غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي -رحمه الله تعالى- على مذهب السادة الحنابلة -رضوان الله عليهم-. بالمحاضرة السابقة أحبائي تحدثنا عن خيار المجلس وخيار الشرط، وشرعنا في باب الخيار وعرفنا أن مفهوم الخيار هو طلب أحد المتعاقدين خيراً بالأمرين بالنسبة له من إمضاء العقد أو فسخه، وعرفنا أن هذا الخيار يثبت عند أسباب محددة، فهو ليس بلا تأكيد هو عنده أسباب محددة، إذا لم توجد هذه الأسباب لا يوجد الخيار ويكون عقد البيع لازماً لكلا الطرفين.
تحدثنا بإسهاب في المجلس السابق عن مفهوم خيار المجلس وخيار الشرط وأحكام هذا الخيار، وهذا الخيار اليوم بإذن الله ننتقل إلى بقية الخيارات ونبدأ بالخيار الثالث، ألا وهو خيار الغبن. والغبن هو الانخداع. ما هو هذا الخيار؟ قال الشيخ مرعي: «الثالث: خيار الغبن، وهو أن يبيع ما يساوي عشرة بثمانية، أو في المقابل يشتري ما يساوي ثمانية بعشرة».
الشيخ مرعي أراد أن يوضح لك مفهوم خيار الغبن من خلال مثال، وأنا سأوضحه لا بتعريف، ثم نفهم المثال الذي ذكره، فاكتبوا عندكم يا رعاكم الله. نقول باختصار وبعبارة سهلة: خيار الغبن هو أن يخدع البائع المشتري في الثمن، أو يخدع المشتري البائع.
ستقول لي يا شيخ ما هو ضابط الانخداع؟ لما تقول الغبن هو أن يخدع البائع المشتري في الثمن أو العكس، ما هو ضابط الانخداع؟ هل هناك ضابط شرعي محدد يحكم أن هذه الصورة هي انخداع وأن تلك الصورة ليس فيها خداع؟ في الحقيقة ضابط الانخداع هو العرف لعدم وجود ضابط شرعي محدد. المجلس السابق أيضاً تحدثنا عن مسألة ضابطها عرفي وهو التفرق بالأبدان، وهذه قاعدة عامة تدرس في القواعد الفقهية إن شاء الله ندرسها معاً. والأشياء التي لا يوجد لها ضابط شرعي محدد ولا ضابط لغوي محدد يرجع فيها إلى العرف؛ فقضية الخداع الذي يصدر من البائع تجاه المشتري أو من المشتري تجاه البائع، لا يوجد ضابط شرعي لها ولا لغوي، وإنما يرجعوا فيها إلى أعراف الناس، فالتجار أهل المعرفة والخبرة يعرفون متى هذا البائع خدع المشتري أو متى المشتري خدع البائع، تجار وأهل الخبرة يعرفون ذلك فبالتالي يكون المرجع إليهم، فهم أصحاب العرف.
الآن الشيخ مرعي ذكر مثالاً فقال: «وهو أن يبيع ما يساوي عشرة بثمانية، أو يشتري ما يساوي ثمانية بعشرة». المثال الأول مثال على بائع خدع، اكتبوا فوقه: المثال الأول هو مثال على بائع خدع. هذا البائع المسكين ما عنده خبرة بالأسعار في هذه البلدة، جاء زبون جديد لها ومعه سلع يريد أن يبيعها مثلاً، فهذا البائع مسكين لا يوجد عنده خبرة بالأسعار، دخل هذه البلدة ليبيع هذا الجوال، وفي هذه البلدة قيمته عشرة لكن البائع ما يعرف المسكين، فباعه بثمانية. هنا واضح أنه في مشتري "مصحصح" كما يقولون جاء على هذا البائع، شاف بائعاً جديداً فقال: أيها البائع كم تبيعني هذه السلعة؟ فالبائع قال: والله أبيعها بثمانية، وهكذا مفكر بالأسعار، المشتري عرف أن هذا البائع غشيم فقال: ممتاز، خلص أعطني إياها بثمانية.
فهنا البائع وقع في ماذا؟ وقع في خدعة، خلينا نسميها سواء خدعة مقصودة من المشتري أو غير مقصودة، لا يهمني، أنا يهمني أنه هو بنفسه كبائع وقع في غبن، اللي هو يسمونه الغبن، خدعة أن السلعة التي تسوى في هذه البلدة عشرة باعها بأقل من ذلك بثمانية. طبعاً راح تقول لي يا شيخ ربما أتفق معك أنه لو الشيخ مرعي أتى بفارق أكبر قد يكون أوضح، يعني لو هي عشرة وباعها بدينارين ربما يكون المثال أوضح، لأنك تقول بين العشرة والثمانية قد يكون الفرق محدوداً فلا يسمى هذا انخداعاً، أنت ستسألني: هل الفرق بين العشرة والثمانية هو انخداع عرفاً؟ فرق بسيط عن العرف يعتبره خدعة فعلاً؟ سنرجع للعرف، ممكن العرف يقول ليس خدعة. لكن الشيخ مرعي وضع هذا المثال أحبائي وكما يقولون العقلاء لا يناقشون في الأمثلة لأنها مرافقة لتوضيح الفكرة، فلا تناقش كثيراً، هو يريد أن يقول لك ما هي صورة الخدعة؟ أن البائع المسكين ما عرف أن هذا الجوال يساوي عشرة فباعه بثمانية، حدثت خدعة.
الحالة الثانية أو الصورة الثانية المعاكسة، أن يحدث الانخداع من جهة المشتري، أن المشتري هو الذي يقع في الخدعة أو الغبن. أن المشتري جاء ليشتري سلعة، السلعة تسوى ثمانية، البائع رأى هذا المشتري مسكيناً ما عنده خبرة بالمماكسة فقال له: اسمع أنا أبيعك هذه السلعة بعشرة، أو خليني أنا أزيد من عندي أبيعك إياها بعشرين. كم قيمتها؟ ثمانية، فالبائع لما رأى هذا المشتري غشيم -نحن في لغتنا العامية نسميه ما عنده خبرة بالأسعار- قال: لماذا لا أغش أو أخدع أو أغبن هذا المشتري؟ فقال له: أبيعك إياها بعشرين، المشتري ما عنده خبرة فكرها بعشرين فاشتراها بعشرين، هنا من الذي غُبن؟ المشتري.
إذن هذه هي فكرة خيار الغبن: أن يخدع البائع المشتري في الثمن أو المشتري يخدع البائع في الثمن، وضابط الانخداع كما قلنا العرف. الآن الحنابلة أحبائي عندما يتكلمون عن خيار الغبن يتكلمون عنه في ثلاث مسائل. في العادة عندما تفتح كتب الحنابلة جميعها عندما يتكلمون عن خيار الغبن يتكلمون عنه في ثلاث مسائل. الشيخ مرعي لم يتطرق لها لكن أرى من الضرورة أن يتطرق لها، وقد تطرق لها ابن بلدان في أقصى المختصرات لأنها الأمثلة الشهيرة على خيار الغبن. إذا نقول عنوان: مسائل خيار الغبن، يعني الصور التي تصلح مثالاً على خيار الغبن عند الفقهاء الحنابلة.
الصورة الأولى: ما يسمى تلقي الركبان.
الآن جاء في الحديث أن النبي ﷺ نهى عن تلقي الركبان. جاء في الحديث، حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه في الصحيح: «أن النبي ﷺ نهى عن تلقي الركبان».
ما معنى تلقي الركبان؟ بدي أعطيكم إياها بمثال عصري سهل بإذن الله. الآن نحن في الأردن، دولة جاءنا تجار من العراق، هؤلاء التجار جاءوا في قافلة، في الزمن القديم كانت قوافل، وممكن في الزمن الحديث أيضًا تكون قافلة من السيارات فيسمون ركبانًا. هؤلاء التجار الذين أتوا من العراق إلى الأردن يسمون ركبانًا، أتوا بأقمشة وبضائع كثيرة يريدون أن يبيعوها في الأردن، وهم لا يعرفون قيمة هذه البضائع في الأردن، هم يعرفون قيمة هذه البضائع التي أتوا بها في بلدهم العراق، لكن قيمة هذه البضائع في الأردن لا يعرفونها.
كانوا مساكين ما عندهم خبرة، والمفروض الأصل أن التاجر اليوم يصحصح قبل ما يدخل بلدة يعرف الأسعار فيها، لكن كما قلنا هؤلاء ركبان معهم تجارة أتوا بها إلى الأردن يريدون أن يبيعوها ولا يوجد بالتالي عندهم خبرة بأسعار الأردن. فلما نزلوا إلى الأردن تلقاهم تجار الأردن، هكذا يصير عادة؛ تجار الأردن يستقبلوهم: تفضل يا فلان وحياكم الله، وشو معكم بضائع؟ بدأوا يتكلمون معهم، فتجار الأردن عرفوا أن هؤلاء الركبان الذين أتوا من العراق ما عندهم أي خبرة بأسعار الأردن، فبدأ تجار الأردن يمارسون عملية الغبن، لاحظوا يشترون هذه البضائع من هؤلاء الركبان بثمن أقل من القيمة السوقية، لأننا عرفنا سابقًا أنه هناك فرق بين الثمن وبين القيمة الحقيقية. فقيمة هذه البضائع مثلاً ألف، التجار من الأردن اشتروها بخمسمائة، فدفعوا فيها ثمنًا أقل من القيمة. التجار من الأردن عرفوا أن تجار العراق الركبان هؤلاء ما يعرفون القيمة فاستغلوا الوضع وأرادوا أن يحدثوا الغبن، فاشتروا هذه البضائع منهم بخمسمائة، فالثمن خمسمائة أقل من القيمة بكثير، فهذا غبن وخداع.
هذه صورة تلقي الركبان؛ أن يأتي أناس تجار جدد إلى هذه البلدة ومعهم بضاعة ولكنهم لا يعرفون القيم في هذه البلدة، فيتلقاهم التجار، نذهب فنتلقاهم: تفضلوا نتلقاكم، وننظر فيما معهم من البضائع، فلما عرفنا أن هؤلاء التجار الجدد الركبان لا يعرفون قيمها في بلدنا بخسنا فيها، فهي قيمتها ألف نحن غبناهم فأخذناها بخمسمائة.
وممكن أيضًا تحدث صورة أخرى، أن هؤلاء الركبان بعد ما باعوا لنا البضائع قالوا لنا يا أهل الأردن: نريد أن تزودونا ببضائع نعود بها إلى بلداننا نبيعها في العراق، نحن خلص بدنا نروح على العراق، بدنا نشتري بضائع من الأردن نبيعها في العراق. التجار هؤلاء الذين من الأردن لم يكتفوا بفعلتهم السابقة بل قالوا أيضًا هذه فريسة جديدة. وعندما طلب هؤلاء التجار الذين أتوا من العراق بضائع أردنية يشترونها هم ويعودون بها إلى بلدهم، استغلهم التجار الأردنيون، عرفوا أن التجار العراقيين ما يعرفون أيضًا أسعار بضائع الأردن، فأتى التجار الأردنيون ببضائع أردنية قيمتها خمسمائة فقط لا تزيد على ذلك، فباعوها للتجار العراقيين بخمسة آلاف! شوف الغبن الفاحش، فالتجار العراقيون مساكين كانوا فكروا أن هذا السعر حقيقي، فقالوا: ممتاز، خذ هذه خمسة آلاف وأعطونا البضائع، وذهب العراقيون بتجارتهم إلى بلادهم.
الآن نلاحظ أن التجار العراقيين تم غبنهم في البيع وتم غبنهم في الشراء؛ يعني لما باعوا بضاعتهم للتجار الأردنيين باعوا وغبنوا فأعطوا مبلغ ثمن أقل من القيمة الحقيقية، ولما هم أيضًا اشتروا بضاعة أردنية ليعودوا بها إلى بلادهم غبنوا أيضًا فدفعوا ثمنًا أعلى من القيمة الحقيقية. هذا هو اسمه تلقي الركبان الذي نهى عنه النبي ﷺ. فإذا جاء تجار إلى البلد جدد ليبيعوا ويشتروا، الأصل أن نكون صادقين معهم وأن نبين لهم القيم ثم نعطيهم المجال للمماكسة، أما أن نضحك عليهم أو أن نخدعهم بهذه الحيل، لا يجوز، فهذا اسمه تلقي الركبان.
الآن يا شيخ إذا حدث هذا الحدث، هؤلاء التجار الأردنيون الذين غبنوا التجار العراقيين، فلما اشتروا منهم اشتروا بثمن أقل من القيمة ولما باعوا لهم باعوا لهم بثمن أعلى من القيمة، هل هذا العقد فيه مخالفة شرعية؟ صح، لكن هل العقد صحيح؟ الآن لما نقول صحيح، ليس له علاقة بأنه في إثم، الذين عملوه التجار الأردنيون حرام، دعنا نترك هذا جانبًا، لكن هل العقد صحيح أم لا؟ الفقهاء الحنابلة يقولون العقد صحيح؛ العقد معهم صحيح لأن أركان العقد الثلاثة وشروط العقد السبعة موجودة، وإنما حدث خداع في الثمن. فالعقد صحيح من حيث الصحة وتترتب عليه آثاره، هذا معنى أنه صحيح، لكن هناك معصية؟ نعم هناك حرام ومعصية وهو الغبن الذي فعله التجار الأردنيون.
طيب وين الخيار يا شيخ؟ أين الخيار؟ خيار الغبن. هؤلاء التجار العراقيون إذا عرفوا أنه تم غبنهم، أي خداعهم في البيع والشراء، لهم الحق شرعًا أن يطالبوا بالفسخ؛ يرجعوا للتجار الأردنيين يقولون لهم: تعالوا، أنتم خدعتمونا في شرائكم منا وفي بيعكم لنا، فبالنسبة للشراء بدنا نفسخه وبالنسبة للبيع بدنا نفسخه برضه، رجعوا لنا بضاعتنا وخذوا هذه أموالكم، وخذوا بضاعتكم التي أعطيتمونا إياها بخمسة آلاف وأعطونا الخمسة آلاف. فالتجار العراقيون لهم الخيار في أن يفسخوا هذا العقد، وهذا هو الخيار؛ اختيار أحد أمرين: إما إمضاء العقد أو فسخه.
هنا ما سبب ثبوت الخيار للعراقيين؟ سبب ثبوت الخيار للعراقيين هو انخداعهم بأنهم وقعوا في الغبن، فالشريعة أعطتهم حق الخيار أن لكم الحق أن ترجعوا للتجار الأردنيين وتطالبوا بخيار الفسخ، تقولوا: بدنا نفسخ البيع ونفسخ الشراء ونسترد بضائعنا وأموالنا، وأنتم خذوا بضائعكم وأموالكم، والسلام عليكم. هذا الخيار ثابت لهم، فهذه صورة خيار الغبن في مسألة تلقي الركبان.
الركبان، ونقصد بالركبان التجار الوافدين الجدد، متى عرفوا أنهم خدعوا في البيع أو في الشراء؟ نقول العقد صحيح لكن لهم الخيار شرعًا في أن يمضوا هذا العقد، ممكن التجار العراقيون عرفوا أنهم خدعوا وقالوا: بس خلاص نمشيها المرة هذه، فلهم الخيار بين أن يمضوا العقد ويتموه، وبين أن يفسخوا. فهذا ما يسمى خيار الغبن في قضية تلقي الركبان. طبعًا قضية العراقيين مع الأردني هذا مثال، وأنت تطبق عليه أي مثال آخر مشابه له. طيب، نذهب للحالة الثانية من خيار الغبن.
وهي حالة النجش؛ طبعًا النتش كلمة النتش في أصل اللغة كانوا يستعملونها في تنفير الطيور، تنفير الطيور؛ أن تجعلها كلها تطير، هذا يسمى نجشًا كما يفعل مثلا الآن أصحاب الحمام، لما يأتي على الحمام تبعه ويجعله يطير ويهيجه، هذا يسمى نتشًا في اللغة.
لكن النتش أنا هنا سأتكلم عنه بالمفهوم الشرعي وأذكر لكم تعريفه. المراد بالنجش -اكتبوا عندكم- هو أن يزيد فيما يباع من لا يريد شراء السلعة، أن يزيد فيما يباع من لا يريد شراء السلعة. هذا مفهومه شرعًا، أن يزيد -خليني أسهل عليكم- من لا يريد أن يزيد في السلعة، بدي أسهل أكثر وأكثر؛ أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شراءها، هيك واضح؟ أسهل من التعريف الذي يذكر بعض الحنابلة: أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شراءها.
جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ نهى عن النجش. ما هو النجش؟ قال الحنابلة: أن يزيد في ثمن السلعة شخص لا يريد أن يشتريها. ما صورة هذا؟ بائع ومشتري، بائع ومشتري يتفاوضون على هذا الجوال، يتفاوضون على سعره في أثناء هذه اللحظات، أثناء لحظات المساومة، جاء صديق للبائع -لاحظوا دخل صديق للبائع على المحل- فصديق البائع الذي دخل هو ما بده يشتري، ولاحظوا هذه كثير تقع معنا والله أحبائي. صديق البائع الذي دخل وما بده يشتري الجوال هو صديقه صاحبه، لكن المشتري لا يعرف أن هذا الذي دخل هو صديق البائع.
فالصديق يريد أن يخدم صاحبه، فلما رأى المشتري والبائع يتفاوضون على هذا الجوال، البائع يقول له: مئة. المشتري يقول له: ثمانون. لا، البائع يقول له: ما بنزل عن مئة. المشتري مصر على الثمانين، صديق البائع دخل وعمل حاله تقمص شخصية أنه هو أيضًا يريد أن يشتري، فقال: إيه، هذا الجوال والله ما شاء الله مرتب، والله أنا الجوال هذا أعطيك فيه مئة وعشرين أيها البائع. وأنا المشتري، "انتهب" كما يقولون، مئة وعشرين بدك أعطيك فيه. يقول: والله ما شاء الله مواصفاته ممتازة وهذا نادر في السوق وقرب يخلص.
الآن لاحظوا ماذا فعل هذا الصديق؟ زاد في ثمن السلعة وهو لا يريد الشراء حقيقة، يعني هو دخل وقال للبائع: اسمع أنا أعطيك فيه مئة وعشرين، الآن هو صادق؟ هو ليس صادقًا، هو دخل وزاد في ثمن السلعة أمام المشتري الحقيقي حتى يقنع المشتري الحقيقي أن هذه السلعة غالية وتستحق كثيرًا. فالمشتري لما رأى هذا الوافد الجديد يعطي سعرًا عاليًا استحى، قال: والله شكلها سلعة محرزة، هذا معطٍ فيها مئة وعشرين، خلص حرام ما بدي أغش البائع أو أظلمه، قال: خلص برفع السعر، خلص خذ فيها مئة وعشرة.
فالآن المشتري هنا، المشتري الحقيقي تم خداعه من خلال هذا الوافد الجديد، أن هذا الوافد الجديد دخل وليس في نيته أصلًا أن يشتري، ويمكن أن يكون هذا الوافد الجديد متواطئًا مع البائع، بينهما تواطؤ واتفاق مسبق على هذه الحركات، ويمكن أن يفعلها عفويا من دون ما يكون متواطئًا مع البائع؛ دخل ورفع في السعر، فالمشتري الأول فكر والله أن هذه السلعة نفيسة، فالمسكين رفع فيها سعرًا عاليًا، قال: خلص ما بدي أضر البائع، بدي أعطيه فيها سعرًا عاليًا، مع أن هذه السلعة كلها لا تساوي سبعين دينارًا، كلها يقول ما بتسوى سبعين دينارًا.
فهنا تم عقد البيع، عقد البيع تم وهو عقد صحيح، لاحظوا أننا أصلًا قلنا كل الخيارات إنما تكون في العقود الصحيحة، هذه قاعدة عامة ذكرتها في المجلس السابق. فالآن عقد البيع صحيح، صاحب المشتري غُبن وانخدع، لكن في النهاية عقد البيع نقول عنه صحيح. لماذا صحيح؟ لأنه الصحة عندنا تتوقف على وجود الشروط وانتفاء الموانع، وجود أركان العقد ووجود شروط العقد، وقد وجدت، فبالتالي العقد صحيح.
لكن متى عرف؟ شوفوا هنا يثبت الخيار. متى عرف المشتري أنه غُبن وخُدع، وأن هذا الرجل الوافد الجديد، هذا الرجل الثالث الذي تدخل، والله هو زاد في السلعة أي في ثمنها وهو لا يريد شراءها حتى يخدعه؟ إذا عرف المشتري هذه القصة، له الحقية أن يرجع إلى البائع ويقول له: تفضل هذه جوالك خذه وأعطني المئة وعشرة أو المال الذي دفعت لك إياه، لأنكم خدعتموني بالنجش، والنجش إخواني وهذا شيء وقعت فيه.
رأيت بعيني كثيرًا ما يقع في بيع المزايدة؛ اذهبوا إلى السوق الحرة، وأيام إقامتي في المدينة، في يوم من الأيام كنت أريد أن أشتري سيارة حتى أتنقل بها في المدينة النبوية ﷺ، وذهبت إلى سوق المدينة وأنا لست خبيرًا بالتجارة والبيع والشراء لهذه الدرجة، عندي معلومات لكن على قدّي، فرأيت عجبًا عجابًا، وهذا في مدينة النبي ﷺ.
هناك رجل وظيفته أن يزايد على السيارات، وهناك شخص لا يريد شراء السيارات، وظيفته فقط أن يقوم بالنجش، أن يزايد؛ يخرج رجل في العادة عندهم يطلع على السيارة التي ستُباع الآن بالمزاد العلني فيقول: من يشتري؟ فيكون هناك زبائن، ويقول رجل من الزبائن: أنا بشتري، يحط فيها ألف، رجل وظيفته النجش -عافانا الله وإياكم- يقول: لا، أنا أحط فيها ثلاثة آلاف. أنت تريد أن تشتري وهو في الحقيقة ما يريد أن يشتري، هو يزيد في ثمن السلعة ولا يريد شراءها، هذا نجش وكثير للأسف في المزايدات يحدث.
فيأتي المشتري الحقيقي يقول: لا، أنا أحط عشرة، فيأتي تبع النجش يقول: أنا أحط خمسة عشر، فالمشتري الحقيقي يقول: معقول هذه بتسوى أكثر من هيك؟ فيستمر هذا وهو يرفع، إلى أن تصفي السلعة عليه أو السيارة عليه، كانت بعشرين ألف وهي ربما كل قيمتها السوقية المستعملة لا تسوى سبعة أو ثمانية آلاف. فلاحظوا أحبائي كيف يحدث النجش كثيرًا في حياة المسلمين، وهذا فعل محرم، لأن العقد صحيح، لكن هذا المشتري إذا عرف أن ذاك ناجش وأنه خُدع، فله الحق أن يعيد السلعة ويطلب ثمنه، أن يفسخ البيع، له خيار الفسخ.
نرجع للصورة الثالثة الآن، خيار الغبن الذي يتكلم عنه الحنابلة، المسترسل؛ من هو الشخص المسترسل؟ قالوا الشخص المسترسل هو الشخص الذي يجهل قيمة السلعة ولا يحسن المماكسة، أي المساومة؛ المسترسل من يجهل القيمة زائد لا يحسن المماكسة، أي المساومة، الشخص الذي يجهل قيمة السلع.
وما عنده أي خبرة بالمماكسة، بيعرفش يفاوض ويساوم ويرفع وينزل زي الناس الشاطرين في الكلام؛ هذا يسمى شخصًا مسترسلًا. فإذا جاء هذا الشخص المسترسل ليشتري هذا الجوال من البائع، فنظر فيه البائع وقال: هذا الرجل شكله غشيم بلغتنا العامية، مسترسل، لا هو عارف سعره ولا هو بيعرف يساوم.
فأراد هذا البائع أن يخدعه فقال له: اسمع، ببيعك هذا الجوال بمئة وعشرين، مع أن القيمة الحقيقية سبعون دينارًا، يعني جوال قيمته سبعون لكن الثمن الذي طلبه البائع مئة وعشرين. الآن لو البائع زاد دينارًا أو اثنين أو ثلاثة أو خمسة، هذا ليس غبنًا في العرف، لكن هذه القفزة أكثر من ضعفه، قيمته سبعون وأنت بعته بمئة وعشرين.
هذا المشتري كما قلنا مسترسل، مسكين لا عنده معرفة بالقيمة ولا يحسن المماكسة، فكر أن مئة وعشرين سعر لقطة، فقال: خلص خذ هذه مئة وعشرين توكلنا على الله وأعطني الجوال. وذهب هذا المسترسل مسكينًا فرحًا إلى بيته، فعندما وصل إلى أبيه أو إلى أخيه قال له: كم اشتريت الجوال؟ قال: والله أعطاني مئة وعشرين، وهنا نال من الكلام ما نهال، وقالوا: ارجع إلى البائع وقل له خذ جوالك وأعطني المئة وعشرين.
هل يحق للمسترسل أن يرجع إلى البائع بعد أن عرف أنه خُدع في السلعة ويطالب بالفسخ؟ نعم، له ذلك؛ الآن هو البيع صحيح، لكن المسترسل شرعًا يثبت له الخيار لأنه خُدع، فنثبت له خيار الغبن، فله الأحقية أنه يرجع ويعيد السلعة للبيع. طبعًا هذا كما قلنا إذا كان هناك خداع حقيقي وغبن حقيقي في السلع، مثل هذا الجوال الذي قيمته سبعون وباعه إياه بمئة وخمسين، فهذا يعني غبنًا حقيقيًا فله الأحقية أن يعود.
لكن الشيخ الحجاوي في "الإقناع" ينص على أنه المسترسل إذا خُدع لعجلته الشديدة وعدم تأنيه أنه ليس له الخيار. لاحظوا هذا الاستثناء؛ قال الشيخ الحجاوي في "الإقناع" -وهو من أهم كتب المتأخرين عند الحنابلة-: إذا المسترسل خُدع بسبب عجلته، يعني هو لو أتأنى وسأل واستفسر ما خُدع، لكنه إنسان عجول متهور، دفع مئة وخمسين مباشرة وأخذ الجوال وذهب، هنا نقول للمسترسل: ليس لك خيار الغبن. لماذا؟ لأنك أنت انخدعت بسبب عجلتك، وكان بإمكانك أن تتروى وتتأنى وتسأل أهل الخبرة عن الأسعار، بما أنك تجهل القيمة ولا تحسن المماكسة، لماذا تستعجل؟ ليس الأصل إلا أن تتصل بأهل الخبرة وتستفسر.
أما إذا كان ليس عنده مجال، فقال لك: أنا ما استعجلت، وما عندي أهل خبرة أسألهم، وليس هناك مجال إلا أن أشتري، فحينها نرجع للأصل وهو أن خيار الغبن ثابت له.
إخواني، هناك قضية فقهية تتعلق بالمسترسل، وهي كيف نثبت أصلاً أن هذا الشخص المشتري مسترسل؟ لأنه ممكن المشتري لما يروح للبيت، يكون البائع باعه سلعة والمشتري دفع فيها، ثم ذهب للبيت ولم تعجبه السلعة كثيرًا فأراد أن يغير رأيه، وجاء إلينا وقال: أنا مسترسل، أنا مسترسل، وهذا البيع خدعني، أعطوني خيار الغبن لأرجع السلعة وآخذ ثمني.
في الحقيقة لابد أن يثبت ابتداءً أنه مسترسل قبل أن نعطيه خيار الغبن؛ فليس أي مشتري يقول أنا مسترسل -أي أجهل القيمة ولا أحسن المماكسة- فنقول له مباشرة: خيار الغبن ثابت لك. الحنابلة يقولون: المسترسل يثبت أنه يجهل القيمة ولا يحسن المماكسة إذا حلف يمينًا، لابد أن يحلف يمينًا بالله سبحانه وتعالى أنه مسترسل، وأنه يجهل قيمة هذه السلعة ولا يحسن المماكسة ولم تكذبه قرينة.
لا بد أن يحلف يمينًا بالله أنه مسترسل ولا تكذبه القرائن، لأنه ممكن المشتري يحلف يمينًا بالله وهو كاذب، نسأل الله العفو والعافية، يقول لك: أقسم بالله أنني مسترسل أجهل القيمة ولا أحسن المماكسة، لكن قرائن الأحوال تكذبه، كأن يكون هذا المشتري تاجرًا، حوتًا من الحيتان كما يقولون، فإنت أيها المشتري تاجر كبير وخبرتك كبيرة في التجارة في البلد، عندما تحلف يمينًا بالله أنك مسترسل لن نصدقك لأن قرائن الأحوال تكذبك.
فإذاً، كيف يثبت المسترسل أنه مسترسل؟ قالوا: أن يحلف يمينًا بالله أنه مسترسل ولا تكذبه قرائن الأحوال، هذا هو الرأي المعتمد عند الحنابلة. طبعًا هناك رأي آخر لأحد فقهاء الحنابلة اسمه ابن نصر الله، يقول: لا يثبت الاسترسال بمجرد اليمين، بل لابد للمسترسل أن يأتي ببينة، يجيب شهودًا أو بينة ملموسة حتى نتأكد أنه مسترسل، وإذا لم يأتِ بالبينة لا يثبت استرساله حتى ولو أقسم اليمين. هذا رأي آخر، لكن المعتمد في المذهب هو الرأي الأول، وهو أن المسترسل يكفي في إثبات استرساله أن يحلف يمينًا بالله أنه مسترسل يجهل القيمة ولا تكذبه القرائن.
إذا ثبت أنك مسترسل، نرى هل العقد فيه غبن أم لا؛ إذا ثبت أنك غُبنت نعطيك خيار الغبن، وإذا قال التجار: لا والله ما في غبن، بل هو ربح معقول للتاجر، فإنه لا يثبت خيار الغبن. فهذا كلام عن كيفية ثبوت أن هذا الشخص مسترسل أو ليس بمسترسل.
إذن، هذه هي المسائل الثلاث التي يتكلم عنها الحنابلة في خيار الغبن. أحبائي، قلنا خيار الغبن: العقد فيه صحيح، لكن الشخص المغبون له الخيار، إما أن يكمل العقد ولا يريد الفسخ، وإما أن يختار الفسخ. الآن إذا قرر أن يمضي في العقد ولا يفسخه، ليس له أن يطالب الطرف الآخر بتعويض، وهو "الأرش" التي حكيناها كثيرًا؛ فالأرش هو تعويض، وفي خيار الغبن لا يوجد شيء اسمه أرش أو تعويض.
أنت أيها الذي غُبنت وخُدعت في الخيار، يا إما ترجع السلعة وتأخذ ثمنك، يا إما تمضي في البيعة والسلام عليكم. إذا اخترت أن تمضي في البيعة وتكمل العقد ولا تريد الفسخ، لا تأتِ لتطالبنا بتعويض وتقول: أنا بستمر في البيعة ولكن أطالب البائع أن يعوضني مقابل الخداع، لا، نقول له: لا أرش لك. لذلك ما قاله الشيخ مرعي في خيار الغبن وهو أن يبيع ذكر المثال، قال: "فيثبت الخيار لمن غُبن، ولا أرش مع الإمساك".
ما معنى "ولا أُرْشى مع الإمساك"؟ يعني هذا الشخص المغبون المخدوع إذا اختار أن يمسك السلعة ولا يفسخ، ما دام لا يريد الفسخ ويريد إكمال العقد، ليس له أن يطالب بالأرش. اكتبوا فوق الأرش: التعويض، أنا حتى أسهل عليكم، ونحن ذكرنا تعريف الأرش في المدارس السابقة، لكن اكتبوا الآن بالأرش يعني التعويض.
فلا أطيل الكلام في هذا الموضوع، هكذا ينتهي من خيار الغبن. ننتقل إلى خيار جديد وهو خيار التدليس. ماذا قال الشيخ مرعي في خيار التدليس؟ قال: "خيار التدليس وهو أن يدلس البائع على المشتري ما يزيد به الثمن، كتصرية اللبن في الضرع، وتحمير الوجه، وتسويد الشعر، فيحرم، ويثبت للمشتري الخيار حتى ولو حصل التدليس من البائع بلا قصد".
أحبائي، هذه الكلمة مأخوذة من الدنس. الدنس هو الظلمة، فالتدليس مأخوذ من الدنس وهو الظلمة أو الظلام. هذه الكلمة تنبئ عن أنه في ظلمة في عقد البيع؛ لذا استعمال كلمة التدليس هنا صحيح، وأصلها من الدنس وهي الظلام، يعني تنبئ أن هذا البائع في ضبابية وظلمة وقعت. هذا وجه المناسبة، لكن الآن إذا فهمنا معناها من حيث المعنى اللغوي، فهذا أصل التدليس.
لكن خلينا نتكلم عن التدليس هنا في البيوع في المعنى الشرعي أو الفقهي؛ ما معنى التدليس؟ المراد بالتدليس -اكتبوا هذا التعريف المختصر- هو أن يفعل البائع بالمبيع شيئًا يزيد به الثمن ولو لم يكن عيبًا، ولو لم تكن هناك عيب في السلعة. أعيد: التدليس هو أن يفعل البائع بالمبيع شيئًا بحيث يزيد به ثمنه ولو لم تكن السلعة معيبة. هكذا ذكر السادة الحنابلة، لكنني حتى أوضح الأمور أكثر أريد أن أزيد شيئًا في التعريف حتى يتضح الأمر لكم.
قالوا: التدليس أن يفعل البائع بالمبيع شيئًا. نريد أن نضيف هنا كلمة "شيئًا غير حقيقي" أو "شيء غير واقعي"، فهذه العبارات التي وجدتها أنسب، وستعرفون أكثر وأكثر ماذا قصدت بها هنا؛ أن يفعل البائع بالمبيع شيئًا غير حقيقي أو غير واقعي، وقصده بهذا الفعل الذي فعله في المبيع أن يزيد ثمن هذا المبيع حتى ولو لم تكن السلعة معيبة أصلاً.
بالمثال يتضح كل التعريف إن شاء الله. أخذ المثال الأول: مثال تصرية اللبن. بائع جمال عنده ناقة، ما شاء الله عليها، ما فيها أي عيوب، لكن لبنها متوسط مثلها مثل أقرانها، اللبن الذي يخرج من ضرعها متوسط. هذا البائع فعل بهذه الناقة التي يريد بيعها فعلًا من أجل أن يزيد ثمنها عند المشترين، لكن هذا الفعل الذي فعله فيها هو فعل غير حقيقي، أو فعل غير واقعي، أو فعل لا يعبر عن الواقع والحقيقة، وهذه عبارة أدق.
ماذا عمل هذا البائع؟ ذهب إلى ضرع هذه الناقة فقام بربطه حتى هذه الناقة لا ترضع أبناءها الذين في القطيع، ويبقى اللبن يجتمع في ضرعها. إذا أنت ربطت ضرع الناقة، ماذا سيحدث مع كثرة اللبن؟ سينتفخ، ممتاز. جاء مشتري ونظر إلى هذه الناقة، وهو ليس منتبهًا أن البائع قام بإغلاق الضرع بربطه حتى انتفخ، فالمشتري لما رأى هذه الناقة ورأى ضرعها مليئًا، ظن أن هذه الناقة لبون، كثيرة اللبن، فقال: «والله هذه شكلها لقطة»، فقال للبائع: «يا بائع، بكم تبيعني هذه الناقة؟».
فقال البائع: «أنت شايف ما شاء الله، هذه الناقة لبون، واللي فيها لبن كثير، فثمنها ليس مثل سعر غيرها، أريد أن أزيده في ثمنها شوي، سامحني». لاحظوا كيف زاد في الثمن؛ قال: «هذه مثلها والله تُباع بمئة وخمسين دينارًا، والخلاص بمئة وأربعين، أو مئة وخمسة، طبعًا السعر غير حقيقي هناك، لنقل سبعة آلاف دينار أو ثمانية آلاف دينار، أبيعك إياها بسبعة آلاف دينار». فقال المشتري: «والله مستاهلة، والله ما شاء الله، واضح أنها لبون»، وطبعًا هو مشتري لا يعرف الموضوع.
أخذ المشتري هذه الناقة وعاد بها إلى بيته، فلما عاد بها فك هذا الرباط عنها وحلبها أول مرة، واكتشف أن هذا الرجل قد غشه، وأن هذه الناقة مثلها مثل غيرها، وأن هذا اللبن إنما اجتمع في ضرعها لأن الضرع مربوط، فعرف أنه تم خداعه.
فالتدليس فيه قرب من الغبن في بعض مسائله، لكن ما الميزة؟ ما الفرق بين التدليس والغبن؟ في التدليس الخداع وقع من خلال فعل البائع، ويمكن أن يقع التدليس كما قلت لكم بدون قصد من البائع. التدليس يشبه الغبن في أمور، لكن هناك فروقًا؛ هنا في التدليس البائع قام بشيء في المبيع، أي أن تصرف في المبيع لا يمثل الواقع والحقيقة، فالناقة واقعها أن اللبن فيها مثل غيرها، فلما ربط البائع ضرعها أصبح مليئًا باللبن، وهذا الانتفاخ لا يمثل الواقع والحقيقة لهذه الناقة، وإنما هي حالة استثنائية بسبب ربط الضرع.
المشتري اشترى بناءً على أن ضرعها مليء، فاعتقد أنها لبون، ثم اكتشف عندما عاد إلى البيت أن الأمر كله خداع. في هذه الحالة سنعرف ما حكم تصرية اللبن؟ إن هذه المسألة بحد ذاتها، مسألة التصرية أو ربط الضرع، لها حكم خاص في الشريعة بينه النبي ﷺ، لكنني أمثل حتى تفهموا ما معنى قضية التدليس؛ ما معنى أن يفعل البائع بالمبيع شيئًا يزيد به ثمنه ولو لم تكن السلعة معيبة؟
لاحظوا أن السلعة ابتداءً، وهي الناقة، لم يكن فيها عيب، أمورها جيدة، لكن ليس فيها المواصفات العالية، فالبائع أراد أن يوصلها للمواصفات العالية حتى يزيد ثمنها، فقام بعملية التصرية. إذاً السلعة لم يكن فيها عيب، وطبعًا ممكن أن تكون السلعة فيها عيب أصلاً، فقد تكون هذه الناقة ليس فيها إلا لبن قليل جدًا، فالبائع عمل فيها عملاً ليرفع قيمتها.
قد تكون السلعة معيبة، فقد تكون هذه الناقة ضعيفة جدا في اللبن، عندها مشكلة صحية تجعل لبنها ضعيفا جدا، فالبائع لما رأى هذه الناقة تبدو تعبانة ولبنها محدودا جدا ومعيبة، ظل يجمع اللبن في ضرعها. قام بالتصرية وبقي يجمع اللبن شهرين أو ثلاثة وهو يجمع اللبن حتى انتفخ الضرع، فجاء المشتري فظن أنها لبون، فاشتراها على أنها لبون ثم اكتشف بعد ذلك أن هذا ليس الواقع والحقيقة.
فقد تكون السلعة معيبة والبائع يتصرف هذا التصرف ليستر هذا العيب، وقد تكون السلعة غير معيبة ولكن البائع يتصرف بهذا التصرف ليرفع من مواصفات سلعته. في عملية التدليس هناك احتمالان: الاحتمال الأول أن تكون السلعة معيبة والبائع يتصرف بهذا التصرف الذي لا يمثل الواقع حتى يستر العيب، والحالة الثانية أن تكون السلعة ليست معيبة لكن البائع يتصرف بهذا التصرف حتى يرفع من المواصفات فقط. وفي كلا الحالتين، الصورة الأولى أو الثانية، بالتأكيد سيرتفع الثمن، لكن هل ارتفاع الثمن يمثل الواقع والحقيقة؟ لا، لأن التصرف لا يمثل الواقع والحقيقة.
لذلك دعوني أغير هنا مثلا ما ذكرت فأقول: التدليس أن يفعل البائع بالمبيع شيئا لا يمثل الواقع من أجل أن يزيد به الثمن ولو لم تكن السلعة معيبة. ممكن تكون السلعة معيبة كما عرفناه فيفعل هذا الفعل يستر العيب، وممكن تكون السلعة أصلا ليست معيبة لكن يفعل هذا الفعل ليرفع المواصفات.
الحالة الغالبة في التدليس أن البائع هو الذي يتدخل بفعله في المبيع فيفعل فعلا يزيد به الثمن. لكن أحيانا في بعض الصور قد يحدث التدليس، وهذه حالة استثنائية أو قليلة لكنها تقع، قد يحدث التدليس في السلعة من دون أن يقصد البائع ذلك في الحقيقة، فالمشتري يرفع الثمن بما أن هذا التدليس سيرفع الثمن، فيشتري المشتري على الثمن العالي لأنه ظن أن السلعة مواصفاتها عالية، فعاد إلى بيته فاكتشف الأمر على خلاف ذلك.
خلوني أعطيكم مثالا على هذه الحالة التي هي قليلة الورود، وهي أن يكون التدليس من صنع البائع؛ هذا مثال يذكرونه في الإماء عادة لأنه جيد حتى تفهموا الفكرة. الرجل يحب المرأة ذات الوجنة الحمراء، فالآن جاء مشتري لبائع يبيع إماء، فالبائع عنده إماء، وهذا المشتري اقترب من إحدى الإماء ليشتريها ليرى مواصفاتها، فلما اقترب منها المشتري احمرت وجنتها خجلا، لاحظوا احمرت وجنتها خجلا بس البائع ليس له علاقة، هو لم يقل لها اخجلي، لكن المشتري لما جاء إليها ورأى أن خدودها حمراء قال: والله هذه الأمة طاهرة إن خدودها حمراء، وهذه مواصفات عالية فأنا أريدها.
الآن الأمة ذات الخدود الحمراء سعرها أعلى من الأمة التي ليست خدودها حمراء، وهذه الأمة في وضعها الطبيعي الحقيقي خدودها ليست حمراء لكن احمرت بسبب الخجل، والمشتري لم ينتبه أن هذا مجرد خجل فظن أن هذه الأمة في وضعها الطبيعي خدودها حمراء فأخذها بسعر عال. هل البائع هو الذي أحدث هذه الحمرة؟ لا، لكن البائع لاحظ أن الجارية صارت خدودها حمراء خجلا، فقال في نفسه: هذا الرجل انبسط بأن الخدود حمراء، خليني أستغل الشغلة وأرفع الثمن.
فالبائع رفع الثمن وقال له: ببيعك إياها بما أنك رأيت خدودها حمراء، اللي مثلها وأنت تعرف سعرها في السوق بخمسمئة، أنا ببيعك إياها بأربعمئة وخمسين. عاد هي لا خدودها حمراء ولا شيء، خدودها عادية وسعرها في السوق لا يساوي أكثر من مئتين وخمسين، وهو باعها بأربعمئة وخمسين، فالمشتري أخذها وهو مبسوط بها وعاد بها إلى بيته، فلما وصل إلى البيت اكتشف أن هذه الحمرة ذهبت وأنها كانت مجرد خجل، وبالتالي وقع في التدليس.
فعاد إلى البائع فقال له: اسمع، لقد أخذت هذه الأمة على أن خدودها حمراء وأنت بعتني إياها بأربعمئة وخمسين، وأنا ظننت هذه الخدود الحمراء ثم اكتشفت أنها ليست حمراء ولا شيء. فقال البائع: أنا والله لم أفعل شيئا، هي خدودها احمرت وحدها وعادت صافية وحدها، أنا لم أقم بتصرف في المبيع. لكنه في الواقع استغل هذه الصفة التي هي غير واقعية ورفع بناء عليها الثمن والمشتري وقع في التدليس.
حتى مع ذلك يثبت الخيار للمشتري؛ لأن المشتري إنما اشترى بهذا الثمن بناء على صفة، وتبين أنه دلس عليه. صحيح أن التدليس لم يقع ابتداء بأن البائع فعل فعلا في المبيع، لكن في الواقع البائع استغل هذه الصفة غير الواقعية ورفع بناء عليها الثمن.
إذن، التدليس هو أن يفعل البائع بالمبيع شيئا لا يمثل الواقع يزيد به الثمن ولو لم تكن السلعة معيبة. وقد يقع التدليس أحيانا من دون قصد البائع ابتداء، وهي الصورة التي ذكرتها لكم، أن السلعة لا يفعل فيها البائع شيئا وإنما تختلف صفتها وترتفع، إما باحمرار الوجه أو بسبب برودة الجو أو ما شابه ذلك، فيخدع المشتري بالسلعة من دون أن يكون البائع هو الذي فعل فيها شيئا، والبائع يستغل هذا الانخداع في رفع الثمن.
هنا كانت مشكلة البائع، فالمشتري عاد بالسلعة فاكتشف أنها على خلاف الواقع، فهنا يثبت له الخيار. ونقول إن البيع صحيح طبعاً إذا وقع التدليس، حتى لو البائع خدع، مثل مثال الناقة السابق، ترى البيع صحيح؛ لأن الإشكالية ليست في تحقق شروط العقد وأركانه، فالعقد توفرت شروطه وأركانه، لكن وقع فيما هو الانخداع أو التدليس الذي حدث.
التدليس الذي وقع هو حق للمشتري، أما العقد من حيث الشروط والأركان فقد توفرت جميعها، فحق الله واقع، لكن المشكلة صارت في حق المشتري أنه دلس عليه، فبنقول للمشتري: المشكلة صارت عندك، الآن الكرة في ملعبك.
بدك تمشي البيع، إحنا بنمشيه شرعاً ما عنا مشكلة، بدك تفسخ إحنا برضه شرعياً بنعطيك حق الفسخ؛ لأنه تم التدليس عليك.
قال في خيار التدليس: وهو أن يدلس البائع على المشتري ما يزيد به الثمن، اللي هو ما ذكرته لكم؛ أن يفعل البائع بالمبيع شيئاً لا يمثل الواقع يزيد به ثمن السلعة، ولو لم تكن السلعة معي به.
ذكر المثال الأول: تصرية اللبن في الضرع. والمثال الثاني: وتحمير الوجه، كما قلنا يمكن أن الجارية تتحمر خدودها من دون ما البائع يدخل، وممكن العكس، أو الحالة الأخرى ممكن البائع هو اللي يتدخل، وهذا هو العادي. يقول لهذه الأمة: والله ضاع شيء من المكياج على وجهك وعلى خدودك، وخلي خدودك حمراء بالمكياج؛ خلي المشتري لما يشوفك يظن أن خدودك حمراء بالوضع الطبيعي، ثم اكتشف أنه على خلاف ذلك. فإذا البائع هو الذي وضع أو أمر الجارية أو الأمة أن تضع شيئاً من الحمرة على خدودها، هنا صار البائع متدخلاً في البيع أو المبيع وتصرف فيه تصرفاً.
وقال: وتسويد الشعر، ممكن تكون الأمة شعرها لونه ليس مرغوباً، ممكن يكون شعرها لونه مثلاً أصفر فاقع وهذا عيب في الإماء، لاحظوا هنا معيبة. فالبائع يقول: والله هذه الأمة معيبة فيها عيب، طيب كيف بدها تنباع؟ خليني أستر هذا العيب، فقال لها: هذه الأمة اصبغي شعرك باللون الأسود؛ لأن الشعر الأسود مرغوب، فالأمة صبغت شعرها بالسواد، أهو هنا البائع تصرف في المبيع تصرفاً حتى يزيد به الثمن. الأمة اللي شعرها أصفر فاقع ربما لا تباع بعشرة دنانير، لكن اللي شعرها أسود تباع بسبعين ديناراً، فبالتالي هنا هو طلب منها فعلاً أو تصرف في المبيع تصرفاً حتى يزيد به الثمن.
جيد، هذه الأمثلة التي ذكرها. سامحوني بدي أرجع لمثال التصريَة اللي ذكرته لأنه في أحكام خاصة تتعلق به، مثال التصريَة بالتحديد؛ إذا البائع قام بتصرية الشاة أو الناقة أو الغنم أو البقر، إذا قام البائع بتصرية بهيمة الأنعام -هذه الثلاث التي هي الناقة والبقرة والشاة- إذا قام بتصرية الضرع. إيش يعني تصرية الضرع؟ يعني ربط الضرع حتى يزداد فيه اللبن فيكبر الضرع، فيأتي المشتري فيظن أن هذه الشاة أو البقرة أو الناقة لبون فيشتريها بناءً على هذه الصفة بثمن مرتفع، ثم يكتشف بعد ذلك أن الأمر على خلاف ذلك.
الآن هذه المسألة لها خصوصية في الحكم الشرعي لأن النبي ﷺ أعطانا حكمها. النبي ﷺ بين أن المشتري من الوقت الذي يعلم فيه أنه خُدع في هذه الناقة أو البقرة أو الشاة، من الوقت الذي يعلم فيه أنه خُدع معه خيار لثلاثة أيام فقط. هذا حكم خاص، أعيد: هذا حكم خاص بهذه المسألة فقط ولا يقاس عليها سائر صور التدليس، لا، هذا خاص فقط بمسألة التصريَة لورود النص فيها.
فالنبي ﷺ أعطاه ثلاثة أيام، مش من يوم العقد، لا مش من يوم عقد البيع، ثلاثة أيام من اليوم الذي علم فيه أنه خُدع. يعني أنا ممكن أكون اشتريت الناقة وتركتها في الحظيرة يومين أو ثلاثة، بعد يومين أو ثلاثة طليت عليها فاكتشفت أني خُدع؛ من الوقت الذي علمت فيه أني خُدع معي ثلاثة أيام. شو أعمل فيها؟ هذه الثلاثة أيام معك فيها الخيار، خيار التدليس. إما أن تحتفظ بالناقة عندك، ولا تطالب البائع بالأرش، هنا ما في أرش، لا تطالب البائع بالأرش، اللهم إلا إذا اكتشف أن هناك عيباً أصلاً في الناقة، أن هذه الناقة أصلاً ما فيها لبن، فيها عيب؛ إذا اكتشف أنه فيها عيب بتصير قضية أخرى بنروح على خيار العيب مش على خيار التدليس. لكن الصورة الأساسية أنه فقط الخداع، أنه هو جمع اللبن ليبين أنه كثير واكتشفنا أنها ليست لبون، لبنها زي غيرها، فهي ما فيها عيب أبداً، لكن البائع قام بالتصرية ليرفع من الصفات فقط.
ففي هذه الحالة كما قلنا المشتري منذ أن علم أنه خُدع ودلس عليه معه الخيار ثلاثة أيام؛ إما أن يمسك هذه البقرة ويقول: خلاص أنا مسامح بدي إياها وما بدي أي شيء، إما أن يفسخ البيع. لكن إذا قرر أن يفسخ البيع، عليه أن يرد صاعاً من تمر مقابل اللبن الذي قام بحلبه. الآن هو المشتري، كيف سيعلم أن هذه الناقة تمت تصريتها وأنها ليست لبون؟ كيف بده يعرف؟ في العادة هيك بنقول، في العادة ما بعرف إلا لما يقوم بالحلب، لما يحلب أول حلبة بستنى الحلبة الثانية بيكتشف أن هذه الناقة مثلها مثل غيرها لا لبون ولا شيء، وضعها طبيعي، حينئذ بيعرف هذا الوضع الطبيعي، يتم حلبها فيعرف بعد ذلك أنها ليست لبون.
أنت الآن أيها المشتري حلبتها صح؟ طيب بعد ما حلبتها قررت أنك ترجعها للبائع لأنك اكتشفت أنك دلس عليك، فالشريعة بتقول لك: إذا بدك ترجعها للبائع بدك ترد معها صاعاً من تمر بالتحديد مقابل اللبن اللي حلبته، لأنك ما رجعت الناقة زي ما أخذتها، أنت أخذتها وفيها لبن، بس رجعتها من دون ما يكون فيها لبن، فإنت بترجعها، لك الحق ترجعها وتأخذ مالك لكن عندما تردها عليك أن ترد معها صاعاً من تمر؛ لحديث رسول الله ﷺ. طبعاً ابن القيم له كلام طويل في إعلام الموقعين: لماذا الصاع من التمر؟ وجه العدل فيها، لكن ما بدي أشغلكم الآن في هذا الموضوع، إذا ترد معها صاعاً من تمر.
لكن في أحوال استثنائية لا يحتاج أن يرد الصاع من التمر، قالوا ما هي الأحوال الاستثنائية؟ قالوا إذا عرف المشتري أن هذه الناقة أو البقرة أو الشاة تم تصريتها وأنها مثلها مثل غيرها ليست لبون قبل أن يحلب، ممكن أصحاب الخبرة -إخواني أصحاب خبرة هيك دقيقة- يخبروا المشتري: أنت يا مشتري خُدع، لا تحلبها، استنى لا تحلب هذه الناقة ليست لبون، هذه مثلها مثل غيرها وإنما تم تصريتها. والمشتري فعلاً نظر هنا وهناك واكتشف فعلاً أنها تمت تصريتها، فقال: ما بدي أحلبها، بدي أرجعها للبائع زي ما هي فيها لبنها وأطالب بالثمن. إذا رد المشتري الناقة أو الشاة أو البقرة قبل أن يحلبها إلى البائع، وهنا البائع ليس له أن يقول بدي صاعاً من تمر؛ ليه؟ لأن اللبن موجود، رجع لك إياها فيها اللبن.
الحالة الثانية التي ليس للبائع أن يطالب بصاع من تمر، قالوا: إذا المشتري حلب اللبن وبقي اللبن على حاله لم يتغير. ما شاء الله، هذا المشتري صحي جدا. حلب اللبن من الناقة، أو بقرة، أو الشاة، ووضعه في علب حافظة ووضعها في الثلاجة، ثم اكتشف أن هذه الناقة أو الشاة أو البقرة مثلها مثل غيرها، وأن التصرية هي التي سببت كثرة اللبن، فأراد أن يردها.
فهنا يأتي المشتري فيرد الناقة ويذهب، فيأتي باللبن الذي بقي على حاله، الذي بقي على حال الحليب الذي حلبه، يأتي به ويسلمه للبائع، فيقول: ها أنت استلمت ناقتك واستلمت الحليب الذي غررتني به، وأعطني مالي. أيضا هنا لا يحتاج أن يرد صاعا من تمر لأنه رجع الحليب.
إذا المشتري قام بحلب الناقة أو الشاة أو البقرة وذهب الحليب أو تغير، في هذه الحالة المشتري مجبر أنه إذا أردت أن ترد الناقة أو الشاة أو البقرة عليك أن ترد معها صاعا من تمر. هذا كلام حول هذه المسألة، وكل هذا الخيار في هذه المسألة خلال ثلاثة أيام فقط، بعد ثلاثة أيام من يوم ما عرفت بالمشكلة.
إذا مرت ثلاثة أيام منذ أن عرفت أنك خضعت وأنك وقعت في مشكلة، إذا مرت ثلاثة أيام ولم ترد الناقة، ليس لك بعد ذلك أن تطالب بخيار التدليس. بخلاف الصور الأخرى كما سيأتي معنا إن شاء الله. الصور الأخرى من صور التدليس مثل احمرار الوجه، أو اسوداد الشعر أو تسويد الشعر، أي صورة تدليس أخرى، الخيار يبقى مفتوحا على التراخي، إلا إذا صدر من المشتري تصرف أو عمل يدل على أنه رضي، كما سيأتي معنا إن شاء الله، سنبين هذه الفكرة بعد قليل مع خيار العيب.
الأصل أن خيار التدليس على التراخي، وخيار الغبن، وخيار العيب؛ هذه الثلاثة على التراخي. تبقى ثابتة للمشتري على التراخي، ليس لها مدة محددة، تبقى ثابتة ولو لسنة، بشرط أنه لا يصدر من المشتري أي تصرف أو استعمال يدل على أنه قد رضي بالسلعة ويريد أن يتم البيع. إذا صدر منه أي تصرف أو استعمال يدل على الرضا يسقط خياره، وإذا لم يصدر ذلك منه يبقى خيار الغبن الذي ذكرناه قبل قليل: بتلقي الركبان والمسترسل والنجش، وخيار التدليس، وخيار العيب الذي سيأتي، يبقى مفتوحا معك ولو لسنوات.
تصوروا، لكن هذه المسألة بحد ذاتها التي هي التصرية، النبي ﷺ حددها أن ثلاثة أيام: «لا تسروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد أن يحلبها، فله الخيار؛ إما أن يمسكها وإما أن يردها ويرد معها صاعا من تمر».
هنا مسألة، لو يا شيخ ما وجد صاعا من تمر، يعني كان هذا في بلد ليس فيه صاع من تمر، وكان هو قد حلب الناقة واستفاد من حليبها، لكن لما أراد أن يردها خلال الثلاث أيام لم يجد صاعا من تمر؟ قالوا: إذا لم يجد صاعا من تمر في بلده، خلص عليه أن يدفع قيمة الحليب الذي حلبه. إذا من لم يجد تمرا يدفع القيمة، قيمة ما تم حلبه. جيد.
أين وصلنا؟ إذا نحن تكلمنا الآن عن خيار التدليس، عرفنا صوره وعرفنا أحكامه بالجملة. الآن ماذا قال الشيخ مرعي؟ قال: خيار التدليس وهو أن يدلس البائع على المشتري ما يزيد به الثمن، ثم ذكر الأمثلة كتصرية اللبن في الضّرع، وعرفنا صور التدليس بالتفصيل، مثل تسويد الشعر.
فيحرم عموما التدليس، أي التدليس الذي يحرم هو نفس عملية التدليس التي فعلها البائع. قال: ويثبت للمشتري الخيار، فالباقي يا إخواني صحيح، لكن المشتري يثبت له الخيار بين أن يمضي هذا العقد وبين أن يفسخه. قال: ويثبت للمشتري الخيار حتى ولو حصل التدليس من البائع بلا قصد. ومثل لذلك ابن عوض بما ذكرته لكم كحمرة وجه الجارية لخجل أو لأنها متعبة أو ما شابه، التدليس ليس لأن البائع هو تصرف تصرفا في المبيع، بل هي أمور قدرية وقعت، الجارية صار وجهها أحمر، فالبائع استغل ورفع الثمن، ففي هذه الحالة يثبت الخيار للمشتري.
الخيار الخامس هو خيار العيب. ما هو خيار العيب؟ خيار العيب أحبائي له صورتان بناء على العيب نفسه. ما هو العيب؟ العيب إما نقص في المبيع نفسه ولو لم تنقص قيمته، وإما نقص يقع في قيمة المبيع.
إذا ننتقل للخيار الجديد، العيب، أقول أحبائي: العيب إما نقص في المبيع ولو لم تنقص القيمة، وإما نقص في قيمة المبيع. أبدأ بالصورة الأولى، كيف يمكن أن ينقص المبيع ولا تنقص قيمته؟ مثلا ناقة، خلينا نقول ناقة هناك مشكلة في قدمها، مشكلة في أسفلها لا تمشي عليه بشكل جيد. هذه المشكلة التي في قدمها لم تنقص قيمتها السوقية، حافظت على قيمتها السوقية، يعني هي قيمتها بدون هذه المشكلة وقيمتها مع هذه المشكلة ثابتة، لكن في النهاية هناك مشكلة في المبيع.
إذا المشتري اشترى هذه الناقة واكتشف فيها هذا العيب الذي في قدمها، يثبت له خيار العيب حتى ولو لم تنقص قيمة المبيع. يعني أنا كمشتري اشتريت هذه الناقة وما انتبهت أن رجلها فيها مشكلة، فلما ذهبت بها إلى بيتي وأنا راكبها، وجدت أن هناك مشكلة في رجلها. فعاد المشتري إلى البائع وقال: اسمع، ترى هذه الناقة فيها عيب، رجلها فيها مشكلة. قال البائع: اسمع، ترى هذه المشكلة لا تنقص قيمتها، اذهب واسأل في السوق، الناقة مثل هذه وجود عيب فيها كهذا هل ينقص قيمتها أم لا؟ سيقول لك الكل لا تنقص. المشتري له أن يقول للبائع: تنقص قيمتها أو لا تنقص قيمتها، هذا لا يهمني، هذه السلعة فيها عيب في ذاتها، وأنا لا أريدها بهذا العيب، فلي الحق.
الخيار: أريد أن أفسخ، وأعطني. يحق ذلك للمشتري؟ نعم، يحق له لأنه نقص في المبيع فيعتبر عيبًا في النهاية. وقد يكون النقص في القيمة؛ أن هذه السلعة اشتراها المشتري واكتشف فيها عيبًا.
وهذا العيب ليس مجرد عيب في المبيع فقط ولا ينقص القيمة، لا، هذا العيب الموجود في المبيع ينقص قيمته. يعني قيمة هذه الناقة، نأتي على هذه الناقة، نكتب مرة أخرى: هذه العرجل في الناقة تنقص قيمتها خمسين دينارًا، يعني هي قيمتها مثلا مئة فرضًا من دون هذا العيب، إذا صار فيها هذا العيب قيمتها السوقية بتصير خمسين. فلاحظوا هنا العيب أنقص القيمة، ليس مجرد عيب في السلعة وانتهى الأمر، لا، هذا عيب ينقص القيمة.
فالعيوب إذاً على نوعين: هناك عيب يكون مجرد نقص في المبيع لكنه لا ينقص القيمة السوقية، وهناك عيب ينقص القيمة السوقية للمبيع.
ممتاز، الآن متى ثبت عيب في السلعة أو في الثمن؟ هي نفس الفكرة؛ متى ثبت عيب في السلعة أو في الثمن من النوع الأول أو من النوع الثاني؟ فللطرف الآخر أن يطالب بالخيار، يقول مثلا: أنا بدي أمضي العقد، ويمكن يقول: أنا بدي أفسخ، الطرف الآخر أن يطالب بالخيار. لكن هنا في أحكام في مسألة خيار العيب بالتحديد، لأنه سيأتي معنا موضوع الأرش والتعويض كحل للأزمة؛ سيأتي معنا هنا موضوع الأرش كحل للأزمة.
ما صورتها؟ خيار العيب: إذا وجد المشتري بما اشتراه، يعني بالسلعة، عيبًا يجهله. لكن ما معنى يجهله؟ الآن المشتري لما جاء للبائع واشترى السلعة ويجهل وجود هذا العيب في السلعة؛ فمن الطبيعي عقليًا إذا كان المشتري لا يجهل وجود هذا العيب، يعني أنا كبائع قلت للمشتري: اسمع، أنا بدي أبيعك هذه الناقة أو هذه السيارة أو هذا الكرسي أو هذا الهاتف، بس والله فيه عيب كذا وكذا، لأن المشتري صار على بينة وعرف بالعيب، فالمشتري قال: مش مشكلة بشتريه بهذا العيب.
الآن إذا أنت مشتري اشتريت وأنت تعلم بالعيب ليس لك بعد ذلك أن تطالب بالخيار لأنك دخلت في هذا العقد على وضوح، أخبرك بما فيها من العيوب. فلابد حتى يثبت خيار العيب أن يكون المشتري جاهلًا بوجود العيب في السلعة.
إذاً، إذا وجد المشتري بما اشتراه عيبًا يجهله، يجهل وجوده، سواء كان البائع يجهل وجود العيب أو يعلم، هذه نقطة انتبهوا لها. الآن نحن عرفنا أنه المشتري لازم يكون يجهل وجود العيب، طيب البائع ما حكمه؟ الباقي يا إخواني سواء كان يجهل وجود العيب في سلعته أو كان يعلم وجود العيب في سلعته، هذا لا يؤثر في ثبوت الخيار للمشتري.
ممكن أحيانًا البائع يكون فعلاً هو مش عارف أن فيها عيبًا، لا يعلم أن السيارة فيها مشكلة، أو لا يعلم أنه الشاة فيها مشكلة أو الناقة فيها مشكلة، فهو باعها ويظن أنه ما في مشكلة. المشتري أخذها فلاحظ وجود العيب، فلما عاد المشتري للبائع قال: اسمع أيها البائع، ترى هذه الناقة أو السيارة أو الكرسي فيه عيب. انظر هنا، فالبائع فعليًا هو صادق ولا يعلم وجود هذا العيب، هل يثبت الخيار للمشتري؟ نعم، يثبت الخيار للمشتري حتى ولو كان البائع لا يعلم وجود العيب.
فالخيار للمشتري إذا وجد عيبًا يثبت، سواء كان البائع يعلم بوجود العيب وأخفاه عن المشتري أو كان لا يعلم وجود العيب أساسًا، فهذا حق للمشتري. وكذلك الأمر بالعكس في الثمن؛ إذا أخذ البائع الثمن وكان فيه عيب، فله أن يرده للمشتري، سواء المشتري كان يعلم وجود عيب فيه أو كان لا يعلم. فالقضية، صحيح بمثله عالم المشتري عادة، لكن البائع ما حكمه نفس الشيء.
نعود فنقول: إذا وجد المشتري بما اشتراه عيبًا يجهله، فالمشتري مخير بين رد المبيع بنمائه المتصل، طبعًا نماء متصل ومنفصل، صار فيها خبرة عندكم؛ ما هو النماء المتصل وما هو النماء المنفصل؟ فالمشتري عليه أن يرد السلعة بنمائها المتصل، وعليه هو نفسه أجرة الرد، ويرجع بالثمن كاملاً ويأخذ ثمنه كاملاً من البائع. والخيار الآخر هو إمساكه وأخذ الأرش. اكتبوا انتهت المسألة.
الآن هو يريد أن يخبرك ما الذي يحدث في خيار العيب؛ المشتري مخير بين رد السلعة على البائع أو إمساكها وأخذ الأرش. خلونا نتفق مع بعض، لما العقد صحيح، عرفنا أن السلعة تنتقل للمشتري والثمن ينتقل للبائع، وفي محاضرة البارحة عرفنا أنه بمجرد انتقال السلعة للمشتري أصبحت ملكًا للمشتري، وبمجرد انتقال الثمن للبائع أصبح ملكًا للبائع، مثل خيار المجلس وخيار الشرط، حكينا البارحة.
الآن المشتري اشترى هذه السلعة المعيبة وهو ليس عارف أنها معيبة، وعاد بها إلى منزله. الآن هي في هذا الوقت ملكه، لأن عقد البيع في النهاية صحيح، لكن السلعة فيها عيب المشتري لا يعلمه بعد، فالسلعة الآن في ملكه. بما أن السلعة في ملكه، إذًا عليه ضمانها وله نماءها المنفصل، زي ما قلنا البارحة بالضبط، عليه ضمانها الكامل؛ يده عليها هي الضمان، هو ضامن لها كاملاً، باختصار هي سلعته.
وفي المقابل له نماءها المنفصل، أي النماء المنفصل الذي هو مثل الشاة وولدها. أما النماء المتصل فهذا يبقى متصلاً بالسلعة، فإذا أراد المشتري أن يرد السلعة عليه أن يرد النماء المتصل، كالسمنة التي حدثت في الشاة أو في الناقة مثلاً.
يعني أنا مشتري اشتريت ناقة، وهذه الناقة كما حكينا في رجلها عوج، وأنا كمشتري مش عارف، أخذت هذه الناقة، وما شاء الله هذه الناقة جلست عندي أسبوع وسمنت، وأنا أطعميها لكي تصبح ممتازة، بعد أسبوع اكتشف المشتري وجود العيب فقرر أن يرد الناقة. الآن الناقة زادت عند المشتري وبفضل الله ثم بفضل المشتري أنه أطعمها، فالمشتري لما يريد أن يرد السلعة لأنه اكتشف فيها عيبًا، يرد الناقة وعليه أن يرد معها النماء المتصل. لا يمكن للمشتري أن يقول للبائع: اسمع، ترى هذه الناقة سمنت عندي، أريدك أن تعوضني، لا، النماء المتصل نقول له هذا ليس لك، بما أنك تريد رد السلعة تردها وترد النماء المتصل وليس لك تعويض عنه. أما النماء المنفصل، ففرضًا هذه الناقة ذهبت إلى هذا المشتري وهذا المشتري ركزوا...
عنده فحل، فهذا الفحل وطئ هذه الناقة، وهذه الناقة بعد كم شهر أنجبت، فلاحظوا الحمل كله وقع عند المشتري؛ لأن هناك مسألة بس ما بدي أشكلها عليكم الآن، خلينا فيما نحن فيه.
الناقة حملت عند المشتري بفحل من عنده وأنجبت، هذه الناقة صار عندها ولد ما شاء الله. هنا الآن هذا الولد اسمه نماء منفصل، إنه هو منفصل عن أمه، شيء منفصل بما أن السلعة التي هي الناقة كانت في ملك المشتري، فالنماء المنفصل هو له؛ لأنه كانت عليه ضمانها فله نماؤها المنفصل.
فإذا بعد سنة، نفرض بعد سنة اكتشف المشتري أن البائع قد خبأ عليه عيبًا في هذه الناقة، فبعد سنة المشتري رد هذه الناقة على البائع، أراد أن يرد السلعة، فالبائع قال له: اسمع، بدك ترد السلعة؟ بدي والله الولد الذي نتج عندك. المشتري يقول له: إيش علاقتك في هذا الولد؟ هذا نماء منفصل لي، ليس لك علاقة به، أنت فقط خذ سلعتك وأعطني المال. فلذلك يقول الحنابلة: المشتري مخير بين أن يرد السلعة ويرد معها النماء المتصل، هذا الذي يلزمه أن يرده كالسمنة، وأما المنفصل فهذا حق للمشتري لا يطالب به.
ثم أعطاك الشيخ مرعي حكمًا أنه إذا أراد المشتري أن يرد السلعة، فعملية أو أجرة ردها للبائع إذا احتاجت لأجرة بتكون على المشتري؛ لأنك أنت يا مشتري أنت الذي تريد فسخ العقد. عملية إرجاعك للسلعة إذا احتاجت أجرة، مثلاً يريد أن يرد الناقة للبائع، يعني عملية الناقة حتى ترجعها للبائع بدك تجيب ربما شاحنة ضخمة وتخرج الناقة عليها، أو أن الناقة تصعد عليها ويغلق عليها، وهذه الشاحنة الضخمة هي التي تنقل الجمل وترد للبائع.
الآن صاحب الشاحنة يريد أجرة، هو لا ينقل الناقة مجانًا، ممن سيأخذ الأجرة؟ أجرة نقل الناقة وردها إلى البائع، هل سيأخذها من البائع كون العيب كان عنده؟ أم سيأخذها من المشتري؟ الحنابلة يقولون: الأجرة على المشتري؛ لأنه هو الذي قرر الفسخ، هو صاحب القرار فهو الذي يتحمل الأجرة، لذلك قال: وعليه أجرة الرد.
الآن رد المشتري السلعة ونماءها المتصل للبائع ويأخذ من البائع الثمن كامل، هذه هي الحالة الأولى: أن يرد السلعة ويرد معها النماء المتصل ويأخذ الثمن.
الخيار الثاني أن يمسك السلعة، يعني يقول: أنا لا أريد أن أفسخ، خلص أريد أن أمضي البيع، لكن أريد تعويضًا. طبعًا ممكن يسامح بالتعويض هو حر، لكن الشرع يثبت له حق التعويض أن يمسك السلعة ويطالب البائع بالأرش، وهو التعويض.
ما هو الأرش أحبائي؟ ذكرنا سابقًا أن الأرش هو الفرق بين قيمة السلعة وهي سليمة من العيوب، وبين قيمة السلعة السوقية وفيها ذلك العيب. النسبة بين قيمة السلعة الصحيحة وبين قيمتها معيبة بهذا العيب، هذه النسبة تسمى أرشًا، ننظر في هذه النسبة وننزلها على الثمن الذي وقع عليه البيع، فنعرف قيمة التعويض من خلال هذه النسبة.
شو معنى هذا الكلام يا شيخ؟ خلينا نطبق، سهل جدًا. الأرش هو النسبة بين قيمة السلعة صحيحة وبين قيمتها معيبة. طبعًا لأن الأرش قد يختلف تعريفه باختلاف الأماكن، لكن هنا اكتبوا: النسبة بين قيمة السلعة، ولاحظوا أني استخدمت القيمة، والقيمة غير الثمن، النسبة بين قيمة السلعة الصحيحة وبين قيمتها معيبة بهذا العيب.
خلوني أطبق لكم مثالًا على قضية هذه الناقة، هذه الناقة العرجاء. الناقة السليمة من العيوب تمامًا، هذه الناقة لو كانت سليمة من كل العيوب كم سعرها؟ كم قيمتها؟ كم القيمة السوقية لها؟ خمسة آلاف دينار. هذه الناقة نفسها لو كانت عرجاء وفيها هذا العيب، ما قيمتها؟ هذا العرج في قدمها، قال والله بتنزل قيمتها بتصير أربعة آلاف، أو خلوني أمثل لكم حتى أسهل عليكم أكثر، بتصير ألفين وخمسمئة.
نقول ما هي النسبة بين الخمسة آلاف وهي قيمتها صحيحة، وبين الألفين وخمسمئة وهي قيمتها معيبة؟ قل لي والله النسبة بينهم النصف، يعني قيمتها بتنزل للنصف مع هذا العيب، ممكن مع عيب آخر تنزل للثلث، ممكن مع عيب آخر تنزل لأقل من ذلك بحسب العيب. بهذا العيب نزلت للنصف، فقيمتها صحيحة من كل العيوب خمسة آلاف، وقيمتها معيبة بهذا العيب ألفين وخمسمئة، فالنسبة بين الخمسة آلاف والألفين وخمسمئة هي النصف.
الآن نذهب إلى الثمن، لأننا عرفنا سابقًا أن الثمن ليس هو القيمة. القيمة هي قيمة السلعة في السوق، والثمن هو ما طلبه البائع من المشتري. ممكن أن البائع يطلب من المشتري ثمنًا مساويًا للقيمة، ممكن يطلب البائع ثمنًا أعلى من القيمة، وممكن يطلب ثمنًا أقل من القيمة، فبالتالي هنا نريد أن نرجع للعقد نفسه، نقول تعال يا بائع، بكم بعت هذه الناقة المعيبة لهذا المشتري؟ فقال: والله يا شيخ إني بعتها على أنها بأربعة آلاف.
ركزوا، البائع باع هذه الناقة المعيبة للمشتري بأربعة آلاف، طبعًا هي قيمتها السوقية وهي معيبة ألفين وخمسمئة، لكن البائع مثلاً يريد أن يخدم هذا المشتري، المهم أن البائع في الواقع باع هذا المشتري ناقة معيبة بأربعة آلاف دينار، هذا هو الثمن.
الآن نأتي للمشتري: أنت يا مشتري اشتريت هذه الناقة على أنها سليمة من العيوب بأربعة آلاف، لكن الواقع اكتشفنا أنك اشتريت ناقة فيها هذا العيب، العرج. فنقول قيمة هذه الناقة معيبة ألفين وخمسمئة، وقيمتها صحيحة خمسة آلاف، والنسبة بين قيمتها معيبة وبين قيمتها صحيحة هي النصف. أنت كمشتري اشتريتها على أنها سليمة، يعني الأصل أنها خمسة آلاف، لكن أنت اشتريتها على أنها سليمة والثمن الذي دفعته أربعة آلاف، يعني البائع خادمه أو ربما البائع ضحك عليه، هي قيمتها صحيحة خمسة آلاف، والبائع باعها على أنها صحيحة بثمن أربعة آلاف، فالمشتري إذا قال والله البائع خادمني، والله هذه الناقة صحيحة خمسة آلاف...
هو الثمن الذي طلبه أربعة آلاف، والثمن أقل من القيمة، إذاً أنا ربحان، فالمشتري ربحان ومبسوط. اكتشف بعدين أنها معيبة، فبده الآن يرجع، فالآن نقول: يا ترد السلعة وبترد، يا إنك بتمسك. إذا بدك تمسك السلعة وتخليها عندك تطالب بالأرش.
فلما أجينا نحسب الأرش، أولاً نظرنا في القيمة؛ القيمة السوقية خمسة آلاف، والقيمة المعيبة بألفين وخمسمائة. بنيجي على الثمن، اكتشفنا أن الثمن الذي طلبه البائع من المشتري هو أربعة آلاف. بنيجي بنقول: ممتاز، أربعة آلاف أنت ماخذها يا مشتري على أنها صحيحة، اكتشفنا أنها معيبة، النسبة بين قيمتها وهي صحيحة وقيمتها وهي معيبة هي النصف. هذه النسبة هي التي نخصمها من الأربعة آلاف، فالأربعة آلاف أخصم نصفها بتصير ألفين، هذا مقدار الأرش، التعويض الذي سيدفعه البائع للمشتري، وهو النسبة.
هذا هو مقدار التعويض الذي سيدفعه البائع للمشتري. الآن المشتري كما قلت لك قرر أن يمسك السلعة وهو بده الناقة، ما بده يرجعها، بس بده التعويض، التعويض راح يكون ألفين دينار. كيف حسبنا الألفين؟ ليش ألفين؟ بالطريقة التي قلتها لكم تأتي على القيمة أولاً. اكتبوا أنتم الخطوات: نبحث أولاً عن القيمة، قيمة السلعة وهي صحيحة وقيمتها وهي معيبة، ننظر الفرق بين القيمتين ونسميه النسبة؛ نصف أو ربع أو ثلث، وهنا كانت النصف.
ممتاز، بنحافظ عليها بنحطها على جنب، بنيجي للثمن الذي تم عليه الشراء. الشراء تم على أن السلعة صحيحة بثمن معين، كان الثمن عندنا في المسألة أربعة آلاف، اكتشفنا أن السلعة معيبة بالعيب الذي ذكرناه هنا، فنخصم من الأربعة آلاف النسبة التي هي النصف، فكم نصل أربعة آلاف؟ ألفين، فبتكون الألفين هو الأرش، التعويض الذي سيدفعه البائع للمشتري. ممتاز، فهمنا كيف نحسب الأرش يا رعاكم الله؟
جيد، إذا المشتري المخير بين أن يرد السلعة ويرد معها النماء المتصل ويأخذ ثمنه، وبين أن يمسك السلعة ويطالب البائع بالأرش، التعويض على الطريقة التي ذكرتها لكم. ممتاز، ثم قال: «إذا لاحظوا هذا هو الخيار الوحيد الذي فيه أرش»، مرمعنا أنه خيار المجلس، خيار الشرط، خيار الغبن، خيار التدليس؛ إذا المشتري بده يمضي العقد ويمسك السلعة ما بده يفسخ، ما فش له قرش، الأرش يثبت في خيار العيب.
جيد، إذا ويأخذ الأجر. ثم قال: «ويتعين الأرش مع تلف المبيع عند المشتري». الآن إخواني المشتري اشترى سلعة من البائع ولم يعرف أن فيها عيباً، عاد بالسلعة إلى بيته، ثم أراد أن يركبها أو يتصرف بها أو ما شابه ذلك، سبحان الله هذه السلعة وقعت من يده وتلفت، أو هذه الناقة -خلينا نمثل عن نفس هالناقة التي مثلنا عليها طول اليوم- هذه الناقة تلفت في يده.
الآن لاحظوا، المشتري اشترى الناقة وهو لا يعرف أن فيها عيباً، وهو عائد بها إلى بيته، وهو في بيته هذه الناقة ماتت، لأنها ماتت في ملك المشتري. المهم، المشتري هو ينظر في هذه الناقة وهو ميت، لاحظ أن في رجلها عيب، هذا مثال تقريبي، لاحظ أن في رجلها عيب، فاكتشف إذاً أن البائع باعه هذه الناقة وفيها عيب من دون أن يخبره. فهنا المشتري ما فش شيء يستطيع أن يرد للبائع، يعني أن يرد السلعة للبائع ذهب هذا الخيار؛ لأن السلعة ماتت، فالخيار الأول خيار رد السلعة انتهى لأن الناقة تلفت وماتت.
السلعة ذهبت، لكن ماذا يحق للمشتري؟ يحق للمشتري أن يطالب البائع بالأرش والتعويض إذا في حالة تلف السلعة في يد المشتري ثم عرف أنه فيها عيب ومشكلة. الآن خيار أن يرد السلعة ذهب لأنه السلعة تلفت في يد المشتري، لكن للمشتري الخيار في أن يطالب البائع بالأرش. يرجع للبائع يقول له: تعال، أنا الناقة تلفت عندي، صعب أرجعها لكن انتبهت ونبّهني العيب، تطلع في رجلها، ففعلاً ثبت أن البائع كان عنده هذا العيب، فهنا للمشتري أن يطالب البائع بالأرش بالطريقة التي تم حسابها. هذه الناقة قيمتها وهي صحيحة كم؟ وقيمتها وهي معيبة كم؟ نحسب النسبة بينهما، ثم ننظر في الثمن الذي تم عليه التعاقد، نخصم من هذا الثمن هذه النسبة، وانتهى الأمر له إذاً أن يطالب بالأجر. لذلك قال: «فإن تلف المبيع عند المشتري يتعين الأرش»، أو العكس، قال: «يتعين الأرش مع تلف المبيع عند المشتري».
الآن كلمة تلف إخواني بدي إياكم تعلقوا عليها. اكتبوا: قد يكون التلف تلفاً حقيقياً، وهو أن السلعة تفسد وتهلك عند المشتري، وقد يكون التلف يسمى التلف الحكمي. بشأن التلف الحكمي اختلف الحكم، صورته أنه المشتري لما رجع بالسلعة إلى بيته وهب هذه السلعة لزوجته أو لابنه أو لعمه أو لصديقه، تصرف بالسلعة؛ باختصار أي تصرف من هبة أو غيرها من التصرفات، تصرف أخرج السلعة عن ملكه.
هكذا فقط، بدك تكتب: تصرف المشتري في السلعة تصرفاً أخرج السلعة عن ملكه. أن هناك تصرفات ما تخرج السلعة عن ملكه، مثلاً أن يكون استأجرها لأن الإجارة ما تخرج السلعة عن ملكك، لكن عموماً تصرف المشتري في السلعة تصرفاً أخرج السلعة عن ملكه، فالسلعة الآن في حكم التالف، طبعاً هي ما تلفت واقعياً، لكن في حكم التالف لأنها انتقلت إلى يد أخرى.
فمثلاً كما قلنا هو وهب هذه السلعة لصاحبه وصاحبه قبلها وصارت ملكاً لصاحبه، الآن صاحبه وهو يقلب في هذه الناقة أو في هذا الجوال اكتشف أن فيه عيباً، فقال للمشتري: يا فلان ترى أنت وهبتني ناقة فيها عيب كذا وكذا. المشتري قال: مستحيل ما كان، قال له: إيه والله فيه هذا العيب. فجاء المشتري فلاحظ أن في هذا العيب وتأكد المشتري أن هذا العيب كان موجوداً عند البائع الأول.
فهنا المشتري سلعة تلفت عنده، يسمى هذا تلفاً حكمياً، أنه تصرف فيها تصرفاً أخرجها عن ملكه، بل أخرجها عن ملكه. هذا تلف حكمي، لكن له الحق في أن يعود للبائع؛ لأن البائع في النهاية هو غرر في السعر، وباعها على أنها صحيحة بهذا السعر، له أن يعود للبائع ويطالب بالأرش فقط بما أن السلعة قد خرجت عن ملكك أيها المشتري.
إذاً إذا تلفت السلعة عند المشتري تلفاً حقيقياً بأنها فسدت، أو تصرف فيها تصرفاً أخرجها عن ملكه، وهذا تلف حكمي، في هذه الحالة المشتري له خيار واحد: له الخيار أن يطالب بالأرش والتعويض. طيب، لكن انظر ماذا قال، قال: «ما لم يكن»؛ استثناء في هذه المسألة، قال: «ما لم يكن البائع علم بالعيب وكتمه تدليساً على المشتري»، فيحرم هذا الفعل أكيد من البائع.
ويذهب على البائع ويرجع المشتري بجميع ما دفعه له. الآن نحن عرفنا أنه إذا تلفت السلعة عند المشتري تلفاً حقيقياً أو حكمياً، فالخيار الوحيد له أن يطالب البائع بالأرش، ما عنده خيار رد السلعة.
لكن استثنى الحنابلة صورة؛ قالوا إذا كانت السلعة قد تلفت عند المشتري تلفاً حقيقياً وحكمياً، واكتشفنا أن البائع كان يعلم مسبقاً بوجود العيب لكنه كتمه وخدع المشتري تدليساً عليه، فهنا البائع فعل فعلاً حراماً، ونعاقبه ونعزره على هذا الحرام بحيث نقول للمشتري: لك الحق في أن تسترد كل المال الذي دفعته للبائع. والبائع إذا قال: أين سلعتي؟ نقول: تلفت سلعتك وليس لك الحق في شيء عقاباً لك؛ فهذا فيه نوع من العقوبات والتعزيرات، كأنه شكل من أشكال العقوبة المالية أو التعزير المالي على ما فعل.
أنت كبائع غششت المشتري والسلعة تلفت عند المشتري وفيها هذا العيب، والمشتري الأصل عرفنا أنه ليس له إلا أن يطالب بالأرش، لكن متى اكتشفنا أنه البائع كان يعلم بالعيب وكتمه ودلس على المشتري؟ فهنا نقول للبائع سنعاقبك، فالمشتري له الحق أن يسترد كل ماله، نرجع للحالة الأولى يأخذ كل الثمن؛ يقول: أنا أريد أن آخذ كل الثمن، له الحق أن يأخذ كل ثمنه. والبائع يقول: إذا أردت الفسخ أعطني سلعتي، هنا نقول: ذهبت عليك وليس لك أن تأخذ شيئاً مقابلها؛ معاقبة على ما فعلت. فهذا استثناء من هذه المسألة؛ كيف أنه يعاقب وللمشتري أن يعود بجميع ما له.
ثم قال: وخيار العيب على التراخي لا يسقط إلا إن وجد من المشتري ما يدل على رضاه، كتصرفه أو استعماله للسلعة لغير تجربة. الآن هذه قاعدة عامة إخواني؛ خيار الغبن هذه ليست خاصة بخيار العيب، لا، هذه للخيارات الثلاث، نقول خيار الغبن والتدليس والعيب، هذه الثلاثة على التراخي. ما معنى على التراخي؟ يعني تبقى ثابتة لصاحبها ولو لسنوات؛ فإذا أنا اشتريت سلعة وغُبنت أو غُششت أو اكتشفت فيها عيباً، فالخيار مستمر على التراخي وما في شيء يوقفه.
خيار المجلس متى ينتهي؟ بالتفرق بالأبدان. خيار الشرط متى ينتهي؟ بانتهاء المدة المعلومة. لكن خيار الغبن والتدليس والعيب ليس له نهاية، بل يبقى مستمراً إلا إذا وجد من المشتري ما يدل على رضاه أنه رضي بالسلعة على ما هي عليه. إذا وجد من المشتري ما يدل على أنه رضي بالسلعة على حالها هنا يسقط خيار الغبن والتدليس والعيب؛ لأن الرجل أمسكها وأراد أن يمضي الحال.
طيب، كيف يظهر من المشتري أنه رضي بالسلعة على حالها؟ قالوا: كتصرفه. والمراد بالتصرف هنا التعاقد، أن المشتري يعقد على هذه السلعة عقداً جديداً مع شخص. فإذا عقد المشتري على السلعة عقداً جديداً مع شخص بعد أن ثبت له خيار الغبن أو التدليس أو العيب -وهو لازم أن يعرف- في هذه الحالة هو تصرف بالسلعة؛ عقد عليها عقداً، مثلاً باعها لشخص آخر، أو وهبها لشخص آخر، أو وقفها، أو عمل فيها تصرفاً من التصرفات. نقول: هذا التصرف يدل أيها المشتري على أنك رضيت بها، فيسقط خيارك؛ يسقط خيار الغبن والتدليس والعيب، ولا يبقى لك أي خيار.
أو أنه استعملها لغير تجربة. وهنا نلاحظ أنه جعل الاستعمال غير التصرف؛ أحياناً التصرف في بعض السياقات يدخل فيه الاستعمال، لكن هنا فصل وجعل التصرف المراد به إنشاء العقود، والاستعمال للاستعمال الشخصي. أو أن المشتري إذا ثبت له الخيار استعمل السلعة استعمالاً شخصياً لغير التجربة؛ لأننا عرفنا في الدرس السابق أن استعمال المشتري للسلعة استعمال تجربة هذا لا يسقط حقه في الخيارات ليجربها، لكن إذا استعملها لغير التجربة -أي الاستعمالات الشخصية- فهذا أيضاً يدل على أنه رضي بالغبن والتدليس والعيب الذي وقع فيه.
إذاً ركزوا، متى يعلم المشتري هذا؟ في حال أنه علم أنه غُبن أو دلس عليه أو أن السلعة معيبة، ومع ذلك تصرف تصرفاً عقد عليه عقداً مع شخص آخر، أو استعملها لغير التجربة؛ إذا تصرف أو استعملها هذا يدل على رضاه فيسقط الخيار. أما إذا لم يتصرف تصرفاً ولم يستعملها لغير تجربة، أي لم يصدر منه ما يدل على رضاه، فهنا يبقى خيار الغبن والتدليس والعيب ساري المفعول.
ثم قال: لا يفتقر الفسخ إلى حضور البائع ولا إلى حكم الحاكم. هذه مثلها مثل خيار الشرط كما ذكرنا في الدرس السابق، وكذلك مثلاً خيار المجلس بشكل عام. هذه الفسوخ في كل الخيارات السابقة التي تعلمنا عنها، كل الخيارات التي تحدثنا عنها سابقاً واليوم لا تحتاج إلى حضور الطرف الآخر، ولا إلى حكم الحاكم؛ يعني ما نحتاج أن نذهب إلى قاضٍ ونتحاكم. من ثبت له خيار الغبن أو التدليس أو العيب له أن يفسخ مباشرة، حتى ولو لم يحضر الطرف الآخر، وحتى ولو لم يذهبوا إلى حاكم ليحكم، هذا لا يحتاج إليه.
ثم قال: ركزوا، والمبيع بعد الفسخ أمانة بيد المشتري. ركزوا في هذه الفكرة لأني سأعدل كلمة قلتها البارحة، كانت تحتاج مني إلى دقة أكبر. الآن بشكل عام سنعرف إن شاء الله من خلال دراستنا لأبواب المعاملات أن يد الإنسان على الشيء الذي تحت يده؛ لما يكون الشيء تحت يد الإنسان ويتصرف فيه، إما أن تكون يده عليه هي يد ضمان، وإما أن تكون يده عليه يد أمان.
يد الإنسان على ما يوجد عنده، لنقل شيئاً عندك موجود في البيت، يدك عليه إما أن تكون يد ضمان وإما أن تكون يد تسمى يد أمان. يد الضمان معناها أنك تضمن هذا الشيء مطلقاً، بحيث إذا تلف تعلق به حق الغير فأنت تضمنه مطلقاً؛ سواء تلف بتعدٍ أو تفريط منك، أو بدون تعدٍ أو تفريط. هذه هي التي تسمى يد الضمان؛ أن يضمن الإنسان ما تحت يده إذا تلف مطلقاً. أما يد الأمان، فأن يضمن ما تحت يده إذا تلف بتعدٍ أو تفريط فقط. ممتاز، إذاً يضمن بتعدٍ أو تفريط فقط. يد الإنسان على الشيء، مثل هذا الكرسي عندي.
يد الإنسان على الشيء إما أن تكون يد ضمان وإما أن تكون يد أمان، وهذا من الأحكام المهمة جداً؛ لأنها منتشرة ومتشعبة في الفروع الفقهية في المعاملات. ما معنى لما يقول لك فقهياً: يده على الشيء الضمان؟ خلاص احفظ، إذا قيل يده على الشيء الضمان؛ يعني أنه يضمنه مطلقاً إذا تلف، سواء تلف بتعدٍ أو تفريط، أو بدون تعدٍ أو تفريط. ولما يقول لك في كتب الفقه إنه يد فلان على الشيء يد أمان؛ معناته أنه هو في يده أمانة، فلا يضمنه إلا إذا كان تلفه بتعدٍ أو تفريط. طبعاً هذه إن شاء الله ستوجد أمثلتها منتشرة كما قلنا في الفروع الفقهية.
وين التعديل الذي أريد أن أعدله على كلمة قلتها البارحة؟ البارحة يا إخوان إذا تتذكرون وأنا أتكلم عن خيار المجلس وخيار الشرط، قلنا في أثناء مدة خيار المجلس وخيار الشرط إن السلعة أثناء مدة الخيارين تكون للمشتري، والثمن يكون ملكاً للبائع. قلت البارحة إنه في أثناء مدة خيار المجلس وخيار الشرط يكون ملك السلعة للمشتري وملك الثمن للبائع، وقلت: ماذا ينبني على أن السلعة في أثناء مدة الخيار ملك للمشتري؟ أنه ضامن لها وله نماءها المنفصل. هكذا رسمناها بالضبط، هكذا حكينا.
لما حكيت إن المشتري ضامن لها، كتبتُ وزدتُ: المشتري ضامن لها إذا تلفت بتعدٍ أو تفريط. لكن في الحقيقة لا، الأصل أن أقول: المشتري ضامن لها إذا تلفت مطلقاً، سواء تلفت بتعدٍ أو تفريط، أو بدون تعدٍ أو تفريط. هذا هو التعديل؛ لأنني قلت البارحة إن المشتري يده على السلعة هي يد الضمان، ويد الضمان معناتها أن هذه السلعة في ضمان المشتري مطلقاً، يعني هو ضامن لها فيما يتعلق بأمور الشخص الآخر، يضمنها سواء تلفت بتعدٍ أو تفريط أو بدون تعدٍ أو تفريط.
ففي خيار الشرط مثلاً، يكون خيار الشرط للبائع، وللبائع عشرة أيام والمشتري الآن السلعة عنده. نفرض أن هذه هي الصورة، أن خيار الشرط للبائع عشرة أيام والمشتري السلعة عنده. السلعة عند المشتري، إذاً هو يملكها كما يملكها خلال مدة الخيار، مش هكذا اتفقنا؟ قلنا ما معنى يملكها؟ أو ماذا يترتب على ملكه لها؟ أنه يده على السلعة هي الضمان، هي في ضمانه مطلقاً، وله نماءها المنفصل.
الآن هذا الضمان متى يظهر أثره؟ يظهر أثره إذا تلفت هذه السلعة عند المشتري، والبائع خلال مدة خيار الشرط طلب الفسخ وقال: أريد أن أفسخ. وهنا خلال مدة خيار الشرط، البائع قال: أنا أريد أن أفسخ، فالمشتري قال: والله السلعة تلفت. بنقول للمشتري: أنت يدك على السلعة يد ماذا؟ يد ضمان أم أمان؟ ونقول: يدك عليها هي الضمان لأن السلعة كانت في ملكك، فيدك عليها هي الضمان، فأنت تضمنها للبائع، أنت الآن ستضمنها للبائع مطلقاً. لا يوجد مجال تقول لي: والله تلفت يا شيخ من دون تعدٍ وتفريط، بنقول: بما أن يدك يد ضمان، عليك أن تردها للبائع سواء تلفت بتعدٍ أو تفريط أو بدون تعدٍ أو تفريط. هذا هو طبيعة يد الضمان.
جيد، فبدي إياكم فقط تكتبوا هذه الزيادة البسيطة، أن تقولوا: يده على السلعة هي الضمان، فيضمنها إذا تلفت مطلقاً بتعدٍ أو تفريط أو بدون تعدٍ وتفريط. هذا تعديل بسيط. الآن ما قصة هذا الموضوع ولماذا جئنا به الآن؟ معنا اليوم ما قاله الشيخ مرعي هنا: «والمبيع بعد الفسخ أمانة بيد المشتري». هنا الشيخ مرعي يعطينا قاعدة عامة تتعلق بالفسوخ، وهي أن المبيع بعد قرار الفسخ تكون يد المشتري عليه يد أمان وليست ضمان.
اختلفت الأمور إذا ثبت الخيار، أي خيار من الخيارات، إذا ثبت وصاحب الخيار قرر الفسخ، قال: أنا أريد أن أفسخ. متى ثبتت وصاحب الخيار قرر الفسخ؟ الآن السلعة في يد المشتري والثمن في يد البائع. إذا صار فسخ -ركزوا إذا اتفقوا على الفسخ وصار فسخ، طبعاً ليس هناك داعٍ لأن يتفقوا، لأنه كما حكينا صاحب الخيار يريد أن يفسخ فقط- إذا صار فسخ للعقد، خرجت السلعة عن ملك المشتري وخرج الثمن عن ملك البائع بمجرد أن يقرر صاحب الخيار الفسخ، لأنها الآن في طور الرد.
بمجرد ما يحدث الفسخ وتخرج السلعة عن ملك المشتري ويخرج الثمن عن ملك البائع، تصبح السلعة عند المشتري الآن يدها يد أمان؛ لأنها ليست ملكه وإنما هي أمانة عنده فقط تنتظر الإعادة. ويد البائع على الثمن يد أمان أيضاً، لأن الثمن لم يعد ملكه، العقد فُسخ وخرج عن ملكه وهو الآن في طور الرد، ينتظر عملية الرد. فبما أن يد المشتري ستصبح يد أمان، فمعنى ذلك أن هذه السلعة لو تلفت بعد الفسخ في يد المشتري فإنه لا يضمنها إلا إذا تلفت بتعدٍ أو تفريط، هذا حكم يد الأمان. وكذلك الثمن إذا تلف بيد البائع بعد الفسخ، فيده يد أمان، فلا يضمنه إلا إذا هلك بتعدٍ أو تفريط.
لاحظوا الأحكام الدقيقة؛ أنه قبل أن يتم الفسخ في كل الخيارات التي ذكرناها، السلعة كانت ملكاً للمشتري والثمن كان ملكاً للبائع، سواء في خيار الغبن والاسترساء، أو في خيار التدليس والعيب والمجلس والشرط، قبل أن يختار أحد الأطراف الفسخ، كانت السلعة ملكاً للمشتري والثمن ملكاً للبائع، فكانت يده عليها هي الضمان، يضمنها مطلقاً. لكن إذا قرر صاحب الخيار الفسخ، هنا انتهت ملكية المشتري للسلعة وانتهت ملكية البائع للثمن، فتتحول يده من يد ضمان إلى شيء اسمه يد أمان. وبالتالي لا يضمن المشتري السلعة إلا إذا تلفت بتعدٍ أو تفريط، ولا يضمن البائع الثمن إلا إذا تلف بتعدٍ أو تفريط. لذلك قال: «والمبيع بعد فسخه أمانة»، اكتبوا، وارسموا هذا الفرق بين يدي الأمانة والضمان، هذا مهم جداً.
ثم قال: «وإن اختلفا عند من حدث العيب مع الاحتمال ولا بينة فقول المشتري بيمينه». الآن يا إخوان هذه مسألة جديدة. قال: إن اختلفا عند من حدث العيب، يعني المشتري أخذ هذه الناقة وعاد بها إلى منزله -مثال الناقة الآن- ولما عاد إلى منزله انتبه أن هناك عرجاً في قدم الناقة، فهذا عيب، فرجع للبائع وقال: أيها البائع، ترى أنت بعتني هذه الناقة واكتشفت أنا أن فيها عيباً، فيها عرجاً.
البائع قال: مستحيل، هذا العيب لم يحدث عندي. أنت وأنت مروح بهذه الناقة في طريق العودة ضربتها بشيء، فالعيب حدث عندك وليس عندي. المشتري صرخ قال: بل هو عندك، أنا ما عملت فيها أي شيء. وبدأ الصراخ من الطرفين؛ البائع يقول العيب لم يحدث عندي، حدث عندك، والمشتري يقول العيب لم يحدث عندي بل حدث عندك. كل واحد يقول العيب ويلقي العيب على الآخر.
قال: إذا اختلفا عند من حدث العيب مع الاحتمال. كلمة "مع الاحتمال" ضعوا تحتها خط؛ أنه فيه احتمالية فعلاً لصدق البائع، وفي احتمالية لصدق المشتري. وفعلاً ممكن يكون المشتري هو عائد بالسلعة فضربها بحائط أو بشجرة فعرجت الناقة بسبب ذلك. ففي احتمال لصدقية البائع أنه العيب لم يحدث عنده وإنما عند المشتري، وفي احتمال لصدقية المشتري أنه العيب قديم حدث عند البائع. طبعاً إذا كان العيب حدث عند البائع قديماً يسمى هذا العيب القديم، وإذا ثبت أن العيب حدث عند المشتري هذا يسمى العيب الحادث.
المهم أن اختلفا عند من حدث العيب؛ المشتري يقول عند البائع، والبائع يقول عند المشتري، وفي احتمال لصدق البائع واحتمال لصدق المشتري ولا بينة، ما في بينة لطرف من الأطراف. إذا المشتري جاب بينة، شهود، أنعم به وأكرم، فالثابت بالبينة. أو إذا البائع جاء ببينة وأثبت أنه العيب حادث مش عنده، كان برضو أنعم به وأكرم. فمن أتى بالبينة قبلت بينته.
لكن المشكلة إذا كل واحد قال العيب عند الآخر ولا بينة لأحدهما، طب هل هنا قول مين سنأخذ؟ طبعاً قوله "ولا بينة" اكتبوا، أو "أتى كلاهما بالبينة" اكتبوا "ولا بينة" أو احتمال آخر أو أتى كلاهما بالبينة؛ ممكن يكون ولا واحد عنده بينة، وممكن يكون الاثنين أتوا ببينة؛ المشتري جاء بشهود والبائع جاء بالشهود، ولا تورطنا. إذا الورطة تكون سواء ما في بينة لأحدهما، أو هناك بينة لكليهما؛ لأنه خلص هذه بينة وهذه بينة فتتساقطان.
فماذا يحدث في هذه الحالة؟ إذا اختلفا عند من حدث العيب مع الاحتمال ولا بينة، فهنا عند السادة الحنابلة -وهذا ذكره عثمان النجدي على أنه من مفردات المذهب، يعني هنا الحنابلة يخالفون جمهور أهل العلم- يقول الحنابلة: القول قول المشتري بيمينه. القول قول المشتري بيمينه، بس أضيفوا قيد: بشرط ألا تكون السلعة قد خرجت عن يد المشتري إلى غيره.
يعتبر خلاص قول المشتري بيمينه إذا اختلفوا عند من حدث ولا بينة، أو كان هناك بينة للطرفين، فالقاضي يقول: القول قول المشتري بيمينه. هيك القضاء يحكم: "احلف أيها المشتري يميناً بالله أن العيب ما حدث عندك وأنه حدث عند هذا البائع، العيب قديم". فيحلف المشتري بالله سبحانه وتعالى ويقبل قوله باليمين، فنقول خلاص بما أنك حلفت بالله بينك وبين ربنا، نأخذ ظاهر أمرك، فنعتبر العيب قديماً وللمشتري خيار الرد، خلاص ثبت له خيار الرد.
لكن هناك كما قلنا قيد، وهو أنه يقبل قول المشتري بيمينه بشرط أن السلعة ما تكون طلعت من يدك، عن تصرفك. لأنه ممكن يكون المشتري أعطى السلعة لصاحبه، ممكن يكون مثلاً أعطى السيارة لصاحبه يروح فيها مشوار، فأنت أيها المشتري لما تحلف يميناً بالله أن العيب ما حدث عندك نقول لك انتظر، السلعة طلعت من يدك ولا ما طلعت؟ إذا قال والله طلعت، يعني أنا وديتها بالسيارة مع صاحبي لف فيها أو ودى بها زوجته على الطبيبة أو ما شابه ذلك، بتقول له لأ وقف، بما أنك اعترفت أن السلعة خرجت عن يدك ولو لبرهة، يعني قصيرة مع صاحب أو مع ولد أو ما شابه ذلك.
إذا يمكن يكون العيب حدث في السلعة وهي مع صديقك وأنت لا تدري، فعلى أي شيء تحلف؟ ممكن تكون السلعة غابت عنك باختصار في زمن من الأزمان، بما أن السلعة غابت عنك في زمن من الأزمان، إذا وقمت معطيها لغيرك، بالتالي يمكن أن يكون العيب حدث عند غيرك وأنت لم تعرف بذلك. فليس لك في هذه الحالة أن تحلف يميناً بالله أن العيب ما حدث عندك، أو أنه عند البائع، ليس لك ذلك. وإنما نعطيك هذه الأحقية إذا أثبت أن السلعة لم تخرج من يدك، فبنقول لك احلف يمينك بالله أن العيب ما حدث عندك وحدث عند البائع، ويثبت لك خيار الرد.
طيب، أما إذا لم يحتمل إلا قول أحدهما، قال: قبل بلا يمين. إحنا قلنا إن اختلف عند من حدث العيب مع الاحتمال، يعني في احتمالية لصدق البائع وفي احتمالية لصدق المشتري وما في بينة، وهناك بينة لكليهما، يقبل قول المشتري بيمينه إذا لم تخرج السلعة عن يده. لكن إذا لم يكن هناك احتمال لصدق الطرفين، بل ثبت بالقطع أنه أحدهما صادق والآخر كاذب، ما في احتمال لصدق كليهما، بل ثبت بالقطع أن أحدهما صادق والآخر كاذب، حينئذ سنتبع ما ثبت بالقطع واليقين.
إذا سقط الاحتمال لا يمكن أن نقبل كلا القولين، بل نقبل ما أثبته الواقع، لذلك قال: «وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما، قُبل قول من يصدقه الواقع». قُبل قوله بأن العيب لم يحدث عنده من دون الحاجة إلى أن يقسم يميناً. ما صورة هذا أحبابي في هذه القضية؟ يقولون مثلاً أعطيك مثالاً على قضية العبيد، أو خليني أعطيك مثالاً على شاة بما أنه شيء عملي أكثر: اشترى المشتري من البائع وعاد بهذه الشاة إلى بيته، والشاة مكثت عنده أسبوعاً كاملاً أو أسبوعين، فجأة المشتري يعود بالشاة إلى البائع ويقول له: انظر أيها البائع، هذه الشاة مجروحة وأنت لم تخبرني بهذا العيب.
ممتاز، عرفتوا شو صار؟ بعد أسبوع من شرائه، المشتري أمسك هذه الشاة ورجعها للبائع ويقول له: هاي فيها عيب، مجروحة، وأنت لم تخبرني بهذا العيب. البائع قال: يعني هذا العيب لم يحدث عندي، هذا الجرح عندك حدث خلال هذا الأسبوع. الآن نظرنا إذا اختلفوا الاثنين وتصارخوا وراحوا للقاضي، القاضي نظر في الشاة، فإذا كان جرح الشاة طرياً جداً أو ما زال يخرج دماً، هذا دليل واقعي حقيقي أن هذه الشاة جرحت عند المشتري، لأن الشاة مش راح تجلس أسبوعاً كاملاً وجرحها طري، يعني أنت اشتريتها قبل أسبوعين، حتى يكون مثالاً واقعياً أكثر، قبل أسبوعين أو قبل شهر وأخذتها لبيتك، مش راح يجوز الجرح في شهر أو أسبوعين وهو يبعث دماً.
طراوة الجرح وكونه يبعث دماً هذا دليل على أنه جرح جديد، واقعي على أن الجرح جديد، فبالتالي الصادق هنا هو البائع، لأن العيب ليس قديماً عنده بل العيب حدث عند المشتري. فيصدق البائع في أن العيب لم يحدث عنده، ولا يحتاج إلى يمين أصلاً.
نأخذ مثالاً بالعكس، الآن نفرض أنه البائع باع عبداً، خلينا هنا نرجع للعبد، البائع باع عبداً أو أمة، باع أمة للمشتري، المشتري ذهب بها إلى بيته، بعد أسبوع المشتري يكتشف أنه هذه الأمة لها إصبع سادس، لها إصبع سادس في يدها، وهذا عيب في الأمة أن تكون أمة إلى ست أصابع بدل خمسة، هذا شيء تكرهه النفوس، فهذا عيب في عرف الناس وفي عرف التجار.
فالمشتري أمسك هذه الأمة ورجع فيها على البائع، قال للبائع: اسمع، انتبهت لهذه الأمة وأنا ما انتبهت أن لها إصبعاً سادساً وهذا عيب، بدي أرد. فالبائع قال: لا، هذا العيب حدث عندك. المشتري قال له: يا عمي كيف الإصبع السادس طلع عندي خلال الأسبوع؟ هذا مع خلقتها، كيف يعني نشأ عندي هذا العيب؟ كيف يكون حادثاً عندي بعد عقد البيع؟ مستحيل.
فذهب الاثنان إلى القضاء، فالقضاء بالتأكيد سيحكم أن قول المشتري هو الحقيقة، أنه لا يمكن الإصبع السادس، يعني في العادة في طوائع الناس أنه ينبت وهي كبيرة، وهي ما شاء الله صار عمرها عشرين أو خمسة وعشرين سنة، هذا جاء معها في الخلقة. فهنا يحكم القاضي بأن قول المشتري هو الحقيقي أن العيب قديم، أن هذه الجارية من يومها في هذا الإصبع السادس، ولا يمكن أن يكون حدث عند المشتري، فيقبل المشتري من دون يمين.
فهذا معنى قوله: «وإن لم يحتمل»، يعني إذا ما كان هناك احتمال أن يكون كلاهما صادق، بل مئة بالمئة واحد صادق وواحد كاذب، سيقبل قول الصادق من دون الحاجة إلى يمينه تماماً.
طبعاً أنا كل ما أقول سأنهي اليوم باب الخيار يجد أنه يزحف بي، طيب لا أطيل عليكم أكثر من ذلك، الوقت استدركنا ساعتين تماماً. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما سمعنا وأن يجعله حجة لنا لا حجة علينا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل