غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله تعالى عليه. وكنا في المحاضرة السابقة أحبائي انتهينا من الباب الأول أو الفصل الأول الذي يتحدث عن تعريف الطهارة وعن أنواع المياه أو تقسيم المياه باعتبار صلاحية استعمالها في الطهارة.
تكلمنا عن تعريف الطهارة وعن أقسام المياه باعتبار صلاحية استعمالها في عملية التطهير، وعرفنا أن المياه بهذا الاعتبار ثلاثة أنواع: ماء طهور؛ طاهر بنفسه مطهر لغيره، وماء طاهر؛ طاهر بنفسه ليس مطهرا لغيره، وماء نجس أي متنجس. وعرفنا ما يندرج تحت هذه الأقسام من بعض التفاصيل. اليوم بإذن الله ننطلق إلى الباب الثاني، لكن قبل أن أنطلق إلى الباب الآن يا أحبائي كما وعدتكم في بداية كل مجلس لعلي أجيب عن بعض التساؤلات المهمة لبعض الطلبة.
طالب يسأل عن قضية ما الفرق أولا بين الماء الذي خلت به امرأة مكلفة لطهارة كاملة عن حدث وكان قليلا، وبين الماء المستعمل الذي استعمل في رفع الحدث الذي ذكرناه ضمن أقسام الماء الطاهر؟ ما الفرق بين هذا الماء وهذا الماء؟ اخواني حتى لا تخطئوا، الماء المستعمل الماء القليل طبعا ضبط الماء المستعمل في رفع الحدث كما قلنا هو الماء الذي يتقاطر من أعضاء الوضوء أو من أعضاء الغسل وتقوم أنت بجمعه في وعاء. الماء المستعمل المراد به الماء الذي يتقاطر من أعضاء الوضوء، يتقاطر من وجهك ومن يدك ومن قدميك وتجمعه في وعاء، هذا اسمه ماء مستعمل، وهذا الذي ضبطناه أنه إذا كان ماء قليلا مستعمل في رفع حدث بالغسلات الواجبة فهذا يكون طاهرا ولا يكون طهورا.
أما قضية الماء الذي خلت به امرأة مكلفة لطهارة كاملة عن حدث وعرفنا أن هذا الماء لا يستعمل في رفع حدث رجل بالغ ولا أنثى مشكل بالغ، فالمراد بهذا الماء ليس الماء الذي تقاطر من أعضاء المرأة في رفع هذا الحدث وجماعة في وعاء، ليس المراد به الماء الذي تقاطر من أعضاء المرأة في وضوئها أو في غسلها وجمعت في وعاء. لا، ليس هذا المراد، بل المراد الماء المتبقي في الطست مثلا بعد أن فرغت من وضوئها أو من غسلها؛ فهي أتت بطست وكانت تغرف منه صحيح، وخلت به طبعا بهذه الشروط، خلت به، خلت بهذا الطست وكانت تغرف وتتوضأ تغرف يديها ثم تمسح رأسها ورجليها فرضا. الآن الماء الذي يبقى في الطست بعد رفعها لحدثها هو الماء الذي لا يصلح لرفع حدث رجل ولا خنثى مشكل بالغ، الماء المتبقي بعد غرفها. وأما الماء الذي يتقاطر من أعضاء المرأة في وضوئها أو في غسلها فهذا يدخل ضمن الماء المستعمل نفسه، نفس الماء المستعمل، هذه قضية أخرى. لكن ما نتحدث عنه في الماء الذي خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث هو الماء المتبقي بعد انتهاء المرأة من رفع حدثها، جميل؟
إذن فرق بين هذه الصورة وهذه الصورة، هناك في هذه الصورة نتكلم عن الماء المتبقي بعد فراغ المرأة، وهناك نتكلم عن الماء المتساقط من الأعضاء فهذا هو المستعمل، فأرجو ألا تخلطوا بين الصورتين. طالبة أيضا سألت: لماذا يا شيخ اشترطتم الخلوة؟ لماذا اشترطتم الخلوة؟ يعني يجب أن تخلو المرأة بهذا الماء حتى يصبح ممنوع الاستعمال للرجل البالغ والخنثى البالغ في رفع الحدث، من أين أخذتم هذا الشرط؟
