الشرط السابع: اجتناب النجاسة. والمراد أن يجتنب المصلي النجاسة غير المعفو عنها في بدنه، أو في ثوبه، أو في بقعة يباشرها ببدنه أو ثوبه. فالنجاسة المعفو عنها، كيسير الدم بضابطه، لو كان على البدن أو على الثوب، فالصلاة تصح بوجودها، فراجعوا النجاسات المعفو عنها. فالمراد هنا اجتناب نجاسة غير معفو عنها في بدنه؛ فيجب أن يكون بدنك سليماً من النجاسات غير المعفو عنها. وفي ثوبه؛ فيجب أن تكون ثيابك سليمة من النجاسات غير المعفو عنها.
ثالثاً: في البقعة التي ستصلي عليها وستباشر هذه البقعة ببدنك أو ثوبك؛ لأنه إذا كانت هناك بقعة أمامك نجسة، لكنك لن تباشرها لا ببدنك ولا بثوبك، فإنها لا تؤثر على صحة الصلاة. بعض الناس يظن أنه إذا كان أمامه نجاسة على الأرض، مباشرة الصلاة تبطل؛ لا، طهارة البقعة المراد بها البقعة التي ستمسها ببدنك أو بثوبك، أما البقعة التي لن تباشر البدن أو الثوب فهذه لو كانت نجسة فلا تضر الصلاة. لذلك يقولون: الشرط السابع اجتناب نجاسة غير معفو عنها في بدن، وثوب، وبقعة تباشر البدن أو الثوب.
هذا ضابط البقعة: وبقعة تباشر، أي تلامس البدن أو الثوب، فإذا كنت أنت ستسجد وستضع يديك على الأرض، المكان الذي ستضع يديك على الأرض فيه وأنت ساجد يجب أن يكون طاهراً. لكن المنطقة التي بين صدرك وبين الأرض وأنت ساجد، هذه لو كانت نجسة لا تؤثر على صحة الصلاة، ما دام أن هذه البقعة لم يمسها شيء من الثوب ولا شيء من البدن. حتى لو كانت مواجهة لصدري وأنا ساجد، المهم في البقعة أن تمسها ببدنك أو بثوبك في جزء من أجزاء الصلاة، فهذه البقعة التي ستمسها ببدنك أو بثوبك في جزء من أجزاء الصلاة يجب أن تكون طاهرة، وأما ما سوى ذلك من البقاع حولك وأنت تصلي فلو كانت نجسة فإنه لا يضر.
ثم قال: مع القدرة، ليبين أن اجتناب النجاسة حاله حال ستر العورة؛ فهو منوط بالقدرة. فمتى عجز الإنسان عن إزالة النجاسة صلى على حسب حاله، فكما أن ستر العورة علقه بالقدرة، علق اجتناب النجاسة بالقدرة؛ لأنه فعلاً أحياناً تطرأ على الإنسان أحوال يعجز فيها عن اجتناب النجاسة، في هذه الحالة يصلي على حاله، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
لاحظوا أحبتي أن الإسلام، والعقل، والتمييز، ودخول الوقت، والنية (ستأتي معنا إن شاء الله النية الشرط التاسع)، هذه الخمسة لم يعلقها الشيخ مرعي بالقدرة. لأن الإسلام لا يوجد شيء يمنعك ويحجزك عنه، كل إنسان يستطيع أن يسلم حتى ولو بقلبه، إذا عجز عن التلفظ بالشهادتين أو أُكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، فالإسلام لا يناط بالقدرة لأنه كل إنسان يقدر على الإسلام. أما العقل والتمييز فلماذا لم يعلقه بالقدرة؟ لأن هذه الأمور ليست داخلة تحت قدرة الإنسان أصلاً؛ فأن يكون الإنسان عاقلاً أو مجنوناً هذا أمر يقدره الله عز وجل عليه، وأن يكون الإنسان مميزاً أو ليس مميزاً هذا أيضاً بناءً على السن الذي يصل إليه وهذا أمر يقدره الله سبحانه، فهو خارج عن مواطن قدرته. ودخول الوقت أيضاً هذا أمر يتعلق بحركات الأجرام السماوية وحركات الشمس وأمور في السماء فليست داخلة تحت القدرة، والنية لا يعجز أيضاً عنها أحد مثلها مثل الإسلام؛ فلذلك لم يعلقها بالقدرة.
فالاسلام والنية لا يوجد شيء يحجزك عنهما فلا يعلقان بالقدرة، كل إنسان يستطيع أن يحققهما ولو بقلبه. وأما بالنسبة للعقل والتمييز ودخول الوقت فهذه أمور أصلاً ليست داخلة تحت القدرة البشرية حتى نقول والله فلان قادر عليها أو ليس بقادر، بالتالي لم يعلقها بالقدرة. وإنما علق الطهارة بالقدرة، أن رفع الحدث أو إزالة الخبث هذا داخل تحت قدرتك. ستر العورة علقه بالقدرة لأن ستر العورة وعدم ستره هذا داخل تحت قدرته. اجتناب النجاسة علقه بالقدرة لأن هذا الأمر يتعلق بقدرتك. كذلك استقبال القبلة سيعلقه بالقدرة. فمتى عجزت عن الطهارة من الحدث، متى عجزت عن ستر العورة، متى عجزت عن اجتناب النجاسة، متى عجزت عن استقبال القبلة، هذه الشروط الأربعة المعلقة بالقدرة فإنها حينئذ تصح الصلاة ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
أريد منكم أن تخططوا فتقولوا: شروط الصلاة تسعة؛ خمسة منها ليست معلقة بالقدرة: الإسلام، والنية، والعقل، والتمييز، ودخول الوقت، وأربعة معلقة بالقدرة: الطهارة من الحدث، واجتناب النجاسة، وستر العورة، واستقبال القبلة. فالأربعة المتبقية، وهي الطهارة من الحدث، واجتناب النجاسة، وستر العورة، واستقبال القبلة، فهذه الأمور معلقة بالقدرة، فإذا سقطت القدرة عليها صحت الصلاة. إنسان لا يستطيع أن يستر عورته، يصلي عرياناً وصلاته صحيحة، إنسان لا يستطيع اجتناب النجاسة يصلي بالنجاسة والصلاة صحيحة، إنسان لا يستطيع أن يستقبل القبلة فإنه يصلي والصلاة صحيحة، إنسان لم يستطع أن يتطهر من الحدث لا بوضوء ولا بغيره يصلي صلاة فاقد الطهورين والصلاة صحيحة.
علق اجتناب النجاسة بالقدرة، فقال: اجتناب نجاسة لبدنه، وثوبه، وبقعته مع القدرة. فالآن سيعطيك حالة عجز وسيبين لك الحكم، قال: فإن حُبس ببقعة نجسة وصلى صحت؛ لأنه قلنا اجتناب النجاسة منوط بالقدرة، إن عجزت تماماً فالصلاة صحيحة ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. يعني إنسان سُجن في سجن، وهذا السجن كله ملطخ بالنجاسة، وهذه النجاسة بالتأكيد ستباشر ثوبه أو بدنه، إذاً ماذا يفعل؟ نقول له خلاص لا تصلي، تسقط الصلاة؟ كلا، صلي على حالك ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. فإن حبس ببقعة نجسة وصلى صحت، لكن الآن سيعطيك تفاصيل: إذا حبست ببقعة نجسة وصليت، فيقول لك الحنابلة عليك أن تنظر طبيعة النجاسة الموجودة. إن كانت النجاسة في هذه البقعة التي حبست فيها نجاسة يابسة جافة، فإنك حينئذ تركع وتسجد حتى ولو باشر بدنك أو ثوبك النجاسة ولا حرج. لماذا؟ لأنه بما أن النجاسة جافة لا يوجد وسط مائع تنتقل من خلاله إليك، فحينئذ لا حرج إذا حبست في مكان نجس أن تركع وتسجد حتى ولو باشرت النجاسة ببدنك أو ثوبك إذا كانت النجاسة يابسة.
أما إذا كانت النجاسة رطبة بحيث أصبح هناك وسط مائع تنتقل فيه النجاسة إلى بدنك أو ثوبك يختلف الحكم، انظروا ماذا قال؟ قال: لكن يومئ بالنجاسة الرطبة غاية ما يمكنه، ويجلس على قدميه. الآن هذا التفصيل يتعلق بالنجاسة الرطبة، إذا كان المكان الذي سجنت فيه أو حبست فيه مكاناً فيه نجاسة رطبة، في وسط مائع ستنتقل به إلى بدنك أو ثوبك، فحينئذ الحكم عند الحنابلة أنك لا تسجد، وإنما تومئ إيماءً بالسجود، تومئ إيماءً به ولا تباشر هذه الأرض النجسة التي حبست فيها ببدنك أو بوجهك أو بكفيك.
ثانياً: إذا جلست في هذه الصلاة، فإنك تجلس على قدميك ولا تجلس على فخذيك الجلسة المعتادة. الجلسة المعتادة أن يجلس الإنسان على فخذيه، هكذا نجلس سواء فيما بين السجدتين أو التشهد الأوسط أو التشهد الأخير؛ لا، في هذه البقعة النجسة لا تجلس على فخذيك. يقول الحنابلة: يجلس على قدميه حتى يتخفف من النجاسة قدر الإمكان، يعني كيف أصور لكم الجلوس على الأقدام؟ يعني إذا تخيلتم جلوس الكلب أحبائي، يعني هذا أقرب شيء يمكن أن نصوره في أذهانكم، الإنسان يجلس على قدميه يضع قدميه على الأرض، وتكون مقعدته وأفخاذه وسيقانه كلها مجافية عن الأرض. إذا تصورتم الصورة معي كيف يكون الإنسان واضع قدميه فقط على الأرض ومقعدته وفخذه وسيقانه تكون مرتفعة عن الأرض، هذا هو المراد؛ فالأقدام فقط هي التي تمس الأرض، وأما الفخذ والمقعدة وكل شيء فيك يكون مجافياً عن الأرض، والهدف من ذلك ما هو؟ تقليل النجاسة الواصلة إلى البدن أو الثوب قدر المستطاع.
فلذلك قال الحنابلة: من حبس في بقعة نجسة ننظر، إذا كانت هذه البقعة النجسة نجاستها يابسة، هذا يصلي الصلاة المعتادة ويسجد على الأرض ولو باشر النجاسة لأنها نجاسة يابسة، فلا حرج في مباشرتها لأنها لن تنتقل لعدم وجود الوسط المائع. لكن إذا كانت النجاسة رطبة، هنا في وسط مائع، فحينئذ لا تسجد وإنما تومئ إيماءً غاية ما يمكنه، يعني تسجد وتقترب، يعني تسجد بالإيماء غاية ما يمكنك، تقرب جبهتك من الأرض غاية المستطاع لكن لا تضعها، حتى لا تباشر النجاسة بجبهتك وبيديك. ثانياً: يجلس على قدميه، يعني الجلوس أيضاً لا يكون على الأفخاذ والسيقان، لا، الجلوس يكون على الأقدام فقط، وتكون السيقان والأفخاذ مرتفعة والمقعدة مرتفعة تقليلاً للنجاسة الواصلة إلى البدن. هذا في حالة أنك حبست ببقعة نجسة، أما إذا لم تحبس فبالتأكيد يجب عليك أن تبحث عن بقعة طاهرة، فهذا مثال على حالة العجز.
ثم الآن بدأ يفرع على قضية اجتناب النجاسة ويبين الأحوال، وبعض المسائل المتعلقة بها. فقال: وإن مس ثوبه ثوباً نجساً، أو حائطاً لم يستند إليه، أو صلى على طاهر طرفه متنجس، أو سقطت عليه النجاسة فزالت وحدها، أو أزالها هو سريعاً صحت. أعطانا أربع صور تصح فيها الصلاة مع ملامسة النجاسة، قد يتوهم الإنسان أنها تبطل الصلاة، لكن الحنابلة يقولون لا تبطل الصلاة. أولاً قال: وإن مس ثوبه ثوباً نجساً؛ إنسان يصلي عليه ثياب، ثوبه في الصلاة لامس ثوباً نجساً، إما ثوب رجل يصلي بجنبه نجس أو ثوب معلق نجس، المهم أنه ثوب منفصل عنه، أنا أصلي بثوبي وهناك ثوب نجس بالقرب مني، فهل تبطل صلاتي بملامسة ثوبي لهذا الثوب النجس؟ طبعاً يجب أن يكون هذا الثوب النجس نجاسته يابسة في الحقيقة، ليست مائعة؛ لأنه إذا كانت نجاسة مائعة ستنتقل نجاسة هذا الثوب إلى ثوبي. فإذا كانت النجاسة يابسة ومجرد لمس فقط، ثوبي يلمس هذا الثوب الذي عليه نجاسة يابسة، في هذه الحالة صحيحة. يقول الحنابلة: لأن النجاسة ليست على ثوبك، ولا على بدنك، ولا على بقعتك، وإنما على ثوب منفصل عنك، نعم إن ثوبك لامس هذا الثوب، لكن بما أنه ما في وسط مائع فالنجاسة لن تنتقل إليك، فبالتالي لا تعتبر حاملاً للنجاسة.
والذي يهمك ما عرفنا، أن تكون أنت أيها المصلي في بدنك أنت، وفي ثوبك أنت، وفي البقعة التي ستباشرها أنت، طاهر من النجاسة؛ أما إذا لامستها في ثوب آخر متصل بأن كان على إنسان، أو على حائط، أو ما شابه ذلك، فهذا لا حرج فيه. إذاً: وإن مس ثوبه ثوباً نجساً صحت، قال: أو حائطاً أيضاً نجساً لم يستند إليه؛ قال: صحت صلاته. لاحظوا في قضية الحائط أيضاً، الحائط قيد فيه قيد، قال: أو حائطاً نجساً لم يستند إليه؛ ففي الحائط فيه تفصيل، إذا كان الحائط...
أنت مستند إليه بكليتك، أصبح هذا الحائط كأنه بقعة لك، وهذه البقعة أنت ملامسها بثوبك؛ بالتالي لا تصح الصلاة إذا كان هذا الحائط نجساً وأنت مستند إليه ببدنك أو بثوبك. أما إذا كان الحائط لا، لست مستنداً إليه، وإنما مثلاً جدار المسجد أنت تصلي بالقرب منه وهذا الجدار عليه نجاسة وثوبك يلامس هذه النجاسة اليابسة، في هذه الحالة نقول: هذا الجدار أنت غير مستند عليه وعليه نجاسة يابسة لا تنتقل إلى ثوبك، فلو أن ثوبك لمسه في الصلاة لا تبطل الصلاة بهذا القيد أن لا تستند إليه. قالوا: إنه إذا استند إليه أصبح كأن هذا الجدار بقعة لك، هذا الفرق بين حالة الاستناد وحالة عدم الاستناد.
في حالة الاستناد قالوا: كأن هذا الحائط أصبح بقعة له، وقد لامسه بثوبه، ومن شرط الصلاة أن تكون البقعة التي ستلامسها ببدنك أو بثوبك طاهرة. وأما إذا لم تستند إليه فهذا ليس بقعة لصلاتك، فإذا عرضاً لامس ثوبك هذا الحائط الذي عليه نجاسة يابسة فلا تبطل الصلاة.
ثم قال الصورة الثالثة: عرفنا أن مس ثوبه ثوباً نجساً أو حائطاً نجساً لم يستند إليه، قال: أو صلى على طاهر طرفه متنجس. إنسان أتى بسجادة الصلاة ووضعها، هذه السجادة طاهرة، لكن سبحان الله طرفها متنجس، أحد أطرافها وقعت عليه نجاسة من بول أو ما شابه ذلك، فهل تصح الصلاة عليها؟ نعم، قالوا تصح الصلاة عليها إذا صليت على شيء طاهر من سجاد أو حصير لكن طرفه فقط هو المتنجس، وهذا الطرف أنت لن تباشره لا بثوبك ولا ببدنك، فصلاتك صحيحة ولا حرج، كأنك تصلي على أرض وهذه الأرض في طرفها نجاسة، وهذه النجاسة لا تباشرها ببدنك أو بثوبك، فنفس القضية.
الصورة الرابعة قال: أو سقطت عليه نجاسة فزالت أو أزالها سريعاً. إنسان يصلي وفجأة سقطت عليه نجاسة بغض النظر ما طبيعتها، فسبحان الله هذه النجاسة زالت سريعاً، مثل مثلاً جلد ميتة؛ جاء جلد ميتة سقط عليه ثم جاءت الريح فأبعدته عنك فزال وحده، أو أن جلد الميتة سقط عليك فأنت مباشرة أزحته بيدك، ففي هذه الحالة أيضاً صلاتك صحيحة. إذا سقطت عليك النجاسة فزالت وحدها أو أنت أزلتها في وقت سريع جداً أيضاً صلاتك صحيحة. فهذه صور أربع حدث فيها ملامسة للنجاسة لكنها لا تبطل الصلاة؛ لأن كل صورة لها علتها.
ففي قضية أن مس ثوبه ثوباً نجساً عرفنا لأن النجاسة منفصلة عنك، وكذلك حائطاً لم يستند إليه؛ لأن هذا الحائط أنت لم تستند إليه فهو ليس بقعة، والنجاسة عليه منفصلة عنك. أو صلى على طاهر طرفه متنجس قلنا هذا مثله مثل الأرض التي عليها نجاسة وأنت لا تباشرها ببدنك أو بثوبك، فليس لها علاقة في تأثيرها على صلاتك. أو سقطت عليك نجاسة فزالت أو أزالها سريعاً أيضاً هنا بما أنك أزلت النجاسة سريعاً أو سقطت النجاسة عليك من دون تعمد منك، والشريعة تقول: «المشقة تجلب التيسير». يعني إذا أنت أتيت بالنجاسة عمداً أكيد ستبطل الصلاة، لكن سقطت بدون إرادة منك، هنا الشريعة تعطيك مجالاً وسعة، فتقول لك: إذا رفعتها سريعاً لا نبطل صلاتك؛ لأنها لم تصاحبك.
ثم بعد هذه الصور الأربع قالوا: وتبطل إن عجز عن إزالتها في الحال. هو بنى على المسألة الصورة الرابعة والأخيرة؛ قضية أو سقطت عليه نجاسة فزالت أو أزالها سريعاً صحت، ثم قال: وتبطل إن عجز عن إزالتها في الحال. يعني إذا سقطت عليه النجاسة فلم تزل سريعاً لا هي زالت بنفسها ولا هو استطاع أن يزيلها سريعاً، فماذا يحدث؟ قال: تبطل الصلاة، إن عجزت عن إزالتها حاولت تزيلها حاولت تبعدها ما استطعت، هنا صلاتك تبطل وعليك أن تعيدها.
ثم ذكر صوراً أخرى أيضاً تبطل فيها الصلاة فقال: أو نسيها ثم علم، أو جهلها ثم علم. صورة نسيان النجاسة أو الجهل بالنجاسة صورة متكررة يسأل عنها كثير من عموم المسلمين ومن طلبة العلم، والحنابلة لهم فيها رأي خاص في المعتمد في المذهب وإن كانت هناك روايات أخرى أيضاً داخل المذهب. نبدأ بقضية النسيان، قبل الصلاة عرف أن على بدنه أو ثوبه نجاسة، عرف أن على بدنه أو ثوبه أو على البقعة التي سيباشرها نجاسة، عارف، سبحان الله لما جاء ليكبر نسي هذا الموضوع، يعني الآن هو أراد أن يشرع في الصلاة نسي تماماً موضوعه. هو بعينه رأى شخصاً بال على ثوبه أو رأى دماً غير معفو عنه على بدنه أو رأى دماً غير معفو عنه على البقعة التي سيباشرها، ولكن لما جاء ليصلي نسي الموضوع، صلى صاحبنا وبعد أن سلم من صلاته تذكر، قال: والله تذكرت مثلاً وهذا يحدث كثيراً أن السراويل الداخلية عليها نجاسة، أو امرأة تذكرت أن سراويلها الداخلية عليها آثار نجاسة. هل الصلاة صحيحة ونقول: خلاص بما أنك كنت ناسياً أثناء الصلاة غفر لك والصلاة إن شاء الله صحيحة ويعتد بها، ولا الحنابلة يقولون الصلاة باطلة؟ والحنابلة يقولون الصلاة باطلة باختصار، من كان يعلم أن هناك نجاسة ثم لما صلى نسي موضوعها تماماً وبعد الصلاة تذكر هذه النجاسة صلاته باطلة في المعتمد من المذهب، وعليه أن يعيد الصلاة من جديد.
وأما في موضوع الجهل فموضوع الجهل فيه ثلاث صور في الحقيقة: الصورة الأولى أن يجهل عينها، يعني شخص سقط عليه شيء أو جاء عليه شيء هو متأكد أنه جاء عليه شيء لكن لا يدري هل هذا الشيء طاهر ولا نجس، مش عارف والله هذه بول ولا ماء، فمن جهل العين ثم عرفها بعد الصلاة، يعني شخص جاء عليه كما قلنا شيء سائل على ثوبه فهو لا يعرف أهو ماء أو بول، فاعتبره ماءً وصلى صاحبنا، فهو الآن جاهل بعين ما سقط عليه، بعد الصلاة جاءه شخص فقال له: يا صاحبي الذي سقط عليك بول، وهنا تأكد أن ما عليه كان بولاً وليس ماءً، فهل عليه أن يعيد الصلاة؟ قال الحنابلة: نعم عليه أن يعيد الصلاة. فهذه الصورة الأولى، الصورة الثانية من صور الجهل قالوا: أن يجهل أن النجاسة تبطل الصلاة، بعض الناس يجهل أن النجاسة تبطل الصلاة، فشخص صلى وعليه بول، بعد أن سلم قال له صاحبه: ترى يا فلان أنت صليت وعليك بول، قال: أنا أعرف أني صليت وعلي بول، إيش المشكلة؟ قال: ألا تعلم أن البول ووجود النجاسة عموماً على ثوبك أو على بدنك يبطل الصلاة؟
قال: والله لا أعرف، أنا أجهل هذا، ففي هذه الحالة عليه أن يعيد الصلاة أيضاً؛ لأنه كان عليه أن يسأل ويستفسر عن أمور دينه. الصورة الثالثة من صور الجهل: أن يجهل وجود شيء نجس أصلاً بالكلية، وما معنى هذه الصورة الثالثة؟ صورتها أنه شخص أصلاً لا يعرف أن هناك شيئاً سقط عليه، وهذا الفرق بين الصورة الثالثة والصورة الأولى، في الصورة الأولى هو يعلم أن هناك شيئاً سقط عليه لكنه لا يعرف هل هذا الشيء طاهر أو نجس، في الصورة الثالثة هو لا يعرف أصلاً أن هناك شيئاً سقط عليه، يعني إنسان صلى الصلاة وبعد أن صلى ذهب إلى دورة المياه فكشف عن ملابسه فوجد نجاسة، هو لا يعرف أصلاً وجود شيء عليه، في هذه الحالة أيضاً عليه أن يعيد الصلاة. فصور الجهل الثلاث في كلها الحنابلة يفتون بوجوب إعادة الصلاة، فالحنابلة باختصار المذهب عندهم أن نسيان النجاسة أو الجهل بعينها أو بحكمها أو بوجودها يلزم الإنسان بإعادة الصلاة ولا يعفى.
الآن هناك رواية أخرى في المذهب في الحقيقة ليست هي المعتمد، لكن اختارها كثير من رجالات المذهب كابن تيمية ونصرها كثير من المتأخرين أنه تصح الصلاة مع نسيان النجاسة أو الجهل بصوره، وقال في الإنصاف: وهي رواية صحيحة عند كثير من المتأخرين. هذه الرواية نصرها ابن تيمية وابن القيم وطائفة من متوسطي الحنابلة ومن متأخري الحنابلة، لكن ليست هي المعتمد. لماذا ذكرتها يا شيخ لنا وإن كانت عادتك أنك لا تذكر الروايات؟ أذكرها لأن فيها شيئاً من التيسير على الناس، خاصة لمن كان لا يعلم مذهب الحنابلة المعتمد؛ يعني بعض الناس يقول: يا شيخ والله أنا ياما صليت صلوات وأنا كنت ناسياً أنه علي نجاسة وتذكرت بعد الصلاة، هل أعيد كل هذه الصلوات؟ أو كم صليت من صلاة وأنا أجهل أن علي نجاسة وعرفت ذلك بعد الصلاة، هل يلزمني؟ على قاعدة الحنابلة نعيد هذه الصلوات، الآن على المعتمد في المذهب يلزمك، لكن على الرواية الأخرى لا يلزمك، وهذه الرواية ليست رواية ضعيفة، لا، الرواية الأخرى وإن لم تكن المعتمد لكنها قوية ونصرها كثير من أساطين الحنابلة حتى من المتأخرين، يقول المرداوي في الإنصاف: وهي رواية صحيحة عند أكثر المتأخرين.
لذلك الشيخ مرعي قال: وتبطل إن عجز عن إزالتها في الحال، هذا يتعلق بالصورة السابقة، أو نسيها ثم علم، وأنا لو كنت مكان الشيخ مرعي لقلت: أو نسيها ثم تذكر؛ لأنه هو يعلم بوجودها ثم نسي ثم تذكر بعد الصلاة، فلو قال: أو نسيها ثم تذكر، أو جهل ثم علم، لربما العبارة الأدق هنا أن نقول: أو نسيها ثم تنبه. إذاً: أو نسيها ثم تذكر، أو جهل ثم علم، والجاهل له ثلاث صور: أن يجهل العين، أن يجهل الوجود أصالة، أن يجهل الحكم.
الآن سيتكلم الشيخ مرعي عن أماكن محددة منعت الشريعة الصلاة فيها، فإذا صلى فيها الإنسان فالصلاة فيها باطلة على مذهب الحنابلة وعليه أن يعيد. قال: ما هي هذه الأماكن؟ دعونا نتعرف عليها، ولا تصح الصلاة فيه، طبعاً ركزوا في كلمة "فيه" لأن هناك الصلاة في هذه الأماكن وهذه الحالة الأولى، وهناك الصلاة على هذه الأماكن يعني فوقها هذه الحالة الثانية، وهناك الصلاة إلى هذه الأماكن وهذه الصورة الثالثة الصلاة إلى هذه الأماكن يعني أن أنت تكون خارجها لكنك تصلي تجاهها. ففي هناك ثلاث أحوال: الصلاة في هذه الأماكن أنك تكون داخلها المكان هذا مستوعبك محيط بك، الصلاة على هذه الأماكن يعني أنك تصلي على أسطحتها، الثالثة الصلاة إلى هذه الأماكن يعني أن أكون أنا خارج هذه الأماكن لكنني لما صليت كانت في واجهتي في قبلتي تجاهي، هذه ثلاثة أحوال. أنا الآن سأتكلم عن الحالة الأولى وسيتكلم بإذن الله الشيخ عن الحالة الثانية، ثم أختم ببيان الحالة الثالثة الصلاة إليها.
فإذاً نحن الآن نتكلم عن الصلاة فيها، الصورة الأولى فقال: ولا تصح الصلاة في، يعني أن تكون أنت داخل، أولاً: الأرض المغصوبة، أي أرض مغصوبة سواء أنت غصبتها أو غصبها غيرك وأنت صليت فيها، الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة عند الحنابلة. وأقول والله أعلم أن الصلاة في الأرض المغصوبة تبطل إذا كان عالماً ذاكراً، مثل الصلاة في الثياب المغصوبة، بل حتى ترى الطهارة في المياه المغصوبة، القاعدة واحدة عند الحنابلة، الصلاة في الثوب المغصوب أو المكان المغصوب أو الطهارة بالماء المغصوب متى يبطل؟ عرفنا أن الطهارة بالماء المغصوب لا ترفع الحدث وإن كانت تزيل الخبث لأنه ماء طهور محرم، لكن هناك شرط أن يكون هذا الماء المغصوب الذي يستعمله بأنه مغصوب ذاكر وليس ناسياً. وكذلك بالنسبة للثوب المغصوب عرفنا متى تبطل الصلاة فيه، إذا كان عالماً ذاكراً. وكذلك الأرض.
تصح الصلاة في الأرض المغصوبة بشرط أن يكون المصلي عالماً ذاكراً، فهذا الشرط ملازم لقضية الغصب. ولا تصح الصلاة في الأرض المغصوبة، سواء كنت أنت الذي غصبتها أو كانت مغصوبة وصليت فيها وأنت عالم ذاكر.
لا تصح الصلاة أيضاً في المقبرة، ويُستثنى من ذلك صلاة الجنازة فهي تصح في المقابر. أما ضابط المقبرة عند الحنابلة فهو كل مكان اجتمعت فيه ثلاثة قبور فصاعداً ولم يكن داراً؛ فإذا كان في البقعة قبر أو قبران فلا تسمى مقبرة وتصح الصلاة فيها. وإذا كانت القبور الثلاثة فصاعداً داخل دار أو منزل فلا تعد مقبرة وتصح الصلاة فيها.
المجزرة وهي مكان الذبح، لا تصح الصلاة فيها تعبداً كما قالوا؛ لأنها أماكن قاذورات ويكثر فيها الدم والنجاسات، فلا تصح الصلاة فيها حتى لو لم يوجد فيها دم، فنحن نقف عند حدود الشرع. وكذلك المزبلة وهي أماكن إلقاء القاذورات، لا تصح الصلاة فيها، فلا يصلح للإنسان أن يقيم الصلة بينه وبين الله في أماكن الأذى والقاذورات.
الحش وهو مكان قضاء الحاجة، لا تصح الصلاة فيه وتكون باطلة عند الحنابلة، فليس من أدب الصلاة التقرب إلى الله في أماكن النجاسات. وأعطان الإبل وهي الأماكن التي تأوي إليها الإبل وتبيت فيها، لا تصح الصلاة فيها، والأصل في ذلك التعبد. وقارعة الطريق، وهي الطريق المسلوك الذي تقرعه الأقدام، أما جانب الطريق الذي لا يسلكه الناس فلا إشكال في الصلاة فيه.
الحمام المراد به عند الفقهاء حمامات الاستحمام العامة، لا تصح الصلاة فيها والنهي يقتضي البطلان عند الحنابلة. والحمام داخله وخارجه وجميع ما يتبعه في البيع لا تصح الصلاة فيه، فكل ما هو من مرافق الحمام يأخذ حكمه في تحريم الصلاة فيه وبطلانها.
يستثني الحنابلة من حكم الأرض المغصوبة وقارعة الطريق صلاة الجمعة والعيد والكسوف والاستسقاء للضرورة؛ فإذا اضطر المسلم للصلاة فيها لهذه الصلوات الأربع صحت كحالة استثنائية، وما سوى ذلك لا يصح.
يقول الحنابلة إن أسطحة هذه الأماكن الثمانية حكمها حكم الصلاة فيها، فالصلاة عليها باطلة؛ لأن القاعدة عندهم أن الهواء يتبع القرار، فكما أن البقعة الصلاة فيها باطلة فالصلاة في الهواء فوقها باطلة. أما الصلاة إليها فخارج نطاقها، لذا فهي صحيحة لكنها مكروهة.
المكان التاسع هو الكعبة، ولا يصح الفرض في الكعبة ولا في الحجر منها، وليس كل الحجر تابعاً للكعبة بل ما يقارب متراً ونصف، ولا يصح الفرض على ظهرها. يستثنى من ذلك إذا لم يبق وراءه شيء، كأن يصلي على طرف الكعبة أو زاوية السطح بحيث تصبح الكعبة كلها أمامه ولا يوجد شيء منها وراء ظهره؛ فإذا تحقق ذلك صحت صلاة الفرض. أما صلاة النفل والنذر فتصح في داخل الكعبة وعليها.
فلو نذر شخص أن يصلي في الكعبة، في وسطها أو على سطح الكعبة، ما عندنا مشكلة، حتى ولو بقي شيء من الكعبة وراء ظهره. وكذلك لو صلى شخص النفل في الكعبة أو على سطح الكعبة وكان شيء من الكعبة وراء ظهره، ما عندنا حرج؛ الحرج هو فقط في صلاة الفرض، وأما النذر فلا إشكال. قال: ويصح النذر فيها أي في داخل الكعبة وعليها أي وعلى سطحها، وكذا النفل، فيصح فيها وعليها، بل يسن فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الفتح دخل الكعبة وصلى فيها. النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الفتح دخل الكعبة وصلى في داخلها سنة كما جاء هذا في الأحاديث الصحيحة.
إذن هذه الأماكن التسعة، تكلمنا عن أماكن ثمانية ثم تكلمنا عن الكعبة وهي المكان التاسع، وفصلنا؛ لأن الكعبة فيها تفصيل. الكعبة لا يصح أن يصلي فيها ولا عليها فرض، إلا إذا أخذ طرف الكعبة بحيث لم يبق وراءه شيء، فيصح الفرض، وأما النفل والنذر فيصح في الكعبة وعليها من دون حرج. إذاً هذا هو التفصيل في هذه المسألة.
هكذا نقول انتهينا من الشرط السابع، وهو اجتناب النجاسة في البدن والثوب والبقعة التي تباشر البدن أو الثوب. الآن ندخل في الشرط الثامن، بسم الله، الحمد لله. الشرط الثامن استقبال القبلة مع القدرة، قال: استقبال القبلة مع القدرة. فاستقبال القبلة عرفنا أنه من الأمور التي تتعلق بالقدرة؛ ليبين أنه إذا عجز الإنسان عن استقبالها لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فالشرط الثامن من شروط صحة الصلاة أن يستقبل المصلي القبلة مع القدرة على ذلك. ما دام قادرا على أن يستقبلها.
متى يسقط هذا الشرط؟ يسقط هذا الشرط عند الحنابلة في صورتين. الصورة الأولى واضحة لديكم وهي صورة العجز؛ فإن عجز عن الاستقبال سقط، مثل ماذا؟ قالوا: كشخص مربوط أو صلب على غير اتجاه القبلة، فهذا يصلي على حاله، أو شخص مريض على سرير في مشفى ولا يوجد من يوجهه نحو القبلة، فهذا يصلي على حاله لا يستطيع أن يتحرك. أو شخص قالوا يفر من عدو والعدو يلحقه، ودخل عليه وقت الصلاة وسيخرج وقت الصلاة، ماذا يفعل؟ هو الآن يركض ويهرب من العدو على غير اتجاه القبلة، يصلي على حاله. فالحالة الأولى حالة العجز؛ من عجز عن استقبال القبلة سقط عنه. هذه الصورة الأولى التي يسقط فيها هذا الشرط.
الصورة الثانية قالوا صورة السفر، وهذه الصورة لها ضوابط، انتبهوا واكتبوا عندكم الضوابط. الصورة الثانية التي يسقط فيها استقبال القبلة قالوا في السفر المباح. فإذا كان السفر من أجل معصية -وهذا مر معنا أن السفر للمعصية لا يخفف فيه ولا توسع فيه الشريعة عقوبة للإنسان- فإذا كان سفرا مباحا، وهذا أخرج السفر المكروه والسفر الحرام. إذا سمعتم دائما كلمة سفر مباح فاعلموا أنه أخرج به السفر المكروه والسفر الحرام، والسفر المكروه هو السفر الذي لكثرة التنزه والتوسع، والذي لا فائدة منه، فهذا سفره مكروه. كثرة التنزهات والتوسعات حتى ولو لم ترتكب حراما عينا بالنظر إلى المحرمات، فهذا أيضا فيه شيء من الكراهة عند الحنابلة. فالسفر إذا كان سفر مباح ليس مكروها ولا حراما، هذا الشرط الأول.
اثنان: أن تكون الصلاة التي ستصليها في هذا السفر المباح حال المسير وليس حال التوقف؛ يعني الإنسان أحيانا في السفر ينزل على استراحات في الطرقات، فإذا كنت ستصلي في استراحة من الاستراحات لا، هنا يلزمك استقبال القبلة. لكن شخص يقول لك والله الطريق طويل وأنا في السيارة ماشي أو أنا على هذه الدابة ماشي، فما بدي أضيع الوقت، بدي استغل وقتي؛ فهو ماشي في السيارة يبدأ يصلي حتى ولو كان على غير القبلة. إذاً: أن يكون سفرا مباحا، وأن تكون هذه الصلاة التي سيصليها في السفر المباح حال المسير والسيارة ماشية، أما إذا نزل الاستراحات لأ، بدك تستقبل القبلة.
ثالثا: أن يكون قاصدا لجهة معينة؛ أما إذا قالوا كان ماشيا بهذه السيارة ولا يدري أين سيذهب، إنسان ضائع قال: بدي أشغل هالسيارة وأبلش أمشي هالصحراء وأبلش أمشي بهالطرقات وين رايح؟ قال: والله ما أدري، فمثل هذا أيضا لا يرخص له في ترك استقبال القبلة، فقال الحنابلة: لابد وأن يكون قاصدا لجهة. أما من هام على وجهه لا يصح؛ لأنه أنت هائم على وجهك، أي أنت مش عارف وين رايح، بالتالي استقبل القبلة؛ لأن استقبالك القبلة لن يضرك شيئا؛ لأنك أنت أصلا لا تعرف أين تذهب ولا أين أنت متجه، فبالتالي خلص استقبل القبلة. أما شخص الآن هو متجه لمنطقة معينة، وهذه المنطقة المعينة في غير اتجاه القبلة، ما راح نضره ونقول له لأ، لازم تتجه للقبلة أو نشق عليه.
رابعا: أن تكون الصلاة صلاة نفل، فإذا كانت صلاة فرض أيضا لا يسقط استقبال القبلة. وهنا هذه القيود الأربعة، ولما نقول سفر مباح، هنا في الحقيقة لا يشترط أن يكون سفر قصر، السفر هنا على إطلاقه، قال الحنابلة سواء كان سفر قصر تقصر فيه الصلاة أو سفر قصير، ما عندنا إشكال. فالسفر هنا استثناء على إطلاقه، اكتبوا أنه كثير من المسائل تعلق على سفر القصر، مثلا مسح الخفين مر معنا أنه ثلاثة أيام بلياليها لمن كان يسافر سفر قصر، سافر يباح فيه القصر. أما هنا لا، هنا السفر على إطلاقه قال الحنابلة، سواء كان سفر طويل أو قصير، سفر يباح فيه القصر أو لا يباح فيه القصر، أي سفر مباح قصيرا كان أو طويلا وكان سيصلي أثناء مسيره وكان متجها لجهة معينة يعرفها وكان سيصلي النفل بهذه الشروط الأربعة يسقط استقبال القبلة. ولو نظرنا في العلة وفي الحكمة من ذلك هو أن يستغل الإنسان وقته في أثناء السفر بعبادة الله سبحانه؛ لأنه طريق السفر طويل، شوفوا حكمة الشريعة طريق السفر طويل، أحيانا تسافر اثنا عشر ساعة، ولو أنك ستبقى سائرا تلهو وتسمع أناشيد ولا تسمع كلاما أو قيل وقال يضيع جزء كبير من الوقت في غير ذكر الله سبحانه، فالشريعة حتى تفتح لك آفاق التعبد لله عز وجل، قالت لك: إذا سافرت نحن نسقط عنك استقبال القبلة إذا كنت في سفر مباح قصيرا أو طويلا وكنت في أثناء مسيرك وعارف أين المتجه وتصلي النفل، فبدنا نفتح لك باب النفل على مصراعيه، صل ما شئت حتى ولو كنت لغير اتجاه القبلة.
طبعا إن شاء الله في الروض المربع سنعرف أن هذه المسألة لها قيود وشروط وضوابط، أنه متى وكيف يبدأ مستقبلا القبلة ثم بعد ذلك له أن يتحول مع دابته أينما تحولت به، ومتى يلزمه أن يركع ويسجد ومتى يكفي الإيماء؟ هناك تفاصيل حقيقة في هذه المسألة لم يتطرق إليها الشيخ مرعي، وأنا لا أريد أن أتطرق إليها الآن حتى لا أرهقكم بكثرة المسائل، وإلا فاعلم إن شاء الله أن هناك تفاصيل موسعة أكثر في قضية التنفل في السفر لغير القبلة، وهناك ضوابط وشروط نتعلمها إن شاء الله في مرحلة قادمة. وإنما الآن يكفيني منكم أن تضبطوا الأحوال التي يسقط فيها الاستقبال: أولا حالات العجز، أي حالة عجزت فيها عن الاستقبال صل على حالك. ثانيا السفر المباح لمن كان سائرا، متقاصدا لجهة معينة وكان سيصلي النفل بهذه الضوابط الأربع أيضا يسقط الاستقبال.
جيد، ثم قال الشيخ مرعي: فإن لم يجد من يخبره عنها بيقين صلى بالاجتهاد فإن أخطأ فلا إعادة. قبل أن أدخل في هذه المسألة أود أن أنبه على قضية لم يتطرق إليها الشيخ مرعي أصلا، وهي ما الذي يلزم في استقبال القبلة؟ يعني هل يلزمني أن أستقبل عين القبلة الكعبة؟ أم يلزمني أن أستقبل الجهة؟ الحنابلة يقولون: من كان يستطيع أن يستقبل عينها فيلزمه أن يستقبل عينها. يعني شخص أمام الكعبة يصلي، الكعبة هو شايفها أمام عينيه، فهذا الشخص فرضه أن يستقبل عين القبلة تماما، ولا يجوز أن يكون جزء من جسده خارج عن القبلة؛ لأنه الآن يستطيع أن يستقبل العين، أنت الآن الكعبة أمامك، فبالتالي لا تقول لي والله أنا فقط أستقبل الجهة، لأ، بدك تستقبل العين بحيث يكون كل جسدك متجه للقبلة ولا يكون أي جزء منه خارجها. إذا استطاع أن يستقبل عين الكعبة رآها بأم عينيه أمامه، قالوا أو أخبره ثقة بيقين عن اتجاه القبلة بالتحديد، هذه حالة أخرى ممكن أنت مش شايفها بعينك لكن جاءك ثقة وأعطاك خبرا يقينيا أن الكعبة بالضبط بالضبط عند هذا الحد، فإذا جاءك ثقة وأخبرك خبرا يقينيا عن اتجاه الكعبة بالضبط يلزمك أن تستقبل هذا الاتجاه بعينه، ولا يجوز أن تكتفي باستقبال الجهة.
إذاً من كان يستطيع أن يستقبل عين الكعبة فهذا عليه أن يستقبل عينها، وأما من كان لا يستطيع أن يستقبل عينها فيكفي أن يستقبل جهتها، وهذا الذي نفعله نحن الذين نعيش في بلاد خارج منطقة مكة، فنحن في الأردن مثلا أو في مصر أو في المغرب أو في إندونيسيا أو في أي بلد، نحن في الحقيقة نتوجه إلى الجهة، نعرف مثلا نحن في الأردن الكعبة جنوبنا فنتجه إلى جهة الجنوب. بس أنا لما أصلي لا أدري، لا أدري لو مد خط من عند قدمي إلى مكة المكرمة إلى الكعبة هل سأكون أصبت عينها؟ لا أدري، لكنني أكتفي بأن أصيب الجهة. أنا أعرف في الأردن أن هذه جهة الجنوب فأصلي لجهة الجنوب، لأن ممكن لو أن خطا مد بقلم من قدمي إلى مكة يمكن فعلا لا أكون أمام عين الكعبة، أنا بصلي لكنني بالتأكيد أصلي إلى جهتها وهذا يكفيني. فهمتم ماذا يعني عين القبلة وجهتها؟ عين القبلة يعني لو مد خط من قدميك إلى القبلة سيصل إلى الكعبة مباشرة، هذا متى يلزمك كما قلنا؟ إذا كنت تشاهد الكعبة أمامك، أنت ما شاء الله ربنا كتب لك عمرة وبتصلي أمام الكعبة بدك تستقبل عينها، أو جاءك ثقة بيقين وقال لك أنا أستطيع أن أمد خط من هذه النقطة فيضرب عين الكعبة يصل إلى عين الكعبة، فعليك أن تصلي هنا، لأن هذا خبر ثقة بيقين، بهذا الشرطين، خبر ثقة بيقين.
أما إذا فقدنا خبر الثقة بيقين وفقدنا عين الكعبة، ففي هذه الحالة نكتفي بالجهة، وهذا هو حال الذين يسكنون خارج نطاق الكعبة، أنهم يصعب عليهم أن يعرفوا أنهم استقبلوا العين، فنكتفي منهم أن يستقبلوا الجهة، وهنا جاء الحديث: «ما بين المشرق والمغرب قبلة».
إذاً استقبال القبلة نقول: الذي يرى الكعبة أو يستطيع أن يستقبل عينها بأي شكل من الأشكال يلزمه أن يستقبل العين. من لا يستطيع أن يستقبل عينها يستقبل الجهة ويكفيه ذلك. هذه المسألة لم يتطرق إليها الشيخ مرعي لكنها مهمة. الآن بعد ذلك تكلم الشيخ مرعي إذا قال قال مسألة واحدة -يعني هو ختم بها هذا الشرط- قال: فإن لم يجد من يخبره عنها بيقين صلى بالاجتهاد فإن أخطأ فلا إعادة. في الحقيقة الشيخ مرعي في هذا السطر اختزل كثيرا من المسائل والصور، اختزالا أشعر أنه يسبب خللا في فهم الطالب للمسألة؛ يعني لما تقرأ في المطولات في المنتهى وشروحه وفي الإقناع وشروحه تجد أن المسألة فيها تفصيل، وهذا السطر لا يعطي هذه التفاصيل ولا يحل المشكلة. وبالتالي أنا محتاج هنا في الحقيقة أن أعطيكم شيئا من هذه التفاصيل حتى تتصوروا المسألة على كمالها. فبالتالي أعانكم الله تتعبون قليلا لكنكم تحصلون فائدة منظمة؛ لأن هذا السطر من الشيخ مرعي في الحقيقة يختزل كثيرا من الأمور التي ينبني عليها فهم المسألة ومعرفة متى تأتي هذه القضية قضية "فإن لم يجد من يخبره عنها بيقين صلى بالاجتهاد فإن أخطأ فلا إعادة"، المسألة فيها تفاصيل طويلة. فماذا سأقول؟ انتبهوا معي وركزوا رضي الله عنكم، نقول إخواني استقبال القبلة إما أن يكون الشخص في الحضر -يعني في مدينة أو في قرية- وإما أن يكون الشخص مسافرا، الإنسان على حالين، إما أن يكون في حضر -يعني في مدينة أو في قرية- وإما أن يكون على طريق السفر. دعونا الآن نتكلم عن الحالة الأولى: من كان في حضر، إنسان في مدينة أو في قرية، دخل عليه وقت الصلاة ويريد أن يبحث عن اتجاه القبلة، أنا الآن سافرت إلى مدينة دخلت هذه المدينة المسلمة لكنني لا أعرف القبلة ودخل علي وقت الصلاة أريد أن أصلي، فما هي الخطوات التي أسير عليها عند الحنابلة حتى أتجه إلى القبلة؟
حتى أتعرف على اتجاه القبلة، يقود الحنابلة -إذا كنت في حضر- أن الحالة الأولى لمن كان في حضر أن الخطوات التي عليه أن يتبعها كالتالي: أولاً تحاول أن تبحث عن محاريب المسلمين، تدخل للمساجد وللمصليات، تنظر باتجاه المحاريب فتصلي معها، ويكفي هذا؛ لأنه في أغلب الظن أن هذه المحاريب إنما بُنيت باتجاه القبلة فيكفي هذا. إذاً عليه أن يبحث عن محاريب المسلمين في المساجد وفي المصليات فيصلي معها.
إذا لم يجد محاريب المسلمين، قالوا: يا شيخ والله لقيت المساجد مغلقة أو ما وجدت ولا مسجد. في هذه الحالة قال الحنابلة: عليه أن يسأل، لزمه السؤال؛ فإن سأله فأخبره ثقة بيقين، قلت له تسأل أهل القرية: يا جماعة الخير وين القبلة؟ فإن سأل فجاء رجل ثقة فأخبره بيقين أن اتجاه القبلة هكذا، عليه أن يتجه مع هذا الاتجاه. إذاً بعد محاريب المسلمين يذهب يسأل؛ فإن سأل فأخبره ثقة بيقين عن اتجاه القبلة، ثقة بيقين مش إنسان واضح أنه ما قرب المسجد، واضح عليه وشم وعليه معالم الفجور، لا لا هذا لا؛ أن تسأل ثقة واضحة عليه معالم الخير من أهل الصلاة، وأخبرك بيقين وليس بظن، ففي هذه الحالة يلزمك أن تتبعهم.
لم أجد محاريب المسلمين وسألت ولم أجد إنساناً يخبرني بيقين، لم أجد ثقة يخبرني بيقين، هنا الخطوة الثالثة قالوا: إن وجد من يخبره بظن، وكان هذا الشخص الذي سيخبره بظن واضح أنه من أهل الاجتهاد في القبلة؛ يعني عنده قدرة على معرفة اتجاه القبلة بالاجتهاد والنظر في النجوم وحركاتها وفي حركات الرياح الشمال والجنوب، ويعرف هذه الأمور؛ لأنه في المطولات الحنابلة يذكرون ما هي المعالم، النجوم، الرياح وما شابهها، فإذا وجد شخصاً يخبره بظن وواضح أن هذا الشخص الذي سيخبر بالظن من أهل الاجتهاد، عنده خبرة بالرياح وأماكن هبوبها، فيستدل بأماكن الرياح وأماكن هبوبها على القبلة، أو يستدل بالنجوم على القبلة، فإذا أخبره بظن وكان من أهل الاجتهاد في القبلة وعلى دُربة في معرفتها، فهل أتبعه؟
يقول الحنابلة: إذا وجد من يخبره بظن وكان هذا الذي يخبره بظن من أهل الاجتهاد، يلزمك أن تتبع قوله إذا ضاق عنك الوقت لتتعلم أنت بنفسك معالم القبلة؛ يعني قرب وقت الصلاة يخرج وما في وقت أني أروح على شخص يعلمني كيف أستدل على القبلة. خلاص وجدت شخصاً يقول لي هنا اتجاه القبلة والله أعلم؛ لأنه الرياح جاءت من هنا وهبت من هنا وهذا النجم من هنا، فوالله أعلم هذا هو الاتجاه. فهذا رجل يخبرك بظن وواضح أنه من أهل الاجتهاد، والوقت ضاق عليك ولا تستطيع أن تذهب إلى من يعلمك كيف تستدل بنفسك على القبلة، في هذه الحالة يلزمك أن تقلد هذا الشخص.
أما إذا اختل شرط من هذه الشروط، فكان هذا الشخص الذي يخبرك ليس من أهل الاجتهاد؛ من عوام المسلمين الذين لا يعرفون المشرق من المغرب ولا يعرفون الرياح ولا النجوم، ففي هذه الحالة لا تقلده. أو كان رجلاً من أهل الاجتهاد لكن الوقت ما زال فيه سعة، وتستطيع أنت بنفسك أن تذهب إلى من يعلمك معالم القبلة بحيث تستطيع أنت وحدك أنك تجتهد ولا تحتاج لاجتهادات الآخرين. فإذا والله الوقت فيه سعة ووجدت من يعلمك معالم القبلة وكيف تستدل عليها وأصبحت أنت تستطيع أن تجتهد، هنا أيضاً لا تقلد هذا، بل تذهب تتعلم معالم القبلة وتجتهد أنت بنفسك وتعتمد على نفسك، ممتاز.
إذاً إذا وجد من يخبره بظن، وكان هذا الذي يقول بظن من أهل الاجتهاد وضاق الوقت عنك لتتعلم بنفسك معالم القبلة، تقلد هذا الرجل الذي يخبر بالظن. أما إذا وجدت سعة لتتعلم بنفسك معالم القبلة، فإنك تذهب فتتعلم وتجتهد بنفسك.
طيب الآن يقول الحنابلة: إذا أنت تعلمت، يعني كان فيه سعة في الوقت وتعلمت بنفسك معالم القبلة، فذهبت فاجتهدت فصليت، ثم بعد الصلاة سبحان الله اكتشفت أنك صليت لغير القبلة، جاءك شخص ما كنت أنت مكتشفه سابقاً وأخبرك بيقين، قال لك: وين بتصلي؟ ترى اتجاه القبلة ليس هنا، اتجاه القبلة هكذا وأنت بتصلي هكذا، فقلت له: والله يا شيخ أنا اجتهدت، أنا ما وجدت شخصاً يخبرني بيقين ووجدت سعة من الوقت فتعلمت معالم القبلة واجتهدت وصليت هنا، فجاء هذا الثقة يخبرك أنك باقي مصلي عكس اتجاه القبلة، ففي هذه الحالة يقول الحنابلة: إذا اجتهدت وتبين لك الخطأ بعد الصلاة عليك أن تعيد الصلاة.
وكذلك إذا قلدت صاحبنا الذي أخبرك بظن، وكان من أهل الاجتهاد وضاق عنك الوقت لتتعلم أنت معالم القبلة، إذا قلدت هذا الرجل ثم تبين لك خطأك في تقليدك إياه، تبين أن صاحبنا الذي قلدناه هو نفسه خربط وأنه أخطأ في تعيينه اتجاه القبلة؛ لأنه هو أيضاً اجتهد، فأنا قلدته باجتهاد، فبعد أن اجتهد خطأ أيضاً، في هذه الحالة علي أن أعيد الصلاة إذا ظهر لي الخطأ تمام؟ لاحظوا في كلا الصورتين؛ إذا اجتهدت أنت بنفسك وكنت متعرفاً على معالم القبلة، أو قلدت شخصاً أخبرك بظنه عن اتجاه القبلة وأنت ضاق الوقت عنك لتتعلم، فقلدته ثم بعد الصلاة بان لك الخطأ عليك أن تعيد. فإذا اجتهدت أو قلدت باختصار فظهر لك الخطأ في الحضر عليك أن تعيد.
الآن المرحلة الأخيرة، الصورة الرابعة والأخيرة: أنه أنا لا وجدت شخصاً يخبرني بيقين، ولا وجدت شخصاً يخبرني بظن، ولا أنا استطعت أني أتعرف على طريقة الاستدلال على القبلة، فأصبحت جاهلاً صرفاً، ووقت الصلاة بده يخرج، إيش أفعل؟ هنا قال الحنابلة: يتحرى، خلص أنت الآن جاهل لا وجدت من تقلد بيقين ولا من تقلده بظن ولا أنك تعرفت أو تعلمت كيف تستدل على القبلة، فأصبحت جاهلاً صرفاً. هنا قال الحنابلة: يتحرى، خلص تحرى يعني حاول، سددوا وقاربوا وصلي، وكيفما صليت صلاتك صحيحة ولو ظهر لك بعد الصلاة الخطأ. لاحظوا الفرق الدقيق؛ الصورة الرابعة هي بصدد مرحلة العجز التام، فعلياً أصبحت هذه الصورة من صور العجز، وأحنا عرفنا أن شرط الاستقبال يسقط مع العجز، أنت الآن وصلت لمرحلة العجز. قال الحنابلة: إذا وصلت لمرحلة العجز، مرحلة الجهل ولم تجد من يخبرك لا بيقين ولا بغلبة ظن ولا أنت تعرف الاستدلال ولا تعرف الاجتهاد، فهنا تحرَّ وسدد وقارب وصلي، كيفما جاءت معك الأمور بعد التحري، فهنا صلاتك صحيحة ولو تبين لك خطأ القبلة بعد الصلاة.
إذاً شيخ، رتب لنا الخطوات إذاً بالنسبة لمن كان في الحضر -يعني في مدينة أو في قرية- الخطوات كالتالي: يذهب يبحث عن محاريب المسلمين، إن لم يجد محاريب المسلمين، يذهب يسأل، إن وجد ثقة يخبره بيقين طيب. لم يجد ثقة يخبره بيقين، هنا الحالة الثالثة، إذا وجد رجلاً يخبره بظن وكان هذا الذي يخبره بالظن من أهل الاجتهاد، وضاق الوقت عليه ليتعلم معالم القبلة بهذه الضوابط، فأقلد هذا الرجل. أما إذا لم يضق الوقت عليه وذهبت فتعلمت معالم القبلة، أو أنا ابتداءً -عفواً ممكن أن أكون أنا ابتداءً أعرف معالم القبلة أو كيف أستدل عليها- فاجتهدت بنفسي، في هاتين الصورتين في صورة تقليدي لصاحب غلبة الظن أو صورة اجتهادي بنفسي ثم صليت فتبين لي الخطأ، أعيد. إذا لم يتبين لي الخطأ خلاص، قلدت أو اجتهدت فعلت الذي علي.
الصورة الأخيرة: إذا لم أجد من أقلده ولم أكن أنا من أهل الاجتهاد فأصبحت جاهلاً صرفاً، هنا يقول الحنابلة: تحرَّ، يعني قدر المستطاع وصلي، وصلاتك صحيحة ولو تبين لك الخطأ. لاحظوا إذاً باقي الأمور قصة وليست بهذه الصورة المختزلة التي أتى بها الشيخ مرعي رحمه الله تعالى عليه، كتبت الخطوات: يتوجه إلى المحاريب، إن لم يجد يسأل، فإن وجد من يخبره بيقين اتبعه، ثالثاً إذا لم يجد من يخبره بيقين ووجد من يخبره بغلبة ظن وكان هذا الرجل من أهل الاجتهاد، وصاحبنا ضاق الوقت ليتعلم بنفسه، فيتبعه على ظنه ويقلده تقليداً. وأما إذا اتسع الوقت عليه ليتعلم معالم القبلة أو كان هو أصالةً ممن عنده معرفة بمعالم القبلة، فهذا لا يقلد صاحب غلبة الظن، بل هو نفسه يجتهد، وفي كلا الحالتين متى ظهر له الخطأ بعد الصلاة عليه أن يعيد. الأخيرة: إذا لم يجد من يقلد ولم يكن من أهل الاجتهاد ولا يعرف كيف يستدل عن القبلة فأصبح جاهلاً صرفاً، يتحرى ويصلي على حاله، ولو ظهر له الخطأ بعد ذلك فإنه لا يعيد، تمام؟
تمام هذا في حالة الحضر. طيب بالنسبة لحالة السفر، هذه الحالة الأولى كلياتها حالة الحضر. بالنسبة لحالة السفر: إنسان مسافر في الطريق، المسافر في الطريق ما في عنده محاريب مسلمين، لا، إذا وجد محاريب مسلمين أنعم به وأكرم، لكن المفترض -يعني هكذا خاصة في الزمن القديم الذي يتكلم فيه الفقهاء- ما شاء الله، ما كان مثل زمننا حاضر؛ الاستراحات على الطرقات ومساجد فيها عامرة، للزمن القديم صحاري مفتوحة وأراضي خالية جرداء، هكذا يتصورون القضية، فأنت لا تتصور تقول لهم ليش بيتكلموا هيك، طب هو في استراحات؟ هم يتكلمون في زمن ما في شيء، صحاري مفتوحة وآلاف الكيلومترات يقطعها الإنسان وهو لا يرى شيئاً تمام؟
فهم يتكلمون عن هذا المسافر، هذا المسافر الذي دخل عليه وقت الصلاة، ما الخطوات التي يفعلها؟ الخطوات التي يفعلها: الخطوة الأولى أنه يجتهد إن كان عارفاً بالأدلة، هذه الخطوة ولا مباشرة؟ أنا دخل علي وقت الصلاة وأنا مسافر، لا في محاريب مسلمين ولا في ثقة يخبرني بيقين، أنا لحالي في سفر، معي دابتي وأسير في طريقي، إيش أفعل؟ الخطوة الأولى أنني أجتهد، أجتهد إذا كنت عارفاً بالأدلة، أنا عارف بالأدلة وبعرف كيف أستدل بالنجوم وبعرف في هبوب الرياح وأماكن هبوبها، فأستدل بهبوب الرياح، والله على الجهة، أو أستدل على الجهة ومن خلالها بتعرف على القبلة، فإذا يجتهد إن كان عارفاً بأدلة القبلة.
فإن اجتهد -ركزوا حتى تعرفوا الفرق بين السفر والحضر- قالوا: فإن اجتهد فصلى كيفما أدى له اجتهاده ثم تبين له بعد الصلاة أنه أخطأ في الاجتهاد، هذا لا يعيد، وهذا من الفوارق بين السفر وبين الحضر؛ في السفر إذا أخطأت في الاجتهاد أو أخطأت في التقليد كما سيأتي معنا في الحالة الثانية ليس عليك أن تعيد، وأما في الحضر إذا أخطأت في الاجتهاد أو ظهر لك الخطأ في التقليد تعيد. والحنابلة القاعدة عندهم أن السفر هو فعلاً مكان للاجتهاد، مظنة الاجتهاد؛ لأنك تفقد الناس وتفقد المحاريب، فهو مكان للاجتهاد. وأما الحضر فهو ليس مكان للاجتهاد؛ فإنه يندر، يندر، يندر أن لا تجد محراباً لمسلمين فيه أو لا تجد ثقة يخبرك بيقين، معقول مدينة كاملة ما وجدت فيها رجل مسلم يخبرك بيقين عن اتجاه القبلة؟ عرفت هذه نظرة الحنابلة، فبيعتبروا صورة أنك تجتهد في الحضر أو أنك تقلد رجلاً في اجتهاده، صورة نادرة جداً جداً لا عبرة بها، فمتى تبين الخطأ في الاجتهاد أو في التقليد عليك أن تعيد في الحضر. وأما في السفر فأن تجتهد هذا أمر يكثر وقوعه، فبالتالي رفعاً للمشقة قالوا: إن اجتهد العارف بالأدلة في السفر فتبين له خطأه فليس عليه الإعادة، خلاص صلاتك صحيحة وامشِ.
الخطوة الثانية: الخطوة الأولى يجتهد إذا كان عارفاً بالأدلة. قلت: والله يا شيخ أنا مش عارف بالأدلة، أنا عمري ما حدا علمني معالم القبلة وكيف أستدل بالنجوم والرياح، هنا ننتقل للخطوة الثانية، قالوا: إن كان لا يعرف بالأدلة، يقلد شخصاً معه في سفره إن كان هذا الشخص الذي يقلده عارفاً بالأدلة. إذاً إن عجز عن الاجتهاد بنفسه، يقلد قادراً على الاجتهاد. والله صاحبه في السفر بعرف، في هاي الحالة أنا سأقلد صاحبي، فإذا قلدت صاحبي فتبين لنا بعد أن قلدت أن صاحبي هو نفسه أخطأ في اجتهاده، أننا صلينا إلى غير القبلة، أيضاً أنت معذور في ذلك والصلاة صحيحة؛ لأن كما قلنا السفر هو محل للاجتهاد والخطأ فيه يكثر، فالشريعة حتى لا تشق على المكلفين سامحت في الخطأ فيه. إذاً إن عجز قلد قادراً على الاجتهاد تمام.
قالوا بس هنا انتبهوا على قضية: إلا إذا كان عجزه بسبب عدم تعلمه الأدلة، فعليه أن يتعلمها إذا اتسع الوقت. الآن هذا الاستثناء مهم؛ أنه أنا متى يحق لي أتبع اجتهاد صاحبي؟ إذا كان الوقت سيضيق، إذا كان الوقت سيضيق ولا أجد فسحة من الوقت لأتعلم بنفسي معالم القبلة فأجتهد بنفسي، حينئذ يحق لي أو يجوز لي أن أقلد صاحبي. أما إذا كان فيه سعة من الوقت وصاحبي يعرف معالم القبلة وكيف يستدل عليها، في هذه الحالة يقول الحنابلة: إذا كان فيه سعة من الوقت وصاحبك في السفر يعرف كيف يستدل على القبلة، فاطلب منه أن يعلمك معالم القبلة، قل له: كيف أنت بتستدل؟ فخليه يعرفك على النجوم وعلى الرياح وأنت بتجتهد بنفسك، نفس الفكرة السابقة التي في الحضر، يعني إذا كان فيه فسحة من الوقت تستطيع أن تتعرف وتتعلم بنفسك معالم القبلة وتصبح أنت قادراً على الاجتهاد، لا تقلد غيرك، روح تعلم وتعلم من صاحبه قل له: علمني وأنا بجتهد بنفسي، فلا أقلدك وإنما أتعلم منك معالم القبلة وأنا بجتهد، فإذا قلدته وأنت عندك فسحة من الوقت لتتعلم معالم القبلة.
وتجتهد بنفسك، لا يجوز هذا التقليد ولا يصح؛ لابد أن تتعلم. لكن كما قلنا: إذا ضاق الوقت عن التعلم وصاحبك من أهل الاجتهاد واجتهد، فأنتم قلدتموه، وحينئذٍ إذا تبين لك خطأ صاحبك وصليتما فلا إعادة عليكما. أما إن عجز، قلد قادراً على الاجتهاد، إلا إذا كان عجزه بسبب عدم تعلمه الأدلة؛ فعليه أن يتعلمها إذا اتسع الوقت. أما إذا ضاق الوقت، خلص، يقلد صاحبه، وانتهى الأمر.
الآن صاحبنا لم يجتهد لأنه لا يعرف معالم القبلة ولم يجد رفيقاً في السفر يقلده، وكان رفيقه من أهل الاجتهاد، فأصبح جاهلاً صرفاً؛ يعني لا هو عارف يستدل، ولا يوجد معه رفيق يعلمه معالم القبلة أو على الأقل يقلده. إذا ضاق الوقت وإنسان لحاله، خلينا نعتبره لحاله لا يوجد معه أحد، ففي هذه الحالة صاحبنا جاهل صرف، فماذا سيفعل؟ سيتحرى كما هو الحال في الحضر، يتحرى يعني سددوا وقاربوا، تحرَّ أنت الآن، ما عندك اجتهاد، ليس عندك أداة، لكننا نقول لك: تحرَّ قدر المستطاع، وصَلِّ كيفما أتت معك، وصلاتك صحيحة ولو تبين لك بعد ذلك أنك أخطأت اتجاه القبلة؛ فالجاهل الصرف سواء في الحضر أو في السفر مسامح.
عرفنا متى نصل لمرحلة الجاهلية الصرفة، المرحلة الأخيرة سواء في الحضر أو في السفر متى صلى فظهر له الخطأ بعد الصلاة معفو عن ذلك. وأما أهل الاجتهاد أو بالتقليد فهؤلاء يعفى عن خطئهم في السفر وصلاتهم صحيحة، لكن لا يعفى عن خطئهم إذا ظهر في الحضر، فعليهم أن يعيدوا الصلاة. إذاً يجتهد إن كان عارفاً بالأدلة، إن لم يكن عارفاً بالأدلة قلد قادراً على الاجتهاد إذا ضاق الوقت، وأما إذا اتسع الوقت فإنه يطلب من هذا القادر على الاجتهاد أن يعلمه معالم القبلة ليجتهد هو بنفسه، تمام؟ وعرفنا متى ظهر الخطأ في الاجتهاد أو في التقليد، معفو عنه في السفر. فإن لم يجتهد لعجزه عن ذلك، ولم يجد من يقلده في اجتهاده، فإنه جاهل صرف، فيتحرى ويصلي كيفما أداه إليه تحريه، وصلاته صحيحة ولو تبين له خطؤه.
يقول الحنابلة: من لم يَسِر على هذه الخطوات؛ انتبهوا على هذه القاعدة الختامية التي تتعلق بالحضر وبالسفر: من لم يسر مع هذه الخطوات التي قعدناها في الحضر أو في السفر فتجاوزها، فهذا صلاته لا تصح ولو أصاب القبلة. كيف يعني يا شيخ؟ يعني شخص في الحضر ما يريد أن يبدأ يبحث عن محاريب المسلمين، وإنما مباشرة بدأ يجتهد، قال: أنا والله أعرف هذه شمال، هذا للاسف يفعلونه كثير من الشباب ومن بعض الناس؛ يكون في مدينة وفي قرية ويحل وقت الصلاة عليه ومش عارف اتجاه القبلة، هذه الشمس جنوبها، هذه الشمس شمالها، وبلش يؤشر، هذه يمين وشمال، وهذا النجم الشمالي، وهذه الريح جاي من هنا، إذاً والله أعلم أن اتجاه القبلة هكذا، فيصلي! بنقول له: صلاتك باطلة ولو اكتشفت أنك باتجاه القبلة. حتى يا شيخ لو كنت اكتشفت أني باتجاه القبلة؟ حتى ولو اكتشفت أنك باتجاه القبلة؛ لأنك اجتهدت، هذه خطوة متأخرة في الحضر. في الحضر أول شيء تبحث عن محاريب المسلمين حتى تصلي للقبلة بيقين، فإن لم تجد تذهب تسأل، فإذا وجدت من يخبرك بيقين تتبعه، بعد ذلك بنذهب لقضية التقليد والاجتهاد وما شابه ذلك، خطوات متأخرة، فأنت تبدأ فيها وتتجاوز الخطوات الأولى، هنا الحنابلة صلاتك باطلة حتى ولو أصبت القبلة. كذلك مثلاً المسافر، المسافر إذا قلد الخطوة الثانية مع أنه يعرف بالأدلة ويستطيع هو أن يجتهد بنفسه، فصلاته باطلة ولو أصاب عين القبلة.
لماذا؟ لأنه ما مشى على الخطوات الشرعية. إذاً من لم يقم بهذه الخطوات ولم يتبعها فصلاته باطلة ولو أصاب عين القبلة. هذه هي خلاصة المسألة، وأنا في الحقيقة حاولت أن أختصر قدر الإمكان، وأن أكتبها لكم على شكل خطوات؛ خطوات حالة الحضر واضحة، حالة السفر. وأما الشيخ مرعي فلاحظوا الاختصار كيف كان شديداً جداً، فقال: «فإن لم يجد من يخبره عنها بيقين صلى بالاجتهاد، فإن أخطأ فلا إعادة». الآن هو يتكلم عن أي حالة؟ في الحقيقة الكلام فيه عموميات وإجمال. إن لم يجد من يخبره عنها بيقين صلى بالاجتهاد فإن أخطأ فلا إعادة؛ هذا إذا كان مسافراً، عرفنا أنه المجتهد أو المقلد في السفر هو الذي لا يعيد. وأما إن اجتهد وقلد في الحضر فتبين له الخطأ، هذا يعيد. فقوله: «فإن لم يجد من يخبره عنها بيقين صلى بالاجتهاد فإن أخطأ فلا إعادة»، هذا السطر اكتبوا أنه يتعلق بحالة السفر؛ يعني إذا أنا كنت في السفر ولم أجد من يخبرني عنها بيقين، وهذا هو الغالب. إذا وجدت في السفر من يخبرك بيقين مئة بالمئة بدك تتبعه، لكن الغالب أنك لا تجد من يخبرك بيقين، ماشي مع نفسك أو مع صاحبك، فصليت بالاجتهاد كونك عارفاً بالأدلة، فإن أخطأ في سفره فلا إعادة. أما إن كان الصلاة بالاجتهاد في الحضر فهذا إن أخطأ أو تبين له الخطأ عليه أن يعيد، فبالتالي العبارة التي أتى بها الشيخ مرعي هنا جداً مختصرة ولا تعبر ولا تحقق المسألة ولا تحررها تحريراً جيداً، فكان لا بد من هذا التفصيل.
ولا أطيل عليكم أكثر من ذلك، إن شاء الله في المحاضرة القادمة بإذن الله نختم الشرط التاسع من شروط صحة الصلاة، ونلاحظ أن كل مسألة تحقيقها واستيفاء مسائله وتصويرها يحتاج لوقت، وأحياناً كل محاضرة نأخذ فيها شرطين أو ثلاث أو واحداً حسب حجم الشروط، وهذا يدل على أن العلم يحتاج جهد، وأن تحقيق المسائل وتدوينها وترتيبها ليس بالأمر السهل. أنتم رأيتم مسألة الحضر والسفر في استقبال القبلة كيف أن لها شروطاً وقيوداً وأحوالاً، وأنها إذا لم ترتب جيداً تدخل المسائل على الطالب، فلا يعرف متى تلزم الإعادة في حالة الخطأ ومتى لا تلزم، فلاحظوا أن الأمر يحتاج إذاً إلى جهد وتدقيق: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12]. نسأل الله أن يعيننا على أن نجتهد في طلب العلم وتحصيله وتحريره وتنقيحه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل