بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة انتهينا من الشرط الثامن من شروط الصلاة، ووصلنا إلى الشرط التاسع وهو الشرط الأخير الذي ذكره الشيخ مرعي؛ فعرفنا أن شروط الصلاة تسعة: الإسلام، والعقل، والتمييز، والطهارة من الحدث مع القدرة، ودخول الوقت، وستر العورة مع القدرة، واجتناب النجاسة مع القدرة، واستقبال القبلة مع القدرة، والشرط التاسع والأخير النية.
والنية شرط لكل عبادة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى؛ فمرت معنا النية للوضوء، ومرت معنا النية للغسل، ومرت معنا النية للتيمم، وكذلك ستمر معنا النية في الصلاة، وستمر معنا النية في الصيام، وستمر معنا النية في الحج كما سيأتي، وستمر معنا أيضاً النية في الزكاة؛ كل هذا يشترط فيه النية. فالنية شرط لصحة كل عبادة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، لذلك تجدها تتكرر في العبادات.
دعونا ننظر ماذا ذكر الشيخ مرعي في هذا الشرط التاسع، فقال: التاسع النية ولا تسقط بحال. إذاً النية من الشروط التي لا تتعلق بالقدرة؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يعجز عنها، بينما استقبال القبلة، وستر العورة، واجتناب النجاسة، والطهارة من الحدث، علقها بالقدرة لأنه يتصور أن يعجز عنها الإنسان. أما النية فلا يتصور أن يعجز عنها الإنسان لأنها عمل قلبي، بالتالي لا تتعلق بالقدرة ويجب الإتيان بها على كل حال. فقال: ولا تسقط بحال؛ لينبه على أن النية ليست كالشروط المعلقة بالقدرة لأنه لا يعجز عنها.
ومحلها القلب. الآن بين لنا محلها؛ النية يا إخواني في جميع العبادات محلها فعلاً هو القلب، وعرفنا أن قاعدة الحنابلة المعتمدة عندهم في المذهب هي استحباب التلفظ بها سراً بصوت منخفض، وعرفنا الإشكالية وماذا ذكر صاحب الإقناع، وكيف أنه اتجه إلى تأييد ابن تيمية رحمة الله عليه في بدعية التلفظ بها في غير الحج؛ هذا سبق معنا لا أعيده. لكن أريدكم أن تحفظوا ما هو المعتمد عند الحنابلة: أن محل النية أساساً القلب فلا تجزئ نية من دون قلب، فالنية باللسان وحده لا تجزئ عنده، فأساس النية والمحل الأساسي لها القلب، وأما التلفظ بها باللسان فإنه يستحب سراً.
ثم قال: وحقيقتها العزم على فعل الشيء. هذا تعريف عام للنية سواء في العبادات، أو في المعاملات، أو في أمور الحياة. ما معنى النية؟ النية أن تعزم في قلبك على فعل شيء؛ هذا تعريف عام لا يختص بالأمور العبادية التي يتقرب بها إلى الله، بل النية في أي شيء في الحياة العزم على فعل الشيء. فإذا أردنا أن نجعل التعريف للنية تعريفاً شرعياً فنقول: النية العزم على فعل الشيء تقرباً إلى الله. فهذه هي النية في الشرع؛ النية بالمفهوم الشرعي هي العزم على فعل الشيء تقرباً إلى الله تعالى. وأما النية بالمفهوم العام في أمور الحياة فمعنى أنك نويت أنك عزمت على فعل الشيء. فالشيخ مرعي ذكر التعريف العام للنية، ونحن زدنا عليه "تقرباً إلى الله" حتى نعرف النية شرعاً.
ثم بين أن النية حتى تكون صحيحة مقبولة لها ثلاثة شروط: الشرط الأول الإسلام فلا تصح النية من كافر، والشرط الثاني العقل فلا تصح النية من مجنون أو من مغمى عليه أو من سكران، والشرط الثالث التمييز وهو سبع سنوات فصاعداً؛ فمن دون السبع سنوات هذا لا يعتد بنيته. لاحظوا النية هي الشرط التاسع من شروط الصلاة، وهي نفسها لها ثلاثة شروط حتى يعتد بها: الإسلام والعقل والتمييز، وهي الشروط الثلاثة الأولى للصلاة.
وزمنها أول العبادة أو قبيلها بيسير. إذاً النية لها موطنان: إما أن تأتي بها مقارنة لأول العبادة وهي التكبير مثلاً، أو تأتي بها قبيل الشروع في العبادة بوقت يسير. لكن بالنسبة للصلاة هناك يا إخواني ضابط لقضية "قبيلها بيسير"؛ يقول الحنابلة يجوز في نية الصلاة أن تكون مقارنة ويجوز أن تكون قبيلها بيسير، لكن إذا اخترت أن تأتي بالنية قبيل الصلاة المفروضة بيسير فيشترط أن يكون هذا بعد دخول وقت الصلاة المكتوبة.
فلو قلنا إن وقت صلاة الظهر يدخل الثانية عشرة والنصف ظهراً، فأنت لا يصح أن تقدم النية على تكبيرة الإحرام بزمن يسير قبل دخول الوقت؛ لأنك لو قدمتها بزمن يسير ستقع النية قبل دخول وقت صلاة الظهر. أما إذا دخل وقت الظهر وبعد نصف ساعة قمت إلى الصلاة، فهنا نعم تستطيع أن تأتي بالنية مقارنة لتكبيرة الإحرام، وتستطيع أن تأتي بالنية متقدمة على تكبيرة الإحرام بزمن يسير فقط، لأنه في هذه الحالة هذا الزمن اليسير هو في داخل وقت الظهر فلا حرج. والأفضل قرنها بالتكبير؛ صحيح قلنا إن قبيلها بيسير جائزة، لكن حتى نخرج من كل الإشكال فالأفضل والأولى قرنها بتكبيرة الإحرام.
وشرط مع نية الصلاة تعيين ما يصليه من ظهر أو عصر أو وتر أو راتبة، وإلا أجزأته نية الصلاة. ما معنى هذا الكلام؟ يعني إذا أردت أن تصلي ما هي النية المطلوبة منك؟ هي صفة النية. فيقول لك صفة النية للصلاة هي أن تنوي الصلاة، وأن تعينها إن كانت معينة. الصلوات المعينة مثل الصلوات المكتوبات، والنفل ذوات الأسباب، والنفل الذي حدده الشارع سبحانه وتعالى وأوقته وربطه بأوقات محددة مثل الوتر والراتبة؛ فهذه الصلوات المعينة لابد أن تعينها في نيتك.
أما إذا كانت الصلاة نفلاً مطلقاً فنكتفي بنية الصلاة فقط ولا نحتاج إلى تعيين، لأن النفل المطلق ليس معيناً فلا يتصور فيه التعيين. إذاً شرط مع نية الصلاة التعيين إذا كانت الصلاة من المعينات؛ فتنوِي صلاةً وتعينها، كأن تنوي صلاة ظهر أو عصر أو مغرب أو عشاء.
والوتر أو الراتبة. وإن لم تكن الصلاة معينة، نكتفي، خلاص نحتاج نية صلاة منك ولا نحتاج إلى زيادة على ذلك. هل يشترط في الصلوات المعينة أن أنوي أني أريد أن أصلي الظهر؟ أو أنوي أنها قضاء أو أنها فرض؟ يعني هل أحتاج زيادة على نية التعيين أن أنوي أن هذه الصلاة أداء ولا قضاء، أنها فرض، أو أستحضر نية النفل؟ لا، لا نحتاج إلى هذه النيات الزائدة.
فقال: ولا يشترط تعيين كون الصلاة حاضرة أو قضاء أو فرض. فبالتالي لو أنني نويت صلاة ظهر يكفي، لا أحتاج أن أزيد: والله صلاة ظهر حاضرة. هذه كونها حاضرة أو مقضية أو صلاة ظهر فرضاً لا تحتاج إلى هذه الزيادات. لا نحتاج باختصار إلى أن نعين أنها قضاء ولا أداء، أو أن أعين أنها فرض ولا نفل، أكتفي بتعيين الصلاة المعينة، نكتفي فيها بالتعيين.
فإذا قلت: أريد أن أصلي وتراً، بيكفي. ما في داعي أنك تنوي أنه الوتر نفل، لا تحتاج. أو أريد أن أصلي صلاة راتبة، خلص بيكفي، لا تحتاج أن تستحضر أنه الراتبة والله نفل، هذه وليست من المفروضات، فلا نحتاج زيادة شيء على التعيين. نكتفي بنية الصلاة وتعيين ما هي الصلاة إن كانت معينة، وانتهى الأمر. أما أن نعين أنها أداء أو قضاء أو فرض أو نفل فلا نحتاج إلى ذلك.
وبالتالي ماذا ينبني على ذلك؟ لو أن الشخص -أحبابي- جاء عليه وقت الظهر فصلى صلاة، يعني نوى أنني أريد أن أصلي الظهر قضاءً وهو في الحقيقة سيصليها أداءً، هذا لا حرج عليه وصلاته صحيحة، مع أنه نوى القضاء. تصوروا، يعني شخص دخل عليه وقت الظهر فقال: أريد أن أنوي صلاة الظهر قضاءً، مع أنه هو الآن فعلياً ليس قضاءً، أداءً، هل سيؤثر هذا على صحة الصلاة؟ لا. ليه؟ لأنه نية الأداء أو القضاء لا يلتفت إليها ولا يحتاج إليها، فحتى لو نوى قضاءً تصح منه أداءً ولا حرج في ذلك.
لكن لو أن الشخص دخل عليه وقت الظهر فنوى أن يصلي هكذا قال: أريد أن أصلي العصر، واستحضر في قلبه أنها عصر، فصلى وبعد أن انتهى من الصلاة قيل له: إيش صليت يا فلان؟ قال: صليت العصر. فقلنا له: ليه؟ هذا وقت الظهر، قال: والله ظننته وقت العصر فنويت في قلبي العصر. بنقول له: هل الصلاة هذه خلاص تجزئ عن الظهر؟ ما بينفع، بده يعيد من جديد. ليه؟ لأنه هو نوى صلاة عصر والوقت هو صلاة ظهر، فالتعيين وقع خطأ، تعيين الصلاة وقع خطأ فهذا يؤثر.
فلاحظوا أنه إذا أخطأ في تعيين الصلاة، هو دخل عليه وقت الظهر فتوهمه وقت العصر فنوى في قلبه أنها صلاة عصر، بنقول له: لا تنفع ولا تجزئ عن صلاة الظهر، النية خطأ. لكن لو هو عارف أنها وقت ظهر، فنوى صلاة ظهر لكنه نواها قضاءً وهي في الحقيقة أداء، هذا لا يؤثر، لماذا؟ لأنه نية الأداء أو القضاء أو الفرضية أو النفلية لا يحتاج إليها، وأما التعيين لأنها ظهر أو عصر يحتاج إليه، فلذلك أثر. تبنا أحبابي جميل.
إذاً، وشرط المعينة الصلاة تعيين ما يصليه من ظهر أو عصر أو وتر أو راتبة، وإلا -أي وإن لم تكن معينة- كانت نفلاً مطلقاً، أجزأته نية الصلاة، ولا يشترط تعيين كون الصلاة حاضرة أو قضاء أو فرضاً أو نفلاً، هذا كله لا يحتاج إليه.
جميل، ثم بعد أن انتهى من تفصيل الأحكام الأساسية للنية من حيث صفة النية ووقت النية وشروط النية ومحل النية وحقيقتها، أعطانا النية بالنسبة لصلاة الجماعة، فبين لنا أنه صلاة الجماعة يحتاج فيها إلى نية إضافية، ما هي؟ قال: وتشترط نية الإمامة للإمام والائتمام للمأموم. يعني إذا كنت بتصلي صلاة جماعة، فنحتاج منك إلى نية إضافية أنك إذا كنت الإمام نحتاج منك أن تنوي أنك إمام لمن خلفك، وإذا كنت مأموم أن تنوي الائتمام بالإمام الموجود أمامك ممتاز.
فإذا كان هناك صلاة جماعة نحتاج إلى نية إضافية، ما هي؟ تقول الإمام يحتاج إلى أن ينوي أنه إمام، والمأموم يحتاج أن ينوي أنه مؤتم بهذا الإمام، فإذا لم توجد نية لا تصح صلاة الجماعة. إذا لم توجد نية من الإمام -يعني الإمام صلى لكن قال: أنا والله ما نويت أني إمام- عند الحنابلة لا تصح جماعته، والمأموم إن قال: والله يا عمي أنا دخلت المسجد ورأيت رجلاً يصلي بالناس فدخلت معهم لكن لم أنوِ ولم أستحضر أنني متبع لهذا الإمام، نقول أيضاً لا تصح جماعته. فشرط صلاة الجماعة أن ينوي الإمام الإمامة وينوي المأموم الائتمام، فهذا شرط لابد من تحصيله، تمام. إذاً نية الإمام للإمامة ونية المأموم للائتمام شرط لانعقاد صلاة الجماعة.
ثم قال: وتصح نية المفارقة لكل منهما. الآن ما زال يتكلم عن أحكام النية للجماعة، عرفنا أن صلاة الجماعة شرطها أن ينوي الإمام الإمامة والمأموم الائتمام، ممتاز، الآن دخلوا في صلاة الجماعة، هل يمكن للإمام أو للمأموم أن ينوي مفارقة الجماعة؟ لاحظوا الآن الجماعة انعقدت الحمد لله، الإمام نوى الإمامة، المأموم نوى الائتمام، ومشت الأمور والجماعة يصلون. الآن هل يمكن للإمام أو للمأموم أن ينوي مفارقة الجماعة؟ إيش قال؟ قال: وتصح نية المفارقة لكل منهما لعذر يبيح ترك الجماعة.
الآن أحبابي إن شاء الله لما نيجي لباب صلاة الجماعة سنتعرف على أمور وأحوال يتعرض لها الإنسان تبيح له ترك صلاة الجماعة وأن يصلي منفرداً، يعني صلاة الجماعة عند الحنابلة واجب، لكن يسقط هذا الواجب في أحوال تعرض للإنسان: كأن كان مريضاً، كأن كان في شدة نعاس يخشى منها أن يصلي وهو نائم، أو كان مثلاً في عمل مهم جداً محتاج إليه ويحتاج إليه عياله ويحتاج أن ينجزه، إذا كان عدو يلاحقه. المهم هناك أعذار ستأتي معنا تبيح ترك الجماعة. جيد، فيقولون إذا شرع الإمام والمأموم في صلاة الجماعة وعرض لأي واحد منهما ما يبيح له ترك الجماعة فيجوز له أن ينوي المفارقة ويخرج عن هذه الجماعة ويكمل الصلاة وحده.
مثل لنا يا شيخة: الآن جماعة تصلي، المأموم عرض له عذر من الأعذار التي تبيح ترك الجماعة، كان عرض عليه مرض شديد وهو يصلي مع الإمام، أصابه مغص شديد جداً وشعر أنه يتقيأ وغثيان، فلا يستطيع الآن أو بحرج ومشقة يستطيع أن يكمل هذه الجماعة. فنقول لهذا المأموم: يجوز لك أن تنوي المفارقة، نعم أن تنوي المفارقة، يعني أنا الآن صحيح نويت أن أئتم بك أيها الإمام لكنني مرضت، فأريد أن أنوي المفارقة وأخرج عن جماعتك، أكمل الصلاة وحدي وأنصرف، هذا جائز. ما دام أن هناك عذر من مرض مثلاً.
من الأعذار أيضاً التي تبيح نية المفارقة للمأموم إطالة الإمام، يعني أحياناً بعض الأئمة سامحهم الله يطيل، يبدأ بقراءة سورة البقرة والمأموم قد يكون عنده حاجة ملحة، أمه مريضة، أو هناك موعد في أو هناك عملية جراحية، والإمام ما شاء الله بدأ في البقرة وقرأ صفحتين وثلاث وأربع. المأموم لما شعر أن الإمام سيطيل قرر أن ينوي نية المفارقة، فيفارق الجماعة ويكمل الصلاة وحده وينصرف. هل هذا جائز؟ نعم هذا جائز، إذا كان فعلاً هناك عذر أن الإمام أطال وأنت عندك مهمات ووظائف تريد أن تنجزها.
إذاً وتصح نية المفارقة لكل منهما. ولاحظوا أن نية المفارق أيضاً تصح للإمام، يعني كما أن المأموم يصح أن يفارق، كذلك الإمام يصح أن يفارق، لربما الإمام عرض له أيضاً مرض شديد أثناء الصلاة، أو تذكر موعد في مشفى مهم جداً لا يستطيع أن يؤخر، فاضطر الإمام باختصار لسبب من الأسباب التي يعذر بها أن يفارق الجماعة ويكمل الصلاة وحده، هل هذا جائز عند الحنابلة؟ نعم جائز. فنية المفارقة تجوز للإمام وتجوز للمأموم متى وجد عذر يبيح ترك الجماعة. هذه هي القاعدة.
طيب ما هي الأعذار التي تبيح ترك الجماعة بالتفصيل؟ هذه تأتي معنا إن شاء الله في باب صلاة الجماعة. إذاً وتصح نية المفارقة لكل منهما إماماً أو مأموماً لعذر يبيح ترك الجماعة. والشيخ ابن عوض يقول: كمرض أو غلبة نعاس، يعني الإمام شعر بغلبة نعاس شديدة بده يسقط، فنوى المفارقة، أكمل الصلاة وحده وذهب إلى بيته لينام، هذا عند الحنابلة جائز لا حرج فيه، إذاً لعذر يبيح ترك الجماعة.
ويقرأ مأموم فارق في قيام أو يكمل، وبعد الفاتحة له الركوع في الحال. الآن هو يصور لنا صورة أن المأموم هو الذي فارق، هذا هو العادة، يعني أن الإمام يفارق شوي صعب كما يقولون. لكن المأموم هو اللي يفارق، هذه متكررة ووقعت في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. صورة المسألة الآن: المأموم فارق الجماعة لعذر من الأعذار، بده يكمل الصلاة وحده، طب ماذا يفعل؟ قالوا: ويقرأ مأموم فارق في قيام. يعني إذا هذا المأموم فارق الإمام أثناء القيام، يعني إيه؟ كبر الإمام لصلاة الظهر وبدأت الجماعة، في الركعة الأولى وهم قائمون قرر المأموم أن يفارق لعذر من الأعذار، عرض له مرض، فالآن ماذا يلزم هذا المأموم؟
يقول الحنابلة: إذا فارق المأموم الجماعة في أثناء القيام، ننظر هل الإمام قرأ الفاتحة ولا لسه ما قرأها؟ إذا كان الإمام للسماء قرأ الفاتحة، فالمأموم الذي فارق ويريد أن يكمل وحده يلزمه أن يقرأ الفاتحة، يلزمه أن يقرأ الفاتحة. طيب إذا الحالة الثانية: إذا كان الإمام قرأ نصف الفاتحة والمأموم اضطر أن يغادر ويكمل الصلاة وحده ونوى المفارقة، فالمأموم الآن لا يعيد قراءة الفاتحة من جديد، بل يكمل على قراءة الإمام، فلو الإمام وصل إلى منتصف الفاتحة المأموم يكمل من حيث وصل الإمام. طيب إذا كان الإمام انتهى من قراءة الفاتحة وكان المأموم معه، وبعد أن فرغ منها الإمام المأموم فارق، فالمأموم فارق بعد قراءة الإمام للفاتحة كاملة، في هذه الحالة أحبائي، في هذه الحالة المأموم لا يلزمه أن يقرأ شيئاً إذا فارق، بل يستطيع الاكتفاء بقراءة الإمام السابقة ويركع مباشرة.
إذاً هناك ثلاث أحوال إذا فارق المأموم الجماعة أثناء القيام، هذه الأحوال الثلاث تنبني على ما الذي أدركه المأموم من قراءة الإمام للفاتحة. إذا أدرك المأموم مع الإمام كل الفاتحة، فبمجرد أن يفارق الإمام يستطيع المأموم أن يركع مباشرة، لأنه خلص ركن الفاتحة سبعة مع الإمام، فيستطيع المأموم أن يركع مباشرة. طيب إذا أدرك المأموم مع الإمام نصف الفاتحة أو ربعها، فإذا فارقه فإنه يكمل من حيث وصل، يعني الإمام وصل للآية الثانية المأموم بعد ما فارق يكمل من الآية الثالثة فصاعداً. إذا المأموم ما أدرك شيئاً من الفاتحة مع الإمام، يعني بمجرد ما الإمام حكى الله أكبر وقرأ الاستفتاح المأموم فارق، فلم يدرك شيئاً من الفاتحة مع الإمام، هنا المأموم يلزمه أن يقرأ الفاتحة كاملاً إذا فارق، تمام؟ فهذه الصور الثلاث.
قال: ويقرأ مأموم فارق في قيام أو يكمل، وبعد الفاتحة له الركوع في الحال. فطبعاً الكلام شوي فيه إجمال من الشيخ مرعي وأنا فصلت لكم الصور، فتقولون: ويقرأ مأموم فارق في قيام، إيش يعني معنى ويقرأ مأموم فارق في قيام؟ يقصد الشيخ مرعي أن المأموم الذي فارق الإمام في أثناء القيام وكان الإمام لم يقرأ شيئاً من الفاتحة بعد، المأموم عليه أن يقرأها كاملة. هذا معنى ويقرأ مأموم، ويقرأ مأموم الفاتحة كاملة إذا فارق الإمام في القيام وكان الإمام لم يقرأ شيئاً منها بعد. الحالة الثانية قال: أو يكمل، إيش يعني أو يكمل؟ يعني يكمل المأموم قراءة الفاتحة إذا كان الإمام قرأ جزءاً منها ثم فارق المأموم بعد ذلك. قال: وبعد الفاتحة له الركوع في الحال، لا يلزم المأموم لا يلزم المأموم أن يقرأ شيئاً في حال المفارقة في القيام إذا كان الإمام قد انتهى من قراءة الفاتحة. يعني إذا المأموم أدرك الفاتحة كاملة مع الإمام ثم فارق الإمام لا يلزم المأموم أن يقرأ شيئاً ويستطيع الركوع في الحال. فهذه ثلاث صور للمسألة أرجو أن تكون اتضحت لكم، أن كلام الشيخ مرعي لربما فيه شيء من الاختزال.
جيد، ثم قال: ومن أحرم بفرد، مسألة جديدة هذه، ومن أحرم بفرد ثم قلبه نفلاً. طبعاً إخواني هناك قضية ربما لم أنبهكم عليها في المسألة السابقة، إذا كانت الصلاة سرية، ممكن شخص يقول: يا شيخ هذه الصور الثلاث التي ذكرت لنا إياها إذا كانت الصلاة جهرية مفهوم، أنه يستطيع المأموم أنه يعرف هل الإمام قرأ الفاتحة أو قرأ جزءاً منها أو لم أقرأ منها شيئاً. طب إذا كانت الصلاة سرية مثل الظهر أو العصر، ماذا يفعل؟ هنا يقول الحنابلة: إن ظن المأموم أن إمامه قرأ الفاتحة في صلاة السر، القضية ستبدأ الآن على الظن، إذا ظن المأموم أن الإمام قد قرأ الفاتحة في السر قبل أن يفارقه المأموم هنا لا يلزم المأموم القراءة عند المفارقة ويستطيع أن يركع في الحال. وأما إذا لم يظن ذلك بل وقع في شك خمسين بالمية خمسين بالمية، أو ظن أن الإمام لسا ما قرأها، في هذه الحالة إذا فارق المأموم عليه أن يقرأها عليه أن يقرأها، ويصعب في حالة صلاة السر أن تأتي الصورة الثانية، وهي أنه المأموم يقدر والله أن الإمام وصل عند الآية الثانية أو الثالثة أو الرابعة إلا إذا كان الإمام.
بعض الأئمة يرفع صوته أحياناً في صلاة السر، وهذا كان يفعله النبي ﷺ؛ إذ يرفع صوته بشيء من الفاتحة أو بشيء من القراءة، فيسمع من وراءه فيعرف أن الإمام وصل إلى منتصف الفاتحة أو قبلها بقليل أو بعدها بقليل. باختصار إذا كانت الصلاة سرية فدعونا نفصل الأحوال؛ إذا كانت الصلاة سرية والمأموم لا يسمع شيئاً من قراءة الإمام، كأن كان في الصف الثالث أو الرابع، فهنا نقول: إذا غلب على ظن المأموم أن الإمام قد قرأ الفاتحة كاملة قبل أن يفارقه، ففي هذه الحالة يستطيع المأموم أن يبني على هذا الظن؛ فإذا فارق الإمام وركع مباشرة فله ذلك، ويعتمد على الظن ويكفي. أما إذا لم يصل إلى غلبة الظن بأن الإمام قد قرأ الفاتحة، وفي هذه الحالة متى فارق الإمام ولم يكن يسمع شيئاً من قراءته، فعليه أن يقرأ المأموم الفاتحة كاملة ثم يركع بعد ذلك حتى نتحقق من أنك أتيت بركنية الفاتحة.
هل يمكن أن يكون المأموم سمع جزءاً من الفاتحة مع الإمام في صلاة السر؟ نقول: ممكن ذلك إذا كان المأموم قريباً في الصف الأول، وكان الإمام من النوع الذي صوته مرتفع قليلاً. فممكن المأموم سمع الإمام قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ثم المأموم فارق الإمام وهو الآن متأكد أن الإمام وصل لمالك يوم الدين؛ فحينئذ يستطيع أن يكمل ويبني. فالقضية في النهاية مناطها أن يعرف المأموم أين وصل الإمام؛ ففي صلاة السر إذا ظن أن الإمام قد قرأ فيكفيه هذا، وأما إذا لم يصل إلى درجة الظن فعليه هو أن يقرأ حتى نتحقق من أداء ركنية الفاتحة. هذه الفكرة باختصار.
نعود للمسألة التي تليها، قال: ومن أحرم بفرض ثم قلبه نفلاً صح إن اتسع الوقت، وإلا لم يصح وبطل فرضه. هل يجوز ابتداءً أن أقلب نيتي بصلاة الفرض إلى نفل؟ أنا الآن دخل علي وقت الظهر فكبرت بنية الظهر (بنية الفرض)، هل يجوز لي عند الحنابلة أن أقلب فرضي إلى نفل؟ يقول الحنابلة ابتداءً -وهذا لم يذكره الشيخ لكني أذكره-: يكره قلب صلاة الفرض إلى نفل بلا غرض صحيح، لما فيه من إبطال للأعمال؛ فأنت شرعت بالفرض وليس لك غرض صحيح في تحويله إلى نفل. إذا كان هناك غرض صحيح حينئذ يجوز لك أن تقلب الفرض إلى نفل.
كيف يعني غرض صحيح؟ يعني إنساناً دخل المسجد ولم يجد أحداً فقال الله أكبر لصلاة الظهر وصلى منفرداً، وأثناء انفراده فجأة يجد الناس تدخل ويجد الإمام حضر وبدأ الناس يصلون جماعة، فهذا الرجل ابتدأ بصلاة الظهر منفرداً وهؤلاء الجماعة دخلوا بعده لعذر. في هذه الحالة نقول لهذا الإنسان: الأفضل لك أن تحول صلاتك الفرضية إلى نفل، وتُسلِّم وتلحق هؤلاء الجماعة، وتدخل معهم بالظهر من جديد حتى تدرك فضيلة الجماعة. إذاً هنا يوجد غرض صحيح، فالأفضل له أصلاً أن يحول نيته بالفرض إلى نفل وينتهي من الصلاة سريعاً ويلتحق بالجماعة. فلو سئلت ابتداءً عن قلب الفرض إلى نفل، ما حكمه عند الحنابلة؟ كقاعدة عامة نقول: يكره قلب الفرض نفلاً بلا غرض صحيح لما فيه من إبطال الأعمال، فإن كان هناك غرض صحيح في هذا القلب لم يكره، كما لو أحرم منفرداً ثم أقيمت صلاة الجماعة، فحينئذ الأفضل في حقه أن يقلب الفرض إلى نفل ويلتحق بالجماعة، بل حتى في تصحيح الفروع للمرداوي يقول: لو قيل بوجوب فسخ نية الفرض إلى نفل لكان هذا الرأي وجيهاً، ولكن لا يظهر أن هذا هو المعتمد في المذهب، المعتمد هو الأفضلية ولا تصل إلى وجوب الفسخ في هذه الصورة.
هناك حالة لا يجوز فيها قلب الفرض إلى نفل أبداً ويجب أن تكمل الفرض. هذه الحالة التي ذكرها الشيخ قال: ومن أحرم بفرض ثم قلبه نفلاً صح إن اتسع الوقت؛ فكلمة صح يتكلم فيها عن حكم وضعي، أي أن تحويل الفرض إلى نفل في سعة الوقت صحيح من حيث الحكم الوضعي، أما من حيث الحكم التكليفي فهو مكروه إن لم يكن غرض صحيح، وجائز ويصل أحياناً للأفضلية إن كان هناك غرض صحيح. فبدكم تفرقوا بين الحكم الوضعي والحكم التكليفي. فمن أحرم بفرض ثم قلبه نفلاً مع سعة الوقت، من حيث الحكم الوضعي هذا النفل صحيح. طب من حيث الحكم التكليفي؟ نقول مكروه إن لم يكن له غرض صحيح، وجائز ويكون في بعض الصور مستحب إن كان له غرض صحيح. قوله: إن اتسع الوقت، هذا في النهاية قيد يبين أن قلب الفرض إلى نفل إذا لم يتسع الوقت لا يصح ويحرم أيضاً؛ لذلك قال: وإلا لم يصح، أي وإن لم يتسع الوقت؛ فإذا قلبت فرضي إلى نفل وكملت النفل ولن يتسع الوقت لأداء الفرض مرة أخرى، في هذه الحالة يحرم قلب الفرض إلى نفل كحكم تكليفي، ولا يصح هذا النفل كحكم وضعي، وبنقول هذه الصلاة كلها باطلة، تلغيها مباشرة وعليك أن تشرع في الفرض من جديد.
إذاً الضابط: إذا لم يتسع الوقت لا يصح قلبه الفرض إلى نفل، ويبطل فرضه ونفله، وعليه أن يعيد الفرض مرة أخرى. هذا هو التفصيل في قضية قلب النية في الصلاة؛ لأن كثيراً من الناس يسألون: أنا شرعت في فرض ثم ظهر لي أن أقلبها نفلاً، فما هو المعتمد عندكم أيها الحنابلة؟ تعطيه هذه القواعد: إن كان هناك سعة في الوقت حتى تصلي هذه الصلاة نفلاً ثم تعيد الفرض مرة أخرى، فمن حيث الصحة والبطلان فعلك صحيح، ومن حيث الحكم التكليفي يكره إن لم يكن غرض صحيح، ولا يكره إذا كان هناك غرض صحيح بل قد يكون مستحباً. أما إذا ضاق الوقت، أي إذا قلبت الفرض إلى نفل سيضيق الوقت عن أداء الفرض مرة أخرى، في هذه الحالة قلبك الفرض إلى نفل لا يصح كحكم وضعي، والصلاة هذه باطلة وغير منعقدة وعليك أن تعيد الفرض مرة أخرى مباشرة، ويحرم أيضاً.
هكذا نكون انتهينا من الكلام عن شرط النية، ولعلنا نأتي إلى مسائل أوسع في الروض المربع بإذن الله، وأكتفي على ما ذكره الشيخ مرعي في هذا الشرط. هكذا انتهينا من الشروط التسعة لصحة الصلاة، عشنا معها ثلاث محاضرات، والتفصيل مهم وهي: الإسلام، والعقل، والتمييز، والطهارة من الحدث مع القدرة، ودخول الوقت، وستر العورة مع القدرة، واجتناب النجاسة مع القدرة، واستقبال القبلة مع القدرة، والنية.
للفائدة هذه الشروط التسعة منها ما هو شرط صحة فقط، ومنها ما هو شرط صحة ووجوب. شرط الوجوب والصحة في نفس الوقت هما العقل ودخول الوقت. فدخول الوقت شرط لوجوب الصلاة وشرط لصحة الصلاة، فلا تجب الصلاة قبل دخول وقتها ولا تصح قبل دخول وقتها. العقل، وأقصد بالعقل هنا خلاف الجنون، فمن كان مجنوناً لا تجب عليه الصلاة ولا تصح منه؛ فالمجنون لا تجب عليه الصلاة ولا تصح، وهذا معنى أن الصلاة تجب على المكلف والتكليف يقتضي البلوغ والعقل. أما من زال عقله بسكر أو نوم أو إغماء، فالصلاة واجبة عليه، ووجود العقل منه شرط لصحة الصلاة فقط؛ فالصلاة واجبة عليه ورجوع العقل إليه، لذلك هو سيقضي كما سيأتي معنا إن شاء الله أن المغمى عليه عليه أن يقضي، وهذا يدل أن الصلاة واجبة عليه في أثناء إغمائه. من نام طوال يومه هذا عليه أن يقضي، وهذا يدل أن الصلاة واجبة عليه. فالعقل شرط لوجوب الصلاة بمعنى أن المجنون فقط لا تجب عليه الصلاة، وشرط لصحة الصلاة، ولما أقول شرط لوجوب الصلاة فاعلموا أنني أقصد بذلك أن المجنون لا تجب عليه الصلاة. وأما الأحوال الأخرى لزوال العقل وهي الإغماء والنوم والسكر، فهنا عودة العقل أو وجود العقل شرط للصحة فقط وليس شرطاً للوجوب لأن الصلاة واجبة على النائم والمغمى عليه والسكران.
فعندما تأتوا للعقل أحب دائماً ترتيب الأفكار: زوال العقل إما أن يكون بسبب الجنون، أو بأسباب أخرى (إغماء، نوم، سكر، بنج). فإذا كان زوال العقل بسبب الجنون، فالعقل هنا شرط لوجوب الصلاة وشرط لصحتها. وإذا كان زوال العقل بسبب سكر أو نوم أو إغماء، نقول: هنا وجود العقل شرط للصحة وليس شرطاً للوجوب، بدليل وجوب قضاء الصلاة على النائم والمغمى عليه والسكران ومن شابههم. فالعقل بالنسبة للجنون شرط للوجوب وللصحة، وبالنسبة للأمور الأخرى شرط للصحة فقط.
شروط الصلاة تسعة، منها ما هو شرط صحة ووجوب، ومنها ما هو شرط صحة فقط. شرطا الصحة والوجوب هما دخول الوقت والعقل بالنسبة للمجنون، أما باقي الشروط الأخرى وهي الطهارة، والإسلام، وستر العورة، واجتناب النجاسة، واستقبال القبلة، والنية، والتمييز، فهذه شرط لصحة الصلاة وليست شرطاً لوجوبها. الإسلام شرط صحة فقط وليس شرط وجوب، عند الحنابلة الكفار مخاطبون بفروع الشريعة كما هم مخاطبون بأصولها، فصحيح أنني لن أطالب الكافر بأدائها في الدنيا حتى يسلم، لكن يوم القيامة سيتحاسب على الصلاة لأنها كانت واجبة عليه وكان المطلوب منه أن يسلم حتى تصح منه. فالإسلام ليس شرطاً لوجوب الصلاة بل هو شرط لصحتها، فلا تصح الصلاة من كافر لكنها واجبة عليه حتى يسلم.
كذلك النائم عندما يستيقظ، وكذلك السكران حينما يستيقظ. التمييز نقول شرط للصحة وليس شرط الوجوب. وهنا علينا أن ننتبه؛ لماذا؟ لأن الإنسان لا تجب عليه الصلاة حتى يبلغ، فالتمييز هذا شرط لصحة الصلاة، فلا تصح الصلاة من غير مميز. ولكن متى تجب الصلاة على الإنسان؟ إذا بلغ. فبالتالي أكيد التمييز ليس شرطاً للوجوب، بل هو شرط للصحة. وأما شرط الوجوب الثالث هو البلوغ.
فبالتالي أحبابي لاحظوا أننا استنتجنا الآن ما هي شروط الوجوب؛ عليك أن تكون عاقلاً، فلا تكون مجنوناً، فالعقل المقابل للجنون شرط وجوب، وأن تكون بالغاً، ودخول الوقت. وعرفنا أن دخول الوقت وإن سميته شرط وجوب لكنه عند الأصوليين لا يدخلونه أصلاً ضمن الشروط، وإنما يسمونه سبباً، لكن الفقهاء يدخلونه ضمن الشروط. فاستطيع أن أقول: إن دخول الوقت شرط للوجوب وشرط للصحة، والعقل الذي يقابله الجنون شرط للوجوب وشرط للصحة، والبلوغ شرط للوجوب فقط.
إذا نحن الآن يا شيخ اكتشفنا أن هناك أيضاً شرط وجوب فقط وهو البلوغ، يعني هناك ثلاثة أحوال: هناك ما هو شرط وجوب فقط وهو البلوغ، وهناك شرط صحة ووجوب وهو دخول الوقت والعقل الذي يقابله الجنون، وهناك شرط صحة فقط وهي باقي الشروط الأخرى. إذا لاحظوا كيف يا إخواني عملية النظر والتحليل الفقهي تخليك ترتب الأفكار أكثر؛ هناك شرط وجوب فقط وليس شرط صحة وهو البلوغ. فالبلوغ هو الذي يجعل الصلاة واجبة عليك، ولكن البلوغ ليس شرطاً لصحة الصلاة، فتصح الصلاة من غير البالغ.
هناك شرط وجوب وصحة وهو دخول الوقت والعقل الذي يقابله الجنون. وهناك شرط صحة فقط وهي الشروط الأخرى التي سنذكرها، مثل: التمييز شرط صحة فقط، الطهارة مع القدرة شرط صحة فقط، ستر العورة شرط صحة فقط، اجتناب النجاسة شرط صحة فقط، استقبال القبلة شرط صحة فقط، النية شرط صحة فقط. هكذا نكون رتبنا الأفكار فيما يتعلق بما هو شرط الوجوب فقط؟ بتقول لي البلوغ. ما هو شرط الوجوب والصحة في نفس الوقت؟ العقل الذي يقابله الجنون، ودخول الوقت. ما هي شروط الصحة فقط؟ باقي الشروط الأخرى.
الآن قال الشيخ عقد باباً جديداً سماه كتاب الصلاة. الآن أحبائي هذا الباب وهو كتاب الصلاة، لماذا هنا قال كتاب الصلاة؟ طب الذي أخذناه باب الأذان والإقامة وباب شروط الصلاة، أليست داخلة تحت كتاب الصلاة؟ في الحقيقة الذي يظهر لي والله أعلم؛ لأن الأذان والإقامة ولأن شروط الصلاة تكون سابقة على حقيقة الصلاة وماهيتها، فجعل كتاب الصلاة يتكلم عن الأمور المتعلقة بالصلاة مباشرة، بأجزائها؛ أركاناً وواجبات وسنناً ومكروهات وما يباح فيها وما لا يباح والصفة الكلية لها.
وما كان متقدماً على الصلاة وهو الأذان والإقامة وشروط الصلاة؛ لأن شروط الصلاة كما عرفنا أحبائي تكون متقدمة عليها. والفرق بين الشرط والركن سبق معنا أن الشرط خارج عن حقيقة الشيء مقدم عليه، وأما الركن فيكون داخل حقيقة الشيء. فلأن شروط الصلاة والأذان والإقامة تكون قبل الصلاة فصلها عن كتاب الصلاة وجعلها كالتوطئة إليه. ثم أتى بكتاب الصلاة ليتكلم فيه مباشرة عن ماذا؟ عن أركان الصلاة وواجباتها وسننها ومكروهاتها ومبطلاتها والأحكام المتعلقة بها كسجود السهو وصلاة الجماعة وما شابه ذلك. فهذا الذي يظهر لي في سبب فصله للشروط والأذان والإقامة عن الكتاب، وإن كان كثير من الحنابلة بل أكثر الحنابلة في الحقيقة لا يضعون عنواناً عريضاً كتاب الصلاة ويدخلون فيه الأذان والإقامة وشروط الصلاة. وهذه في النهاية اصطلاح في التصنيف ولا مشاحة فيه.
إذا صح الأمر، فكتاب الصلاة عرفنا لماذا جعله كتاباً مستقلاً بعد الأذان والإقامة والشروط، ولم يدخل الأذان والإقامة وشروط الصلاة تحت هذا الكتاب، فهمتم ذلك؟ الآن قال كتاب الصلاة، بدأ ببيان من الذي تجب عليه الصلاة، فانظروا ماذا قال واسمعوا الكلام جيداً وافهموا ماذا سأعلق عليه، قال: «تجب على كل مسلم مكلف، غير الحائض والنفساء».
الجملة الأولى أراد أن يبين من الذي يتعلق به وجوب الصلاة، لما نقول الصلاة واجبة، هذا الحكم التكليفي وهو الوجوب يتعلق بمن؟ يعني من المخاطب به؟ فقال: تجب على كل مسلم مكلف، طبعاً مكلف يعني عاقل بالغ، غير الحائض والنفساء. الآن نبدأ في الركن الأول أو الصفة الأولى، قال: تجب على كل مسلم، طب معنى هذا الكلام يا شيخ بما أنه قد تجب على كل مسلم إذا مفهوم المخالفة أن الكافر لا تجب عليه؛ لأن هذا الكلام أنها لا تجب على الكافر. وأنت قبل قليل لما تكلمت لنا عن أول شرط من الشروط التسعة وهو الإسلام، قلت لنا إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ومنها الصلاة، بالتالي الصلاة واجبة على الكفار، وفي الحقيقة هذا هو الكلام الصحيح عند الحنابلة، هو أن الصلاة تجب على الكفار ولكن لا تصح منهم حتى يسلموا.
طب ليش الشيخ مرعي يقول تجب على كل مسلم؟ إذاً هذا الكلام ليس بالصحيح كلام الشيخ مرعي. في الحقيقة أحبائي لا، ليست القضية بهذه النظرة. الفقهاء لما يتكلمون في كتب الفقه إنما يتكلمون عن الأمور العملية المتعلقة بالحياة الدنيا، والكفار في الحياة الدنيا نحن لا نلزمهم بالصلاة؛ يعني في الدولة المسلمة لو كان عندنا كفار أهل ذمة كاليهود أو النصارى، الآن هل الصلاة واجبة عليهم؟ لكن هل الإمام ملزم بأن يأمرهم بأدائها؟ لا، هو غير ملزم أن يأمرهم بأدائها لأنهم هؤلاء كفار. نحن نريدهم أن يسلموا، وعرضنا عليهم الإسلام، ما أرادوا أن يسلموا ورضوا بدفع الجزية وعاشوا في الدولة المسلمة الآن خلص، نحن ندعوهم للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة وهم رفضوا الإسلام، يتحملون مسؤولية أمورهم.
لكن يوم القيامة سيحاسبهم الله سبحانه وتعالى على تركهم أصول الدين الإسلام والتوحيد، وعلى تركهم أيضاً الفروع؛ على تركهم الزكاة والصيام والحج وهذه الأمور. بالتالي أثر وجوب الصلاة على الكفار لا يظهر في الحياة الدنيا، لذلك لا يهتم الفقهاء بتقريره، وإنما يظهر أثره في الحياة الأخرى. لأنهم في الحياة الدنيا لن نأمرهم ولن يأتي الحاكم يجبرهم على الصلاة، فلا يظهر أثر لمخاطبتهم بالفروع في الحياة الدنيا عموماً، وإنما أثر هذا يتعلق بالدار الآخرة، أنهم يوم القيامة لما يحاسبهم الله ويعذبهم سيحاسبهم على الأصول الدينية وعلى فروعها ومنها الصلاة. ومن هنا قالوا الكفار تجب عليهم الصلاة، لكن حتى تصح منهم لابد أن يسلموا.
ولأنهم كما قلنا من الناحية الدنيوية نحن لا نلزمهم ولا نجبرهم بها، الفقهاء يركزون على الناحية الدنيوية فقط ويتركون الناحية الأخرى عند الله سبحانه، فيقولون عندنا في الحياة الدنيا من الذي نأمره بالصلاة أمراً ويجب عليه وجوباً أن يؤديها؟ المسلم، المسلم هو الذي يجب عليه الآن أن يقوم بأدائها وهو الذي يأمره الحاكم بأن يصليها، وإذا لم يصلها ستأتي معنا الأحكام عند الحنابلة في تارك الصلاة تكاسلاً. ففي الحياة الدنيا من الناحية العملية الذي سنوجب عليه الصلاة دنيوياً المسلم، وأما الكافر فنحن نقول له ترى الصلاة واجبة عليك، لكن نحن في الحياة الدنيا لن نلزمك بأدائها لأنك لسا بدك تسلم، ما دمت تدفع لنا الجزية وتعيش ضمن شروط الدولة المسلمة. لكن يوم القيامة راح تحاسب عليها.
فالفقهاء كما قلت لكم لا يهتمون بالناحية الأخروية الآن لأنهم يتكلمون عن الأمور العملية الحياتية. فبالتالي لما يتكلموا عن وجوب الصلاة يقولوا تجب على المسلم من باب الاختصار وليس من باب أنهم لا يرون وجوبها على الكافر، بل الحنابلة يرون وجوبها على الكافر، لكن متعلق عقابه ومسؤوليته أخروي وليس دنيوي، فلذلك يغضون الطرف عنه. وهذا التفصيل مهم جداً لكم حتى تفهموا أن قوله تجب على كل مسلم لا يعني أن الكافر لا تجب عليه، لكن لأن متعلق وجوب الصلاة على الكافر أخروي لا يلتفتون إليه. فقط هذه الفكرة.
إذاً تجب على كل مسلم مكلف، الآن مكلف تشمل البالغ والعاقل، لكن العاقل هنا هو الذي يقابل الجنون فقط. غير البالغ لا تجب عليه الصلاة وهذه واضحة. وغير العاقل ما معنى غير العاقل؟ يعني المجنون فقط، هذا لا تجب عليه الصلاة أيضاً. فلو عاش إنسان مجنوناً لسنتين أو ثلاث هذا لا تجب عليه الصلاة، فإذا استيقظ من جنونه خلاص يبدأ من جديد. وأما من زال عقله بإغماء أو نوم أو شرب دواء مباحاً كبنج لعملية جراحية، أو شرب شيئاً محرماً كمسكر فزال عقله، كل هؤلاء تجب عليهم الصلاة، لكن لا تصح منهم في حال زوال العقل وننتظر أن يعود العقل حتى تصح منهم الصلاة. فهمتم بالتفصيل أحبائي؟ جميل.
إذاً تجب على كل مسلم مكلف، المكلف يعني البالغ العاقل، فغير البالغ لا تجب عليه الصلاة ولا يخاطب بوجوبها، وغير العاقل يعني المجنون فقط لا تجب عليه الصلاة ولا يخاطب بها. ممتاز؟ ثم استثنى مسلماً بالغاً عاقلاً لا تجب عليه الصلاة وهو الحائض والنفساء. الحائض والنفساء هي الشخصية الوحيدة المسلمة البالغة العاقلة التي لا تجب عليها الصلاة، بدليل أن الحائض لا تقضي الصلوات التي تركتها في أثناء حيضها، والنفساء لا تقضي الصلوات التي تركتها في أثناء نفاسها. ولو كانت الصلاة واجبة على الحائض أو النفساء لأقل شيء أمرناها بقضائها بعد أن تطهر، مثل المغمى عليه إذا استيقظ بده يقضي، وهذا دليل على وجوب الصلاة عليه، السكران بس يستيقظ بده يقضي وهذا دليل على وجوب الصلاة عليه، والنائم كذلك.
أما الحائض والنفساء فهل تقضي الحائض والنفساء؟ مر معنى أنها لا تقضي الصلوات التي تركتها في أثناء حيضها ونفاسها، وهذا يدل على أنها ليست مخاطبة بوجوب الصلاة ابتداء. فإذا قال تجب على كل مسلم مكلف غير الحائض والنفساء؛ فالحائض والنفساء وإن كانت مسلمة بالغة عاقلة لكن لا تخاطب بوجوب الصلاة استثناءً شرعياً.
ثم قال: وتصح من المميز. نحن عرفنا أن شرط الوجوب البلوغ، ولكن من هو دون البلوغ هل تصح منه الصلاة؟ تصح إذا كان مميزاً. لذلك لما ذكرنا شروط صحة الصلاة ما قال شروط صحة الصلاة البلوغ، لأ، قال شروط صحة الصلاة إسلام، عقل، تمييز، ليبين أن المميز فصاعداً حتى ولو لم يبلغ تصح منه الصلاة. فأكد هذه الفكرة هنا قال: وتصح من المميز. وهذه مرت معنا سابقاً. طب من هو المميز؟ قال: وهو من بلغ سبعاً. هذا نص صريح في بيان ضابط التمييز عند الحنابلة، أن التمييز هو من بلغ سبع سنوات قمرية، هذا الذي يسمى مميزاً عند الحنابلة.
طبعاً في خلاف في المذهب في هذه القضية، نعم؛ مثلاً بعض الحنابلة مال إليه المرداوي في الإنصاف، يرى أن التمييز لا ينضبط بالسن، وإنما التمييز ينضبط بصفات، متى ظهرت في الصبي عُد مميزاً؛ فيقولون من يفهم الخطاب ويرد الجواب ويحسن مخاطبتك ويفهم ماذا تقول ويرد عليك بشكل حسن، هذا هو المميز، كان عمره أربع سنين ولا عشر سنين. هناك قول آخر في المذهب لا يعتبر السن في التمييز؛ يقولون لك فيه أولاد يصل لثمانٍ لتسع سنوات وهو فعلاً ما زال كعمر الأربع سنوات، لا تجده يحسن جواباً ولا يفهم شيئاً من أمور دنياه. وهناك بعض الأطفال سبحان الله على الست أو الخمس سنوات يظهر عقلهم ويبدأ يكلمك ويحاورك ويفهم ماذا تريد منه ويحسن الجواب عليك، فهذا فعلاً مميز. فهناك رأي إذاً آخر في المذهب، هذا فقط من باب الفائدة، يرى أن التمييز لا ينضبط بالسن، إنما ينضبط بقدرة الطفل على فهم الخطاب ورد الجواب. لكن ليس هذا هو المعتمد في المذهب. المعتمد عند الحنابلة السن.
فالمميز من بلغ سبع سنوات. طب من أين أخذوه؟ أخذوه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «علموهم لسبع واضربوهم لعشر». فأكثر الحنابلة فهموا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم هنا أنه يريد أن يضبط لنا سن التمييز، لما قال علموهم لسبع يعني ما دون سبع لم يصل إلى مرحلة التعليم، بالتالي إذاً هو لم يصل إلى مرحلة التمييز في مفهوم الشرع، فاعتبروا هذا الحديث أصلاً في بيان سن التمييز.
إذاً وتصح من المميز، وهو من بلغ سبعاً. والثواب له، يعني المميز إذا صلى صلاة صحيحة توضأ وتعلم كيف يتوضأ وصلى صلاة صحيحة، هل يأخذ ثواباً؟ نعم يأخذ ثواباً حتى ولو أنه لم يكلف بعد. الله سبحانه وتعالى من واسع كرمه أنه لم يكتب إثماً على غير البالغين، لكنه يعطيهم ثواباً. لاحظوا رحمة ربنا سبحانه، لأنه غير البالغ لا إثم عليه لكنه إذا فعل أفعالاً خيرة يكتب له الثواب. فإذاً هو من بلغ سبعاً والثواب له، يعني إذا صلى الذي بلغ سبع سنوات قاعداً يأخذ ثواباً له ويسجل في صحيفته، نعم. ووليه ووالده الذي علمه يأخذ ثواب التعليم. جيد، ثم قال: ويلزم وليه أمره بها لسبع وضربه على تركها لعشر.
لاحظوا الحديث النبوي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «علموهم لسبع واضربوهم لعشر». فيقول ولي الصبي الذي بلغ سبع سنوات: يلزمه أن يأمره وأن يعلمه الصلاة لسبع، لكنه لا يبدأ بالضرب ولا يبدأ بالشدة ولا ينفر هذا الطفل من الصلاة. قال: «علموهم وأمروهم بالصلاة لسبع»؛ يعني حثوا وبينوا له أثر الصلاة وأهميتها في حياته، وعلمه كيف يتوضأ لها، وكيف يصلي صلاة بهدوء بخشوع، وعلمه أركان الصلاة ومبطلات الصلاة.
استغل يا أخي الكريم سنوات السبع والثمان والتسع في التعليم والإرشاد والحث. وأنا أظن أحبابي أن الأب أو الأم التي تجتهد ثلاث سنوات في التعليم والإرشاد والتنبيه والحث وتحسن التربية، لن تحتاج إلى الضرب في سن العاشرة، إلا في أحوال استثنائية لبعض الأطفال الذين عندهم عناد. أو حتى لو لم يكن عنده عناد، فربما في لحظة من اللحظات سها الطفل مع زملائه، ربما يؤنب تأنيباً أو تُقرص أذنه، فينبه على العشر بقرع زائد.
ممكن؛ لأن بعض الناس يقول لك: يا شيخ، الضرب على عشر سنوات كذا وحرام وطفل! أولاً أخي الكريم، النبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم، وهو يتحدث عن وحي الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى أعلم بمصلحة أطفالنا وأبنائنا منا. فلما تسمع «واضربوهم على تركها لعشر» ما يصيبك استنكار، فتقول: هل معقول نبدأ نضرب على ترك الصلاة وهو لساته صغير؟ اليوم للأسف بعض الناس أحبابي ابنه يبلغ ويقول لك: لساته صغير، ثم بعد ذلك لا يصلي هذا الابن، فيأتي يشكو: يا شيخ والله ابني صار عمره عشرين سنة ولا يصلي! فأقول له: كيف ربيت أخي؟ هل ربيت على الصلاة فعلاً؟ هل التزمت بوصية النبي صلى الله عليه وسلم «علموهم لسبع»؟ ولا لساته يا شيخ سبع سنين صغير مش مشكلة، وما صلى، وثمانية صغير، وتسعة صغير، وعشرة صغير!
علينا أن نفهم الأمر بتؤدة وبكل سهولة؛ سبع سنوات، ثمان سنوات، تسع سنوات: تعليم، أمر، حث. بلغ عشر سنوات؛ إذا الصبي بلغ عشر سنوات وما زال يتفلت من الصلاة، هناك ضرب، لكن ليس الضرب المبرح الذي يجعل الصبي ينفر من الدين، بل ضرب التعليم؛ قرص الأذن، ربما ضربة صغيرة على الرقبة، ضربة صغيرة على الظهر. المراد منها إشعاره معنوياً بأنه فعل شيئاً خطأ كبيراً جداً، إشعاره معنوياً بفداحة الأمر الذي ارتكبه؛ هذا هو المقصود من الضرب، وليس المقصود هو إيقاع الأذى بالطفل. لأن بعض الناس يظن أن الضرب يعني إيقاع أذى، فلا، ليس المقصود من الضرب إيقاع الأذى، وإنما المقصود إشعاره بتأنيب الضمير.
ولذلك العز بن عبد السلام رحمه الله عليه له كلام كبير في أحوال بعض الأطفال الذين قد يستجلب الضرب لهم في سن العاشرة نفوراً أكثر عن الصلاة. فيقول العز بن عبد السلام: متى وجد الأب أو الأم أن ضرب الابن على العاشرة يسبب نفوراً أكبر عن الصلاة، لا يضرب؛ لأن الشريعة معقولة المعنى، والمقصود من الضرب هو إشعار الطفل بأهمية الأمر وخطورة الترك، فإذا كان الضرب مآله ومفاسده أكبر، هنا لا تعيد الضربة، وهذه معقولية الشريعة في هذا الأمر. لا أطيل في هذه القضية، وإلا لي فيها كلام إن شاء الله في قابل الأيام إن كان في العمر بقية؛ ويلزم وليه أمره بها لسبع، وضربه على تركها لعشر.
ومن تركها جحوداً فقد ارتد. الآن يتكلم عن قضية تارك الصلاة؛ الآن إخواني تارك الصلاة على نوعين، تارك الصلاة إما أن يكون تاركها جحوداً، فهذا مرتد على كل المذاهب الفقهية. لكن هناك تفصيل عند الحنابلة في قضية من تركها جحوداً؛ يقولون: من جحد وجوب الصلاة ومثله لا يجهل وجوبها، كأن كان قديماً في الإسلام ويعيش في بلاد المسلمين، فهذا مرتد مباشرة؛ يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وعاد وأقر بوجوبها وإلا قتل.
الشخصية الثانية قالوا: من جحد وجوبها ومثله يجهل، كأن كان جديد الدخول في الإسلام، أو كان يحيا في مناطق البادية والغابات البعيدة عن تعاليم الإسلام؛ فمثل هذا فعلاً يمكن أن يجهل وجوبها فيجحد، فمثله يعرّف، فإن عُرّف بوجوبها وإجماع الأمة عليها وأنها من أركان الدين الأساسية، فأصر على جحودها؛ فهذا حينئذ يرتد.
فإذاً من تركها جحوداً نوعان: من جحد وجوب الصلاة ومثله لا يمكن أن يجهلها؛ كقديم العهد في الإسلام، صار له عشرين سنة مسلماً ويعيش في بلاد المسلمين؛ فهذا مثلنا لا يمكن أن يجهل وجوب الصلاة، فإذا جحد وجوبها ارتد مباشرة، فيستتاب ثلاثة أيام حتى يقر بوجوبها مرة أخرى، فإن فعل وإلا ضربت عنقه. وأما من جحد وجوبها ومثله يمكن أن يجهل، فهذا بدك تستنى شوي؛ مثل من؟ قالوا: كقريب العهد بالإسلام، شخص صار له ستة أشهر مسلماً، أو إنسان مسلم لكنه يعيش في مناطق نائية، في غابات اسكندنافية، أو يعيش في القطب المتجمد؛ ففي مناطق فعلاً هناك مبرر لجهلها بالإسلام. فأمثال هؤلاء لا يتسرع بالحكم بردتهم، بل علينا أحبائي أن نعرفهم أولاً بالوجوب؛ فإن أصروا بعد تعريفهم بوجوب الصلاة على جحدها، حينئذ يرتدون ويستتابون ثلاثة أيام. فهذا التفصيل بالنسبة للجحود. والشيخ مرعي نرى أنه لم يتطرق لقضية تارك الصلاة تكاسلاً، قال: ومن تركها جحوداً فقد ارتد وجرت عليه أحكام المرتدين التي سيأتي ذكرها إن شاء الله في باب الردة.
جاء تارك الصلاة تكاسلاً، يعني شخص قال: أنا مؤمن بوجوب الصلاة لكن ما بدي أصلي؛ هذا معنى تارك الصلاة تكاسلاً. الآن طبعاً هذه قضية فيها إشكالية عند المعاصرين؛ البعض يعتبر القول بتكفير تارك الصلاة تكاسلاً قولاً شديداً وفيه تغليظ، لكن هذا هو القول الذي يظهر أنه مذهب السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم. نعم هناك خلاف في المذاهب الفقهية المتأخرة فيه، لكن الذي يظهر من فعل السلف الصالح في العصور المتقدمة، في عصر الصحابة والتابعين، أن تارك الصلاة كلياً هذا كافر خارج عن الملة.
لكن أنا الآن لن أدخل في القضية الشائكة، أنا أريد أن أعطيكم ضابط الحنابلة في هذه القضية، وسأنهي بها اليوم؛ إن شاء الله في المحاضرة القادمة نبدأ دراسة أركان الصلاة وواجباتها. يقول الحنابلة -لاحظوا مذهب الحنابلة لأنه فيه تفصيل-: من ترك صلاة واحدة تكاسلاً فأوتي به إلى الحاكم؛ فالحنابلة يشترطون وجود الحاكم أو من ينوب عن الحاكم المسلم، يعني هيئة قضائية شرعية هي التي تتولى أمور التكفير في هذا الأمر، وليس أي إنسان يستعجل ويطلق الأمر جزافاً. الحنابلة عندهم ضوابط، يقولون: من ترك صلاة واحدة فدعاه الإمام أو نائبه القاضي إلى فعلها فامتنع وأصر على ألا يصليها، قالوا: فالإمام يمهله حتى يضيق وقت الصلاة الثانية عنها، بعد ذلك يحكم بردته.
ماذا يعني حتى يضيق وقت الصلاة الثانية عنها؟ سأعطيكم مثالاً حتى تفهموا؛ شخص دخل عليه وقت الظهر فامتنع عن صلاة الظهر، قال: أنا أؤمن بوجوب الصلاة لكن ما بدي أصليها؛ ليه؟ قال: أصلاً ما بدي أصلي. هذا الشخص أولاً يستدعى إلى القضاء الشرعي، فالحاكم يأمره بأداء الصلاة فيمتنع، الآن لا يحكم عليه بالردة مباشرة، القاضي يمهله، يعطيه مدة حتى يدخل وقت العصر ويمشي وقت العصر، وإلى أن يصل إلى مرحلة يضيق وقت صلاة العصر عنها، يعني عن صلاة العصر؛ إذا ضاق وقت الصلاة الثانية عن الصلاة الثانية -التي هي العصر- حينئذ يحكم الإمام بردته، ويستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب بفعل الصلاة وعاد لفعلها قبلت توبته وإلا ضربت عنقه.
طيب ليش يا شيخ استنيتم حتى دخل وقت الصلاة الثانية ومشيتم وقت الصلاة الثانية إلى أن ضاق عنها؟ يقول الحنابلة أحبائي من باب الإعذار وبلوغ أقصى طاقات الإعذار لهذا الرجل؛ نقول: لربما هذا الرجل عنده شبهة فيظن أنه يمكن أن يجمع الظهر مع العصر، فلذلك لا يريد أن يصليها الآن، وهذا كله فقط من باب السعة في الإعذار. إنه لعلك عندك شبهة وتريد أن تصلي الظهر مع العصر؛ طيب، نفتح لك مجالاً، لأنه هو ما حكى هيك، هو ما حكى إنه عنده شبهة، لكننا كقضاة نريد أن نعطيه سعة ونعتبر فرضاً أنه عنده شبهة حتى لا نتسرع في التكفير. لاحظوا الضوابط والكوابح التي توضع أمام هذه القضية، حتى تعرفوا أن هذا الشخص فعلاً معاند، معاند جداً لله ولرسوله ولأئمة المسلمين.
فإذا ضاق وقت صلاة العصر عن العصر، يعني لم يبق إلا دقيقتين، حينئذ نحكم عليك بالردة. طيب يا شيخ هذا في كل الصلوات؟ شخص ما بده يصلي العصر ننتظر حتى يدخل وقت المغرب ويضيق وقت صلاة المغرب عنها، نقول: نعم. طيب يا شيخ المغرب لا تجمع مع العصر، فبالتالي لا توجد شبهة أن الرجل يريد أن يجمع الظهر مع العصر، لكن المغرب لا تجمع مع العصر؟ يقول الحنابلة: لربما الرجل لجهله ظن أنه يمكن أن يجمع المغرب مع العصر، وكل هذا من باب فتح الآفاق والسعة في العذر؛ حتى لا يخرج حكم التكفير من القاضي إلا بعد استيعاب كل الطرق الممكنة. فلو أن شخصاً ترك العصر، القاضي يستدعيه: يا فلان صلِّ العصر، قال: ما بدي أصلي؛ ننتظر عليه، يخرج وقت العصر، ندخل وقت المغرب، نستمر حتى يضيق وقت صلاة المغرب عن أداء المغرب؛ في هذه الحالة إخواني الكرام إذا ضاق وقت الصلاة الثانية عنها، حينئذ نحكم بالردة.
كذلك شخص امتنع عن صلاة المغرب، هذه مشكلته ليست مع العصر والظهر، امتنع عن صلاة المغرب، يدعوه إمام المسلمين: يا فلان صلِّ المغرب، قال: ما بدي؛ طيب ننتظر عليه حتى ينتهي وقت المغرب، ويدخل وقت العشاء، وننتظر حتى يضيق وقت صلاة العشاء عنها، ونتكلم عن وقت الضرورة، حتى لا يبقى إلا دقائق معدودة وما عاد يكفي حتى لصلاة العشاء؛ إذا وصلنا إلى أن ضاق وقت الصلاة الثانية عنها، حينئذ يكفر هذا الإنسان أو يحكم الإمام بردته، فيستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب بأن عاد إلى الصلاة وأداها قبل منه، وإلا ضرب عنقه.
فهل الحنابلة يكفرون تارك الصلاة تكاسلاً؟ طبعاً أنتم سميتموه تكاسلاً، لكنه في الحقيقة ليس مجرد تكاسل، هو تكاسل معه عناد؛ لأنه لو كان هذا الشخص متكاسلاً، ويدعوه الإمام ويقول له: ترى يا فلان بدك تصلي، ما صليت بنعطيك مهلة بعدين راح نضرب عنقك، بنحكم عليك بالردة؛ هل يعقل شخص يعرض عليه السيف إذا لم يصلي ويبقى مصراً على عدم الصلاة؟ هذا في الحقيقة تسميته تكاسلاً أرى أن فيه شيئاً من التساهل، وإلا في الحقيقة هذا شخص معاند؛ يعني يعرض عليك سيف ويحكم عليك بالردة إذا لم تصلِّ وتصر على عدم الصلاة وتقول لي والله أنا تارك صلاة، هذا ليس تاركاً تكاسلاً، هذا تارك عناداً لله ولرسوله، حتى لو قال: أنا مقر بوجوبها، لكنه معاند لله ولرسوله، فيستحق هذا الحكم.
فالحنابلة إذاً ما يسمى تارك الصلاة تكاسلاً أو تارك الصلاة غير الجاحد لها، هل يكفر عند الحنابلة؟ نقول: نعم يمكن تكفيره بشروط، وإذا لم تتوفر الشروط والضوابط لا يكفر حتى عند الحنابلة. ما هي الشروط؟ أولاً: أن يدعوه القاضي أو الهيئة الشرعية في البلد، القاضي يأمره بأداء الصلاة الحاضرة، فإن لم يؤدها يمهله القاضي حتى يضيق وقت الصلاة التالية عنها، فإن لم يؤدها حتى ضاق وقت الصلاة التالية عنها، حينئذ يحكم بردته ويستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
وتفصيل أحكام كفر تارك الصلاة سواء جحوداً أو تكاسلاً -وعرفت أن تسميته تكاسلاً هو من باب التوسعة فانا أسميه عناداً- وفي المحاضرة القادمة حتى لا أطيل عليكم نشرح إن شاء الله في أركان الصلاة وواجباتها ومكروهاتها وسننها. وهذا نهاية المجلس، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل