دخولتسجيل الدخول

الدرس 107 - تكملة أحكام الطلاق

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية. يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب، للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، محجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبابي الكرام في مجلس جديد في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب، للإمام مرعي الكرمي، على مذهب السادة الحنابلة -رضوان الله تعالى عليهم-. في المحاضرة السابقة بينا أحكام الخلع عموماً، وانتقلنا بعد ذلك لبيان أحكام الطلاق، وعرفنا حكم الطلاق وأنه تعتريه الأحكام الخمسة. وعرفنا أيضاً أن الطلاق منه ما هو سني، ومنه ما هو بدعي، ومنه ما هو صريح، ومنه ما هو كناية. واليوم بإذن الله نكمل بعض الأحكام المتعلقة بموضوع الطلاق.

قبل أن أكمل، هل هناك مسألة تطرقنا إليها في المحاضرة السابقة وهي مسألة من طلق زوجته طلقتين معاً؟ نحن عرفنا أن طلاق السنة هو أن يطلق الرجل زوجته طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، ويتركها حتى تنقضي عدتها في حال أنه لم يرغب بإرجاعها، ولا يتبعها بطلقة ثانية ولا ثالثة. وعرفنا أن من طلق زوجته ثلاث تطليقات جميعاً فهذا فعل شيئاً حراماً، لكنه يقع ثلاثاً. وذكرنا أيضاً أنه من طلق زوجته طلقتين معاً أنه أيضاً فعل حراماً، وهذه المسألة التي أريد أن أنبه عليها.

الآن، من طلق زوجته ثلاث تطليقات معاً فهذا فعل حرام باتفاق وانتهينا من ذلك الأمر، لكن أنا ذكرت أيضاً أن من طلق زوجته طلقتين معاً أنه حرام، وهذا في الحقيقة قول في المذهب ذكره الشيخ ابن مفلح في الفروع. لأن المذهب متفق على أن من طلق زوجته ثلاث تطليقات معاً أنه فعل شيئاً خلاف السنة، والمسألة في الثلاث قالوا إنها خلاف السنة وحرام. لكن إذا طلق طلقتين هي خلاف السنة، اتفقنا، لكن هل تصل للحرمة أم هي تقف عند حد الكراهة؟ هذا ما أريد أن أنبه عليه، أنه في الحقيقة هناك خلاف في المذهب فيمن طلق زوجته طلقتين معاً، فقال لها: "أنت طالق، أنت طالق".

هناك قول ذكره ابن مفلح في الفروع أنه أيضاً محرم مثله مثل الثلاث، وهناك قول آخر ذكره الشيخ منصور البهوتي نقلاً عن الشرح الكبير وغيره أنه مكروه ولا يصل إلى درجة التحريم. وقالوا الفرق بين من طلق زوجته ثلاث تطليقات جميعاً وبين من طلق زوجته طلقتين جميعاً، هو أنه من طلقها ثلاث تطليقات جميعاً فقد أبَانها -كما سيأتي معنا اليوم- فقد أبَانها مرة واحدة في مجلس واحد، أبَانها بحيث لا تصلح له حتى تنكح زوجاً غيره. وأما من طلقها طلقتين معاً ففي الحقيقة هو لم يُبِنها بعد لأنها ما زالت في عدتها رجعية يستطيع أن يرجعها، فقالوا بالتالي الطلقتان تبقى أخف من الثلاث لأن الثلاث معناها بينونة، وطلقتان ما زال معك مجال في الإرجاع خلال العدة.

فبالتالي، قال إن الشيخ منصور البهوتي نقلاً عن صاحب الشرح الكبير: إنه من جمع طلقتين معاً فهذا وإن كان خلاف السنة لكنه مكروه ولا يصل إلى التحريم، وأما من جمع ثلاثاً معاً فهذا محرم قولاً واحداً. فلذلك أردت أن أنبه على أن هذه المسألة فيها خلاف داخل دائرة المذهب، ولعل الأظهر أو المعتمد هو القول الثاني وليس ما ذكرته، لعل المعتمد هو القول الثاني أنه مكروه ولا يصل إلى درجة التحريم، وإن كان كما ذكر لكم الشيخ ابن مفلح في الفروع ذكر قول التحريم ولم يذكر قول الكراهة.

نبدأ إن شاء الله في مجلس اليوم بعض المسائل والأبواب المهمة، ولكنني لن أدقق في تفاصيلها لأن أكثرها يعتمد على مبحث دلالات الألفاظ. اليوم إن شاء الله سنذكر صيغاً كثيرة ونعرف أن من تكلم بهذه الصيغة هل تقع منه ثلاث تطليقات أو تقع منه واحدة ما لم ينوِ أكثر، وأغلب المسائل التي ستأتي معنا اليوم هي مبناها على فهم دلالات الألفاظ التي درسنا في أصول الفقه؛ أن تفهم الفرق بين اللفظ النص واللفظ الظاهر. فاللفظ النص هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، واللفظ الظاهر هو الذي له معنى راجح وله معنى مرجوح يمكن أن يُعدل إلى المعنى المرجوح عند قرينة تقتضي التأويل.

فمن كان مدركاً لدلالات الألفاظ ومتقناً لها فلن يجد إن شاء الله مشكلة في معالجة الكلام الذي سيذكره الشيخ مرعي، وأما من لم يكن مدركاً تماماً للفرق بين اللفظ النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً والظاهر، فربما يخفى عليه التعليل في بعض المسائل، ونحن سننبه إلى ما يمكن التنبيه إليه.

فأقول مستعيناً بالله: باب ما يختلف به عدد الطلاق. هكذا قال: باب ما يختلف به عدد الطلاق. سيذكر ألفاظاً إن أطلقها فإنها تُحمل على ثلاث تطليقات، وألفاظاً إن أطلقها فإنها تُحمل على طلقة واحدة، وألفاظاً محتملة. لكن عموماً وبدأ الباب ماذا قال فيه؟ قال: «يملك الحر والمبعض ثلاث طلقات، وأما العبد فيملك طلقتين».

الآن هذه قاعدة مهمة؛ الإنسان الحر أحبابي أقصى عدد من الطلقات لزوجته هي ثلاث طلقات، وهذا أظنكم تعلمونه، الحر أقصى عدد من الطلقات يوجهها لزوجته هي ثلاث طلقات، ما معه أكثر من كذا. والعبد المبعض -وعرفنا المبعض هو من قسم منه حر وقسم منه عبد- العبد المبعض هنا في هذا الباب مثله مثل الحر، يملك ثلاث تطليقات أيضاً. وأما العبد الخالص في عبوديته -وهذا طبعاً يشمل المكاتب ويشمل المدبر، كلهم يدخلون هنا تحت العبد الخالص عبوديته- فهذا يملك طلقتين فقط، يعني إذا كان عبداً متزوجاً، معها طلقة أولى وطلقة ثانية وخلص، تبيّن منه زوجته بينونة كبرى، وأما الحر فله طلقة أولى وطلقة ثانية وطلقة ثالثة. جميل، إذا الحر يملك ثلاث تطليقات ومثله المبعض، والعبد يملك تطليقتين فقط.

ثم قال: «ويقع الطلاق بائناً في أربع مسائل». هذا طرح جيد أحبابي لأنه يلملم لك بعض المسائل؛ متى يكون الطلاق الذي يوقعه الإنسان طلاقاً بائناً، بحيث لا يستطيع أن يرجع زوجته؟ يقول الحنابلة: الطلاق يقع بائناً، أي فاصلاً، في أربع مسائل. المسألة الأولى: إذا طلق زوجته على عوض، وهذا عرفنا في المجلس السابق أنه صورة الخلع في الحقيقة، لكنه خلع.

مفاده الطلاق. إذا بتذكره في المجلس السابق لما تكلمت عن الخلع؛ الخلع أحيانا يكون فسخا وأحيانا يكون طلاقًا بائنًا. وذكرت أن الخلع الذي هو طلاق بائن من صورته أن يطلق زوجته على عوض، بأن يقول لها: "أطلقك على أن تعطيني ألف دينار"، فتقول له زوجته: "قبلت ذلك"، فتعطيه الألف دينار وهو يوقع الطلاق.

الآن، الطلاق الذي يكون معلقًا على عوض هذا طلاق بائن، معناته إذا الرجل قال لزوجته: "أطلقك إذا أعطيتيني ألف دينار"، فهي وافقت وأعطته ألف دينار، الآن وقعت طلقة لكنها طلقة بائنة. فخلال العدة لا يستطيع الرجل أن يرجع زوجته، لا يستطيع أن يرجع زوجته، يريد أن يرجعها يحتاج إلى رضاها وإلى عقد ومهر جديدين. إذن أي طلقة تكون مقابل عوض تدفعه المرأة لزوجها فهذه الطلقة تكون بائنة.

ثانيًا: الطلاق قبل الدخول. أي شخص طلق زوجته قبل الدخول والخلوة فهذا الطلاق طلاق بائن. لماذا؟ لأنه إخواني الكرام المرأة قبل الدخول بها والخلوة بها لا يوجد لها الدعم، إنسان تزوج امرأة لم يدخل بها وطئا ولم يخلو بها وطلقها، الآن هذه ليس لها عدة، فبمجرد ما يقول لها: "أنت طالق" بانت، ولا يوجد لها عدة.

ليش ما لها عدة؟ لأن العدة أحبابي الكرام إنما شرعت أساسًا للتأكد من براءة الرحم. فإذا أنا تزوجت امرأة فلا أنا وطأتها ولا أنا خلوت بها ثم طلقتها، فهنا لا نحتاج إلى التأكد من براءة الرحم لأن هو مائة بالمائة ما دام ما حصل وطأ ولا خلوة، إذا لا يوجد شيء في رحمها، فبمجرد أن أطلقها بانت مباشرة، ما لها عدة حتى يستطيع هو أن يرجعها خلال العدة، ما لها عدة أصلا، فأي امرأة طلقت قبل الدخول والخلوة بها هذه طلقتها هباء، فإذا بده يتزوجها بده يأتي بعقد ومهر جديدين.

ثم قال: "أو في نكاح فاسد". عرفنا الفرق بين النكاح الفاسد والباطل مسبقًا، وعرفنا أن النكاح الفاسد يختلف عن النكاح الباطل أنه يحتاج إلى طلاق أو فسخ. إن النكاح الفاسد هو مثل النكاح الصحيح في أنه يحتاج إلى طلاق أو فسخ، بخلاف النكاح الباطل؛ النكاح الباطل لا يعتد به أصلًا، لا يعتد به ولا ينظر إليه وكأنه غير موجود.

النكاح الفاسد لا تترتب عليه أحكام، ومن أحكامه أنه يحتاج إلى طلاق أو فسخ حتى تنتهي أموره. فإذا الرجل طلق زوجته في نكاح فاسد فإنه هذا الطلاق أيضًا بائن لا يستطيع أن يرجعها خلال العدة، لأننا نقول أصلا إحنا هذا النكاح فاسد بدنا ننهيه، فإذا أنت طلقتها خلاص نعتبرك ابنتها وتحتاج حتى تتزوجها إلى عقد ومهر جديدين بنكاح صحيح.

المسألة الرابعة قال: "الطلاق بالثلاث". قال: "ويقع الطلاق بائنًا في أربع مسائل: ذكر الطلاق على عوض، ثانيًا: الطلاق قبل الدخول والخلوة، ثالثًا: الطلاق إذا وقع في نكاح فاسد، رابعًا: الطلاق الثالث". يعني إذا كان الرجل قد طلق طلقتين مسبقًا لزوجته والآن خلص أوقع الطلقة الثالثة، أو فعل شيئًا محرمًا وهو أنه طلق زوجته ثلاث تطلقات جميعًا.

يعني الطلقة الثالثة إما أنك تلقيها بشكل شرعي صحيح بأنه أنت طلقتها أول مرة ورجعتها، وبعد أن طلقتها ثاني مرة رجعتها، بعدين صارت مشكلة بينكم الثالثة فطلقتها، الطلقة الثالثة؛ لأن هذا حلال وشرعي صحيح لكنها طلقة ثالثة في النهاية. أو أنك فعلت الطلاق المحرم الذي ذكرناه أنك طلقت امرأتك مرة واحدة ثلاث تطلقات جميعًا. فسواء طلقت الطلقة الثالثة بشكل صحيح أو أعطيتها بصورة خاطئة محرمة، في كلا الحالتين ستقع ثلاث، وإذا وقع الثلاث معناته أنت ابنتها ولا تحل لك حتى تنكح زوجًا غيرك ويدخل بها، فعلى ما سيأتي تفصيله، ثم يطلقها ذلك الزوج الآخر حتى تستطيع أن ننكحها مرة أخرى بعقد ومهر جديدين.

فالطلاق البائن في هذه الصور الأربع: من طلق زوجته مقابل عوض ستدفعه وهذه عرفنا أنها صورة من صور الخلع، اثنين من طلق زوجته قبل أن يدخل ويخلو بها، ثالثًا من طلق زوجته في نكاح أصلًا هو فاسد، رابعًا من طلق زوجته الطلقة الثالثة.

ثم الآن سيبدأ يحلل بعض الألفاظ، ودعونا هنا لن أركز كثيرًا في التفاصيل وإنما سأذكر كلامًا جمليًا. قال الشيخ: "ويقع ثلاثًا" أي يقع الطلاق ثلاثًا إذا قال الرجل لزوجته: "أنت طالق بلا رجعة" أو "أنت طالق البتة" أو "أنت طالق بائنًا". إذا رجل قال لزوجته واحدة من هذه الألفاظ فإحنا بنعتبره طلقها ثلاث تطليقات.

إذا رجل قال لزوجته: "أنت طالق بلا رجعة" كأنه قال لها: "أنت طالق بالثلاث"، هذه مثل هذه ولا يجوز شرعًا، إحنا عرفنا أنه يجمع ثلاث تطليقات جميعًا، بالتالي أن يقول الرجل لزوجته هذه العبارة هذا حرام، لكن سيقع عليه هي الثلاث، ستقع عليه الثلاث؛ لأن قوله: "أنت طالق بلا رجعة" أو "أنت طالق البتة" أو "أنت طالق بائنًا" هي عاملها الحنابلة كقول الرجل لزوجته: "لي أنت طالق بالثلاث"، فكل هذه الألفاظ توقع ثلاث.

ليه؟ لأنه إذا قال لزوجته: "أنت طالق بلا رجعة"، من التي تكون طالق بلا رجعة؟ يعني ليس له أن يرجعها، هي التي أنا بطلقها بالثلاث. وكذلك إذا قال لها: "أنت طالق البتة" يعني أنت طالق طلاقًا مفصولًا تمامًا عني، يعني انفصال تام عني، والانفصال التام لا يكون إلا بالطلقة الثالثة، لأنه في الطلقة الأولى والثانية أنت تستطيع ترجعها خلال العدة. وكذلك إذا قال لها: "أنت طالق بائنًا"؛ متى تكون المرأة طالقًا بائنًا منك؟ هو الكلام هنا عن الطلقة الثالثة، يعني الرجل طلق زوجته المدخول بها فقال لها: "أنت طالق بائن"، الزوجة المدخول بها في نكاح صحيح متى يكون طلاقها بائنًا؟ هذا لا يكون في العادة إلا إذا كانت الطلقة الثالثة، هذا هو المعتاد فيها.

ننظر في ألفاظ أخرى، وإن قال لها: "أنت الطلاق" هكذا قال لها، أو "أنت طالق"؛ قال تقع واحدة. ورجل قال لزوجته: "أنت الطلاق"، والطلاق هنا يعني الجنس، فكأنه قال لها جنس الطلاق واقع عليك، كأنه هيك قال لها: "أنت الطلاق" أي أنت جنس الطلاق واقع عليك. أو قال لها: "أنت طالق" وهي اللفظة الاعتيادية، فهذه كم تقع؟ توقيع واحدة.

قال: "وإن نوى ثلاثًا وقع ما نوى". يعني إذا رجل قال لزوجته: "أنت طالق" ونوى في قلبه أنه يريد ثلاثًا بهذه اللفظة تقع نيته، وهذا يدل على أن النية قد تعمم كما أنها قد تخصص، فالنيات لها أثر كبير في كلام المكلفين وفي بناء الأحكام عليه، وكما قلت لكم العبد الفقير كتب شيئًا من هذا في بحث سابق.

قضية أثر النيات والمقاصد القلبية في تفسير كلام المكلفين وبناء الأحكام عليه؛ لأن هذا أمر خطير، وشاع حقيقة في أبواب المعاملات والمنكحات. فمثلاً لو قال لها: «أنت طالق»، وهو ينوي في قلبه ثلاث تطليقات، فكلمة «أنت طالق» ستحمل على الثلاث؛ فبدنا نفرق بين «أنت طالق» بالحالة الطبيعية التي تدل على طلقة واحدة، وبينما إذا نوى خلاف الظاهر منها أن ينوي بها الثلاث، فهذا خلاف الظاهر لكننا نحمله عليه ما دمت أنت نويت وأخبرت، والله إن نويت بها الثلاث فنقول تقع ثلاث؛ إذا نوى ثلاثاً وقع ما نوى. ثم عاد فقال: «ويقع ثلاثاً»، أي تقع ثلاث طلقات.

إذا قال الرجل لزوجته: «أنت طالق كل الطلاق»، أو «أنت طالق أكثر الطلاق»، أو «أنت طالق جميع الطلاق»، أو «أنت طالق عدد الحصى» ونحوه مما هو فيه لغة الأعداد؛ كأن يقول: «أنت طالق عدد حبات الرمل»، أو «أنت طالق عدد نجوم السماء»، أو قال لها: «يا مائة طالق»، فإذا قال الرجل لزوجته إحدى هذه العبارات -والقسم الأول منها هو أن تطالق كل الطلاق أو أكثر الطلاق أو جميع الطلاق- فخلونا نحلل هذه العبارات الثلاث.

«أنت طالق كل الطلاق»؛ لما نقول لها «كل الطلاق» يعني أنت طالق كل الطلقات التي أملكها، وأنا كم وحدة أملك؟ أملك ثلاث تطليقات، فإذا قلت لها: «أنت طالق كل الطلاق» معناها أنت طالق بالثلاث. وكذلك لو قلت لها: «أنت طالق أكثر الطلاق»، نفس الشيء، ما هو أكثر الطلاق الذي يملكه الحر؟ ثلاث تطليقات فتقع ثلاث. أو قلت لها: «أنت طالق جميع الطلاق» فبنفس الشيء هذا معناه أنك تطلقها بالثلاث.

وكذلك لو استعملت لغة الأعداد، فلو قلت لها: «أنت طالق عدد حبات الحصى» أو «عدد الرمال» أو «عدد نجوم السماء»، ففي الحقيقة أنت هنا لست مطلقها ثلاثاً فقط، بل أنت مطلقها أكثر من ثلاث، لكن في الشريعة الإسلامية أنت لا تملك إلا ثلاثاً، فالعدد الزائد عن الثلاث يكون لا عبرة به وستقع عليك الثلاث، أليس كذلك؟ وكذلك لو قال لها: «أنت طالق مائة طلقة»، فسبعة وتسعون طلقة لا عبرة بها لأنها زائدة وأنت لا تملكها، وثلاث منها ستقع.

فمن استعمل هذه العبارات التي تدل على أنك تريد أن تطلق كل الطلاق الذي تملكه؛ «أنت طالق كل الطلاق»، «أكثر الطلاق»، «جميع الطلاق»، أو استعمل عدداً أكثر من الثلاث، سواء نص عليه نصاً مثل: «أنت طالق مائة طلقة» أو «خمسين طلقة»، أو استعمل العبارات التعبيرية مثل: «أنت طالق بعدد الحصى» أو «عدد الرمال» بملايين، فهذا كله يوقع ثلاث تطليقات. وهو حرام طبعاً، ما يصير أن تقول لها عبارة من هذه العبارات لأنك كأنك قلتها في مجلس واحد: «أنت طالق ثلاثاً»، ونحن عرفنا أن هذا طلاق محرم؛ أن يطلق زوجته ثلاث تطليقات مرة واحدة حرام، ولكنه سيقع. فكل لفظة من هذه الألفاظ التي نتعلمها اليوم التي يقع بها الثلاث دفعة واحدة استعمالها محرم، لكن يقع بها الطلاق.

وإن قال: «أنت طالق»، انظروا الآن كيف سيختلف التعبير. وإن قال: «أنت طالق أشد الطلاق» أو «أغلظه» أو «أطوله» أو «الدنيا» أو «مثل الجبل» أو «أنت طالق على سائر المذاهب»، هذه العبارات قالوا يقع بها طلقة واحدة ما لم ينوي بها أكثر من ذلك؛ لأنه هنا في الحقيقة لم يعبر أو لم يستعمل لغة الأعداد، وإنما استعمل لغة التجديد والتغليظ. لما يقول: «أنت طالق أشد الطلاق»، فأشد الطلاق في الحقيقة لا يدل على عدد. كلمة «أشد الطلاق»، «أغلظ الطلاق»، «أطول الطلاق»، أو «أنت طالق ملء الدنيا»، كلمة «ملء الدنيا» برضه لا تدل على عدد مثل عدد الحصى أو عدد النجوم.

وهنا «أنت طالق مثل الجبل»؛ لأن أحبابي الكرام ما استعمل لغة أعداد، خلص، «أنت طالق طلقة مثل هذا الجبل»، ما قال لها: «مثل عدد حبات الرمل»، وقال لها: «مثل عدد حبات الرمل في الجبل»؛ هنا رجعنا. لكنه قال لها: «أنت طالق مثل الجبل»، فلربما يقصد مثل الجبل يعني أنت طالق طلقة قوية أو أنت طالق طلقة شديدة. وكذلك «أنت طالق ملء الدنيا» يعني سأطلقك طلقة عنيفة تملأ الدنيا. فهنا لما كان اللفظ يتجه نحو التجديد والتغليظ وليس نحو ذكر أعداد، اعتبره الحنابلة طلقة واحدة.

لاحظوا: «أنت طالق أشد الطلاق»، «أغلظ الطلاق»، «أطول الطلاق»، «ملء الدنيا»، «مثل الجبل»، أو «أنت طالق على سائر المذاهب الفقهية»، هنا كل هذه العبارات تدل على تجديد وتغليظ لكنها لا تدل على أعداد، فلذلك الأصل أن يقع بها طلقة واحدة ما لم ينوي بها أكثر، إذا نوى الأكثر خلاص النية تعمم مثل هذه الألفاظ.

ثم قال: «فصل والطلاق لا يباع، بل جزء الطلقة كهي». يعني لو شخص قال لزوجته: «أنت طالق نصف طلقة»، بنقول له الطلاق لا يباع، ما في شيء اسمه «أنت طالق نصف طلقة» ولا ربع طلقة ولا سدس طلقة؛ إذا قلت: «أنت طالق نصف طلقة» وقعت طلقة كاملة، وإذا قلت لها: «أنت طالق خمس طلقة» تقع طلقة كاملة، فالطلاق لا يباع، ما في شيء اسمه نصف طلقة وخمس طلقة، من استعمل هذه العبارات يقع عليه طلقة كاملة؛ لذلك قال: «بل جزء الطلقة كهي».

ماذا يعني؟ يعني من استعمل عبارة «أنت طالق جزء طلقة» أو «خمس طلقة» أو «سدس طلقة» تعتبر طلقة كاملة. وكذلك إن طلق بعض زوجته طلقت كلها؛ نفس الشيء، لو قلت لزوجتك: «أنت طالق» بس ما قلت لها: «أنت كلك طالق»، لو قلت لزوجتك: «يدك طالقة» أو «رجلك طالقة» أو «فخدك طالقة»، أوقعت الطلاق على جزء من الزوجة، نفس الشيء؛ الزوجة لا تتباعض، فإذا أوقعت الطلاق على جزء منها وقع عليها كلها.

لكن هنا في الحقيقة فصل قليلاً لأنه قال: «وإن طلق منها جزءاً لا ينفصل كيدها وأذنها وأنفها طلقت، وإن طلق جزءاً ينفصل كشعرها وظفرها وسنها لم تطلق». فالآن باختصار هنا تفصيل في هذه المسألة، نقول من طلق جزءاً من زوجته، هنا تقول تفصيل إن كان جزءاً لا ينفصل عنها كالأنف واليد؛ يعني قال لها: «أنفك طالق» أو قال لها: «يدك طالقة»، لأن الأنف واليد والعين والأذن أجزاء غير منفصلة عن الجسد، بالتالي إذا طلق جزءاً منها لا ينفصل تقع طلقة كاملة، وأما إذا كان جزءاً منفصلاً، يعني إذا أوقع الطلاق على جزء منفصل من المرأة، أو يمكن أن ينفصل إذا كان جزءاً.

وهذا يمثلون له مثلا بالشعر، السن، الظفر؛ أحبابي الكرام يعتبرونه من الأجزاء المنفصلة؛ لأنه يتساقط، وكذلك مثلا الظفر يعتبرونه جزءا منفصلا أنه يقص، وكذلك الأسنان يعتبرونها أجزاء منفصلة لأنها تنزع، فليس بتغيير أسنان، فهذا يدل على أنها أجزاء منفصلة.

وأيضا يلحق بها الدموع؛ لو قال لها دمعتك طالق نفس الشيء، وأنا ربما ذكرت بعض الأمثلة كالريق؛ فإنه قال لها ريقك، فالريق أيضا جزء منفصل، لبنك اللبن الذي يخرج من الثدي جزء منفصل. فإذا رجل أوقع الطلاق على جزء من زوجته لكنه جزء يقبل الانفصال؛ فلو قال لها شعرك طالق، سنك طالق، ظفرك طالق، ريقك طالق، دمعك طالق، لبنك طالق؛ هذه كلها لا يقع بها الطلاق، هنا لا يقع الطلاق. لماذا؟ قالوا لأنه أوقع الطلاق على جزء منفصل أو يمكن انفصاله بالصورة الطبيعية.

أما إذا كان الجزء بطبيعته في الوضع الطبيعي لا ينفصل مثل الأذن والعين، الأذن والعين والأنف واليد والرجل؛ فهنا تقع طلقة. فنفرق إذا: هل أوقع الطلاق على جزء من زوجته إذا كان جزءا في العادة لا يقبل الانفصال بل هو متماسك؟ فهو نعتبره طلقة كاملة. وإذا كان جزءا في العادة يقبل الانفصال، فهنا لا يقع الطلاق، وانتهينا.

ثم قال: فصل. وإذا قال: «أنت طالق لا، بل أنت طالق»، هذه كم يقع بها؟ هل يقع بها طلقتان أم تقع طلقة واحدة؟ رجل قال لزوجته: «أنت طالق»، ثم قال: «لا، بل أنت طالق»، هذه هل يقع بها طلقتان أم تقع طلقة واحدة؟ الحنابلة يقولون: تقع واحدة. ليه؟ لأنه لما قال لها: «أنت طالق»، ثم قال: «لا»، كأنه عاد فنفى ما تكلم به أولا ثم عاد فأكده مرة أخرى فقال: «بل أنت طالق»، فكأنه نوع من الإضراب. فقال لها: «أنت طالق»، ثم قال: «لا، بل أنت طالق»، فهو نفى ثم أعاد فأثبت، فاعتبره الحنابلة أن مقصده إيقاع طلقة واحدة وليس مقصده إيقاع طلقتين. هكذا اعتبر الحنابلة ظاهر هذه اللفظة؛ أنك قلت: «أنت طالق»، ثم استدركت فقلت: «لا»، عدت فنفيت، ثم أثبت مرة أخرى فقلت: «بل أنت طالق»، فاعتبره الحنابلة نفى الطلقة ثم عاد فأثبتها، فقالوا هي طلقة واحدة إذا.

جيد، وان قال لها -ركزوا الآن معي؛ لأنه هنا العبارات ستبدأ تتقارب جدا-: «أنت طالق، طالق، طالق»، لاحظوا ما أتى بحرف عطف، قال لها: «أنت طالق، طالق، طالق»، فهذه عند الحنابلة اعتبروها واحدة، والثانية والثالثة توكيد، ما لم ينوِ أكثر، إلا إذا لم يقصد بالثانية والثالثة التوكيد بل قصد التأسيس، حينئذ ستقع ممكن ثلاث تطليقات. فهنا أساسا نحن نعتبر الثانية والثالثة توكيدا للأولى، إلا إذا هو قال: لا، أنا ما قصدت التوكيد، قصدت ثانية وثالثة، هنا بتصير ثلاث طلقات على حسب نيته، أما أساسا نحن نعتبرها واحدة؛ لذلك قال: «فواحدة ما لم ينوِ أكثر».

ثم قال: وأنت لو قال: «أنت طالق، أنت طالق»، هنا يختلف الأمر. الآن لو قال: «أنت طالق»، ثم كرر الضمير مرة أخرى فقال لها: «أنت طالق»، لو هنا يختلف الأمر؛ لأن هذه جملة وهذه جملة، فهنا الأصل أنه هذه طلقة أولى وهذه طلقة ثانية، الأصل أنهما طلقتان. شوف الحالة الأولى: قال لها: «أنت طالق، طالق، طالق»، ما أعاد الضمير، الظاهر أنه يريد التوكيد. لكن هنا لما قال: «أنت طالق، أنت طالق»، لا، الظاهر أنه يريد التأسيس، فبالتالي يعتبر الطلقتان إلا إذا نوى تأكيدا متصلا أو إفهاما. يعني إلا إذا هو قال لنا: والله يا جماعة لما قلت لها: «أنت طالق» المرة الثانية، أنا لم أرد تأسيس طلاق آخر، لا، أنا أردت بالجملة الثانية هو تأكيد الجملة الأولى، أو أردت أن أفهمها، «أنت طالق، أنت طالق» مثلا. فإذا قال: قصدت بالثانية تأكيد الأولى أو تفهيمها بماذا نطقت ابتداء، فحينئذ نعتبرها طلقة واحدة. كل هذا الكلام طلقة واحدة إذا ما عنده نية توكيد أو تفهيم، بنقول له: لا، هذه طلقة وهذه طلقة.

الحالة الجملة التي تليها: لو قال لها: «أنت طالق فطالق»، استخدم الفاء، وهنا ستبدأ تظهر قوتك في اللغة والعربية. الفاء تدل على ماذا؟ على التعقيب والترتيب. أو قال لها: «أنت طالق ثم طالق»، «ثم» تدل على ترتيب لكن مع تراخي وليس مع تعقيب. فهنا قال: «فثنتان في المدخول بها، وتبين غيرها بالأولى». إيش معنى هذا الكلام؟ لو قال لها: «أنت طالق فطالق» أو «أنت طالق ثم طالق»، الفاء تدل على ترتيب فكأنه: «أنت طالق فطالق»، ترتيب الأولى ثم الثانية تظهر على ترتيب مع تعقيب مباشر، و«ثم» تدل على ترتيب بين الطلقات لكن مع تراخي. فسواء استعمل الفاء أو استعمل ثم، لأنها تدل على ترتيب، فهنا الذي سيتأثر بهذا الكلام المدخول بها الزوجة المدخول بها.

فإذا أنا كنت متزوج زوجة ودخلت بها، هنا إذا أنا قلت لها: «أنت طالق فطالق»، تقع طلقتان؛ ليه؟ لأن أنا استعملت الطلقة الأولى ثم هي الآن بدأت في عدتها فاستطعت أن أوقع عليها طلقة ثانية. طبعا نحن عرفنا أن إيقاع طلقتين متتابعتين أنه مكروه على المعتمد، وحرام على قول في المذهب، لكن أنا لا أتكلم الآن عن هذه الأمور، أتكلم عن أصل الفكرة. إذا قلت لزوجتي المدخول بها: «أنت طالق فطالق»، معناته أنا أوقعت طلقة أولى هي الآن بدأت في العدة، ثم أوقعت مباشرة طلقة ثانية. وكذلك لو قلت: «أنت طالق ثم طالق»، نفس الفكرة.

أما إذا كانت الزوجة غير مدخول بها، هنا بدك تشغل دماغك؛ إذا كانت الزوجة غير مدخول بها، أنا بمجرد ما قلت لها: «أنت طالق»، صارت بائن، مش هيك حكينا؟ لأنه ليس لها عدة، فإذا قلت بعد ذلك: «فطالق» أو «ثم طالق»، لا تقع الثانية؛ لأن الأولى بمجرد أن وقعت أصبحت بائن هذه الزوجة غير المدخول بها، فبالتالي لا يمكن أن يقع عليها طلاق آخر بعد ذلك، سواء استعملت «فطالق» أو «ثم طالق». لذلك إيش قال؟ إذا قلت: «أنت طالق فطالق» أو «أنت طالق ثم طالق»، فتقع اثنتان إذا كانت مدخول فيها؛ لأنه في عدة فيمكن أن يقع عليها طلقة.

بعد طلقة، وأما الغير مدخول بها فهي أصلاً بانت مع الأولى، فصارت كلمة "فطارق ثم طالق" بعدها لغو. أما إذا قال ركزوا في الجملة الأخيرة هنا: "أنتِ طالق وطالق وطالق"، هنا ماذا قال الشيخ مرعي؟ "أنتِ طالق وطالق وطالق"، قالها مرة واحدة فثلاث معاً ولو غير مدخول بها.

إذا قال رجل لزوجته: "أنتِ طالق وطالق وطالق"، هنا في اللغة العربية ماذا تفيد؟ تفيد مطلق الجمع، يعني أنت جمعت طلاق مع طلاق مع طلاق وألقيته دفعة واحدة. فهنا لا يفرق أن تكون الزوجة مدخولاً بها ولا غير مدخول بها. إذا قال لزوجته، سواء كان مدخولاً بها أو غير مدخول بها: "أنتِ طالق وطالق وطالق"، هنا ستقع ثلاثاً؛ فإذا كانت مدخولاً بها وقعت عليها ثلاث، فتتخلص من عدتها وتتزوج رجلاً آخر وتنتهي عدتها منه بعد أن يطأها حتى يتحلل الأول، وكذلك لو كانت غير مدخول بها تقع ثلاثاً ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.

لماذا يا شيخ غير المدخول بها تقع ثلاثاً؟ مش الأصل أنها تبين بالأولى مثل الجملة السابقة: "أنتِ طالق فطالق"؟ نقول ما الفرق؟ أنه الفاء وثم تدلان على الترتيب، كما حكيت لكم، فهو في غير المدخول بها إذا قال لها: "أنتِ طالق فطالق" هي بانت بالأولى، فلا يمكن أن يقع بعدها طلاق آخر مرتب عليه. أما هنا فهو لم يستعمل حرف عطف يفيد الترتيب، بل استعمل حرف عطف يفيد الجمع وهو الواو؛ فلذلك لما قال لها: "أنتِ طالق وطالق وطالق" كأنه ألقى عليها لفظة "أنتِ طالق" بالثلاث، كأنه قال لها: "أنتِ طالق بالثلاث".

والغير المدخول بها إذا قلت لها: "أنتِ طالق بالثلاث"، الطرق الثلاث تطليقات، طلقت ثلاث تطليقات؛ هي صحيح بطلقة واحدة، بس أنت حضرتك عملت هذه المعصية وألقيت عليها ثلاث تطليقات معاً، فأنت حرمت نفسك فلا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيره. فبدي إياكم أحبابي تركزوا على هذه الأفكار؛ شوفوا الفرق بين "أنتِ طالق طالق طالق" وأنا ما في حرف عطف، وبين "أنتِ طالق وطالق وطالق" في حرف عطف. فبدنا نفرق بين كل واحدة من هذه العبارات: "أنتِ طالق طالق طالق"، "أنتِ طالق، أنتِ طالق"، "أنتِ طالق فطالق ثم طالق"، "أنتِ طالق وطالق وطالق"؛ كل واحدة لها حكمها الخاص بناء على ما يفيده اللفظ في ظاهر أمره.

ثم قال: فصل. الآن يريد أن ينتقل لمسألة الاستثناءات في الطلاق، قال باستثناء؛ طبعاً تعرفونه في اللغة العربية، درسناه في الآجرومية ودرسناه في قطر الندى، باب معروف أن تأتي باستعمال "إلا" أو إحدى أخواتها من أحرف الاستثناء. الاستثناء هو إخراج ما لولاه لكان داخلاً في الكلام السابق باستعمال "إلا" أو إحدى أخواتها مثل: "غير" و"سوى" وغيرها من أدوات الاستثناء. ماذا قال؟ قال: "فصل ويصح الاستثناء في النصف فأقل من مطلقات وطلقات".

الآن عندك مفهومان: عندك مفهوم الطلقات وعندك مفهوم المطلقات. المطلقات من هم؟ هم زوجاتك، المطلقات هم الزوجات، والطلقات هي ألفاظ الطلاق. الحنابلة يقولون: الاستثناء المقبول لغة هو استثناء النصف فأقل. خليني أفهمك إياها بحالة طبيعية في غير الطلاق؛ لو شخص قال: "عندي عشرون ديناراً إلا خمسة عشر". هذه العبارة عند الحنابلة ليست صحيحة، لماذا؟ لأنه المستثنى هو الواقع بعد أداة الاستثناء، والمستثنى هنا أكثر من نصف المستثنى منه.

إذا كان المستثنى أكثر من نصف المستثنى منه يكون الاستثناء خطأ عند الحنابلة. فمثلاً: "عندي عشرون ديناراً إلا خمسة عشر"، يقولون هذا الاستثناء خطأ لأن المستثنى خمسة عشر والمستثنى منه عشرون، وبالتالي المستثنى أكثر من نصف العشرين، والعشرين نصفها عشرة، فالمستثنى أكثر من النصف، بالتالي هنا الاستثناء باطل. وفي باب القضاء، هنا تتحمل قضائياً عشرين ديناراً؛ لأنه إذا بطل الاستثناء، يبطل الاستثناء وحده والجملة التي قبله هي التي تؤاخذ بها، لا تبطل كل الجملة. اكتبوا هذه القاعدة عندكم: إذا كان الاستثناء خطأ، الذي يتم إلغاؤه هو الاستثناء وليس كل الجملة، وتؤخذ بما قبل الاستثناء.

فلو شخص قال عند القاضي: "محمد يريد مني عشرين ديناراً إلا خمسة عشر"، نقول هذه "إلا خمسة عشر" خطأ لأنها أكثر من النصف، وعليك عشرون ديناراً، ألزمناه بما قبل الاستثناء لأنه استثناؤه غلط، ولم نلغِ الجملة كلها. أما إذا قال: "عندي عشرون ديناراً إلا عشرة"، نقول ممتاز، العشرة وهي المستثنى هي نصف المستثنى منه، إذاً الاستثناء صحيح. وما دون العشرة مثل تسعة أو سبعة، فإذا كان المستثنى هو نصف المستثنى منه فأقل، فالاستثناء صحيح، وإذا كان المستثنى أكثر من نصف المستثنى منه فالاستثناء باطل، فيبطل الاستثناء فقط ويؤخذ بما قبل أداة الاستثناء.

الآن كيف سنطبق هذه الفكرة في موضوع الطلاق؟ لو رجل قال لزوجته: "أنتِ طالق ثلاثاً إلا اثنتين"، بتيجي وتحكي: الاثنين هل هي أكثر من نصف الثلاث، أم هي النصف بالضبط أم أقل؟ تقول: الثلاث نصفها واحد ونصف، فالاثنتان أكثر من النصف، بالتالي الاستثناء خطأ، وسنبطل الاستثناء وتصح الجملة التي قبل الاستثناء وحدها، فيكون هذا الرجل قد طلق زوجته ثلاثاً. فيأتي ويقول: "أنا ما طلقتها ثلاثاً، أنا قلت أنتِ طالق ثلاثاً إلا اثنتين"، ونقول له: استثناؤك خطأ، فسقط الاستثناء وصحت الجملة السابقة، فتقع على زوجتك ثلاث تطليقات.

يجب أن تتعلم فقه دينك، لا ينفع أن تقبل على هذا الشيء دون أن تكون فاهماً أحكام اللغة العربية وأحكام الدين. طبعاً اليوم إخواني الأمر يحتاج أيضاً إلى تفقه في دين الله في كيفية محاسبة الناس على الألفاظ، خاصة أن مثل هذه الألفاظ التي يتكلم فيها الفقهاء في زمانهم، الناس اليوم لا تستعملها في الواقع العملي، لكن نريد أن نتعلم هذه المسائل بغض النظر.

لو قال لها: "أنتِ طالق ثلاثاً إلا واحدة"، هذا استثناء من طلقات. أنا الآن أعطيكم أمثلة على الاستثناء من طلقات، وبعدين سآتي على الاستثناء من مطلقات. "أنتِ طالق ثلاثاً إلا واحدة"، الواحد أقل من نصف الثلاثة (لأن نصف الثلاثة واحد ونصف)، فإذا كان الواحد أقل من النصف، إذاً الاستثناء صحيح، فبالتالي هنا "أنتِ طالق ثلاثاً إلا واحدة" ستطلق طلقتين.

اثنتين فتقع اثنتين. جيد، هذا بالنسبة للاستثناء في الطلقات.

الاستثناء في المطلقات: رجل ما شاء الله عنده أربع زوجات، فقال: «زوجاتي الأربع طوالق إلا واحدة». طبعاً هنا نرجع لقضية إذا كان ناوي واحدة مبهمة على القرعة زي ما تعلمنا في المجلس السابق. المهم، قال: «زوجاتي الأربع طوالق إلا واحدة». إذا الأربع ايش نصفها؟ اثنتان، والواحد أقل من النصف؛ بالتالي الاستثناء صحيح، فتطلق ثلاثاً. لو قال: «زوجاتي الأربع طوالق إلا ثلاثة»، بنقول له: تعال، الأربع نصفها اثنتان، أنت الآن استثنيت أكثر من النصف، فالاستثناء باطل وسيطلق الزوجات الأربع؛ لأنه الاستثناء باطل وهو الذي يلغى، وبالتالي تصح الجملة من دون استثناء فتطلق الزوجات الأربع. ها هي الفكرة أحبابي الكرام.

لذلك يصح استثناؤه في النصف فأقل من مطلقات أو من طلقات، فلو قال لها: «أنت طالق ثلاث إلا واحدة»، طلقت اثنتين زي ما قلت لكم هنا. وإن قال: «أنت طالق أربعاً إلا اثنتين»، يعني واحد قال لزوجته: «أنت طالق أربع تطلقات إلا اثنتين». طبعاً أنت راح تحكي يا شيخ وأصلاً ما معه إلا ثلاث تطلقات، اعتبره استعمل لفظة خطأ، قال لها: «أنت طالق أربع تطلقات إلا اثنتين». بنقول الاثنين هي نصف الأربع، صح؟ يعني مش صح أنه ما معه إلا ثلاث، لكن هو استعمل لفظة الأربع فأنا سأعامله على ما تلفظ به، فلو قال لها: «أنت طالق أربع تطلقات إلا اثنتين»، الاستثناء صحيح وستطلق اثنتين. ولو قال: «نساء الأربع طوالق إلا اثنتين»، نفس الفكرة زي ما قلت لكم قبل قليل، ستطلق اثنتان لأن الاستثناء صحيح.

ثم قال هنا قاعدة عامة؛ إن شرط الاستثناء حتى يكون مقبولاً، وهذا درسناه في أصول الفقه، لابد أن يكون المستثنى، يعني أداة الاستثناء والمستثنى، متصل اتصال المعتاد لفظاً أو حكماً، كانقطاعه بعطاس ونحوه. شو معنى هذا الكلام؟ يقولون إذا شخص أراد أن يستثني لازم يكون الاستثناء متصلاً بالكلام السابق، مش منفصلاً. والله قلت أنت طالق ثلاثاً وبعد نصف ساعة رجعت لها فقلت لها: «إلا واحدة»، نقول ما لن ينفع، لأنه هنا جاء الاستثناء منفصلاً انفصالاً بعيداً عن الجملة السابقة، فبالتالي يكون ملغياً لا عبرة به، لابد أن يكون الاستثناء متصلاً بالجملة السابقة.

طبعاً هناك تفصيل يذكر في أصول الفقه، هل ينوي الاستثناء قبل أن يفرغ من المستثنى منه، أو لابد يكون من بداية الجملة؟ هذه لا أدخلكم في تفاصيلها، دعوني فقط أركز على الفكرة العامة؛ أن من أراد أن يستثني لابد أن يكون الاستثناء متصلاً اتصالاً معتاداً بالجملة السابقة، إما أن يكون متصلاً اتصالاً لفظياً مباشراً مثل: «أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة»، أو هناك ما يسمى بالاتصال الحكمي. الاتصال الحكمي هو في الحقيقة وقع انفصال بين الاستثناء والجملة، لكنه انفصال لأمر اضطراري كعطاس، زي ما قال لك: عطاس، تثاؤب، أمر اضطراري ونحوه. فلو قال لها: «أنت طالق ثلاثاً»، وبعدين عطس، بعدين قال: «إلا واحدة»، بمشي الأمر، بنعتبر هنا في اتصال وإن لم يكن اتصالاً حقيقياً، لكنه اتصال نسميه اتصال الحكم، يعني هو في حكم المتصل وإن لم يكن متصلاً في الواقع؛ لأنه صار فيه انفصال بعطاس أو تثاؤب أو مثلاً استعمل المحرم ليمتخط.

فعموماً لابد أن الاستثناء يكون متصلاً بالجملة السابقة، إما أن يكون متصلاً فعلاً وواقعاً وهذا هو الاتصال اللفظي، أو هو في حكم المتصل وهذا يسمونه الاتصال الحكمي، وهذا إنما يكون في حالة أن هناك فاصلاً قهرياً وقع بين المستثنى والجملة السابقة كعطاس ونحوه، فهنا يعتبر كأنه في حكم المتصل بني على أحكام الاستثناء.

ثم قال: بسم الله، الحمد لله. فصل في طلاق الزمن؛ يعني ألفاظ طلاق استعمل فيها الزمن، تم تقييدها بالزمن، ألفاظ الطلاق التي تم تقييدها بالزمن، سنعالج مجموعة من هذه الألفاظ ونبدأ بها واحدة واحدة. إذا قال الرجل لزوجته: «أنت طالق أمس»، أو «أنت طالق قبل أن أتزوجك»، ونوى وقوعه، يعني نوى إيقاع الطلاق بهذا الكلام ونوى وقوعه، إذاً وقع. وإلا فلا.

إيش معنى هذا الكلام؟ واحد جالس مع زوجته يقول لها: «أنت طالق أمس»، طبعاً هو أمس ما طلقها، فهذه العبارة في ظاهرها بالنسبة لك تقول يا عائشة كلام فارغ. أو شخص يقول لزوجته: «أنت طالق قبل أن أتزوجك»، ظاهر هذه العبارة بالنسبة لك أنها لغو لا معنى لها، شو طالق قبل أن أتزوجك؟ لكن الحنابلة يقولون: صحيح هذه العبارة في ظاهرها فاسدة، لكن هناك شيء فقهي أو قاعدة فقهية هي إعمال أولى من إهماله؛ أن أعمل الكلام وأبني عليه أولى من أن أهمله وأعتبره لغواً. هذه قاعدة فقهية، فإذا استطعت أن أعمل كلام المكلف وأبني عليه أحكاماً شرعية يكون هذا أولى من إهماله واعتباره لغواً.

وبناءً على هذه القاعدة، يقول الحنابلة من قال لزوجته: «أنت طالق أمس»، أو «أنت طالق قبل أن أتزوج»، نقول له: هل نويت بهذه الكلمة أن توقع الطلاق في لحظتها؟ يعني أنت لما حكيت لزوجتك «أنت طالق أمس» أو «أنت طالق قبل أن أتزوجك»، هل كنت ناوياً بهذا الكلام إيقاع الطلاق في لحظتها؟ إذا قال: «والله نعم، أنا قلت لها أنت طالق أمس وقصدي بهذا الكلام إيقاع الطلاق في لحظة التلفظ به»، ونقول خلاص وقع، صح قيد "أمس" وقول "أنا أتزوجك" أصبح له لا قيمة له، لكن سيقع عليك الطلاق لأنك تقول إنك لما تفوهت بهذا الكلام نويت به إيقاع الطلاق فإننا نوقعه. إذا قال: «والله يا شيخنا كنت تكلمت بهذه الجملة ولم أنوِ بها إيقاع الطلاق»، نقول بالتالي لا يقع بها طلاق؛ لأن ظاهرها لغو لا قيمة له وأنت لم تنوِ شيئاً مفيداً، فانتهى هذا الكلام، وفعلاً هنا ما في حل إلا أن نهمله لأنه لا معنى أن تقول أنت طالق قبل أن أتزوجك، لو قلت لي أنت نويت بها الطلاق في لحظة التفوه بها خلص بنينا عليها طلاقاً، أما إذا لم تنوِ بها شيئاً فالكلام أصلاً كله لهو لا قيمة له.

ثم قال: «وأنت طالق اليوم إذا جاء غد»، فالحنابلة يقولون هذه العبارة لا قيمة لها؛ لأنه يريد أن يوقع طلاقاً اليوم، ولكن لا يقع هذا الطلاق اليوم إلا إذا جاء الغد، فقالوا هذا لا يمكن أن يقع، فاعتبروه لغواً. أعيد مرة أخرى، هو يريد أن يوقع طلاقاً اليوم وفي نفس الوقت لن يقع هذا الطلاق اليوم إلا إذا جاء الغد، فقالوا حدث هنا نوعاً من التناقض.

فاعتبرت هذه العبارة له لا يمكن تطبيقها؛ كيف تريد أن توقع طلاقاً اليوم ولكنه لن يقع اليوم إلا إذا جاء غد؟ هذا مع هذا لا يجتمعان، فاعتبرت العبارة لغواً.

«أنت طالق غداً» أو «يوم كذا» يقع بأولهما، أي بطلوع الفجر، لأن بعض العبارات تحتاج إلى تحليل. «أنت طالق غداً أو يوم الجمعة» و«أنت طالق في غد أو في يوم الجمعة»، ما الفرق بين العبارتين؟

بدأوا بالعبارة الأولى، إذا قال لها: «أنت طالق غداً» من دون أن يأتي بحرف الجر «في»، أي: «أنت طالق غداً أو يوم الجمعة»، يقع الطلاق إذا جاء فجر الغد، بمجرد أن يأتي الفجر الثاني من الغد أو الفجر الثاني من يوم الجمعة يقع الطلاق. يقع بأولهما، أي أول الغد وأول يوم الجمعة، يعني الفجر، ولا يقبل حكماً قضائياً إذا قال: أردت وقوعه آخر اليوم، أواخر يوم الجمعة، يعني على الساعة السادسة مساءً. إذا قال: أردت، لم أرد أن يقع في البداية عند الفجر، بل أردت أن يقع في آخره، فنقول له: هذه العبارة «أنت طالق غداً أو يوم الجمعة» لن تساعدك على هذه النية.

لماذا؟ لأن ما قاله هو: «أنت طالق غداً أو يوم الجمعة» يقع بأولهما، ولا يقبل حكماً إن قال أردت آخرهما، ولا حتى ديانة، هكذا قال الحنابلة؛ لا حكماً ولا ديانة أصلاً بينه وبين الله. نقول له يلزمك الطلاق من الفجر، ولا ينفع أن تقول: والله أنا قصدي الطلاق يقع ظهر الجمعة أو ظهر الغد أو مساءها. لأنه معنى «أنت طالق غداً أو يوم الجمعة» أنك تريد أن توقع الطلاق متى جاء أي ساعة من ساعات الغد.

ركزوا معي؛ إذا قلت: «أنت طالق غداً»، ما معنى هذه العبارة؟ معناها أنني أريد أن أوقع طلاقاً متى جاء أي ساعة من ساعات الغد. فإذا جاءت ساعة الفجر معناها جاءت ساعة من ساعات الغد، فيقع فيها الطلاق وينتهي الأمر. معنى «أنت طالق غداً» هكذا تُفسر. قاضٍ لزوجته: «أنت طالق غداً»، معناها أنت طالق متى جاءت أي ساعة من ساعات يوم الغد. فإذا طلع الفجر الثاني، هذه أول ساعة من ساعات يوم الغد، يعني جاءت ساعة من ساعات الغد ويصلح أن يقع فيها الطلاق، فيقع فيها الطلاق وينتهي الأمر.

ولن نقبل قوله: والله أنا قصدت إذا جاء الظهر أو العصر. نقول له: «أنت طالق غداً» معناها في اللغة العربية أنت طالق متى جاءت أي ساعة من ساعات الغد، هكذا معناها. أو «أنت طالق يوم الجمعة»، معناها أنت طالق متى جاءت أي ساعة من ساعات يوم الجمعة، فإذا طلع الفجر الثاني من يوم الجمعة معناها جاءت ساعة من ساعات الجمعة، فيقع الطلاق من الأول، ولا يقبل بالتالي أن تقول أنا قصدت الآخر، لأن هذا خلاف ما تقتضيه العبارة. العبارة تقتضي أنك تريد إيقاع الطلاق في أي ساعة متى جاءت أي ساعة من الساعات، وبالتالي إذا جاء الفجر وطلع معناها جاءت ساعة من الساعات، فيقع الطلاق مباشرة.

أما إذا قال: «أنت طالق في غد أو في رجب أو في يوم الجمعة»، فبغض النظر فإنه يقع بالأول نفس الشيء. فإذا قال هنا الفرق أردت آخرهما، إذا قال لها: «أنت طالق في غد أو في يوم الجمعة»، هنا الأمور ستختلف في جزئية. ظاهر العبارة نفس الشيء، أنه متى جاء فجر الغد أو فجر الجمعة ستطلق من الأول يقع بأولهما، لكن أين الفرق؟ الفرق أنه هنا لو قال أردت آخر النهار أو آخر يوم الجمعة يقبل ذلك حكماً. لماذا هنا قُبل حكماً وفي الجملة السابقة لم يُقبل حكماً؟

يقولون: قوله «أنت طالق في غد أو في يوم الجمعة» معناها في اللغة العربية، أو يمكن أن يُدرك معناها، يمكن أن يدل معناها على أنه يريد أن يوقع الطلاق في ساعة من ساعات الغد. سأكتب لكم معنى هذه العبارة ومعنى تلك العبارة حتى تفهموا: العبارة الأولى «أنت طالق غداً» معناها أنت طالق متى جاءت أي ساعة من ساعات الغد. أما «أنت طالق في غد» فمعناها أنت طالق في ساعة من ساعات الغد.

انظروا الفرق بين «أنت طالق متى جاءت أي ساعة من ساعات الغد» وبين «أنت طالق في ساعة من ساعات الغد». الآن كلا العبارتين ابتداءً نحملهما على أول اليوم، طلوع الفجر. لكن في العبارة الأولى لو قال: أنا أردت آخر اليوم، نقول له: عبارتك لا تساعد، فلا يقبل هذا التفسير منك؛ لأن معنى عبارتك «أنت طالق غداً» يعني أنت طالق متى جاءت أي ساعة من الساعات، بالتالي جاءت ساعة الفجر ويقع فيها الطلاق لأنه مفهومها أنه جاءت ساعة من الساعات.

لكن في العبارة الثانية «أنت طالق في غد»، معناها أنت طالق في ساعة من ساعات الغد، أنا لم أحددها بعد، فإذا قال: أنا لم أحددها، نقول يُحمل على الظاهر والأساس أنه يبدأ من الفجر، ممكن تكون هي ساعة الفجر، لكن ليس ملزماً. إذا قال: أنا نويت الآخر، والله نقول هذه الجملة تساعد على أن تنوي آخر اليوم؛ لأن معناها أنت طالق في ساعة من ساعات الغد، فإذا قال: أنا نويت بها وسط النهار أو آخر النهار، نقول: خلص، على نيتك نمشي.

إذا قال: لم أنوِ شيئاً، نقول له: إذاً نلتزم بأول ساعة وهي ساعة الفجر. هنا في الجملة الثانية الأمر يختلف، لأنه ليس معنى عبارته «أنت طالق في ساعة من الساعات»، لا، العبارة الأولى معناها أنت طالق متى جاءت أي ساعة من الساعات، فبالتالي متى جاءت ساعة الفجر ليس لديه مجال أن يهرب ويقصد خلاف ذلك. باختصار، لا فرق بين عبارة «أنت طالق غداً» و«أنت طالق في غد» من حيث أن العبارة الأولى معناها أنت طالق متى جاءت أي ساعة من الساعات، فإذا جاءت ساعة الفجر انتهى الأمر، لا يمكن أن يناقشنا ويقول: لا، أنا قصدي الآخر، نقول له: لا ينفع، لأن عبارتك مفهومها متى جاءت أي ساعة. وأما «أنت طالق في غد»، فالمفهوم هو «أنت طالق في ساعة من ساعات الغد»، وأنت ابتداءً لم تحددها، ولأنك لم تحددها سنبدأ معك من الفجر، سنقول لك: ظاهر عبارتك نحمله على الفجر.

إذا كنت ناوي ساعة أخرى فمن تبع نيتك، وهذا من دقائق الخلاف اللغوي. لذلك قال: فإن قال أردت آخرهما، أو أردت الظهر، أو بالعصر كله؛ يقبل حكما.

«أنت طالق كل يوم» و«أنت طالق في كل يوم»، فيها خلاف. في العبارة الأولى قالوا: «أنت طالق كل يوم» تقع واحدة، طلقة واحدة. بينما العبارة الثانية «أنت طالق في كل يوم» تقع طلقة في كل يوم إلى أن يستوفي طلقاتها؛ تقع طلقة في اليوم الأول، ثم إذا جاء اليوم الثاني تقع، ثم إذا جاء اليوم الثالث تقع الثالثة، ويكون هنا قد استهلك رصيده من الطلقات لأنها ثلاث طلقات.

ففي عبارة «أنت طالق كل يوم» قالوا هذه قبلها طلقة واحدة فقط ولا يتكرر الطلاق بتكرر الأيام، بينما «أنت طالق في كل يوم» يتكرر الطلاق بتكرر الأيام، فتقع عليها الطلقة الأولى في اليوم الأول، ثم الثانية في اليوم الثاني، ثم الثالثة في اليوم الثالث.

يا ترى ما الفرق بين العبارتين؟ وهو فرق دقيق حقيقة جدا. هم يقولون قوله: «أنت طالق كل يوم» يعني كما كتبت هنا، أي أن طلاقك متصف بالوقوع؛ هذا معنى العبارة الأولى، أن طلاقك متصف بالوقوع في كل يوم من الأيام، فهو واقع اليوم وبعده وبعده. ووصف الطلاق بأنه واقع في كل يوم من الأيام هذا لا يستلزم ولا يقتضي تكرره.

إذا أنا وصفت الطلاق بأنه واقع في كل يوم من الأيام فهذا لا يستلزم أنه متكرر. خليني أوضح أكثر وأكثر؛ إذا رجل مثلاً طلق زوجته، رجل قال لزوجته: «أنت طالق»، لأن هذا الطلاق، هذه الطلقة الواحدة التي أوقعها هي واقعة اليوم وموجودة غداً وستبقى موجودة لبعد الغد، خلاص طلقة طلعت وجدت فهي موجودة وحاضرة اليوم إلى آخره، وإلى الغد وإلى ما بعد الغد لأنها شيء وجد وانتهى الأمر، فبالتالي معنى قولك «أنت طالق كل يوم» هكذا فسرها الفقهاء ظاهرها أنه يريد أن يقول الطلاق متصف بالوقوع في كل يوم من الأيام.

الطلاق متى صدر من الإنسان أصبح متصفاً بالوجود والوقوع في كل يوم من الأيام، فكأنه يريد أن يقول لها: الطلقة التي أوقعها عليك هي موجودة كل يوم، فهي بالتالي طلقة واحدة يريد أن يصفها بأنها موجودة حاضرة كل يوم من الأيام، هي طلقة واحدة يريد أن يصفها بأنها حاضرة مستصحبة معه في كل يوم من الأيام.

بينما العبارة الثانية «أنت طالق في كل يوم»، حرف الجر «في» أفاد أحبابي تكرار إيقاع الطلاق كلما جاء يوم جديد. حرف الجر «في» بعبارة «أنت طالق في كل يوم» يدل على أنك تريد تكرار إيقاع الطلاق كلما جاء يوم؛ يعني في اليوم الأول، وإذا جاء اليوم الثاني في طلقة ثانية، وإذا جاء اليوم الثالث في طلقة ثالثة.

فهذا هو الفرق الذي أفادته «في»، «أنت طالق في كل يوم» يدل في الظاهر على أنه يريد إيقاع الطلاق في كل يوم، يريد تكراره. أما لفظة «أنت طالق كل يوم»، فهو يريد في الظاهر أن لفظة الطلاق التي أوقعها عليك أريد استصحابها، هذه اللفظة أريد أن تكون مستصحبة موجودة كل يوم من الأيام، لكنها لا تستلزم أنه يريد تكرارها. باختصار العبارة الثانية تدل على قصد التكرار، والعبارة الأولى لا تدل على قصد التكرار في ظاهرها. هذا هو ما قاله زاد الحنابلة.

لنذهب إلى جملة أخرى: «أنت طالق إذا مضى شهر» أو «أنت طالق إذا مضت سنة»، و«أنت طالق إذا مضى الشهر أو السنة». هنا تنكير وهنا تعريف. رجل قال لزوجته: «أنت طالق إذا مضى شهر أو مضت سنة»، إذا قالها بالتنكير فعليه أن ينتظر مرور ثلاثين يوماً منذ تلفظه بهذه العبارة إذا كانت شهراً، وإذا قال: «أنت طالق إذا مضت سنة» بالتنكير، عليه أن ينتظر مرور اثني عشر شهراً من لما تكلم بهذه العبارة.

أما إذا قال لها: «أنت طالق إذا مضى الشهر أو السنة»، فهنا ال التعريف للعهد الذهني، وهنا تظهر قوة الطالب اللغوية. رجل جالس مع زوجته فقال لها: «أنت طالق إذا مضى الشهر» أو «أنت طالق إذا مضت السنة»، نقول هذه ال للعهد الذهني، ويمكن أن تدل أيضاً على العهد الحضوري إذا كان التقدير: «أنت طالق إذا مضى هذا الشهر» أو «إذا مضت هذه السنة»، تحتمل أيضاً العهد الحضوري، لكن المهم أنه إذا كانت للعهد فمعنى هذه العبارة: «أنت طالق إذا مضى الشهر» يعني أنت طالق عند نهاية هذا الشهر، سواء بقي لنهايته أسبوع، أو بقي ساعتين، أو بقي ثلاث أسابيع؛ إذا كنت تقول «أنت طالق إذا مضى الشهر» فهذا معناه أنه بنهاية هذا الشهر يقع الطلاق بغض النظر كم بقي له.

وكذلك «أنت طالق إذا مضت السنة»، معنى هذا أنك بنهاية هذه السنة تريد إيقاع الطلاق بغض النظر كم بقي لنهايتها؛ ساعتين أو ستة أشهر أو سبعة أشهر. أما بالتنكير «أنت طالق إذا مضى شهر»، فهذا يحمل على مضي ثلاثين يوماً منذ تلفظي بعبارة «أنت طالق»، وإذا قال لها: «أنت طالق إذا مضت سنة»، فهذا يحمل على مضي سنة التي هي اثنا عشر شهراً منذ تلفظه بهذه العبارة.

فهذا فرق بين التنكير وبين التعريف في الدلالة. «أنت طالق إذا مضى شهر» يقع الطلاق بمضي ثلاثين يوماً منذ تلفظ بالعبارة، وإذا كان «إذا مضى الشهر» كما قلنا للعهد الذهني أو الحضوري، فيحمل على «أنت طالق عند نهاية هذا الشهر» بغض النظر كم بقي لنهايته. وفرق واضح بين العبارتين، ومثلها كذلك إذا مضت سنة أو السنة، مثل قضية الشهر في موضوع السنة؛ إذا قال لها: «أنت طالق إذا مضت سنة» نستنى اثنا عشر شهراً من لما تكلم، و«أنت طالق إذا مضت السنة» فبنهاية هذه السنة بغض النظر كم بقي لنهايتها.

ثم قال الشيخ رحمه الله: باب تعليق الطلاق. ما مفهوم تعليق الطلاق؟ طبعاً مفهوم تعليق الطلاق مفهوم كبير جداً وخطير في واقعنا المعاصر لأن كثيراً من الناس يستعمل قضية تعليق الطلاق. تعليق الطلاق معنا -اكتبوا عندكم-: هو ترتيب حصول الطلاق على وقوع شيء أو على عدم وقوعه باستعمال أداة من أدوات الشرط. «إن دخلت الدار فأنت طالق».

«إن لم تدخلي الدار فأنت طالقة». لاحظوا استعمل «إن» من أدوات الشرط؛ الحالة الأولى: «إن دخلتِ الدار فأنت طالقة»، بحصول الطلاق على وقوع شيء. «إن لم تدخلي الدار فأنت طالق»، رتّب حصول الطلاق على عدم حصول شيء، فهذا هو تعليق الطلاق، ويسمى أيضًا الحلف بالطلاق. في باب الطلاق يسمونه يمين طلاق، والحلف بالطلاق يسمى تعليقًا، ويسمى أيضًا حلفًا ويمينًا. انتبهوا لها.

إذا علق الطلاق، الآن هناك مجموعة من الأحكام في الحقيقة، وذكرها بدأ بتعليق الطلاق على وجود فعل مستحيل. شخص علق الطلاق على وجود فعل مستحيل مستحيل عقلًا أو عادة، مثلا رجل قال لزوجته: «إن صعدتِ إلى كوكب المريخ فأنت طالقة»، وهنا في زمنهم هذا مستحيل، نحن في زمننا صار في تطورات فما عاد من المستحيل، لكن هو في زمنهم كانوا يعتبرونه من المستحيل. أو قلنا: «إن صعدتِ على قدميك في الهواء إلى القمر أو إلى المريخ فأنت طالقة»، هنا علق وقوع الطلاق على شيء مستحيل عقلًا أو عادة.

فهنا لا تطلق المرأة من علق طلاق زوجته على وجود شيء مستحيل عقلًا أو عادة، لا تطلق الزوجة. وأما إن علقه على عدم وجود شيء مستحيل، يعني: «إن لم تصعدي إلى القمر فأنت طالق»، هنا طلقت في الحال. رجل ماذا قال؟ علق طلاق زوجته على عدم وجود شيء مستحيل، يعني إذا لم يوجد هذا الشيء المستحيل فأنت طالق؛ إذ هو يريد أن يطلقها في الحال. «إن لم تمشي على البحر بقدميك فأنت طالق»، هذا مستحيل عادة، أو «إن لم تصلي إلى الشمس فأنت طالق»، هذا مستحيل عادة الوصول للشمس، وهو علق طلاقها على عدم حصوله، بالتالي هو يريد أن يطلق في الحال.

فهمتم إخواننا الفرق بين الأمرين؟ مكتوب على الشاشة: «إن وصلتِ الشمس فأنت طالقة»، «إن لم تصلي الشمس فأنت طالق». ما الفرق بين العبارتين؟ هنا علق الطلاق على وجود المستحيل، بينما هنا علقه على عدم وجود المستحيل، وفرق كبير بين الأمرين. إذا علق الطلاق على وجود الشيء المستحيل هنا يعتبر لغوا فلا تطلق، إذا علقه على عدم وجود الشيء المستحيل، «إن لم تصلي إلى الشمس فأنت طالق» معناته يريد يوقع الطلاق حاليًا؛ لأن عدم وجود الشيء المستحيل هو الحالة الطبيعية، فإذا قال لها: «إن لم تصلي إلى الشمس فأنت طالق» معناتها أنت طالق في الحال.

ثم قال الشيخ رحمه الله عليه: «وإن علقه على غير المستحيل لم تطلق إلا بالإياس مما علق عليه الطلاق ما لم يكن هناك نية أو قرينة تدل على الفور أو يقيد بزمن فيعمل بذلك». ما معنى هذه العبارة؟ انتبهوا لأن الكلام يحتاج إلى شيء من التوضيح والله أعلم. قوله: «وإن علقه على غير المستحيل»، الذي يظهر لي أنه يقصد الآن أحبابي أنتم تعرفون أن هناك أمورًا ممكنة عقلًا وهناك أمورًا مستحيلة عقلًا، فالمستحيل عقلًا تكلمنا عنه؛ إذا علق الطلاق على وجوده فلا يقع الطلاق، وإذا علق الطلاق على عدم وجوده يقع فورًا.

الآن انتقل للكلام عن الممكنات العقلية، لكنه تكلم عن ماذا؟ إذا علق الطلاق على عدم وجود الممكن العقلي؛ شيء ممكن عقلًا أن يحصل، أنا علقت الطلاق على عدم حصوله، فمتى يقع الطلاق؟ قضية أن أطلب العلم هذا شيء ممكن عقلًا أن يحدث وممكن ألا يحدث، من الممكنات العقلية أن أطلب العلم، فإذا أنا قلت: «إذا لم أطلب العلم فأنت طالق»، رجل قال لزوجته هكذا. هو علق طلاقها على عدم وجود الممكن العقلي، والممكن العقلي نحن اتفقنا أنه شيء يمكن أن يحدث في أي لحظة ويمكن أن لا يحدث حتى تموت.

فإذا أنت علقت طلاق زوجتك على عدم وجود الممكن العقلي، هنا سنبقى ننتظر كما قال الشيخ مرعي إلى أن نصل لمرحلة الإياس، يعني نصل لمرحلة أنه خلاص مستحيل أن يوجد هذا الممكن العقلي، كان هو ممكنًا عقليًا لكن الآن أصبح في حكم المستحيل في حق الشخص. فيقول لك: «وإن علقه على غير المستحيل»، العبارة نوعًا ما غامضة ولا تعبر عن المقصود، ولذلك أنا عبرت بشكل أوضح كما يظهر لي أنه يقصد أنه إذا علق الطلاق على عدم وجود ممكن عقلي، هنا علينا أن ننتظر ولا نوقع الطلاق حتى نصل إلى مرحلة الإياس مما علق عليه.

هو ماذا قال؟ «إذا لم أطلب العلم فأنت طالق»، الآن لا يصير أن أوقع الطلاق حاليًا؛ لأنه ممكن هذا الشخص يطلب العلم، وممكن يموت فعليًا ما يطلب العلم، فبالتالي هو وضع أمرًا ممكنًا عقليًا علق الطلاق على عدم حصوله، فيمكن أن يحصل في أي لحظة؛ قد يطلب العلم هذه السنة، أو السنة القادمة، أو السنة التي بعدها، فنبقى ننتظر ولا نوقع الطلاق حتى نصل إلى مرحلة الإياس الحقيقي. عندما يكون الرجل في مرض الموت وواضح أنها لحظاته الأخيرة وعمره مثلاً مائة وعشرين سنة، هنا فعليًا وصلنا لمرحلة الإياس من وجود الممكن العقلي، والرجل علق الطلاق على عدم وجوده، فمتى وصلنا لمرحلة الإياس هنا سيقع الطلاق.

لذلك قال: «لم تطلق إلا بالإياس مما علق عليه الطلاق ما لم يكن هناك نية أو قرينة تدل على الفور». إلا إذا كان هناك نية في قلبه أو قرينة تدل على أنه قصد بالفور، ما معنى الفور؟ يعني هو لما قال: «إذا لم أطلب العلم فأنت طالق»، هو قصد: «إذا لم أطلب العلم الآن، في هذه اللحظة، إذا أنا الآن ما رحت أطلب العلم وأدرس فأنت طالق»، فقال: «أنا قصدت بالتعليق الفور، التعليق الحالي الآن وليس التعليق المطلق الزمني». فإذا كانت هناك نية في قلبك أو قرينة تدل على أنه قصد بهذا التعليق -يعني تعليق الطلاق على عدم وجود الممكن العقلي- قصد الفور، فإنه سيقع الطلاق حاليًا. وكذلك إذا قيده بزمن، يعني لو قال: «إذا لم أطلب العلم خلال سنة فأنت طالق»، الآن ننتظر مرور السنة، إذا خلال هذه السنة ما فعل هذا الشيء ستطلق، فلذلك هو استدرك فقال: «ما لم يكن هناك نية أو قرينة تدل على الفور»، يعني أنه قصد: «إذا لم أطلب العلم الآن فورًا».

هذا كان قصده. فانت طالق هنا إذا لم يطلب العلم حالياً، نعم ستطلق أو يقيد بزمن؛ إذا أنا أطلب العلم خلال سنة فانت طالق، نفس الشيء فإنه سيعمل بهذا القيد. وأما إذا لم يكن هناك قرينة على الفور ولم يقيد بزمن وجاء الأمر مطلقاً هكذا: «إذا لم أطلب العلم فانت طالق»، هنا سننتظر أحبابي الكرام وصولاً لمرحلة اليأس من وجود هذا الممكن العقلي.

فإذا وصلنا لمرحلة اليأس من وجود الممكن العقلي، خلص أنه هذا ممكن عقلي يأسنا من وجوده، حينئذ نوقع الطلاق. فهنا إذا كان الكلام عن رجل علق الطلاق على عدم وجود ممكن عقلي، فهنا يصدق كلام الشيخ مرعي أنها لا تطلق إلا بالإياس منه.

طيب، لو قلنا بالعكس، إذا علق الطلاق على وجود الممكن العقلي؛ يعني لو رجل قال: «إذا طلبت العلم فانت طالق»، خليني أنا أفترض الحالة الأخرى؛ رجل قال: «إذا طلبت العلم فانت طالق»، هو الآن ليس طالباً للعلم، والآن لم يطلب العلم، لكن هو ماذا قال؟ علق الطلاق على وجود ممكن عقلي، إذا طلبت العلم فانت طالق. هو الآن ما طلب العلم، إذا هي لا تطلق، وننتظر وننتظر إذا وصل لمرحلة يأسنا فيها من وجود الممكن العقلي، فهي لم تطلق أبداً لأن هو علقه على وجوده.

فإذا وصلنا لمرحلة يأسنا من وجود الممكن العقلي فهي لن تطلق، وفي أي لحظة وجد الممكن العقلي ستطلق؛ فالتفكير في هذه العبارة يختلف عن التفكير في العبارة السابقة. هنا إذا علق الطلاق على وجود الممكن العقلي: «إذا طلبت العلم فانت طالق»، هنا نحن ننتظر وجوده حتى تطلق، فإذا وصلنا لمرحلة القياس ما راح يوجد هذا الممكن العقلي؛ رجل ختيار وصار معه زهايمر ما راح يطلب العلم، فهنا في الحقيقة لن يقع الطلاق.

فطريقة التفكير هنا ستختلف عن طريقة التفكير هناك، لأنه هنا علق على عدم وجوده، وهنا علق على وجود الممكن العقلي، وهذه من الأمور التي يجب أن تصبح مهارة في فهمها. «إذا طلبت العلم فانت طالق» معناته نحن ننتظر وقوع طلب العلم في أي لحظة، إذا وصلنا لمرحلة اليأس ولا يمكن أن يطلب العلم؛ يعني مثلاً يكون الرجل خلاص حكم الأطباء أن عقله ودماغه أقفلا، أو رجل الجنون التام أطبق خلاص، هنا وصلنا لمرحلة أنه لا يمكن أن يطلب العلم، فإذا هو قال: «إذا طلبت العلم فانت طالق» ووصل لمرحلة أنه يستحيل وجود هذا الأمر، بالتالي لن تطلق الزوجة أبداً.

فلذلك أنا حملت عبارة الشيخ مرعي على أنه يقصد الحالة الأولى، على أنه يريد أن يعلق الطلاق على عدم وجود ممكن عقلي. أما الحالة الثانية، وإن كنت شرحتها الآن، لكن لا يظهر لي أنها مقصودة ضمن سياقه، لأن الأمر فيها مختلف تماماً، يعني معاكس تماماً للحالة السابقة.

ثم قال: «ويصح التعليق مع تقدم الشرط وتأخره». أنت تعليق الطلاق، أنا قلت لكم ما معنى تعليق الطلاق؟ هو ترتيب حصول الطلاق على وقوع شيء أو على عدم وقوع. بأدوات الشرط الآن معروف في اللغة العربية أن الحالة الطبيعية تقدم الشرط وتأخر الجواب، يعني هو العادة تقول: «إن طلبت العلم فانت طالق»، هذا الجواب وهذا الشرط، لكن هل يجوز العكس أن يتقدم الجواب ويتأخر الشرط فأقول: «أنت طالق إذا طلبت العلم»؟ هل يجوز هذا؟ نعم يجوز، أنت طالق هذا الجواب تأخر الشرط إذا طلبت العلم.

لذلك قال الشيخ مرعي: «ويصح التعليق تعليق الطلاق مع تقدم الشرط وهي الحالة الأصلية، ومع تأخره وهي الحالة الاستثنائية». «إن قمت فانت طالق» هذه هي الحالة الأصلية، أو «أنت طالق إن قمت». لكن يشترط لصحة التعليق أن ينويه قبل فراغ التلفظ بالطلاق حتى يصح التعليق. كيف؟ نحن في الاستثناء قلنا حتى يصح الاستثناء لابد أن يكون المستثنى متصلاً بجملة الاستثناء اتصالاً معتاداً لفظاً أو حكماً، مش هيك حكينا؟ نفس الشيء الآن، التعليق بالشروط له شروط حتى يصح.

فقالوا يشترط لصحة التعليق أولاً: لابد أن ينوي التعليق قبل فراغه من التلفظ بالطلاق. اكتبوا جنب هذا الشرط الذي يظهر أن هذا مختص في حالة لو قدم الجواب وأخر الشرط، والذي يظهر أن هذا القيد هو قوله إنه لابد أن ينوي التعليق قبل الفراغ من التلفظ بالطلاق، إنه هذا إنما يكون في حالة أنه قدم الجواب وهو لفظ الطلاق ويريد أن يؤخر التعليق. أما إذا كان هو أصلاً مقدم التعليق ومأخر الجواب فلا نحتاج لهذا، لأنه هو قال: «إن طلبت العلم» فهو علق ثم أتى بالجواب «فانت طالق».

لكن هذا القيد يتعلق بالحالة الثانية، وهي الحالة الاستثنائية أنه تلفظ بالجواب أولاً، قال: «أنت طالق» ثم أراد أن يعلق: «إذا طلبت العلم». فهنا نقول له: إذا أردت أن تعلق يجب أن تكون نية التعليق حاضرة في قلبك قبل أن تفرغ من لفظة «أنت طالق». إذا قدمت وقلت: «أنت طالق» ما ينفع تقول لي والله أنا بدي أجي بشرط، بنقول له لازم تكون ناوي هذا التعليق قبل فراغ التلفظ بالطلاق، يعني وأنت بتحكي «أنت طالق» بده يكون في قلبك أنه بدك تعلق.

أما إذا قلت: «أنت طالق» بعدين خطر في بالك أنك تعلق وتقول: «أنت طالق إذا طلبت العلم» أو «إذا دخلت الدار»، بنقول ما ينفعش، لأنه أنت انتهيت من كلمة «أنت طالق» قبل أن توجد في قلبك نية التعليق فلا يصلح. إذاً هذا الشرط خاص في حالة إذا كان الجواب هو المقدم على الشرط، وأما إذا كان الشرط مقدماً على الجواب فلا نحتاج إليه لأنه واضح.

الثاني: أن يكون التعليق متصلاً لفظاً أو حكماً بالجواب، وهذا واضح أنه جملة الشرط وجملة الجواب بده يكونوا متصلات ببعضهم، إما اتصال حقيقي مثل ما حكينا في الاستثناء: «أنت طالق إن دخلت الدار»، أو اتصال حكمي؛ يعني وقع انفصال بس انفصال بسبب عطاس أو بسبب تثاؤب، بنعتبر هذا الانفصال كأنه لا يوجد انفصال وكأنه هناك اتصال. فنقول: «أنت طالق» ثم عطس ثم قال: «إن طلبت العلم» أو «إن دخلت الدار». طبعاً أهم شيء أنه يكون ناوي التعليق كما حكينا قبل أن يفرغ من لفظة الطلاق، وبعدين لو وقع عطاس أو تثاؤب هذا انفصال وجوده كعدمه، وقوع اتصال حكمي بين جملة الشرط وجملة الجواب ولا حرج في ذلك. لذلك قالوا: «أن يكون متصلاً لفظاً أو حكماً»، فلا يضر بالتالي لو عطس.

نحن لو تثاءب لو جاءت ذبابة مثلاً، أو قطعه بكلام منتظم، يعني من الفصل الذي كلا فصل ووجوده كعدمه. رجل قال لزوجته: «أنت طالق يا زانية» إن قمت؛ هنا جملة معترضة «يا زانية» عافانا الله وإياكم. رجل يقول لزوجته: «أنت طالق يا زانية» إن قمت، هنا الفصل بهذه الجملة المعترضة أيضاً وجوده كعدمه، لأن هنا الكلام منتظم، كله في سياق واحد وهو بسبها وهو معصب والأمور منفعلة.

لكن إذا كان الانفصال بسكوت مثلاً، بسكوت مش اضطراري، خلص «أنت طالق» بعدين سكت، أو بكلام غير منتظم؛ «أنت طالق» بعدين قال: «سبحان الله ما أجمل السماء!» ثم عاد فقال: «إن قمت». هنا فصل بكلام مش منتظم، ما له علاقة بالسياق. شوفوا الفرق بين «أنت طالق يا زانية» أو «أنت طالق يا سيئة» أو «أنت طالق يا قبيحة إن قمت»، وبين «أنت طالق، سبحان الله ما أجمل السماء! إن قمت!». بتقول هنا هذا الكلام المعترض ما له علاقة بالموضوع.

لكن في الجملة السابقة، المسبة والشتيمة التي أطلقها هي منتظمة، هي من ضمن النقاش والمشاكل والخصومة الواقعة بينهم، فهذا معنى قولي كلام منتظم وكلام مش منتظم. الكلام المنتظم هو الذي من ضمن المشكلة المفهوم سياقه، وإنه شتمها «أنت طالق يا زانية» أو «يا سيئة» وكذا، لكن الكلام المش منتظم يأتي بشيء ليس له علاقة بالموضوع؛ «أنت طالق ما أجمل السماء! أنت طالق!». فهذا كلام ليس مرتبطاً بالموضوع، فيعتبر فصله مؤثراً جيداً.

ثم قال: فصل في مسائل متفرقة. قال الشيخ رحمة الله عليه: «فصل في مسائل متفرقة»، يعني مجموعة من المسائل هكذا نقرأها سريعاً، وأرجو أن هذا الباب كما قلت يعتمد على فهم الدلالات، فأرجو التركيز.

إذا قال لها: «إن خرجت بغير إذني فأنت طالق». انظروا هذا التعليق؛ إذا قال: «إن خرجت بغير إذني فأنت طالق» ثم أذن لها ولم تعلم هي أنه أذن لها، أو علمت أنه أذن لها وخرجت، المهم هو قال: «لئن خرجت بغير إذني فأنت طالق»، هي خرجت بعد علمه هذا بأنه أذن لها أو كان أذن لها ولم تعلم، وقد خرجت، ففي كلا الحالتين ما عندنا مشكلة أن الطلاق لا يقع، سواء كانت علمت أنه أذن لها أو لم تعلم أنه أذن لها، بمجرد أنه هو وقع منه إذن لا يقع عليها الطلاق.

لكن انظروا ماذا قال: «ثم خرجت ثانياً بلا إذنه». هذه هي التي يريدها الشيخ مرعي؛ قال: «ما لم يأذن لها في الخروج كلما شاءت». رجل قال لزوجته: «إذا خرجت من دون إذني فأنت طالق». طيب، راح أذن لها أول مرة فهي طلعت، رجعت عالبيت، بعدين هي رجعت خرجت مرة ثانية من دون ما تستأذنه، ففي هذه الحالة خروجها الثاني سيسبب لها الطلاق؛ لأنه ماذا قال لها؟ «إن خرجت بغير إذني فأنت طالق». الآن هذا كلام على عمومه، بالتالي معناه أن أي خروج لازم تستأذن فيه. هو أول مرة أذن لها طلعت، رجعت مرة ثانية عالبيت، لما أرادت تخرج مرة ثانية -الله يسامحها- ما راحت استأذنته، خرجت وحدها، هنا سيقع عليها الطلاق.

إلا إذا كان الزوج أذن لها في الخروج إذنًا مطلقًا، يعني هو أذن ابتداءً قال لها: «إن خرجت بغير إذني فأنت طالق»، صح؟ بعدين في يوم من الأيام قال: «لا، خلص اطلعي كل ما شئت»، أعطاها تفويضًا مطلقًا. هنا خلص، تقدر تطلع متى شاءت ولا تحتاج أن تعود إليه مرة أخرى لتستأذنه، فما دام ما أعطاها تفويضًا مطلقًا في الخروج وقت ما شاءت سيبقى التعليق الأول قائمًا، فكلما تخرج تريد تستأذن، فإن خرجت ولو مرة واحدة بدون ما تستأذن سيقع عليها الطلاق.

ثم قال: «وإن خرجت بغير إذن فلان فأنت طالق». قال لها: «إذا طلعت من المنزل بدون إذن والدي فأنت طالق»، قال فمات، يعني مات والده -مش والزوج لأ- مات والده وخرجت الزوجة، بالتالي هنا لا تطلق، لأنه ماذا قال لها؟ «إن خرجت بدون إذن والدي فأنت طالق». طيب مات والده فخرجت الزوجة، هي لا تطلق، ليه؟ لأنه إذن والده الآن أصبح غير معتبر لأنه توفاه الله تعالى، معظمها واضحة.

ثم قال لها: «إن خرجت...»، انظر هذا المثال الآخر: «إن خرجت إلى غير الحمام». الحمامات الشامية المراد بها، «إن خرجت إلى غير الحمام فأنت طالقة». إذا طلعتِ لمكان غير الحمام أنت طالق، فخرجت بنية أنها تذهب إلى الحمام، ثم بدا لها غيره، قالت: «طب ليش ما أروح برضه أزور صاحبتي؟». إذا بدا لها أن تذهب إلى غير الحمام طُلقت، يعني هو قال لها: «إذا خرجت إلى غير الحمام أنت طالق»، هي طلعت ابتداءً أنها تروح للحمام بعدين غيرت، وقالت: «ليش ما أروح برضه أزور صاحبتي؟»، فسواء راحت للحمام وزيارة صاحبتها أو راحت فقط لزيارة صاحبتها، في كلا الحالتين ستقع عليها الطلقة؛ لأنه قال لها: «إذا خرجت إلى غير الحمام أنت طالق»، فأي خروج إلى غير الحمام سيقع به طلاق.

ثم قال: «وزوجتي طالق» أو «عبدي حر إن شاء الله». «وحق زوجتي طالق» أو «عبدي حر». هنا دخل مسائل العتق بمسائل الطلاق؛ لأن فيهم تشابهًا. رجل قال زوجتي طالق، أو يريد يحرر عبده فقال: «عبدي حر إن شاء الله» أو «إلا أن يشاء الله»، هنا لم تنفعه المشيئة شيئًا ووقع، يعني في كلا الحالتين أنت قلت «أنت طالق إن شاء الله» فعلقت الوقوع على مشيئة الله، أو قلت «أنت طالق إلا أن يشاء الله» فعلقت الرفع هنا على مشيئة الله، في كلا الحالتين يقع الطلاق، يقع الطلاق، خصوصًا أنه أنت لا تعرف مشيئة الله سبحانه وتعالى، هذا أمر غيبي عنك، فهنا تعليق على مشيئة الله نجعله نوعًا من التبرك ونقول سيقع عليك الطلاق في كل حال وكذا لو كان عتقًا.

وإن قال: «أما إذا علقه على مشيئة المخلوقين»، وإن قال: «إن شاء فلان» فتعليق لم يقع إلا إن شاء، وإن قال: «إلا أن يشاء فلان» فموقوف، فإن أبى المشيء أو جن أو مات وقع الطلاق إذاً. ركزوا معي يا حبايبي في العبارتين: «إن شاء فلان» أو «خلينا أنت طالق إن شاء فلان»، و«أنت طالق إلا أن يشاء فلان». أولًا شو الفرق بين العبارتين؟ «أنت طالق إن شاء فلان» و«أنت طالق إلا أن يشاء فلان»؟ العبارة الأولى علقت وقوع الطلاق على مشيئة فلان زيد مثلاً، فالعبارة الثانية علقت رفع الطلاق على مشيئة فلان، يعني في العبارة الأولى هو قال لها أنت طالق لكن لا يقع هذا الطلاق إلا إذا شاء زيد.

فعلق إيقاع الطلاق عليها على مشيئة زيد في العبارة الثانية بالعكس، وقال لها: «أنت طالق إلا أن يشاء زيد». كما يقولون: «إلا أن يشاء زيد». معناته أنه أنتِ أوقعتِ الطلاق ولن يرتفع هذا الطلاق إلا إذا شاء زيد رفعه.

أنتِ في العبارة الأولى: «أن تطلقي إنشاء زيد»، يعني أنتِ طالق إنشاء زيد، إيقاعه في العبارة الثانية: «أنت طالق إلا أن يشاء زيد»، يعني الطلاق أنا أوقعته خلاص، إلا إذا شاء زيد رفعه. فهنا علق إيقاع الطلاق على مشيئة زيد، بينما في الحالة الثانية علق رفعه بعد وقوعه على مشيئة زيد.

ماذا سيختلف الحكم؟ انظروا في العبارة الأولى، «وإن قال إن شاء فلان»، فهذا يسمى تعليقاً؛ فلا يقع الطلاق إلا إن شاء فلان. إذا قال لها: «أنت طالق إذا شاء زيد»، نذهب إلى زيد: يا زيد، بدك إيقاع الطلاق ولا لا؟ قال: أه، يقع الطلاق. قال: لا، لا يقع الطلاق.

أما إن قال: «أنت طالق إلا أن يشاء زيد»، فهذا اسمه موقوف، يعني الطلاق وقع لكنه وقوع موقوف. بنقول استنى شوي، أنت وقعت بس وقوعك موقوف، بدنا نوقفك، فإنا نروح على زيد: يا زيد، هل ترفض الإيقاع؟ لاحظوا «إلا أن يشاء»؛ هل يعني نقول: يا زيد، هناك طلاق وقع على امرأة لكن هذا الرجل قال: «أنت طالق إلا إذا شاء زيد»، فننتظر منك هل سترفعه ولا لن ترفعه؟ الزوج أوقع لكنه علق رفعه عليك، فهنا نذهب إلى زيد.

فإذا زيد قال خلاص ارفعوه، بيرتفع. إذا زيد قال: لا، أنا مش راح أتكلم في هذا الموضوع -إن أبى-، قال: أنا ما راح أرفعه. أو ما لحقنا زيد إلا وزيد كان مجنوناً أو ميتاً، فهنا سيقع الطلاق؛ لأنه هنا أنت أوقعتَه وعلقت رفعه على مشيئة زيد أنه يرفعه، وزيد ما لحقنا مات أو جن، إذاً خلص لن يستطيع أن يرفع، فوقع وانتهى الأمر.

أما في الحالة السابقة: «أنت طالق إنشاء زيد»، فإذا زيد جُنَّ أو مات لا يقع. ليه؟ لأنه هنا أنت علقت نفس إيقاعه على مشيئة زيد، فرحنا لزيد: يا زيد هل تشاء وقوعه؟ وجدنا زيد مات أو جن، إذاً انتهى الأمر لن يقع. بالتالي هذه فرقة مهمة بين الألفاظ بدكم تفهموها.

ثم قال: «وأنت طالق إن رأيت الهلال عياناً». فرأته في أول أو ثاني أو ثالث ليلة وقع، وبعدها لا يقع. شخص قال لزوجته: «إذا رأيت الهلال بعينك فأنت طالق». الهلال أحبابي في أي ليالي يبين من الشهر؟ قالوا في الليلة الأولى يكون هلالاً، ثم ثانية ثم ثالثة. بعد الليلة الثالثة قالوا يصير قمراً أو مقمراً، ما عاد يسمى هلالاً، فلازم تشوفه في الليلة الأولى أو الثانية أو الثالثة. إذا رأت الزوجة الهلال عياناً في الليلة الأولى أو الثانية أو الثالثة تطلق، إذا ما شافته إلا في الليلة الرابعة فصاعداً لا تطلق، لأن الهلال إنما هو في القوة الأيام الأولى الثلاث من الشهر.

ثم قال: «وأنت طالق إن فعلت كذا» أو «فعلت أنا كذا»، يعني أنت طالق إذا أكلت البطيخ أو إذا أكلتُ أنا البطيخ. قال: «ففعلته هي أو فعله مكرهاً أو مجنوناً أو مغمى عليه أو نائماً لم يقع». إذا رجل قال لزوجته: «أنت طالق إن أكلتِ البطيخ» أو «إن أكلتُ أنا البطيخ». هذه الأمثلة، تعبنا من هذه الأمثلة التي يقولها الشيخ، «أنت طالق إن فعلت كذا» أو «فعلت أنا كذا»، ففعلته هي أو فعله هو بحسب اللفظة التي يتكلم فيها.

إذا قال لها: «أنت طالق إذا أكلتِ بطيخاً»، إذا أكلت هي البطيخ مكرهة أو مجنونة في حال جنونها أو وهي مغمى عليها أو هي نائمة، لا يقع عليها الطلاق؛ لأن هنا فعل بدون اختيار، مسلوبة الاختيار والإرادة. وإذا أكلته ناسية أن زوجها كان معلق الطلاق على أكل البطيخ، أو جاهلة مش عارفة أن هذا بطيخ ولا لا، فحينئذ سيقع عليها، ولا عبرة بالجهل أو النسيان هنا في الطلاق؛ لا عبرة بالجهل ولا النسيان بخلاف الأيمان كما سيأتي معنا.

وكذلك إذا قال: «إذا أكلتُ أنا بطيخاً فزوجتي طالق»، فإذا أكله وهو مجنون أو مغمى عليه أو مكره أو نائم لا يقع، وإذا أكله وهو ناسٍ أنه باقي حالف يمين طلاق، أو جاهل أن الذي يأكل بطيخاً سيقع الطلاق عليه، ولا عبرة بالجهل والنسيان. لذلك قال: «وإن فعلته أو فعله هو» حسب طريقة التعليق، ناسياً أو جاهلاً وقع.

ثم قال: «وعكسه مثله»، يعني لو كان الأمر بالنفي: «إن لم تفعلي كذا» أو «إن لم أفعل كذا»، فلم تفعله أو لم يفعله، لو كان الأمر بالنفي مثله مثل الإثبات نفس الشيء. لو قال لها: «إن لم تأكلي البطيخ فأنت طالق»، أو «إن لم تذهبي إلى بيت أهلك فأنت طالق»، أو علق الأمر على نفسه: «إن لم آكل أنا البطيخ فزوجتي طالق» أو «إن لم أذهب إلى بيت أهلي فزوجتي طالق». هنا نفس القضية؛ إذا وقع منه الشيء وهو مكره أو مجنون أو مغمى عليه أو نائم لا يقع، وإذا وقع منه وهو جاهل أو ناسٍ يقع. الفكرة نفسها، لذلك قالوا: «وعكسه مثله»، في قضية أن الجهل والنسيان لا يؤثر، وقضية أن الإكراه والجنون والإغماء أو النوم يؤثر.

وقد يكون العكس، يعني إذا فعله وهو قال: «إن لم أفعل»، ومثلاً: «إن لم تذهبي إلى بيت أهلك»، فإذا لم تذهب ناسية أو جاهلة، نسيت أن زوجها حلف عليها يميناً أو كانت جاهلة، فإذا لم تذهب ناسية أو جاهلة ستطلق. المقابلة أن: «إن لم تذهبي إلى بيت أهلك فأنت طالق»، فإذا هي قالت لا خلص بدي أروح على بيت أهلي شأن ما أطلق، فأرادت أن تذهب إلى بيت أهلها، فإذا بها تجن أو يغمى عليها أو تنام أو تُكره على عدم الذهاب، ففي هذه الحال هناك شيء جبري قهري هو الذي منعها من الذهاب، فبالتالي لا نوقع عليها الطلاق لأنها لم تذهب.

وكذلك لو هو قال: «إن لم أشترِ البطيخ اليوم فزوجتي طالق»، فذهب ليشتري البطيخ صاحبنا حتى لا يقع الطلاق، فلم يشترِه لأن هناك شخصاً أكرهه على عدم الشراء، أو جُنَّ اليوم أو أغمي عليه أو نام طوال اليوم، ففي هذه الحالة لا يقع الطلاق.

أما إذا كان بسبب نسيان -والله نسيت أنه حلف الطلاق على زوجتي- أو جهل منه، فبالتالي سيقع عليه الطلاق. هذا هو المراد بقوله وعكسه مثله.

ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى عليه: فصل ولا يقع الطلاق بالشك فيه أو فيما علق عليه. لنبدأ بالحالة الأولى وهي الشك في الطلاق؛ رجل يأتي يقول: يا شيخ أنا شاك هل طلقت زوجتي أم لا؟ نقول له: الأصل أنك لم تطلقها. الأصل عدم الطلاق، والأصل بقاء العلاقة الزوجية حتى يثبت خلاف ذلك. فإذا قال رجل: أنا شاك هل طلقت زوجتي أو لم أطلقها؟ فالأصل أنه لم يطلق حتى يثبت خلاف ذلك.

هذا بالنسبة للشك في نفس الطلاق أو فيما علق عليه، يعني قال: يا شيخ أنا شكيت؛ أنا قلت لها: «إذا ذهبت إلى دار أهلك فأنت طالق»، أو «إذا ذهبت إلى دار أهلي فأنت طالق»، فقد نسيت أي اللفظة التي صدرت مني، هل قلت لها: أنت طالق إذا ذهبت إلى بيت أهلك، أم قلت لها: أنت طالق إذا ذهبت إلى بيت أهلي؟ أنا شاك في العبارة التي عليها. نقول: إذا شككت في التعليق أيضًا لا يقع الطلاق، سواء ذهبت لبيت أهلها أو ذهبت لبيت أهلك، بكلا الحالتين لا يقع الطلاق؛ لأنه أنت شاك في التعليق، والشك بالتالي لا عبرة به حتى نأتي باليقين، فالأصل بقاء العلاقة الزوجية. لذلك قال: أي شك في الطلاق أو شك فيما علق عليه لا يقع به الطلاق.

ثم قال: فمن حلف على موضوع. دخل موضوع الحلف في اليمين بموضوع الطلاق؛ فمن حلف لا يأكل تمرة مثلاً فاشتبهت بغيرها وأكل الجميع إلا واحدة لم يحنث. هذا يتعلق باليمين عمومًا، واليمين نفس الشيء فكرته فكرة الطلاق. رجل حلف يمينًا بالله لا يأكل هذه التمرة بعينها، فجاءت زوجته وضعت هذه التمرة في صحن من الرطب وخلطت هذه التمرة بالرطب الموجود في هذا الصحن، فحلف يمينًا أنه لا يأكل هذه التمرة.

إذا حلف لا يأكل تمرة، بعدين انحطت هذه التمرة في الصحن وبدأ يأكل بهذا الصحن، لا يحنث هذا الرجل في يمينه حتى يأكل جميع الصحن؛ لأنه إذا أكل كل الحبات فمعناه هو بالتأكيد أكل الحبة التي حلف عليها. أما إذا أكل جميع الحبات في الصحن إلا واحدة فقط وترك حبة واحدة، لا يحنث لأن هناك احتمال أن تكون هذه الحبة هي الحبة التي حلف عليها، يبقى الاحتمال واردًا، بالتالي لا يحنث إلا إذا أكل جميع ما في الصحن؛ لأنه إذا أكل الجميع فمعناه مئة بالمئة أكل الحبة. إذا ترك ولو حبة واحدة فمعناه هذه الحبة في احتمال تكون هي الحبة التي حلف عليها، وبالتالي ممكن إذا كانت هي الحبة التي حلف عليها أنه لم يأكلها فلا يحنث، وإذا لم تكن هي فمعناه أننا في دائرة الشك؛ حنث أم ما حنث؟ الأصل أنه لم يحنث حتى نتأكد مئة بالمئة من وقوع الحنث. هذه هي الفكرة.

قال: ومن شك في عدد ما طلق بنى على اليقين وهو الأقل. رجل يقول لك: يا شيخ أنا طلقت مئة بالمئة، بس أنا شاك هل طلقتها اثنتين ولا ثلاث؟ نقول: الأصل اثنتين، والزائدة تريد أن تتيقن منها. أنا شكيت هل هي واحدة ولا اثنتين؟ الأصل واحدة حتى تتأكد من الزائد. لذلك قال: بنى على اليقين وهو الأقل.

وقال: ومن أوقع بزوجته كلمة وشك هل هي طلاق أو ظهار؟ لم يلزمه شيء. رجل تكلم بكلمة على زوجته وهو شاك: والله هذه الكلمة التي تكلمت بها هي طلاق أم هي ظهار؟ والله ما أنا عارف، أنا أعطيتها كلمة ومش عارف هل الكلمة التي استعملتها تدل على الطلاق أم على الظهار، وفي قلبه ليس هناك شيء، هو لم يستحضر نية معينة، أعطى كلمة وليس في قلبه نية لشيء معين وشك هل هذه الكلمة هي طلاق أم ظهار؟ نقول: بما أنك شككت هل هي طلاق أو ظهار لا يلزمك لا طلاق ولا ظهار؛ لأن الطلاق لا يثبت إلا باليقين، والظهار لا يثبت إلا باليقين، وأنت أعطيتها كلمة لم تنوِ بها شيئًا معينًا، والكلمة هذه مشكوك فيها هل هي طلاق أو ظهار، ولا نبني طلاقًا ولا ظهارًا إلا على يقين. لذلك قالوا: من أوقع بزوجته كلمة من الكلمات وشك هل هذه الكلمة هي طلاق أم ظهار؟ لا يلزمه شيء؛ لأنه لا يقع الطلاق ولا الظهار إلا عن يقين، وهذا الرجل شاك في هذه الكلمة ما المراد بها؟ ولا يوجد له نية يدركها من نفسه حتى نقول والله نحملها على طلاق أو على ظهار، فلا يلزمه لا طلاق ولا ظهار.

ثم قال: باب الرجعة. الآن أحبابي الكرام، إذا طلق الرجل زوجته الطلقة الأولى أو الثانية وكانت مدخولًا بها أو خلا بها، فإنه هنا ستبدأ المرأة بالعدة كما تعلمنا. إذا طلق الرجل زوجته طلقة أولى أو طلقة ثانية وكانت هذه الزوجة مدخولًا بها أو قد خلا بها بشروط الخلوة، هنا سيكون عليها العدة. خلال العدة هي تسمى زوجة رجعية أو مطلقة رجعية، والمطلقة الرجعية زوجة تمامًا؛ رجل طلق زوجته أولى أو ثانية بعد الدخول أو الخلوة، لازم هكذا، لأنه إذا لم يكن هناك دخول ولا خلوة أصلًا بانت طلقة أولى، الآن ستبدأ بعدها، أو كانت هي الطلقة الثانية فهي في عدتها، خلال العدة تسمى رجعية، هكذا يقولون مطلقة رجعية.

ماذا يعني رجعية؟ يعني يستطيع زوجها في أثناء العدة أن يرجعها بدون مهر ولا عقد جديد، خلاص هي ما زالت زوجته. الآن انظروا ماذا قال الشيخ: ما هي الرجعة؟ وهي إعادة زوجته المطلقة إلى ما كانت عليه، أي إلى علاقتها الزوجية من دون عقد ولا مهر جديدين؛ لماذا؟ لأنها أثناء العدة ما زالت زوجته، بس إذا انتهت العدة خلص راحت عليها وبانت. فإذا طلق الرجل زوجته التي وطأها أو خلا بها الطلقة الأولى أو الثانية، ففي خلال العدة تسمى مطلقة رجعية يستطيع أن يرجعها من دون الحاجة إلى عقد ولا مهر جديدين، بل لا يحتاج إلى رضاها أصلًا؛ لأنها ما زالت أصلًا زوجة بالمفهوم الشرعي.

من شرطها، متى يصح له أن يرجعها؟ لابد يكون الطلاق ليس طلاقًا بائنًا، ونحن عرفنا ما الطلاق البائن قبل قليل؛ له أربع صور: الطلاق على عوض، وفي نكاح فاسد، وطلاق غير المدخول بها، والطلاق الثلاث، هذا طلاق بائن.

فالزوجة خلال العدة ما تكون رجعية فيه، أي طلقة من الطلاق البائن التي تعرفنا عليها اليوم أثناء العدة لا يستطيع الرجل أن يرجع زوجته؛ ما في رجعة لأنها بائن. أما إذا كان الطلاق ليس بائنًا وهو الذي ذكرته لكم، كالطلقة الأولى أو الثانية فيما عدا الحوالة التي استثنيناها في بداية الدرس، فهناك أربع أحوال تكون فيها المرأة بائنة، وما سواها تكون الطلقة الأولى أو الثانية في المدخول بها؛ المرأة خلال العدة رجعية.

فإذاً الشرط الأول أن يكون الطلاق ليس طلاقًا بائنًا بل طلاقًا رجعيًا باختصار، وثانيًا أن تكون المرأة في العدة؛ في الطلقة الأولى وفي الثانية أنت بحق لك ترجع زوجتك ما دامت العدة، إذا خلصت العدة -كما حكينا- انتهى ما بتقدر ترجعها. لذلك قال: «وأن تكون»، أي أن يكون الإرجاع خلال فترة العدة، أما إذا انتهت العدة فلا أن ترجعها وبانت منك. إذاً شروط الرجعة: أن يكون الطلاق ليس بائنًا ابتداءً، وثانيًا أن يكون الإرجاع أثناء العدة.

ثم قال: «وتصح الرجعة بعد انقطاع دم الحيضة الثالثة حيث لم تغتسل، وتصح قبل وضع ولد متأخر». الآن عندنا حالتين؛ رجل طلق لزوجة كان قد وطئها، مدخول بها، والآن هي بدأت عدتها وهي مطلقة رجعية، بدأت مشوار العدة، اعتبرها ممن تعتد بالحيضات؛ لأننا سنعرف أن العدة تختلف باختلاف النساء. المرأة ممن تعتد بالحيضات خلصت الحيضة الأولى، ثم خلصت الحيضة الثانية، ثم خلصت الحيضة الثالثة، ولكنها لسه ما اغتسلت منها الغسل الواجب.

يقول الشيخ: «تصح الرجعة بعد انقطاع دم الحيضة الثالثة حيث لم تغتسل». إذا خلصت الحيضة الثالثة ولسه ما اغتسلت لسه معه فرصة يرجعها، إذا اغتسلت نقول له انتهى الأمر أصبحت بائنة ولا تستطيع إلا أن تتزوجها بعقد ومهر جديد؛ إذاً الرجعة معك فيها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، فإذا انقطع الدم ومعك مجال حتى ولو لم تغتسل.

نعيد العبارة: إذا انتهت حيضتها الثالثة ولم تغتسل بعد، معك مجال ترجعها، إذا اغتسلت انتهى الأمر وما معك مجال، هذا هو المراد. إذا كانت المرأة ليست ممن تعتد بالحيضات، كالحامل؛ امرأة حامل طلقها زوجها أثناء الحمل، وقلنا الطلقة أثناء الحمل ليس فيها سنة ولا بدعة، والآن عرفنا أن عدتها أن تضع حملها.

لكن سبحان الله، هذه المرأة حامل بتوأم، وضعت الولد الأول، والدكاترة لسه عم يطلعوا الولد الثاني، يقولون يستطيع الرجل أن يرجعها ما لم تضع الولد الثاني. يعني إذا طلعوا الولد الأول وبعد خمس دقائق أو ربع ساعة سيخرج الثاني، خلال هذه الفترة الزمنية يستطيع يرجعها، لا تنتهي عدتها وتصبح بائنة منه حتى تضع الولد الثاني؛ لذلك قال: «وتصح قبل وضع ولد متأخر». يعني إذا كانت المرأة حاملًا بتوأم وطلقها زوجها أثناء الحمل لا تنتهي عدتها حتى تضع الولد الثاني، فإذا وضعت الأول ولم تضع الثاني يستطيع أن يرجعها.

ثم قال: «وألفاظها». ما هي الألفاظ التي يستعملها؟ كيف يتم الإرجاع باختصار؟ الإرجاع إما بالفعل وإما بالقول؛ فالإرجاع في أثناء العدة إما باللفظ وإما بالفعل. الألفاظ أن يقول لها: راجعتك، أو أمسكتك، أو رددتك، ونحو من الألفاظ التي تدل على أنه يريد أن يبقيها زوجة، ولا تشترط هذه الألفاظ بل تحصل رجعتها بوطئها، وهذه هي الصورة الفعلية؛ أنه يمكن أن أرجع الزوجة في أثناء العدة من دون ألفاظ بمجرد الوطء.

قال: «ولو لم ينوِ بالوطء إرجاعها». إذا وطأ زوجته فمعناه أنه أرجعها، اكتبوا: «ولو لم ينوِ بالوطء إرجاعه»، لا يحتاج إلى نية، مجرد حصول الوطء منك يعني أنك أرجعتها ولو لم تنوِ بالوطء إرجاعها. وقال: «لا بـ (نكحتها وتزوجتها)». يعني لو رجل أراد أن يرجع زوجته باللفظ واستعمل لفظ نكحتها وتزوجتها، هل ينفع هذا الرجوع؟ قالوا لا، لفظ نكحتها وزوجتها لا يدل على إرجاع وإنما يدل على ابتداء عقد، فلا يصح هنا.

ثم قال: «وما اغتسلت من الحيضة الثالثة ولم يرتجعها» كما حكينا بانت؛ هذه إذا كانت عدتها بالحيضات، فبمجرد أن تغتسل من الحيضة الثالثة بانت منه ولا تحل له إلا بمهر وعقد جديد. انتهت عدتها واغتسلت من الحيض الثالثة، عرفنا أنها بانت، وصاحبنا يريد أن يرجع يتزوجها بعقد ومهر جديد، وهي رضيت أن تتزوجه مرة أخرى بعقد ومهر جديد، هل يصفر عداد الطلاق ولا تعود على ما بقي لها؟

يعني هو طلقها واحدة وتركها حتى انقضت عدتها واغتسلت ثم بانت، بعدين رجع تزوجها بعقد ومهر جديد، هل يرجع معه ثلاث طلقات لها أم نقول له هي رجعت لك بطلقتين والطلقة الأولى راحت عليك؟ بترجع له بطلقتين ولا يصفر العداد. لذلك قلنا في الخلع: لماذا الخلع أفضل من الطلاق في هذه الجزئية؟ لأن الخلع إذا كان فسخًا وتزوجتها بعقد ومهر جديد بترجع لك وعداد الطلاق كما هو، لكن إذا كنت أنت مطلقًا وبانت منك ثم تزوجتها بعقد ومهر جديد هي يحل زواجها لكنها لا تعود بثلاث طلقات إليك، بل تزوجتها على ما بقي لك من عدد الطلاق. لذلك قال: «ولا تحل له إلا بعقد جديد، وتعود على ما بقي من طلاقها». يعني لما تزوجتها بعقد ومهر جديد أنت معك مصدر ختام، وإذا كان مطلقًا طلقة ثنتين وتزوجها بعقد ومهر جديد يكون متبقي معه طلقة واحدة.

ثم قال: «فصل، وإذا طلق الحر ثلاثًا». إذا كانت هذه المرأة الآن في الطلقة الثالثة، عرفنا أن المرأة المطلقة ثلاثًا هي بائن وليست رجعية، هذه تسمى مطلقة بائن من صور الطلاق البائن التي أخذناها في بداية المحاضرة. بالتالي يعطيك القاعدة الشيخ مرعي: «إذا طلق الحر زوجته ثلاث تطليقات، أو طلق العبد زوجته اثنتين، لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيرها». بدها تنتهي من عدتها وتنكح زوجًا آخر نكاحًا صحيحًا، فلا عبرة بنكاح فاسد ولا باطل، بدها تنكح نكاحًا صحيحًا وليس نكاح التحليل الذي عرفنا أنه باطل، ويطأها زوجها.

والجديد في قبلها مع الانتشار، يعني انتصاب الذكر؛ هذه المراد بالانتشار أي الانتصاب ولو لم يحدث إنزال. ما في داعي يحدث إنزال، لابد يحدث انتشار، يعني انتصاب لذکر الرجل إذا وطئها في قبلها مع الانتصاب، حتى ولو كان هذا الرجل لما وطئها مجنونًا أو نائمًا أو مغمى عليه، وأدخلت ذكره في فرجها، أو لم يبلغ عشرًا، أو لم ينزل.

حتى لو كان زوجها هذا الجديد مجنونًا أو كان نائمًا أو مغمى عليه وهي أدخلت ذكره في فرجها، فإن هذا خلاص يعتبر دخولًا. بس لازم يصير في انتشار؛ يعني إذا كان المجنون أو النائم والمغمى عليه الذي هي أدخلت ذكره في فرجها لم يحدث له انتشار وانتصاب ما راح ينفع. فإحنا لابد نقول يحدث وطء في القبل مع انتشار، ولو كان مجنونًا، ما عنا مشكلة، أو نائمًا أو مغمى عليه وهي التي أدخلت ذكره بفرجها، ما عنا مشكلة لكن لا بد من انتشار.

أو لم يبلغ عشرًا؛ يعني أنه كان زوجها هذا الجديد ابن تسع سنوات ولا ثمانية، وإن كان هذا صاحب، لكن لو فرضًا وطئها وحدث انتشار بمشي الحال، ولو لم ينزل؛ قلنا ليس شرط الإنزال ويكفي تغييب الحشفة. الحشفة هي رأس الذكر، وليس شرطًا أن يدخل كل الذكر، لو أدخل رأسه يجزئ ويكفي تغييب الحشفة، أو قدرها من المجبوب.

المجبوب هو الذي قُطعت الحشفة عنده، فبقي ما تبقى من ذكره. نقول مثلاً الحشفة كم مقدارها؟ حشفة الرجل مثلاً نقول أربعة أو خمسة سنتيمترات، الآن هذا رجل مجبوب مقطوع الحشفة، إذا كان هذا الزوج الجديد مجبوبًا نقول له: عليك أن تدخل مقدار أربع أو خمسة سنتيمترات مما بقي من ذكرك، عليك أن تدخل مقدار أربعة سنتيمترات مما بقي من ذكرك بعد قطع الحشفة؛ لأنه هذا هو الذي يعادل الحشفة. فإذا كان في الحالة السليمة الرجل ليس فيه أي انقطاع، يغيب الحشفة، أما إذا كانت الحشفة غير موجودة مقطوعة لسبب من الأسباب، يدخل قدرها مما بقي من الذكر، يعني مقدار أربعة أو خمسة سنتيمترات، ويحصل التحليل بذلك.

خلص هيك، إذا حدث شيء من هذه الأمور التي ذكرناها؛ وطئها في قبلها مع انتشار، ولو كان مجنونًا أو نائمًا أو مغمى عليه، وأدخلت ذكره في فرجها، ولو لم يبلغ عشرًا، وغيب الحشفة أو قدرها من مجبوب، يحصل التحليل بذلك، ما لم يكن وطؤها في حال الحيض أو النفاس أو الإحرام أو صوم فرض. إذا وقع هذا الوطء من الزوج الثاني في حالة أن المرأة كانت حائضًا أو نفساء أو محرمة بحج أو عمرة أو في صوم فرض، هذا الوطء حرام؛ فبالتالي غير معتبر وغير آتٍ به، ولازم يطأ مرة أخرى بصورة مباحة. لذلك قال هذا في حال الحيض حرام، وكذلك النفاس أو الإحرام أو صوم الفرض؛ عرفنا هذا الوضع غير المعتاد به، فيجب عليه أن يطأها مرة أخرى في وطء معتد به.

قال فلو طلقها الثاني وادعت أنه وطئها، فهو قال والله هذا الزوج الثاني -لاحظوا امرأة تزوجت الزوج الثاني، طلقها الأول ثلاثًا انتهت عدتها، تزوجت رقم اثنين، طلقها، هسة صار خلاف بين هذه الزوجة وبين الزوج رقم اثنين- الزوج رقم اثنين يحكي: أنا ما وطأتها، طلقها ولم أطأها، هي تقول: لا هو وطئني. إذا ادعت هي أنه وطئها وهو كذبها وقال: أنا لسه ما وطأتها، فالقول قول من؟ لاحظ هذه مسألة غريبة، يقول: فالقول قوله في تنصيف المهر؛ لأنه هو لما قال أنا ما وطأتها، بنقول له: آه أنت ما وطئتها هيك بتحكي صح؟ طيب، هل خلوت بها؟ قال: لا خلوت بها، بالتالي هو في الحقيقة يريد أن ينصف المهر على نفسه. وإذا كان مش فارض أصلاً مهر، تعطيها متعة وتروح، فهو يريد أن ينصف المهر بذلك وهو في الحقيقة غانم، يعني هو الذي سيدفع بما أنه هو الغارم، فالقول قوله.

فإذا قال: أنا يا عمي ما وطئت ولا خلوت، بنقول: خلص عليك نصف المهر. وإذا كان مش مسمى ولا مقدر مهر المثل، عليك المتعة، لأنه هو الغارم؛ نعتبر قوله في تنصيف المهر، وأنه ليس عليه إلا نصف المهر أو المتعة على حسب وضعه. ولكننا سنعتبر قولها في ماذا؟ في إباحتها لزوجها الأول. يعني إحنا راح نمشي قول الزوجة الثانية في تنصيف المهر على أنه خلص عليك نصف المهر، وراح نمشي قولها في تحليلها لزوجها الأول.

ليه؟ لأنهم يقولون الزوج الأول حتى تحل له، نحتاج إلى خبر ظاهره الصدق؛ الزوج الأول هو الذي يحتاج إلى خبر ظاهره الصدق أن هذه الزوجة وطئت من زوجها الثاني. وهذه المرأة جاءت فقالت: زوجي الثاني وطئني، إحنا بنقول هذه المرأة ظاهرها الصدق ولا يوجد بينة أو دليل يكذبها، فيستطيع زوجها الأول أن يبني على خبرها وأن يتزوجها من جديد. والزوج الثاني برضه إحنا راعينا جنبه، فقلنا: أنت خلص مكذبها صح؟ خلص عليك نصف المهر. فأنت من جهتك عليك نصف المهر وريحناك، وهي من جهتها أن تتزوج زوجها الأول وحلينا المشكلة بوئام وسلام.

وبنكون هكذا انتهينا من مجلس اليوم، أطلت عليكم سامحوني، لكن نسعى إن شاء الله أننا نقطع المشوار. وهو كلام سهل في الحقيقة، في أغلبه مجرد أفكار بسيطة، إن شاء الله في المجلس القادم بإذن الله نبدأ في موضوع جديد، موضوع الإيلاء والظهار. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أكرم الأكرمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.