالنفقة وارثًا لهذا القريب الفقير في حال موته، إما بالفرض أو بالتعصيب.
يستثنى من ذلك الأصول والفروع، فيجب لهم وعليهم مطلقًا، سواء كنت أنا وارثًا منهم أو لست وارثًا. انتبهوا لها، الشرط الثالث هنا يا إخواني: المنفق والمنفق عليه؛ نحن حكينا المنفق لازم يكون غنيًا، والمنفق عليه لازم يكون فقيرًا، وعرفنا ما معنى الفقر وما معنى الغنى. الشرط الثالث هو الذي أريد أن أوضح لكم إياه؛ قالوا حتى يجب على هذا المنفق الغني الإنفاق على هذا القريب الفقير، لازم يكون هذا الغني يرث هذا القريب الفقير في حال موته. يعني لو مات هذا القريب الفقير الآن، سيكون هذا الغني أحد ورثته.
إذاً، نعيد: لازم يكون هذا المنفق الغني حتى نلزمه بالنفقة، لازم يكون وارثًا لهذا القريب الفقير في حال موته، وارثًا منه إما من خلال الفرض أو التعصيب بأحد الطريقين كما تعلمنا في الفرائض. بالتالي، إذا كان هذا المنفق الغني ليس وارثًا لهذا القريب الفقير، إما هو ليس من الورثة أصلًا، أو كان من الورثة لكنه محجوب بسبب من أسباب الحجب التي تعلمناها، في هذه الحالة هذا الغني المنفق لا يجب عليه أن ينفق على هذا القريب الفقير؛ لأنه هذا الغني المنفق لا يرث من هذا القريب الفقير في حال موته، لا فرضًا ولا تعصيبًا، فلا يجب عليه أن ينفق عليه. أما إذا كان يرث منه بالفرض أو التعصيب في حال موته، هنا يجب عليه النفقة عليه.
لكن كم ينفق عليه؟ هذا سؤال مهم، ربما لم يذكر الشيخ شيئًا هنا. نقول: هذا المنفق الغني الذي يرث من هذا القريب الفقير في حال موته، إنما يلزمه أن ينفق عليه بمقدار ما سيرث منه. لنأخذ أمثلة: أخ غني، وأخوه فقير، هل يلزم الأخ الغني أن ينفق على أخيه الفقير؟ لننظر: هل هذا الأخ الغني وجد فيه ضابط الغنى بمال أو كسب، وهو وارث من أخيه لو مات أخوه الفقير الآن؟ هل هو أحد الورثة؟ نرى قواعد الميراث التي يحفظها؛ لو هذا الأخ الفقير طلع عنده ابن، فإنه إذا مات هذا الأخ الفقير الآن، هذا الأخ لن يرث منه؛ لأنه تعلمنا في الفرائض أن الابن يحجب الإخوة الأشقاء ولأب ولأم أيضًا. فبالتالي لو مات الأخ الفقير والابن موجود فسيحجب الأخ، فبالتالي في حياته لا يجب على هذا الأخ الغني أن ينفق على أخيه الفقير؛ لأنه لو مات الأخ الفقير الآن لن يكون الأخ الغني وارثًا منه، فلا يجب عليه النفقة عليه، وإن أراد أن ينفق تكرّمًا فجزاه الله خيرًا، لكن لا يلزمه.
نفرض أن هذا الأخ الفقير ما عنده ابن، وما عنده أب؛ لا يوجد أب لأن الأب يحجب أيضًا الأخ. في هذه الحالة، لو مات هذا الأخ الفقير الآن، فإن أخاه الغني سيرث منه، فبالتالي نقول: يا أيها الأخ الغني عليك أن تنفق على أخيك الفقير؛ لأنه لو مات أنت أحد ورثته، ففي حياته يجب عليك أن تنفق عليه. فيقول هذا الأخ الغني: ممتاز، أنا علي أن أنفق على أخي، هل علي أن أنفق عليه كل النفقة أم بمقدار محدد؟ نقول: لا، عليك أن تنفق عليه بمقدار ما سترث منه.
ننظر إلى الأخ الفقير، من هم ورثته؟ مثلاً ورثته أمه وزوجته؛ الزوجة ستأخذ الربع والأم ستأخذ الثلث، والباقي سيذهب للأخ. فهنا الأخ، عدد الأسهم التي سيحصل عليها من مسألة الفرائض هو المبلغ الذي يجب عليه أن ينفق، مقدار ما سيرث. وأما باقي النفقة فستكون على من؟ مثلاً على والدته، لأن والدته إذا كانت غنية فهي سترث منه الثلث، فهنا الأم ستنفق على هذا الأخ الفقير وابنها فعليًا، ستنفق عليه ثلث ما يحتاج من النفقة لأنه لو مات هي سترث منه الثلث، والأخ هذا سينفق عليه مثلاً الباقي لأنه لو مات سيأخذ منه هذا المقدار، وهكذا نمشي على موضوع المواريث.
فهمتم هذه القاعدة أحبابي الكرام؟ الأخ هنا سينفق على أخيه الفقير لأنه لو مات سيكون هو أحد ورثته، لكن مقدار ما سينفقه عليه هو مقدار ما سيحصل من الميراث فقط، ولا يلزمه أكثر من ذلك، أو يلزمه أن ينفق عليه كامل النفقة التي تغنيه؟ فهمنا هذه القاعدة، لكن هذه القاعدة هي أن المنفق الغني حتى يجب عليه الإنفاق على قريبه الفقير لازم يكون هو وارثًا من قريبه الفقير في حال موته، ويستثنى منها الأصول والفروع.
ماذا يعني يستثنى منها الأصول والفروع؟ خليني أوضحها: القريب الغني عليه أن ينفق على أصوله الفقراء وعلى فروعه الفقراء ولو كان لا يرث منهم. هنا قاعدة الإرث تُلغى؛ نقول: القريب الغني يجب عليه أن ينفق على أصوله (أب، أم، جد، جدة وإن علوا)، عليه أن ينفق على أصوله ولو كان لا يرث منهم. مثلاً: هذا القريب الغني عنده أم وعنده أب، والده فقير وليس معه مال، وجده فقير، هذا القريب الغني والده فقير معدم وجده فقير؛ الآن هذا القريب الغني عليه أن ينفق على والده، وهذه واضحة، فهو ينفق على والده وهو أيضًا يرث والده لو مات، فهنا لا توجد مشكلة؛ لأنه ينفق على والده ولو مات والده فهو سيكون أحد الورثة لأنه ابنه.
ولكن أين المشكلة أكثر؟ الجد. هل عليه أن ينفق على جده مع أنه لو مات الجد فهذا الحفيد لن يكون وارثًا؟ لو مات الجد هذا الحفيد ليس وارثًا لوجود الأب وهو والده، فباختصار هنا القريب الغني لن يكون وارثًا من الجد لو مات هذا الجد، لكن مع ذلك عليه أن ينفق عليه؛ لأنه في الأصول والفروع لا ننظر إلى كونك وارثًا من هذا القريب أو غير وارث، أصولك وفروعك تنفق عليهم مطلقًا حتى ولو لم تكن وارثًا منهم لو ماتوا. وكذلك مثلاً هذا عنده ابن وعنده ابن ابن ابن، الابن فقير ليس معه مال، ينفق على ابنه، فهل على هذا القريب الغني أن ينفق على حفيده مع أنه لو مات هذا الحفيد...
فإن جده لن يرث منه لوجود الابن بينهما؛ لأن هذا الابن هو أب له، فالأب يحجب الجد. فباختصار هذا الجد لن يرث من حفيده. لكن إذا كان فقيرا وأبوه لا ينفق عليه، فعند هذا الجد يجب عليه أن ينفق على فروعه.
فبالنسبة للأصول والفروع هنا، يجب عليك أن تنفق على أصولك ولو كنت غير وارث منهم، وتنفق على فروعك ولو كنت غير وارث منهم. وأما قضية أن يكون القريب وارثا من قريبه، فهذه إنما تكون فيما يقولون في الحواشي؛ إخوانك، أعمامك، عماتك وهكذا. فتطبق قاعدة أن يكون وارثا منهم فرضا أو تعصيبا. أي قريب ترث منه فرضا أو تعصيبا من الحواشي يجب عليك أن تنفق عليه، اكتبوا: بقدر ما ترث منه فقط، إلا أصحاب الأصول والفروع فتنفق عليهم مطلقا سواء كنت وارثا منهم أو لا.
هكذا بنكون عرفنا الشروط الثلاثة حتى يجب علي أن أنفق على أقاربي: أول شيء لا بد يكون قريبي فقيرا، ما معه مال ولا يستطيع العمل. اثنين: أقول أنا غني، إما بمال معي أو بأرباح تأتيني من تكسبي، وتكون هذه الأموال التي معي تفضل عن نفقتي الشخصية ونفقة زوجتي وأولادي في يومي وليلتي، فأي مال يفضل يروح أعطيه لقريبي. بعدين يروح اليوم الثاني ونفس الشيء، أي مال يفضل يروح أعطيه لقريبي.
إذا توفر الشرط الثالث وهو أن يكون وارثا من هؤلاء الأقارب، أن يكون القريب الغني وارثا من أقاربه الفقراء فرضا أو تعصيبا، إلا الأصول والفروع يجب علي أن أنفق عليهم ويجب عليهم أن ينفقوا علي؛ لذلك قال: «فتجب لهم وعليهم مطلقا»، أي يجب علي أن أنفق عليهم إذا كانوا فقراء، ويجب عليهم أن ينفقوا علي إذا كنت أنا فقيرا، مطلقا كنا وارثين من بعضنا أو لم نكن وارثين من بعضنا.
لكن بدي أعطيكم قاعدة، أحبابي هذه القاعدة خلوها مع الجملة التي تليها. قال الشيخ برعي: «وإذا كان للفقير -أي للقريب الفقير- ورثة دون الأب، فنفقته على قدر إرثهم». عفوا، هو ذكر المسألة، أنا قلت ربما لم يذكرها لكن أنا انتبهت وتذكرت أنه ذكرها؛ إذا كان القريب الفقير له ورثة دون الأب، فنفقته عليهم -أي على ورثته- على قدر إرثهم.
وماذا يقصد بهذه المسألة؟ الآن أنا ذكرت لكم أحبابي الكرام أنه إذا كان رجل فقير -اسمعوا هذه القاعدة- الإنسان الفقير إذا كان له أب غني، الإنسان الفقير فقير ما معه مال ولا يستطيع التكسب، فإذا كان فقير ما معه مال ولا يستطيع التكسب وكان أبوه حيا وغنيا، فالأب الغني هو الذي ينفرد بنفقة ابنه الفقير كاملة، حتى لو كان هناك ورثة سيرثون من هذا الابن الفقير لو مات. حتى إذا كان الأب موجودا حيا وغنيا هو الذي ينفرد بالإنفاق على ابنه الفقير، اكتبوها عندكم.
أما إذا كان الأب ميتا، أو الأب موجود لكنه فقير ما معه يصرف على حاله، هنا نعم ستنتقل النفقة على هذا ابن الفقير إلى باقي الورثة؛ نفقة هذا الشخص الفقير ستنتقل على باقي الورثة، لكن كما قلنا بقدر إرثهم. فمثلا مين باقي الورثة؟ مثلا له حفيد له ابن ومش حفيد له ابن، فهذا الابن عليه أن ينفق على والده، وهذه الأم عليها أن تنفق عليه، وكل ينفق بقدر إرثه. فالأم ستأخذ منه بمقدار السدس، مش عرفناه في الميراث لها سدس لوجود الابن؛ عليها تنفق عليه السدس، والابن ينفق عليه الباقي، هكذا على قواعد الميراث.
لكن إذا كان والده موجودا وحيا وغنيا، الوالد الموجود الغني هو الذي ينفق على ابنه، هذه قاعدة، ينفق عليه كل نفقته. إذا كان الوالد غير موجود، أو موجود لكنه فقير، نعم هنا ستنتقل النفقة إلى باقي الورثة، وكل ينفق على هذا الفقير المسكين بقدر ما سيحصل منه من الميراث لو مات. هذه القاعدة علينا أن نحفظها.
ثم قال: «ولا يلزم الموسر منهم مع فقر الآخر سوى قدر إرثه». شو معنى هذا الكلام؟ يعني نحن عرفنا هذا الأب فقير، فهذا الشخص المسكين ما في له أب ينفق عليه، فانتقلت نفقته إلى باقي الورثة، فهنا أم وهنا ابن، هنا أم وهنا ابن. طبعا الزوجة أحبابي بدنا نحطها على جنب، لأن الزوجة لا تنفق على زوجها، لا يلزمها النفقة على زوجها، بل بالعكس زوجها فقير مش قادر يطعميها بتروح بتطلب الفسخ والله يسهل عليه.
المهم، فهنا الأم ستنفق السدس قلنا، والابن سينفق الباقي. بدنا نفرض أن الابن هذا برضه طلع فقير مصفر معه شي، العائلة مبهدلة، الأب فقير والابن فقير، فبقي هذا المسكين في النص ما فيش إلا أمه تنفق عليه. هل نقول للأم بما أنك موسرة خلص الله يعينك انفقي عليه كل النفقة؟ يلزمك أن تنفقي عليه كل النفقة، يعني كل كفايته؟ في الحقيقة لا يلزمها ذلك. بتيجي الأم بتقول: أنا بنفق عليه السدس فقط؛ لأنه هذا الذي أنا أرث منه لو مات، وما لي علاقة أنه ابنه فقير ما معه مصاري، ليس لي علاقة. نقول لها: حبتي تكرميه حرة ابنك في النهاية، بس هي في النهاية هذه الأم يلزمها السدس، حتى ولو كان باقي الورثة فقراء لا يلزمها إلا السدس فقط.
هذه هي القاعدة التي يريد أن يقررها الشيخ مرعي بقوله: «ولا يلزم الوارث الموسر منهم مع فقر باقي الورثة سوى قدر إرثه». زي ما حكيت، الأم عليها السدس، بتقول والله لو كل الفقراء الورثة الباقين فقراء أنا ما راح أدفع إلا السدس، لها حق في ذلك.
ثم قال: «ومن قدر على الكسب أجبر لنفقة من تجب عليه من قريب وزوجة». وهذه ذكرتها لكم وهي تتعلق بالشرط الثاني، وهو لما قال الشرط الثاني من شروط وجوب النفقة «وأن يكون المنفق غنيا إما بمال أو كسب». فإذا كان الشخص المنفق ما عنده مال لكنه يستطيع الكسب، اللي هو قال: أنا ما بديش أتكسب، بدي أجلس في البيت وأنا ما بدي أتكسب ما بدي أنفق على أقاربي، هنا الحاكم يجبره. لذلك قال: «ومن كان قادرا على التكسب أجبر أن يذهب ليتكسب» حتى ينفق على نفسه أولا وعلى من تجب عليه نفقته من أقاربه وزوجته أيضا من باب أولى.
ثم قال: «ومن لم يجد ما يكفي الجميع». شخص إخواني عنده مال زي ما قلنا، وعنده كسب يدخل عليه داخل يومي أو شهري، لكن في الحقيقة ما يدخل عليه من دخل لا يكفي ليسد جميع النفقات، لا يستطيع أن يسد به جميع النفقات المتعلقة به.
فهنا ما هو الترتيب الشرعي للنفقات؟ نقول له أولا تبدأ بنفسك؛ تسد حاجتها من الطعام والكسوة والمسكن. ثم تنتقل لزوجتك، إنه يجب عليك أن تنفق عليها في العسر واليسر. ثم تنتقل لرقيقك؛ لأنه يجب عليك أن تنفق عليه في العسر واليسر.
بعد ذلك ينتقل إلى من؟ إلى ولده. فإذا بدأت تنفق عن نفسك، ثم زاد شوي تنفق على زوجتك، ثم زاد بعد نفقة زوجتك شوي تنفق على رقيقك، ثم زاد قليلا تنفق على ولدك؛ والولد طبعاً يشمل الابن والبنت. ثم زاد قليلا تنفق على أبيك، ثم زاد قليلا تنفق على أمك.
ونلاحظ أنهم قدموا الأبوة على الأمومة؛ قالوا لأن الأب هو صاحب الولاية، وله أن يأخذ من مال ابنه، فقال النبي ﷺ: «أنت ومالك لأبيك». فالأب هنا أقوى من المرأة لأنها الأم، وإن كان النبي ﷺ وصى بالأم: «أمك ثم أمك ثم أمك»، لكن لماذا قدم الأب؟
قال الحنابلة: لأنه هو الذي يمتلك الولاية على مال أولاده عموما، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ: «أنت ومالك لأبيك»، ولم يقل «أنت ومالك لأمك»؛ فبالتالي هو أولى في التقديم من الأم في هذه الجزئية. فقال: فبالأب، ثم زاد قليلا فيذهب للأم، ثم زاد قليلا فيذهب لأولاد أبنائه، وليس لأولاد بناته؛ ولد الابن يعني بنت ابنك وابن ابنك، وأما أولاد بنتك فهؤلاء يكونون لأزواج البنات ولعائلة أزواج البنات وليسوا ينسبون إليك.
ثم قال بعد أولاد الابن فللجد، يرجع للجد، فإن زاد قليلا فلإخوانه، ثم بعد ذلك على قواعد الميراث الأقرب فالأقرب. هذا هو الترتيب العلمي للنفقة عند الحنابلة في حالة أنه ليس معك مال تسد كل هذه النفقات.
ولمستحقي النفقة أن يأخذ من مال من تجب عليه بلا إذنه إن امتنع. هذه مثل مسألة الزوجة؛ أنا إنسان وجب علي شرعاً أن أنفق على قريب فقير، وجدت جميع الشروط التي تلزمني بالنفقة عليه لكنني رفضت، قلت ما بدي أنفق عليه، هل يستطيع قريبي الفقير مثلاً -أخي- أنه يأتي يأخذ من مالي بالمعروف المقدار الذي يستحقه من دون أن يستأذنني؟ قالوا: نعم، لأنه هو الآن أصبح له حق شرعي في مالك وأنت تمنعه منه، فله أن يأتي ويأخذ من مالك حقه الشرعي من دون أن يستأذنك؛ لذلك قال: «ولمستحقي النفقة أن يأخذ من مال من تجب عليه بلا إذنه إن كان ممتنعاً».
وحيث امتنع منها زوج أو قريب، وإنفق أجنبي بنية الرجوع رجع. مسألة أخرى: حيث امتنع منها زوج أو قريب؛ زوج امتنع من أن ينفق على زوجته، أو قريب وجب عليه أن ينفق على قريبه فامتنع، فجاء شخص أجنبي فقال لهذه الزوجة: تفضلي هذه نفقتك، والزوجة قبلت.
هل لهذا الأجنبي أن يعود فيطالب هذا الزوج بما دفعه للزوجة؟ قالوا: إذا كان هذا الأجنبي أنفق على الزوجة بنية الرجوع على الزوج له أن يعود عليه، وأما إن أنفق من دون وجود نية الرجوع، كان ناوياًها تبرعاً، فليس له أن يعود على الزوج. لذلك، حيث امتنع من النفقة زوج أو قريب، فأنفق أجنبي بنية الرجوع على من تلزمه النفقة، هل له أن يرجع؟ له أن يرجع.
ثم قال الشيخ مرعي رحمه الله: «ولا نفقة مع اختلاف الدين إلا بالولاء». أحبابي الكرام، هذا الكلام عن نفقة الأقارب وليس نفقة الزوج على زوجته؛ لأن الزوج ينفق على زوجته الكتابية، وإن كانا لا يتوارثان، لكن الزوج ملزم أن ينفق على زوجته الكتابية.
الكلام عن نفقة الأقارب؛ فيقولون القريب لا ينفق على قريبه المخالف له في الدين حتى ولو كان من أصوله وفروعه. القريب المسلم الغني لا يلزمه أن ينفق على قريبه الفقير الكافر المخالف له في الدين، ولو كان من أصوله أو فروعه أو من حواشيه؛ لا يلزمه أن ينفق عليه. إذاً لا نفقة مع اختلاف الدين، كان الكفر خلص، يعني يفكك العلاقة بين هؤلاء، إلا في حالة واحدة: حالة الولاء.
ما هو الولاء؟ هذا ليس معنا في المواريث، وهو أنه إذا كان هذا الرجل الغني في زمانه قد أعتق عبداً وله ولاؤه، مش قلنا إذا أعتقنا عبداً يصبح ولاؤه لنا؟ هذا العبد المعتق الذي له ولاء أصبح فقيراً وليس معه قوت، وهو كافر، هل يلزمني أن أنفق عليه؟ قالوا: نعم، يلزمك أن تنفق عليه إذا كنت وارثاً منه.
ومتى أرث منه؟ في حالة عدم وجود أصحاب تعصيب بالنسب، وأصحاب الفروض لم يستغرقوا كل التركة. فإذا لم يوجد عصبة بالنسب، فإن هذا السيد الذي له الولاء سيكون هو عصبة بالسبب، وسيكون له الأحقية في ميراثه ولو اختلف الدين، وهذه أخذناها في المواريث إذا تتذكرون؛ أنها الحالة الوحيدة التي يرث فيها مسلم من كافر أو كافر بمسلم يصح فيها الإرث مع اختلاف الدين، وهي حالة الولاء.
فإذا كان هذا السيد قد أعتق عبداً وله ولاؤه، ثم افتقر هذا العبد، فهل على السيد القديم أن ينفق عليه؟ نقول: عليه أن ينفق عليه إذا كان يستحق ميراثه ولو اختلف الدين بينهما؛ لأن هذه المسألة تقع في الإرث بالولاء ولو مع اختلاف الدين كما تعلمنا في الفرائض. فبالتالي إذا كان هذا السيد القديم سيرث من هذا المعتق فإنه يجب عليه أن ينفق عليه في حال فقره ولو اختلف الدين.
انتهينا من نفقة الأقارب وخلصنا نفقة الزوجة، ننتقل الآن لنفقة المماليك؛ قال الشيخ مرعي: «فوعلى السيد نفقة مملوكه»، ونفس الشيء نفقة مملوكه تعني طعاماً وشراباً.
وكسوته ومسكنه، وعليه شيء رابع: تزويجه إن طلب؛ أي إن طلب عبده الزواج، قال: يا سيدي أريد أن أتزوج، يلزمني أن أزوجه، لأن الله قال: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32]. فإذا على السيد نفقة المملوك: طعاما وشرابا وكسوته ومسكنه وتزويجه إن طلب.
وله أن يسافر بعبده المزوج، وله أن يستقدمه نهارا. أي إذا عبدي طلب مني الزواج، قال: يا سيدي أريد أن تزوجني، فزوجته، لأنه هذا واجب علي. هل معنى هذا أنه خلاص هذا العبد بما أنه صار عنده زوجة ما يصير أسافر فيه وما يصير أستعمله؟ لا، وقول الحنابلة حتى لو يجوز لي أنا كسيد أن أسافر بهذا العبد متى شئت، ويجوز لي أن أستخدمه نهارا، وأما في الليل فهذا يكون لزوجته، هذا العبد يكون مع زوجته.
قالوا وعليه... إذا كان المملوك أمة، نقول: إما عليك أن تعفها، وعليه إعفاف أمته؛ إما أن أنت يا سيد تبطئها حتى تعفها، أو أنك لا تريد أن توطئها فتروح تبيعها لشخص آخر وهذاك الشخص الآخر يدبر حاله، إما أنه يبطئها أو يزوجها، أي يبيعها لشخص ثالث، وهكذا؛ وعليه إعفاف أمته إما بوطئها أو تزويجها أو بيعها.
ثم بدأ يذكر بعض الأحكام عموما التي تتعلق بالعبيد؛ فيحرم أن يضربه على وجهه، يعني مش أن عبدك يعني خلص تأخذ راحتك، يحرم أن تضربه على وجهه. ويحرم أن يشتم أبويه ولو كان أبواه كافرين مراعاة للمشاعر، ويحرم أن يكلفه من العمل ما لا يطيق، كأن يحمل يوميا اثني عشر طنا من الباطون، هذا ما ينفع.
قال: ويجب أن يريحه وقت القيلولة، لأنه في النهاية هذا إنسان بده يستريح، وأن يريحه أيضا وقت النوم والصلاة المفروضة لأن هذا حق الله سبحانه وتعالى. وتسن مداواته إن مرض، وأن يطعمه من طعامه. يسن إذا مرض أن تداويه، لكن لا يجب على القول المعتمد، وهناك قول لبعض الأصحاب بوجوب مداواته إن مرض، لكن الأظهر أنه يسن ولا يجب، خصوصا أن الحنابلة أصلا يرون -كما أخذنا في الجنائز- أن ترك الدواء أفضل، وذكر هذا صاحب الإنصاف. بالتالي إذا كان ترك الدواء أفضل، أنا كسيد لا يلزمني وجوبا أن آتي لعبدي الدواء، لأن ترك التداوي أفضل عند الحنابلة في وجهة نظرهم، فبناء عليها قالوا يسن له أن يأتي له الدواء لكن لا يلزمه ذلك.
وتسن مداواته إن مرض حتى يكون نوع من الاهتمام بمشاعره، لأنه في النهاية هو بده يترك الدواء يتركه، بس أنا كسيد ما أعرف قدرة تحمل هذا العبد، فأقول يسن لي أن آتي له بالدواء لكن كحقوق شرعية لا يلزمني. وكذلك أن يطعمه من طعامه كما النبي ﷺ؛ العبد هو يصنع لسيده في رعاية الطعام، فإذا وضع الطعام لسيده من الأدب ومن السنة كما علمنا النبي ﷺ أن تطعمه شيئا من هذا الطعام، فقد ولي حره وقرة، كما قال النبي ﷺ. هو الذي جهزه لك وزبطه لك، وخاصة إذا كان دجاج محشي أو كان لحما، في النهاية تهتف نفسه على شيء منه، هذا حتى ولو يباع ويشترى يبقى إنسانا عليك أن تحترم إنسانيته.
قال: وله تقييده إن خاف عليه، وله تأديبه إذا خفت أنه هذا العبد يشرد ويهرب منك، لك أن تقيده. وله أيضا إن كان يسيء الأدب أن يؤدبه ويضربه بالدرة، لكن زي ما قلنا لا يضربه على وجهه.
ولا يصح نفله؛ أي العبد الأبق والعبد الهارب من سيده، يقولون العبد الهارب من سيده إذا في فترة هروبه كان يؤدي نوافل مثلا يصوم نفلا ويصلي نفلا، هذا كله لا يقبل منه، باطل. ليه؟ قال لأن هذا الزمن الذي يستهلكه هذا العبد الهارب في التطوعات والنوافل هو زمن غصبه من سيده، فكما أن الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة فكذلك التنفل في الزمن المغصوب باطل. طبعا الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة سواء كانت فرضا أو نفلا، لكن التنفل في المغصوب هو الباطل، وأما الفرض فلا؛ لأنه أصلا فرض زمن صلاة الفريضة هذا ما كان ملكا للسيد أصلا، هذا ملك لله، زمن صلوات الفرائض هذا ملك لله مش للسيد، فالسيد لازم أصلا يريح العبد فيه. لكن زمن أوقات النوافل لا، هنا السيد له أن يمنع عبده من أن يصلي النوافل حتى يؤدي حقوقه وخدمته، فالزمن الذي يفعل فيه العبد صلاة النوافل هذا زمن غصبه، هذا العبد الأبق من سيده، فلا يقبل الله سبحانه وتعالى منه هذه النوافل، لأن هذا الوقت مش لك، هذا الوقت للسيد الذي أنت هارب منه، قال لن تقبل منك نوافل ما دمت سابقا هاربا، أما الفروض فهذه حق الله فتقبل منك.
ثم قال عموما: وللإنسان تأديب زوجته وتأديب ولده ولو مكلفا؛ يعني حتى لو مكلف لك أن تؤدبه بضرب غير مبرح، لك أن تؤدب زوجتك وولدك ولو مكلفا بضرب غير مبرح، ولكن عليك دائما أن تنظر لمآلات الأفعال، وهذا ما أقوله، إذا كان الضرب سيؤدي نتيجة عكسية لا تضرب رضي الله عنك.
ثم قال: ولا يلزمه بيع رقيقه مع قيامه بحقوقه؛ يعني إذا أنا كسيد مؤدٍ حقوق عبيدي وإمائي لا يلزمني أن أبيعهم ولو طلبوا ذلك، أنا مأدي حقوقهم، بالتالي لا يلزمني شرعا أن أبيعهم ولو طلبوا الرقيق أن أبيعهم.
بعد ذلك ختم النفقة على البهائم فقال: وعلى مالك البهيمة إطعامها وسقيها. هذه نفقة البهائم القسم الرابع والأخير. قال: وعلى مالك البهيمة إطعامها وسقيها، فإن امتنع، قال: ما بدي أطعمها، أجبر، فإن أبى بعد الإجبار، فإن أبى أو عجز، قال: يا عمي أنا عاجز أنا ما معي أطعم حالي بدكم أطعم هذه البهائم، فإن أبى أو عجز فإنه يجبر على بيع هذه البهيمة، خلاص بيع لشخص آخر هو ينفق عليها، أو إجارتها لشخص حتى هذا الشخص الذي استأجر ينفق عليها، أو ذبحها إن كانت مما تؤكل؛ فيجبر على البيع أو الإجارة أو الذبح إن كانت تؤكل، ما كانتش تؤكل مثل الحمار الأهلي فعليه أن يبيعها أو يؤجرها.
جميل، ثم ذكر أحكام تتعلق بمعاملة البهائم فقال: ويحرم لعنها، لا يجوز أن تلعن البهائم كما ذكر ذلك النبي ﷺ، تقول لحصان أو نشاء أو لبقرة الله يلعنك، لا يجوز هذا حرام. وتحميلها مشقا، ما يصير تحملها فوق طاقتها. وحلبها ما يضر ولدها، يعني ناقة عندها ولد أو بقرة عندها...
تحلب بوجه لا يضر الأبناء حفاظًا عليهم. فحلبها تحلب ما لا يضر بأولادها، حرام عليك. وأما ما لا يضرهم فهذا جائز. وضربها في وجهها فهذا حرام، كما أن ضرب العبد في وجهه حرام. ووسمها فيه، أي وضع وسم وعلامة في وجهها، فهذا حرام. أما وضعه في غير وجهها، لو وسمها في ظهرها أو ذيلها فهذا يجوز إن كان لغرض صحيح، وليس للمسلم الوسم في غير الوجه يجوز إن كان لغرض صحيح.
وذبحها إن كانت لا تؤكل يحرم أن تذبحها إن كانت لا تؤكل. حمار أهلي، واحد عنده حمير ويستعملها، يوم من الأيام هو عارف أن الحمار الأهلي لا يؤكل، راح ذابحه. طب ليش ذبحته؟ ما يصير؛ لأن هذا أصبح إذلافًا وإهدارًا له مع أنه كان ينتفع به، وأهدر ماليته كما يقولون.
طيب لو قال: يا شيخ أنا والله ذبحته بدي أريحه من هذه الدنيا، أنا شايفه تعبان هذا الحمار ورايح وجاي وفي مرض حتى دب فيه مرض، ذبحته لأريحه، هل يجوز؟ قالوا: لا يجوز؛ لأنه هذه ليست شغلتك، هذه أرواح بيد الله، وهذا لا يجوز أكله، بالتالي دعه لأجله. تريد أن تجلب له طبيبًا يعالجه؟ يجلب. لكن أن تقول أذبحه لأريحه، هذا لا يجوز. إذن ذبحها إن كانت لا تؤكل أيضًا حرام. أما ذبحها إن كانت تؤكل فهذا جائز لأن هنا أنت تستطيع أن تأكل وتستفيد.
ثم قالوا: ويجوز استعمالها في غير ما خلقت له. يجوز لي أن أستعمل البهائم في الأمور التي لم تُخلق لها. كيف يعني؟ يعني أستعمل البقرة للركوب عليها، والبقرة في العادي ما حدش بيركب عليها، لكن أنا استعملت هذه للركوب عليها ورحت فيها مشوار، فأي دابة استعملتها في غير ما في العادة تستعمل به، هذا جائز ولا تثريب عليه، ما دام أنك لم تحملها مشقًا. إذا حملتها مشقًا صار حرامًا بالقاعدة التي ذكرناها.
هكذا نكون انتهينا من باب النفقات. دعونا نختم بالباب الأخير في كتاب النكاح إن شاء الله، حتى نبدأ الأسبوع القادم في كتاب الجنايات، الربع الأخير من هذا الكتاب وهو باب الحضانة. الباب الأخير معنا إن شاء الله باب الحضانة. ما معنى الحضانة؟ قالوا: الحضانة هي حفظ الطفل غالبًا عما يضره، نحفظ الأطفال عما يضرهم، والقيام بمصالحه كغسل وثيابه ودهنه وتكحيده، وتزيينه وربطه في المهد خاصة إذا كان رضيعًا ونحوه، وتحريكه هزًا لينام، وهذا الذي أعرفه لمن عنده أطفال صغار.
فهذا هو مفهوم الحضانة في فقه الأسرة؛ حضانة الأطفال معناها حفظ الأطفال مما يضرهم، والقيام بمصالحهم الحياتية، أن ترضعه إذا كان يحتاج حليب، وأن تضبط له رأسه وثيابه وتنظفه وتدهنه وتكحله، وإذا احتاج مثلاً نومًا في مهد تربطه في هذا المهد وتضبط له سريره وتحريكه لينام، وعموماً كل ما يتعلق بمصالحه. لا نريد أن نذكر أمثلة كثيرة، المراد دفع ما يضره والقيام بمصالح الطفل؛ الحضانة هي حفظ الطفل من خلال السعي لدفع ما يضره والقيام بمصالحه التي يتعارف عليها الناس.
هذا المبحث يتكلمون فيه: من هو صاحب الحضانة على الطفل؟ من هو صاحب الأحقية في الحضانة؟ طبعًا الحالة الطبيعية أن يكون الطفل يحيا مع أب وأم، لكن للأسف أحياناً تحدث انتهاء للعلاقة الزوجية، فالأب يذهب إلى جهة والأم تذهب إلى جهة، أو يقدر الله سبحانه وتعالى أن الأب والأم يموتان ويتركان طفلاً صغيرًا، أب وأماته في حادث سير وتركوا طفلًا صغيرًا وراءهم ما زال يحتاج إلى من يدفع عنه الضر ويقوم بمصالحه.
فهنا من هو الأحق بالحضانة؟ هناك ترتيب طويل عند الحنابلة في بيان من هو صاحب الأحقية في الحضانة، سأقرأه سريعًا عليكم. قالوا: والأحق بها الأم ولو بأجرة مثلها مع وجود متبرعة. يعني نفرض أن هناك أمًا انفصلت عن الأب، هذه الأم هي الأحق بحضانة طفلها، وطبعًا المراد بالطفل هنا من دون سبع سنوات. اكتبوا: المراد بالطفل هنا من دون سبع سنوات، لأنه الذي عمره سبع سنوات سيأتي معه حكم في الفصل الأخير، فنتكلم هنا عن طفل دون السبع سنوات، أي دون التمييز.
فهنا الأم أحق بحضانة طفلها ولو طلبت أجرة من والده على الحضانة. تصوروا؟ يعني لو الأم قالت: أنا بدي أحضن هذا الطفل وبدي أجرة مقابل الحضانة، فهنا الأب يلزمه أن يدفع لها أجرة مثلها، يعني أجرة من يعتاد منه القيام بهذا الفعل من الحاضنات. هنا الأب يجب عليه أن يدفع أجرة المثل لهذه الأم المنفصلة عنه.
حتى لو وجد الأب امرأة متبرعة بالحضانة، يعني هذا الأب وجد امرأة قالت له: يا عمي أنا بحضن لك طفلك مجانًا، وأم الطفل قالت: لا، أنا بدي أحضنه وبدك تعطيني أجرة المثل، ما الذي يلزم الأب؟ هل له أن يعطيه للحاضنة المجانية مع وجود الأم المطالبة؟ لا. ما دامت الأم تطالب بالحضانة وتطالب بأجرة المثل، فالأب مجبر أن يعطيها الحضانة ويدفع لها أجرة المثل، حتى مع وجود متبرعة.
طيب، إذا كانت الأم غير موجودة أو وجد فيها صفة من الصفات المانعة للحضانة -وسيأتي ذكر الصفات المانعة للحضانة كأن كانت الأم رقيقة أو فاسقة أو كافرة والطفل مسلم، أو الأم كانت -جزاها الله خير- بعد ما تركت أبو زوجها راحت تزوجت شخصًا آخر- فباختصار الأم إذا كانت غير موجودة أو كانت موجودة لكن وجد فيها مانع من موانع الحضانة، هنا ينتقل حق الحضانة لشخص آخر. من هو؟ هل هو أبو الطفل؟ كلا، ينتقل حق الحضانة لأمهاتها، أي أم الأم.
الأم إذا كانت غير موجودة أو قام بها مانع من موانع الحضانة، ينتقل الحق في الحضانة إلى أمهاتها الأقرب فالأقرب، فنبدأ بالجدة وهكذا. إذا كانت كل أمهات الأم معدومات أو قامت بهن موانع من الحضانة، ينتقل الحق في الحضانة حينئذ للآب. إذا كانت أمهات الأم غير موجودات ننتقل للأب، يصبح هو صاحب الحق في الحضانة، فإن كان معدومًا أو وجد فيه مانع من موانع الحضانة، فإن الحق ينتقل لأمهات الأب، يعني الجدات من جهة الأب وإن علون، فإن فقدن ينتقل الحق للجد، ثم إذا لم يوجد الجد أو وجدت فيه موانع تنتقل لأمهات الجد.
ثم الأخت لأبوين، يعني أخت هذا الطفل الذي دون سبع سنوات، الشقيقة له. فإن لم تكن له أخت شقيقة أو وُجد فيها مانع، تنتقل للأخت من جهة الأم، وهنا الأخت من جهة الأم أقوى من الأخت من جهة الأب، وهذا خلاف المعتاد عندكم في المواريث، وفي العادة الأخت من جهة الأب أقوى من جهة الأم، لكن هنا الأخت من جهة الأم أقوى. فالاخت لأبوين، ثم الأخت لأم، ثم الأخت لأب.
إذا كان كل موضوع الإخوان قد فُقد، هذا الطفل الرضيع أو الطفل الذي دون سبع سنوات ما عنده أصلاً أخوات، ينتقل الأمر للخالة، ثم الخالة لأبوين، فالخالة الشقيقة للأم مقدمة على الخالة ليست الشقيقة، فتقدم إذا؛ الخالة الشقيقة للأم، ثم الخالة التي من جهة الأم، ثم الخالة التي من جهة الأب.
ما وجد له خالات؟ ننتقل للعمة ثم العمات، وكذلك هذا الترتيب: العمة الشقيقة للأب، ثم العمة لأم، ثم العمة لأب. ثم ما وُجد ننتقل لخالات أمه، ثم ما وجدوا ننتقل لخالات أبيه. إذا لم توجد خالات لأبيه، هنا لا نرجع لعمات الأم، بل نرجع لعمات أبيه، انتبهوا لها. بعد خالات أبيه نذهب إلى عمات أبيه، ما نرجع لعمات الأم.
ثم بعد عمات أبيه، ما وجدوا نذهب إلى بنات أخواته وأخوته، يعني هذا الطفل الرضيع أو هذه الطفلة التي دون سبع سنوات أخواته مش موجودات كُن ميتات مثلاً، فله بنات أخوات أو بنات إخوة. فإذا كان له بنات، يعني هذا الطفل أخواته مش موجودات لكن في بنات أخوات أو بنات إخوة، فلهن نفس الوضع في نفس المرتبة، بنات الأخوات وبنات الإخوة هذول في مرتبة واحدة يأتي الحق لهم.
طبعاً إذا كان في أكثر من واحدة، أحبابي الكرام، فإنه تحدث عملية القرعة؛ يعني إذا كان في أكثر من شخص في نفس المرتبة وكلهم لهم الأحقية في الحضانة، تصير القرعة. لنكمل الرحلة الطويلة، ثم إخوته وأخواته، ثم ما وجد بنات إخوة وأخوات، نذهب لهذا الطفل، له بنات أعمام وعمات، فبنت عمه أو عمته لها الأحقية في الحضانة. ثم بعد ذلك قال: ثم لباقي العصبة، ثم نذهب لباقي العصبة الأقرب فالأقرب. فلاحظوا إذا هي رحلة طويلة، وفي العادة يصعب أن الطفل لا يجد أي شيء من هؤلاء، وهذا معناه أنه مقطوع تماماً من شجرة.
ثم انتقل الشيخ -رحمه الله- الآن ليبين لنا ما هي الموانع التي إذا قامت في الشخص تمنعه من الحضانة وينتقل الحق إلى من يليه، فقال: «ولا حضانة لمن فيه رق». إذا كان الحاضن عبداً خالصاً أو عبداً مبعضاً، في كلا الحالتين ينتقل حق الحضانة إلى من يليه. إذا كان صاحب الحق في الحضانة، يعني الشخص الذي له دور في الحضانة من السلسلة التي ذكرناها، كان عبداً خالصاً أو كان ليس عبداً خالصاً بل مبعضاً، أي فيه عبودية وفيه حرية، في كلا الحالتين لا يجوز أن يكون ولا يصح أن يكون حاضناً، وينتقل حق الحضانة إلى من يليه. لذلك قال: «ولا حضانة لمن فيه رق»، حتى يدخل المبعض؛ فالعبد المبعض، والعبد الخالص، والأمة الخالصة لا تصلح أن تكون حاضنة.
قال: «ولا لفاسق». لا تثبت الحضانة لفاسق، لأن الفاسق لا يتقي الله سبحانه وتعالى في هذا المحضون، فإذا كان الفاسق من الأنثى أو الأب، إذا كان الحاضن فاسقاً يزول حقه في الحضانة وينتقل لمن يليه. قال: «ولا لكافر على مسلم». إذا كان الطفل محكوماً بأنه مسلم، فلا يصح أن يكون حاضنه كافراً، وينتقل الحق إلى من يليه.
قال: «ولا لمتزوجة بأجنبية»، يعني إذا كانت أم الطفل -وهذا الكلام عن أم الطفل- بعد أن فارقت أب الطفل تزوجت بشخص أجنبي عن الطفل، أي ليس له نسب معه، فهنا يسقط حق الأم في الحضانة وينتقل حق الحضانة لمن يليها.
استثنوا حالة، قالوا: إذا كان والد هذا الطفل ووالدته اتفقا على أن تبقى الحضانة للأم، ورضي هذا الزوج الأجنبي بأن زوجته هذه تحضن هذا الطفل، فحينئذ يجوز ذلك، يعتبر ذلك جائزاً؛ لأن في النهاية هناك تراضٍ من قبل الأم ومن قبل الأب على الحضانة أن تكون عند الأم، والأم هي أكثر واحدة شفيقة وعاطفة له، والزوج الأجنبي قبل. فقال الحنابلة في هذه الحالة نعتبرها استثناءً؛ أنه يجوز أن يبقى هذا الطفل محضوناً عند أمه المزوجة من الأجنبي ما دام الأب والأم اتفقا على هذا الأمر.
أما إذا كانت هذه الأم قد تزوجت من شخص ليس أجنبياً، تزوجت من شخص له نسب وقرابة من هذا الطفل، ففي هذه الحالة يبقى أصلاً حق الحضانة لها، وليس لوالد الطفل أن ينتزع حق الحضانة منها. انتبهوا، إذا كانت الأم قد تزوجت من قريب لهذا الطفل يبقى حق الحضانة لها وليس للأب أن ينتزعه، أما إذا كانت الأم قد تزوجت من أجنبي عن هذا الطفل فهنا الأب له أن ينتزع.
إذا فهمنا ما معنى: «ولا حضانة لمن فيه رق»، و«ولا لفاسق»، و«ولا لكافر على مسلم»، و«ولا لمتزوجة بأجنبي عن المحضون» أي بشخص ليس له قرابة من المحضون، هذا معنى أجنبي عن المحضون. طيب، ومتى زال المانع؟ أو إذا أسقط الأحق حقه وقال أنا مسامح في حقي، أعطوا الحضانة لمن بعدي، ثم عاد ليطالب بحقه، عاد الحق له. يعني باختصار، إذا كان هناك حاضن ممن له الأحقية وُجد فيه مانع من الموانع السابقة، كأن يكون الحاضن رقيقاً أو فاسقاً أو كافراً، فتجاوزناه إلى من بعده، ثم زال هذا المانع منه، هل له أن يعود فيطالب بحقه؟ نعم، له أن يعود ويطالب بحقه في الحضانة ويرجع الطفل عنده.
يا عمي أنا مسامح في حقي، أعطوا الطفل لغيري لمن يليه، هو حر ما بده، إذا صاحب الأحقية سامح وقال أعطوا حق الحضانة لمن يليه، ثم عاد فطالب بالحضانة هل له أن يعود في طالب بها؟ نعم، أيضا في هذه قال له أن يعود فيطالب بها.
المسألة التي ختم بها هذا الباب قال: «وإن أراد أحد الأبوين السفر». هذه مسألة السفر، إن أراد أحد الأبوين السفر ويرجع، يعني أحد الأبوين سواء الأب أو الأم قال والله بدي أسافر من الأردن وبدي أرجع، يعني بس أروح أرجع، فهنا الطفل تكون حضانته عند من؟ يعني اثنين متزوجين من بعض، الأب قال هناك طفل، الأب قال أنا بدي أطلع مشوار على كندا أو على كذا أو على السعودية وأرجع، أو الأم قالت أنا بدي أطلع مشوار عن السعودية أو كذا وأرجع. إذا كان السفر ذهاب وعودة من أحد الأبوين فحق الحضانة يكون للمقيم في البلد الذي لن يسافر.
إذا أراد أحد الأبوين السفر والرجوع فالمقيم في البلد الذي لن يسافر هو الأحق بحضانة الطفل سواء كان الأب أو الأم. وإن كان أحد الأبوين يريد أن يغادر هذه البلد للسكنى والمسافة ستكون مسافة قصر فالأب هو الأحق بالحضانة، ودونها إذا كانت دون مسافة القصر فالأم هي الأحق. اثنين اثنان متزوجان، أب وأم، الأب يريد أن يسافر خلاص ليسكن في مكان في دولة أخرى تبعد أي مكان، وهذا مكان آخر. هم الاثنين، هذا الأب وهذه الأم كانوا في الأردن، الأب كما قلنا أو الأم، لذلك قال هو الكلام عن أحد الأبوين، الأب أو الأم قرر أن يسافر وحده، هم يسافروا اثنين من بعض، الناس مشكلة لكن الكلام اللي سافر أحدهما.
إذا الأب قرر أن يسافر وحده إلى دولة أخرى ليقيم فيها، طبعا السعودية تبعد عن الأردن أكثر من مسافة القصر، فإذا أحد الأبوين سواء الأب اللي سافر للسعودية للسكنى خلاص ما بده يرجع، أو الأم قررت تسافر للسعودية للسكنى ما بدهاش ترجع، فالطفل هنا الأحق يكون عند من؟ قالوا هنا الأحق يكون عند أبيه إذا كانت المسافة بين المكانين مسافة قصر فأكثر. وأما إن كانت المسافة بين الأب وبين الأم ستكون دون مسافة القصر، يعني الأب سافر مش عالسعودية، خلينا نقول الأب والأم كانوا مقيمين في عمان ومتزوجين ما شاء الله جابوا ولد، الأب أو الأم قرر ينتقل للسكنى في الطفيلة، وهي إحدى المحافظات عندنا في بلادنا، هذه الطفيلة لا تبعد مثلا عن عمان مسافة قصر، هيك اعتبره أنا حقيقة المسافة، لكن عموما الطفيلة لا تبعد عن عمان مسافة قصر، مسافة أقل، فمن أراد من أحد الأبوين أن ينتقل إلى هذه المنطقة الجديدة ليسكن فيها، ففي هذه الحالة يكون حق الحضانة مطلقا للأم.
إذا بتقول إذا أراد أحد الأبوين، الأب أو الأم، السفر بنقول هل أراد أن يسافر برجعة ولا أراد أن يسافر بلا رجعة؟ خلص بده يسكن في البلد الذي سيسافر إليه، إن كان سيسافر هذا الأب أو الأم برجعة فالطفل الأحق بالحضانة به من هو مقيم من أبويه. وأما إن كان السفر بلا رجعة، وهنا سنفرق إذا كان هذا السفر بلا رجعة من أحد الأبوين لمسافة فوق مسافة القصر فالأحق بعظمة الطفل سيكون الأب سواء كان الأب هو المسافر أو الأب هو المقيم، وأما إن كانت المسافة بالسفر أقل من مسافة القصر فهنا الأحق بالحضانة الأم سواء كانت الأم هي المسافرة أو كانت هي المقيمة. فهمتم الكلام؟ شجروا هذا الكلام عندكم.
ولا أطيل، آتي للفصل الأخير. قال: «وإذا بلغ الصبي سبع سنين عاقلا». بسم الله، فصل: «وإذا بلغ الصبي سبع سنين عاقلا خير بين أبويه». الآن الطفل اللي عليه الحضانة، قبل شوي كنا نحكي عنه دون سبع سنوات، إذا وصل الطفل سبع سنوات يعني صار مميز، هنا هذا الطفل بدنا نفرق بين الذكر وبين الأنثى. الطفل الذي يبلغ سبع سنوات نفرق فيه بين الذكر وبين الأنثى.
فإذا كان هذا الطفل ذكرا، لذلك قال صبي إذا كان ذكرا فما أحكامه؟ إذا بلغ الصبي سبع سنين وهو عاقل مش مجنون يخير بين أبويه، نقول له يا أيها الصبي المميز هذا أبوك وهذا أمك اختر أيهما، فإن هو اختار أباه فإنه يكون عند والده مقيما عنده ليلا ونهارا، لكنه لا يمنع من أن يزور أمه ولا تمنع أمه من زيارته. وإن اختار هذا الصبي الذي بلغ سبع سنين بإرادته الكاملة أمه فإنه يكون عندها ليلا فقط، ما بنعطيهوش الإقامة الكاملة، بتكون ليلا فقط بتنام عندها، وفي الصباح يذهب إلى أبيه، وعند أبيه نهارا ليه؟ ليؤدبه ويعلمه، وهذا يدل أن موضوع التربية بأذهان الفقهاء الأب عنصر قوي وحاضر فيه، مش زي ما بفهم كثير من الرجال اليوم من التربية على الأم، شوفوا الحنابلة ايش بيقولوا: «ويكون عند أبيه نهارا ليؤدبه ويعلمه». هذه شغلة الرجل أو جزء كبير منها على الرجل، قضية التأديب والتعليم، وليست فقط هي عمل المرأة كما يتوهم الرجال للأسف.
طيب، هذا الصبي يعني خيرناه ممتاز بين أبوه وأمه، لكن إذا بلغ يعني وصل إلى مرحلة البلوغ، الآن هذا حاله من سبع سنوات إلى أن يبلغ. إذا وصل سن البلوغ وبلغ راشدا ليس سفيها في هذه الحالة له أن يختار أن يكون حيث شاء. الصبي من سبع سنوات إلى البلوغ يكون إلى من اختاره من أمه أو أبيه على ما ذكرناه، فإذا وصل البلوغ وبلغ وهو راشد هنا يقولون له يذهب حيث شاء، له يعني حتى أن ينفرد عن أبويه ويسكن وحده، لكن يسن له ألا ينفرد، هكذا يقولون، له أن يسكن وحده حيث شاء، لكن يسن له سنية ألا ينفرد بنفسه، وأن يبقى حولهما ما دام أنه لم يتزوج بعد.
وإذا بلغت الأنثى سبع سنوات، الآن نروح عالأنثى، إذا أنثى بلغت سبع سنوات هنا لا تخير الأنثى بل مباشرة تكون عند أبيها، قال كانت عند أبيها وجوبا، ليش؟ لأنه يصونها، وهم يعني في الفقه الإسلامي يرون أن الأب قادر على أن يحمي عرض ابنته أكثر من الأم، فهذا صيانة لعرضها هكذا قالوا. إذا كانت عند أبيها وجوبا إلى أن تبلغ، لا، إلى أن تتزوج حتى يجيها النصيب، ما جاش النصيب تضلها عند أبيها، إن كانت عند أبيها وجوبا إلى أن تتزوج، ويمنعها هو ومن يقوم مقامه، إذا كان هناك وصي وأوصى إلى وصي، يمنعها هو أو من يقوم مقامه من الانفراد، ممنوع والله بنت تروح تعيش وحدها ببيت، هذا لا يعرف في دين الإسلام، ويمنعها الأب ومن يقوم مقامه من...
انفراد طبقين إلى أن تتزوجي، ما تزوجتِ بضلّ ببيت والدك حفاظًا عليها، حتى لا تفسد ولا يعتدي عليها الناس، ولا تمنع الأم من زيارة ابنتها من زيارتها، ولا تمنع هي أيضًا من زيارة أمها. ما يصير نمنعها أو نمنع أمها من زيارتها، تبقى في النهاية لها الحق إن لم يُخَف الفساد.
وهم يقولون -بعض الأمهات أحبابي الكرام فيهن شر- فبعد مثلاً ما تكون انفصلت عن زوجها، تضل تحكي مع بنتها تلفونات وبتحرضها على أبوها، وأنا حقيقة وقفت على قصص من هذا الأمر؛ تكون الأم سبحان الله فيها شر، تضل تحرض البنت على أبوها: «أبوك سيء، وأبوك عمل وأبوك». تعرفوا عادةً للأسف لما تنتهي العلاقة الزوجية بين ذكر وأنثى، كل أحد بفضفض الشر اللي في الثاني ما بيخلي له. فبتكون وخاصة أنهم يقولون الإناث أكثر أذى من الرجال، وإن كان حتى وضع الرجال في هذا الزمن كثير منهم للأسف يفجر مع المرأة بعد طلاقها، أسأل الله العفو والعافية.
لكن المهم فقهاؤنا الحنابلة، الظاهر في زمنهم كان الموضوع هذا منتشر في النساء أكثر من الرجال، فيقولون: الأم لها أن تزور ابنتها التي بلغت سبع سنوات والتي هي عند أبيها الآن، والبنت لها أن تزور أمها، لكن إذا خيف الفساد يمنع ذلك. يعني إذا شعرنا أن الأم عم بتخرب البنت وعم توسوس لها وتفسدها على أبيها تمنع من ذلك.
ثم قال: «والمجنون ولو أنثى يكون عند أمه مطلقًا». إذا كان هذا الطفل الذي بلغ سبع سنوات مجنونًا، فهنا سواء كان ذكرًا ولا أنثى يكون عند أمه، ركزوا إذا الطفل الذي بلغ سبع سنوات وصلها وهو مجنون هنا الأب لا يستطيع القيام به حقيقة، أنه بده رحمة وشفقة وتنظيف وكذا، وهذه الأم يصعب عليه أن يقوم بها لا يتقنها؛ فالطفل الذي بلغ سبع سنوات لكنه مجنون سواء كان ذكرًا أو أنثى يكون عند أمه.
والمسألة الأخيرة قال: «ولا يترك المحضون بيد من لا يصونه ويصلحه». هذه الأصل -والله أعلم أنه ذكرها في الفصل السابق لكن أيضًا تصلح هنا- المحضون أحبابي حتى ولو بعد السبع سنوات، إذا كان في يد شخص لا يهتم بأمره ويفسده ويخرب عليه أخلاقه ودينه ومروءته ولا يعلمه الدين والصلاح، هنا يُنزع ممن هو في يده.
الطفل عمره سبع سنوات فصاعدًا يُخير بين أبويه، فاختار أباه -زي ما مر معنا قبل شوي- نكون عنده ليلاً ونهارًا، لكن إذا كان أبوه بيعلمه الأخلاق الدنيئة أو لا يحافظ على صلاحه ودينه، هنا يُنزع من أبيه ويذهب إلى أمه والقاضي يتخذ هذا القرار. وكذلك العكس، إن اختار أمه وأمه ما بتدير بالها عليه، فالأب ممكن يرفع قضية للمحكمة وهو يأخذ الأحقية إذا ثبت أن الأم لا تراعيه.
وإذا ما ذهبت الأنثى إلى بيت والدها، ما حكاية الأنثى سبع سنوات وجوبًا تذهب إلى بيت أبيها حتى تتزوج؟ بس إذا كان أبوها يفسدها ويعلمها الفجور ولا يحافظ على دينها ومهملها تمامًا، هنا لا تبقى في يده، فهذه قاعدة عامة سواء في الطفل بغير سبع سنوات أو حتى في الطفل من دون سبع سنوات على الترتيب السابق.
الطفل بدون سبع سنوات إذا وضعنا حضانته عند شخص وهذا الشخص ما بيدير باله عليه، مو شأن الحضانة؛ فالحضانة هي حفظ الطفل مما يضره وجلب المصالح له. فإذا كان الحاضن لا يقوم بهذه المهمة يسقط حقه في الحضانة وتنتقل الحضانة إلى من يليه، فهذه قاعدة عامة في الحضانة، ولذلك أقول إن ربما ذكرها هنا لمقصد الشيخ مرعي والله أعلم، ممكن ذكرها حتى تنطبق على كل ما سبق في أحكام الحضانة مهما ذكرنا في الحضانة من قواعد؛ متى كان الحاضن لا يرعى الطفل ولا يقوم بمصالحه ينتقل حق الحضانة إلى من يليه أو إلى الطرف الآخر إذا كان الموضوع بين أبويه زي ما بلغ الصبي سبع سنين.
فهذا الفصل إذا بلغ الصبي سبع سنين، هذا يتكلم أيضًا عن حضانة لأنه في حضانة لمن كان من سبع سنوات. أنا بحب أرتب الأفكار: هناك الطفل منذ ولادته إلى السبع سنوات، وهناك من السبع سنوات حتى البلوغ بالنسبة للذكر، وحتى الزواج بالنسبة للأنثى. فالطفل من بداية خروجه إلى السبع سنوات عرفنا من هو الأحق بحضانته، ذكرنا الأم فإن لم تكن أو وُجد فيها معنى فأمهاتها ثم ثم.
الآن الطفل بعد لما يصل سبع سنوات، هنا خلص انتهى مسلسل الحضانة السابق، وهنا يُخير، بنقول له: أيها الطفل بدك تروح عند أبوك ولا عند أمك؟ خلص كل ترتيب الحضانة السابق انتهى، بنقول له تذهب عند أبيك ولا عند أمك؟ إن اختار أباه فُعل ما ذكرناه، وإن اختار أمه فعلى ما ذكرناه.
هذا إذا كان الطفل ذكرًا نُخيره، أما إذا كان الطفل الذكر وصل مرحلة البلوغ أصبح يملك زمام أمره، بده يعيش وحده بده يخرج وما شاء، خلاص انتهت قضية الحضانة عليه. قضايا الذكور تنتهي عند البلوغ إذا بلغ راشدًا؛ إذا بلغ راشدًا تنتهي الحضانة عليه ويذهب أينما يشاء، لكن يصدمه أن لا ينفرد. أما البنت فإذا بلغت سبع سنوات فعرفنا أن الحضانة عليها تستمر من السبع سنوات إلى أن تتزوج.
فهذه هي قواعد الحضانة بشكل سريع، نسأل الله أن نكون أوصلنا الفكرة بقدر المستطاع. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أكرم الأكرمين. هكذا نكون انتهينا من أبواب المناكحات، وبقي علينا الربع الرابع والأخير من الفقه، ألا وهو الجنايات والحدود والأقضية، ونسأل الله حسن الختام، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل