غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، مطرده سبحانه وتعالى، حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين. حياكم الله أحبابي الكرام في مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي على مذهب السادة الحنابلة، رضوان الله تعالى عليهم.
في المحاضرة السابقة، أحبائي الكرام، أنهينا الربع الثالث من أرباع الفقه، ألا وهو ربع المناكحات. واليوم بإذن الله نشرع في الربع الأخير من هذا الكتاب، ألا وهو ربع الجنايات والحدود والأقضية. وفي هذا الربع أيضا سنجد بعض الأبواب التي يذكرها السادة الحنابلة لربما ليس لها علاقة بالجنايات والحدود والأقضية، مثل أبواب الأطعمة، وأبواب تزكية البهائم، وأبواب الصيد؛ لكن الحنابلة كأنهم في الربع الأخير يجمعون كل الأبواب المتفرقة التي يصعب جمعها فيما سبق في العبادات أو المعاملات أو المناكحات.
لكن أساس الربع الأخير، كما قلنا، هو التكلم عن الجرائم الجنائية والجرائم الحدية والقضاء، وكيف يفصل في هذه المسائل، وكيف تجري عملية التقاضي عموما، أحكام القاضي، أحكام الشهود، الأيمان، الدعاوى، والبينات. وكما قلنا، بعض الأبواب المتفرقة التي لا توضع إلا في الربع الأخير عادة مثل التذكية والصيد والنذر وما شابه ذلك.
إذا نستعين بالله سبحانه وتعالى ونسأله عز وجل التوفيق في إتمام هذا الكتاب المبارك. طالت الرحلة فيه، لكن نسأل الله العظيم أن تكون الفائدة راسخة، وأن تكون المسائل الفقهية قد تم تأصيلها بصورة جيدة، وأن يكون هناك تصور حقيقي للمسائل؛ لأن الاستعجال في قطف هذه المسائل وتحصيلها هو سبب في سرعة ضياعها. فلا بد أن نستفرغ الوسع في تصور المسألة، فهذه أهم مرحلة تعليمية للطالب في علم الفقه، وهي مرحلة تصور المسائل.
هذه مرحلة إذا قفز عنها الطالب سريعا رغبة في سرعة الإنجاز، صدقوني، ينشأ عندنا طالب علم مشوه في الفقه، يتصور المسألة نوع تصور لكنه ليس محققا لها، فلا يستطيع أن يقرأ غدا في الكتب المتقدمة؛ لأنه كان يريد العجلة في التأسيس. والتأسيس أنا أقول إنه مرحلة يجب أن تأخذ حقها بعناية. هناك مناهج معاصرة تقول لك إن التأسيس يجب أن يمر سريعا، أو إن الكتب الفقهية التأسيسية يجب ألا يطال النفس فيها. نعم، يجب ألا يطال النفس في قضية الاستدلال في التفرعات التي هي خارج الكتاب، لكن إطالة النفس في تصوير المسألة الفقهية للطالب مرة ومرتين وثلاث، وأن أعرضها بصورة ثم أعرضها بصورة أخرى، هذا أمر مهم جدا جدا؛ لنتأكد من أن طلبة الفقه متصورين للمسائل قبل الأحكام المرتبطة بها، فننشئ هكذا جيلا فقهيا متينا.
أسأل الله العظيم رب العرش أن يعيننا على تحقيق هذا المقصد، وأن يعيننا على التعلم النافع. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا، وزدنا علما يا أرحم الراحمين، ونسألك الإخلاص في القول والعمل.
رحلتنا ستبدأ في الربع الأخير مع الجنايات، فقال الشيخ مرعي رحمه الله تعالى عليه: «كتاب الجنايات». ثم سيعرف لنا الجناية في عرف الفقهاء. لاحظوا ماذا قال: «وهي التعدي على البدن بما يوجب قصاصا أو مالا». سنعرف إن شاء الله أن عملية الاعتداء على الأبدان في بعض صورها توجب القصاص، وفي بعض صورها توجب المال كالدية ونحوها.
فإذا أحبابي الكرام، ما أريدكم أن تنتبهوا عليه هو قوله في تعريف الجناية: «إنها تعدي على البدن». كلمة البدن ضعوا تحتها خطوط؛ لأننا نفرق بين التعدي على البدن والتعدي على المال من حيث الاصطلاح الفقهي. فالتعدي على البدن بما يوجب قصاصا أو مالا هو الذي يسمونه اصطلاحا جناية. وأما إذا وقع التعدي على الأموال، فهذا وإن كان في بعض السياقات الفقهية يسمى جناية، لكن المشهور إطلاق أسماء خاصة على التعدي على الأموال؛ لأن التعدي على الأموال إما أن يكون قهرا فيكون غصبا، وإما أن يكون خفية فيكون سرقة أو اختلاسا، وهناك تعدي إتلاف، وقد يكون الإتلاف متعمدا وقد يكون بصورة خاطئة.
الاعتداء على الأموال يختلف اسمه باختلاف طبيعة وشكل الاعتداء؛ فقد يكون غصبا، قد يكون سرقة، قد يسمى اختلاسا، قد يسمى إتلافا في صورة من الصور، قد يسمى خيانة في شكل من الأشكال، فأسماؤه متنوعة باختلاف شكل التعدي. وأما التعدي على الأبدان بما يوجب قصاصا أو مالا فهذا يسمى الجناية. فهذا مصطلح فقهي، ولو أن الشخص عبر عن اعتداء على الأموال بأنه جناية فليس خطأ، لكن أنا أتكلم من ناحية عملية فقهية. هنا لما قال «كتاب الجنايات»، هل سيتكلم عن الأموال كلها؟ هو فقط سيتكلم عن الجنايات التي تقع على الأبدان. لذلك هو دقيق الشيخ مرعي لما قال إننا في المصطلح الفقهي نسمي التعدي على البدن بما يوجب قصاصا أو مالا جناية، وأما التعدي إذا وقع على المال فهذا لا يسمى جناية، وإنما يسمى بحسب طبيعة التعدي غصبا أو سرقة إلى ما نحوه من الأسماء التي ذكرتها.
إذا عرفنا تعريف الجناية: كل تعد على بدنه يوجب قصاصا أو مالا. والتعدي على الأبدان إما أن يكون بإتلاف البدن بالكلية وهذا يسمى القتل، وسنبدأ به إن شاء الله اليوم، وإما أن يكون بالاعتداء على جزء من البدن، وهنا سنتكلم عن الاعتداء على الأطراف أو الجروح. فإذا نقسم الاعتداء على البدن: إما أن يكون إتلافا لكامل البدن وهذا يسمى قتلا، وإما أن يكون اعتداء على جزء من البدن أو إتلاف لجزء من البدن؛ وهذا إما أن يكون إتلافا لطرف من الأطراف فهذا يسمى اعتداء على أطراف مثل بتر يده أو بتر أذنه أو ترى عينه، وإما أن يكون جرحا.
فهذه هي الجنايات التي تكون على الأبدان. اليوم سنبدأ بالقسم الأول، وهو الجناية التي تكون على كامل البدن، أي إتلاف كامل البدن وهذا يسمى قتلا. وسيبدأ معكم الشيخ مرعي بتقسيم القتل إلى أنواعه الثلاثة فقال: «والقتل ثلاثة أقسام». إذا نحن الآن سنبدأ نتكلم عن الاعتداء الواقع على البدن والذي يسبب إتلافه بالكلية، فهذا تسميه قتلا، وتقسمه إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول القتل العمد العدوان، القسم الثاني ما يسمى بالقتل شبه العمد، القسم الثالث ما يسمى بالقتل الخطأ.
فلسفة هذا التقسيم باختصار: هم يقولون إذا كان هناك إمارة على قصد القتل فهذا يسمى قتل عمد، وإذا كان هناك إمارة على قصد الاعتداء على الشخص لكنك لم تقصد قتله فوقع القتل من دون حسبان فهذا شبه عمد، وإذا ظهرت إمارة أو علامة على أنك لم تقصد القتلى ولم تقصد الاعتداء أصلاً وإنما وقع لك خطأ فهذا يسمى قتل الخطأ.
إذا نعيد فلسفة هذا التقسيم: إذا ظهرت علامة من علامات أنك قصدت القتل، ففي عندنا قصد القتل، وفي شيء اسمه قصد الاعتداء دون القتل، فإذا قصدت القتل فهنا نأتي إلى القتل العمد. وكيف يظهر هذا القصد؟ ستقول لي يا شيخ: أليس القصد أمراً باطنيًا؟ في المعاملات كنا نتكلم أن البيوع مثلاً لابد فيها من رضا المتبايعين، فكيف نعرف الرضا وهو أمر داخلي؟ فجعلنا الإيجاب والقبول أو التعاطي بالأيدي هو العلامة الظاهرة التي تدل على الرضا الباطني، وهنا سنفعل نفس الفلسفة.
عندما نقول إذا كان هناك قصد للقتل فهذا قتل عمد، كيف نعرف أنه قصد القتل أو لم يقصده؟ من خلال طريقة القتل، فطريقة القتل هي التي ستحدد لنا أنه قصد القتل أو لم يقصده كما سيأتي معنا إن شاء الله. فإذا كان هناك قصد للقتل فهذا قتل عمد، وإذا كان هناك قصد للاعتداء على الشخص لكنك لم تقصد القتل ووقع القتل بصورة غير مقصودة، فهنا في قصد اعتداء وليس في قصد قتل، يسمى قتل شبه عمد، وإذا لم يكن هناك لا قصد قتل ولا قصد اعتداء فهنا سنأتي إلى قتل الخطأ.
هذه فلسفة هذا التقسيم، والآن سنبدأ مع القسم الأول وهو قتل العمد، لنعرف ما هي طرق القتل التي تدل على أن صاحبها قصد القتل وليس مجرد الاعتداء. ما هي طرق القتل التي إذا حصلت ووقعت فأنا كقاضٍ أعرف أن هذا الذي فعل هذه الطريقة هو قصد للقتل وليس مجرد الاعتداء؟ ننظر ماذا قال الشيخ مري، يقول الشيخ مري رحمه الله: «أحدها العمد العدوان، يعني قتل العمد، وهذا الذي يختص به القصاص أو الدية، فالولي ولي المقتول، يعني أولياء المقتول مخيرون، والعفو مجانًا أفضل».
هنا أنا وضعت لكم هذا التقسيم، قلت القتل العمد إذا كان هناك قتل ثبت أنه قتل عمد فولي المقتول، أولياؤه مخيرون بين أن يطالبوا بالقصاص، أو أن يطالبوا بالدية، أو أن يعفوا مجانًا. لذلك قالوا: «والعفو مجانًا أفضل» من دون أن تطلبوا قصاصًا ولا دية. طبعًا قضية أن العفو مجانًا هو الأفضل هذا حكم أصلي، وهذا تعليق مني خارج استطراد، أن نقول العفو مجانًا أفضل، هل هذا حكم أصلي أحبابي؟ نعم.
لكن عندما تكثر الجرائم في المجتمع ويكثر الضغط على أولياء المقتول ليعفوا عن فلان وفلان من القتلة، أرى أن القضية هنا تحتاج أيضًا إلى فقه الواقع؛ أحيانًا قد يكون تطبيق القصاص على بعض الأشخاص وعدم العفو عنهم هو الخير للمجتمع، حتى تنتشر ثقافة القصاص وأنه حكم من أحكام الله سبحانه وتعالى، حتى ترتدع النفوس المجرمة عن اقتراف مثل هذا الأمر. فالعفو مجانًا أفضل كحالة أصلية، لكن في أحوال مصلحية أقول قد يكون القصاص هو الخير وأفضل من العفو تحقيقًا للمصلحة الكلية للمجتمع، والله تعالى أعلم.
عمومًا، القتل العمد هو الذي فيه هذا التخيير بين القصاص أو الدية أو العفو، أما شبه العمد فليس فيه تخيير بالقصاص، إما أن تأخذ الدية وإما أن تعفو، وكذلك الخطأ إما أن تأخذ الدية وإما أن تعفو. أما القتل العمد كما قال لكم الشيخ ويختص به القصاص أو ديتُه، فالولي مخير بينهما والعفو مجانًا هو الخيار الثالث. فبين أن الاختصاص في هذه الأمور الثلاث أنما يكون في العمد فقط، وأما قتل شبه العمد والخطأ فليس لك إلا الدية والعفو، أما القصاص فليس موجودًا كأحد الخيارات المتاحة.
الآن أعطاك في الحقيقة من أحكام القتل العمد لكنه لم يعرف ما هو القتل العمد وما هو ضابطه، فقال: «وهو أن يقصد الجاني...» ليعرف لك صورة القتل العمد، «أن يقصد الجاني من يعلمه آدميًا معصومًا». كلمة معصوم هذه نخرج بها الآدمي غير المعصوم، وغير المعصوم هنا المراد به الحربي؛ الكافر الحربي المحارب لنا وليس بيننا وبينه عقد ذمة أو أمان وما شابه ذلك.
إذن الكافر الحربي، والمرتد، والزاني المحصن، هؤلاء الثلاثة آدميون لكنهم ليسوا معصومي الدم؛ لأن الشريعة الإسلامية مهدرة لدمائهم؛ فالحربي في حالة حربيته، والمرتد في حالة ردته، والزاني المحصن إذا عرف الجاني أنه يأتي إلى المحصن، ففي هذه الحالة أنت اعتديت على شخص أصلًا الشريعة أهدرت دمه، فبالتالي قتله لا يكون قتلًا عمدًا. نعم، قد يكون على السلطان في بعض الصور أن يعزر، خاصة إذا قتلت زانيًا محصنًا حتى لو كان دمه هدرًا، أنت كفرد من أفراد المجتمع ليس لك أن تطبق هذا الحد، فهنا يعتبر على السلطان أن يعزر عليه، لكن عمومًا لا تقتل به لأنك لم تقتل آدميًا معصومًا.
إذن قال: «وهو أن يقصد الجاني»، يأتي جاني متقصد في عنده قصد لهذا الشخص الذي توصيفه أنه آدمي من معصومي الدم، «فيقتله بما يغلب على الظن موته به». الآن أتكلم عن آلية القتل؛ هذا شخص جاني اسمه زيد قصد آدميًا معصومًا، فهناك قصد للشخص، هو قصد هذا الشخص متعمد أن يتجه إليه، لاحظوا هذه الكلمة: «قصدت شخصًا معينًا آدميًا معصومًا وقتلته بآلة يعني يغلب على الظن الموت به».
فإذاً عندنا شيئان يتحقق بهما عمدية القتل: أن أكون قصدت هذا الشخص، وثانيًا أن أستعمل معه في الجناية آلة تقتل غالبًا؛ هكذا تقول إذا تحقق القتل العمد عند السادة الحنابلة. وإن المذاهب... إخواني هذه مسألة كبيرة جدًا، والشيخ عبد القادر عورة الشهيد رحمه الله -نسأل الله أن يرحمه- في كتابه "التشريع الجنائي في الإسلام" ذكر كثيرًا من هذه المسائل؛ ما هو مثلاً تأصيل الحنابلة للقتل العمد، وتأصيل الشافعية والمالكية لشبه العمد والخطأ، يعني من كتب النافعة عمومًا، وإن كان فيه عدم تحقيق في كثير من المسائل، لكن عمومًا هو كتاب نافع لمن يريد أن يقارن بين المذاهب الفقهية.
دعوني في فلسفة الحنابلة. الحنابلة يقولون: القتل العمد أن يقصد الشخص، زائد استعمل في الجناية معه آلة تقتل غالباً أو وسيلة تقتل غالباً. لذلك قد يقصد الجاني من يعلمه آدمياً معصوماً فيقتله بما يغلب على الظن موته به. العبرة هنا بغلبة الظن بما يغلب على الظن موته به. فإذا استعمل الجاني وسيلة يغلب على الظن الموت بها، فهذه الوسيلة هي التي تنبئنا أنه في قلبه قاصد للقتل، هذه هي الفكرة.
إذا استعمل وسيلة يغلب على الظن، لا بدنا نوصل للجزم، لا، يكفي أن يغلب على الظن. إذا استعمل الجاني وسيلة يغلب على الظن الموت بها، هذه الوسيلة هي التي تنبئنا وتدلنا على أنه كان قاصداً للقتل وليس مجرد الاعتداء. ما هي هذه الوسائل يا ترى؟ هو لم يتطرق لها، أنا جمعتها لكم بشكل مختصر جداً، ولا في مطولات الحنابلة يتوسعون في تفاصيلها. يقولون: هناك تسعة طرق من طرق الاعتداء، إذا وقعت فإنها تدل على أنه كان قاصداً للقتل.
هناك تسعة طرق يغلب على الظن القتل بها، فإذا استعملها الجاني نعتبره قاصداً للقتل. ما هي هذه الطرق التسعة سريعا؟ سأشرحها سريعا ولا فيها تفاصيل، أنا لم أذكرها اختصاراً عليكم:
واحد: أن يجرحه بما له نفوذ في البدن إذا تم الجرح. إذا الجاني جرح الآدمي المعصوم بآلة لها نفوذ في البدن كالسكين وعموماً الحديد المحددات، فهذا في الحقيقة هنا سأذكر لكم استثناء. الوسيلة الأولى من الوسائل وهي الجرح بآلة لها نفوذ في البدن محددة كالسكين، هي بمجردها تدل على قصد القتل عند السادة الحنابلة، ولو كانت لا يغلب على الظن الموت بها.
تصوروا، هذه حقيقة أمر استثنائي. نحن قلنا الضابط العام أن تكون الآلة يغلب على الظن الموت بها، بس تريد تستثني شغلة واحدة وهي الطريقة الأولى. قالوا إذا جرح الجاني المقتول -يعني إذا جرحه بما له نفوذ في البدن بآلات مثل السكين والحديد التي إذا وضعت تنفذ في البدن- فهذا بحد ذاته دليل على قصد القتل، حتى ولو كان الجرح صغيراً ولا يقتل غالباً. مجرد استعمالك لآلة محددة وجرحت بها ولها نفوذ في البدن، هذا بحد ذاته دليل على قصد القتل ولو كان الجرح صغيراً. فبالنسبة للطريقة الأولى، يقولون لا يجب أن يكون المحدد أو الجرح يقتل غالباً، مجرد استعمالك لآلة لها نفوذ في البدن كالسكاكين والحدائد المحددة كالسيف وجرحت ولو جرحاً صغيراً، هذا يدل على قصدك القتل. فهذه اعتبروها حالة استثنائية، وأما الحالات الأخرى فنعم هي العبرة بها أنها يغلب على الظن الموت بها على الضابط العام. إذاً كل من جرح شخصاً بما له نفوذ في البدن كالسكين ونحوه ولو جرحاً صغيراً ثم مات منه الشخص المجني عليه فهذا عمد.
اثنين: إذا ضربه بشيء ثقيل أو بشيء يقتل غالباً. ركزوا على الكلمات المفتاحية: أول شيء الجرح، ثانياً الضرب. إذا ضربت شخصاً بشيء مثقل أو بشيء ثقيل، وضابطه عند الحنابلة ما كان أكبر من عمود الخيمة، يقول ما كان أكبر من عمود الفسطاط. إذا ضربت شخصاً بشيء ثقيل، أتيت بصخرة ضخمة أكبر من عمود الخيمة فألقيتها على شخص، أو ضربته بشيء يقتل غالباً بثقله ولو كان أصغر من عمود الخيمة، مثل ما يستعمله الحداد من الآلات الثقيلة الوزن. الحداد عنده آلات ربما ليست كبيرة في الحجم لكنها ثقيلة في الوزن كالسندان وما شابه ذلك، فهذه متى وقع بها أيضاً تقتل غالباً. فمن ضرب شخصاً بشيء مثقل أو ضربه بشيء يقتل غالباً، فهذا يدل على قصد القتل فبالتالي يعتبر قتلاً عمداً.
فلاحظوا، الضرب باختصار إما أن يكون بشيء حجمه كبير، أو بشيء وزنه ثقيل. لذلك تجد عند الحنابلة في هذه الجزئية يتكلمون عن شيئين؛ إما أحياناً يقولون شيء أكبر من عمود الخيمة وهنا نظروا لقضية الحجم، وإما بشيء قد يكون أصغر من عمود الخيمة لكن وزنه مادة ثقيلة جداً كآلات الحداد، وطرق الحداد كشاكوش الحداد، فهذا ليس صغيراً من حيث الثقل، فمن ثقل شاكوش الحداد إذا أضرب به شخص على رأسه تكسر رأسه وانتهى الأمر. فلذلك قالوا الضرب متى وقع بشيء ثقيل أكبر من عمود الفسطاط، أو وقع بشيء وزنه عالٍ جداً ولو كان صغيراً مثل شاكوش الحداد أو سندان الحداد، هذا يعتبر قتل عمد.
الوسيلة الثالثة: الإلقاء. إذا ألقيت شخصاً في قفص الأسود أو شبه الأسود من الحيوانات المفترسة جداً. من ألقى شخصاً في قفص أسد وأغلق عليه الباب، أو في قفص النمور أو الحيوانات المتوحشة وألقى عليه وأغلق عليه الباب فقتل ذلك الشخص، يعتبر قتل عمد.
رابعاً: أن يلقيه في ماء مغرق. كلمة ماء مغرق ليخرج الماء الذي ليس مغرقاً، مثل شبر ماء؛ نحن أحياناً عندما نذم شخصاً نقول فلان يغرق بشبر ماء لأنه شبر ما يغرق، لا، أن يلقيه في ماء مغرق مكتوفاً أو يعلم أنه لا يحسن السباحة. أما يلقيه في ماء مغرق خمسة متر أو ستة متر وهو قد كبله أو لم يكبل لكنه يعلم أنه لا يتقن السباحة ولا يعرف شيئاً منها، فمن ألقى شخصاً في ماء مغرق أو في نار محرقة، فهذا يعتبر قتل عمد عدوان.
خامساً: إذا استعمل أسلوب الخنق، أن يخنق بحبل ونحوه. إذا خنقت شخصاً بحبل ونحوه حتى مات، هذا إمارة على قصد القتل فيعتبر قتل عمد عدوان.
سادساً: أن يحبسه ويمنع عنه الطعام والشراب. وضعت شخصاً داخل الغرفة وحبسته ومنعت عنه الطعام والشراب، الحبس مع منع الطعام والشراب بهذين العنصرين هو دليل على قصد القتل فيعتبر قتل عمد عدوان.
الطريقة السابعة: أن يسقيه سما بدون علمه، يعني بدون علم المجني عليه. أتيت بسم ووضعته في كأس ماء وأسقيته إياه، والمسكين شربه وهو لا يعرف، إذا سقيته سماً وهو لا يعرف أنه سم فهذا قتل عمد عدوان. أما إذا كان يعرف وشربه بإرادته، فلا، هنا هو الذي يتحمل ما...
مسؤولية نفسه، إذا أن يسقيه سمًا بدون علمه. الطريقة الثامنة أن يقتله بسحر، استعمال السحر، لكن هناك ضابطًا؛ قالوا إن يقتله بسحر يقتل غالبًا؛ لأن السحر أنواع، أحبابي هناك سحر بطبيعته أنه يقتل غالبًا، وسحر خفيف جدًا في العادة لا يقتل. فإذا استعمل معه سحرًا يقتل غالبًا، ومات به فهذا يعتبر قتل عمد عدوان.
الطريقة التاسعة والأخيرة، قالوا أن يشهد شهود زور على شخص معين بما يستوجب قتله؛ يعني يأتي أربعة شهود عند القاضي ويقولون: يا قاضي، نحن رأينا هذا الشخص يزني بفلان الفلاني رأي العين على ضوابط شهود الزنا كما سيأتي معنا. فهنا القاضي رأى هذا الرجل تم عليه نصاب الشهادة وهو محصن فرجمه حتى الموت، بعد أن تم رجمه إذا بالشهود يتراجعون وقالوا: نحن كذبنا أيها القاضي، كذبنا بما شهدنا به وأردنا أن نقتله وأنت كفيتنا هذه المؤنة.
هنا القاضي يستطيع أن يطبق عليهم، طبعًا هو ليس بنفسه وإنما أولياء المقتول، خلينا نكون دقيقين؛ أولياء المقتول يستطيعون أن يطالبوا القاضي بالقصاص من هؤلاء الشهود، أولياء المقتول يستطيعون مطالبة القاضي بالقصاص؛ لأنه هذا يعتبر قتل عمد عدوان، وسنعرف إن شاء الله في الدروس القادمة أن قتل عمد العدوان يمكن أن تكون أنت مباشرًا بالقتل ويمكن أن تكون متسببًا، فيحصل القتل العمد والعدوان بالمباشرة منه أو بالتسبب.
فهنا مثلاً قضية شهود الزور هؤلاء ليسوا مباشرين، ليسوا هم الذين قطعوا الرأس أو رموا الحجارة على الزاني المحصن أو من ادعوا عليه وهو مسكين بريء، لكن هم من شهدوا فهم متسببون تسببًا حقيقيًا مباشرًا، اعتبروه التسبب المباشر؛ فبالتالي يعتبرون هم قاتلين عمدًا، يعتبرون من القتلة الذين قتلوا عمدًا ويطبق عليهم القصاص متى طالب أولياء المقتول.
فإذا كما تلاحظون هي تسعة طرق للجرح بما له نفوذ في البدن، وعرفنا أن هذه الطريقة الأولى بحد ذاتها؛ قالوا سواء غلب على الظن الموت بهذا الجرح أو لم يغلب، ولو كان جرحًا صغيرًا، مجرد أنك استعملت آلة لها نفوذ في البدن هذا بحد ذاته يدل على قصد القتل ويعتبر قتل عمد حتى ولو كان الجرح الذي أحدث لا يقتل غالبًا.
وأما باقي الأمور فعرفنا أنها تعتمد على قضية أنها تقتل غالبًا، كلها تعتمد على أنها تقتل غالبًا؛ فالضرب بشيء مثقل أو وزنه ثقيل هذا يقتل غالبًا، كذلك الإلقاء في قفص الأسد هذا يقتل غالبًا، الإلقاء في ماء مغرق مكتوفًا وهو لا يحسن السباحة أو في نار محرقة يقتل غالبًا، الخنق بحبل ونحوه حتى الموت هذا يقتل غالبًا، الحبس وهو منع الطعام والشراب يقتل غالبًا، أن يسقيه سمًا بدون علمه يقتل غالبًا، أن يقتله بسحر يقتل غالبًا، وكذلك شهود الزور.
فإذا وقعت جريمة القتل بطريقة من هذه الطرق فهذا كما قلنا دليل على قصد القتل، القاضي يصنف القتل الذي وقع بأنه قتل عمد، وبالتالي أولياء المقتول لهم الخيار بين القصاص والدية أو العفو مجانًا.
بعد ذلك الشيخ مرعي استطرد في مسألة قتل الجماعة للواحد، الجريمة الجماعية؛ فقال لو تعمد جماعة قتل واحد، إذا تعمد مجموعة من الناس أتوا عصابة اتفقوا أن يقتلوا واحدًا، لو تعمد جماعة قتل واحد قتلوا جميعًا يطبق عليهم القصاص متى طالب أولياء المقتول، بشرط؛ قال إن صلح فعل كل واحد منهم للقتل، يعني أن صدر من كل واحد منهم فعل تجاه المقتول يصلح وحده أن يكون قتلًا.
هذا ضابط انتبهوا له حتى نقتلهم جميعًا؛ هؤلاء العصابة لابد أن يصدر عن كل واحد من أفراد العصابة فعل لو تفرد به لكان في العادة يقتل، لذلك قال إن صلح فعل كل واحد منهم للقتل، أنه كل واحد منهم فعل أو استعمل طريقة من الطرق التي تقتل غالبًا. مثلاً العصابة خمسة أشخاص، كل واحد من هؤلاء الخمسة اعتدى على هذا المقتول المسكين وارتكب كل واحد منهم فعلًا يقتل غالبًا؛ فالأول ارتكب فعلًا يقتل غالبًا، الثاني ارتكب فعلًا يقتل غالبًا، الثالث يقتل غالبًا، الرابع نفس الشيء، الخامس نفس الشيء.
فرضًا كل واحد منهم واحد مثلاً جرحه بآلة لها نفوذ في البدن، الثاني أمسك حجرًا ضخمًا جدًا ورماه به، الثالث جاء بسندان حداد وضربه عليه، الرابع فتح فمه وألقى فيه سمًا، وهكذا كل واحد منهم فعل ما يقتل غالبًا، هذه هي الحالة الأولى.
أو هذه -ولم يذكرها الشيخ مرعي- على قتله تواطؤوا على قتله بأن يصدر من كل واحد منهم تصرف لا يقتل غالبًا لكنهم متواطئون على الاستمرار في هذا التصرف حتى يقع القتل. كيف يعني؟ قالوا بأنه اتفقوا، تواطؤوا بينهم: نحن لا نريد كل واحد فينا يصدر منه فعل يقتله غالبًا حتى لا يحاسبنا القاضي على أننا قتلة عمد، فتواطؤوا واتفقوا أن يصدر من كل واحد منهم فعل لا يقتل غالبًا لكنهم استمروا عليه.
مثلوا لذلك بأن كل واحد رماه بحجر صغير، وما هو بحجر صغير، جاء الثاني رماه بحجر صغير، جاء الثالث رماه بحجر صغير، بعدين رجع الأول رمى بحجر صغير، خامس، سادس، أو هم مثلاً عصابة ممكن يكون عددهم كبير، مثلاً خمسين واحد، العصابة لو كل واحد رماه بحجر صغير راح يموت الرجل، يعني حجر مثل هذه الحجارة، ليست حجرًا أكبر من حجم الخيمة، لأ حتى لو كان حجرًا صغيرًا؛ لأن الحجر الصغير أحبابي الكرام لو أنا رميته على شخص وانتهى الأمر لا يقتل غالبًا، صح؟ لكن لما خمسين شخصًا عصابة يتواطؤون أنه كل واحد فيهم في نفس الوقت يرمي حجرًا من هذه الحجارة على شخص، فالمسكين وقع عليه خمسون حجرًا في نفس الوقت، هنا هذا سيموت غالبًا، ففي هذه الحالة أيضًا سيقتلون.
وهذه الحالة الأخرى -يعني لم يذكرها الشيخ لكنهم يذكرونها الحنابلة في المطولات- وهي إذا وقع التواطؤ، إذا وقع التواطؤ بينهم ولو كان كل شخص منهم لم يصدر منه ما يقتل غالبًا؛ مجرد وقوع التواطؤ والاتفاق على صورة القتل كما ذكرته لكم، أن كل شخص يرمي حجرًا عليه، وإن كان الحجر هذا وحده لا يقتل غالبًا، لكن بتجمع الأحجار بهذا الأسلوب، بهذا التخطيط، بهذا الاتفاق سبب القتل، هؤلاء يقتلون أيضًا.
فإذا قتل الجماعة بالواحد تقول: إما أن صلح فعل كل واحد منهم للقتل، يعني صدر من كل شخص منهم فعل لحاله يعتبر يغلب على الظن الموت به، أو تواطؤوا فيما بينهم على طريقة معينة في قتله ولو كان كل شخص لم يصدر منه فعل يقتل غالبًا، لكن باجتماع أفعالهم، نعم، أم قتل الرجل في هاتين الصورتين يقتل الجماعة بالواحد. طيب.
وإن جرح واحد جرحاً وآخر مثله فسواء، هذا كلام هو يعلق على الصورة الأولى؛ إن صلح فعل كل واحد منهم للقتل كما قلنا، العصابة خمسة أشخاص، صدر من كل واحد منهم فعل يقتل غالباً. الآن إذا صدر من كل واحد منهم فعل يقتل غالباً كلهم سيقتلون بهذا.
ولو تفاوتت أفعالهم في الحجم أو في الكمية، فمثلاً يقول لك شخص جرح جرحاً واحداً منهم، والرجل الثاني في العصابة جرح مائة جرح، هنا كلاهما نفس القضية؛ لأن الذي جرح واحداً أو الذي جرح مائة جرح كلاهما صدر منه تصرف يقتل غالباً. فضلاً إننا أصلاً قضية الجراح إذا بتذكروا قلت لكم العبء: أي إنسان جرح شخصاً بمحدد ولو جرحاً صغيراً، هذا عند الحنابلة يعتبر قصد قتل ويعتبر قتل عمد إذا مات منه.
فإذا شخص من العصابة جرح جرحاً واحداً والباقون مثلاً جرحوا مئة جرح، عقوبة هذا مثل عقوبة هؤلاء كلهم شيء واحد في القصاص أو الدية، أو في إذا عفا عنهم أولياء المقتول؛ فلا عبرة بتفاوت عدد الجروح، أنه هذا جرح جرحاً، وأنا جرحت جرحتين يا قاضي، وواحد يقول لك أنا جرحت مئة. بنقول كل شخص منكم صدر منه فعل عند الحنابلة يصنف أنه يقتل غالباً، وإذا كان جرحاً أصلاً فالجرح بحد ذاته إذا وقع بمحدد له نفوذ في البدن يعتبر شروعاً في القتل، فأنت أبو الجرح الواحد ولا أبو المئة جرح نفس الشيء عندنا في نظر القضاء.
ثم قال: «ومن قطع أو بط سلعة خطرة من مكلف بلا إذنه، أو من غير مكلف بلا إذن وليه، فمات فعليه القود». المراد بالسلعة هي الغدة التي تخرج على الظهر أو على البطن أو في أماكن، لكن هنا اشترط فيها أن تكون في مكان حساس، مكان خطير جداً، مثلاً ممكن تكون في الدماغ. إذا السلعة -اكتبوا هي- الغدد، غدد تخرج وتبرز في أماكن في الجسد، ولكن بعضها يكون مش خطراً في الحقيقة، فلو أن إنساناً أزاله من شخص بدون إذنه في العادة لا يقتل، وأحياناً تكون الغدة في مكان خطير أو حجمها خطير.
فلذلك قال: «من قطع أو بط» يعني فتح «سلعة خطرة»، يعني غدة خطيرة؛ إما خطيرة أنها في مكان خطير أو حجمها كبير، فهو قيدها بالغدة الخطيرة. من قطع أو شق غدة خطرة من مكلف من دون أن يستأذنه؛ أنا جبت شخص من المكلفين يا فلان ترى والله أنا شايف عليك غدة خطيرة خليني أنا أفتحها أو أقطعها، طبعاً هو ما استأذنه، هو مسكه من دون أن يستأذن، إذا استأذنه انتهت القضية. مسكت شخصاً مكلفاً من دون أن استأذنه فقطعت منه هذه السلعة أو شققتها فمات بسبب ذلك، هنا أنا أعتبر قاتل عمد؛ لأنه كان علي أن استأذنه.
اعتبر الحنابلة فتحك لهذه الغدة أو شقك لها وأنت تراها سلعة خطرة، شققتها أو بطتها من دون استئذان المكلف، اعتبروه قصداً للقتل، يطالب أولياء المقتول بالقصاص أو الدية، وإذا عفوا جزاهم الله خيراً. وإذا كان الشخص المقتول غير مكلف -يعني الشخص الذي عليه صلة خطر غير مكلف- نقول عليك أن تستأذن وليه، لأنه غير المكلف لا عبرة بإذنه. فإذا شققت أو قطعت غدة خطرة من شخص غير مكلف، طفل أو مجنون، من دون أن تستأذن وليه فمات، هذا أيضاً قتل عمد.
لذلك قال: «ومن قطع أو بط سلعة خطرة». الآن إذا كان مكلفاً بدك تأخذ إذنه، وإذا كان غير مكلف بدك تأخذ إذن وليه. فمن قطعها من مكلف بلا إذنه، أو من غير مكلف بلا إذن وليه فمات المسكين، فهنا فعليه القود؛ القود يعني القصاص، المراد بالقود القصاص، يعني لأوليائه المقتول المطالبة بالقصاص لأنه يعتبر قتل عمد.
انتهى، الآن كلامنا من قتل العمد نذهب الآن للنوع الثاني وهو القتل شبه العمد. عرفنا في القتل شبه العمد أنك قصدت الجناية، يعني قصدت الاعتداء، لكنك لم تقصد القتل، فوقع القتل من دون قصد، وهذا نزل العقوبة عنك أو خففها؛ هذا هو الذي يعني عدم قصدك للقتل هو الذي خفف العقوبة، فلا يجوز القصاص منك، لكن عليك دية.
قال في شبه العمد: «وهو أن يقصده بجناية لا تقتل غالباً»، فهو قصد الجناية لكن لم يقصد القتل، يعني قصد الاعتداء لكن لم يقصد القتل. لاحظوا قال: «أن يجني عليه بما لا يقتل غالباً»، أي بآلة لا تقتل غالباً ولا يتم الجرح بها، وكأنه يحترز مما ذكرته لكم أنه إذا فعلت أنا آلة محددة لها نفوذ في البدن وجرحت بها، هنا هذا مباشرة يعتبر عند الحنابلة قتل عمد. لا تقول لي والله يا شيخ هذه الآلة لا تقتل غالباً ولا أنا الجرح لا يقتل غالباً، لا ما عندنا تفصيل، إذا جرحته بآلة لها نفوذ في البدن محددة كالسكين ونحوها، هذا قتل عمد، ما عندنا فرق بين أن يقتل غالباً ولا يقتل غالباً.
لذلك هنا لاحظوا أن ما أتى لشبه العمد ذكر الاحترازين؛ قال: «أن يقصد بجناية» لكن هذه الجناية ليست من الجنايات التي تقتل غالباً؛ ليس الضرب بشيء مثقل، ولا إلقاء في أسد، ولا إلقاء في ماء، ولا خنق، ولا حبس، ولا سم، وليست أيضاً جرحاً له نفوذ في البدن، قال: «ولم يجرحه بها». لأنه بمجرد أن يجرحه بها هذا يعتبر قتل عمد؛ لأنها هي الوسيلة الأولى، جرحه بآلة لها نفوذ في البدن هذا لا ينظر فيه كما قلت لكم مراراً وتكراراً: هل يقتل غالباً ولا يقتل غالباً؟ هل الجرح كبير ولا صغير؟ بمجرد أن جرحته جرحاً بآلة لها نفوذ في البدن قاتل عمد.
فلذلك شبه العمد لابد فيه كما قلنا من أن تظهر علامة من علامات شبه العمد وأنك لم تتقصد القتل، فقالوا إذا اعتدى عليه لكن وسيلة الاعتداء وآلة الاعتداء لم تكن مما يقتل غالباً وهي هذه الأمور، ولم تكن أيضاً جرحاً بآلة محددة لها نفوذ في البدن، وإنما بوسيلة أخرى، هذا يسمى شبه عمد.
مثل ماذا يا شيخ؟ قالوا مثلاً بأن ضربه بسوط أو عصا، الآن الضرب إذا وقع بشيء ثقيل يقتل غالباً كسندان الحداد هذا يقتل غالباً، لكن إذا ضربت شخصاً بعصا ومات، وهذه في الحقيقة آلة لا تقتل غالباً، هذا الضرب لا يقتل، أو ضربته بسوط فمات، هذا لا يقتل غالباً، فإذا مات منه هنا نقول الآلة التي استعملتها...
تصنيفها أنها لا تقتل غالباً ولم يتم الجرح بها فقتلك شبه عمد؛ فأنت تعمدت العدوان لكن الآلة التي استعملتها لا تقتل غالباً ولم يتم بها الجرح، فبالتالي قتلك بها يسمى شبه عمد. كذلك قالوا إذا قتله بسحر لا يقتل غالباً؛ استعمل سحراً لا يقتل غالباً فمات منه المقتول، هنا في هذه الحالة أيضاً نقول استعمل وسيلة لا تقتل غالباً، فيتم تصنيف جنايته على أنها شبه عمد. مثلاً إذا ألقاه في ماء قليل فمات، ألقيته في شبر ماء أو ثمانين سنتيمتراً، هذا لا يقتل غالباً فمات، فهذه كما قلنا الآلة أو الطريقة التي استعملت لا تقتل غالباً، فهذه أمثلة على شبه العمد؛ إذا ضربه بعصا أو صوت، إذا ألقاه في ماء قليل، أو إذا سحره بما لا يقتل غالباً.
ثم لاحظوا ماذا قال؟ قال: «فإن جرحه ولو جرحاً صغيراً قتل به»، هذا تأكيد للفكرة التي قلتها لكم أنه متى وقع الجرح هنا؟ لا تقل لي والله هذا الجرح يقتل غالباً ولا لا؟ متى تم الجرح؟ بما له نفوذ في البدن، هذا إنسان، لا حاجة إلى أن تصنفه شبه عمد، مباشرة عند الحنابلة يصنف قتلاً عمداً.
ننتقل الآن أحبابي الكرام للنوع الثالث من أنواع القتل، ألا وهو قتل الخطأ. وقتل الخطأ له صورتان في الحقيقة؛ الصورة الأولى له هي أن يقصد القتل لكنه لم يقصد الشخص، والصورة الثانية ألا يقصد القتل والاعتداء أصلاً ووقع القتل بالخطأ. قتل الخطأ إما أن يكون الشخص قد قصد قتل شخص لكنه لم يقصد قتل هذا الشخص ووقع قتل هذا الشخص المعين بالخطأ، مثل المسلمين في أثناء الحرب مع الكفار؛ يمكن أن أقتل شخصاً وأنا ماسك السيف وضربت عنقه، أنا الآن قصدت قتل هذا الشخص لكنني ظننته كافراً فبان لي بعد ذلك أنه مسلم، كما حدث مع الصحابة في غزوة أحد لما قتلوا والد سيدنا حذيفة بن اليمان، اليمان رضي الله عنه. هم مع اختلاط الوجوه خاصة في معمعة الحروب تحدث أخطاء مثل هذه؛ فأنت تقاتل شخصاً وتضرب عنقه وتقتله وتقصد القتل لكنك لم تقصد أن تقتل مسلماً، هذا ظننته أنت كافراً حربياً ممن لك قتله في المعركة فبان مسلماً، فهنا نقول هو قصد القتل لكنه لم يقصد الشخص، فهذا يعتبر تصنيفه عندنا قتل خطأ.
الصورة الثانية ألا يقصد القتل أصلاً لهذا الشخص، وإنما قصد فعلاً من الأفعال التي يشرع له أن يفعلها، أراد أن يصيد صيداً ويريد أن يصوب على حمار وحشي، رمى السهم بالخطأ فانحرفت يده فجاء السهم في شخص بجنب الحمار الوحشي أو بجنب الغزال. هنا هو لم يقصد القتل أصلاً، وإنما قصد فعلاً من الأفعال المشروعة له، يريد أن يصيد صيداً وما شابه ذلك، فوقع السهم بالخطأ على من هو بجانب الصيد.
فبالتالي هناك صورتان؛ إذا شخص يفعل من الأفعال المباحة له أن يفعلها كالصيد، أو يرمي مثلاً أحجاراً أو ما شابه ذلك، يرمي على ما أحل له، فإذا بالخطأ الحجر يأتي إلى آدمي معصوم فيموت، أو السهم أو الرصاصة تذهب إلى آدمي معصوم فيموت. أو هو قصد قتل هذا الشخص لكنه ظنه من الكفار، فبان أنه من المسلمين، فقصد القتلى ولم يقصد أن يقتل آدمياً معصوماً، وإنما بظنه الخاطئ توهم أنه من الكفرة فقتله.
فهذا أيضاً شكل من أشكال الخطأ؛ قال الشيخ مرعي: «إذا الخطأ وهو أن يفعل ما يجوز له فعله من دق أو رمي صيد ونحوه»، وذكر الآن صورة أن أفعل فعلاً من الأفعال التي يجوز لي أن أفعلها كما قلت لكم؛ أصيد صيداً أو أرمي حجارة أو أدق شيئاً، فبالخطأ الآلة تنحرف وتصيب آدمياً معصوماً فيموت، هذه صورة. أو يظنه مباح الدم فيبين آدمياً معصوماً، وهي الصورة الثانية؛ وهو أنه توجه إلى شخص وقصد قتله، لكن كما قلت ظنه مباح الدم حربي من الحربيين في المعركة، فبان له بعد المعركة أنه إذا به قتل آدمياً معصوماً.
فالصورة الأولى تعتبر قتل خطأ، والصورة الثانية تعتبر قتل خطأ. في الصورة الأولى هو أصلاً لاحظوا أنه لم يتوجه إلى آدمي، وفعل فعلاً من الأفعال المشروعة له، لم يتوجه إلى آدمي أصلاً ليقتله، يصيد أو يرمي حجارة أو يبني بناً وما شابه ذلك يضع طوبة فوق طوبة، فإذا بالخطأ تنحرف الآلة وتقتل آدمياً معصوماً. كذلك مثلاً من حوادث السيارات؛ الشخص يسوق في الطريق بالخطأ ينحرف معه المقود، فإذا به يقتل آدمياً في الطريق يمشي، هذا كله من هذا التصنيف. الحالة الثانية هي أنني قصدت القتل والاعتداء على شخص لكنني كنت أظنه من مباحي الدم في معركة كما قلنا مع الكفار نحاربهم، فقتلته فتبين لي بعد ذلك أنه معصوم الدم، فهاتان صورتان لقتل الخطأ.
ماذا قال الشيخ بعد ذلك في القسمين الأخيرين؟ الكفارة على القاتل والدية على عاقلته. في شبه العمد والخطأ ما عندنا لأولياء المقتول لا قصاص ولا دية أو عفو كالأقسام السابقة، بل في القسم الثاني والثالث اللذين هما شبه العمد والخطأ هناك الدية إذا طالب بها أولياء المقتول أو العفو. وإذا كانت هناك دية فسيأتي معنى أن الدية في حالة قتل شبه العمد والخطأ التي يتحملها ليس القاتل وحده، وإنما تتحملها عاقلته. وسنعرف إن شاء الله من هم العاقلة الذين يتحملون عن القاتل الدية، وأما القاتل فهو عليه كفارة القتل، هو الذي يتحمل كفارة القتل، فالقاتل عليه الكفارة، وأما الدية فيتحملها هو مع عاقلته.
إذن فالكفارة على القاتل والدية على عاقلته. وأما في قتل العمد -وهذا سيأتي معنا- في حالة أن أولياء المقتول طلبوا الدية، فالدية سيدفعها القاتل وحده والعاقلة لا تحمل عنه شيئاً، هذا فرق مهم في شبه العمد والخطأ. الآن متى طالب أولياء المقتول بالدية سيتحمل الدية عاقلة القاتل، وسنعرف من هي العاقلة ومن هي من عشيرته التي تتحمل معه الدية، وأما في العمد فإذا اختار أولياء المقتول الدية فالدية سيتحملها القاتل وحده، والعاقلة ليس لها علاقة بذلك. ولذلك قال: «ففي الأخيرين شبه العمد والخطأ الكفارة على القاتل هو الذي سيكفر، والدية تتحملها عاقلته».
ومن قال في الوسائل الختامية سريعة؛ من قال: «أي إنسان اقتلني أو اجرحني فقتله أو جرحه فمات» مثلاً لم يلزمه شيء. جاء واحد قال لي: يا شيخ اقتلني أنا بدي إياك تقتلني، أو قال لي اجرحني أنا بدي إياك تجرحني، طبعاً أنا ما يصير أرد عليه.
لكن لو فرضًا أنا رديت عليه وقتلته أو جرحته؟ لأننا عرفنا أن الجرح بما له نفوذ في البدن بحد ذاته يعتبر قتلًا عمدًا، صح؟ لكن هنا بما أن المقتول هو الذي طلب من القاتل أن يقتله أو يجرحه فمات بعد ذلك من القتل أو الجرح، هنا الجاني، نعم القاضي يعزره أمورًا تعزيرية لكنه لا يعتبر قاتل عمد يطالب بالقصاص منه. ليه؟ لأن المقتول هو الذي أذن له في الفعل، لأن المقتول هو الذي أذن له في أن يقتله أو أن يجرحه.
جميل، لذلك اليوم بتشوفوا بعض الناس بيعملوا مثل هذه القصص؛ بيجيب واحد بقول له اسمع أنا بدي إياك تجرحني حتى تمثل أمام الإعلام أنه تم الاعتداء عليه وما شابه ذلك، وأخذ مصاري أو غير ذلك، فيأتي شخص فيجرحه فيموت. الآن، هل لأولياء هذا المقتول أن يقولوا للقاتل: "والله بدنا القصاص منك"؟ لا، لأنه سيقول لهم صاحبكم هو الذي قال لي اجرحني حتى أمثل هذا الفيلم والمسرحية ونخرجها ونطالب بأي شيء من تعويضات، وكثير من هذه القصص واقعة في حياتنا العملية اليوم للأسف. فهنا إذا أنا جرحت شخصًا بإذنه أو قتلته بإذنه، هنا طبعًا القاضي يعزرني لأنني لا يصير أن أفعل هكذا، لكن ليس لأولياء المقتول أن يطالبوني بشيء، إذ قال: "لم يلزمه شيء" وكذا.
لو دفع لغير مكلف آلة قتل ولم يأمره به، إذا دفعت هذه المسألة ثانية؛ شخص غير مكلف صغير لم يبلغ أو مجنون أعطيته سكينًا أو أعطيته سمًا من السم القاتل، أو مثلًا أعطيته آلة من الآلات التي تقتل غالبًا، جيد؛ شخص مجنون أو صغير أنا أعطيته آلة من الآلات التي تقتل لكنني لم أقل له اقتل نفسك، أنا فقط أعطيت الآلة، فهذا الصغير أو هذا المسجون قتل نفسه بهذه الآلة، هنا لا يلزمني شيء ولا قضية، إن كان يعزر فهذا ينظر فيه القاضي.
لكن إذا أنا أعطيته الآلة، أعطيته السم، ممتاز، وقلت له اشرب هذا السم، أو أعطيته السكين وقلت له اطعن بها في جسدك، في هذه الحالة أنا أعطيته الآلة وأمرته أن يجرح نفسه بها أو بالسم وما شابه ذلك، فاعتبر قاتلًا عمدًا؛ لأنك هنا تعاملت مع شخص غير مكلف، صغير ومجنون ما عنده قدرة على التفكير، أنت أعطيته الآلة وأمرته باستعمالها فمات، تعتبر قاتلًا عمدًا.
هذا إذا هو نهاية تأصيلنا لقضية القتل عمومًا، طبعًا على قدر حجم هذا الكتاب: قتل العمد، شبه العمد، والخطأ، وعرفنا ما الذي يميز قتل العمد من قصاص أو دية أو عفو، وشبه العمد والخطأ ليس فقط دية أو عفوًا، عرفنا أن الدية بالنسبة للقتل العمد يتحملها القاتل وحده، والدية بالنسبة لشبه العمد والخطأ تتحملها العاقلة. هذه أحكام أساسية مفصلية يجب أن يكون الطالب تصورها.
الآن سنذهب لرحلتنا مع القتل العمد، الآن سيتخصص كلامنا ابتداءً بالقتل العمد لنعرف قضية القصاص، أحكام القصاص الموجودة في القتل العمد، وسنتعرف على حكمين؛ الحكم الأول: شروط القصاص حتى يطالب أولياء المقتول بالقصاص من القاتل. هناك شروط يجب أن تتحقق، إذا تحققت هذه الشروط سننتقل لما يسمى شروط الاستيفاء للقصاص. إذاً هناك شروط حتى تصح المطالبة بالقصاص ابتداءً، فإذا وجدت شروط صحة المطالبة بالقصاص نذهب إلى شروط استيفاء هذا القصاص، فشروط الاستيفاء إنما تأتي بعد شروط صحة المطالبة بالقصاص ابتداءً.
فقال: «باب شروط القصاص في النفس وهي أربعة». بدنا نرتب الأفكار مع بعض سريعًا؛ شروط صحة المطالبة بالقصاص حتى يحق لأولياء المقتول المطالبة بالقصاص من القاتل في القتل العمد، هناك أربعة شروط يجب أن تتوفر. ما هي؟
واحد: تكليف القاتل؛ أن يكون القاتل مكلفًا. فإذا كان القاتل صغيرًا أو مجنونًا، صغير قتل قتلًا من صور القتل العمد، أو مجنون ارتكب صورة من صور القتل العمد، خنقًا أو حبسًا فقتل به شخصًا، هل تعتبر جناية عمد؟ الصغير والمجنون عمد؟ لا، في الحقيقة الحنابلة يقولون عمد الصغير أو المجنون يعامل معاملة قتل الخطأ. إذا شخص غير مكلف -وهذه مهمة اليوم في الجنايات التي يرتكبها يسموهم في بلادنا الجانحون، يعني من هم دون سن التكليف، لكن في بلادنا للأسف يعتبروا الجانح تحت سن، وإن كان مكلفًا، لا، العبرة دون سن التكليف وليس سن ثمانية عشر سنة عندنا- إذا الصغير الذي لم يكلف أو المجنون إذا فعل فعلًا من الأفعال التي تقتل غالبًا، واللي هي تصنيفها في الوضع الطبيعي قتل عمد، إذا صدرت من صغير أو مجنون فإن تصنيفها يعتبر خطأ؛ لذلك يقولون عمد الصغير والمجنون خطأ، هي كالقاعدة: عمد الصغير والمجنون يعتبر خطأ. فإذا كان الجاني القاتل صغيرًا أو مجنونًا، ليس لأولياء المقتول المطالبة بالقصاص، بل الدية مباشرة.
إذاً لا قصاص على صغير ومجنون، طيب الكفارة؟ قال: «بل الكفارة في مالهما والدية على عاقلتهما». بل عليهم الكفارة، كان الصغير والمجنون إذا قتلوا قتلًا هو عمد ابتداءً، عليهم الكفارة، نعم لأنه عمد الصغير والمجنون خلص هو يعامل معاملة الخطأ، فيعامل معاملة الخطأ، فبالتالي سنعرف إن شاء الله أنه في قتل الخطأ وقتل شبه العمد برضه في كفارة على القاتل، فلذلك قال: «المجنون والصغير عمدُهما يعتبر من القتل الخطأ فعليهما...» مثل ما يُعامل بشكل عام أصحاب القتل الخطأ.
هناك كفارة في مالهما، الكفارة في مالهما، ولا طبعًا تطالب مثلاً المجنون أو الصغير بصيام شهرين متتابعين، حينئذ تطالبه فقط بماذا؟ بالكفارة. وسأتوجّه للأمور المالية لأننا سنعرف إن شاء الله أن الكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وساعتها بنتكلم كيف يمكن نحل قضية الكفارة المالية إذا ما كان مثلاً فيها عتق رقبة، كيف ستُحل هذه القضية؟ هذه خلوها في حينها إن شاء الله، قضية الكفارة. لكن عمومًا الآن بدي إياكم تفهموا أنه «بل عليهم الكفارة في مالهما» سيكون عليهم كفارة، سواء كان صغيرًا أو كان مجنونًا، وهذه الكفارة تستخرج من مال الصغير أو من مال المجنون إن وُجد، والدية تكون على عاقلة الصغير وعلى عاقلة المجنون مثل القتل الخطأ.
إذاً أول شرط من شروط المطالبة بالقصاص أن يكون القاتل مكلفًا، فتقول إذا كان القاتل ليس مكلفًا، صغيرًا أو مجنونًا، فعمده تعتبر خطأ أصلًا، الدية على عاقلتهما والكفارة في مالهما.
الشرط الثاني: عصمة الشخص المقتول. فإذا كان المقتول شخصًا ليس معصوم الدم، وليس معصوم الدم عرفنا من هو: الحربي، الكافر، اثنان، المرتد الذي ارتد عن الإسلام، ثلاثة، الزاني المحصن. فالقاتل إذا قتل شخصًا هو حربي محارب لله ورسوله، أو هو الآن مرتد لما قتلته كان مرتدًا، أو كان زانيًا محصنًا، كان في وصف من هذه الأوصاف، هو قتل آدميًا غير معصوم.
بالتالي ليس لأولياء المقتول أن يطالبوا بالقصاص منه. ليس لأولياء المقتول أن يطالبوا بالقصاص منه. طبعاً، إذا أنا لا يصير أقتل زانياً محصناً؛ لأن هذا أمر خاضع للقضاء وليس شغلي، فأنا أعتبر افتياتاً على السلطان، هذا مفهوم.
وكذلك مثلاً في ضمن الدولة المسلمة، المرتد ليس أي واحد في الشارع يقتله، هناك قاضٍ تثبت عنده الأمور بالبينات وما شابه ذلك ويستتيب ما يستتيب، يعني ليست شغلة المواطن الفرد أن يطبق الأحكام. لكن إذا هو قتله، وأصلاً كان بينهما خصومة، يعني هو وقتله ليس لردته وليس لأنه ارتكب معصية، بل هي مشكلة، فهذا مسك المسدس وطخ صاحبه.
لما شفنا صاحبه المقتول إما زانياً وإما مرتداً أو محارباً لله ورسوله، فهنا نقول قُتل آدمياً غير معصوم الدم فلا يمكن المطالبة بالقصاص منه. إذا قيل عصمة المقتول، فهذا هو الشرط الثاني، فلا كفارة أصلاً ولا ولاية على قاتل حربياً. إذا قتلت شخصاً حربياً أو مرتداً أو زانياً محصناً، ولو أن القاتل كان مثل المقتول، حتى ولو كان القاتل هو أيضاً زانياً محصناً أو كان القاتل هو أيضاً مرتداً أو هو حربياً؛ فالحربي إذا قتل حربياً، أو المرتد قتل مرتداً، أو الزاني المحصن إذا قتل زانياً محصناً، هنا لا يوجد حتى كفارة، لا كفارة ولا دية.
ليه؟ لأنه في منظور الشريعة الإسلامية إنما قتل شخصاً مهدور الدم، فبالتالي لا يترتب على القاتل أي شيء؛ لا قصاص ولا دية، وحتى الكفارة ليس مطالباً بها. لماذا تقول لأنه قتل مهدور الدم؟ الآن هل يمكن أن يعزر للافتيات على السلطان أنه طبق أو قتل شخصاً مثلاً بصورة من دون أن يعود إلى السلطان أو ما شابه ذلك، أو أحدث مثلاً رعباً في الوسط العام إلى غير ذلك؟ هذه العقوبات التعزيرية أمرها أوسع، لكن نحن نتكلم الآن عن العقوبات المتعلقة بالقصاص؛ ما في لا قصاص ولا دية ولا كفارة، قضية تعزيرية هذه أمر آخر.
هذا هو الشرط الثاني؛ إذا الشرط الأول تكليف القاتل، والثاني أن يكون المقتول معصوم الدم، فإذا كان مهدور الدم ليس له أي حق من الحقوق لأوليائه ولا كفارة أيضاً على القاتل. الثالث الكفاءة. ماذا يعني الكفاءة؟ قالوا: ألا يفضى له القاتل على المقتول في حال الجناية، وركزوا عليها في حال الجناية عند ارتكاب الجناية في الإسلام أو الحرية أو الملك، ألا يكون القاتل أعلى من المقتول في الإسلام أو في الحرية أو في الملك، لأن قضية الملك سنفهمها إن شاء الله.
خلينا ننظر ماذا يتفرع على هذا. قالوا: فلا يقتل مسلم ولو عبداً بكافر ولو حراً، بأن القاتل أعلى من المقتول. الآن في الدولة المسلمة لو أن رجلاً مسلماً حراً أو عبداً قتل ذمياً؛ الآن الذمي معصوم الدم ولا ليس معصوم الدم؟ تقول الذمي معصوم الدم، ما يصير نقتله مئة بالمئة. لكن لو شخص مسلم اعتدى وقتل ذمياً؟ هذا في أمر عظيم جداً، النبي ﷺ يقول: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد للمسير أربعين عاماً». إثم عظيم جداً.
لكن قضية القصاص لا تطبق؛ لأنه في النهاية الشريعة الإسلامية تقول: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. واليوم الناس الذين يتكلمون عن موضوع المواطنة المتساوية في الدولة المسلمة، هذا شيء مرفوض في الشريعة، فليس هناك شيء اسمه مواطنة متساوية في الدولة المسلمة بين المسلم وغير المسلم، الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وقال تعالى: ﴿وَلَيَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141].
فالشخص المسلم عزيز عند الله لأنه موحد، إذا اعتدى على ذمي نحن نقول له أنت ارتكبت كبيرة وعظيمة، والشريعة نفرت من هذا الفعل أيما تنفير ورتبت أشد العقوبات الأخروية، لكن لا يمكن أن نسوي بين من وحد الله وبين من أشرك بالله، لا يمكن أن نسوي بينهما في العقوبات. فبالتالي المسلم -طبعاً هذه وجهة نظر الحنابلة وهناك خلاف في المسألة- نعم، الحنفية لهم رأي في قتل المسلم بالذمي، هذه مسألة إن شاء الله تدرسونها في الفقه المقارن، لكن الحنابلة هكذا كانت طريقة تفكيرهم.
فبالتالي المسلم ولو عبداً لو قتل ذمياً، ولو كان الذمي حراً، لا يقتل به لأن القاتل أفضل من المقتول في الإسلام، فلا توجد الكفاءة بين القاتل والمقتول. لازم كفاءة، والكفاءة تزول إذا وقع تفاوت في الإسلام أو تفاوت في الحرية أو تفاوت في الملك. فبدأ بقضية التفاوت في الإسلام، فبين أن المسلم إذا قتل ذمياً -صحيح الذمي معصوم الدم ليس مهدور الدم- لكن هناك تفاوت بينهما، القاتل أعلى من المقتول في الديانة له الإسلام فلا يطبق عليه القصاص.
طيب، قال: ولا الحر ولو ذمياً بالعبد ولو مسلماً. إذا قتل حرٌّ -لاحظوا الآن القاعدة المعاكسة- لو كان هذا الحر من أهل الذمة كافراً، لو قتل عبداً ولو كان هذا العبد مسلماً، فإن الحر الذمي لا يقتص منه إذا قتل عبداً ولو كان مسلماً. ليه؟ لأنه صحيح هنا العبد المقتول أعلى في الدين من القاتل أن القاتل ذمي، لكن القاتل أعلى منه في ماذا؟ في الحرية.
فلذلك الحنابلة يقولون -لاحظوا أنه في توازن حتى في تقرير الآراء الفقهية- الحر سواء كان مسلماً أو ذمياً إذا قتل عبداً سواء كان العبد مسلماً أو ذمياً، فإن الحر لا يقتل بالعبد. هذه هي القاعدة؛ الحر لا يقتل بالعبد، والمسلم لا يقتل بالكافر. إذاً قواعد الكفاءة تقول: القاعدة الأولى المسلم لا يقتل بالكافر مهما كان، القاعدة الثانية الحر لا يقتل بالعبد مهما كان.
القاعدة الثالثة: ولا المكاتب بعبده ولو كان ذا رحم محرم له. هذا مثال على التفاوت في الملك. الآن المكاتب عبد ولا ليس عبداً؟ راح تقول لي المكاتب عبد، لكنه يملك بخلاف باقي العبيد؛ لأن باقي العبيد الذين ليسوا بمكاتبين كانوا عبيداً طبعاً لا يملكون كما عرفنا، لكن المكاتب هذا هو العبد الوحيد الذي ذكرنا أنه يمكن، بل يجب، أن يملك حتى يستطيع أن يسد سيدَه.
فالعبد المكاتب بما أنه يملك يمكن أن يملك عبداً تحت يده. فإذا العبد المكاتب ملك عبداً تحت يده، المكاتب مملوك والعبد الذي تحت يد المكاتب أيضاً مملوك، لكن هناك تفاوت بينهما في الملك بالتأكيد؛ لأن هناك سيداً مثلاً، نقول وتحته مكاتب وتحت المكاتب عبد. هذا عبد من هذا المكاتب، وهذا المكاتب ملك لهذا السيد، فصحيح هذا عبد وهذا عبد، لكن بينهما تفاوت في الملك، فالملك الواقع على هذا العبد أشد من الملك الواقع على هذا العبد؛ لأنه هذا ملك لسيد حر مباشرة، بينما هذا العبد...
هو ملك لعبد، وهذا العبد من كل السيد، فكأن الملك في المكاتب أخف من الملك في العبد المكاتب. هي فكرة دقيقة شوي بدي إياكم تركزوا فيها؛ إذا كان المكاتب عنده عبد، الملك الواقع على هذا العبد أعلى من الملك الواقع على المكاتب، لأن المكاتب هو ملك لسيده، والعبد هو ملك للمكاتب الذي هو ملك السيد، فكأن هناك درجتين في الملكية عليه، والمكاتب عليه درجة واحدة، فبينهما تفاوت في الملك.
هذا معنى التفاوت في الملك الذي قصده، فيعتبر هناك عدم مكافأة بينهما. فلو أن المكاتب قتل عبده الشخصي -وركزوا الموضوع متعلق بعبده الشخصي وليس بعبد آخر- ففي هذه الحالة نعم في تفاوت في الملك، فالمكاتب لا يقتل بعبده. لكن إذا كان المكاتب قتل عبدا آخر لا يملكه، لا بد أن يُقتل، ما فيش فيها، لأنه ما في تفاوت في الملك، ممكن تكون أنت هنا سيد عنده عبد خالص، وهذا المكاتب قتل هذا العبد، ما فيش تفاوت في الملك، والمكاتب سيقتل. فالكلام هو في التفاوت في الملك عن المكاتب إذا امتلك عبدا فقتل عبده؛ هنا في تفاوت في الملك بناء على الهرمية التي رسمتها لكم. أما المكاتب إذا قتل عبدا آخر لا يملكه، لا سيقتل لتساويهما عموما في الملك، لذلك قال: «ولا المكاتب بعبده».
قال الشيخ مرعي رحمه الله تعالى عليه: «ولو كان ذا رحم محرم له». ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام أن المكاتب إذا امتلك عبدا وكان هذا العبد ذا رحم محرم منه، وقام هذا المكاتب بقتل عبده، فإنه لا يتم القصاص بينهما. هذا يريد أن يقودني إلى أن أعود لمسألة سابقة نستفيدها هنا، وهي مرة معنا أحبابي إذا تذكروا في باب العتق، أن من طرق العتق أن السيد الحر إذا امتلك -بأي وسيلة من وسائل الملك- ذا رحم محرم منه، فإنه مباشرة يعتق عليه. ارجعوا لباب العتق؛ من صور العتق أن السيد إذا امتلك ذا رحم محرم منه، امتلك أباه أو ابنه أو أخاه أو خاله أو عمه، فإنه مباشرة يعتق عليه، صحيح.
لكن هنا فائدة؛ أما المكاتب إذا امتلك ذا رحم محرم منه، فمعناه أن المكاتب دون سائر العبيد الخلص له حق التملك، لأن حق التملك هو الذي سيعينه في دفع مكاتبته وشراء حريته، فالمكاتب له أن يتملك، فإذا تملك ذا رحم محرم منه، هل يعتق عليه كما يعتق على السيد؟ قالوا: لا، هناك فرق بين السيد الحر إذا امتلك ذا رحم محرم منه، فهذا يعتق عليه مباشرة، أما المكاتب فلو امتلك أباه، ولو امتلك ابنه، ولو امتلك أخاه وعمه وخاله، فإنه لا يعتق عليه؛ لأنه صحيح المكاتب يملك لكن ملكه في النهاية ناقص، ملكه ناقص وموقوف عند حريته، فإذا أدى هذا المكاتب ما عليه وتحرر، نعم هؤلاء أصحاب الرحم المحرم منه تحرروا معه.
وأما أنه المكاتب لم يؤدِ ما عليه وبقي عبدا، فإن من معه من عبيده سيصبحون ملكا للسيد، فالمكاتب إذا عجز نفسه وقال خلاص أنا مش قادر أدفع وأريد أن أرجع عبدا، من يملكهم؟ هذا المكاتب من العبيد، ولو كانوا ذا رحم محرم منه، فيصبحون ملكا للسيد. فباختصار، المسألة تتعلق بأن المكاتب يمكن أن يملك ذا رحم محرم منه ولا يعتقون عليه، كما هو الحال في السيد إذا امتلك ذا رحم محرم منه. هذه فائدة ضعوها على الهامش.
فالمهم، يقول الحنابلة: إن العبد المكاتب إذا امتلك عبده، أو إذا امتلك عبدا وقتله، عرفنا أنه لا يقتل به لتفاوت الملكية. قالوا: «ولو كان هذا العبد الذي امتلكه المكاتب ذا رحم محرم منه». هذا هو كلام المنتهى؛ أن العبد المكاتب إذا قتل عبده لا يقتل به ولو كان هذا العبد ذا رحم محرم من المكاتب، يعني لو كان عمه أو خاله أو كان أخاه.
في الإقناع في الحقيقة خالف، فقال: المكاتب إذا امتلك عبدا وكان هذا العبد ذا رحم محرم منه فقتله المكاتب يقتل به. أما إذا كان هذا العبد لا رحم محرم من المكاتب، كان خاله وعمه فإنه يقتل به. طبعا إذا كان أباه، سيأتي معنا أن قضية أن لا يكون المقتول ولدا للقاتل، سيأتي معنا أنه إذا كان المقتول ولدا للقاتل فإنه لا يقتل به. فإذا كان المكاتب يملك بملك العبودية ابنه فقتله لن يقتل به، لهنا لوجود حتى على قول الإقناع لأن القاتل والد للمقتول.
لكن لنفرض أن المكاتب ملك ذا رحم محرم ليس ابنه، ملك أباه أو أخاه أو عمه أو خاله، فالمذهب في المنتهى أن المكاتب لا يقتل به. في الإقناع رفض ذلك، فقال: المكاتب إذا امتلك عبدا وكان هذا العبد ذا رحم محرم منه فإن المكاتب يقتل به. فباختصار المنتهى سوى بين عبد المكاتب، سواء كان هذا العبد ملكا أو كان هذا العبد في رحم محرم، ولم يكن كذلك دائما لا يقتل به. في الإقناع فرق؛ في الإقناع يقول: إذا كان العبد الذي يملكه المكاتب أجنبيا عنه لن يقتل به المكاتب، أما إذا كان ذا رحم محرم منه فإنه يقتل به. هذه هي الفكرة، وهي تحتاج إلى تصور أن المكاتب يمكن أن يملك رحما محرما منه ولا يعتق عليه، ثم الخلاف بين المنتهى والإقناع؛ المنتهى سوى بين كل العبيد الذين يملكهم المكاتب فلا يقتل بهم لتفاوت الملكية، وفي الإقناع فرق بين العبد الأجنبي الذي يملكه المكاتب وبين العبد الذي هو من رحم محرم منه. فإذا كان المكاتب ملك عبدا أجنبيا عنـه وقتله فإنه لا يقتل به لتفاوت الملكية، وأما إذا امتلك ذا رحم محرم منه فإنه يقتل به ويزول تفاوت الملكية في هذه الحالة.
ثم قال: «يقتل الحر المسلم ولو ذكرا بالحر المسلم ولو أنثى». هو يريد أن يشير لقضية أنه ليس من معايير الكفاءة أن يكون القاتل والمقتول ذكرا؛ ليس من معايير الكفاءة التكافؤ في الذكورية والأنوثية، لا يقتل الذكر بالأنثى وتقتل الأنثى بالذكر. ليس اختلاف الجنس سببا في اختلاف الكفاءة، وبالتالي عدم المطالبة بالقصاص، فليس اختلاف الجنس، أنه ذكر أو أنثى، مؤثرا هنا؛ فالحر المسلم ولو ذكرا يقتل.
إذا أو له يجوز المطالبة بالقصاص منه إذا قتل حراً مسلماً ولو أنثى، والرقيق كذلك؛ الرقيق المسلم الذكر يقتل إذا قتل رقيقاً مسلماً ولو أنثى، أو إذا قتل حراً مسلماً ولو أنثى من باب أولى.
قال: «وبمن هو أعلى منه». الرقيق المسلم الذكر يقتل، ويجوز المطالبة بالقصاص منه إذا قتل رقيقاً مسلماً ولو أنثى، وإذا قتل أيضاً من هو أعلى منه، إذا قتل من هو حر مسلم ولو أنثى.
قال: «والذمي كذلك». فالذمي إذا قتل ذمياً مثله ولو أنثاه يقتل. والذمي يمكن يكون عبداً أو حراً؛ فإذا كان ذمياً حراً، فالذمي الحر يقتل إذا قتل ذمياً حراً ولو أنثى، وإذا قتل مسلماً حراً ولو أنثى، هذه الفكرة. وأما إذا كان عبداً، فالعبد الذمي بالتأكيد سيقتل إذا قتل عبداً ذمياً ولو أنثى، إذا قتل حراً ذمياً ولو أنثى، إذا قتل حراً مسلماً ولو أنثى؛ فهذا معنى: «والرقيق كذلك بمن هو أعلى منه، والذمي كذلك وبمن هو أعلى منه».
الشرط الرابع والأخير من شروط صحة المطالبة بالقصاص: كون المقتول ليس ولداً للقاتل. تقول القاعدة: إذا كان الشخص المقتول هو ولد للقاتل، ولداً مباشراً أو غير مباشر عن طريق الجدود، فإن القاتل لا يطالب بالقصاص منه متى كان والداً للمقتول، والداً مباشراً أو غير مباشر. وهنا قاعدة فقهية يقولون: القاتل كان سبباً في وجود المقتول، فلا يكون المقتول سبباً في إعدام القاتل. هكذا القاعدة تقول؛ لأن القاتل كان سبباً في وجود المقتول، فالقاتل هو من آباء المقتول، فلا يكون المقتول سبباً في القاتل من خلال المطالبة بالقصاص.
وجاء الحديث: «لا يقتل الوالد بالولد». هذا رأي سادة الحنابلة في هذه المسألة. إذاً الشرط الرابع أن يكون المقتول ليس بولد قاتل، فلا يقتل الأب وإن علا، ولا الأم وإن علت. فالوارد هنا يشمل الأب والأم وإن علوا، والولد والولد وإن سفل؛ فكل من كان أباً ولو غير مباشر، أو أماً ولو غير مباشرة للمقتول، إذا كان القاتل أباً ولو غير مباشر أو أماً ولو غير مباشرة للمقتول فإنه لا يتم القصاص؛ للقاعدة التي ذكرناها.
ثم ختم بعد أن عرفنا شروط صحة المطالبة بالقصاص، قال: «ويورث القصاص على قدر الميراث». فمتى ورث القاتل أو ولده شيئاً من القصاص فلا قصاص. ما معنى هذه القاعدة؟ إذا عندنا شخص قتل شخصاً عمداً، المقتول قصاصه -أي المطالبة بقصاصه- ليست فقط لابنه أو لأبيه، لا؛ القصاص أو المطالبة بالقصاص للمقتول هذا عبارة عن إرث، هكذا تقول القاعدة عند الحنابلة؛ المطالبة بالقصاص للمقتول هذا إرث يوزع على ورثة المقتول.
ننظر فيمن هو وارث هذا المقتول، ورثة المقتول يتوزع عليهم القصاص أو حق المطالبة بالقصاص كما يتوزع الإرث تماماً. فمثلاً، الأب له سدس المطالبة بالقصاص، والزوجة -بما أنه يوجد ابن- لها الثمن من المطالبة بالقصاص، والابن له الباقي كونه عصبة. فالقصاص أو المطالبة بالقصاص كأنها مال توزع على ورثة المقتول، وبالتالي كل واحد منهم له المطالبة به.
فماذا سينبني على هذه الفكرة؟ يقولون إذا كان القاتل هو أحد ورثة هذا المقتول، فمتى ورث القاتل أو ولده شيئاً من القصاص، إذا كان القاتل أو أبناء القاتل هم أحد ورثة المقتول، بالتالي لن يتم القصاص في هذه الحالة. لماذا؟ لأنه إذا كان القاتل أو أحد أبنائه هم أحد ورثة المقتول، فسيحصلون على جزء من المطالبة بالقصاص. وبما أن القصاص موروث يوزع على الورثة، والقاتل من الورثة سيحصل على جزء من المطالبة بالقصاص، وهو لا يطالب بالقتل من نفسه، فبالتالي يسقط القصاص.
وكذلك لو كان أحد أولاد القاتل من ورثة المقتول؛ فهذا الولد أخذ جزءاً من المطالبة بالقصاص، فليس له بالتأكيد أن يطالب بالقصاص من والده، وذلك للعودة للقاعدة السابقة كون المقتول أو من يستحق القصاص له ليس ولداً للقاتل؛ كأنها ترجع لهذه الفكرة، أن هذا الولد حاز على شيء من حق المطالبة بالقصاص، فليس له أن يطالب بالقصاص من والده للشرط الرابع من شروط القصاص، لذلك هو ذكره هنا.
إذاً: «ويورث القصاص على قدر الميراث»، فمتى ورث القاتل أو أحد أولاد القاتل شيئاً من القصاص لكونهم من ورثة المقتول، فهنا لا قصاص؛ لأنه إذا كان الوارث هو القاتل فإنه لا يطالب بالقصاص من نفسه، وإذا كان أحد ورثته أحد أولاد القاتل، فليس لأحد أولاد القاتل أن يطالبوا بالقصاص من أبيهم للشرط الرابع.
هكذا نكون قد انتهينا من شروط صحة المطالبة بالقصاص. إذا كان القاتل مكلفاً، والمقتول معصوماً، وحدثت المكافأة في الإسلام: مسلم بمسلم أو ذمي بذمي، أو حدثت المكافأة في الحرية والعبودية: حر بحر أو عبد بعبد. أما الملكية، فقضية التكافؤ في الملكية هي فكرة المكاتب، إذا ملك عبداً فهي فكرة استثنائية؛ خلوها الآن على جنب لكن افهموها. المهم بالافكار الأساسية: المكافأة مسلم بمسلم، ذمي بذمي، حر بحر، عبد بعبد. فإذا لم تكن هناك مكافأة، أو إذا تساوت وحصلت المكافأة وكان المقتول ليس ولداً للقاتل، هنا يصح المطالبة بالقصاص.
لكن إذا صحت المطالبة بالقصاص، هناك شروط حتى يصح استيفاء القصاص. الآن صحت المطالبة، ممتاز، لكن حتى نستوفي القصاص ستكون هناك أيضاً ثلاثة شروط. قال الشيخ رحمه الله عليه: «باب شروط استيفاء القصاص». استيفاء القصاص، أحبابي الكرام، خلينا نقول ما معنى استيفاء عموماً، سواء استيفاء القصاص في الجسد كاملاً أو ما دونه؛ استيفاء القصاص هو أن يأخذ المجني عليه -إن بقي على قيد الحياة وكانت الجناية على طرف من أطرافه أو جرح به- أو أولياء المجني عليه -إن كان المجني عليه قد قُتل- أن يأخذ المجني عليه أو أولياؤه الحق من الجاني.
هكذا باختصار، الاستيفاء هو أن يأخذ المجني عليه أو أولياؤه حقهم من الجاني. فالجاني قطع لي عضوا، أقطع منه عضوا، والجاني قتلني فأوليائي يطالبون بقتله ويستوفون هذا إذا أخذ المجني عليه أو أولياؤه حقهم من الجاني. هذا تقريبًا يصور معنا الاستيفاء، وإن كان هناك تعريف دقيق في كتب الحنابلة، لكن هذا الذي يهمني هنا.
حتى يستطيع المجني عليه أو أولياؤه استيفاء القصاص؛ الآن المجني عليه دعوكم لأنه هنا موضوع قصاص النفس كامل، فأكيد المجني عليه ميت -رحمة الله عليه- هو المقتول، فالآن جاء الدور على أولياءه. حتى يستطيع أولياء المقتول استيفاء القصاص، وجدت شروط المطالبة بالقصاص، شروط صحة المطالبة. القاتل طلع مكلف، وهناك إسم في المقتول، وهناك مكافأة، والمقتول ليس ولدًا.
الآن جاء الأولياء يريدون أن يستوفوا القصاص، نقول هناك ثلاثة شروط حتى تستوفوه، ما هي؟ الشرط الأول: لابد من تكليف المستحقين للقصاص. عرفنا أن من الذي يستحق المطالبة بالقصاص على القاعدة السابقة؟ القصاص يورث ويوزع على ورثة المقتول، المقتول -رحمة الله عليه- مات، القصاص له، هذا ميراث يوزع على الورثة. فلابد أن يكون ورثة المقتول، وهم المرادون بمصطلح المستحقين للقصاص، لابد أن يكونوا مكلفين جميعًا؛ لذلك قال: تكليف المستحق، أي من يحق له المطالبة بالقصاص.
من الذي يعقل المطالبة بالقصاص؟ هم ورثة المقتول، فلذلك قال الشرط الأول: تكليف المستحق. فإن كان ورثة المقتول الذين سيرثون قصاصه كان فيهم واحد صغير، أو واحد مجنون غير مكلف، سيحبس الجاني إلى تكليفه؛ يعني نجلب القاتل ونضعه في السجن ونقول له: ستظل في السجن حتى يبلغ أو يعقل جميع ورثة المقتول.
وهنا نذكر قصة أظنها شهيرة في بلاد الحرمين لرجل من قحطان من الجنوب، أظنه مكث في السجن مدة تزيد عن عشرين عامًا، هو قاتل عمد، وكان ورثة المقتول ما زالوا صغارًا، فسجن الرجل في السجن -أبهى سجن- عشرين عامًا فيما أعلم، حتى بلغ جميع ورثة المقتول وطالبوا بالقصاص منه وقتل قصاصًا، رغم تدخل السلطات ومحاولة طلب العفو، لكن أولياء المقتول ورثة المقتول لم يقبلوا أبدًا على الرغم من عشرين سنة مرت على الموضوع، لكنهم طالبوا بالقصاص وقتل. فالمهم هذا فقط مثال هنا.
فإذا كان أحد ورثة المقتول غير مكلف إما للصغر أو للجنون، فهنا يبقى الجاني في السجن ولو لمئة سنة، هكذا يقولون حتى يبلغ الصغير ويعقل المجنون. طبعًا سنعرف إن شاء الله أنه في حالة إذا كان أحد مثلاً الذين يستحقون القصاص -أي أحد ورثة المقتول- إذا كان واحد منهم كبيرًا وهو عفا عن حقه، فهنا خلاص لن يطبق القصاص على الجاني مباشرة، بل تروح الأمور على الدية فلا حاجة للحبس. ستأتي معنا الفكرة؛ لو كان له ورثة صغار وكان أحد الورثة الأكابر وهذا الكبير عفا عن حقه، قال: أنا لا أريد المطالبة، بمجرد أن يعفو شخص من الكبار عن حقه في القصاص، هنا انتهى أمره، لا يحبس الجاني لأن الأمور ستتحول إلى الدية. بمجرد أن واحد من الكبار يعفو عن حقه في القصاص حتى ولو كان باقي الورثة صغارًا أو مجانين، هنا لا يحبس الجاني لأن الأمور ستذهب للدية، ما في مطالبة بالقصاص. لكن إذا كان كل الورثة الكبار مصرين على القصاص وواحد من الورثة ما زال صغيرًا أو مجنونًا، هنا نحبس الجاني حتى يبلغ أو يعقل.
فلنأخذ الشرط الثاني، ولننهِ الشرط الأول بجميع مسائله ثم ننتقل. وهي ثلاثة: أحدها تكليف المستحق، فإن كان أحد المستحقين صغيرًا أو مجنونًا سيحبس الجاني إلى تكليفه. تقول: يحبس الجاني إلى تكليفه، هذا في حالة أن الورثة الكبار لم يعفُ أحدهم عن المطالبة بالقصاص، اكتبوا هذا. أما إذا أحد الورثة الكبار البالغين العقلاء عفا عن القصاص، خلاص لا يحبس الجاني ولو كان في أحد الورثة صغار أو مجانين؛ لأننا هنا مباشرة سنذهب إلى الدية.
طيب، فإن احتاج هذا الصغير أو المجنون نفقة، فولي المجنون فقط العفو إلى الدية. ما معنى هذا الكلام؟ الآن عرفنا أن هذا المقتول توزع القصاص على ورثته، فرضًا أحد الورثة كان صغيرًا والآخر كان مجنونًا؛ هل لولي هذا الصغير أن يعفو عن القصاص بالنيابة عنه حتى تتحول الأمور إلى دية فيأخذ الدية ليصرفها على هذا الصغير؟ وكذلك ولي المجنون، هل له أن يعفو عن القصاص بالنيابة عن هذا المجنون لمقصد تحصيل مال الدية من أجل أن ينفق على المجنون؟
الحنابلة هنا فرقوا بين المجنون وبين الصغير؛ قالوا ولي المجنون له أن يعفو عن القصاص بالنيابة عن المجنون، وبمجرد العفو سيتحول الأمر إلى دية وسيأخذ بالتالي مالًا من هذه الدية ينفق به على المجنون، فهذا مقصد يمكن أن يقوم فيه الولي عن المجنون في العفو عن القصاص. لكن ولي الصغير لا يجوز أن يقوم مقامه في العفو عن القصاص ولو كان هذا الصغير يحتاج لما ينفق عليه. قال: «فإن احتاج نفقة»، وفي الحقيقة عبارة المنتهى: «فإن احتاجتا» بالتثنية، «فلولي المجنون فقط العفو إلى الدية»، وهذه العبارة أدق. أظن أن هناك سقفًا في النسخة أو خطأ في الكتابة من الناسخين، لأن العبارة: إن احتاج الصغير أو المجنون للنفقة، فهل لوليهما أن يعفو عن القصاص بالنيابة عنهما حتى يحصل الدية لينفق على صغيره أو مجنونه؟ فنقول: ولي المجنون له أن يفعل ذلك، لكن ولي الصغير ليس له أن يفعل ذلك.
لماذا فرقوا بين الصغير والمجنون؟ قالوا: المجنون إذا كان الجنون مطبقًا، هذا في العادة لا يفيق، بالكاد أن يفيق، فيمكن الجاني يظل في السجن ويموت في السجن ولن نستطيع أن نأخذ دية منه، فبالتالي لن ننتفع؛ لأن المجنون المطبق جنونه صعب أن يصحى. أما الصغير، في الوضع الطبيعي مع الوقت يبلغ. أما المجنون جنونًا مطبقًا فهذا لا يفيق في العادة، ولأنه لا يفيق في العادة نظر الحنابلة إلى مصلحته، فقالوا: إذا ولي المجنون رأى أن هذا المجنون صعب أن يصحى ونحن نريد مالًا ننفق عليه، فليعفُ عن القصاص بالنيابة عنه ونتحول للدية حتى نحصل ما ننفق عليه. أما الصغير...
سبع سنين يكبر ويبلغ، بالتالي يصبح هو المطالب بالقصاص أو الدية، فلا نعطي وليه حق العفو عن القصاص بالنيابة عنه، هذه هي الفكرة.
إذا كان الشرط الأول من شروط الاستيفاء هو تكليف جميع المستحقين، أي أن يكونوا جميعاً مكلفين، والشرط الثاني هو اتفاق المستحقين على الاستيفاء؛ فإذا أحد المستحقين قال: أنا أتنازل عن القصاص وأريد الدية، فالجميع ملزم أن يذهب معه، حتى ولو كان الكل مصراً على القصاص. واحد فقط من ورثة المقتول الذين يستحقون المطالبة قال: أنا لا أريد قصاصاً، أريد دية، انتهى الأمر؛ لأن القصاص لا يتجزأ.
القصاص لا يتجزأ، ليس ممكناً أن نعطي واحداً الدية ونعطي واحداً منهم القصاص، مجرد واحد طلب الدية وقال: لا أريد قصاصاً بل أريد دية، فالجميع ملزم أن يذهب معه إلى الدية. لذلك قلت لكم إنه إذا كان في ورثة المقتول مجنون وورث كبار، فإذا أحد الورثة الكبار قال: خلص، أنا لا أريد قصاصاً بل أريد دية، فلا داعي أن ينتظر الصغير أو المجنون حتى يصل للتكليف، مباشرة سنذهب إلى الدية؛ لأن أحد الذين لهم الأحقية لا يطالب بالقصاص ويطالب بالدية فقط.
لذلك قال: «فلا ينفرد به بعضهم»، القصاص لا ينفرد به البعض دون البعض في المطالبة به، إما القصاص أو الدية، مجرد واحد يتنازل عن القصاص الكل يذهب للدية، «فلا ينفرد به بعضهم»، ولا ينتظر قدوم الغائب وتكليف وغير المكلف. فبالتالي، ماذا ينبني على فكرة «لا ينفرد به بعضهم»؟ ينبني على هذه الفكرة أنه ليس لبعض ورثة المقتول أن يختاروا القصاص من عندهم ويطبقوه، بل يجب على جميع ورثة المقتول أن يتفقوا على القصاص.
فإذا كان بعض الورثة حاضراً وطالب بالقصاص وبعضهم غائباً لا يزال خارج أرض الوطن، فالقاضي ينتظر من هو غائب حتى يعود، ولا ينفرد من هو موجود باستيفاء القصاص. كذلك فكرة أنه إذا كان بعضهم مكلفاً وبعضهم غير مكلف، فالمكلف يجب أن ينتظر غير المكلف حتى يصبح مكلفاً مثله؛ لأنه ممكن هذا غير المكلف لما يكبر، أو المسجون لما يعقل إذا عقل يقول لك: أنا لا أريد قصاصاً. باختصار، بعض الورثة لا ينفردون بتطبيق القصاص، لابد أن جميع الورثة يتفقون عليه، وبمجرد أن يعفو شخص منهم انتهى الأمر.
وبناءً على هذا، إذا كان في أحد الورثة غائباً ننتظره حتى يأتي، وإذا كان أحدهم ليس مكلفاً ننتظره حتى يصبح مكلفاً، ومن مات من المستحقين فوارثه يقوم مقامه. فرضا هذا المقتول كما قلنا له مجموعة من الورثة، واحد منهم كان صغيراً وواحد كبيراً، عرفنا أن الصغير ننتظره حتى يبلغ، ونحن ننتظر هذا الصغير حتى يكبر، فإذا مات الوارث الكبير، فإن ورثته يقومون مقامه في المطالبة بالقصاص، وهنا ستتسع دائرة من له حق المطالبة.
تخيلوا معي أحبابي الكرام، وانظروا أيضاً كيف أن الإسلام وضع لقضية القصاص شروطاً عالية جداً. هذا المقتول فرضا له ابنان، ابن كبير عاقل وابن صغير ونحن ننتظر هذا الصغير حتى يكبر، فإذا مات هذا الابن الكبير، فإن ورثة هذا الابن الكبير سيرثون قصاص والدهم، فيصبحون جميعاً ورثة، وهؤلاء عليهم أن يتفقوا على أن يطالبوا بالقصاص؛ جميع ورثة الابن عليهم أن يتفقوا على المطالبة، وسننتظر هذا الصغير حتى يكبر ليطالب أيضاً هو بالقصاص، فإذا اتفق الجميع على المطالبة بالقصاص تم تطبيقه، وإذا أحد ورثة الابن الكبير قال: لا أريد قصاصاً بل أريد دية، سينتهي القصاص.
شوفوا كيف أن القصاص يطبق بشروط عالية جداً، «ومن مات من المستحقين فوارثه يقوم مقامه»، «وإن عفا بعضهم ولو زوجاً أو زوجة إذا عفا شخص واحد ولو كان الذي يعفو هو الزوج أو الزوجة سقط القصاص»، «أو أقر بعفو شريكه». هذه فكرة أريدكم أن تركزوا فيها، يقول: إذا أحد الورثة الذين يستحقون المطالبة بالقصاص أقر أن شريكه عفا سقط القصاص، ولو كان شريكه في المطالبة فعلاً لم يعفُ.
كيف يعني يا شيخ؟ الآن مقتول عنده ابنان، كل واحد منهما له الحق في المطالبة بالقصاص، إذا هذا الابن أقر أمام القضاء أنه ليس هو الذي عفا عن القصاص، بل قال أمام القاضي: أيها القاضي شقيقي عفا عن القصاص، أقر أن مشاركه في المطالبة بالقصاص -مثلاً أخوه- عفا، فذهبنا لهذا الأخ وقلنا له: تعال أنت عفوت عن القصاص؟ قال: لا والله ما عفوت، فباختصار طلع هذا الذي أقر أقر إقراراً غير صحيح، بغض النظر هل هو متعمد أم غير متعمد فهذا ليس مبحثنا، المهم ثبت أن إقراره على شريكه إقرار صحيح ومع ذلك سيسقط القصاص.
لماذا؟ قالوا لأنه هذا الابن ليس هو الذي قال: أنا أسقط قصاصي، بل أقر عند القاضي أن أخاه أسقط حقه في القصاص، فنقول بمجرد إقرارك أن أخاك أسقط حق القصاص، فهذا اعتراف منك بسقوط القصاص، وهذا إقرار منك؛ لأنك تعلم في الفقه الإسلامي أنه إذا أحد الورثة الذين يستحقون القصاص قال: لا أريد قصاصاً سقط القصاص، أليس كذلك؟ فإذا هذا الابن قال أمام القاضي إن أخي عفا عن القصاص، فمعناه ضمنياً أنت أيها المقر تقر بسقوط القصاص، فإذا أقررت بسقوط القصاص ولو كنت كاذباً على أخيك، أنت تقول إن أخاك أسقط حقه في القصاص، فأنت ضمنياً مقر بسقوط القصاص، فإذا كنت ضمنياً مقراً بسقوط القصاص انتهى الأمر ولو كان شقيقك لما رجعنا له وقال: لا أنا لم أسقط شيئاً، ففي الشيء الضمني وقع هو الذي أسقط القصاص.
أعيد الفكرة: مقتول له ابنان، هذا الابن قال أمام القاضي: شقيقي عفا عن حقه، ذهبنا إلى شقيقه وقلنا: أنت عفوت عن حقك؟ قال: لا ما عفوت، إذاً انطلاق هذا المقر هو إقرار كاذب، ومع ذلك سيسقط القصاص؛ لأن هذا الابن بمجرد ما أقر أمام القاضي أن شقيقه عفا، فبالتالي هذا ضمنياً إقرار منه بسقوط القصاص، لأنه يعلم أنه إذا شقيقه عفا فمعناه خلص لا يوجد قصاص، فأنت تعلم ذلك وأقررت، وحتى لو لم يعلموا، نحن نقرب الصورة، أنت تعلم ضمنياً أنه إذا شقيقك أسقط حقه فلن يكون هناك قصاص، فإذا أقررت أنه أسقط حقه فكأنك تقر ضمنياً بسقوط القصاص بالجملة فيسقط القصاص.
فيسقط القصاص، هذه هي الفكرة عند الحنابلة في هذه المسألة. الشرط الثالث والأخير قال: أن يؤمن في استيفائه تعديه إلى الغير. الآن ما الشرط الثالث حتى نستوفي القصاص ونأخذ حقنا من الجاني؟ لابد أن نأمن من وقوع التعدي أثناء الاستيفاء، نأمن من أن نتعدى على غير مذنب.
قالوا مثلا لو كانت الجانية امرأة حامل، الآن إذا قتلناها قصاصًا، نحن قتلنا جنينها فتعدينا على شخص بريء ليس له علاقة بالجريمة، فننتظرها حتى تضع حملها. وإذا كانت بعد ما وضعت حملها لا تجد مرضعة لطفلها، فبعض الأطفال لا يقبلون إلا بأمهاتهم، فإذا كان الطفل لم يقبل مرضعة إلا أمه فننتظر هذه الأم حتى ترضع هذا الطفل وتفطمه خلال الحولين، ثم بعد ذلك نطبق عليها القصاص؛ حتى لا يؤدي استيفاء القصاص إلى التعدي على شخص ليس له أي ذنب.
فإذا كان القصاص لحامل فإننا ننتظرها حتى تضع حملها وكذلك ترضع، وإن كان جنينها ليس له من يرضعه، فإلى أن ترضعه حولين. ولذلك قال: «فإن لزم القصاص حاملاً لم تقتل حتى تضع، ثم إن وجد من يرضعه وقتلت، وإن لم نجد من يرضعه فلا حتى ترضعه حولين».
ثم قال: «فصل، ويحرم استيفاء القصاص». هذا فصل ختامي في قضية القصاص من النفس، قالوا: «ويحرم استيفاء القصاص بلا حضرة سلطان أو نائبه». نائب السلطان، الآن لا يصير أولياء المقتول هم بأنفسهم يجيبوا القاتل ويقتلوا، هذه الأمور كلها عند القضاء الشرعي. ويحرم استيفاء القصاص بدون حضرة السلطان أو نائبه، فإذا استوفوا من دون حضرة السلطان أو نائبه يعزرون على ذلك عقوبة تعزيرية لزمن الافتيات على مقام السلطة، ولكنه يقع الموقع، يعني بقول لهم أنتم أخذتم حقكم ستعزرون على مخالفتكم، لكن يقع الموقع، خلص أخذوا حقهم بذلك.
إذا أولياء المقتول قتلوا الجاني وثبت أنه استوفى الشروط، كأن يكون القاتل مكلفًا ومعصومًا ومكافئًا، كون المقتول ليس وراء القاتل، فإذا وجدت هذه الشروط وأولياء المقتول هم بأنفسهم أخذوا حقهم، نقول وقع الموقع، أنتم أخذتم حقه ما لكم شيء آخر، لكنكم ستعزرون عن الافتيات على السلطان.
«ويحرم قتل الجاني بغير السيف»، إذا كان القتل وقطع طرفه بغير السكين، إذا كان الموضوع ليس جناية على كل شخص وإنما جناية على عضو من أعضائه لئلا يحيفوا، ولو كان القاتل قتل بغير هذه الوسيلة. يعني القاتل بغض النظر ما هي الطريقة التي استعملها في قتل المقتول البريء، سحره، سمه، ألقاه عند أسد، بأي طريقة قتله، لما نأتي نقتص منه نقتص منه بالسيف فقط.
حتى لو قتل بغير السيف، لو قتل بسم أو وضعه عند أسد، ولو كانت طريقة القتل التي استعملها بشعة؟ نعم، مذهب الحنابلة أن القصاص إنما يكون بالسيف؛ لأن مرادنا إزهاق الروح، وحصل هذا المراد من خلال القتل بالسيف، لأننا لو فعلنا به كما فعل هو في جريمته لا نأمن من أن يقع الحيف. ومن شروط استيفاء القصاص الأمن من التعدي، يعني هو يمكن يكون قتل بمثقل، فلما نأتي نقتص منه ممكن أن المثقل الذي سنقتص به يكون مؤذيًا أكثر من المثقل الذي هو استعمله في جريمته. فباختصار، مثلاً السم هو قتل بسم، ممكن نستعمل نحن سمًا في القصاص بس تكون الجرعة أكبر من الجرعة التي استعملها، باختصار نخشى من أن يقع الحيف في القصاص إذا استعملنا غير السيف. فمهما كانت طريقته التي قتل بها، عند الحنابلة لا يقتل إلا بالسيف.
وإذا كانت الجريمة ليست إزهاقًا وإنما قطع أو بتر لعضو من الأعضاء -وهي التي ستأتي معنا في الدرس القادم- فهنا عملية بتر، يعني هو قطع يد شخص ممكن يكون قطعها بحجر، ممكن يكون قطعها بطريقة من الطرق، لما نأتي نقتص لهذا الرجل ليده نقطع اليد بالسكين في القصاص، ولو كان ذاك كالذي جنى عليه لم يقطعها بالسكين وإنما قطعها بمثقل أو ما شابه ذلك. فإذا كان قتل للنفس فيكون بالسيف، وإذا كان قطع لطرف فإنما يكون بالسكين حتى لا يقع الحيف.
ثم قال: «وإن بطش ولي المقتول بالجاني، فظن أنه قتله فلم يكن، وداه أهله حتى برئ، فإن شاء الولي دفع دية فعله وقتله، وإلا تركه». ما معنى هذا الكلام؟ أولياء المقتول الذين يطالبون بالقصاص مسكوا القاتل في شارع من الشوارع أو في منزل من المنازل من دون ما يذهبوا إلى القاضي، ونزلوا فيه ضربًا وهذا يريدون أن يقتلوه، مسكوا القاتل ونزلوا فيه ضربًا وخبطًا حتى يقتلوه، المهم تركوا الرجل وهو منهنه على الأرض، وغادروا هذا المنزل أو هذا الشارع سريعًا، لكن في الواقع اكتشفنا أنه هذا الرجل لم يمت بعد، فأخذه أهله وداووه حتى برئ، ظن أولياء المقتول أنهم قتلوه فإذا به لم يمت.
طيب، أولياء المقتول وصلهم الخبر أن الرجل الذي أرادوا قتله قصاصًا لم يمت من ضربهم، هل لهم أن يعودوا ويطالبوا مرة أخرى بالقصاص؟ بعد ذلك الضرب الشديد الذي فعلوه، يقول الحنابلة: دفعوا الدية لهذا القاتل على ما فعلوه به مسبقًا، لهم أن يطالبوا بقتله مرة أخرى وإلا تركوها. نقول لهم: تعالوا ترى الرجل الذي أنتم ضربتموه في المنزل وحبستموه في الشارع ونَهنتوه قتل، طلع مات وعاش سبحان الله وأهله داووا أموره، تريدون الآن أن ترجعوا تطالبوا بالقصاص؟ يعني أن يقتل، عليكم أولًا أن تدفعوا الدية مقابل ما أحدثتموه، ممكن يكونوا قطعوا له يده أو قطعوا له رجلًا أو أحدثوا له جرحًا أو ما شابه ذلك من الجروح والقطوع التي سيأتي معها أجلياتها.
إذا هم فعلوا قطعًا أو بترًا أو جروحًا نقول إنهم يدفعون الدية مقابل ما أوقعوه عليه في الشارع أو في المنزل الذي حبسوه فيه، تدفعوا له الدية مقابل ذلك وتطالب القاضي بالقصاص منه والقاضي يقتص منه والدية تذهب إلى أهله، إذا فعلتم هكذا ما عندنا مشكلة، أما إذا لم تقبلوا دفع الدية له فهنا تتركوه وليس لكم المطالبة بالقصاص مرة أخرى. جميل، هذا هو التفصيل في هذه المسألة. إن شاء الله في المحاضرة القادمة، أنا كنت ناوي اليوم ندرس أيضًا شروط القصاص فيما دون النفس، لكن حتى لا أرهقكم أكثر من ذلك، هي المسألة ليست صعبة.
عرفنا نتكلم عنها، ثم إن شاء الله نذهب للديات.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أكرم الأكرمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل