دخولتسجيل الدخول

الدرس 108 - باب الإيلاء + باب الظهار + بلاب اللعان

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية. يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبابي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام العبد بن يوسف الكرمي، على مذهب السادة الحنابلة -رضوان الله تعالى عليهم-. في المحاضرة السابقة أحبائي، أنهينا الحديث عن أحكام الطلاق، وهكذا نكون أنهينا الحديث عن أبرز الأمور المتعلقة بفراق الزوج لزوجته.

باختصار، فراق الزوج لزوجته إما أن يكون ابتداءً بطلب من جهة المرأة، وهذا تكون صورته في الخلع، وإما أن يكون ابتداءً من جهة الزوج، وهذا تكون صورته بالطلاق. هذا في الجملة، حتى تقرب الصورة؛ فإن فراق الزوج لزوجته إذا طالبت به المرأة مقابل عوض فهنا سيتم الخلع، وإذا قام به الزوج ابتداءً وبادر به فهذا يكون بالطلاق.

هذا كلام جملي. اليوم بإذن الله، بعد أن أنهينا الحديث عن الخلع، عن الطلاق، عن الرجعة، وعن أهم الأحكام المتعلقة بذلك، سنتعرف على بعض التصرفات التي يمكن أن تصدر بين الزوجين وما يترتب عليها من أحكام شرعية. سنتكلم اليوم بإذن الله عن مجموعة تصرفات يمكن أن تصدر من أحد الزوجين أو من كليهما وما سيترتب عليها من أحكام شرعية، وأهم هذه التصرفات ثلاث: نتكلم عن الإيلاء، ونتكلم عن الظهار، ونتكلم عن اللعان.

هي ثلاثة أمور؛ التصرف الأول الإيلاء، نتعرف على طبيعة هذا التصرف مع الأحكام المترتبة عليه وما حكمه، والظهار مع طبيعة هذا التصرف والأحكام المترتبة عليه، وكذلك اللعان. فنبدأ مستعينين بالله حتى لا نطيل عليكم، ونبدأ بالإيلاء.

قال الشيخ -رحمه الله-: «كتاب الإيلاء». والشيخ مرعي دخل مباشرة في حكمه فقال: «وهو حرام كالظهار». لكن قبل أن نعرف الحكم لابد أن نتصور، أليس كذلك؟ والحكم على الشيء فرع عن تصوره. وفي الحقيقة الشيخ مرعي لربما أخر ذكر التعريف إلى منتصف الصفحة لما قال: «فإن حلف الزوج بالله أو بصفة من صفاته على ألا يطأ زوجته أبداً، أو مدة تزيد على أربعة أشهر، صار مولياً».

هذا الذي ذكره في منتصف الصفحة، والأفضل أن يذكره في بداية الصفحة؛ هذه عادة الحنابلة أن يذكروا تعريف الإيلاء في بداية الصفحة ثم يذكرون حكمه، وهذا من حسن الترتيب، فيجب أن يراعيه الطالب عندما شاء الله يؤهله للتصنيف، وهو حسن الترتيب والتنسيق في المعلومات؛ فلا أذكر الحكم ثم بعد ذلك أذكر التعريف، لا، الأصل أن أصوّر الشيء للطالب ثم بعد ذلك أذكر حكمه. فبالتالي نعتمد ما ذكره الشيخ في منتصف الصفحة تعريفاً للإيلاء.

ما هو الإيلاء؟ الآن أحبابي، الإيلاء في اللغة هو الحلف، لكن الإيلاء بمفهومه الشرعي في كتاب النكاح، المراد به -اسمعوا ما المراد بالإيلاء حتى تفهموا لأن الله ذكره في كتابه: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226]- فحتّى أنت تكون ملماً بتفسير هذه الآية لابد يكون عندك تصور ما معنى الإيلاء.

الإيلاء في اللغة هو الحلف، أما في الشريعة فالإيلاء هو أن يحلف الزوج بالله تعالى أو بصفة من صفاته العلى -وسيأتي معنا ما الذي يجوز الحلف به وما الذي لا يجوز الحلف به في باب الأيمان إن شاء الله، لكن عموماً هو الآن يتكلم عن الحلف الصحيح المقبول شرعاً بأن يحلف بالله أو بصفة من صفاته-. فقال: إن حلف الزوج بالله أو بصفة من صفات الله -كأن يقول: وحياة الله، وقدرة الله، وعزة الله، فهذا جائز- يحلف على ماذا؟ يحلف على ألا يطأ زوجته.

إما أن يكون أبداً، فيقول: «وحياة الله وعزة الله لا أطأ زوجتي أبداً»، فيعلق الأمر على التأبيد. أو مدة تزيد على أربعة أشهر، فيقول: «والله لن أطأ زوجتي ستة أشهر، أو سبعة أشهر، أو ثمانية أشهر». وأضيف صورة ثالثة، هو أن يحلف بالله على ألا يطأ زوجته حتى يحصل شيء في العادة لا يحصل هذا الشيء إلا بعد أربعة أشهر؛ أن يحلف على ألا يطأ زوجته إلى مدة، لكن هذه المدة ما قال ستة أشهر أو سبعة أشهر، بل قال مثلاً: «لله عليَّ لا أطأ زوجتي حتى ينزل عيسى ابن مريم من السماء». هذا ذكره الحنابلة في كتبهم.

إذاً، في العادة نزول عيسى بن مريم من خلال قرائن الواقع يدل على أنه سيحتاج إلى أكثر من أربعة أشهر، فإذا علق وطأ الزوجة على مدة أو على شيء -خلينا نقول- يقع في العادة أو سيقع في العادة بعد الأربعة أشهر، فهذا يكون أيضاً حكمه حكم مولي.

فبالتالي هناك ثلاث صور للإيلاء أساسية: الصورة الأولى: أن يحلف بالله أو بصفة من صفاته على ألا يطأ زوجته أبداً. الثانية: أن يحلف ألا يطأ زوجته مدة تزيد على أربعة أشهر، فيحدد: لا أطأها ستة أشهر، أو سبعة أشهر، أو ثمانية أشهر. الثالثة: أن يحلف ألا يطأ زوجته حتى يحصل شيء في العادة لا يحصل إلا بعد أربعة أشهر؛ أن يحلف ألا يطأ زوجته حتى يحصل شيء في العادة هذا الشيء لا يحصل إلا بعد أربعة أشهر.

دائماً يقول: "أقسم بالله" أو "بآيات الله" أو "بعزة الله" ألا أتى زوجتي حتى ينزل عيسى ابن مريم. ممكن مثلاً يقول أيضاً: "أقسم بالله" -مثلاً نحن اليوم كم بيننا وبين موسم الحج؟ خلينا نقول بقي أربعة أشهر، خلينا نقول ضايل خمسة أشهر للحج- لو شخص قال: "أقسم بالله لا أطأ زوجتي حتى أحج هذا العام"، ونقول له: تعال، هذا إيلاء. ليه؟ لأنه حجك هذا العام سيحتاج إلى مدة أكثر من أربعة أشهر، فأنت قلت لن أطأ زوجتي حتى أحج هذا العام، وبين يمينك وبين الحج مدة أكثر من أربعة أشهر، فهذا كما قلنا علق عدم الوطء على شيء لا يقع إلا بعد مضي أربعة أشهر، فلذلك هذا يسمى إيلاء في الشريعة.

هذا هو مفهوم الإيلاء. إذا تصورت ما هو الإيلاء؛ زوج لأسف تفوه بما لا يجوز أن يتفوه به، لذلك الشيخ مرعي قال: «وهو حرام». الإيلاء والظهار كلاهما من الألفاظ المنكرة المحرمة التي لا يجوز للزوج أن يفعلها لأنها أذية للزوجة، ونحن عرفنا أحبابي الكرام -إذا بتذكروا في باب العشرة- عرفنا أن الزوجة لها الحق أن تطالب بالوطء في كل أربعة أشهر مرة.

حتى تعرفوا لماذا حدد الحنابلة مدة الإيلاء بأربعة أشهر، وهو نص القرآن: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَتَرَبَّصُوا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226]. لأن المرأة كما الماء لها الحق أن تطالب بالوطء في كل أربعة أشهر مرة، مش هيك حكينا؟ هذا الحد الأدنى. فالزوجة إذا لم يطأها زوجها في مدة أربعة أشهر لها أن ترفع للقاضي وتقول هذا الرجل لم يطأ، فالقاضي سيعامله معاملة المولي.

وسيأتي معنا، لأنه هناك في الحقيقة صور أخرى تلحق بالإيلاء، فيقولون -وهذه فائدة على السريع- لو أن الزوج ما قال أقسم بالله لن أطأ زوجتي أبداً، ولم يقل شيئاً أصلاً، ولكنه ممتنع عن الوطء حتى مضت أربعة أشهر؛ الزوج الممتنع عن وطء زوجته من دون سبب حتى مضت أربعة أشهر، في هذه الحالة الزوجة لها الحق أن تطالب أيضاً أمام القضاء وسيعامل معاملة المولي. فحتى لو لم يتكلم لكنه امتنع عن وطء زوجته من دون عذر أكثر من أربعة أشهر، هذا يعامل معاملة المؤذي أيضاً في المذهب لأنه يضر زوجته.

فالمرأة لها أن تطالب بالوطء في كل أربعة أشهر مرة. فإذا الزوج حلف بالله وبصفة من صفاته ألا يطأها أبداً، أو لأكثر من أربعة أشهر، أو علق الأمر على شيء لا يحدث في العادة إلا بعد أربعة أشهر، فهذا في الحقيقة تجاوز المدة المسموح بها شرعاً لعدم وطء المرأة. أنت مسموح معك أربعة أشهر لازم تطأ مرة، إذا حلفت ألا تطأها أكثر من أربعة أشهر فقد تجاوزت الحد المسموح لك وفعلت حراماً.

هذه الفكرة هي أنك يجب عليك أن تطأها في كل أربعة أشهر مرة إذا هي طلبت، وإذا هي سامحت خلاص هي حرة في ذلك، لكن إذا هي طلبت أنت ملزم بأن تطأها، فإذا حلفت ألا تطأها مدة أكثر من ذلك فأنت قلت قولاً منكراً لا يجوز عند الله سبحانه وتعالى ألا تضر بزوجك، فلذلك قال الشيخ مرعي: وهو حرام.

نعود إلى أول الصفحة، ما حكم الإيلاء؟ حرام كالظهار، أي كما أن الظهار الذي سيأتي معنا إن شاء الله حكمه حرام. من الذي يصح إيلاؤه؟ ضع القاعدة، وهذه القاعدة في الطلاق عفواً في الإيلاء وفي الظهار الذي سيأتي: الذي يصح منه الإيلاء هو كل زوج يصح منه الطلاق، لذلك قال: ويصح من زوج يصح طلاقه.

من الزوج الذي يصح طلاقه؟ عرفنا أن هناك ثلاث مواصفات يجب أن تكون: مميز، عاقل، مختار. مش قلنا هذا هو الزوج الذي يصح طلاقه؟ من اجتمع فيه أنه مميز، عاقل لما يتكلم به، مختار؛ فالذي يصح طلاقه يصح إيلاؤه ويصح ظهاره، هذه معلومة واضحة.

ويصح من زوج يصح طلاقه، سوى عاجز عن الوطء، إما لمرض لا يرجى برؤه، أو لجب كامل، يعني انقطاع في الذكر كامل. قال: أو لجب كامل، لأن الشخص إما أن يكون ذكره مقطوعاً بالكامل وإما أن يكون مقطوع البعض، فإذا كان مقطوع البعض هذا يمكنه أن يطأ، لكن إذا كان مقطوع الذكر بالكامل هذا لا يمكن أن يطأ.

فيقول: الإيلاء يصح من كل من يصح طلاقه، لكنه بعد ذلك استثنى العاجز عن الوطء، سواء كان لمرض لا يرجى برؤه، أو لجب كامل أي انقطاع الذكر الكامل، أو لشلل أنه ذكره مشلول ما يتحرك. من كانت به هذه المشاكل يا أحبابي هو لا يستطيع الوطء أصلاً، فلو حلف بالله أن لا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر أو أبداً، في الحقيقة هنا لا قيمة لهذا اليمين، قول الحنابلة لا قيمة لهذا اليمين؛ لأنه هو أصلاً في الوضع الطبيعي عاجز عن الوطء، فحلفه ألا يطأ لا قيمة له ولغوا، فلا ينبني عليه أحكام الإيلاء.

طبعاً الزوجة إذا اكتشفت بعد الزواج أن زوجها فيه مشكلة من هذه المشاكل لها الحق -كما ذكرت لكم وذهبت إلى هذا الاتجاه- أن تطالب بالفسخ. أنا ذهبت لهذا الاتجاه لأنه عرفنا أن الحنابلة بالنسبة للمرأة لم يعطوها حق الفسخ كما يعطون الزوج بالنسبة للعيوب، لكنني قلت لكم هناك قول آخر داخل دائرة المذهب وهو قول أرتضيه، أن المرأة إذا اكتشفت هذا العيب في الرجل -وهذا عيب يمنعها من الاستمتاع- لها أن تطالب بالفسخ مثلها مثل الرجل.

لكن نحن الآن نتكلم عن إيلاء، فكإيلاء من كان أصلاً هو عاجز عن الوطء ابتداءً، لا قيمة لحلفه هذا اليمين، بالتالي لا تترتب عليه الأحكام. إذن استثنى سوى عاجز عن الوطء، إما لمرض لا يرجى برؤه أو لجب كامل أو لشلل.

ثم الآن ذكر التعريف: إذا حلف الزوج بالله وبصفة من صفاته ألا يطأ زوجته أبداً ومدة تزيد على أربعة أشهر صار مولياً. يعني أصبح اسمه هذا مولي لأنه فعل الإيلاء، فالذي يفعل الإيلاء يسمى في الشريعة مولياً، هذه الكلمة كثيراً ما ستجدونها في كتب الفقهاء والطلبة لا يعرفون ما معناها. من هو المولي؟ هو الزوج الذي حلف الإيلاء، مولي اسم فاعل؛ أولى الرجل من امرأته يولي فهو مولي، مولي اسم فاعل.

الآن ما حكمه؟ إذا شخص فعل هذا الفعل المحرم، الزوج تكلم بهذا الكلام المحرم، ما حكمه؟ قال: يؤجل له الحاكم إن سألت زوجته ذلك أربعة أشهر من حين يمينه، ثم يخير بعدها بين أن يكفر كفارة يمين -أنا في النهاية هذه يمين- بين أن يكفر كفارة اليمين ويعود لوطأ زوجته، وبين أن يطلق، فإذا امتنع من ذلك قال: لا بدي أكفر كفارة يمين وأطأها ولا بدي أطلق، هنا سيطلق عليه الحاكم.

الآن ما هي الإجراءات التي ستترتب على الإيلاء؟ فقط هذا الحكم الذي سنتعلمه والايلاء باب سهل جداً. الآن هو حلف كما قلنا ألا يطأ زوجته أبداً أو مدة تزيد على أربعة أشهر، والآن الزوجة رفعت الأمر للقاضي، راحت للقاضي قالت له يا قاضي زوجي حلف ألا يطعني أبداً، هنا القاضي ينتظر مرور الأربعة أشهر ما دامت الزوجة قد طالبت.

إذا الزوجة ما طالبت خلاص هذا يبقى بينه وبين زوجته، ممكن هي تسامحه بالوطء كله، حقها وتنازلت عنه. لكن الكلام إذا طالبت الزوجة بحيث ذهبت إلى القاضي وأخبرته بما تكلم زوجها، القاضي ينتظره أربعة أشهر، بعد الأربعة أشهر ما دامت الزوجة تطالب بحقها، القاضي سيدعو هذا الرجل ويقول له: تعال مرت أربعة أشهر وأنت كنت مولياً من زوجتك، استنيناك، الآن بعد الأربعة أشهر لن ننتظرك، إما أن تكفر عن يمينك كفارة اليمين التي سنأتي لها إن شاء الله وتعود لوطئها.

وأما أن تطلق، يلا اختار واحد منهم؛ إذا الرجل اختار أن يكفر كفارة اليمين ويعود للوطء، ممتاز، خلص بنرجع لهم. إذا قال أطلق، بقول له خلاص طلق الآن. إذا هو قال لن أكفر ولن أطأ ولن أطلق أيضاً في نفس الوقت، هنا القاضي هو الذي سيطلق عليه، هو الذي سيصدر لفظة الطلاق.

لكن الحنابلة هنا قالوا شيئاً فيه نوع من المجادلة، حتى المتأخرين منهم، وكثير من تأخير الحنابلة جادلوا فيه. الحنابلة في المعتمد عندهم ماذا يقولون؟ يقولون إذا امتنع الرجل من الطلاق ومن الوطء طلق عليه الحاكم. ويقولون للحاكم هكذا: إن يتخذ قرار الطلاق بينهم فهو الذي يطلق، وله أن يتخذ قرار فسخ ابتداءً.

يقولون الحاكم معه خياران: أولاً إما أن يطلق ويسخ. فإذا الحاكم قرر أنه يجعل الموضوع بينهم مجرد فسخ، هذا في الحقيقة لصالح الزوجين؛ لأنه لو قرر الزوج أن يتزوج زوجته مرة أخرى فإنه يعود والعداد صفر، لم يستهلك ولا طلقة من الطلقات.

لكن إذا تزوجها بعد أن يكون الحاكم قد أصدر عليه طلاقاً، في الحقيقة هنا عندما يتزوجها -يعني لو أن الحاكم قال لا، ما بدي إياه فسخ، بدي إياه طلاق ونفرض أنه الحاكم طلق طلقة واحدة- هنا في هذه الحالة أصبح هذا الرجل كأنه طلق زوجته طلقة واحدة. الآن هذه الزوجة لو مثلاً هذا الرجل أعاد هذه الزوجة بعد انتهاء عدتها بعقد ومهر جديد، سيعيدها وقد نقص عدد الطلاق معه، يكون له طلقتان فقط لأن هناك طلقة راحت طلقها الحاكم نيابة عنه جبراً.

صحيح؟ لكن عموماً هم يقولون الحاكم له أن يختار؛ له أن يختار إما أن يجعل الموضوع فسخاً وإما أن يجعل طلاقاً. طيب وين المشكلة؟ المشكلة هنا في الطلاق. يقول الحنابلة الحاكم له أن يطلق طلقة واحدة، وأنه يمكن أن يطلق أيضاً بالثلاث. قالوا الحاكم في حال امتناع الزوج من الطلاق له أن يختار الطلاق أو الفسخ، وإذا اختار الطلاق له أن يطلق الرجل من زوجته طلقة واحدة، وله أن يطلق الرجل من زوجته ثلاث تطليقات.

هنا في الحقيقة المشكلة: كيف يجوز للحاكم أن يطلق الرجل من زوجته ثلاث تطليقات ونحن عرفنا أن تطليق المرأة ثلاث تطليقات في مجلس واحد حرام؟ مش هيك درسنا في الطلاق أنه ما يصير الزوج يطلق زوجته ثلاث تطليقات جميعاً مرة واحدة، وعرفنا أن هذا حرام شرعاً. فكيف نعطي الحاكم هذه الصلاحية أن يجعل طلاقها هذا الرجل من زوجته ثلاث تطليقات؟ يعني الحاكم يقول للزوجة: أنت مطلقة ثلاث تطليقات من هذا الزوج.

هنا الشيخ منصور البهوتي استشكل في شرحه على منتهى الإرادات، قال: كيف يصح هذا ونحن نمنع الزوج أصلاً في الوضع الطبيعي أن يطلق زوجته ثلاث تطليقات معاً، ونقول هذا حرام ولا يجوز؟ كيف نعطي هذا الحق للحاكم؟ فالشيخ منصور البهوتي استشكل هذا القول، وإن كان أكثر الحنابلة المتأخرين عليه.

لكن أنا هذا ما أسميه التمذهب الواعي، أنه أنا أفكر هل هذا القول صحيح ينطبق على قواعد المذهب ولا لا ينطبق؟ وفي الحقيقة منح الحاكم أن يطلق ثلاث تطليقات الذي يظهر أنه مخالف لقواعد المذهب؛ فبالتالي نذهب إلى القول الآخر وهو أن الحاكم له أن يطلق طلقة واحدة. ما في داعي نعطيه ثلاث تطليقات، يعني أصلاً طلقة واحدة تؤدي الغرض، فلا داعي أن يُعطى ثلاث تطليقات خاصة أنه تطليقها ثلاث تطليقات في مجلس واحد هذا حرام ابتداءً، فكيف يُعطى للحاكم؟

هذا موطن استشكال استشكله الشيخ منصور البهوتي، لكن كما قلت لكم أكثر الحنابلة المتأخرين يعطون الحاكم هذه الأحقية بتطليق ثلاث تطليقات جميعاً، لكن كما قلت لكم الذي يظهر أن هذا ليس صحيحاً وهذا مخالف لقواعد المذهب، والله تعالى أعلم. أنا أشد على يد الشيخ منصور البهوتي في انتقاده لهذه الفكرة.

جيد، هيك عم بكون انتهى الموضوع. إذا خلص الحاكم فرق بينهم بطلاق أو فسخ، انتهت الأمور وكل سيذهب بعد ذلك إلى حال سبيله. هكذا انتهينا من موضوع الإيلاء، طبعاً كما قلت لكم باب الإيلاء بشكل عام وفي الشريعة الإسلامية باب قصير، ما في كثير كلام، وسأقتصر على ما ذكره الشيخ مرعي حتى ننتقل إلى باب آخر، ألا وهو باب الظهار.

باب الظهار، ماذا قال فيه؟ هنا في الظهار وفق أنه أتى بالتعريف ابتداءً؛ عرّف لك ما هو الظهار ابتداءً منا. بسم الله، دعونا نفهم ما هو الظهار. الظهار -أحبائي قال الشيخ مرعي- هو أن يشبه الزوج امرأته، طبعاً أنا أضيف بعض الكلمات في أثناء حديثي ليست موجودة في الكتاب لكن حتى تفهموا السياق أكثر وأكثر: أن يشبه الزوج امرأته أو عضواً منها بمن يحرم عليه من رجل أو امرأة، أو يشبه عضو امرأته بعضو من أعضاء من يحرم عليه.

خليني أعطيك صور الظهار، وكلها صور لها حتى تفهم التعريف، فالظهار له صيغ وصور: الصورة الأولى أن يشبه امرأته كلها بامرأة تحرم عليه، تحرم عليه يعني الآن لا يجوز له أن يعاشرها أو يجامعها أو يعاملها معاملة الزوج لزوجته. وهذا يشمل المرأة التي تحرم عليه، طبعاً يشمل من تحرم عليه للأبد (المحرمات على التأبيد) وعرفنا من هم، ويشمل أيضاً من تحرم عليه لأمد، أي لمدة، مثل أخت الزوجة وما شابه ذلك.

فالحالة الأولى أن يشبه الزوج امرأته كلها بامرأة تحرم عليه. كلمة "تحرم عليه" تشمل من تحرم عليه حرمة أبدية، أو من تحرم عليه لأمد معين ويمكن أن تحل بعد ذلك الأمد، لكن المهم الآن أنها محرمة عليه. إذاً، أن يشبه امرأته كلها بامرأة تحرم عليه، أو برجل عموماً بذكر؛ لأنه أكيد الذكر لا يجوز أن تقيم معه علاقة زوجية، هل الرجل يجوز أن يقيم مع رجل علاقة زوجية بحال من الأحوال والعياذ بالله؟ هذه الفاحشة.

فإذا شبه امرأته كلها بامرأة تحرم عليه أو برجل، فقال: «أنت علي كأمي»؛ هنا شبهها، فقال: «أنت علي كأمي»، شبه امرأة زوجته كاملة بامرأة تحرم عليه كاملة، ما جاب موضوع الأعضاء. أو برجل يحرم عليه بكلية، ما ذكر منه أعضاء: «أنت يا زوجتي علي كأختك»، الأخت حرام عليه للأبد، صح؟ فلو قال لها: «أنت علي كأختك» برضه ظهار. طيب لو قال أنت علي...

أيضًا الظهار؛ لأنه شبه امرأته كلها بامرأة تحرم عليه، أو بامرأة، أو برجل. والمراد لما يقول لها: «أنتِ علي كأمي» أو «كأختك» أو «كزيد»، المراد هو ماذا يقصد بذلك؟ يعني لا يجوز لي أن أعاشرك كما لا يجوز لي أن أعاشر أمي أو أعاشر أختك أو أعاشر زيدًا. هذا هو مفهوم الظهار الذي كان معروفًا عند الجاهلية، والذي يستعملونه حتى الناس اليوم.

فما معنى هذا الكلام؟ يعني أنه لا يجوز أن أعاشرك، لا أحرم على نفسي معاشرتك كما يحرم علي معاشرة أمي وأختك وزيد. هذه الصيغة الأولى: تشبيه امرأته كلها بامرأة تحرم عليه أو برجل كله.

الصيغة الثانية: أن يشبه عضوًا من امرأة بامرأة تحرم عليه أو رجل، يشبه عضوًا منها كأن يقول لها: «رجلك علي كأمي» أو «رجلك علي كزيد»، أو «يدك علي كأمي» أو «يدك علي كزيد»، بأن يذكر عضوًا منها ويشبهه بامرأة كلها؛ رجلك، يدك، ظهرك، بطنك علي كأمي أو كزيد.

الصورة الثالثة: أن يشبه زوجته كلها بعضو من امرأة تحرم عليه أو رجل، وهنا العكس؛ الثالثة عكس الثانية. أن يشبه زوجته كلها بعضو من امرأة تحرم عليه أو رجل، فيقول لزوجته: «أنتِ كلي»، «أنتِ علي كظهر أمي». وهذه أشهر الصيغ عند العرب؛ هكذا كانوا يقولون: «أنتِ علي كلك كظهر أمي» أو «كأيد أمي» أو «كبطن أمي» أو «كظهر زيد» أو «كرجل زيد»، ويقصدون بذلك تحريم المعاشرة على أنفسهم، بأن يشبه زوجته كلها بعضو من امرأة تحرم عليه أو برجل، وليس عضوًا منها.

الصورة الرابعة والأخيرة: أن يشبه عضوًا بعضو حتى يختصر الأمور، فيقول لها: «رجلك علي كرجل أمي»، «بطنك علي كبطن أمي»، «ظهرك علي كظهر زيد»، «علي كفمك» وهكذا. فإذًا هي أربع أحوال: إما أن يشبه الكل بالكل، أو يشبه البعض بالبعض، أو يشبه الكل بالبعض، أو يشبه البعض بالكل؛ هكذا يقولون حتى يقتصروا عليكم.

هذه أربع صور وكلياتها تعتبر ظهارًا. هذا معنى التعريف الذي ذكره: «أن يشبه امرأته عضوًا بمن يحرم عليه من رجل أو امرأة، أو بعضو منه».

بسم الله، ثم الظهار ما هو؟ وعرفنا ما مقصوده بهذه العبارة؟ مقصوده أنه يريد أن يحرم الوطأة على نفسه من هذه الزوجة. وما حكم هذا الكلام؟ حرام، والله عز وجل أنزل سورة المجادلة في هذا الأمر: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: 1-3].

الله عز وجل كذب من يقول لزوجته: «أنتِ علي كظهر أمي»، ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾، لا يصير أن تقول هذه ليست أمك، فليس من أمهاتهم إلا الذين ولدنهم، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾. ثم ذكر بعد ذلك الكفارة التي ستأتي معنا.

فمن قالها سيناقش بعض الألفاظ التي تصدر من بعض الأزواج. كما أن الطلاق فيه ألفاظ تكون صريحة في الطلاق ومحتملة، كذلك الظهار نفس الشيء؛ في ألفاظ تكون صريحة في الظهار لا تحمل إلا عليه، وهناك ألفاظ محتملة أن يريد بها الظهار وغيره، فلنناقش الألفاظ الموجودة عندنا.

قال الشيخ مرعي: فمن قال لزوجته: «أنتِ» أو «يدك علي»، يعني من قال: «أنتِ علي» أو «يدك علي كظهر» أو «كأيد أمي» أو «كظهري» أو «يد زيد»، وهي الألفاظ التي ذكرتها لكم، أو قال لزوجته مثلاً: «أنتِ علي كفلانة» الأجنبية. فإذا قال لزوجته: «أنتِ علي كسعاد»، فسعاد الآن هي فعليًا حرام عليه لأنه ليس عاقدًا عليها، فإذا شبه زوجته بامرأة أجنبية حتى لو لم تكن من ذوات محارمه، فهو الآن شبهها بمن تحرم عليه ما دام ليس عاقدًا عليها.

فلذلك قال: «أو أنتِ علي هي كفلانة الأجنبية»، أو لو قال: «أنتِ علي حرام». انظروا، هذه اللفظة جديدة؛ نحن الآن عرفنا ألفاظ التشبيه، ولكن هناك ألفاظ تفيد الظهار ليس فيها تشبيه، هناك ألفاظ تفيد الظهار أيضًا وتحمل على الإظهار مع أنه لا تشبيه فيها؛ كأن يقول لزوجته: «أنتِ علي حرام». هذه تضيفها على القائمة من ألفاظ الظهار أيضًا وإن لم يكن فيها تشبيه شيء بشيء.

إذا لو قال: «أنتِ علي حرام»، أو قال الرجل: «الحِلُّ علي حرام»، أي أقصد ما أحله الله لي منك، أنا الآن أحرمه على نفسي، أو «ما أحله الله لي منك حرام»، سواء قال: «الحِلُّ علي حرام» أو «ما أحله الله لي منك حرام»، كله صار مظاهراً. هو أعطاك مجموعة ألفاظ وقال لك: هذه الألفاظ هي التي يحصل بها عادة الظهار.

من قال لزوجته: «أنتِ» أو «يدك علي كظهر» أو «كظهري»، هذه فيها إضافة؛ «أنتِ علي» أو «يدك علي» بهذا التقدير «كظهري» أو «يد أمي» أو «كظهري» أو «يد زيد»، أو «أنتِ علي كفلانة الأجنبية»، أو «أنتِ علي حرام»، أو قال: «الحِلُّ علي حرام»، أو «ما أحله الله لي حرام»، كلها تدور حول لفظة «أنتِ علي حرام» مع تقديم وتأخير لبعض الألفاظ، فهذه كلها من صيغ الظهار، صار مظاهراً، هذا واضح.

وانظروا، إن قال: «أنتِ علي كأمي» أو «مثل أمي»، لاحظوا أن بعض هذه العبارات تكون صريحة في الظهار لا تحتاج إلى نية، وبعض العبارات لا تكون صريحة بل تكون كنائية فتحتاج لنية، وبعض العبارات تكون ظاهرة في الظهار لكن يمكن أن تُصرف بالنية إلى غيره.

فالألفاظ عندك: إما ألفاظ صريحة في الظهار، يعني قال: «أنتِ علي كظهر أمي»، هذه صريحة في الظهار لا يمكن للنية أن تغيرها. وألفاظ ظاهر فيها أنها المراد بها الظهار لكن يمكن في النية أن تغيرها إلى غيره، فهنا نعاملها على الظاهر حتى تثبت النية، يعني حتى يقول لنا: «أنا نويت بها خلاف الظاهر». وهناك نوع ثالث من العبارات التي الظاهر منها ليس ظهارًا لكن يمكن أن يُنوى بها الظهار. فخليني أقسّم الألفاظ في الظهار.

وهذا فعليًا هو تقسيم عام: ألفاظ نص في الظهار، أي لا تحتمل إلا معنى واحدًا وهو الظهار، وهي ألفاظ ظاهرة في الظهار لكن تحتمل غيره احتمالًا مرجوحًا. وهنا يظهر الطالب الذي يعرف مفهوم النص عند الأصوليين ومفهوم الظاهر.

النوع الثالث: ألفاظ ظاهرة في غير الظهار، وهي ظاهرة في غير الظهار وتحتمل الظهار احتمالًا مرجوحًا. الآن كيف نتعامل مع الأنواع الثلاثة؟ إذا كان اللفظ هو نص في الظهار، خلص، إذا تكلم به الرجل سيحمل على الظهار، ولا مجال لأي قرينة لتصرفه عن معناه لأنه نص، والنص ما له إلا معنى واحد، فلا مجال للنية أن تغيره أو تعبث فيه.

مثل لو قال: «أنتِ علي كظهر أمي»، فهذه فيها نص. لكن لو قال لها: «أنتِ علي كأمي»، هذه تحت القسم الثاني؛ «أنتِ علي» وأتى بكلمة «علي كأمي» أو قال لها: «أنتِ علي مثل أمي»، بدل الكاف وضع «مثل»، وأطلق، يعني لم يأتِ بأي قرينة تدل على مراده، ما في قرائن.

قال لها: «أنتِ علي كأمي» أو «أنتِ علي مثل أمي»، نقول هذه العبارة ظاهرة في هذا المعنى الظاهر، لكن هناك احتمال وهو مرجوح أن يكون قصد بقوله «أنتِ علي كأمي» يعني في كرامتك، في منزلتك عندي، في محبتي لك؛ مش ممكن هذا الاحتمال؟ بس هذا احتمال مرجوح، لا نذهب إليه إلا إذا جاءت قرينة تساعده. ومن القرائن هنا نية الرجل؛ فإذا قال الرجل لزوجته: «أنتِ علي كأمي»، قلنا له: والله هذه العبارة ظاهرها الظهار، فقال: لا، أنا حقيقة نويت فيها أنه أنتِ علي كأمي في ماذا؟ في كرامتك أو في معزتك، بنقول: هل هذه اللفظة أو الجملة تحتمل هذا المعنى الذي ادعاه ولو احتمالًا مرجوحًا؟ قالوا: نعم تحتمله. بما أنه تحتمله، والنية وزعم أن نيته بهذا اللفظ هذا المعنى الذي قاله، خلص بنترك المعنى الظاهر وهو الظهار ونذهب إلى المعنى المرجوح الذي عضده بماذا؟ بالقرينة وهي نيته.

بخلاف لو قال -زي ما قلت لكم- «أنتِ علي كظهر أمي»، جاب سيرة الظهر، وهذا كما قلت لكم هي عادة العرب الأكثر في الظهار؛ لأنه «أنتِ علي كظهر أمي» ما بيمشي أن يقول: والله أنا كان قصدي «أنتِ علي كظهر أمي» يعني في الكرامة أو المحبة والمعزة، ما في أحد يستعمل هذا عند العرب. فقوله «أنتِ علي كظهر أمي» هذا نص في الظهار، فلو زعم أنه لم يقصد ذلك لا يقبل. لكن «أنتِ علي كأمي» هنا الحقيقة هو صح ظاهر في الظهار، لكن يمكن فعلاً يمكن أن يكون قصد به في الكرامة والمعزة، فإذا ادعى ذلك وأنه نيته ذهبنا إليه.

الحالة الثالثة، لو قال لها -إذا لاحظوا إخوة الشيخ مرعي- وإن قال: «أنتِ علي كأمه» أو «مثل أمه» وأطلق فظهار، وإن نوى -يعني فإن قال إن نيتي في الكرامة أو المحبة أو المعزة ونحوها- فلا يعتبر ظهارًا. ثم ختم فقال: «أنتِ أمي» أو «أنتِ مثل أمي»، أو قال هكذا: «علي الظهار» أو قال: «يلزمني الظهار»، فهذا ليس بظهار إلا مع نية أو قرينة.

هنا بالعكس، لو قال لها: «أنتِ أمي» من دون ما يأتي بكاف التشبيه، أو «أنتِ مثل أمه»، عفواً، الفرق الأساسي مش قضية كاف التشبيه، الفرق الأساسي أنه لم يأتِ بكلمة «علي» هنا، كان يقول: «أنتِ علي كأمي» أو «أنتِ علي مثل أمي»، هنا في الحالة الثالثة ما كان يقول «علي»، مباشرة: «أنتِ أمي» أو «أنتِ مثل أمي». الآن «أنتِ أمي» أو «أنتِ مثل أمي» في الحقيقة هذه الظاهر فيها أنها ليست ظهارًا، يعني ليس في العادة يعبر بها عن الظهار ويتبادر إلى الذهن منها الظهار، لكن إن كان هو نوى بها الظهار أو دلت قرينة أنه أراد بها الظهار وقع ظهارًا. فهي في الوضع الطبيعي لا نلزم بها بظهار لو قالها واحد لزوجته: «أنتِ أمي»، هذا لا نحمله على الظهار إلا إذا نوى أو جاءت قرينة تدل على أنه قصد به الظهار، فنصرفه إلى الظهار: «أنتِ أمي» و«أنتِ مثل أمي».

طيب، ما الفرق إخواني؟ في فرق بين أن تقول: «أنتِ علي كأمي» أو «أنتِ علي مثل أمي»، وبين أن تقول: «أنتِ أمي» أو «أنتِ مثل أمي». كلمة «علي» هي التي عملت الفرق الجوهري، كلمة «علي» هي التي عملت الفرق الجوهري وجعلت «أنتِ علي مثل أمي» المتبادر منها الظهار، بينما «أنتِ مثل أمي» بدون «علي» المتبادر منها ليس الظهار، وهذا يعود إلى طبيعة العرب في استعمالاتها، فكلمة «علي» الموجودة هنا هي التي أحدثت الفرق بين هذا القسم وهذا القسم.

ومن القسم الثالث أيضًا ما لو قال: «علي الظهار». الآن إخواني، الظهار هو أساسًا لا يقع بلفظ الظهار، بخلاف الطلاق؛ الطلاق يقع بلفظ الطلاق: «أنتِ طالق»، لكن الظهار ما يقع بلفظ الظهار، يعني ما يقع أساسًا بقوله: «أنتِ مُظاهرة»، لا، ليست هذه الألفاظ للظهار، فهذه من الفوارق بين الطلاق وبين الظهار.

لأنه في الطلاق، إذا تذكرته لما تكلم عن لو أن الرجل قال: «علي الطلاق» أو قال: «يلزمني الطلاق»، الشيخ مرعي جعلها صريحة في الطلاق، الشيخ مر معنا لو الرجل قال: «علي الطلاق» أو «يلزمني الطلاق» هذه من الألفاظ الصريحة في الطلاق. طيب، ليش «علي الظهار» أو «يلزمني الظهار» جعلتوها من الألفاظ غير الصريحة في الظهار، مش النص ولا الظاهر في الظهار، جعلتوها أصلاً مش ظهار إلا إذا كان هناك قرينة؟ الفرق بينهم هو أن الطلاق ألفاظه هي كلمة «طالق»، فإذا قال لها «علي الطلاق» أو «يلزمني الطلاق» هو استعمل اللفظ الموضوع لإنشاء الطلاق، بينما الظهار ليس اللفظ الموضوع لإنشائه؛ «أنتِ مُظاهرة» ما في أحد يقول لزوجته «أنتِ مُظاهرة»، مثل الطلاق أو «علي المظاهرة»، ما أحد يحكيها عادة. الألفاظ الموضوعة للمظاهرة هي الألفاظ التي تكلم فيها الشيخ: «أنتِ علي كظهر أمي»، «أنتِ علي كرجل أمي»، أو «رجلُك علي كرجل أمي»، هذه الألفاظ المستعملة. وليست كلمة «الظهار» بحد ذاتها هي الكلمة التي تنشئ الظهار، لا، الظهار هو اسم لما يتكلم به، لكن أساسًا لو شخص قال لزوجته «أنتِ ظهار»، نقول هذه ليست صريحة في الظهار وليست ظاهرة فيه. فلو قال: «علي الظهار» أو «يلزمني الظهار»، من كل هذا لا يلزمك منها ظهار؛ لأن الظهار ليس اللفظ الموضوع له «أنتِ مُظاهرة»، بخلاف الطلاق اللفظ الموضوع له «أنتِ طالق»، هذا فرق مهم بين البابين. فلذلك جعل الحنابلة أن الرجل...

لو قال: "علي الظهار" أو "يزون الظهار"، قالوا هذا ليس ظهاراً إلا إذا نوى به الظهار، بخلاف أن يقول: "علي الطلاق"، ويلزمني الطلاق؛ هذا عرفنا أنه من صريح الطلاق، لأن كلمة طالق وطلاق وما شابهها هي نفس الألفاظ التي تستعمل في موضوع الطلاق، فلذلك لو قال "علي الطلاق" زمن الطلاق يقع.

لكن "علي الظهار" وزمن الظهار لا يقع ظهاراً إلا إذا جاءت نية أنه قال: "أنا نويت به إنشاء الظهار"، أو كانت قرينة في سياق الكلام تدل على أنه أراد به الظهار. العبارة الأخيرة قال: "وأنت علي كالميتة أو الدم أو الخنزير" -عافانا الله وإياكم-. رجل يقول لزوجته: "أنت علي كالميتة" أو "أنت علي كالدم" أو "أنت علي كالخنزير". لاحظ أنه شبه زوجته بأشياء يحرم على المسلم تناولها وتعاطيها لأنها نجاسات؛ فالميتة نجسة، والدم نجس، والخنزير يحرم أكلها. إذا شبه زوجته بالأمور التي حرمت الشريعة تعاطيها وتناولها أو الاقتراب منها وحثت على الابتعاد عنها كالميتة والدم والخنزير، هل نعتبر هذه الألفاظ ظهاراً؟

قال الشيخ مرعي رحمه الله: إذا استعمل لفظة من هذه الألفاظ لزوجته كالميتة أو كالدم أو كالخنزير، يقع ما نوى. هذا النوع نستطيع أن نقول مثلاً إنه من القسم الثاني؛ قال: يقع ما نواه من طلاق وظهار ويمين، فإن لم ينو شيئاً فظهار. الذي يظهر أن هذا يعتبر من القسم الثاني من الألفاظ الظاهرة في الظهار، لكن يجوز أن يحمل على غيره إذا كان هناك نية. فهو يقول لك من قال لزوجته "أنت علي كالميتة"، نقول له: ماذا نويت فيه؟ إذا نوى بها ظهاراً وقع ظهاراً، هذا لا إشكال فيه. إذا نويت بهذه العبارة الطلاق يقع طلاقاً، يعني من قال لزوجته "أنت علي كالدم" أو "أنت علي كالخنزير" إذا نوى به طلاقاً يعتبر من ألفاظ الطلاق الكنائية، وكذلك إذا نوى به اليمين.

ماذا يعني إذا نوى به اليمين؟ يقول الحنابلة: يقصدون باليمين هنا إذا نوى بقوله لزوجته "أنت علي كالخنزير" أن يحرم وطأها على نفسه من دون أن يقصد المظاهرة منها ومن دون أن يقصد الطلاق، هذا يسمى يميناً، كأنه باختصار "إيلاء"؛ فإذا قال: "أنت علي كالميتة"، فما نيتك؟ قال: "والله أنا نيتي أني أحلف يميناً أني لا أطأها، بس مش نيتي أني أظاهر منها لأن أعرف أنه حرام، ولا نيتي أني أطلق"، فهذا ما نسميه ظهاراً لأنه لم ينوِ به الظهار، وما نسميه طلاقاً لأنه لم ينوِ به الطلاق، بل نسميه يميناً. هو قال "أنت علي كالميتة" ونوى بها أن يحلف على نفسه ألا يقرب زوجته من دون أن يقصد ظهاراً ولا طلاقاً، هذا اسمه يمين.

فقوله "أنت علي كالميتة" أو "كالدم" أو "كالخنزير" إذا نوى به ظهاراً وقع ظهاراً، وإذا نوى به طلاقاً وقع طلاقاً، وإذا نوى به يميناً وقع يميناً يلزمه كفارة كما في باقي الأيمان. طيب، إذا قال: "يا شيخ لما حكيتها ما كان عندي أي نية"، نقول إذا لم يكن عنده أي نية، فهذا اللفظ ظاهر في الظهار ويحمل عليه. إذا قال: "أنا ما نويت ولا شي"، ونقول عبارتك "أنت علي كالميتة والخنزير" الأظهر منها الظهار، فيُحمل عليه؛ لأنه هنا لا توجد نية، ولو كانت هناك نية اتبعنا نيته، لكن بما أنه لا توجد نية يحمل على الظاهر منه وهو الظهار.

فيجب أن يكون عندك شوية مهارة في التعامل مع الألفاظ، وقد تناقش الحنابلة في بعض الأمور، ولا يلزمك أن تسلم لهم في كل شيء، لكن أريدك أن تفهم الفلسفة؛ أن ألفاظ الظهار تقسم إلى: ألفاظ ظاهرة في الظهار لكن تُحمل على غيره، وألفاظ ظاهرة في غير الظهار ولكن يجوز أن تُحمل على الظهار ما دام هناك نية. وهذا التقسيم موجود في كل شيء بشكل عام، ولا يحتاج إلى دلالات الألفاظ من الطلاق وغيره، هو تقسيم عام يوجد في كل الأمور التي تحتاج إلى ألفاظ.

ثم قال الشيخ مرعي رحمه الله تعالى عليه: "ويصح الظهار من كل من يصح طلاقه". وهذا أيضاً رمى معنا أن الإيلاء والظهار يصحان ممن يصح منه الطلاق، وهو العاقل المميز المختار، وكل عاقل مميز مختار حتى ولو لم يبلغ يصح منه الطلاق والظهار والإيلاء؛ احفظوها.

ويصح الظهار من كل من يصح طلاقه منجزاً، أي حالاً؛ من كان يقول لها "أنت علي كظهر أمي" وهي الحالة الطبيعية، أو معلقاً مثل الطلاق كأن يقول لها: "إن ذهبتِ إلى بيت أهلك فأنت علي كظهر أمي"، هذا تعليق. التعليق في الطلاق أو المحلوف به؛ وأنا قلت لكم بشكل عام إن البعض يجعل الطلاق المعلق والطلاق المحلوف به شيئاً واحداً، وهو نفس الشيء، فالظهار المعلق والظهار المحلوف به شيء واحد وكله يسمى يمين الظهار ويمين الطلاق.

والبعض يفرق بينهما، فيجعل الطلاق المعلق -وخلينا هنا على الظهار المعلق- كأن يقول لها: "إن ذهبتِ إلى دار أهلك فأنت علي كظهر أمي"، وأما المحلوف به فكان يقول: "زوجتي حرام علي إن فعلت هذا الشيء" أو "زوجتي علي حرام إذا ذهبت إلى كذا". في الحقيقة ستجد أن الفرق محدود جداً بين الحلف في الظهار وبين تعليق الظهار، ولكن يمكن أن يقال إن الحلف بالظهار البارز فيه أنه يريد أن يمنع نفسه من فعل شيء أو يحث نفسه على فعل شيء، وكذلك الحلف بالطلاق إن صح التفريق بينه وبين التعليق.

فنقول: الحلف يكون مقصد الحلف من الظهار أو من الطلاق ليس هو نفس الظهار أو الطلاق، وإنما أن يحث نفسه على شيء أو أن يزجر نفسه عن شيء، وسيقع طلاقاً أو ظهاراً على رأي سادة الحنابلة وجماهير أهل العلم. فإذا قال لها: "علي الحرام هيك"، بعض الناس يقول: "علي الحرام من زوجتي إذا زرت فلاناً"، هو في الحقيقة يريد أن يمنع نفسه ولا يريد الظهار، لكن إذا زاره سيقع الظهار. هذا يسمى حلفاً إذا أراد أن يمنع نفسه من شيء أو يحث نفسه على شيء. أما التعليق فلا، فالمراد به فعلاً تعليق شيء، أي تعليق الظهار على وقوع شيء مستقبلي؛ فالمقصود فعلاً يكون إيقاع الظهار في حالة وقوع شيء، وعدم إيقاعه في حالة عدم وقوعه؛ فإذا قال لها: "إن ذهبتِ إلى دار أهلك" أو "إن جاء زيد زارني فأنتِ مظاهر" أو "أنتِ علي حرام".

هنا هو في الحقيقة يريد التعليق، يريد أنه إذا حصل هذا الشيء يحصل الظهار أو إذا حصل هذا الشيء يحصل الطلاق. فهنا هو قصد فعلاً تعليق الطلاق أو الظهار على أمر معين ثبوتاً أو نفياً. وأما الحلف، فهو لا يقصد فعلياً تعليق الطلاق على هذا الشيء أو تعليق الظهار على هذا الشيء؛ هو يقصد أن يحث نفسه على الشيء وأن يمنع نفسه من الشيء فاستعمل الظهار أو الطلاق، فقال لها: «علي الحرام إذا فعلت كذا» أو «بأكل هذا الأمر».

وكلا الحالتين، وكان قصده التعليق حقاً أو قصده الحلف، في كلا الحالتين سيقع الطلاق المحلوف به والمعلق، وسيقع الظهار المحلوف به أو المعلق. نحن لا نفرق بينهما؛ لذلك قالوا: يصح الظهار من كل من يصح طلاقه منجزاً، وهي الحالة الطبيعية، أو معلقاً أو محلوفاً به.

فإن أنجزها لأجنبية أو علقه بتزويجها هل يقع؟ قال مثلاً لأجنبية: «أنتِ علي حرام»، ونوى الأبد، ونوى بهذا الكلام -يعني هو يخاطب امرأة أجنبية يقول لها أنتِ علي حرام وفي نيته أنها حرام على التأبيد- وهنا النية مهمة جداً؛ لأنه إذا لم ينوِ التحريم المؤبد وإنما نوى أنتِ علي حرام حالياً فكلامه صح، هي عليها حرام حالياً. فلا بد أن ينوي التأبيد فإنه يصح ظهاراً، فإذا تزوجها يحرم عليه أن يطأها حتى يكفر كما سنأتي من الأحكام.

خليني أشرح لكم هذا الكلام. هنا بدأ يتكلم عن مسألة: هل يقع الظهار من أجنبية؟ يعني ليست زوجة لك، امرأة أجنبية، هل يصح أن أقول لها: «أنتِ علي كظهر أمي»، أو أقول لها إن تزوجتكِ فأنتِ علي كظهر أمي، سواء منجزاً أو معلقاً؟ امرأة أجنبية، هل يجوز أن أنجز لها الظهار وهي أجنبية فأقول لها: «أنتِ علي كظهر أمي»، أو أعلق الأمر بزواجها فيقول: «إن تزوجتكِ فأنتِ علي كظهر أمي»؟ هل يمكن أن يصح الظهار من امرأة لم أتزوجها بعد؟

في الحقيقة من الفروق بين باب الطلاق وباب الظهار أنه الطلاق لا يقع على امرأة أجنبية؛ لو قلت لامرأة أجنبية: «أنتِ طالق» ما ينفع، ولو قلت لامرأة أجنبية: «إن تزوجتكِ فأنتِ طالق» أيضاً ما ينفع؛ لأن الطلاق مبني على امتلاك عصمة النكاح، لازم تكون ناكحاً حتى يصح منك الطلاق. أما الظهار، فالظهار يصح حتى من المرأة التي لم أتزوجها بعد. فإذا قلت لأجنبية: «أنتِ علي كظهر أمي» منجزاً، أو معلقاً: «إن تزوجتكِ فأنتِ علي كظهر أمي»، أو قلت لها اللفظة الثالثة: «أنتِ علي حرام» ونويت التأبيد؛ يعني أنتِ علي حرام وأنا ناوي فيها أنتِ علي حرام أبد الآباد، في كلا الأحوال الثلاثة يعتبر هذا الرجل مظاهراً.

إذا تزوج هذه المرأة في المستقبل ماذا سيحدث؟ فيحدث أنه لا يجوز له أن يطأها حتى يكفر، يفعل الكفارة التي سنأتي إليها، بعد ذلك يحل له أن يطأها.

الآن في اللفظة الثالثة الأخيرة، وهي قوله: «أنتِ علي حرام» ونوى الأبد. قال الشيخ: «لا إن أطلق أو نوى إذا»، يعني ماذا؟ ركزوا في اللفظة الأخيرة: «أنتِ علي حرام»، قالها لأجنبية. هنا حتى تكون هذه ظهاراً منها لابد أن ينوي التحريم الأبدي حتى يصح أن يكون ظهاراً، أما إذا نوى بقوله: «أنتِ علي حرام» أي أنتِ علي حرام الآن في لحظة كلامي، فهو صادق، هي في لحظة كلامه ليست زوجته فهي عليه حرام. وهذا معنى قوله: «أو نوى إذا»، أي نوى الآن.

أو لم ينوِ بها شيئاً؛ يعني قال لامرأة أجنبية: «أنتِ علي حرام»، ما نيتك؟ هل نيتك على الأبد؟ قال: لا والله ما عندي نية أصلاً. ونقول إذا ما عندك نية فإنه تحمل على ظاهرها، وظاهرها أنها محرمة عليك الآن. فإذا قال: أنا قصدت «أنتِ علي حرام» الآن، أو لم أقصد شيئاً، ما عندي أي نية، تكلمتها وأنا إنسان هكذا يدب الكلام دباً، فنقول هي ظاهرها أيضاً أنك تقصد «أنتِ علي حرام» الآن. حملها على الظهار إنما يكون في حالة واحدة: إذا قصد بها «أنتِ علي حرام» مؤبداً، فبالتالي وقع عليها الظهار، فإن تزوجها وجب عليه أن يكفر قبل أن يطأها. فهذا كلام عن اللفظة الأخيرة: متى تكون ومتى لا تكون ظهاراً.

ثم قال بعد أن عرفنا أن الظهار يصح منجزاً ومعلقاً ومحلوفاً به، أضاف لنا شغلة رابعة فقال: «ويصح الظهار مؤقتاً». كيف يعني؟ يعني يقول لها: «أنتِ علي حرام» أو «أنتِ علي كظهر أمي» خلال شهر رمضان، يحدد مدة للظهار هنا، هل يصح هذا؟ يصح، فيكون الظهار خلال هذا الشهر، فبالتالي لا يجوز له أن يجامعها خلال هذا الشهر، فإذا انتهى هذا الشهر يستطيع جماعها، أما خلال الشهر أو المدة التي حددها لا يستطيع أن يجامعها إلا إذا أتى بالكفارة.

لذلك قال: «ويصح الظهار مؤقتاً بمدة»، يعني: «أنتِ علي كظهر أمي شهر رمضان»، ففي شهر رمضان الآن لا يستطيع أن يطأها حتى يكفر. فإن وطئها فيه، إذا وطئها فيه معناته هو فعل الحرام، حتى ولو أطأها ليلاً، هو فعل الحرام لأنه مظاهر في شهر رمضان، فلا يجوز أن يطأها حتى يكفر، فإذا وطئها قبل أن يكفر، نعرف أن هذا حرام.

فقوله: «فإن وطئها فيه فمظاهر»، يعني كلمة مظاهر في الحقيقة لا تعبر عن المعنى، ولذلك أظن في المنتهى ما قال: «فمظاهر»، وقال: «فإن وطئ فيه فعليه الكفارة». أما هو مظاهر معروف أنه مظاهر، فعبارة «فمظاهر» لا تؤدي المعنى، الأصل أن يقول: «فإن وطئها في شهر رمضان فعليه أحكام المظاهر»، هكذا حتى يكون الكلام واضحاً. وإلا إذا ما أطأها في شهر رمضان، انتهى شهر رمضان وانتهى الظهار معه، فتصبح له زوجته حلالاً ولا يحتاج إلى كفارة؛ لذهاب أحكام الظهار بانتهاء المدة المؤقتة.

ثم قال: «وإن صح الظهار»، الآن يريد أن يعطيه أحكام الظهار؛ يقول لك: إن صح الظهار، إذا كان الظهار صحيحاً، يعني صدر ممن يصح طلاقه من مميز عاقل مختار واستعمل الألفاظ التي تدل على الظهار، ماذا سينبني على الظهار؟ قال: حَرُمَ.

على المظاهر والوطء ودواعيه، حتى دواعيه التي هي مقدمات الوطء من مداعبة الزوجة وتقبيلها وما شابه ذلك، يحرم عليه الجماع ودواعي الجماع. طبعاً تحريم دواعي الجماع خشية من أن تؤول إلى الجماع، هذه هي مشكلتها.

ويحرم عليه الوطء ومقدمات الوطء حتى يكفر؛ لذلك قال: حرم عليه المظاهر الوطء ودواعيه قبل التكفير. هذا الحكم الذي ينبني على الظهار، ما يصير تطأها ولا تداعبها حتى تأتي بالكفارة، وسنأتي ما هي الكفارة إن شاء الله.

فإن وطئ هذا الرجل خالف الحكم الشرعي، وطئ زوجته التي ظاهر منها قبل أن يكفر، فإن واطأها أولاً فعل حراماً، وثانياً ثبتت الكفارة في ذمته، وصارت الكفارة لازمة عليه.

إذا هو حلف في الظهار، إحنا بنقول له: لا يجوز لك أن تطأ ولا أن تداعب ولا أن تلاعب حتى تكفر، الآن الكفارة مش واجبة عليه لكن هو ممنوع من أن يطأ أو يداعب حتى يأتي بها. أما إذا صاحبنا خالف الحكم الشرعي فوطئها قبل أن يكفر، وطئها مش داعبها، إذا داعبها عمل حرام بس ما عليه كفارة، لكن إذا وطئها قبل أن يكفر هنا نقول الكفارة أصبحت الآن واجبة في ذمته واستقرت، انتهى الأمر. أنت قبل ما تطأها كنا نقول لك الكفارة مش واجبة في ذمتك لكن ما يصير تطأها حتى تأتي بها، أما بما أنك وطأتها خلص لزمت في ذمتك.

فإن وطئ ثبتت الكفارة في ذمته ولو مجنون، تصوروا هو الآن ظاهر من زوجته ثم اجتاحت حالة جنون وذهب عقله، وهو مجنون وقع على امرأته، منقول ستترتب عليه الكفارة. ومن ترتبت الكفارة عليه هنا لا يتعلق بكونه مكلفاً وغير مكلف، وإنما هذه الكفارة إنما هي مترتبة على اللفظ السابق الذي تكلم به وهو عاقل. هو لما تكلم بالظهار كان بعقله، فإذا وطأت زوجتك حتى ولو في حالة عدم تكليفك ستترتب عليك الكفارة؛ لأن هذه الكفارة مرتبطة بالقول الذي قلت به، وليست من شرط أن تجب عليك الكفارة أن تطأها وأنت عاقل بكامل قواك العقلية، كلا.

فإن وطئ ثبتت الكفارة في ذمته مجنون، ثم لا يطأ حتى يكفر. مش بقول خلص يا شيخ مش أنا وطئت وحكيتوا لي الكفارة واجبة في ذمتي خلص خليني آخذ راحتي وأطأ كما أريد؟ بنقول له: لا، أنت خالفت أول مرة وجبت الكفارة في ذمتك مئة بالمئة واستقرت، بس برضه ما يصير ترجع تطأ مرة ثانية حتى تكفر، وكلما وطأت أنت آثم وتقع في الحرام.

هنا سؤال ممكن البعض يقوله: يا شيخ إذا هو أنت حكيت إنه إذا رجل حلف على امرأته بالظهار أو قال بالظهار «أنتِ عليَّ كظهر أمي»، أنت قلت الآن إن الكفارة مش واجبة عليه صح؟ لكن لا يجوز له أن يطأ حتى يكفر، طيب إذا هو ما بده يكفر، والمرأة استنت شهر، شهرين، ثلاثة أشهر، منقول وهنا انتبهوا لهذه الفائدة واكتبوها: بنعطيه أربعة أشهر حتى يكفر.

بعد الأربعة أشهر المرأة تستطيع أن تذهب للقاضي وتقول له: يا قاضي هذا الرجل ظاهر ولسه ما كفر وصار له أربعة أشهر مش راضي يكفر، أنا أريد أن أطالب بالفسخ. فهنا القاضي يعامل هذا الرجل المظاهر الذي لم يكفر معاملة المولي بعد الأربعة أشهر؛ فيقول له: إما أن تكفر عن يمينك وتطأ زوجتك، وإما أن تطلقها. فإذا أبى التكفير والوطء، أو أبى الطلاق، القاضي هو الذي يطلق أو يفسخ عليه، مثله مثل الإيلاء. فالأمور ليست مفتوحة له، إحنا بنقول له لا يجوز لك أن تطأها وأن تداعبها حتى تكفر، بس بنعطيك لبعد أربعة أشهر، وبعد أربعة أشهر إذا المرأة صبرت عليك فهي حرة، وإذا ما صبرت وراحت للقاضي، القاضي سيعاملك معاملة المولي. هذه الفائدة اكتبوها عندكم.

وقال: «وإن مات أحدهما قبل الوطء فلا كفارة»، هذه واضحة. أما يعني واحد ظاهر من زوجته، سعيد ظهر من هند، ثم مات سعيد قبل أن يطأ، أو ماتت زوجته هند قبل أن يطأها، خلاص ما في كفارة، انتهى الظهار بانتهاء الزوج أو الزوجة.

الآن يتكلم عن الكفارة، بدنا نتعرف ما هي الكفارة التي عليه أن يكفرها قبل أن يطأ؟ قال: الكفارة في الظهار على الترتيب، وقد نص الله عز وجل عليها في سورة المجادلة. وهي أولاً عتق رقبة، وشروط هذه الرقبة يجب أن تكون رقبة مؤمنة، فلا تقبل الرقبة الكافرة، وهذا في جميع الكفارات وليس فقط في كفارة الظهار؛ لابد أن تكون رقبة مؤمنة.

ثانياً: سالمة من العيوب التي تضر بالعمل، فإذا كانت الرقبة المؤمنة والله فيها مشلولة الرجلين أو مقعدة هذه ما تنفع لأنها لا تستطيع أن تعمل، والرقبة التي تخرجها في الكفارة لازم تكون سليمة من العيوب التي تضر بالعمل. أما العيوب الخفيفة التي لا تضر بالعمل، إن كان مثلاً عنده عرجة خفيفة، أو كان عنده شيء من البرص في جسده غير منفر، أو كان عنده مرض من الأمراض أو عيب من العيوب لا يؤثر على العمل، هذه لا يجوز أن نخرجها.

فالرقبة التي تخرج تكون مؤمنة سالمة من العيوب المضرة بالعمل؛ فلا يجزئ إذا ذكر لك مثال عتق الأخرس الأصم الذي جمع بين أنه أخرس وأصم، لأنه أخرس وأصم هذا شغله صعب وحياته صعبة وما ينفع كثيراً في العمل. أما إذا كان أخرس فقط لكنه يسمع، أو أصم لكنه يتكلم، يعني عنده فقط أحد العيبين، هذا ينفع ونقول هذا أخف بكثير. أما من جمع بين أنه أخرس وأصم فهذا لا يصلح أمره. ولا يجزئ عتق الأقرص الأصم ولا الجنين؛ لأن الجنين أصلاً لم يخرج بعد من بطن أمه، فليس فيه الأمور المؤهلة لأن يكون رقبة معتقة، ولا نعرف أصلاً هل سيخرج حياً أم لا ابتداءً.

طيب، فإن لم يجد، ما معنى لم يجد؟ إذا كان هذا الرجل لا يجد فعلاً رقبة مؤمنة بحث عنها فلم يجدها، أو كان واجداً لها لكنه لا يجد مالاً، لا يجد مالاً يزيد عن نفقته ونفقة من يمونه وحوائجه الأصلية.

هذا معنى «لم يجد»، لم يجد الرقبة فعلاً، زي يومنا هذا ما فيش أصلاً رقاب، يعني حتى لو معي مصاري ما في رقاب، أو في رقبة لكنه لا يجد مالاً فاضلاً عن مؤنته ومؤنة من يعوله وعن حوائجه الأصلية. إذا وجد مالاً فائضاً عن هذه الأمور عليه عتق الرقبة إن وجدها، ما وجد هذا المال خلاص يذهب إلى الحل الثاني، فإن لم يجد -عرفنا ما معنى أن لم يجد- لم يجد الرقبة أو لم يجد مالاً زائداً عن نفقته ونفقة عياله وحوائجه الأصلية، فعليه أن ينتقل لصيام شهرين متتابعين، بده يصوم شهرين متتابعين وراء بعض.

والمرأة طبعاً تُعذر بأعذارها الشرعية؛ إذا جاءها الحيض، وإذا كانت مثلاً وشيخ المرأة ممكن أن تظاهر وعليها الكفارة؟ أي نعم، هذا ما ذكرته لكم لكن عليها الكفارة، فلذلك ذكرتها هنا لكن ما بدي أتعبكم الآن في هذه القضية، خلوها للمستقبل إن شاء الله. لكن خلص مع أني تكلمت فيها، المرأة يمكن أن تظاهر ويقع عليها الكفارة، زوجها يعني له أن يطأها جبراً عنها، يعني ما لها أن تحكي لزوجها لا تقربني حتى أكفر، لا، زوجها يطأها جبراً عنها بس هي الكفارة ستفوَت في ذمتها.

فإذا كانت المظاهرة هي المرأة، الأعذار الشرعية تعذر فيها، أو مثلاً رجل يريد أن يصوم شهرين متتابعين، وفي خلال الشهرين المتتابعين أتى يوم الأضحى، يعني هو صام ذو القعدة وأتى يوم الأضحى، بعدين بده يصوم اللي ما بعد ذلك، فإذا جاءت أيام الأضحى وكذلك أيام التشريق، فهذه أيام يحرم صيامها، فلو قطع بهذه الأيام ما في مشكلة، هذا القطع لا يبطل التتابع لأنه قطع من الشارع مش من اختياره، أما إذا صام شهرين متتابعين وهو قطع باختياره من دون عذر، فهذا بعيد، من أول وجديد.

جيد، إذا فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ويلزمه تبييت النية من الليل، وهذا عموماً في صيام الكفارات مثله مثل صيام رمضان، تبيت النية من الليل وما ينفع أن تكون النية في الصيام من النهار. إذا لم يستطع الصوم لكبر أنه كبير في السن أو مرض لا يرجى برؤه لا يستطيع معه الصيام، هنا سينتقل للحل الثالث وهو إطعام ستين مسكيناً مسلماً، يطعم ستين مسكيناً مسلماً.

وعرفنا في الكفارات ما الذي يُطعم؟ إما مد من بر أو نصف صاع من غيره من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط، اللي هي الأصناف التي تخرج في زكاة الفطرة وعرفناها سابقاً. فإما مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير أو زبيب، والحنابلة حصروا الموضوع في هذه الأمور فقط، وإلا طبعاً إذا فقدت فهنا تأتي قضية أن يخرج من قوت البلد، أما إذا لم تُفقد هذه الأمور فالحنابلة عندهم حصر فيها.

لذلك قال: «ولا يجزئ الخبز»؛ لأنه الخبز لا يسمى شعيرًا أو قمحًا وإن كان مصنوعًا من الشعير أو القمح، لأنه عرفنا إما يخرج بر أو نصف صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط. لو كان خبز شعير أو خبز من بر، ينفع؟ لا، لازم تطلع البر صافي أو الشعير صافي، إذاً لا يجزئ الخبز ولا غيره، مما لا يجزئ في الفطرة، التي هي في الفطرة يقصد زكاة الفطر.

أي شيء لا يجزئ في زكاة الفطر؟ باختصار لا يجزئ في الكفارة، وعرفنا الذي يجزئ في زكاة الفطر هي الأصناف الخمسة، فإذا كان في زكاة الفطر كان الواجب عليه أن يخرج صاعاً من الأصناف الخمسة، يعني من أي صنف من الأصناف الخمسة؟ في الكفارات عليه أن يخرج إما مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط. والأقط هو الجميل، هذا الذي يخرجه نصف صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط أو مد من بر.

طيب، نحن عرفنا المعنى الصاع، وبالتالي بتعرف أنت نصف الصاع من خلاله، والمد هو نصف نصف الصاع، يعني عندك الصاع عبارة عن أربعة أمداد، فنصف الصاع عبارة عن مدين، إذاً المد الواحد هو ربع صاع، أو بعبارة أخرى المد هو ربع صاع، فإما يخرج ربع صاع من بر أو نصف صاع من الأصناف التي ذكرناها: التمر والشعير والزبيب أو الأقط.

طيب، قالوا: «ولا يجزئ العتق والصوم والإطعام إلا بالنية»، شو يعني بالنية؟ أي لابد أن ينوي به الكفارة، يعني لما تعتق عبداً بتعتقه بنية الكفارة، أو بدك تصوم ستين يوماً متتابعة بتصومها بنية الكفارة، وبدك تطعم ستين مسكيناً بتطعمهم بنية الكفارة. أما إذا نوى مجرد التقرب إلى الله بها لا يقع بها التكفير وعليه كفارة أخرى، إذا نوى بها مجرد التقرب لا تقبل كفارة، فلابد أن انتبهوا يا جماعة، الذي بده يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً لازم تكون النية نية الكفارة، أما نية الثواب والأجر عموماً هذه لا تجزئ.

هكذا أيضاً نكون انتهينا من أحكام الظهار، ننتقل إن شاء الله الآن إلى كتاب اللعان. قال الشيخ مرعي رحمه الله تعالى عليه: «الآن كتاب اللعان»، دعونا أولاً أحبابي نعرف اللعان وماذا قال في البداية رحمه الله؟ قال: «إذا رمى الرجل زوجته بالزنا فعليه حد القذف أو التعزير إلا أن يقيم البينة أو يلاعن»، هذا توصيف في الحقيقة قريب للعان، لكنني سأذكر تعريف الحنابلة رحمه الله عليهم، اكتبوه عندكم.

اللعان عند الحنابلة طبعاً، واللعان في اللغة مأخوذ من اللعن، وسمي لعاناً لأن الله عز وجل قال في حق الزوج خصوصاً في الخامسة: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: 9]، واللعنة هي الطرد من رحمة الله. وأما اللعان كمفهوم فقهي في كتاب النكاح، فالمراد به -اكتبوا اللعان- هو شهادات مؤكدات بأيمان، أي هي شهادة، اللعان شهادات لكنها ليست مجرد شهادة، بل هي شهادات مؤكدة بالأيمان من قبل الزوج والزوجة، مقرونة باللعن من جهة الزوج وبالالغضب من جهة الزوجة، قائمة مقام حد القذف أو التعزير الذي كان سيقام على الزوج لولا اللعان.

طويل التعريف لكنه يعطي المفهوم، اللعان عبارة عن شهادات مؤكدات بالأيمان من طرف الزوج ومن طرف الزوجة، هذه الشهادات تكون مقرونة -وهي الشهادة الخامسة كما سيأتي معنا- مقرونة باللعن من جهة الزوج ومقرونة بالغضب من جهة الزوجة، وتقوم مقام حد القذف، يعني تمنع باختصار؛ ما معنى تقوم مقام؟ أي تمنع إقامة حد القذف أو التعزير على الزوج الذي قذف زوجته. جميل، طيب.

من خلال ما سنشرح سيتبين لكم ما معنى هذا الكلام. أحبابي الكرام، رجل قذف زوجته -والعياذ بالله- بالزنا، قال لها: «أنت زانية». إذا رمى الرجل زوجته بالزنا، سيأتي معنا إن شاء الله كيف يقام حد القذف وما شروط إقامته؟ وسيأتي أنه من شروطه أن يذهب المقذوف إلى الحاكم ليطالب بحقه؛ لأن فيه شائبة حق العبد، أو حق العبد فيه مغلب كما يقولون.

المقذوف هو الذي يذهب إلى القاضي ويطالب بحقه، فيقول: «يا قاضي، ترى فلان الفلاني رماني بالزنا». وإذا كانت الزوجة، تذهب الزوجة للقاضي وتقول: «يا قاضي، ترى زوجي رماني بالزنا». القاضي بما أنه ذهبت الزوجة إليه وقالت له ذلك، ينادي الزوج فيقول له: «عليك أيها الزوج حد القذف أو التعزير، إلا إذا أتيت ببينة -وسنأتي بالبينة أربعة شهود- أو تلاعن حتى نسقط عنك حد القذف أو التعزير».

الموضوع يا شيخ: هل هو مخير بين حد القذف أو التعزير؟ لا. وفي الحقيقة الأمر يختلف بحسب طبيعة المرأة التي قذفها زوجها، أي بحسب طبيعة المرأة المقذوفة، وهذا كله سيشرح إن شاء الله في حد القذف عند كتاب الحدود.

المرأة المقذوفة إذا كانت مسلمة، حرة، عاقلة، عفيفة يوطأ مثلها -بنت تسع سنين قمرية-، إذا كانت المرأة المقذوفة مسلمة حرة عاقلة عفيفة، أي عفيفة ليست مشهورة بالفجور وأكملت تسع سنوات قمرية، وقُذفت والذي قذفها لم يثبت كلامه بالبينة، فهنا عليه حد القذف. إذا قذف هذه المرأة -ولا نريد أن نتكلم عن الزوج عموماً، بل عن الذي يقذف امرأة مسلمة حرة عاقلة عفيفة عمرها تسع سنوات ويقول لها: «يا زانية» ولم يثبت كلامه بالبينة- فإنه سيقام عليه حد القذف.

أما إذا قذف من سوى ذلك، أي إذا كانت المرأة المقذوفة اختل فيها شرط من هذه الشروط؛ فلم تكن مسلمة فكانت ذمية، لم تكن حرة فكانت أمة، لم تكن عاقلة فكانت مجنونة، لم تكن عفيفة فكانت مشهورة بالفجور وعلاقاتها مع الرجال، أو كانت أقل من تسع سنوات، فهنا لا يوجد حد القذف، ولا يطبق حد القذف وهو ثمانون جلدة الذي ذكره الله في القرآن، وإنما هناك ما يسمى التعزير. الذي قذف امرأة ذمية، أو أمة، أو مجنونة، أو غير عفيفة، أو دون التسع سنوات ولم يأتِ ببينة تؤكد الجريمة التي قذفها بها، هذا لا يقام عليه حد قذف، وإنما يقام عليه التعزير.

فلذلك قوله: «إذا رمى الرجل زوجته بالزنا فعليه حد القذف أو التعزير»، هذا ليس على التخيير؛ لا، اكتبوا: حد القذف إذا اجتمعت فيها هذه الأوصاف. وباختصار هم يختصرون هذه الأوصاف الخمسة بأن يقولوا: «المحصنة والمحصن» في باب القذف هي من اجتمعت فيها هذه الأوصاف. فاكتبوا عندكم: إذا رمى الرجل زوجته بالزنا، فابتداءً إذا لم يثبت عليه حد القذف إن كانت زوجته من المحصنات -أي من المسلمات الحرائر العاقلات العفيفات اللاتي أكملن تسع سنوات-، أما إذا كانت زوجته ليست محصنة أي اختل شرط من هذه الشروط، فعليه في الوضع الطبيعي تعزير، يعزر ما دام أيضاً لم يأتِ بذلك، قال: «إلا إذا أتى ببينة أو يلاعن حتى لا نقيم عليه حد القذف أو بالتعزير».

باختصار، نتكلم عن موضوع زوج مع زوجته، لا أريد أن أتكلم موضوع القذف عموماً، فقد يكون الإنسان امرأة ليست زوجته، أنا أتكلم الآن عن هذه الحالة بالتحديد: زوج قذف زوجته. إذا كانت محصنة فعليه حد القذف، وإذا كانت زوجته غير محصنة اختل فيها شرط من الشروط السابقة، فالزوج عليه تعزير.

كيف يسقط الزوج عن نفسه حد القذف أو التعزير؟ أن يأتي ببينة، أو يلاعن. إذا أتى ببينة بالشهود الأربعة أن هذه الزوجة زنت، فقد أتى بالبينة، فالزوجة هي التي سيقام عليها الحد. وإذا لاعن، فهذا الحل الآخر لمن ليس عنده بينة، كما عُرف مع كثير من الصحابة؛ فالشريعة أعطته أيضاً خياراً آخر وهذا خاص بالزوج، أعطته خيار أن يلاعنها.

يقولون: طيب هل تلاعنها؟ يقول: نعم، يلاعنها. ما معنى الملاعنة؟ أن تشهد أربع شهادات بالله أنه صادق، وأن لعنة الله عليه إن كان كاذباً، وهي تشهد بعد ذلك أربع شهادات بالله أنه كاذب، وخامساً: غضب الله عليها إن كان صادقاً، ثم يفرق بينهما. فإن رضي الزوج بالملاعنة والزوجة أيضاً رضيت أن تلاعن، في هذه الحالة بانتهاء الملاعنة يسقط عن الزوج حد القذف أو التعزير إن كانت الزوجة غير محصنة.

طبعاً أحبابي، هناك استثناء يتعلق بالزوجة التي دون تسع سنوات أو المجنونة؛ فالأصل هو التعزير على الزوج ما دام لم يثبت كلامه بالبينة، لكن اكتبوا عندكم فائدة: الصغيرة التي دون التسع سنوات أو المجنونة، هذه الزوج لا ملاعنة عليها، وإنما الملاعنة في غير المحصنة على من سوى ذلك. إذا كانت زوجته أمة، أو كانت زوجته غير مسلمة كتابية، وكانت زوجته غير عفيفة وقذفها، فهنا في ملاعنة، لكن إذا كانت صغيرة دون التسع سنوات أو مجنونة فلا توجد ملاعنة في هاتين الصورتين.

إذاً، افهم مفهوم الملاعنة عموماً: الزوج عليه أن يثبت ببينة أو يلاعن حتى نسقط عنه حد القذف أو التعزير. ما أتى ببينة فيما قذف به زوجته ولم يلاعن، سيقام عليه حد القذف إذا كانت الزوجة محصنة، وسيعزر إذا كانت الزوجة غير محصنة.

ثم قال وصف اللعان، كيف صفة اللعان؟ صفة اللعان سيشرح لكم تعريفها. قالوا: وصف اللعان أن يقول الزوج أربع مرات أمام القاضي: «أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا»، ويشير إليها ليعين الزوجة، ثم يزيد في الخامسة: «وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين». طبعاً هو يقولها عن نفسه: «وأن لعنة الله علي إن كنت كاذباً»، ثم على الترتيب، والترتيب هنا لازم.

ثم يذهب القاضي للزوجة، تقول لها: «تلاعني ولا تصدقي؟»، إذا صدقته خلاص، الزوج يخرج براءة والزوجة يطبق عليها الحد، أما إذا قالت: «لا، هو لن أصدقه، بل سأحلف مثله»، فيقول لها: «اشهدي»، فتشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، ثم تزيد في الخامسة: «وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين». وهي تقول ذلك، لكن الفقهاء لا يقولون "عليّ" من باب التأدب، حتى الفقيه لا ينسب لنفسه هذه المقولة، الفقيه لا يريد أن يحكي عن غضب الله عليه، لكن أمام القضاء، المرأة تحكي: «وأن غضب الله علي إن كان من الصادقين».

ثم بعد ذلك خلاص القاضي يقول لهم: بما أنكم حلفتم، وكل واحد حلف الأيمان، سنثبت بينكم الفرقة الأبدية التي لا مرجع لها. فرقة أبدية يفرق بها القاضي بين الرجل وبين زوجته، فرقة لا رجعة بينهما أبدا في هذه الحياة الدنيا؛ بدكم أكبر من هيك مصيبة وقعت بينهم، عافانا الله وإياكم من هذه المصائب.

ثم قال: «ويسن تلاعنهما قياما». هاي سنن في اللعان؛ أن يكونا قائمين وليس جالسين، الزوج والزوجة. اثنان: أن يحضر جماعة من المسلمين، وألا تنقص هذه الجماعة عن أربعة؛ لأن الأربعة هي عدد الشهود الذين تثبت بهم جريمة الزنا، فيستحب حضور هذا العدد في قضية اللعان، أن تحضر جماعة وألا تنقص هذه الجماعة عن أربعة.

ويسن أيضا أن يأمر الحاكم من يضع يده على فم الزوج وعلى فم الزوجة عند الخامسة، ويقول للزوج وللزوجة: اتق الله. يعني عند الخامسة قبل ما يحلف الخامسة ويقول: لعنة الله عليه، أو المرأة تقول: غضب الله علي. القاضي يخوفهم بالله، ويأمر رجلا أن يضع يده على فم الزوج، وامرأة تضع يدها على فم المرأة، وتقول لها: اتق الله، فإنها موجبة.

إيش يعني موجبة؟ أي بالنسبة للزوج إذا كان كاذبا، فالخامسة موجبة لعنة الله عليه، وبالنسبة للزوجة إن كانت كاذبة، فالخامسة موجبة غضب الله عليها؛ لأنه هكذا ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه: ﴿فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ﴾ [الزخرف: 87]. وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. يعني إذا أنت عارف حالك كذاب تراجع وتوقف عندك وخذ العقوبة الدنيوية، سواء حد القذف على الرجل، أو إذا كانت المرأة هي التي عارفة حالها كاذبة، حد الزنا عليها، خذ العقوبة الدنيوية؛ فعقوبة الدنيا أهون من عقوبة الآخرة.

بعد هيك، بعد ما خوفه بالله، خلص يقول له: تفضل، بدك تشهد هنا، اشهد. إحنا خوفناك وذكرناك للحظة الأخيرة حتى لا توقع نفسك في المهالك. الآن بعد ما أنهى السنن، عاد إلى الشروط، وكان الأصل أن يقدم الشروط قبل السنن، وهذا من حسن التصنيف أن تقدم الشروط قبل موضوع السنن، لكنه هنا أخّر.

فقال: شروط اللعان ثلاثة. ما هي؟ أولا: اللعان يكون بين زوجين مكلفين. الزوج بده يكون مكلف، يعني الزوج بده يكون بالغا وعاقلا، والزوجة بتكون مكلفة. لذلك قلت لكم إنه مجنونة وصغيرة، عفوا، الصغيرة هنا ليست بدون تسع سنوات حتى أعدل، الصغيرة هنا غير المكلفة؛ اكتبوا الصغيرة غير المكلفة. عموما، إذا كانت المرأة صغيرة يعني غير مكلفة أو كانت مجنونة فإنه لا لعان في هذه الحالة، لا يمكن أن تلاعن. وكذلك الزوج إذا كان غير مكلف لبلوغه أو لجنونه فإنه لا يلاعن، فلا بد من أن الزوجين مكلفين. هذا الشرط الأول.

الشرط الثاني: قال إن يتقدمه قذف أو قذفها بالزنا. الشرط الثاني حتى يقع اللعان، لابد أن يكون الزوج قد قذف زوجته بالزنا. فإذا الزوج ما قذف زوجته بالزنا لا يقع اللعان، إذا الزوج لم يقذف زوجته بالزنا ما في لعان عند القاضي. يعني المرأة تريد أن تروح عند القاضي، ماذا تقول له؟ تقول له زوجي قذفني بالزنا، طب هو ما قذفها، فالقاضي لماذا سيستدعي الزوج أصلا؟ فبالتالي لابد أن يكون تقدم من الزوج قذف للزوجة حتى القاضي يستدعي الزوج ويعطيه: عندك بينة ولا بدك تلاعن إذا ما عندك بينة حتى يبعد عن نفسه الحد، بدك تلاعن. فهنا يمكن أن يقع اللعان أن يتقدمه قذف بالزنا.

الثالث: شرط أن تكذبه ويستمر تكذيبها إلى انقضاء اللعان. لازم الزوجة تكون مكذبة للزوج فيما ادعى عليها من الزنا، وتبقى مكذبة له إلى آخر اللعان. لو مرة واحدة اعترفت أنه صادق انتهى اللعان، لو مرة واحدة قالت والله الرجل صدق، وقالت عن نفسها أنا زنيت، انتهى اللعان خلص. فلابد تبقى مصرة على تكذيبها للزوج حتى انقضاء اللعان، حتى تجتمع هذه الشروط الثلاث، بعد ذلك يعني نقول إن اللعان وقع بصورة صحيحة.

طيب، إذا تم اللعان ووقع بصورة صحيحة، ما هي الأحكام التي تنبني عليه؟ هنا الشيخ مرعي رتب الأمور بشكل جيد، قال: «ويثبت بتمام تلاعنهما أربعة أحكام». أربعة أحكام، ما هي؟

واحد: سقوط الحد عن الزوج أو التعزير؛ سقوط حد القذف إذا كانت الزوجة محصنة، أو التعزير إن كانت غير محصنة. فالزوج إذا أتم اللعان مع زوجته خلص ما يحد ولا يعزر لقذفه.

اثنين: يثبت الفرقة الأبدية بينهما. والفرقة هنا لا تحتاج إلى حكم حاكم، يعني هي ستثبت تلقائيا من الشارع ولو بلا حكم حاكم، الحاكم ما تكلم في الموضوع أصلا، هي ستثبت تلقائيا الفرقة.

ثالثا: التحريم المؤبد؛ فلا تحل له هذه الزوجة إلى أن يلقى الله، تحريم أبدي، حتى يعني لو هناك أحد زوج غيره وطلقها له، لا تحن له بشكل من الأشكال.

رابعا: انتفاء الولد. طبعا هذا إذا كان هو نفى ابنه، يعني مع رميه الزوجة بالزنا نفى الولد الذي في بطنها صراحة أو ضمنا، لذلك قال: «ويعتبر لنفيه ذكره صريحا أو ضمنا». في الحقيقة، كما ذكر عندكم الشيخ ابن عوض، كأن يقول: أشهد بالله أنها زنت، وأن هذا الجنين الذي في بطنها ليس مني، أو إذا كان خرج للدنيا هذا الولد، وأن هذا الولد الذي أنجبته ليس مني.

فلا بد يكون هناك تصريح أو تضمين منه لنفي الولد، لأنه ممكن الرجل يرمي زوجته بالزنا لكن يعترف أن الولد الذي جاء هو ولده. لكن إذا الرجل قذف زوجته بالزنا وزاد على ذلك صراحة أو ضمنا نفي الولد، فقال: أنت زانية والولد ليس لي، فهنا لما يذهبوا إلى القضاء، القاضي يقول له: بدك تشهد أربع شهادات بالله أنها زنت، أنك صادق فيما تدعيه من زناها ومن عدم الولد، أو أن الولد ليس لك. بدك تشهد عن شغلتين، فتقول: أقسم بالله أو أشهد بالله شهادات مغلظة بالإيمان، حيث يسند التغليظ أن الولد، تشهد أن أنها زنت وأن الولد ليس لي، ثم تجد الشهادة الثانية أنها زنت وأن الولد ليس لي، والثالثة والرابعة والخامسة. ثم هي تشهد بالله أنه كاذب فيما رماها به من الزنا، وأنه كاذب في تبرؤه من الولد.

ثم بعد أن تنتهي الأمور بينهم خلاص، هو الرجل شهد أربع شهادات والخامسة، وهي شهدت أربع شهادات والخامسة، بانتهائه الولد لن ينسب إلى أب، خلص أبوه نفاه سينسب إلى أمه. فالحكم الرابع وهو انتفاء الولد، هذا اكتبوا في حالة كون الزوج...

صرح بانتفائه أو عرض بانتفائه، سواء كان صراحة أو ضمنا. تكلم عن موضوع نفي الولد؟ نعم، سيكون من نتائج اللعان انتفاء الولد. لذلك قالوا: ويعتبر لنفيه ذكره صريحًا، كأن يقول: «أشهد بالله لقد زنيت وما هذا ولدي»، ثم مرة ثانية: «أشهد بالله لقد زنيت وهذا ولدي»، ثم مرة ثالثة: «أشهد بالله لقد زنيت وهذا ولدي»، ثم الرابعة، ثم أما الخامسة مع اللعان وهي أيضًا خمس شهادات من عندها: «أشهد بالله أنه لكاذب في ما رمان به من الزنا وأن الولد ولده»، وهكذا. ثم بعد الانتهاء، الولد لا ينسب له.

جميل، بعد أن انتهى من هذا الموضوع، وبما أن الموضوع الأخير كان موضوع انتفاء الولد، فجعل الفصل اللاحق فصلًا سريعًا فيما يلحق به النسب؛ متى يثبت نسب الولد لأبيه ومتى لا يثبت ذلك؟ هذه قاعدة مهمة، فهو وضع لك قواعد. الآن خلص موضوع اللعان، وسيتكلم كلامًا عامًا عن موضوع متى يثبت النسب ومتى لا يثبت.

فقال لك: إذا أتت زوجة الرجل بولد بعد نصف سنة منذ أمكن اجتماعه بها. ركزوا معي، زوجة هي متزوجة من رجل أتت بولد بعد ماذا؟ كما قال لك بعد نصف سنة، يعني بعد ستة أشهر، بعد نصف سنة منذ أمكن. ولاحظوا كلمة «أمكن»، ضعوا تحتها خمس خطوط؛ لأن العبرة عند الحنابلة ليست التأكد والجزم من وقوع اللقاء بينهما، العبرة عندهم بمجرد الإمكانية، حتى ولو لم نصل لليقين، متى أمكن؟ ولو إمكانًا غير متيقن.

إذا أتت به بعد نصف سنة منذ أن كان اجتماعه بها، فإن هذا الولد الذي أتت به بعد نصف سنة منذ أمكن اجتماعه بها سيكون ولده. أحبابي الكرام، هنا بدي أذكركم بشيء ذكرناه في أكثر من مجلس، قضية أقل الحمل؛ أقل مدة الحمل ستة أشهر عند الحنابلة، يعني ما في جنين يولد قبل ستة أشهر، هذه أقل مدة ممكنة للحمل. بالتالي إذا فهمنا هذه الفكرة تعالوا نطبقها هنا: إذا امرأة منذ أمكن اجتماعها بزوجها، مرة ستة أشهر، ثم بعد ستة أشهر ولدت، إذاً هذا الولد الظاهر أنه لهذا الزوج؛ لأنه في إمكانية وقوع اجتماع بينهم، مش متيقنين بس في إمكانية، حتى الإمكانية لحالها بتكفي هنا، في إمكانية أنها اجتمعت أو التقت به في مكان ما، ومر نصف سنة منذ هذا الاجتماع الممكن، ثم ولد بعدها، إذاً الظاهر أن هذا الولد من هذا الزوج فينسب له.

قال: ولو مع غيبة فوق أربع سنين. يعني لو أنه بعد هذا اللقاء الذي أمكن اجتماعهما فيه، لو أنه بعده غاب أربع سنين، لا يهمنا، بما أنه كان في إمكانية للقاء ومرت نصف سنة منذ هذه الإمكانية وبعدها ولدت، الولد ينسب له ولو غاب بعد هذه الإمكانية أربع سنين، يعني مدة أربع سنين لم يلتقيا. طيب، لماذا قال أربع سنين؟ لأن أعلى مدة للحمل عند الحنابلة أربع سنين، طبعًا هذه هي المسألة في الفقه القديم، وأنتم عارفين هذه الإشكاليات القديمة، لكن خلونا نحن بس نفهم الأقوال الآن. فلو أنه غاب عنها أربع سنين بعدها، يعني مدة أكثر من الحمل، هذا لا يؤثر على نسب الولد إليه، لأنه منذ أمكن اجتماعه بها بعد ستة أشهر جابته، إذاً هو لك، حتى لو من لحظة إمكانية الاجتماع غبت أربع سنين بعديها هذا لا يؤثر.

وحتى لو كان الولد ابن عشر سنين، سينسب الولد لهذا الرجل ولو كان هذا الرجل لم يبلغ بعد، وهذه من الغرائب التي ربما تستغربها؛ الرجل لم يبلغ، لسه عمره عشر سنين، ومع ذلك نسب الولد إليه؟ نعم. طبعًا تقول يا شيخ لم يبلغ، من أين جاء؟ عمره عشر سنين لسه ما بلغ، كيف نسبنا الولد إليه؟ مش لازم يكون هناك... فهمت علي؟ وين المشكلة بتصير؟ لذلك لاحظوا ماذا قال: «حتى ولو كان الولد ابن عشر سنين لحقته النسبة». ومع هذا، شف كلمة «ومع هذا»، يعني مع أننا نسبنا هذا الولد لهذا الزوج عند وقوع إمكانية الاجتماع ومرور نصف سنة منها، لكن لا يحكم ببلوغه.

وهذه غريبة وانتبهوا لها؛ أننا نسبنا الولد إليك أيها الزوج، لكن مجرد نسبة هذا الولد إليك وأصبح اسمه باسمك، لا يعني في الشرع أنك بلغت. طيب، لماذا نسبتموه له وأنتم تقولون إنه لم يبلغ؟ أليست هذه إشارة أصلاً إلى أنه ليس لديه مني قذفه في الزوجة؟ ماذا يقول الفقهاء؟ يقولون: النسب يجب أن يُحتاط له. فما دام أن هذا الرجل عمره عشر سنوات ويمكن عقلاً أن يطأ، وعادة يقولون يمكن، وهذه الزوجة أكملت تسع سنوات وأمكن اجتماعهما ومرت نصف سنة منذ هذه الإمكانية، فالولد الذي ستنتجه هذه الزوجة في ظاهر الأمر سنلحقه بالزوج حفاظًا على النسب واحتياطًا لموضوع النسب.

لكن احتياطنا للنسب لا يجعلنا أيضًا نحتاط من الجهة الأخرى لحق هذا الرجل؛ فنحن نسبنا إليك ولدًا، لكن ما دام لم يثبت منك نزول مني، ولم يثبت نبوت شعر خشن حول القبل، ولم تكمل خمس عشرة سنة قمرية، ولم توجد علامات البلوغ فيك، لن نحكم ببلوغك. خلص، حتى توجد علامة من تلك العلامات فلا نحكم ببلوغ الزوج.

جيد، ولا يلزمه كل المهر. يعني هذا الزوج طلق هذه الزوجة، وهذا الزوج كما عرفناه أمكن اجتماعه بها وبعد نصف سنة المرأة هذه أنجبت الولد، نسبناه له. هو الآن طلق هذه الزوجة، ماذا سنلزمه؟ هل سنقول له عليك المهر كاملاً لأنك طلقت زوجة أنجبت منها وهذا يدل أنك دخلت بها؟ هو الرجل يقول لا، لسه ما دخلت بها، نحن نقول له حتى لو نفيت أنك دخلت بها، بدك تنفي الولد تروح على اللعان، طبعًا واللعان لا يصلح إلا كما قلنا من مكلف ومكلف. لكن المهم زوج وزوجة، أمكن اجتماعهما ومضى ستة أشهر فأنجبت الولد، ينسب لأبيه ما دام الأب لم ينفه، يعني ما عمل لعان.

فنقول هذا الولد لك، نقول هو لم ينفِ الولد واتهم زوجته بالزنا، لكنه نفى أن يكون وطئ الزوجة أو خلا بها. وهنا مشكلة؛ أن هذا الزوج قال: أنا لم أطأها ولم أخلو بها. قلنا له: هنبتن في الولد، ما أتى على سيرة نفي الولد صراحة ولا ضمنا.

فهنا في هذه الحالة، بما أنه لم ينفِ الولد ويتهم زوجته بالزنا، فالولد سيلحق به؛ سيلحق به احتياطاً له، ولكننا احتياطاً أيضاً للزوج نقول: إذا طلق الزوج هذه الزوجة وهو مقر أو يدعي أنه لم يطأها ولم يخلُ بها، فإننا نعتبره طلق زوجة غير مدخول بها وغير مخلو بها، فبالتالي عليه نصف المهر المسمى فقط.

أخذنا أن يطلق زوجته قبل أن يدخل ويخلو بها، فإذا كان هناك مهر مسمى فله نصف المهر، وإذا لم يكن هناك مهر مسمى فله متعة. فيعامل هذه المعاملة؛ عليه نصف المهر لأننا باعتباره يقول لك: أنا ما وطئت، فلم يثبت وطؤه ولم تثبت خلوته، فعليه نصف المهر إذا طلق، لكن الولد سينسب له احتياطاً للنسب. وهذه من الأمور الغريبة، لكن عليكم أن تفهموها؛ احتياط الشريعة للنسب، أي احتياط.

قال: ولا تثبت به عدة؛ يعني لما هذا الزوج سيطلق هذه الزوجة، نحن اتفقنا أنه سيطلقها وهو يدعي أنه لم يطأها ولم يخلُ بها، بالتالي هي زوجة غير مدخول بها وغير مخلو بها طلقت فلا عدة لها، وهذا أخذناه في الطلاق؛ أن المرأة التي لم يدخل بها ولم يخل بها ليس لها عدة، وستأتي أيضاً. فبالتالي الآية كلها عدة لو طلقت، وهذه كلها أحكام تتعلق بالطلاق، ولا رجعة؛ وهذا بالتأكيد لأنه بما أنه ليس لها عدة فليس لها رجعة، وهو يؤكد أن إثبات نسبة الولد إلى هذا الزوج لا يعني إثبات الأحكام الأخرى على هذا الزوج، لا يعني أن نلزم بأنك وطأت هذه المرأة، وبالتالي إذا طلقت عليك المهر كاملاً، وهي ستكون إذا طلقت رجعية؟ لا، أقول لك نحن فقط أثبتنا له الولد احتياطاً له، ولكن الزوج لن تثبت عليه باقي أحكام الزوجية؛ لن تثبت الخلوة ولا الوطء إلا إذا أثبتوا ذلك أو قامت البينة بذلك.

إذا لم تكن هناك بينة وهو نفى وجود الوطء أو الخلوة، لن نلزمه بكامل المهر، ولن نلزمه بالعدة، ولن تكون رجعية، ستعامل معاملة غير المدخول بها تماماً في مسائل الطلاق، فاستطاعوا أن يجمعوا بين الأمرين.

وأما الحالة الثانية، فهذا كله كما قلنا يمكن الاجتماع، وأتت به بعد نصف سنة من هذه الإمكانية. طيب، لو أنها لم تأتِ به دون نصف سنة منذ تزوجها، أو علم أنه تيقن أنه لم يجتمع بها، كما لو تزوجها بحضرة جماعة ثم أبَانها في المجلس أو مات؛ فهنا لا يلحقه الولد.

هنا تكلم عن مسألتين؛ المسألة الأولى: امرأة تزوجها رجل قبل مضي ستة أشهر من عقد النكاح، إذا أنجبت المرأة قبل مضي ستة أشهر من عقد النكاح، هنا الولد لن ينسب لأبيه؛ لأن أقل مدة الحمل عندنا ستة أشهر. هذه المرأة منذ عقد النكاح لم يمضِ لها ستة أشهر، تزوجت بعد شهرين فأنجبت، إذاً مستحيل يكون هذا الولد من هذا الزوج؛ إذا أنجبت المرأة بعد شهرين من زواجها أو ثلاثة أو أربعة، لا ينسب الولد لهذا الزوج لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لذلك هنا لم تمضِ ستة أشهر فبالتالي لا ينسب الولد.

الحالة الثانية التي لا ينسب فيها الولد: قال أو علم أنه لم يجتمع معها؛ يعني رجل تزوج امرأة بحضرة جماعة، وكان هناك جماعة حاضرين حتى لا يكونوا مختلين مع بعض، في نفس مجلس عقد النكاح طلقها طلاقاً بائناً؛ أي ليس رجعياً، ففي نفس المجلس تزوجها وفي نفس المجلس طلقها والناس شاهدة، إذاً بالتأكيد هذا الرجل ليس هناك احتمالية ولو صفر بالمئة أن يكون جامع هذه المرأة جماعاً شرعياً بالزواج؛ لأنه طلقها طلاقاً بائناً، كأن يكون طلاقاً على عوض مثلاً، أو هو أصلاً بمجرد ما يطلقها قبل أن يدخل بها يكون طلاقاً بائناً كما حكينا.

فإذا رجل تزوج امرأة وفي نفس المجلس طلقها، فهذا سيكون طلاقاً بائناً فهي حرمت عليه وهو حرم عليها، بالتالي أي ولد تأتي به بعد ذلك، حتى لو بعد ستة أو سبعة أشهر، لا يمكن أن يثبت لهذا الرجل؛ لأنه نحن متيقنون أن هذا الرجل لم يجتمع مع هذه المرأة بعد عقد النكاح، اليقين لأنه تزوج هذه المرأة ثم في نفس المجلس وأمام الناس طلقها قبل أن يدخل بها فصارت بائناً منه، فبالتالي ما في اجتماع شرعي بينهم.

أو يكون مات في نفس المجلس؛ الزوج تزوج سعاد وفي نفس مجلس عقد النكاح بعد ما خلص الإيجاب والقبول مات الزوج، طيب سعاد بعد سبعة أشهر جاءت بولد، هل يمكن أن ننسب هذا الولد لهذا الزوج؟ لا طبعاً، لأنه هنا مئة بالمئة لم تحدث بينهم إمكانية اللقاء.

فباختصار، متى انتفت إمكانية اللقاء بينهم؟ كان طلقها في نفس مجلس عقد النكاح، أو مات في نفس مجلس عقد النكاح، أو وجدت إمكانية اللقاء ولكنها أنجبته قبل مضي ستة أشهر من الإمكانية؛ يعني اختل أحد الشرطين. هنا لن ينسب الولد إلى أبيه.

متى أتت بالولد قبل مضي ستة أشهر من إمكانية اللقاء، أو أتت بالولد مع تيقننا من عدم إمكانية اللقاء الشرعي بينهما، في كلا الحالتين لا ينسب الولد إلى أبيه؛ في الحالة الأولى لأنها أتت به قبل مضي ستة أشهر من إمكانية اللقاء، هو تزوجها اليوم وبعد شهرين أتت به، مستحيل يكون له، وكذلك إذا أتت بالولد مع تيقننا من عدم إمكانية اللقاء بينهم، متيقنين أنه لا يوجد لقاء بينهم لأن الزوجة طلقها في نفس مجلس العقد أو مات في نفس مجلس العقد مثلاً، ففي كلا الحالتين هنا لا يمكن أن ينسب الرجل الولد إلى أبيه. ينسب الولد إلى أبيه باجتماع شرطين، احفظوهما.

إمكانية اللقاء، خلص واحد تزوج وحدة، بس إحنا مش عارفين إنه خلا بها وطئها، بس نعرف إنه في زواج، فهنا في إمكانية. وجدت ما طلقها في مجلس العقد، ما مات عنها، وجدت الإمكانية بعد ستة أشهر، إذا بها هذه المرأة بتجيب لنا ولد. هون إحنا من دون ما ننظر إلى أي شيء آخر بنقول هذا الولد لهذا الزوج، حتى ولو كان الزوج لم يبلغ، ما عندنا مشكلة. حتى لو الزوج لم يعترف بالوطء ما عندنا مشكلة، ما دام أن الزوج لم يقذف زوجته بالزنا ويصرح أو يضمن بنفي الولد.

إذا الزوج دخل في موضوع رمي زوجته بالزنا وصرح أو ضمن نفي الولد بنروح لموضوع اللعان، وبصير اللعان، فإذا أثبت اللعان بينهما، ساعتها لن ينسب الولد إليه. لكن ما حدث لعام بينهم في الأصل بقاء نسبة الولد إلى أبيه. هذا بالنسبة لموضوع علاقة الزوج بزوجته.

أما إذا كانت علاقة سيد بأمته، فهذا هو الفصل الأخير معنا اليوم إن شاء الله. إذا كانت علاقة سيد بأمته، فمتى يثبت ولد هذه الأمة للسيد؟ قال: «ومن ثبت» أي ثبت بالبينة، إذا ثبت بالبينة أو أقر أنه وطأ أمته في الفرج، أو حتى زعم أنه وطئها دون الفرج؛ قال: «وطئت في الدبر أو بين الفخذين ثم ولدت لنصف سنة»، يعني لمرور نصف سنة فصاعدًا، ستة أشهر فصاعدًا لحقه.

بالنسبة لعلاقة السيد بأمته، إذا ثبت بالبينة أن هذا السيد وطئ هذه الأمة، كيف يعني بالبينة؟ أجوا شهود يشهدوا أنهم رأوا هذا السيد بأعينهم يطأ هذه الأمة، ممكن إذا جاء شهود وقالوا رأينا السيد يطأ هذه الأمة. أو السيد بدون شهود ولا حاجة، وهذا هو في المعتاد أصلاً، أقر على نفسه أنه وطئ الأمة، سواء قال أنا وطأتها في الفرج مباشرة أو وطأتها دون الفرج، لأنه قوله وطئتها دون الفرج بالنسبة لنا ليس حاسمًا، لأنه ممكن يكون وطئها في الدبر أو بين الفخذين.

فهنا سواء قال وطئت في القبل أو دونه، يعني بين الفخذين أو في الدبر، في كلا الأحوال الولد هنا سينسب لمن وطأ أمته في الفرج أو دونه إذا ولدته لنصف سنة لحقه. ولدته لنصف سنة منذ ماذا؟ من الوطء. يعني إذا جاءت بينة قالت هذا السيد وطئ هذه الأمة بتاريخ واحد-واحد، أو السيد قال أنا وطأت هذه الأمة، أقر بنفسه بتاريخ واحد-واحد، هنا إذا الأمة أتت بولد بعد ستة أشهر فصاعدًا من تاريخ الوطأ، هذا الولد سينسب لهذا السيد قولًا واحدًا عندنا. لماذا أحبابي سينسب لهذا السيد؟ لأنها أتت به بعد مضي ستة أشهر فصاعدًا من لحظة الوطء التي ثبتت بالبينة أو الإقرار، وهي أقل مدة الحمل. طيب إذا أتت به دون ستة أشهر منذ لحظة الوطء، في هذه الحالة لن يثبت للسيد.

الذي قال: «ومن أعتق أو باع من أقر بوطئها»، شخص أقر أنه وطأ أمة، هذا السيد أقر أنه وطئ أمته، ثم بعد أن وطئها أو أقر أنه وطئها أعتقها لوجه الله أو باعها لشخص، فولدت هذه الأمة دون نصف سنة، لحقه والبيع باطل. دون نصف سنة من ماذا إخواني؟ ولدت دون نصف سنة من لحظة العتق أو لحظة البيع. يعني سيد عنده أمة وهو يقر أنه في الوضع الطبيعي يطأها، بعد ذلك باعها أو أعتقها، مرت مدة أقل من ستة أشهر من لحظة البيع أو أقل من ستة أشهر من لحظة العتق، أعتقها بعد شهرين، أو باعها لصاحبه بعد شهرين، أو بعد ثلاثة بتنجب ولد.

هذا الولد لمن؟ هذا الولد سيكون لهذه السيدة أيضًا، لأنه تم إنجابه بعد مضي أقل من ستة أشهر من عتقها أو من بيعها، وهو في الوضع الطبيعي كان يقر أنه كان يطأ هذه الأمة. فهو في الوضع الطبيعي يطأها، باعها بعد أن باعها بأقل من ستة أشهر، أو بعد أن أعتقها بأقل من ستة أشهر من لحظة البيع أو من لحظة العتق، أنجبت، سينسب الولد إليه.

بالنسبة للبيع، العتق سينفذ جبرًا عنه، أما بالنسبة للبيع سيصبح باطلًا. لماذا؟ الإجابة عندكم لازم تكون سريعة، أحسنتم، لأنها إذا ثبت أن هذا الولد ينسب إلى هذا السيد الأول، معناته أصبحت هذه الأمة المبيعة هي أم ولد لهذا السيد. وذكرنا في أحكام أمهات الأولاد أنه لا يجوز لسيدها أن يبيعها. فهذا السيد كان يطأ هذه الأمة، وبعد أقل من ستة أشهر من بيعها هذه الأمة بتجيب لنا ولد، هذا الولد سينسب إلى السيد الأول، بالتالي سيبطل البيع وستصبح هذه الأمة أم ولد للسيد الأول، بترجع له وعليها أن تبقى عنده هذه الأمة، فإذا ماتت ستصبح حرة كما أخذنا في أمهات الأولاد. لذلك قال: «والبيع باطل»، تقول لأنها أصبحت أم ولد للسيد الأول، بالتالي بطل بيعها للرجل الثاني.

أما إن أتت هذه الأمة بولدها بعد ستة أشهر من البيع أو بعد ستة أشهر من العتق، هنا لا نستطيع أن نلزم هذا السيد أن يكون هذا الولد على اسمه، لأنها بعد ستة أشهر من بيعها لشخص ثانٍ أنجبت، احتمال أنه الآن باع لشخص اسمه علي، احتمال أنه يكون علي هو الذي وطئ هذه الأمة وبعد ستة أشهر جاء ولد منه، فباختصار هذا الولد الآن لن ينسب للسيد الأول، بل سينسب للمشتري.

وكذلك إذا عتقت، بعد أن عتقت بستة أشهر فصاعدًا أنجبت، الآن نحن ما بنعرف هذه الأمة بعد ما عتقت أين ذهبت؟ ممكن تكون على علاقة مع رجل، ممكن تكون عملت مصيبة، ممكن تكون تزوجت وأخفت زواجها، لكن المهم بعد أن عتقت بستة أشهر تنجب، لا ينسب هذا الولد لهذا السيد. لا ينسب للسيد بعد عتقها أو بيعها إلا إذا أتت به دون ستة أشهر من لحظة البيع أو العتق، لأننا حينئذ نتيقن أنه مش ممكن يكون من السيد في الظاهر، طبعًا في ظاهر الأمور، لأن مواضيع الزنا وغير ذلك نحن ما بنتعامل معهم، نتعامل بالظاهر حتى يثبت خلاف ذلك. فهذا تفريق بين مرور نصف سنة من لحظة البيع.

أو مرور أقل من نصف سنة من لحظة البيع، ثم قال: «لا نسمع قاعدة مهمة جدا في النسب»، قال: «ويتبع الولد أباه في النسب وأمه في الحرية». الآن أحبابي الكرام، ركزوا معي في هذه القاعدة؛ إنها مهمة جداً.

الولد من حيث النسب، الكلام طبعاً الآن عن العلاقة الزوجية؛ زوج مع زوجة. الكلام عن العلاقة الزوجية: الولد متى ثبت نسبه لأبيه بقاعدة من قواعد إثبات النسب التي ذكرناها اليوم؟ الولد ينسب إلى أبيه، فتقول: خالد بن الوليد، سعد بن أبي وقاص، معاذ بن جبل. النسبة الشرعية هي النسبة للأب، وأما حكم الولد من حيث هل هو حر أو عبد، فهذا يكون باعتبار الزوجة؛ إذا كانت الزوجة حرة فالولد حر، وإذا كانت الزوجة أمة فالولد عبد.

وبناء على هذا أحبابي الكرام، نقول: إذا كان الزوج حراً أو عبداً تزوج أمة، فالعبد يتزوج الأمة بالوضع الطبيعي، والأمة عبد حتى لو كان زوجها حراً وحتى لو كان زوجها عبداً؛ في كلا الحالتين ولد الأمة سيكون عبداً. وإذا تزوج امرأة حرة، لان العكس، سواء تزوجها حر أو عبد، ولد الحرة يكون حراً حتى لو كان زوجها عبداً؛ فالعبرة في حرية الولد وفي عبوديته بالنسبة إلى أمه.

هكذا في قواعد العبودية، اللهم هناك استثناء مر معنا سابقاً، حالة واحدة قالوا: إذا رجل حر تزوج امرأة ظنها حرة فبانت أمة وغرر به، أو رجل حر تزوج أمة واشترط على سيدها أن يكون الأولاد أحراراً؛ بهذين الحالتين ولدا الأمة من هذا الزوج الحر يكونون أحراراً. إذا كان الزوج الحر اشترط على سيد الأمة أنه أولاده يكونوا أحراراً، أو كان هذا الحر تزوج هذه على أنها حرة فغش وبانت أمة وكان قد أنجب منها، فهنا يعتبر الأولاد أحراراً. هذه حالة استثنائية، وهذا كله كما قلنا في علاقة الزوجية؛ فالولد يتبع أمه من حيث الحرية والعبودية، ومن حيث النسب يتبع أباه.

أما بالنسبة لعلاقة السيد بأمته، علاقة العبودية، فأولاد الأمة من سيدها يكونون أحراراً. هذه احفظوها؛ إذا كان الولد للأمة ليس من علاقة زوجية بل من علاقة وطء السيد لها، فأولاد الأمة من سيدها يكونون أحراراً. هكذا نكون جمعنا المسألة التي يشتغل عليها بعض الطلاب: أولاد الأمة متى نحكم عليهم أنهم أحرار؟ ومتى نحكم عليهم أنهم عبيد؟ نقول: إذا كانت العلاقة بين الأمة وبين الرجل علاقة زوجية فخلص، الأولاد يتبعونها من حيث الحرية والعبودية، أما إذا كانت قد أنجبت ولداً بعلاقتها مع سيدها فهنا الأولاد يكونون أحراراً.

الآن ختم الشيخ ملي رحمه الله تعالى عليه فقال: «ويتبع في الدين خيرهما، وفي تحريم النكاح والذكاة والأكل أخبثهما». هذه مسائل مهمة ختم بها الشيخ ملي رحمه الله تعالى هذا الفصل. هذه المسألة تتعلق بعرفنا أن الولد يتبع أباه من حيث النسب، ويتبع أمه من حيث الرقوة والحرية، لكن هناك أموراً أخرى أيضاً نحتاج أن نعرف من يتبع الولد فيها، منها مسألة الدين في حالة أن اختلف دين الأب مع دين الأم.

الولد الناتج يتبع في الدين لأبيه أم لأمه؟ هنا ينظر إلى خير الدينين، الدين الأخيار هو الذي ينسب إليه الولد؛ فمسلم متزوج من كتابية، الإسلام خير من دين الكتاب بالتأكيد، فالولد يكون مسلماً نحكم عليه بالإسلام. وكتابي متزوج من مجوسية وأنجبوا ولداً، الولد يحكم عليه بأنه كتابي لأن دين الكتابيين أفضل من دين المجوسيين، وهكذا؛ فإذا كان دين الإسلام أفضل من أي دين آخر، والكتاب أفضل من دين غيره، فالولد يتبع صاحب الدين الأعلى.

هذا بالنسبة لموضوع الدين، طيب بالنسبة لموضوع النجاسة؛ هذا موضوع النجاسة يتعلق حقيقة بزواج البهائم وليس بزواج الآدمية؛ لأن عند الحنابلة وجمهور أهل العلم المسلم والكافر كلاهما طاهر. فالمراد هنا في أنكحة البهائم، يقولون: لو أن حماراً أهلياً نكح فرساً فأنجبوا بغلاً، البغل نحكم عليه أنه طاهر ولا نجس؟ أقول لك نحكم عليه أنه نجس؛ لأنه الحمار الأهلي عند الحنابلة نجس والفرس طاهر، وأيهما أخبت؟ النجس ولا الطاهر؟ بالتأكيد النجس.

وفي النجاسات يتبع الأخبث وليس الأطهر، بخلاف الدين؛ ففي الدين يتبع الأفضل، وفي النجاسات وباقي الأحكام سيتبع الأخبث. فهنا إذا تزوج بن طاهر، تغليباً لجانب الحظر يتبع الأخبث، فالبغل سينسب إلى أبيه من حيث النجاسة فنحكم عليه بأنه نجس. إذا أي حيوان نجس يتزاوج مع حيوان طاهر وينجب ولداً، الولد يحكم بأنه نجس تبعاً للأخبث. وكذلك قال: «وتحريم النكاح»، في تحريم النكاح يتبع الأخبث.

نركز معي في الأمثلة التي ذكرتها قبل قليل؛ الآن أحبابي الكرام سأعود إلى مثال الكتابي الذي تزوج من مجوسية فأنجبوا ولداً. الآن الولد حكمنا عليه أنه كتابي تبعاً لأبيه، لكن مع أننا حكمنا عليه بأنه كتابي، خلونا نقول إن الولد أنثى، بدي أعتبر الولد أنثى، خلينا نعتبر أنه بنت نتجت من زواج كتابي مع مجوسية، هذه البنت من حيث الديانة سنحكم عليها أنها كتابية. طيب، هل يصير المسلم يتزوجها لأنها كتابية؟ في الحقيقة لا، مع أننا حكمنا عليها بأنها كتابية، لكن من حيث النكاح بالتحديد، من حيث هذا الحكم ستتبع فيه البنت الأخبث، الأخبث في الديانة، خلينا نقول أو الأسوأ ديانة من الكفار عموماً. البنت هنا صحيح أنها كتابية من حيث الأحكام في الجملة، لكن بالنسبة لحكم النكاح ستتبع أمها فسنعتبرها مجوسية فلا يحل نكاحها. فهي كتابية إلا في النكاح تعتبر مجوسية فلا يحل للمسلم أن ينكحها.

لذا من شروط نكاح الكتابيات عندنا كما ذكر الفقهاء الحنابلة أن يكون والداها كتابيين؛ كتابي متزوج كتابية ينجب بنتاً كتابية، هذه يصير أتزوجها. أما بنت الكتابي الذي أبوها كتابي وأمها مجوسية، هي صحيح نحكم عليها بأنها كتابية من حيث الدين، من حيث الدين خلص نعتبرها كتابية، لكنها من حيث النكاح ستتبع الأخبث ديانة وهي المجوسية فلا يجوز نكاحها. فهذا استثناء من القاعدة العامة، فهي من حيث الدين للخير، لكن من حيث نكاحها بنعتبرها للأسوأ ديانة، هذا خاص بالنكاح، أما ما سوى ذلك فهي للخير ديناً.

«والذكاة»، ما معنى الذكاة تتبع الأخبث؟ يعني نفس الشيء؛ لو أن كتابياً متزوج مجوسية أنجبوا ولداً، هذا الولد نحن عرفنا أنه سيكون كتابياً من حيث الدين تبعاً لأبيه، لكن أيضاً لو ذبح هذا الكتاب ذبيحة -وهذا المراد بالذكاة، ذبح الذبيحة، غنم، بقرة- نحن نعرف أن المسلم يجوز أن يأكل ذبيحة الكتاب لكن بشرط أن يكون هذا الكتاب والداه مسلمين، فإذا كان هذا الكتاب والده كتابي وأمه مجوسية فالذبيح، فذبيحته لا تحل تبعاً للأخبث؛ فباختصار حتى لو حكمنا على الولد بأنه كتابي تبعاً لأبيه أو تبعاً لأمه.

بمسألة النكاح سيعتبر تابعًا للأخبث، وفي مسألة الذكاة سيعتبر تابعًا للأخبث، فتكون هذه استثنائية. بالتالي حكمنا على هذا الولد أنه كتابي، هذا لا يجعله يعامل معاملة الكتابي الذي والداه كتابيان؛ فالكتابي الذي والداه كتابيان هذا الذي بصير نوكل ذبيحته ونبصر نتزوجها إذا كانت بنتًا.

أما الكتابي الذي أبوه كتابي وأمه مجوسية، هذا صحيح نحكم عليه كدين أنه كتابي، بس كأحكام من حيث نكاحه أو أكل ذبيحته يعامل باعتبار الأخبث احتياطًا للدين، فلا يجوز نكاحه إذا كانت أنثى ولا أكل ذبيحته.

ثم قال: والأكل أيضًا بالنسبة للأكل يتبع ماذا؟ الأخبث. فإذا كان عندي حيوان -وهذا موضوع يتعلق بالحيوانات- حيوان محرم الأكل وحيوان يجوز أكله تزاوجا فأنجبوا حيوانًا، هذا الحيوان الناتج هل يجوز أكله ولا لا يجوز أكله؟ تقول هو تبع للأخبث. الأخبث هو بالتأكيد الذي لا يجوز أكله، فالناتج سيكون لا يجوز أكله، يعني حيوان حرام أكله؛ لنجاسة أو لغيره.

ترى مش الحيوانات يحرم أكلها لأنها نجسة، بعضها قد يحرم أكله لأنه مستخبث عند العرب أو ما شابه ذلك. لكن عمومًا حيوان حرام الأكل تزوج من حيوان الأكل فأنجبوا ولدًا حيوانًا، هذا الحيوان الناتج هل يتبع الحيوان الحلال أكله؟ ولا يتبع الحيوان الحرام أكله؟ قالوا يتبع الحيوان الحرام أكله من باب الاحتياط، وهذا معنى اتباع الأخبث.

فبالنسبة للدين الولد يتبع الخير دينا، فنحكم عليه كدين بالخير، وأما بالنسبة لحكمه في النجاسة ولتحريم نكاحه ولذكاته وللأكل فينسب إلى أخبث الأبوين في هذه الأمور، وبالتالي عليه الأحكام المترتبة على هذا الأب.

هذه نهاية المجلس، أطلت عليكم لكن للحديث بقية. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.