دخولتسجيل الدخول

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، ندعو سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبائي الكرام في مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي، على مذهب الحنابلة -رضوان الله تعالى عليهم-. في المحاضرة السابقة أحبائي بدأنا في كتاب الجنايات، وعرفنا أن المراد بالجنايات هنا التعدي الواقع على البدن، سواء وقع على البدن بأكمله أو وقع على جزء من البدن بالأطراف والجروح كما سيأتي معنا، ويوجب قصاصاً أو مالاً. إذن كل تعدٍ واقع على البدن أوجب قصاصاً أو مالاً فهذا يسمى جناية في هذا الاصطلاح الفقهي.

ثم عرفنا الجناية الواقعة على النفس بالكامل وهي القتل، فقسمنا القتل إلى ثلاثة أنواع: قتل عمد، وقتل شبه عمد، وقتل خطأ. وسألنا: صورة القتل للعبد متى تتحقق؟ متى تتحقق شبه العمد؟ متى يتحقق الخطأ؟ وما الذي ينبني على كل واحد منها؟ فعرفنا أن القتل العمد يوجب قصاصاً أو دية أو عفواً، وأما شبه العمد والخطأ فإما الدية وإما العفو، مع تفريق أيضاً في بعض التفاصيل في الدية؛ في القتل العمد تكون على القاتل، وأما الدية في القتل شبه العمد والخطأ فتكون على عاقلة القاتل.

ثم أخذنا شروط القصاص في النفس؛ متى يحق لأولياء المقتول المطالبة بالقصاص؟ كان هناك أربع شروط أساسية، ثم انتقلنا إلى شروط استيفاء القصاص؛ أي بعد أن يثبت إمكانية المطالبة بسبب القصاص سنبحث عن إمكانية استيفائه، وهذه مرحلة ثانية، وعرفنا أن هناك ثلاثة شروط: تكليف المستحقين جميعاً، واتفاق المستحقين على الاستيفاء، وأن يؤمن في الاستيفاء من التعدي إلى الغير.

اليوم بإذن الله سنتكلم عن شروط القصاص في حال وقعت الجناية على ما دون النفس. والمراد بوقوع الجناية على ما دون النفس: وقوع الجناية على بتر طرف من الأطراف، أو عضو من الأعضاء، أو إحداث جرح من الجروح في بدن الإنسان.

ركزوا معي أحبابي الكرام، هكذا يقسم الفقهاء الجنايات؛ يقولون هناك جناية على النفس بالكامل ويقصدون بها القتل، وهناك جناية على ما دون النفس. وما هو أقل من القتل؟ الجناية على ما دون النفس يقسمونها إما بتر أعضاء وأطراف، أو إحداث جرح من الجروح في بدن الإنسان. فلو أنني قسمت لكم الجناية سريعاً، أقول: الجناية على النفس بالكامل ويقصدون به القتل، والجناية على ما دون النفس إنما هي أقل من القتل، أي لم تصل الجناية لحد القتل، وهذا يشمل بتر الأعضاء والأطراف، ويشمل إحداث الجروح.

في المحاضرة السابقة نحن كنا نتحدث عن هذا القسم؛ الجناية عندما تقع على النفس بالكامل فتكلمنا عن القتل بأنواعه، وإذا كان عمداً فمتى يحق المطالبة بالقصاص وما هي شروط استيفاء القصاص؟ اليوم سنتكلم عما دون النفس في حال وقعت جناية على ما دون النفس، على بتر طرف من الأطراف أو إحداث جرح من الجروح، فسنقسم هذه الجناية أيضاً.

الجناية على ما دون النفس ستنقسم أيضاً إلى عمد، وشبه عمد، وخطأ، فإنها تنقسم نفس التقسيم؛ الجناية على ما دون النفس إما أن تكون متعمدة، يعني هو تعمد وقصد بتر العضو أو إحداث الجرح، أو تكون شبه عمد وفلسفته أنه تعمد الاعتداء على المجني عليه لكن لم يكن هناك تعمد لبتر العضو أو إحداث الجرح، فوقع البتر أو الجرح تبعاً، وأما الخطأ فهو لم يتقصد أصلاً الفعل، أو تقصده لكن لم يتقصد هذا الشخص.

على ما قسمناه في المجلس السابق فيما يتعلق بالاعتداء على النفس بالكامل، فهنا نفس التقسيم سيأتي معنا؛ هناك اعتداء على ما دون النفس عمداً، إذاً تقصد إحداث البتر أو إحداث الجرح، وهذا يكون أيضاً باعتبار الآلة التي استعملها. الحال الثاني يكون شبه عمد في حال تقصد الاعتداء على الشخص لكن لم يتقصد البتر أو إحداث الجرح، فوقع البتر أو الجرح تبعاً، أو خطأ، وهذا في حالة كما قلنا أنه لم يقصد أصلاً الشخص، أو قصد هذا الشخص لكن ظنه ممن يحق له أن يبتر عضوه أو أن يحدث جرحاً فيه، فبان بخلاف ذلك، على نفس التقاسيم التي مرت معنا في المحاضرة السابقة.

فالآن إذا كان عندنا اعتداء على ما دون النفس عمداً، فإنه سيتحقق القصاص أو الدية أو العفو، نفس الفكرة. متى يحق المطالبة بالقصاص في حالة وقوع الاعتداء على ما دون النفس؟ هذا هو موضوع الفصل الذي معنا.

قال الشيخ مرعي: «باب شروط القصاص فيما دون النفس». فيما دون النفس مباشرة، بتر أعضاء أو إحداث جروح، متى يستطيع المجني عليه -والمجني عليه الآن هو الحمد لله ما مات، فهو الذي سيطالب الآن، لو كان مات كان ذهبنا للحالة الأولى التي هي الجناية على النفس بالكامل- متى يحق له أن يطالب بالقصاص؟ هذه الفكرة باختصار.

فقال الشيخ: نبدأ أولاً بوضع جملة عامة، فقال: «من أخذ بغيره في نفسي أخذ به فيما دونها، ومن لا، فلا». ما معنى هذه العبارة؟ يقصد كل شخص تصح القصاص منه في حال كون الجناية على النفس بالكامل، فإنه يصح القصاص منه في حال كون جنايته على ما دون النفس، والعكس بالعكس؛ كل شخص لا يصح الاقتصاص منه في حال كون جنايته على النفس بالكامل، لا يصح الاقتصاص منه في حال كون جنايته على ما دون النفس.

وكأن الشيخ مرعي يعيدنا إلى الشرط الثالث والرابع من شروط القصاص في النفس؛ الشرط الثالث والرابع من شروط القصاص في النفس قلنا لابد من وجود المكافأة بين القاتل والمقتول، وعرفنا ما معنى المكافأة: ألا يكون القاتل أفضل من المقتول في الإسلام أو الحرية، والشرط الرابع كان ألا يكون المقتول ولداً للقاتل، سواء ولد مباشر أو من أحفاده، صحيح. فبالتالي ذكرنا في المحاضرة السابقة أن إذا كان القاتل مسلماً والمقتول كافراً فلا يصح القصاص في هذه الحالة.

القاتل وهو المسلم لا يصح القصاص منه إذا كان المقتول كافراً؛ لأن القاتل أفضل من المقتول في الإسلام. وإذا كان القاتل حراً والمقتول عبداً لا يصح القصاص من الحر في مقابل العبد؛ لأنه القاتل أعلى من المقتول.

بالتالي، إذا لم يصح القصاص من المسلم إذا قتل كافراً في حالة الجناية على النفس بالكامل، فكذلك لا يقتص من المسلم للكافر في حال كون الجناية على ما دون النفس. فلو أن مسلماً قطع يد كافر فإنه لا يقتص من المسلم؛ للقاعدة التي ذكرها، أنه لو كانت الجناية على كل النفس لا يقتص من المسلم للكافر، فكذلك لو كانت الجناية على ما دون النفس. ولو أن حراً قطع يد عبد أو رجله أو أحدث به جرحاً لا يقتص منه؛ لأن الحر لا يقتص منه في حال كون جنايته على النفس بالكامل، فلا يقتص منه في حال كون جنايته على ما دون النفس.

كذلك الشرط الرابع، وهو من شروط القصاص في النفس أن لا يكون المقتول من أولاد القاتل. فإذا كان المقتول من أولاد القاتل ولو ولد غير مباشر فإنه لا يمكن تطبيق القصاص. فإذا كان القاتل مثلاً هو والد المقتول، هل يقتص منه؟ لا يقتص منه. فكذلك في حال كون الجناية على ما دون النفس؛ لو كان المجني عليه هو الذي بتر عضوه، والجاني الذي بتر العضو هو والد المجني عليه، فإذا قطع الأب يد ابنه أو جرح ابنه جرحاً هل يقتص من الأب؟ لا يقتص منه؛ لأن الأب لا يقتص منه في حال كون الجناية على النفس بالكامل، فلا يقتص منه في حال كون جنايته على ما دون النفس ببتر أعضاء أو إحداث جروح.

فقوله: «إذا من أخذ بغيره في النفس أخذ به فيما دونها، ومن لا فلا»، اكتبوا عندكم، هو يريد أن يقرر الشرط الثالث والرابع من شروط القصاص في النفس، يريد أن ينقلها هنا أيضاً. فيريد أن يقول لك باختصار: حتى نطبق القصاص فيما دون النفس يجب أولاً وجود مكافأة بين الجاني والمجني عليه، بألا يكون الجاني أفضل من المجني عليه في الإسلام أو الحرية، نفس الكلام ولكن نحولها لجاني ومجني عليه بدل قاتل ومقتول؛ لأن هنا ما في قتل، هنا في جناية ومجني عليه.

«إذا من أخذ بغيره في النفس أخذ به فيما دونها ومن لا فلا»، اكتب. يريد الشيخ مرعي أن يقرر اشتراط المكافأة بين الجاني والمجني عليه، فلا يطبق القصاص في حال كون الجاني أفضل من المجني عليه في الإسلام أو الحرية. ثانياً، يريد أن يقرر أنه لا يطبق القصاص في حال كون الجاني والداً مباشراً أو غير مباشر للمجني عليه. فحتى يطبق القصاص يجب أن يكون المجني عليه، بعبارة معاكسة، ليس من أولاد الجاني.

وأنا كنت أتمنى لو هو ذكرها ضمن الشروط، هو قال بعد ذلك: «وشروطه أربعة»، لو جعلها «شروطه ستة» بدل ما يقول «شروطه أربعة» وذكر منها اشتراط «ألا يكون المجني عليه ولداً من أولاد الجاني»، لكان خلص الأمور وترتبت أكثر. هو وضع قاعدة عامة: «من أخذ بغيره في النفس أخذ به فيما دونها، ومن لا فلا»، وهذه القاعدة العامة في الحقيقة تتحدث عن شرطين: أول شرط اشتراط المكافأة بين الجاني والمجني عليه بألا يكون الجاني أفضل من المجني عليه في الإسلام والحرية، وثانياً تتحدث عن اشتراط أن لا يكون المجني عليه ولداً من أولاد الجاني. فلو أنه جعلها شرطين ثم أكمل الشروط الأربعة كانت أصبحت الشروط ستة وانتهينا.

فلو أنكم أردتم بدل هذه القاعدة العامة «من أخذ بغيره في النفس أخذ به فيما دونه، ومن لا فلا»، لو أردتم أن تحولوها لشروط بصياغة أخرى، وتقولون بعد ذلك إن شروط المطالبة بالقصاص فيما دون النفس مثلاً ستة، فلا حرج في ذلك؛ فتستطيعون القول مثلاً: وضعنا أربعة، وأضفنا الخامس: المكافأة في الإسلام والحرية، والسادس: ألا يكون المجني عليه ولداً من أولاد الجاني، هكذا يتم الكلام.

فهذا الشرط الخامس والثالث هو مفهوم ما ذكره من «من أخذ بغيره في النفس أخذ به فيما دونها، ومن لا فلا». لابد من المكافأة بين الجاني والمجني عليه في الإسلام والحرية، بأن لا يكون الجاني أفضل من المجني عليه في إسلامه وفي حريته، وسادساً ألا يكون المجني عليه ولداً من أولاد الجاني، وانتهت القضية.

بعد ذلك نرجع للشروط الأربعة التي ذكرها، فقال: «وشروطه أربعة حتى يحق المطالبة بالقصاص». أولاً: لابد أن يكون الاعتداء الواقع على طرف من الأطراف أو أحد الجروح من الجروح عمداً عدواناً. فإذا كان شبه عمد أو خطأ فلا قصاص، وإنما عفو؛ لابد إذاً أن يكون عمداً عدواناً، وهو قضية العمدية، وبينت لكم ما معنى العمدية: أن يكون الجاني متقصداً لبتر العضو أو متقصداً لإحداث الجرح، وهذا القصد إنما نعرفه من خلال الآلة والوسيلة التي استعملها في عملية الاعتداء. فإذا كان الاعتداء غير عمد عدوان فلا قصاص، وإنما في غيره من شبه عمد أو خطأ.

ثانياً: إمكان الاستيفاء بلا حيف. الشرط الثاني من شروط المطالبة بالقصاص فيما دون النفس هو إمكانية الاستيفاء، استيفاء القصاص من دون أن يقع حيف وأضرار بالجاني. لابد من إمكانية استيفاء القصاص من الجاني من دون أن نحيف عليه ونجور عليه ونسبب له ضرراً أكبر من الضرر الذي سببه هو للمجني عليه، فلابد إذاً من أن تتحقق هذه الإمكانية بأن يكون الاستيفاء بلا حيف وجور على الجاني.

وهذا سينقسم بالتالي بحسب طبيعة جنايته. إذا كان الاستيفاء بلا حيف، ما هو ضابطه؟ وضع الحنابلة له ضابطاً؛ إذا كان الاعتداء وقع على الأطراف، بأن بتر الجاني طرفاً من الأطراف للمجني عليه كيدٍ أو رجلٍ أو عضودٍ أو أنفٍ أو عينٍ، قالوا: إن كان الاستيفاء بلا حيف في حال وقوع الجناية على طرف من الأطراف، ضابطه بأن يكون القطع من مفصل، أو ينتهي إلى حد الأنف، وهو ما لا لائم منه.

بالنسبة للأطراف لها ضابط خاص فيها؛ قالوا: إمكانية الاستيفاء بلا حيف بالنسبة للأطراف تتحقق إذا كان الجاني لما قطع العضو من المجني عليه، قطعه من جهة المفصل، يعني الجاني قطع يد المجني عليه من جهة المفصل، أو قطعها من جهة المرفق، أو قطعها من جهة منطقة اتصال العضد بالكتف من هذه المنطقة. أو مثلاً إذا كان بالنسبة للقدم، قطعها من عند الكعبين أو من عند الركبة أو من عند الورك. تمام؟ بالضبط.

إذا قطع الجاني العضو من المفصل، هنا يمكن تطبيق القصاص على الجاني؛ لأنه يمكن استيفاء القصاص منه من دون حيف. فيأتي السياف من عند القاضي، فيضع السيف أو السكين -وكما قلنا القصاص في الأطراف يكون بالسكاكين- فيضع السكين على نفس المفصل الذي اعتدى عليه الجاني فيقطعه منه.

إذًا هذا هو الضابط الأول: أن يكون الجاني قطع العضو من المجني عليه من جهة مفصل من المفاصل. احترزوا به عن ماذا؟ احترزوا لو أن الجاني لم يقطع العضو من المفاصل بل من المنتصف. لو أن الجاني، أحبابي الكرام، لم يقطع اليد من هنا، بل قطعها من المنتصف، ليس من عند مفصل من المفاصل البارزة، أو مثلاً قطع الساعد أو العضد من منتصفه، هنا لا يمكن تطبيق القصاص عليه؛ لأنه لم يقطع من جهة مفصل من المفاصل، بل قطع من منتصف الساعد أو منتصف العضد أو منتصف اليد أو ممكن منتصف الساق أو منتصف الفخذ.

فلما وقعت الجناية منه ليس من جهة المفاصل وإنما من منتصفها، قالوا لا يمكن الاستيفاء منه بلا حيف في العادة. ليه؟ لأنه السياف مثلاً لما يريد أن يأتي على الجاني، سيقول للجاني: تعال أيها الجاني، أنت من أين قطعت يد هذا الشخص المسكين المجني عليه؟ سيقول المجني عليه: والله أنا قطعت من هنا. عاد، هل سيجيب القاضي مسطرة ويقيس كم أخذ الجاني من يد المجني عليه؟ وبعدين يقول: ضع سيفك أو سكينتك في هذه المنطقة، واحز من عندها، ودير بالك حتى لا ترجع سنتيمترًا فوق حتى لا نظلم الرجال ونأخذ منه أكثر. ليس من السهل أن تحافظ في عملية الحز على نفس المستوى الذي تمت به الجناية. فقالوا لا يمكن الاستيفاء بلا حيف في حال وقعت الجناية من منتصف الساعد أو منتصف العضد أو منتصف الساق، فلا بد أن تكون الجناية وقطع الأطراف كان من المفاصل حتى نستطيع أن نستوفي منه بلا حيف.

أو إذا لم يكن القطع من المفصل، فيجب أن يكون القطع انتهى إلى حد. لذلك قال بأن يكون القطع من مفصل، أو يكون القطع ينتهي إلى حد، ومثل بقضية ينتهي إلى حد "مارن الأنف". مارن الأنف، أحبابي، هي هذه المنطقة المرنة في الأنف؛ هذه المنطقة المرنة التي تتحرك معك يمينًا وشمالًا. أما المنطقة اليابسة في الأعلى فتسمى القصبة، هذه المنطقة العلوية يسمونها قصبة، وما أسفل منها، المنطقة المتحركة المرنة، تسمى مارن الأنف.

لو أن الجاني قطع المارن، لو أنكم وضعتم أيديكم على أنفكم، فإن القطع فيه ينتهي إلى حد، وهو العظمة التي خلفه بالضبط، العظمة التي تتصل بالقصبة. ولاحظوا أن هناك عظمتين يمينًا وشمالًا، المارن لو قطع بالكامل فإنه سينتهي إلى هذه العظمة. فهذه أيضًا يمكن الاقتصاص منها لأنه يمكن ضبط الموضوع من دون أن يقع حيف. فإذا قطع الجاني المارن من المجني عليه، نأتي بالسياف ونقول له اقطع مارنه، وهنا السكين ستستطيع أن تقطع من دون أن تحدث أي حيف أو ضرر زائد، لأن القطع ينتهي إلى حد وهي العظمة التي خلفه بالضبط أو متصلة به.

بإيجاز، خلونا نحفظ الضابط العام: إذا كانت القضية بتر أطراف، فإذا كان البتر وقع من مفصل من المفاصل، أو بتر عضواً وانتهى إلى حد واضح يمكن الوصول إليه، في هذه الحالة يمكن تطبيق القصاص. أما إذا بتر عضواً من منتصفه وليس من جهة المفاصل ولم يصل إلى حد، ففي هذه الحالة لا يمكن تطبيق القصاص عليه. لذلك انظروا ماذا قال بعد ذلك؟ قال: «فلا قصاص في جائفة».

الجائفة، أحبابي الكرام، هي في الحقيقة الأصل أن تُذكر مع الجروح؛ لأن الجائفة هي الجرح الذي يصل إلى جوف الإنسان. الجاني يأتي بسكينة ويضعها في بطن المجني عليه، والبطن والأمعاء والمعدة والحلق، هذه كلها يسمونها جوفًا. منطقة الحلق ومنطقة البطن والمعدة وما تحتها، هذه المنطقة كلها تسمى جوفًا. فلو أن الجاني وضع السكين فيها، السكين في الحقيقة تدخل في اللحم، هو اخترق لحمًا ولم يصل إلى عظم أصلاً. فهذه الجروح التي هي باختصار إدخال سكين في البطن أو المعدة أو الحلق بحيث تصل السكين إلى الجوف تسمى جائفة.

إذًا الجائفة هم يعرفون أنها الجرح الذي يصل إلى جوف الإنسان، وهي كما قلت لكم بصورة مبسطة أن يأتي بسكين أو آلة حادة فيغرسها في منطقة من المناطق التي تنفذ إلى جوفك. هذه لا يمكن تطبيق القصاص فيها؛ لأنه هذه السكينة ستدخل مثلاً إلى حد معين، دخلت في جسمك لعشرين سنتيمترًا، طب لو أردت أن أطبق القصاص على الجاني، يجب أن أتأكد أن السكين لما ندخلها في القصاص لا يزيد دخولها عن عشرين سنتيمترًا، وهذا صعب في العادة؛ فنهاية السكين حين تدخل في البطن يصعب التحكم بها، فهناك احتمال كبير جدًا أن يحدث حيف وتدخل السكين أكثر في حال القصاص. فالجائفة لا يمكن تطبيق القصاص فيها لأننا لا نأمن من عدم الاستيفاء، وهذه في الحقيقة سنعيدها عندما نتكلم عن قضية الضابط في الجروح.

فلننتقل للنقطة التالية، قال: «ولا في قطع القصبة». المراد بالقصبة قصبة الأنف. وقصبة الأنف، أحبابي الكرام، لو أنها قطعت، فإن هذه القصبة التي هي المنطقة العلوية، فإن القطع فيها ليس قطعًا من جهة مفصل من المفاصل. يعني شخص قطع القصبة، لا يوجد مفصل من المفاصل مرتبط بهذه القصبة حتى يتم القطع من عنده، والقطع فيها لا ينتهي إلى حد. فلو أننا أردنا أن نقتص من الجاني فنقطع منه القصبة، فإننا لا نأمن من أن يحدث حيف ويتجاوز القطع إلى ما بعدها.

شوفوا أحبابي الكرام، بالنسبة لهذه المفاصل فهي واضحة؛ هذه المفاصل مربط اليد مع الساعد، ومربط الساعد مع العضد، ومربط العضد. المفاصل فيها واضحة، لكن بالنسبة لقصبة الأنف، لو أنها قطعت لا يوجد مفصل واضح، أقول أقل شيء، لا أعرف إذا كانت هناك مفاصل داخلية، ربما الأطباء أدق مني، لكن أنا أقصد أنه لا يوجد مفصل واضح، هذه القصبة مرتبطة...

بحيث والله يتم قطع القصبة من المفصل صعب، فلذلك اعتبر الحنابلة قطع القصبة قطع لطرف من الأطراف وليس قطعاً من مفصل ولا ينتهي إلى حد؛ فبالتالي لا يتم تطبيق القصاص فيه ومباشرة نذهب إلى الدية. كذلك قال أو قطع بعض ساعد، لو قطعت بعض الساعد أي من منتصفها أو من هنا أو من هنا وليس من جهة المفاصل، أو بعض عضد أو بعض ساق أو بعض ورك لم تقطع من جهة المفاصل بل من منتصفها أو أعلى قليلاً أو أقل قليلاً، عرفنا أن هذا لا ينتهي ليس قطعاً من المفصل ولا ينتهي إلى حد، فبالتالي لا يمكن تطبيق القصاص فيه.

خلوني أنتقل قبل ما أدرك الجملة الأخيرة لموضوع القصاص في الجروح، متى يمكن الاستيفاء بلا حيف في الجروح؟ قضية الاستيفاء بلا حيف في الجروح هو في الحقيقة ذكرها ليس في هذا الباب، ذكرها في الفصل التالي بصورة مستقلة. قال: «ويشترط لجواز القصاص في الجروح انتهاؤها إلى عظم؛ كجرح العضد والساعد والفخذ والساق والقدم، وكالموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة».

أنا كنت أتمنى أنه ذكره هنا، يعني ما يظهر لي أنه ينبغي أن تذكر في فصل مستقل، هي الفكرة أنه هذا ضابط إمكانية الاستيفاء بلا حيف في الجروح. فنقول الجروح حتى يمكن تطبيق القصاص فيها نفس الشيء، لا بد من إمكان الاستيفاء بلا حيف. هو الضابط قالوا الضابط أن يصل الجرح إلى عظم. الآن الجاني أدخل السكين أو الآلة الحادة في المجني عليه ليجرحه، الآن هل نقول هل وصلت السكين في جرحها إلى عظم ولا لم تصل؟ إذا وصلت السكين بجرحها الذي أحدثته إلى العظم، نعم هنا يمكن تطبيق القصاص؛ لأنه هنا ضابط واضح يمكن الوصول إليه أثناء القصاص.

لكن إذا السكين أحدثت جرحاً لكنها لم تصل إلى عظم، فإنه لا يمكن تطبيق القصاص لعدم إمكانية الاستيفاء بلا حيف. خلوني أرسم لكم الفكرة، إذا هذا هو المجني عليه وهذا بطنه، نرجع لقضية الجائفة، جاء الجاني وضع سكين في بطنه، الآن هذه السكين عم تدخل تحذف جرحاً في البطن، لكن شو ما دخلت هي لا تصل إلى عظم، لا ترتطم بعظم، بالتالي لا يمكن تطبيق القصاص في جرح الجائفة كما قلت لكم قبل قليل أنه هذا الجرح لا يصل إلى عظم. فإذا أردنا أن نقتص من الجاني فإننا لا نضمن ألا يحدث حيف، لا نضمن ألا يحدث حيف؛ لأن إدخال السكين على نفس المستوى الذي هو أدخلها في المجني عليه أن نضبط القضية بالتمام أمر صعب ومتعذر جداً.

أما إذا الجرح وصل إلى عظم، وهذا يكون في الأعضاء التي فيها لحم مباشرة بعديها عظم، ليس جوفاً كما قال لك جرح العضد مثلاً، الجاني أدخل السكين في العضد حتى وصلت إلى العظم، هنا انضبطت السكين دخلت حتى وصلت إلى العظم، فهنا يمكن تطبيق القصاص بأن ندخل السكين في عضد الجاني حتى نوصلها إلى العظم. الحد واضح، كذلك مثلاً الساعد، أدخل السكين فأحدث جرحاً ووصل إلى عظم الساعد، عظمة الساعد واضحة يمكن الوصول إليها أثناء القصاص بسهولة، وكذلك عظمة الفخذ وعظمة الساق والقدم متى وصلت السكين إليها يمكن تطبيق القصاص.

وكذلك الموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة، هذه الأربعة أحبابي الكرام هي جروح يتم إحداثها في الرأس والوجه، وسنأتي إلى تعريفها بالتفصيل إن شاء الله. الموضحة التي توضح العظم، والهاشمة التي توضح مع تهشيم في العظم، والمنقلة التي توضح وتهشم وتنقل، والمأمومة وسيأتي معنا تعريفها بالكامل. لكن فقدني كمصطلح عام أن هذه الأربعة: الموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة، اكتبوا هذه كلها جراحات تحدث في الوجه والرأس وتصل إلى العظم، وكلها جراحات في الرأس والوجه خصوصاً وليس في البدن، وتصل إلى العظم، فبالتالي وُجد فيها الضابط.

إذًا الضابط العام في الجروح: كل جرح تم إحداثه في المجني عليه ووصل إلى العظم يمكن تطبيق القصاص فيه لتحقيق إمكانية الاستيفاء بلا حيف، أما إذا الجرح لم يصل إلى العظم لا يمكن تطبيق القصاص لعدم إمكانية الاستيفاء بلا حيف، وسنتعرف على موضوع الدية أو الحكومة إن شاء الله.

الآن أعود إلى الصفحة السابقة، باب شروط القصاص في مندن النفس، أعلق على الجملة الأخيرة التي ذكرت في الشرط الثاني: «فإن خالف فاقتص بقدر حقه ولم يزد عليه لم تقع سرايا»، وتبين معناها: وقع الموقع ولم يلزمه شيء. ما معنى هذا الكلام؟ الآن المجني عليه راح عند القاضي وقال: يا قاضي ترى هذا الرجل قطع ساعدي من المنتصف أو قطع عضدي من المنتصف وأنا أريد القصاص، فالقاضي ماذا قال له؟ قال له صعب، لا يوجد قصاص لك في الشريعة. ليش يا قاضي؟ قال الشرط الثاني من شروط القصاص إمكانية الاستيفاء بلا حيف، وبالنسبة للأطراف حتى يمكن الاستيفاء بلا حيف لابد أن يكون القطع من جهة المفاصل، وهو لم يقطعك من جهة المفاصل بل قطعك من منتصف ساعدك، فلا يجوز تطبيق القصاص ولك الحق في الدية.

المجني عليه لم يقتنع وبقي نفسه وغضبه ثائراً يريد أن يأخذ حقه من الجاني، فتربص له في طريق من الطرق أو في منزل من المنازل ومسكه، وقام المجني عليه ببتر ساعد الجاني من المنتصف، هنا الجاني ذهب إلى القاضي وقال: أيها القاضي هذا المجني عليه مسكني في شارع من شوارع المدينة وقطع يدي أو قطع الساعد من المنتصف وقال لي هذا مقابل ما فعلت بي. فهنا القاضي يأتي بمخمنين وخبراء يقولون: انظروا أيها الخبراء والمخمنون، هل القطع الذي أحدثه المجني عليه في الجاني مساوٍ للقطع الذي أحدثه الجاني في المجني عليه؟ يعني الجناية لما تم قطع الساعد، الجناية التي أحدثها الجاني أنه قطع من الساعد مثلاً عشرين سنتيمتراً من جهة الكف، فيأتي الخبراء فينظرون المجني عليه لما أخذ حقه هل قطع نفس المسافة أيضاً من يد الجاني؟ عشرين سنتيمتراً؟ واللي قطع أكثر منها، إذا قطع أكثر منها هنا سيحدث إشكال في الضمان، لأن المجني عليه ليس له أن يأخذ أكثر مما أحدث فيه، الجاني كان قطع منه عشرين سنتيمتراً، المجني عليه يقطع عشرين سنتيمتراً، إذا قطع أكثر من هيك هنا سيحدث إشكال.

أي الأمر الثاني الذي سيتأكد منه القاضي، أن الجناية أو مشغول الجناية؛ أن المجني عليه لما أخذ حقه بيده وقطع يدًا أو ساعد الجاني، لم تحدث سرايا في هذا القطع. ما معنى السرايا؟ والسرايا ستتكرر معنا كثيرًا في الجنايات.

السرايا -أحبابي الكرام- أن الجناية أو بالقصاص بغض النظر، المكان الذي حدث فيه القطع أو الجرح ينتقل الضرر منه إلى كامل العضو، بل أحيانًا ينتقل الضرر منه إلى كامل البدن ويتلف، هذه اسمها سرايا. السرايا هي أن الضرر الذي وقع في منطقة البتر أو منطقة الجرح يسري إلى كامل العضو أو إلى كامل البدن أحيانًا. فيمكن أن أقطع يد شخص من هنا لكن الضرر لا يتوقف عند هنا بسبب القطع، كل اليد تنشل، ويمكن كل الجانب الأيمن ينشل، ممكن كل الجسم يشل، ممكن يموت؛ فعملية انتقال الضرر من مكان البتر أو الجرح إلى سائر العضو أو إلى مناطق أخرى في الجسد، بل إحداث ما يمكن أن يسبب موتًا في الجسد، هذه اسمها سرايا الجناية.

والسرايا قد تكون في الجناية وقد تكون في القصاص، وسنعرف إن شاء الله ما حكم السرايا إذا وقعت في الجناية، والسرايا إذا وقعت في القصاص بعد قليل بإذن الله تعالى. لكن المهم نرجع لصاحبنا؛ القاضي أتى بالخبراء وقال لهم: انظروا أولًا هل القطع تم بنفس المقدار بالضبط؟ ثانيًا: هل وقعت سرايا في الجاني أم لا؟

المجني عليه ماشي، قطع نفس المسافة نفس المقدار، لكن هل الضرر سرى في الجاني؟ توقف عند القطع؟ سرى الضرر إلى كامل يد الجاني أو الجاني انشل بالكامل أو الجاني ممكن بسبب هذا القطع... فإذا وقعت سرايا أيضًا هنا المجني عليه سيضمن ما أحدث، وليس المجني عليه أن يقول يا جماعة أنا أخذت حقي، بنقول لهم حقك لا يؤخذ بهذه الطريقة. أولًا أنت افتقيت على السلطان لما طبقت القصاص وحدك، والسلطان أصلاً قال لك ما لك قصاص، في الشريعة لا يوجد لك قصاص في هذه الحالة وإنما لك الدية، فأنت ذهابك وأخذك القصاص وحتى كذبك حد ذاته عليها تعزير عند السلطان، بس هذا التعزير خليه جنب.

أنت الآن قطعت يد الجاني، في طريق من الطرقات، أول شيء نظرنا في المقدار، ماشي، المقدار الذي قطعته من يد الجاني هو نفس المقدار الذي تم الاعتداء به عليك. ثانيًا بدنا نتأكد أنه ما صار هناك سرايا في الجاني، لأنه أنت لما قطعت يدك من الساعد أيها المجني عليه لم تحدث لك سرايا، فبدنا نتأكد برضه أن الجاني لم تحدث عليه سرايا؛ فإذا كان القطع بنفس المقدار ولم تحدث سرايا للضرر في الجاني فهنا خلص، يقولون وقع الموقع، يعني المجني عليه أخذ حقه.

إذا كان القطع بنفس المقدار ولم تحدث سرايا -أي لم ينتقل الضرر بالجاني- فهنا نقول للمجني عليه: أنت الآن خلاص أخذت حقك، ما لك دية، طبعًا أنت أخذتها، خلص اقتصيت بطريقة غير مشروعة والقصاص مش حقك بس أنت اقتصيت في النهاية، وبما أنه وجد الشرطان أنه القصاص بنفس المقدار ولم تحدث سرايا فلا يلزمك أي شيء، لن نلزمك لا بدية ولا بأي تعويض. لكن لو أنه كان القطع أكبر من المقدار أو حدثت سرايا في الجاني، لأ هنا المجني عليه سيضمن، سيضمن ما حدث نتيجة فعله.

لذلك قال: «وإن خالف أيٌّ عليه فاقتص بقدر حقه بالضبط ولم تحدث سرايا في الجاني هنا وقع الموقع»، يعني أخذ حقه خلاص ولم يلزمه شيء، لأنه كما قلنا قطع بنفس المقدار ولم تحدث سرايا. لكن لو قطع أكثر من المقدار أو حدثت سرايا لأ هنا سيدخل موضوع الدية، ولكن هذه فيها تفصيل طويل ليس هذا موطنه.

ثم ننتقل للشرط الثالث؛ إذا عرفنا الشرط الأول والشرط الثاني: الشرط الأول وجود العمد العدوان، والشرط الثاني أن يكون الاستيفاء بلا حيف، وعرفنا ضابط الاستيفاء بلا حيف في الأطراف وفي الجروح. ننتقل للشرط الثالث: وجود المساواة، وجود المساواة بين العضو المجني عليه والعضو الذي سيقتص منه. هكذا نقول المساواة بين العضو المجني عليه والعضو الذي سيقتص منه.

المساواة بأيش يا شيخ؟ المساواة في الاسم والمساواة في الموضع. فإذا كان العضو الذي تم بتره هو اليد، يعني المجني عليه هو اليد، ما يصير يكون القصاص في الرجل؛ لأن فرضًا سأقرب الصورة قدر الإمكان، هناك عضو مجني عليه وعضو سيقتص منه، لازم العضو المجني عليه والذي سيقتص منه يكون لهما نفس الاسم. فإذا كان العضو المجني عليه يدًا، الذي يقتص منه بده يكون يدًا، ما يصير يكون رجلًا. إذا كان العضو المعتدى عليه الإبهام من اليد، العضو الذي سيقتص منه هو الإبهام من اليد، ما ينفع من الخنصر ولا من البنصر، لازم الاسم يكون واحدًا في المجني عليه وفي المقتص منه. العضو المجني عليه ما اسمه يد، إذا العضو المقتص منه يجب أن يكون يدًا، هنا كان مثلاً إبهامًا، إذا المقتص منه يكون إبهامًا. هنا مثلاً كانت الثنايا من الأسنان، بالتالي المقتص منه يكون الثنايا من الأسنان، ما بتكون الثنايا راحت لأ نشيل مكانها أضراس من الداخل، ما ينفع، فلابد أن يكون اسم العضو المجني عليه هو نفس اسم العضو الذي سيقتص منه، إذن لابد من المساواة في الاسم.

ثانيًا لابد من المساواة أيضًا في ماذا؟ لابد من المساواة في الموضع، فنأخذ موضع العضو المجني عليه يجب أن يكون هو نفس موضع العضو الذي سيقتص منه. وهذه قضية الموضع إنما تتعلق بالأعضاء التي منها يمين وشمال وفوق وتحت. قضية الموضع هذا القيد يحتاج إليه في الأعضاء التي لها يمين وشمال وفوق وتحت، ما معنى هذا الكلام؟ يعني إذا كان العضو المجني عليه هو اليد اليمين، العضو الذي سيقتص منه بده يكون اليد اليمين، نفس الموضع. إذا كانت اليد الشمال، العضو الذي سيقتص منه يجب أن يكون اليد الشمال. فما ينفع والله هو قطع اليد اليمين خلص إذًا بنقطع منه اليد الشمال، وما ينفع.

طيب يا شيخ ما هي يد وهذه يد يعني مش فرق، خلص اتحد الاسم. بقول صح اتحد الاسم أنه يد ويد، بس اختلف الموضع ولا يجوز اختلاف الموضع، فيجب الاتحاد في الاسم والاتحاد في الموضع. فما يكفي والله أن المجني عليه يد خلص بنأخذ أي يد من المقتص منه، لا، اليد بدنا نشوف إيش موضعها، يمين بنأخذ يد يمين.

إذا جاءت شمال نأخذ شمال، إذا ساق مثلاً الساق اليمين ولا الساق الشمال؟ إذا ساق يمين نأخذ ساق يمين، إذا ساق شمال نأخذ ساق شمال.

بالنسبة لما هو أعلى وأسفل، مثلاً إذا الجاني أخذ الشفة العليا من المجني عليه، العضو المجني عليه هو الشفة العليا، فنقتص من الشفة العليا. إذا كان العضو المجني عليه الشفة السفلى، فنقتص الشفة السفلى. فلا يصير والله العضو المجني عليه الشفة العليا ونقتص من الشفة السفلى، ما ينفع، أو العكس لاختلاف الاسم. لذلك قال: لابد من المساواة في ماذا؟ في الاسم والموضع. قال: إذا في الاسم فلا تقطع اليد بالرجل لاختلاف الاسم، وعكسه يعني الرجل باليد، وفي الموضع فلا تقطع يمين بشمال وعكسه، اكتبوا، ولا ما منه فوق وأسفل فلا يقطع الأسفل بالأعلى ولا الأعلى بالأسفل، لابد اتحاد الاسم واتحاد الموضع.

الشرط الرابع والأخير قال: هو مراعاة الصحة والكمال. مراعاة الصحة والكمال، هذا هو الشرط الرابع والأخير من شروط المطالبة بالقصاص ما دون النفس. والمراد بهذا أحبابي الكرام أن العضو المجني عليه حتى نأخذ له القصاص من الجاني يجب أن يكون هناك نوع من التقارب، خليني نقول التقارب، سماها مراعاة ما قال مساواة، قال مراعاة، لابد يكون هناك نوع من مراعاة أو تقارب في الصحة والكمال بينهما.

ما معنى هذا الكلام؟ إذا كان العضو الذي وقعت عليه الجناية، الذي بتر أو الذي قطع، هو أصلاً في الحالة الطبيعية ناقص أو ذاهب المنفعة، اكتبوا: إذا كان العضو المجني عليه فيه أصلاً نقص قبل الجناية عليه، فيه نقص أو كان ذاهب المنفعة، فلا يصح أن نأخذ من الجاني مقابل هذا العضو عضواً صحيحاً غير ناقص ومنفعته قائمة.

يعني الجاني قطع يداً شلاء، فالعضو المجني عليه الذي تم بتره من المرفق يد شلاء، هي في الوضع الطبيعي لا يوجد لها منفعة في الحياة العملية، صاحبها لا ينتفع بها. إذا كان المجني عليه يداً شلاء فلا يصح القصاص من يد الجاني الصحيحة النافعة التي ينتفع بها، لأن هنا في تفاوت بين العضو المجني عليه وعضو الجاني من حيث كمال العضو؛ العضو المجني عليه عضو ضعيف مشلول، والعضو الذي سيقتص منه عضو صحيح فيه نفع، فهنا ما في مكافأة، فلا يتم تطبيق القصاص.

فبالتالي قوله: مراعاة الصحة والكمال، أي بين العضو المجني عليه وعضو الذي سيقتص منه، معناها أن العضو المجني عليه يجب أن يكون متقارباً مع العضو الذي سيقتص منه من حيث وجود منفعة في كليهما، أو عدم وجود منفعة في كليهما. يعني إذا هذا أشل وهذا أشل، نأخذ الأشل بالأشل، أما إذا كان هذا صحيحاً وهذا أشل، ما نأخذ صحيحاً بأشل، لا، إنما يذهب بالصحيح فقط، ولا يذهب الصحيح بالأشل، فلا بد من هذه المراعاة من حيث الصحة والكمال.

وانظروا للأمثلة سيتبين أكثر وأكثر المراد، قال: فلا تؤخذ مثلاً كاملة الأصابع والأظفار بناقصتها. إذا الجاني قطع يداً ناقصة الأصابع وناقصة الأظفار، العضو المجني عليه يد أصلاً هي ناقصة الأصابع وناقصة الأظفار، لما نأتي نطبق القصاص نقول: هل ينفع تطبيق القصاص؟ ما ينفع، لأنه يد الجاني ما شاء الله كاملة الأصابع كاملة الأطراف، ففي هناك تفاوت بين اليدين؛ اليد التي يراد الاقتصاص منها كاملة ما فيها أي مشكلة، واليد التي اعتدي عليها يد ناقصة، ففي هذه الحال لا يطبق القصاص ويعدل للدية.

كذلك قال: ولا عين صحيحة بقائمة. العين القائمة هي العين الموجودة لكن صاحبها لا يبصر بها، هذه تسمى عيناً قائمة، عين موجودة ليست مقلوعة لكن صاحبها لا يبصر بها. فلو أن الجاني قلع عيناً قائمة، الجاني قلع عيناً قائماً يعني عين منفعة الإبصار مش موجودة فيها، فهل نطبق القصاص على الجاني ونقلع عينه الصحيحة؟ قالوا: لا، لأنه هو لما جنى هو قلع عيناً ما فيها منفعة الإبصار، فكيف نقلع منه عيناً فيها منفعة الإبصار؟ لاحظوا فش هناك تساوي أو تقارب في الصحة والكمال، فهنا مباشرة يعدل إلى الدية.

كذلك قال: ولا لسان ناطق بأخرس. جاء الجاني قطع لساناً لشخص أخرس، هذا الذي إذا فش منفعة للكلام، فش منفعة الكلام، بجوز في منافع أخرى بس منفعة الكلام مش موجودة، فلا يصح أن نقتص من الجاني المتكلم ونقطع لسانه لأنه هو ناطق. أما إذا كان الجاني أخرس، إذا كان الجاني أخرس يقتص منه، لأنه هنا في تساوي، هو أخرس وهذا أخرس، بالتالي العضو نفس العضو، لا منفعة في عضو المجني عليه ولا منفعة في عضو الجاني، في تساوي بينهم، فيتم القصاص. أما يكون واحد ناطقاً بأخرس، نأخذ لسانه الناطق بالأخرس، فش هناك مراعاة لقضية الصحة والكمال.

كذلك قال: ولا صحيح بأشل، من يد أو رجل أو إصبع أو ذكر، كما قلت لكم، إذا كانت اليد المجني عليه يد شلاء لا نأخذ مقابلها في القصاص هي الصحيحة، أو رجل شلاء لا نأخذ مقابلها رجلاً صحيحاً، أو إصبع شلاء لا نأخذ مقابلها إصبعاً صحيحاً، أو ذكر شلاء لا نأخذ مقابل ذكر يعمل وفيه انتفاع، لعدم المقاربة في الصحة والكمال. قال: ولا ذكر فحل بذكر خصي. لو كان عندنا رجل خصي بالتالي ذكره منفعته أصبحت محدودة جداً، وفي المقابل عندنا رجل ما زال فحلاً، ما زال يعني لم يقص، بالتالي يستطيع أن يجامع ويقارب النساء، فلو أن هذا الرجل الفحل قطع ذكر الخصي، فهل يقطع مقابله قصاصاً ذكر الفحل؟ قالوا: لا، لعدم المقاربة في الصحة والكمال، هذا ذكر يشتغل وفيه نفع وذاك ذكر معطل، فيعدل إلى الدية.

ولكن انظروا الاستثناء الأخير قال: ويؤخذ مارن صحيح بمارن أشل، وأذن صحيحة بأذن شلاء. ليش هنا اختلفت الأمور؟ لماذا في قضية المارن والأذن اختلفت الأمور؟ ركزوا معي حتى تفهموا أحبابي. المارن، عرفنا هذا منطقة الأنف، يقولون أحبابي الكرام المارن سواء كان صحيحاً أو كان أشلاً لا يؤثر على منفعة الشم، فالمنفعة موجودة سواء كان المارن صحيحاً أو كان المارن أشلاً، وإنما وجود المارن إنما هو وجود جمالي للإنسان، هكذا يقول الحنابلة.

وكذلك الأذن، هذه الأذن أحبابي الكرام سواء كانت صحيحة أو كانت شلاء متدلية، منفعة السمع موجودة في كلا الحالتين، يعني لو واحد أذنه مشلولة معناها ما يسمع، تمام؟ فوجود شلل في الأذن، سواء كانت الأذن مشلولة أو صحيحة، منفعة السمع موجودة، منفعة السمع موجودة، بالتالي صار قضية وجود هذه الأذن عند الحنابلة وجوداً جمالياً.

وجودها وجود جمالي، وقضية الاختلاف في أنه شلاء وهذه صحيحة، اختلاف غير مؤثر بخلاف اليد الشلاء واليد الصحيحة؛ اليد الشلاء هذه ما بتتحرك، لا ينتفع بها، أما اليد الصحيحة بتتحرك وينتفع بها، فهنا في فرق.

نفس الشيء، الرجل الشلاء ما فيها نفع بس الرجل الصحيحة فيها نفع، في فرق. لكن الأذن الشلاء أو الأذن الصحيحة نفس الموضوع، وإنما الفرق بجوز فرق جمالي فقط. والأنف نفس الشيء، المارن والمارن الصحيح، القضية بينهم متقاربة لأنه حاسة الشم موجودة على كل الأحوال والقضية قضية جمالية، فبالتالي نعم، يؤخذ مارن صحيح مقابل مارن أشلاء، وتقطع أذن صحيحة مقابل أذن شلاء، لأن هنا لا يوجد تفاوت حقيقي من حيث الانتفاع.

أجاز الحنابلة أخذ القصاص في هذه الحالة، وكل ما كان على هذا المنوال فهو بنفس الضابط؛ يعني كل حالة لا يكون فيها فرق حقيقي بين الأشلاء والصحيح يتم القصاص، إذا كان هناك فرق بين الأشلاء والصحيح لا يتم القصاص. هكذا احفظوها.

ثم قال: ويشترط لجواز القصاص في الجروح -هذه الفكرة التي شرحتها قبل قليل- انتهاؤها إلى عظم، كالجرح العضدي والساعد والفخذ والساق والقدم، وكالموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة. هذا هو ضابط إمكان استيفاء القصاص في الجروح، فلا أعيد شرحه، شرحته لكم قبل قليل، وأنا كنت أتمنى كما قلت أنه ذكره أصلاً تحت الشرط الثاني، يعني ما في داعي أن يفرده بفصل مستقل، والله أعلم.

ثم قال: وسراية القصاص هدر، وسراية الجناية مضمونة. سراية القصاص هدر وسراية الجناية مضمونة. الآن السرايا شرحتها لكم قبل قليل، ما معنى السراية؟ أن الضرر لا يقف عند موطن القطع أو موطن الجرح، بل يتعدى الضرر إلى كامل العضو، أو إلى شق كامل في الإنسان، أو إلى كامل بدن الإنسان، هذا اسمه سرايا، والسراية قد تحدث أثناء القصاص وقد تحدث أثناء الجناية؛ سراية الجناية وسراية القصاص.

الآن أحبابي، الجناية هي عمل غير مشروع، فإذا الجاني قطع يد إنسان أو قدمه فسرت الجناية وسببت شللاً كاملاً لهذا الإنسان، الجاني عليه أن يتحمل كل الضرر الناتج، وليس للجاني أن يقول: يا جماعة أنا فقط قطعت يده، ما لي علاقة أنه جسمه كله انشل، لا، نقول لك لك علاقة؛ لأنه جنايتك هي فعل غير مشروع، فلما حضرتك قطعت يده، الجناية سرت إلى كامل بدن هذا الإنسان المسكين وأصبح بالكامل أشلاً، فستضمن بالكامل، والدية على ما يأتيه تفصيله.

الجاني قطع قدماً فشلت كل القدم، سيضمن الجاني السرايا، كل القدم سيضمنها وليس فقط منطقة القدم السفلى؛ لأنه قطع القدم من الكعبين، سرت الجناية إلى الورك، واضطر الأطباء أنهم يقطعوا كل القدم من الأسفل، الجاني يضمنها كاملة، الجاني سيضمنها كاملة.

لذلك قال: سراية الجناية مضمونة، وأما سراية القصاص فهي غير مضمونة. ليش؟ لأنه القصاص عمل مشروع يتم عند القضاء، أليس كذلك؟ فإذا القاضي قال للسياف، أو قال للذي سيقطع في القصاص: اقطع اليد، فجاء هذا السياف وقطع اليد من حيث أمره القاضي، قطعت هذه اليد، إذا الضرر ينتقل في بدن الجاني فصار الجاني كله أشلاً، هل هناك من يضمن؟ قالوا لا ضمان في هذه الحالة؛ لأنه القصاص عمل مشروع بإرادة الشارع. فإذا جاء القاضي وأمر السياف أن يقطع بالمكان الصحيح، والسياف قطع فعلاً في المكان الصحيح من دون أي أخطاء، ثم قدر الله أن الجناية -أو عفواً الضرر- يسري في بدن الجاني، هذا قدر الله عليه، وإذا الجاني مات بسبب السرايا أو أصبح أشلاً أو ما أصابه ذلك، فإن هذا هدر؛ أي لا قيمة له، ولا يطالب القاضي بشيء، ولا يطالب السياف بشيء، ولا يطالب المجني عليه بشيء.

لذلك قال: سراية القصاص هدر. إذا وقعت السرايا في أثناء أخذ القصاص فهذه السرايا ليست مضمونة في الشريعة، وأما إذا حدثت السرايا أثناء جناية الجاني فالجاني سيضمن هذه السرايا، والفرق أن الجناية هو أصلاً عمل غير مشروع، عمل محرم، وأما القصاص فهو عمل مشروع، بل مأمور به من الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179].

لكنه استدرك بالنسبة لسراية الجناية، فقال: وسراية الجناية مضمونة ما لم يقتص ربها قبل برئه، فهدر أيضاً. ما معنى هذا الكلام؟ هذه قصة حدثت أيام النبي ﷺ؛ أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته فأحدث فيها جرحاً، جاء رجل بآلة حادة فطعن صاحبه في ركبته فأحدث جرحاً، فالمجني عليه جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله أنا أريد القصاص، فالنبي ﷺ قال له: انتظر حتى تبرأ.

ليه؟ لأنه النبي ﷺ يريد أن ينظر ماذا سببت هذه الجناية؟ هل ستسري ولا لن تسري؟ أين سيقف ضررها؟ فالنبي ﷺ من حكمته وهو الصادق المصدوق لا ينطق عن الهوى، قال للرجل: انتظر حتى ننظر ماذا سيحدث في هذه الجناية؛ لأن الجرح لسه لم يندمل، ربما تحدث سرايا، ربما يصبح عندك عرج، خلينا ننظر إلى أين سينتهي الأمر.

المجني عليه ما صبر، رجع على النبي ﷺ مرة أخرى وقال: يا رسول الله أكدني، أريد أن اقتص، مش قادر يصبر، الغل في دمه، فالنبي ﷺ قال: أَقَدَّه، قال خلاص خذ حقك، فلنجني عليه، أخذ حقه من الجاني واقتص منه، طعنه في ركبته، الآن بعد أيام إذا بالمجني عليه يصبح في قدمه عرج، صار يعرج عليها، فرجع عاد إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله لقد عرجت، يا رسول الله شف شو صار في رجلي، صار فيها عرج، فبدي آخذ حقي من الجاني.

فالنبي ﷺ قال له: لا، أنا قلت لك انتظر، قد أمرتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل حقك، يعني أنت الذي أبطلت حقك بنفسك، أنا قلت لك اصبر حتى ننظر ماذا حدث، ماذا سيحدث بقدمك؟ هل ستسري الجناية؟ هل ستتسبب بأضرار أخرى جسيمة؟ وأنت لن تصبر وأصررت أن تأخذ حقك ابتداءً، أعطيناه حقك ابتداءً فما حدث من السرايا بعد ذلك الجاني لا يضمنها لك، وهذه هي القاعدة العامة.

والأصل هو ما نهى عنه النبي ﷺ، نهى بعد ذلك عن أن يقتص من جرح قبل أن يبرأ، فالأصل القاضي لا يطبق القصاص في الروح وفي الأطراف حتى يتأكد من أن الجرح برئ، وأن الطرف اندمل، وأنه ما في سرايا، حتى بعد ذلك يتم القصاص بالحق، ويعرف كل إنسان ما له وما عليه. فإذا المجني عليه أخذ حقه قبل أن يبرأ من الجاني وحدثت بعد ذلك سرايا في المجني عليه وضرر كبير، فالجاني لا يضمن السرايا، خلص أنت أيها المجني عليه.

اقتصيت من الجاني أخذت حقك، هو قطع من هنا وأنت قطعت من هنا، قدر الله أنه المجني عليه؛ فتحدث فيه سرايا. فليس للمجني عليه أن يعود فيطالب بماذا؟ بالقصاص أو أن يطالب بتعويض أو ما شابه ذلك، لأنه هو الذي استعجل في أخذ حقه، فبالتالي انتهى ما سيترتب على الجناية عليه أو ما سيحدث من سرايا بعد ذلك. وإذا سرايا الجناية مضمونة ما لم يختص ربها قبل برئه، فهدر أيضا.

أحبابي الكرام، بنكون انتهينا من بيان موضوع القصاص، القصاص في النفس كاملة، شروط القصاص وشروط استيفاء القصاص، وتكلمنا أيضا عن شروط المطالبة بالقصاص فيما دون النفس. الآن ننتقل لموضوع آخر جديد، موضوع الديات؛ حتى نفهم موضوع الدية لأنه مفهوم كبير جدا من المفاهيم الحاضرة في باب الجنايات.

ما هي الدية؟ الديات أحبابي الكرام كتعريف يقولون: هو المال المؤدى إلى المجني عليه إن كان حيا، أو إلى وليه إن كان المجني عليه ميتا بسبب الجناية. هذا هو تعريفها؛ الديات هو كل مال يدفع إلى المجني عليه إذا كان على قيد الحياة، أو يدفع إلى وليه إذا كان مقتولا ميتا بسبب الجناية. مال دفع بسبب الجناية، فهذا يسمى دية.

الديات مفهوم كبير جدا، هناك ديات للنفس، وديات لما دون النفس، ديات للأعضاء، ديات للمنافع، وهذا كله نأتي له إن شاء الله ونرتبه ونفهمكم إياه تفهيما جيدا بحول الله وقوته. لكن الشيخ مرعي قبل أن يدخل في تحديد مقادير الديات، كم مقدار دية النفس؟ كم مقدار دية الأطراف؟ كم مقدار دية المنافع؟ قدم بمجموعة من المسائل المهمة حتى نفهم على من تترتب الدية، خاصة في بعض المسائل الدقيقة التي تكون مشكلة؛ فالناظر ابتداء لـأول وهلة يشكل عليه: الدية ستكون على فلان ولا على فلان؟

فأراد أن يبين لك بعض المسائل التي يبتدأ بها الحنابلة موضوع الديات، فقال: «من أتلف إنسانا أو جزءا منه بمباشرة أو تسبب، إن كان عمدا فالدية في ماله، وإن كان غير عمد فعلى عاقلته». لأن هذه قاعدة كبرى مهمة تأسيسية في هذا الباب، بدك تحفظها.

أي شخص أتلف إنسانا -يعني قتل إنسانا، قد يكون قتل عمد، شبه عمد، خطأ- المهم صار إتلاف، لذلك هو قال: «من أتلف إنسانا»، يعني قتل إنسانا أو أتلف جزءا منه، طرفا من الأطراف، بمباشرة أو تسبب. وهذا يدل على أن الإتلاف قد يكون أنت مباشر له، بأن تأتي بالمجني عليه تطخه مثلا برصاص، أو تحز رأسه بسكين، أو تضع السكين في بطنه فتقتله، هذا اسمه مباشرة. وقد يكون الإتلاف متسببا، والإتلاف بالتسبب صوره كثيرة؛ مثلا رجل حفر بئرا في طريق العامة ليس له أن يحفره، فوقع شخص في هذا البئر فمات، هو يعتبر هذا الحافر قاتلا، وإن لم يكن قتله بالمباشرة لكنه متسبب.

مثال آخر: شخص رمى قشر البطيخ أو الموز في الشارع في الطريق العام، فجاء شخص فوضع قدمه عليه فتزحلق فمات، الذي رمى قشر البطيخ يعتبر قاتلا شرعا وتترتب عليه الأحكام. وأذكر وضعت مثالا ثالثا: رجل وضع حجرا كبيرا في الطريق العام، فشخص في الساعة الثانية عشر ليلا وهو يسوق السيارة، فجاء وضرب بهذا الحجر فقلبت السيارة فوقع فمات، الذي وضع الحجر في الطريق العام قاتل وسيترتب عليه أحكام.

فالقتل عند الحنابل باختصار قد يكون بالمباشرة، تمسك شخص تطخه، تذبحه، تضع فيه سكينا، تلقي عليه حجرا، وقد يكون بالتسبب، أن تفعل فعلا ليس من حقك أن تفعله، وهذا ضابطه أن تفعل فعلا ليس من حقك أن تفعله فيتسبب هذا الفعل بقتل إنسان، فهنا أيضا أنت تعتبر قاتلا.

إذا من أتلف إنسانا أو جزءا منه بالمباشرة أو التسبب، إن كان هذا الإتلاف متعمدا -يعني هو تعمد الإتلاف، تعمد القتل في حالة القتل أو تعمد بتر الطرف في حالة الأطراف- إن كان متعمدا فهنا حكينا أصلا ابتداء هناك قصاص إذا وجدت شروطه، أو دية أو عفو في حال لم يتم القصاص، أما أن أولياء المقتول مثلا عفوا أو لم تتوفر شروط القصاص، سننتقل للدية.

الآن إذا انتقلنا في العمد من القصاص إلى الدية، الدية من سيتحملها؟ هو الجاني وحده، بده يدفعها من جيبه الشخصي. وأما في موضوع إذا كانت الجناية أو الإتلاف بشبه عمد أو خطأ، في شبه العمد والخطأ ما في قصاص أصلا، بل في دية أو عفو، فإذا تم تقرير الدية، فالدية من سيدفعها؟ ليس الجاني، بل عاقلته. وسنأتي ونعرف من هم العاقلة في الدرس القادم بإذن الله أو الذي يليه.

فإذا أحبابي الكرام هذا أمر مهم جدا في الجناية؛ إذا كان عمد، شبه عمد، خطأ، في العمد في حال تقرير الدية، الدية يدفعها الجاني من جيبه، اكتبوا من جيبه. في شبه العمد والخطأ، الدية يدفعها عاقلة الجاني، يعني الجاني ما بدفع شيئا منها عند الحنابل والشافعية، لا يدفع شيئا منها، كلها على عاقلته، نعم هو عليه أن يدفع كفارة القتل، وسنعرف ما هي كفارة القتل وهي مر معنا في المحاضرة السابقة؛ الجاني عليه الكفارة فقط، وأما الدية تتحملها العاقلة والجاني لا يدفع معهم قرشا، مع أنه هو الجاني سبحان الله، لكن في العمد الأمر يختلف، الدية ستكون بالكامل على الجاني والعاقلة لا تتحمل شيئا.

طيب الآن بعد أن وضع لنا هذه القاعدة، أراد أن يعطيك أمثلة على صورة التسبب في القتل، وفي حالة التسبب على من ستكون الدية، خصوصا إذا اشترك أكثر من شخص في التسبب. انظروا الأمثلة، قال: «ومن حفر تعديا»، أي من حفر بصورة غير مشروعة، لأنه عرفنا التسبب الذي يعتبر فيه المتسبب قاتلا هو التسبب غير المشروع، يعني إذا فعلت فعلا ليس لك أن تفعله فأدى إلى قتل إنسان، هذا التسبب غير المشروع إذا تلف به إنسان نعم أنت تعتبر قاتلا.

إذا كان التسبب مشروعا، يعني أنا حفرت حفرة في بيتي الشخصي، جاء شخص دخل بيتي بدون ما يستأذني ووقع فيها، أنا علاقة لو مات؟ إن هذا حقي الشخصي أن أفعل هذه الحفرة، فلذلك الكلام عن التسبب غير المشروع، فقال: «ومن حفر تعديا»، أي بصورة غير مشروعة، بئرا قصيرة فوقها نص متر، فعمقها، ثم جاء شخص آخر بدل ما يطمها شافها في الطريق العام لا، وسعها زاد وصارت ثلاثة متر، فجاء شخص مسكين الساعة الثانية عشر ليلا فوقع في هذه الحفرة.

هذا طريق عام، إذا شخص حفر فيها حفرة نص متر، بعدين جاء شخص فوسعها صارت ثلاثة متر. شخص مسكين الساعة الثانية عشر ليلا ماشي في هذا الشارع، إذا به وقع في هذه الحفرة فمات.

ها هنا في تسبب وليس مباشرة، صح؟ يعني المباشرة أنه يأتي شخص يلقي هذا المار في هذه الحفرة، يمسكه ويلقيه، هذا مباشرة، فإذا وجد من يلقيه المباشر هو الذي عليه الدية. هنا انتهينا، لكن إذا ما في شخص مباشر، هذا المار مسكين وحده إذا وقع في هذه الحفرة فمات، الذي سيدفع الدية هما كلا الشخصين؛ الذي حفر نص متر والذي عمق، فيشتركان في الدية.

سؤال: هل يشتركان في الدية يدفعانها من جيبهما الشخصي أم تكون على عاقلتهما؟ هذا يعود إلى توصيفنا للقتل؛ هل هنا القتل سيوصف على أنه عمد؟ ولا شبه عمد؟ ولا خطأ؟ هنا تأتي القرائن عند القاضي.

الآن مثلا إذا كانوا هم متفقين مع بعض ومتواطئين وعارفين أن هذا الشخص الذي اسمه زيد سيخرج بالليل ويقع في الحفرة، هم عمقوها من أجل أن يموت، يعني باختصار إذا كانت الحفرة عميقة جدا وتقصدوا بها قتل شخص، فهذا مثل الإلقاء في نار محرقة الذي أخذناه في المحاضرة السابقة، صورة من صور العمد؛ فإذا اعتبر عمدا هنا ستكون الدية من جيبهم الشخصي.

لكن الحنابلة عموما يقولون إن قضية التواطؤ على قتل الشخص هذه قضية تحتاج إلى شروط عالية جدا، فالأصل أن يكون هذا ما بين شبه العمد وما بين الخطأ. الأصل في هذه الحالة أن يكون شبه عمد أو خطأ؛ شخص غير مسؤول، في العادة تصير حفر حفرة في الطريق العام وجاء شخص آخر وسعها، فجاء مار مسكين فوقع فيها فمات. هنا إما نقول شبه عمد في حال وجود قصد الاعتداء على المارة، أو خطأ إذا لم يوجد هذا القصد. وسواء وصفناه شبه عمد ولا خطأ، في كلا الحالتين كما مر معنا الدية تكون على عاقلتهما، تنديدها في شبه العمد والخطأ تكون على العاقلة، وأما في العمد تكون على الجاني.

فبالتالي هنا قوله: «ومن حفر تعديا بئرا قصيرة فعمقها»، الضمان تالف بينهما، نكتب بينهما أي على عاقلتهما؛ لأن القتل هنا يتراوح ما بين أن يكون شبه عمد أو خطأ بحسب قرائن الأحوال. إذا ظهر للقاضي أن هناك قصد للاعتداء فهو شبه عمد، وإذا لم يظهر قصد الاعتداء على المارة أصلا وإنما هي فقط أعمال غير مسؤولة فهذا يدخل تحت الخطأ، وفي كلا الحالتين تكون الدية على العاقلة.

قال: «وإن وضع ثالثا سكينا». يعني القصة لم تنتهِ هنا يا أحبابي الكرام؛ كما حكينا جاء شخص حفر حفرة في الطريق العام نصف متر، جاء شخص وسعها وصارت ثلاثة متر، جاء شخص ثالث وضع سكينا في هذه الحفرة، وضع سكينا هكذا بارزا، واضح أنه لئيم، فجاء شخص مسكين الساعة الثانية عشر ليلا فوقع في هذه الحفرة، والمسكين وقع على السكين أيضا وقُتل ومات. هنا على من ستكون الدية؟

قال الحنابلة: سيشتركون الثلاثة في هذه الدية، لذلك قال «اثلاثا»؛ الذي حفر نص متر عليه ثلثها، والذي وسع عليه الثلث، والذي وضع السكينة عليه الثلث، أن كل واحد منهم فعل فعلا تسببا بصورة غير مشروعة فكل منهم له سهم في القتل. يعني حتى الذي وضع السكين هو متسبب؛ لأنه هو لم يضع السكين في بطن الجاني وقتله، بل وضع السكين وذهب، والمقتول المسكين هو الذي وقع على هذه السكين، لكن من الذي وضع السكين؟ أنت متسبب.

فالذي وضع السكين عليه ثلث الدية، والذين حفروا عليهم الثلث، فستقسم الدية اثلاثا. وهي نفس الشيء، ينظر طبعا فيها للقرائن؛ إذا كان مثلا هناك تعمد للقتل هنا سنذهب إلى أنه قتل عمد، وبالتالي الدية سيتحملها كل شخص من جيبه، هذا سيتحمل الثلث من جيبه وهذا الثلث من جيبه والثلث من جيبه. لكن أساسا هم يعتبرون هذه الصورة من صور شبه العمد أو الخطأ، فتكون على العاقلة حتى يثبت قصد العمد، فهنا تتحول الأمور.

نأخذ قصة أخرى، قال: «وإن وضع واحدا حجرا تعديا فعثر فيه إنسان فوقع في البئر، فالضمان على واضع الحجر كالدافع». هذه قصة أخرى يا أحبابي الكرام؛ في طريق عام جاء شخص وضع حجرا كبيرا بصورة غير مشروعة، وبعده هناك رجل حفر حفرة أيضا في الطريق العام، فشخص يمشي في طريقه مسكين لم ير هذا الحجر، تعثر به وإذا به يقفز ويقع في الحفرة فمات.

لاحظوا هنا هناك سببان؛ السبب الأول الحجر، والسبب الثاني البئر. في هذه الحالة قال الحنابلة: الذي عليه الدية هو الذي وضع الحجر لأن سببيته متقدمة على سببية حافر البئر. هذا رجل مر، هو سبب القتل الأساسي ليس الوقوع في البئر، قالوا سبب القتل الأساسي أنه تعثر بالحجر فطار في الهواء وتبعثر فوقع في البئر، وإلا لو لم يكن هناك حجر كان بالإمكان أنه يمشي وينتبه على الحفرة فلا يقع فيها. فصحيح هنا سبب أول للقتل وهنا سبب ثاني، لكن المتقدم منهما هو الذي سيتحمل المسؤولية، المتقدم هو واضع الحجر؛ فبالتالي هو الذي سيتحمل مسؤولية القتل وتكون الدية على عاقلته، لأنه كما قلنا الأصل أن هذا يكون قتل شبه عمد أو قتل خطأ، فتكون على العاقلة ما لم يظهر قصد العمدية، وهنا قصد العمدية يعني صعب كثيرا أن يظهر، مجرد وضع حجر يصعب كثيرا أن يظهر قصد العمدية، فلذلك يعتبرونها شبه عمد أو خطأ.

قال: «كالدافع»، يعني قالوا هذه الصورة في تحميل واضع الحجر الدية وليس حافر البئر، مثلها مثل صورة من حفر بئرا وجاء شخص فألقى شخصا فيها. وهذا في الحقيقة ليس تعارضا بين متسبب ومتسبب، بل تعارض المباشر والمتسبب؛ يعني شخص حفر بئرا في الطريق العامة هذا متسبب، لكن جاء شخص مار في الطريق، جاء شخص من خلفه فدفعه فألقاه في البئر، هنا عندنا شخص مباشر للقتل وهو الذي دفع، وعندنا شخص متسبب وهو الذي حفر. والقاعدة تقول إذا تعارض المباشر مع المتسبب يقدم المباشر، ولذلك اعتبر هذه مثل تلك، وإن كانت هذه أظهر؛ لأن هنا في مباشر ومتسبب، بينما في مسألة وضع الحجر ثم بعدها بئر لا، هناك متسبب أول ومتسبب ثاني، لكن المتسبب الأول.

هو الذي وقع منه الأثر ابتداء فهو الذي تترتب عليه المسؤولية؛ إذا وضع واحد حجرا تعدياً فعثر فيه إنسان فوقع في البئر، فالضمان على واضع الحجر هو المتسبب الأول الأساس. ومثله مثل الدافع، كما لو أن دافعا ألقى شخصا في بئر، ولكن الفرق هنا أن في قصور الدافع عندنا مباشر ومتسبب، وفي صورة الحجر والبئر عندنا أول متسبب ولا يوجد مباشر، وهذا فرق حقيقة بين صورتين.

ثم قال: «وإن تجاذبا حران مكلفان حبلاً فانقطع فسقطا ميتين فعلى عاقبة كل منهما دية الآخر، وإن اصطدما فكذلك». ما صورة هذه المسألة؟ رجل حر مكلف ماسك حبلاً، وفي المقابل هناك رجل مكلف حر ماسك حبلاً، هذا الرجل يشد الحبل وذاك الرجل يشد الحبل، فانقطع الحبل فانقلب هذا على ظهره وانقلب ذاك على ظهره فمات هذا ومات هذا. هنا ما الذي يحدث؟ على من ستكون الدية؟ قالوا: كل شخص منهما يعتبر قاتلاً للآخر، لكن ليس قاتل عمد، فبالتالي الأظهر أنه قتل خطأ، والأظهر أن يعامل أنه قتل خطأ، فعاقلة هذا الشخص ستدفع الدية لأولياء المقتول، وعاقلة هذا الشخص ستدفع الدية لأولياء المقتول.

«وإن تجاذبا حران مكلفان حبلاً فانقطع فسقطا ميتين فعلى عاقبة كل منهما دية الآخر»، قال له: «وإن اصطدما فكذلك». يعني شخص يركض وفي المقابل شخص يركض، حر مكلف يركض وهذا يركض وهذا يركض، اصطدما ببعضهما بالخطأ، فهذا وقع ميتا وهذا وقع ميتا؛ عاقلة هذا ستدفع الدية لأولياء المقتول، وعاقلة هذا ستدفع الدية لأولياء المقتول.

الآن لا يغيب عن أحبابي الكرام أنه قيد أصل المسألة بماذا؟ بحرين مكلفين، فقال: «وإن تجاذبا حران مكلفان». طيب إذا كان اللذان تجاذبا عبدين؛ عبد ماسك حبلاً وعبد آخر ماسك حبلاً، هذا يشد وهذا يشد، فسقط هذا فمات، وسقط هذا فمات، ماذا يحدث في الدية؟ قالوا هنا ستصبح الأمور هدراً. لا، بل لماذا؟ لأنه في الوضع الطبيعي العبد إذا جنى، العبد لا يوجد له عاقلة تحمل عنه؛ يجب أن تفهموها، بخلاف الحر الذي عاقلته تحمل عنه دية شبه العمد والخطأ، أما العبد إذا جنى جناية وصار في دية، العبد ما في عاقلة تحمل عنه، هذا عبد لسيد، وبما أنه لا توجد عاقلة تحمل عنه يقولون: جنايته تتعلق برقبته.

والسيد كما ذكرنا مخير بين أن يدفع بما أن الجناية متعلقة برقبة العبد، أما أن يسلم السيد هذا العبد للمجني عليهم وتنتهي القضية، أو أن السيد هو الذي يفدي هذا العبد بالأقل من قيمته أو قيمة جنايته على ما تعلمنا سابقاً. فباختصار، إذا العبد ليس له عاقلة تتحمل عنه فجنايته تتعلق برقبته، فإذا هذا العبد اعتبر سبباً في قتل صاحبه فتعلق الحق برقبته، وهذا اعتبر أيضاً سبباً في قتل صاحبه فتعلق الحق برقبته؛ نقول هنا الجناية تعلقت بعين هذا العبد ورقبته وبعين هذا العبد ورقبته، فيسقط هذا مع هذا وذهبت القضية هدراً.

كأنه شاة ضربت شاة فماتا الاثنتين، شاة ضربت شاة، فالاثنتان ماشيتان بالخطأ ضربتا بعضهما فماتتا، فالأمور هنا هدر، لا أنا علي حق ولا هو عليه حق، وذهبت القضية هدراً، والله يغفر للجميع. فنفس القضية، قالوا لو أن عبداً شد حبلاً وعبداً آخر شد حبلاً فهذا وقع فمات وهذا وقع فمات؛ هنا الجناية تعلقت برقبة هذا العبد وبرقبة العبد الآخر ولا توجد عاقلة تتحمل، بالتالي سيتساقط هذا مع هذا وينتهي الأمر. لذلك هذه الصورة المتجاذبة قال حران إنها إذا تجاذبا لا يوجد ضمان وتذهب القضية هدراً.

وأما إن تجاذبا مثلاً حران غير مكلفين مثل صغير أو مجنون، فهنا نحن أصلاً عرفنا بالنسبة للصغير أو المجنون، سواء كان أمره عمداً أو شبه عمد أو خطأ، فإن تعمد الصغير والمجنون للقتل هو أصلاً خطأ، فهذه هي الفكرة، فلا داعي أن يتطرق لهذه المسألة، كأنه لم يتطرق لها وقيد بقضية المكلف؛ لأنه يريد أن يقول لك أصلاً نحن درسنا سابقاً أن عمد الصغير -يعني الصغير قتل شخصاً عمداً- أو مجنون قتل شخصاً عمداً، لا يوجد قصاص عليه أصلاً ويعتبر عَمده خطأ، فبالتالي القضية ستكون واضحة فلا داعي لأن يذكرها.

فإذا كان عمد الصغير والمجنون يعتبر خطأ ويتحمل الدية عاقلتهما، فمن باب أولى مثل هذه الصور -صور شد الحبل التي يكون فيها الأمر شبه عمد أو يكون خطأ ابتداءً- يكون فيها الدية على عاقلتهما، فلا داعي أن يذكرها لوضوحها، لذلك قيد بحرين مكلفين؛ لأن هنا ممكن المسألة تتجاذبها الآراء ويقع فيها خلاف فقهي، أما إذا كان اللذان تجاذبا حران صغيران أو مجانين فهنا المسألة لا يقع فيها خلاف فقهي لأن عمد الصغير والمجنون في الوضع الطبيعي هو خطأ، فبمثل هذه المسائل ستكون واضحة جلية لا غبار عليها.

ثم قال: «ومن أركب صغيرين لا ولاية له على واحد منهما فاصطدما فماتا فديتهما من ماله». شخص ليس له ولاية على أطفال، ليس ولياً لهما، أركب هذا الصغير على فرس وأركب صغيراً آخر على فرس، شخص ليس له ولاية لا على هذا ولا على هذا، فبالتالي ليس له أن يعلمهما ركوب الفرس ولا ركوب الحصان ولا ركوب الجمل، ليس له ولاية عليهم، أركب هذا على حصان وهذا على حصان، فاصطدما ببعضهما ومات هذا الطفل ومات هذا الطفل؛ لذلك قالوا: «ومن أركب صغيرين لا ولاية له على واحد منهما فاصطدما فماتا فديتهما من ماله».

وهنا قال الشراح، ويقصد الشيخ مرعي: «فديتهما من ماله»، أي من ماله الشخصي؛ لأنه اعتبرت جريمته مقاربة للعمد، فسيّدفعها من ماله. وهناك قول آخر في المذهب وأراه نوعاً ما أقعد، قالوا: لا، حتى في هذه الصورة الدية ستكون على عاقلته؛ لأنه عندما تريد أن تقول إن هذه الجناية سيتحملها هذا الرجل من جيبه، فمعناه أنك صنفتها على أنها عمد، وإذا صنفت على أنها عمد فإنه يحق المطالبة بالقصاص، أليس كذلك؟ ولكن هل هذا الرجل الذي أركب هذين الطفلين على الجمل في هذه الحالة يقتص منه؟ قولا واحداً لا يقتص منه عند الحنابلة، فبما أنه لا يقتص منه...

بالتالي إذا جنايته ليست عمدية وستذهب إلى أن تكون شبه عمد أو خطأ، فالأصل أن تكون ديته على من؟ على العاقلة. الدية التي لن يتحملها من جيبه للطفلين، بل تكون على عاقلته.

أظن هذا القول الثاني وهو عند الحنابلة، والموجود وذكره الشيخ منصور حتى في الشروح المعتمدة، كأن الشيخ منصور يميل إلى هذا الرأي. أنه قولهم: «ومن أركب صغيرين لا ولاية له على واحد منهما فاصطدما فماتا، فديتهما من ماله». الشيخ منصور كأنه يميل، وأقول والله أعلم، إلى أن الدية ليست من ماله الشخصي بل على عقبة.

الآن قوله: «فديته من ماله»، ظاهرها كما قلنا أنه يرى أنه سيدفعها من جيبه الشخصي، وجعلوها كأنها شبه عمد، عفواً وجعلوها كأنها عمد، لكن تصنيف هذه الجناية وهذه الواقعة على أنها عمد، وبالتالي على الجاني هذا الرجل أن يتحمل الدية من جيبه. أقول يحتاج إلى نظر. لماذا يحتاج إلى نظر؟ لأنه لو كنا مصنفينها على أنها عمد، فمعناته هذا الجاني يمكن أن نطالب بالقصاص منه.

طيب، هل تقولون أيها الحنابلة بالمطالبة بالقصاص منه؟ قالوا لا، هذا لا يقتص منه بحال من الأحوال. إذا هي ليست عمد بما أنه لا يمكن أن نطالب بالقصاص منه، إذا هي ليست عمدية، وإذا هي ستذهب إلى شبه العمد أو الخطأ، وفي شبه العمد أو الخطأ الذي يتحمل الدية العاقلة. وبالتالي يكون تحميل العاقلة أقوى، والله تعالى أعلم.

أما أحبابي الكرام، إذا كان الذي أركب الصبيين له ولاية عليهما، وزعم أنه أركبهما لمصلحتهما حتى يعلمهم ركوب الفرس، وهما يثبتان على الفرس في الوضع الطبيعي فاصطدما فماتا، هنا الولي ليس له علاقة، وأولياء وعاقلة كل طفل ستدفع الدية، وعاقلة الطفل الآخر ستصبح مثل المسألة السابقة؛ مسألة إذا تجاذبا حبلان مكلفان حبلين. إذا كان من أركبهما على فرس له ولاية عليهما وزعم أنه أركبهما لصالحهم ليعلمهم ركوب الفرس، وأنهم يثبتان على الفرس، وليس أنا وضعتهم وهم أصلاً لا يعرفون الركوب، بل قال هم يثبتون في الوضع الطبيعي، لكن قدر الله أنه اصطدم هذا الفرس بهذا الفرس وماتوا، فهنا عاقلة هذا الطفل ستدفع الدية لأولياء هذا الطفل، وعاقلة هذا الطفل سندفع الدية لأولياء الطفل الآخر.

ثم قال الشيخ مرعي رحمه الله تعالى عليه بعد ذلك: «ومن أرسل صغيرا لحاجة فأتلف هذا الصغير نفسا أو أتلف مالا، فالضمان على مرسله». لاحظ هنا أتى بموضوع أيضاً الاتلاف المالي: «فأتلف هذا الصغير نفسا أو مالا، فالضمان على مرسله».

إنسان، أحبابي الكرام، أرسل صغيرا بحاجة من حوائج الحياة الدنيا المشروعة، هنا في قيد في المسألة لم يذكره الشيخ مرعي رحمه الله تعالى عليه، وهو أن يكون المرسل لا ولاية له على هذا الصغير. إذا كان المرسل ولياً لهذا الصغير يختلف الأمر، أما إذا كان المرسل ليس ولياً له، فالمسألة عند الحنابلة هنا إذا كان الشخص المرسل لهذا الصغير ليس ولياً له، اكتبوا هذا: إذا هذا الشخص الذي ليس ولياً للصغير أرسل هذا الصغير لقضاء حاجة من حوائج الدنيا، فالصغير وهو ذاهب أتلف نفساً معصومة أو أتلف مالاً لشخص من الأشخاص، هنا الضمان؛ ضمان هذه النفس يعني دفع ديته، أو ضمان المال المتلف، سيكون على المرسل؛ لأنك أيها المرسل لست ولياً لهذا الصغير، فليس لك ولاية إرساله لقضاء الحوائج، فإذا أرسلته فأتلف نفساً أو أتلف مالاً فأنت الذي عليك الضمان.

الآن بالنسبة للنفس سيكون على عاقلة المرسل وليس على المرسل، لأنه ليس قتلاً عمداً، يعني المرسل ليس متوقعاً أن الصغير أصلاً سيقتل نفساً، فهنا سيكون ضمان النفس وهو الدية على عاقبة المرسل لأنه يصنف قتلاً خطأ، وأما بالنسبة لضمان المال، فالضمانات المالية تكون من نفس مال المرسل، يعني من جيبه، فالضمانات المالية ما فيها موضوع العاقلة أصلاً. إذاً ضمان النفس يكون على عاقلة المرسل، وضمان المال سيكون على نفس المرسل.

وأما إذا كان الذي أرسل الصغير شخص له ولاية عليه، إذا كان الشخص المرسل له ولاية، فالشرع إذن له أن يرسل الصغير في قضاء الحوائج، بالتالي أنا شخص لي ولاية على صغير أرسلته لقضاء حوائج، فالصغير عندما ذهب أتلف نفساً أو أتلف مالاً، في هذه الحالة ضمان النفس المتلفة سيكون على عاقلة الصغير، وضمان المال المتلف سيكون من مال الصغير إن وجد، ويبقى عليه حتى يوجد له مال ويتم تسديد التلف المالي. إذا كان المرسل ولياً للصغير ففي هذه الحال الأمور تختلف؛ ما أتلفه الصغير من نفس سيكون على عاقلة الصغير، وما أتلفه من مال سيكون من ماله الشخصي إن وجد، وإلا سيبقى في ذمته حتى يتم تسديد الجناية المالية.

ثم قال: «ومن ألقى حجراً أو عدلاً مملوءاً»، عدلاً يعني كيساً مملوءاً بأمور ثقيلة. ويطلق العدل أحبابي الكرام على ما يوضع على أحد جانبي الناقة ويكون فيه الأمتعة والأغراض، يعني الناقة يقولون عندما تمشي العرب تضع عدلاً على جنبها الأيمن وعدلاً على جنبها الأيسر، وكأنه كيس يملأ بالأمتعة والأثقال، قال: يملأ بالرحل وما شابه ذلك.

فالمهم، إذا شخص ألقى حجراً أو ألقى عدلاً، يعني كيساً مملوءاً بالطبع بأشياء ثقيلة، ألقاه على سفينة فغرقت هذه السفينة، ضمن هذا الملقي جميع ما فيها. واكتبوا: وضمن أيضاً السفينة نفسها؛ سيضمن السفينة التي غرقت وسيضمن جميع ما فيها من نفس أو مال. طيب، هل سيضمنها من جيبه الخاص في قضية النفوس أم قضية الأموال؟ نعم سيضمنها من جيبه الخاص، ونفس السفينة سيضمنها من جيبه الخاص. لكن قضية النفوس التي أزهقت بسبب إلقاء الحجر أو العدل، هل ستكون على الشخص الذي ألقى الحجر أم على عاقلته؟

هنا دائماً أقول، القضاء سيأخذ مجراه ليحدد هل هناك تقصد للقتل باستعمال أشياء ثقيلة جداً وظهرت أمارة قصد القتل منه أم لا، وهل هناك تقصد قتل أم هو تقصد للعدوان؟ إذا ظهرت أمارة قصد القتل من خلال استعماله آلة أو حجراً ثقيلاً يقتل، ففي الحقيقة هنا الذي يظهر لي أنه يكون قتل عمد فيمكن أن يؤخذ منه القصاص، وإذا لم يؤخذ قصاص يذهب الأمر إلى الدية، والدية تكون من جيبه في هذه الحالة.

وأما إذا لم تظهر أمارة قصد القتل وإنما فقط قصد العدوان، ففي هذه الحالة سيعتبر قتل شبه عمد ولا يوجد قصاص، وتكون الدية على عاقلته. فأقول أحبابي الكرام هنا باختصار: إن بعض المسائل التي يطرحونها في كتب الفقه، القضاء هو الذي يجب أن يحدد من خلال القرائن، يجب أن يحدد من خلال قرائن الجريمة: هل هناك قصد للقتل أم مجرد قصد العدوان؟ إذا كان قصد القتل نحن نتكلم عن جريمة عمدية، فإذا كان...

هناك أزهقت نفوس، إذا هو قصد قتلها، إذاً الأصل أن يقتص منه إلا إذا عفا أولياؤهم إلى الدية. وأما إذا لم تظهر أمارة قصد القتل وإنما ظهر قصد العدوان، فهنا نتكلم عن شبه العمد، وبالتالي يصبح عندنا ضابط عام نتحاكم إليه في هذه المسائل.

ثم قال: ومن الطور؟ الآن المسألة فيها طول في فروعها لكنها سهلة إن شاء الله. قال: «ومن اضطر إلى طعام غير مضطر أو شرابه فمنعه حتى مات، أو أخذ طعام غيره أو شرابه وهو عاجز، أو أخذ دابته وهو عاجز من نفس القيد، أو ما يدفع به عن نفسه من سبع فأهلكه ضمنه».

إذا تكلم عن أكثر من صورة، ثم ختم بالحكم فقال: «ضمنه». الصورة الأولى: من اضطر إلى طعام؛ أنا إنسان في صحراء اضطررت إلى طعام أو شراب، فوجدت شخصاً معه طعام وشراب وهو غير محتاج إليه. انتبهوا أنه في قيد لم يذكره الشيخ مرعي في المسألة، عليكم أن تكتبوه: إذا ذهبت أنا المضطر إلى هذا الإنسان الذي عنده طعام وشراب وهو غير مضطر إليه، وقلت له: أعطني طعاماً أو أعطني شراباً لكي أعيش، فامتنع هو من إعطائي بعد أن طلبت منه، فأدى ذلك إلى موتي وهلاكي؛ حينئذ يعتبر قاتلاً وسيضمن الدية.

هل يعتبر قاتل عمد أم مش قاتل عمد، شبه عمد؟ هذا سأذكر الخلاف في آخر شيء، لكن أريدكم أن تتصوروا المسألة. أنا في صحراء اضطررت إلى طعام وشراب لكي أعيش، فوجدت شخصاً ما شاء الله أموره منغنشة بهالصحراء ومعاه طعام وشراب وهو غير مضطر إليه، فذهبت فطلبت فامتنع. فمت هنا سيضمنني ويعتبر قاتلاً. فلا بد من قضية أن أطلب منه ابتداءً، لأنني إذا لم أطلب منه ابتداءً وهو لم يتبرع بإعطائي فمت هنا، لم يعتبروني قاتلاً. الحنابلة اعتبروه قاتلاً إذا أنا طلبت فلم يعطني.

لذلك زيدوا عندكم في هذه المسألة: «من اضطر إلى طعام غير مضطر، أو إلى شراب غير مضطر، وطلبه». لازم كلمة «وطلبه» هي موجودة في المنتهى والإقناع، لكن أنا أستغرب عدم ذكر الشيخ مرعي لهذا القيد مع أنه مهم؛ لأنه إذا أنا اضطررت إلى طعام وشراب لكن ما طلبت، وذاك الشخص لم يعطني، هنا لا يعتبرني الحنابلة قاتلاً. متى اعتبروه قاتلاً لي؟ إذا أنا طلبت وهو رفض، في حالة لم أطلب لا يعتبر قاتلاً. فهذا قيد مهم عليكم أن تكتبوه.

إذاً هذه الصورة الأولى: من اضطر إلى طعام غير مضطر أو إلى شرابه وطلبه فلم يعطه فمات، عليه أن يضمن الدية. طيب، الصورة الثانية: «أو أخذ طعام غيره أو شرابه وهو عاجز». أنا أتيت لشخص في الصحراء، هذا الشخص معه شوية طعام وقليل من الشراب بالكاد تكفيه حتى يصل إلى مدينته، فذهبت فأخذت منه الطعام والشراب، سلبته الطعام والشراب وهو عاجز عن توفير غيرهما فمات المسكين. هنا اعتبر قاتلاً وعلي الدية، لكن ستعرفون أن الحنابلة في كل هذه الصور لم يعتبروا القتل عمداً وإنما اعتبروه شبه عمد.

الصورة الثالثة: قال: «أو أخذ دابته». شخص في الصحراء ذهبت فأخذت دابته وتركته وهو لا يجد دابة أخرى يخرج بها من هذه الصحراء فمات، تعتبر أنا قاتلاً لكن قاتل شبه عمد. قال: «أو ما يدفع به عن نفسه من سبع ونحوه فأهلكه». إنسان معه أشياء يدافع بها عن نفسه في الغابة، إذا داهمته السباع ذهبت أنا فأخذت ما معه من الآلات التي يدافع بها عن نفسه، مثلاً معه سيف أو رمح أو شيء، سلبت منه هذه الآلات وتركته في الغابة من دون آلات يحمي بها نفسه من السباع فمات، أيضاً هنا اعتبر الحنابلة أنني قاتل وعلي الدية.

في كل هذه الصور كما تلاحظون قال الحنابلة: «ضمنه». السؤال الآن: «ضمنه» يعني ماذا؟ سيضمن دية لأنه سيعتبر قاتلاً. هل يضمن الدية من جيبه الخاص أم ستكون على عاقلة القاتل؟ كما قلنا هذا سيعود إلى تصنيفنا للجناية. الحنابلة قالوا ابتداءً هنا: «ضمنه»، يعني دفع الدية من جيبه الخاص، هكذا يذكرون في الشروح الأساسية: «ضمنه» أي سيدفع الدية وتكون الدية من جيبه.

طيب، إذا كانت الدية ستدفع من جيبه الخاص، إذاً أنتم صنفتم هذه الجناية على أنها قتل عمد. متى القاتل يدفع الدية من جيبه الخاص؟ إذا كان القتل قتل عمد. إذا قولكم إنه سيدفعها من جيبه الخاص معناته أنكم صنفتم هذه الجنايات على أنها قتل عمد، ممتاز. إذا صنفتموها على أنها عمد، معناتها يستحق أولياء المقتول المطالبة بالقصاص. فهل أنتم أيها السادة الحنابلة -وفي المعتمد طبعاً تقولون- بإمكانية القصاص في هذه الصور؟ هل يمكن لأولياء المقتول المطالبة بالقصاص من الشخص الذي فعل هذه الأمور؟

تقولون: لا، ما في قصاص، فقط دية. طيب، إذا ما في قصاص وفقط دية، إذاً هذه ليست جناية عمدية وإنما تكون جناية شبه عمد، هكذا المنطق التأصيلي. وهذا ما ذهب إليه القاضي أبو يعلى من السادة الحنابلة، القاضي أبو يعلى ناقش بعض الحنابلة في هذه المسألة وقال لهم: الأصل أن تكون الدية هنا ليست على القاتل بل على عاقلته. لماذا يا قاضي؟ قال: لأنكم لا تسمحون لأولياء المقتول بالمطالبة بالقصاص، ما في قصاص خلاص، تقولون إذا ما في قصاص معناتها ليست جريمة عمدية، معناتها شبه عمد.

ما عندنا قواعد نأسر عليها، وكلام القاضي أبو يعلى يعني أميل إليه، أقوم أميل إليه وإن كان لا يظهر أنه المعتمد، لكنني أميل إليه لأنه يسري على القواعد؛ بما أنكم لا تسمحون بالقصاص في هذه الصور وإنما الدية فقط، إذاً هذه ليست جريمة عمدية وهي شبه عمد، وبالتالي الأصل في شبه العمد أن الذي يتحمل الدية هو العاقلة وليس الجاني نفسه. فهذه مناقشة خفيفة في هذه المسألة.

ثم ختم هذا الفصل فقال: «وإن ماتت حامل أو حملها الريح طعام ضمن ربه إن علم ذلك من عادتها». ما معنى هذا الكلام؟ امرأة حامل موجودة في منزل، صاحب هذا المنزل أو صاحبة هذا المنزل ممكن تكون امرأة أو رجلاً، يطبخ طعاماً وهذا الطعام رائحته سببت موتاً للحامل، ماتت منها الحامل أو مات جنينها، ففي هذه الحالة هل يعتبر صاحب الطعام الذي يطبخ هذا الطعام قاتلاً لهذه المرأة أو لجنينها؟ قال الحنابلة: ضمن ربه إن...

ذلك من عادتها. إذا كان الذي يطبخ الطعام يعلم أن رائحة هذا الطعام من عادتها أنها تؤذي وتقتل الحوامل، أو تقتل الأجنة في بطون الحوامل، ومع ذلك طبخ وهو يعلم بوجود المرأة الحامل عنده في البيت، هنا يعتبر قاتلاً وسيضمن، لكن ليس هو الذي يضمن طبعًا عقيدته؛ لأن هنا الجناية ستتراوح ما بين شبه العمد والخطأ، تتراوح بين شبه العمد والخطأ. شبه العمد إذا كان يقصد الاعتداء، وخطأ إذا كان نوع من الاستهتار العام ولم يتصد الاعتداء.

فعمومًا، ما ضابط هذه المسألة؟ امرأة حامل في بيت صاحبة أو صاحب هذا البيت، طبخ طعامًا وهو يعلم من عادة هذا الطعام أنه يقتل الحوامل أو الأجنة في بطون الحوامل، زائد يعلم أن المرأة الحامل موجودة عنده، لأنه ممكن يكون مش عارف أن المرأة دخلت عنده البيت أو هي لا تعرف أن المرأة عندها في البيت، فإذا لا بد تكون أو يكون يعلم أن المرأة الحامل في البيت ومع ذلك طبخ الطعام فماتت الحامل أو جنينها، هنا سيدفع دية الحامل إن كانت الحامل هي التي ماتت، وسيدفع دية الجنين إن كان الجنين هو الذي مات، وإذا ماتت الحامل والجنين فعليها دية الحامل ودية الجنين على ما سيأتي معنا من التفاصيل إن شاء الله في دية كل شخص. وهذا كما قلنا يكون على العاقلة وليس على نفس الجاني؛ لأنه لا يصنف قتل العمد.

ثم عقد فصلًا آخر في مسائل، لاحظوا مسائل كثيرة عم بحاول الشيخ رحمة الله عليه يصور لكم من الذي يتحمل الجناية فيها ومن الذي يتحمل الدية فيها؟ قال: «فصل: وإن تلف واقع على نائم غير متعد بنومه فهو هدر». ما هي هذه المسألة؟ إخواني الكرام، إنسان نائم في مكان يحق له أن ينام فيه، شخص نائم في مكان يحق له النوم فيه لأن هناك أماكن ما بحق لك تنام فيها، والله شخص نائم في الطريق العام، والطريق العام ليس مدعى للنوم.

فشخص نائم في مكان يحق له أن ينام فيه، فسقط عليه شخص من أعلى عمارة فرضًا، شخص كان على سطح عمارة تزحلق سقط ووقع على هذا النائم، فبسبب ارتطامه بالنائم مات الساقط، ليس النائم الذي مات، لا، النائم يظل عايشًا، الذي مات هو الشخص الساقط الذي سقط تمامًا، مات بسبب ارتطامه بالنائم، فهل النائم سيتحمل الدية في هذه الحالة؟ قالوا: لا، لأن النائم نائم في مكان صحيح يحق له أن ينام فيه، وهذا الشخص سقط سواء سقط وحده أو بعام من العوامل، سقط من أعلى العمارة فارتطم بهذا النائم فمات بسبب الاصطدام، النائم ليس له أدنى علاقة بالموضوع، فبالتالي هذا الموت قالوا هدر والنائم لا يضمن منه شيئًا.

إذن: «وإن تلف واقع» أي ساقط شخص ساقط، «على نائم غير متعد بنومه فهو هدر». مفهوم المخالفة أنه إذا كان هذا النائم نائمًا في مكان ليس له أن ينام فيه، في الطريق العام، فوقع شخص من سطح العمارة على هذا النائم فبسبب اصطدامه بالنائم مات، في هذه الحالة النائم سيضمن الدية، طبعًا ليس هو عقيدته؛ لماذا؟ لأنه النائم متعدٍ في نومه، النائم هنا متعدٍ في نومه في مكان عام، فإذا وقع شخص عليه فمات بسبب الاصطدام سيضمنه النائم ويكون على عقيدته طبعًا؛ لأنه يعتبر شكلًا من أشكال القتل الخطأ، ليش اعتبرناه قتل خطأ؟ لأنه لا يظهر قصد الاعتداء على هذا الشخص وكان نائمًا أصلًا، لكنه أخطأ في نومه في مكان ليس معدًا للنوم.

طب العكس؟ قال: «وإن تلف النائم فغير هدر». أما نرجع لأصل قصة شخص نائم في مكان يصلح أن ينام فيه فوقع شخص عليه من أعلى فمات النائم، في هذه الحالة المسألة الثانية مات النائم وليس الساقط، هل هذا الواقع عليه أن يضمن دية النائم؟ قالوا: نعم، ما دام النائم نائمًا في مكان صحيح وأنت سقطت عليه من سطح عمارة فقتلته عليك أن تضمن الدية، طبعًا هذا قتل خطأ يعتبر، فتكون الدية على عاقلة الساقط الواقع. وأما إذا كان النائم نائمًا في مكان ليس معدًا للنوم فسقط عليه شخص فمات هذا النائم، لا يضمن الواقع ولا عاقلته شيئًا بل تكون الأمور هدر؛ لأن النائم هو النائم في المكان الخطأ، فبكم تفرقوا بين هذه المسائل.

ثم قال الآن عدة صور، ركزوا معي أنا أسردها سريعًا: «وإن سلم بالغ عاقل نفسه، أو سلم البالغ العاقل ولده إلى سباح حاذق ليعلمه»، إلى أستاذ سباحة حاذق بالسباحة ليعلمه السباحة فغرق، أو أن غرق هذا الذي سلم نفسه أو غرق الطفل. إذا سلم شخص بالغ عاقل نفسه، أو سلم شخص بالغ عاقل ولده إلى أستاذ سباحة متخصص في تعليم السباحة ليتعلم، فغرق الله سبحانه وتعالى أن يموت هذا الشخص أو يموت ابنه غرقًا، هل تحدث ضمان ولا ما في ضمان؟ هذا الذي بدنا نعرفه إن شاء الله في النهاية.

«أو أمر مكلفًا شخصًا بالغًا عاقلًا أن ينزل بئرًا أو يصعد شجرة فذهب هذا المكلف فنزل بئرًا أو صعد شجرة فهلك»، نزل البئر فمات، أو صعد الشجرة فوقع ومات. «أو تلف أجير بئر أو بناء حائط بهدم ونحوه»، أنا استأجرت شخصًا وقلت له بدي إياك تحفر لي بئرًا، هذا المستأجر يحفر ويحفر، سبحان الله وقع انهيار ترابي عليه فمات، أو استأجرت شخصًا لبناء حائط، وهذا المستأجر المسكين يبني هذا الحائط فالحائط يقع عليه فيموت، هل أضمن ولا لا؟ خلينا نكمل الصور كلها.

الصورة التي تليها قال: «أو أمكنه أن جاء نفس من هلكة فلم يفعل»، أنا كنت أستطيع أن أنقذ شخصًا من مهلكة، شخص يغرق في البحر كان بإمكاني أن أنقذه بس ما أنقذته، شخص في الصحراء كان بإمكاني أن أنقذه أخذته بالسيارة معي بس ما أنقذته، إذا أمكنني أن أنقذ نفسًا من مهلكة فما فعلت ذلك، رأيت شخصًا يغرق ما أنقذته مع أني أقدر، رأيت شخصًا في صحراء ما أنقذته مع أني أقدر.

«أو أدب الأب ولده، أو الأم ولدها، أو أدب زوجته في نشوز»، المراد بالتأديب طبعًا هنا الضرب، «أو أدب السلطان رعيته»، تأديبه المشروع ولم يسرف، يعني تأديب لا إسراف فيه؛ إذا ضرب الأب ابنه أو الزوج زوجته في النشوز، أو السلطان رعيته عند العصيان ولم يسرف في التأديب، ما تجاوز الحد في الضرب، ما تعسف في استعمال الحق، اليوم يسمونها، فقال: «فهدر في الجميع»، يعني كل تلك المسائل التي أخذناها.

لا ضمان فيها ولا دية. معلم السباحة في المسألة الأولى لا يضمن الغارق. الذي أمر المكلف بأن ينزل البئر أو يصعد الشجرة ففعل المكلف ذلك لا يضمن الآمر.

الذي استأجر الأجير ليحفر بئراً أو ليبني حائطاً لا يضمن هذا الأجير الذي مات. الذي لم ينقذ النفس من المهلكة مع أنه كان قادراً على أن ينقذها لا يعتبر قاتلاً في هذه الحالة، وبالتالي ليس عليه الضمان.

الأب الذي أدب ولده أو الزوجة التي ضربت بسبب نشوزها أو السلطان الذي ضرب أحد الرعية لخطئه ولم يسرف، فقدر الله أن يموت الولد أو تموت المرأة مع الضرب أو يموت هذا المواطن مع ضرب السلطان له من دون إسراف (هذا القيد يعني تم رفع الأمر للقضاء، القضاء حكم أنه ما كان في إسراف، لكن الموت حدث قدرا في كل هذه الصور)، لا يوجد دية ولا يوجد ضمان. هذه النفس خلاص قدر الله أن تموت فلا يوجد ضمان؛ لأنه لا يوجد تعسف في استعمال الحق، لا يوجد تصرف غير مأذون به شرعاً.

بينما مثلاً إذا قالوا: إذا شخص أمر غير مكلف بأن ينزل بئراً أو يصعد شجرة، فذهب هذا الصغير فصعد البئر أو نزل البئر أو صعد الشجرة فمات، لا، هو نازع للضمان؛ لأنك أمرت شخصاً غير مكلف وهذا تعد، ليس لك أن تأمره بذلك. كذلك مثلاً الابن أدب ولده لكن أسرف، أو الرجل ضرب امرأته لكن أسرف، أو السلطان أدى بالرأي لكن أسرف فمات حدث موت، قال: سيضمن السلطان أو الأب أو الزوج؛ بأنه في إسراف في تعد، سيحدث ضمان للدية. وهكذا فعليكم أن تضبطوا صور هذه المسائل بشروطها ثم تحفظ القاعدة، فهدر في الجميع.

لذلك قال: وإن أسرف أو زاد على ما يحصل به المقصود، أو ضرب من لا عقل له من صبي أو غيره ضمن. يعني إذا حدث، والآن تعليق على المسألة الأخيرة في حال وقوع الإسراف في الضرب أو زاد على ما يحصل به المقصود. يعني الزوج يريد أن يؤدب زوجته، المقصود يحصل بكذا وكذا من الضربات غير المبرحات، وهذا أصلاً كما قلنا هو الحل الأخير بعد أن يعظوها ويخوفوها ثم يهجروها في المضجع، ثم إن بقيت مصرة على النشوز جاء الضرب غير المبرح ولا يزيد على عشرة أصوات الممر معنا.

فالمهم، إذا رجل ضرب ولده فحصل المقصود بالضرب (خلص ضربتين ثلاث حصلت المقصود) أو ضرب زوجته فحصل المقصود، في الحقيقة أي ضربة زائدة هي تسمى إسرافاً. فأنا أرى أن المسألة وإن أسرف أو زاد على ما يحصل به المقصود أظن في تلازم، ولا لا تلاحظون؟ لأنه كل ضربة زائدة على ما يحصل به المقصود هي إسراف، ما بعرف إذا بتوافقوني الرأي في هذا ولا لأ. كل ضربة زائدة على ما يحصل به المقصود فهي إسراف في الضرب، فأظن أن هناك تلازم بين نقطة «وإن أسرف أو زاد»، يعني لو جمعهم مع بعضهم البعض أقول يمكن يكون أخسر في الكلام.

وكذلك لو ضربه، إذا الأب ضرب من لا عقل له من صبي أو غيره، إذا ضرب من لا عقل له فاقد العقل ومات، فإن الضارب سيضمن على كل الأحوال؛ لأن الشخص المجنون لا يضرب، ما هو مجنون! ما فائدة، لا فائدة من تأديبه، ربنا عز وجل سلبه العقل. فاذا ضرب شخص فاقد العقل سواء كان صبياً ولا غير صبي فمات هذا المجنون سيضمنه الضارب على كل الأحوال؛ لأن هذا أصلاً ضرب تعدٍ ولا يكون تأديباً.

ثم قال: ومن نام على سقف فهوى به لم يضمن ما تلف بسقوطه. شخص كان نائماً على سقف على سطح بيت، فجأة إذا بهذا السطح ينهار فيقع هذا الشخص النائم على أناس أسفل منه أو على أموال أسفل منه فتتلف بسبب سقوطه، يقولون: هذا النائم لا يضمن في هذه الحالة. نعيد الصورة مرة أخرى: انسان نائم على سطح منزل انهدم هذا السطح فسقط هذا النائم، فلما سقط أتلف نفوساً وأتلف أموالاً، هل يضمن ما تلف بسبب سقوطه؟ قالوا: لا يضمن ما تلف بسبب سقوطه؛ لأن سقوطه ليس بإرادته وإنما كان بسبب انهيار الحائط.

لكن إذا سقط على شيء من مال أو نفس ومكث عليه فتتلف هذا الشيء بسبب ليس السقوط بل بسبب دوام المكث، في هذه الحالة نعم سيضمن. بدكم تفرقوا بين التلف إذا حصل بسبب السقوط وبين التلف إذا حصل بسبب المكث. يقول الحنابلة: إذا هو سقط فبسبب السقوط تلفت نفس من النفوس أو مال من الأموال، نعم هو لن يضمن، لكن إذا هو سقط على شيء من نفس أو مال فمكث عليه قليلاً، هو سقط فمكث، فما تحته إنما تلف بسبب المكث وليس بسبب السقوط، ما تلف بسبب المكث سيضمنه، حتى لو قال: يا شيخ والله أنا ما تقصدت المكث بس سبحان الله يعني لسا ما جهزتش حالي لأقوم، وإلا هالنفس اللي تحتي ميتة أو الشيء الذي تحتي تلف، من تضمن؟ لأنه تلف بسبب مكثك وليس بسبب سقوطك. فما تلف بسبب سقوطك خلص هدر؛ لأنه مش أنت اللي سقطت بإرادتك، هذه ليست مثل مسألة الواقع، الواقع من سقف بيت أو من سطح بيت فقتل نائماً قلنا بدو يضمن، صح؟ لأنه هو واقع بنفسه تمام؟ يعني هو الذي وقع. لكن هنا نتكلم عن مسألة الهدم مسألة أخرى.

ومن نام على سقف بيت فهوى به السقف كله نزل به، في هذه الحالة لم يضمن ما تلف بسبب السقوط، لكن سيضمن ما تلف بسبب دوام مكثه على الشيء سواء كان هذا الشيء نفس أو مال.

طب لو أطيل عليكم أكثر من هذا؟ إن شاء الله في المحاضرة القادمة بإذن الله أحبابي الكرام نبدأ ندخل في بيان ما هي مقادير الديات، سواء ديات النفس أو ما دونها. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً، يا أكرم الأكرمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.