وفي إخواني أنا كما ذكرت لكم في بداية الدورة لو أننا سنذكر دليلا على كل مسألة وما أتا به الحنابلة من أوجه الاستدلال لطالت الدورة وطالت المجالس كثيرا. ونحن الآن في مرحلة تصور المسائل على طريقة الحنابلة، لكن لا مانع من ذلك من أن أشار إلى بعض الأدلة وإلى بعض العلل التي ترفع الإشكال والابهام عن بعض المسائل التي قد تكون غريبة على طلبة أو مستجدة عليهم. ففي هذه المسألة مثلا مسألة إذا أخلت امرأة لطهارة كاملة، نحن عرفنا أن أصل هذه المسألة أصلها تعبدي، هي مسألة ليست معللة عندنا، لا نعرف نحن علتها ونتركها لما أتى به الشرع، يعني نقف عند حد الشرع ولا نخوض في علتها، لها عند الله سبحانه وتعالى حكمة نحن نجزم بذلك، لكن ما هي الحكمة؟ نحن لا نعلمها، فلذلك تسمى مسألة تعبدية، نفعلها ولا نعرف علتها وحكمتها، ونكل حكمتها وعلتها إلى الله سبحانه وتعالى، وهو ما جاء في الحديث من حديث حكم بن عمرو الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة.
طبعا كلمة طهور المرأة هل هي تشمل طهورها من حدث أصغر أو من حدث أكبر؟ وفضل طهورها هو الماء المتبقي في الطست أو في الإناء بعد أن تفرغ من وضوئها أو من غسلها، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. بناء على هذا الحديث أخذ الحنابلة هذه المسألة، لكن لماذا اشترطوا الخلوة؟ جميل.
إخواني عملية الاستدلال هي عملية مركبة، أي يجب أن نستقرئ جميع النصوص الواردة في هذه المسألة حتى نستنتج أو نستنبط أو نصل للحكم الصحيح الكامل المتكامل كما يقولون. فأنت لا تأخذ حكم المسألة من حديث واحد وتقف، يجب أن تنظر كل الأحاديث والآثار التي وردت في هذه المسألة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الآيات القرآنية إذا كان هناك آيات قرآنية، وتحاول أن تجمع بين النصوص وتركب بينها وتوافقها مع بعضها البعض حتى تصل إلى الصورة النهائية للحكم، جميل؟ ممتاز.
بناء على هذا اتينا لقضية خلوة المرأة، من أين اشترطها الحنابلة؟ رأى الحنابلة أن هناك كثير من الأحاديث الصحيحة في البخاري وفي مسلم يخبر فيها النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يغتسل مع زوجاته غسل الجنابة، فكان يغتسل مع عائشة وكان يبادرها إلى الإناء وهي تبادره وهي تقول له دع لي وهو يقول لها دعي لي، وكان يغتسل مع أم سلمة. فإذا سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام وعائشة رضي الله عنها كانا يغتسلان من إناء واحد من الجنابة، فإذا عائشة كانت تغرف من هذا الإناء في غسل الجنابة، كانت تغرف من هذا الإناء بيدها حتى تغتسل جنابة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يشاركها من نفس الإناء. بالتالي فهمنا من هذا الحديث أنه إذا المرأة لم تخلو بالإناء بل شاركها زوجها، بل شاركها زوجها بناء طبعا على هذا الحديث، فإن هذا الماء يمكن أن يرفع حدث الرجل ولا أشكال فيه، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغرف منه هو أيضا ويغتسل.
فباختصار لما رأى الحنابلة الآثار التي تدل على مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه في الغسل وجاءوا إلى هذا الحديث الآخر حديث الحكم بن عمرو الغفاري: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، نظروا بين هذا وهذا فحاولوا أن يجمعوا حتى يصلوا إلى الحكم المتكامل. فقالوا: إذن حديث الحكم بن عمرو الغفاري نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، هذا في حال خلوة المرأة بالإناء أو بالماء يعني تفردها باستعماله. وحديث عائشة في غسلها مع النبي صلى الله عليه وسلم يعطينا معلومة أن المرأة إذا لم تخلو وشاركها -طبعا من يجوز له مشاركتها، المرأة من يغتسل معها زوجها- إذا شاركها أو حضرها عموما من بلغ سن التمييز فصاعدا ولو كان أعمى ولو كان كافرا أو ما شابه ذلك، فإن المرأة في هذه الحالة لا تؤثر في هذا الماء المتبقي من غسلها أو من وضوئها ويجوز أن يستعمل مرة أخرى، فلا يأخذ بالحكم.
عرفتم إخواني، طبعا كما قلت لكم، عليكم دائما أحبائي أن تفهموا أن القيود والشروط التي يؤتى بها إنما يؤتى بها لأدلة، وأن عملية إنتاج الحكم الشرعي ليست عملية كما يظن بعض الطلبة المبتدئين مجرد أن تأخذ حديثا تنظر في ظاهره ماذا يقول وهكذا مباشرة تلقي الحكم الشرعي من دون قيوده وشروطه وضوابطه. هذا غير معروف عند أهل العلم الكبار، ومن هنا نقول أهمية المذاهب أنها كما قلنا أن أصحابها أربابها وأن القائمين عليها كانوا يستقرئون النصوص ويحاولون أن يصلوا إلى أفضل طرق الجمع بينها بعيدا عن الفوضى والتشتت.
وهذا مثال بين أيديكم حاضر، كيف جمع الحنابلة رحمة الله عليهم بين حديث الحكم بن عمرو الغفاري وبين حديث غسل عائشة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم تمام، ووصلوا إلى هذه النتيجة. طبعا هذا الحكم كما قلت لكم من مفردات الحنابلة، يعني أن المذاهب الأخرى ترى أن قضية النهي أو نهي الرجل أن يتوضأ بفضل طهور المرأة كما جاء في حديث الحكم بن عمرو الغفاري أن الحديث منسوخ بأحاديث أخرى مثل حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بفضل ميمونة وما شابه ذلك. لكن قضية هل ثبت النسخ أو لم يثبت النسخ؟ هل هناك توجيه؟ نعم.
الحنابلة وجهوا هذه الأحاديث التي يدعي الجمهور أنها ناسخة، وجهها الحنابلة بأن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الآنية كان بمشاركته لزوجاته وليس بتفرده أو كانت هي توضأت بحضرته ثم هو استعمله بعد ذلك لأنه كان حاضرا أو تاركا لها على أحد التقديرين. فهناك باختصار تأويلات عديدة للنصوص التي زعم الجمهور أنها ناسخة لحديث الحكم بن عمرو الغفاري، وهنا تأتي المسالك الفقهية والمذاهب وكل عالم أو كل مذهب له اتجاهه في طريقة التعامل مع النصوص، فالحنابلة لم يذهبوا إلى النسخ بل ذهبوا إلى الجمع لأن الجمع أولى من النسخ، غير الحنابلة ذهبوا إلى النسخ، وهكذا كما قلنا تنشأ الأقوال والاختلافات المسائل الفروعية.
لا أطيل أكثر من ذلك في قضية خلوة المرأة بالإناء ومن أين اشترطها الحنابلة، أشرت إلى هذا إشارة سريعة. دعوني أنتقل إلى الباب الثاني من أبواب كتاب الطهارة أحبائي وهو باب الآنية. سؤال لربما يأتي على خاطر أحدكم: ما العبرة من ذكر باب الآنية في كتاب الطهارة وبعد ذكر المياه بالتحديد؟ لماذا يذكر أو تذكر الآنية هنا؟
في الحقيقة أحبائي، الآنية كانت هي الظروف هي الأوعية التي توضع فيها المياه في الزمن القديم، بل حتى في زمننا هذا في بعض المناطق الريفية لا توجد هناك شبكات مياه وصنابير مياه تفتح ما شاء الله الحنفية ينزل الماء، هذا من تطورات الحياة المعاصرة، لكن قديما الآنية كانت هي الظروف هي الأوعية التي توضع فيها المياه، ثم من يريد أن يتوضأ أو يغتسل يغترف من هذه الآنية. فكان لابد بعد معرفة الماء ومعرفة حكم الماء المستعمل في الطهارة أن نعرف أحكام الأوعية والظروف التي يوضع فيها الماء، ومن هنا قالوا باب الآنية.
جميل، الآن ما الأحكام التي سيذكرها الشيخ مرعي في هذا الباب؟ نبدأ مستعينين بالله ابتداء. قال: «يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله ولو ثمينا، إلا آنية الذهب والفضة والمموه بهما». الآن بدأ بحكم شرعي تكليفي من الأحكام الخمسة، الأحكام مباح واجب مندوب حرام مكروه، وكل هذا الكتاب الذي بين أيدينا ليبين هذه الأحكام، ما هو المباح، وما هو الواجب، وما هو السنة، وما هو المندوب، وما هو المكروه، وما هو الحرام؟ ويبين لنا الأحكام الوضعية الضابطة للأحكام التكليفية الأسباب والشروط والموانع، هذه فائدة هذه الكتب والمختصرات تمام.
فقال ابتداء: «يباح» فأعطانا حكم الاباحة، «يباح اتخاذ كل إناء طاهر». كلمة طاهر أخرجت النجس. «يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله». طب يا شيخ ايش الفرق بين الاتخاذ والاستعمال حتى عطف الاستعمال على الاتخاذ؟ الاتخاذ أحبائي هو الاقتناء، أن تقتني الشيء ولو لم تستعمله، وأما الاستعمال فهو أن تباشر استعمال هذا الشيء في حياتك العملية تشرب به، تطبخ فيه، تأكل منه. فهناك اتخاذ وهناك استعمال، والنص على الاتخاذ والاستعمال لأن هناك مذاهب فقهية تفرق بين حكم الاتخاذ الذي هو الاقتناء من دون استعمال وبين الاستعمال فتبيح الاتخاذ ولا تبيح الاستعمال، ولا يهمني تفصيل غير الحنابلة، الآن يهميني تفصيل الحنابلة.
الحنابلة يقولون: يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله جميل، «ولو ثمينا» يعني حتى لو كان سعر الإناء بملايين الدنانير، حتى لو كان سعره بملايين الدنانير يجوز يا شيخ أن أتخذه وأن استعمله؟ نعم، حتى لو كان من ألماس يجوز أن تتخذه ويجوز أن تستعمله بشرط أن يكون طاهرا. أما إذا كان غير طاهر، إذا كان نجس، مثال ذلك إخواني للأسف اليوم ينتشر في بيوت بعض الأغنياء آنية مصنوعة من عاج الفيل، الآن الفيل غير مأكول اللحم وليس من حيوان طاهر في حال الحياة فميتته نجسة، وكل ما يتعلق بميتته من عظم وعصب كما سيأتي معنا في محاضرة اليوم إن شاء الله نجس، فإذا صنع إناء من عاج فيل -طبعا هذا سعره غالي جدا- لكن هذا الإناء صنع من عظم ميتة فالعظم نجس، فلا يجوز اتخاذ هذه الآنية المصنوعة من عاج الفيل ولا يجوز استعمالها، لأن الحنابلة يقولون: يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله ولو ثمينا، فإذا كان الإناء مصنوع.
من مادة نجسة، وهذا أشهر الأمثلة عليه عاجل الفيل. فإن هذا الإناء يحرم اتخاذه ويحرم استعماله. ممتاز، فلا يجوز لك أن تشتريه لأنه شيء نجس ولا يجوز لك أن تستعمله. جميل، يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله.
لو ثمينا ممتاز واستثنى. قال: إلا آنية الذهب والفضة والمموه بهما. النبي صلى الله عليه وسلم نهى أحبائي عن الأكل والشرب بآنية الذهب والفضة، كما جاء في حديث حذيفة وغيره من الأحاديث.
وقال إنه من شرب فيهما في الدنيا لم يشرب فيهما في الآخرة. فهناك تحذير شديد من استعمال الذهب والفضة في الأكل والشرب في الأحاديث النبوية. وقاس الحنابلة كل أوجه الاستعمال على الأكل والشرب.
قالوا: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل والشرب فغير ذلك من أوجه الاستعمال هي في حكم الأكل والشرب. فلا يجوز استعمال آنية الذهب في الظهر، ولا يجوز اتخاذها. بعض الطبقات الثرية أيضاً تسرف في المال فتشتري إناء ذهب أو إناء فضة وتضعها زينة على طاولة أو في الصالة، هذا لا يجوز حرام يحرم اتخاذ أو استعمال آنية الذهب والفضة.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب وعن الأكل فيهما فمن باب أولى أن يوضع زينة من غير قصد، قال الحنابلة من باب أولى. الحنابلة يرون الحكم معلل.
فقالوا من باب أولى إذا وضع للزينة أو لمجرد الاتخاذ أن يحرم ذلك. فآنية الذهب والفضة إذاً الباب فيها مغلق تماماً، لا يجوز اتخاذها ولا يجوز استعمالها. ممتاز ممتاز. ثم قال: والمموه بهما.
إيش يعني المموه بهما؟ كذلك الآنية المموهة بالذهب والفضة. ما معنى التمويه؟ المراد بالتمويه أحبائي قالوا: أن يذاب الذهب والفضة في بعض المصانع أحبائي تذيب الذهب وتذيب الفضة ثم يلقى في الذهب المذاب أو الفضة المذابة الإناء من النحاس أو من الحديد حتى يموه هذا الإناء النحاسي أو الحديد بذهب على غلافه الخارجي أو بفضة على غلافه الخارجي. هذا يسمى التمويه عند الفقهاء، أن تذيب الذهب أو الفضة ثم تلقي فيه إناء من نحاس أو من حديد أو من أي مادة حتى يأخذ الشكل الخارجي لهذا الإناء الحديدي أو بالنحاسي من الذهب والفضة المذاب، فهذا إناء إذاً مموه بذهب أو فضة فلا يجوز استعماله ولا اتخاذه.
كذلك المطلي، الإناء المطلي بالذهب أو الفضة. ويقصد الفقهاء بالمطلي هو أن تجعل الذهب أو الفضة كالورق. تجدون هناك ذهب خفيف جداً يصنعونه على شكل أوراق أو فضة خفيفة جداً فضة تصنع على شكل أوراق وتلصق على آنية النحاس أو الحديد. هذا يسمى إناء مطلي بذهب أو فضة، هذا أيضاً لا يجوز استعماله.
فباختصار: آنية الذهب اللي كلها ذهب خالص، وآنية الفضة اللي كلها فضة خالصة، أو الآنية المموهة بالذهب والفضة اللي هي أصلها نحاس أو حديد أو ما شابه ذلك وألقيت في الذهب أو الفضة لتموه بهما، أو المطلية بالذهب أو الفضة وضعنا عليها أوراق من الذهب أو الفضة. كل هذه لا يجوز استعمالها ولا اتخاذها.
طيب، لكن لو أن شخصاً اتخذها أو استعملها، نقول هو فعل حراماً، صح؟ ممتاز. لكن هنا المسألة لو أنه فعل هذا الحرام فاشترى وعاء من ذهب أو وعاء من فضة ووضع فيه ماءً ثم جعل يغرف الماء من هذا الوعاء الذهبي أو الفضي توضؤوا به، ما حكم الوضوء؟ ما حكم الطهارة؟
الحنابلة يقولون: صحيح الإناء محرم، لكن الإناء أمر خارج منفصل عن عملية الطهارة تماماً. فلو أن شخصاً اقتنى إناءً ذهبياً ووضع فيه ماءً، وضع ماءً مباحاً، الماء مباح ما في مشكلة، المشكلة الآن عندنا في الإناء. فلو شخص اقتنى إناءً ذهبياً ووضع فيه ماءً وتوضأ من هذا الماء الموجود في الإناء الذهبي فوضوؤه صحيح لا غبار عليه، وإن كان آثماً لأنه استعمل إناءً ذهبياً. فبدنا نفصل من قضية الاستعمال، الإناء الذهبي حرام، لكن الوضوء كحكم وضعي لأن الصحة والفساد كما تعرفنا في مادة أصول الفقه سابقاً من الأحكام الوضعية، كحكم وضع الوضوء صحيح ولا فاسد؟ الوضوء صحيح، لكنه فعل محرماً في استعمال الإناء الذهبي.
فلذلك قال: وتصح الطهارة بها. فكلمة تصح الصحة والفساد حكم وضعي وليس حكم تكليفي. فنقول: وتصح الطهارة بها مع أنها محرمة، لأن التحريم هنا ليس متعلقاً بالماء، لو كان الإناء عفواً لو كان الماء هو المحرم ههنا بترجعوا للماء الطهور المحرم، أول نوع من انواع المياه الطهور تكلمنا عن الماء الطهور المحرم، وعرفنا أن الماء الطهور المحرم لا يرفع الحدث، فإذا استعمله الإنسان في رفع الحدث لا تصح طهارته، لكن هنا الماء لا، الماء طهور ليس محرماً وإنما التحريم في الإناء، فبالتالي قضية الطهارة منفصلة عن قضية الإناء، فقالوا: تصح الطهارة بها مع أن هذه الآنية محرمة. فقالوا: وتصح الطهارة بها.
بالإناء المغصوب. يعني بده يقول لك لما عطف الإناء المغصوب بده يقول لك إنه كل إناء محرم، سواء حرم لحق الله كالذهب والمموه بهما والمطلي بهما، أو حرم لحق الآدميين كالإناء المغصوب أو المسروق. لو أنه وضع ماءً في هذا الإناء المحرم وتوضأ فالوضوء صحيح والطهارة صحيحة والغسل صحيح مع أن الاستعمال لهذا الإناء محرم. وهكذا انتهت المسألة.
ثم سيستثني استثناءً واحداً في قضية آنية الذهب والفضة. ما هو الاستثناء؟ قال: ويباح إناء ضبب بضبة يسيرة من الفضة لغير زينة. إخواني، هناك شيء يسمى التطبيب، ما هو التطبيب؟ هو الترميم. إناء كسر جزء منه، فأردت أن ترممه وأن تصلحه، قديماً كثيراً ما كانوا يرممون ويصلحون الآنية المكسورة بأجزاء من الذهب أو الفضة باعتبارها عناصر قوية يصلح الترميم بها، هذا معنى التطبيب، الترميم ممتاز. وقد جاء في الحديث الصحيح عند البخاري أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب يعني مكان الكسر سلسلة من فضة، يعني رممها بسلسلة من فضة.
فبالتالي قضية التطبيب حالة استثنائية، لكنها مقيدة بضوابط دقيقة جداً عند الحنابلة. انظر قالوا: ويباح إناء ضبب، أي إناء من حديد أو من نحاس أو من أي معدن ضبب، أي رمم، رمم بضبة يسيرة. أن تكون ضبة يسيرة، هذا الشرط الأول فيها. فاخرج الضبة الكبيرة، يعني إذا أردت أن ترمم ترمم بضبة يسيرة، واليسير هنا في عرف الناس، يعني ضابطه العرف، لا يوجد ضابط شرعي أو لغوي لليسير، وإنما ضابطه في الناس ما اعتاده الناس في عرفهم يسيراً نعتبره يسيراً وما كان في عرف الناس كبيراً يكون خالف شروط هذه المسألة.
فلا بد منه، إذا أردت أن تضبب الإناء فتكون بضبة يسيرة، طبعا تضبب المراد بالذهب أو الفضة، أما إذا ضببت بغير الذهب والفضة ما عندها مشكلة كده. المشكلة التطبيب بالذهب أو بالفضة ما حكمه؟ قال: ويباح إناء ضبب بضبة يسيرة، هذا القيد الأول، من الفضة فقط فالذهب لا يجوز الترميم به أبداً، من الفضة لغير زينة. والشرط الثالث أن يكون هذا التطبيب ليس لمجرد زينة تريد أن تضعها على الإناء، لا فعلا هناك حاجة للتطبيب للترميم، الإناء انكسر، فيه منطقة سينكسر مع قادم الأيام، فالمهم يباح تطبيب الآنية بالفضة بشرط أن تكون هذه الفضة يسيرة ويكون استعمالها لحاجة.
طيب، حتى لو وجدت غير الفضة يا شيخي؟ لو وجدنا مثلاً مادة ملصقة ما شاء الله تمام أفضل من أداء الفضة، هل يجوز استعمال الفضة في عملية الترميم إذا كانت ضبة يسيرة لحاجة؟ قالوا: يجوز، أن يستعملها ولو وجد غيرها ولو وجد غيرها. فاذا بدكم تحفظوا الضوابط: التطبيب بالذهب أو الفضة ما حكمه؟ تقول: الذهب لا يجوز الترميم به أبداً بشكل من الأشكال، وأما الفضة فيجوز الترميم بها بشرطين: أن تكون فضة يسيرة في عرف الناس، وأن يكون التطبيب بها للحاجة.
طيب لو وجد غير الفضة هل يجوز استعمال الفضة اليسيرة للحاجة؟ نقول: نعم، حتى لو وجد غير الفضة يجوز استعمال الفضة. وهذا الاستثناء وهو جواز التطبيب بالفضة اليسيرة للحاجة أخذوه من الحديث الذي ذكرته لكم، حديث أنس أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فوضع مكان الكسر سلسلة من الفضة ليرمم بها. واما سائر انواع التطبيب الاخرى وأشكاله فهي محرمة، ويلحق الإناء المضبب بالذهب أو بالفضة الكبيرة أو بالفضة الصغيرة أو اليسيرة لغير الحاجة يلحق في التحريم بآنية الذهب والفضة والمموه بهما والمطلي بهما ممتاز. فاذا لا بد تحفظوا: متى يجوز التطبيب بالذهب أو بالفضة؟ تقول: يجوز فقط بالفضة اليسيرة للحاجة.
قلا بعد ذلك الشيخ مرعي ليبين لنا حكم آنية الكفار وألحق بها ثيابهم لأن الحكم واحد. فقال: وآنية الكفار وثيابهم طاهرة. ثم وضع لنا قاعدة كلية في هذا الباب يقول فيها: ولا ينجس شيء بالشك ما لم تعلم نجاسته. هذه قاعدة، وما ذكره قبلها وآنية الكفار وثيابهم طاهرة فرع من فروع هذه القاعدة أو هذا الضابط إذا صحت التسمية، هو تسميته ضابط عند علماء القواعد الفقهية أدق من تسميته قاعدة، لكن لا حرج في ذلك.
المهم قال الشيخ مرعي: وآنية الكفار وثيابهم طاهرة. لماذا نص على آنية الكفار بالتحديد؟ ما الإشكال فيها ابتداء؟ إخواني كما تعلمون، الكفار لا يتحرجون من ملابسة النجاسات، فيمكن أن يضعوا في آنيتهم لحم الخنزير وهو نجس، ويمكن أن يضعوا في آنياتهم الخمور وهي نجسة. ومثل ذلك في ثيابهم، الكفار للأسف كثير منهم لا يستنجي ولا يعرف لا استنجاء ولا استجمار، فيبول الشخص أو يتغوط ويلبس ثيابه ويخرج بها.
فالآن ما هو الأصل في آنية الكفار وثياب الكفار؟ هل نقول الأصل فيها أنها طاهرة حتى نتيقن أن هذا الإناء بعينه لهذا الكافر فيه نجاسة لم تغسل أو هذا الثوب بعينه لهذا الكافر المعين فيه نجاسة لم تغسل؟ أم نقول بما أن الكفار الأصل فيهم أو أكثر في حالهم أنهم يلابسون النجاسات، إذاً هي نجسة ولا تستعمل حتى تغسل؟ لاحظوا، ما هو الأصل في آنية الكفار؟ هل نقول الأصل في آنية الكفار أنها طاهرة، وفي ثياب الكفار أنها طاهرة حتى نتيقن من وجود أو وقوع النجاسة فيها؟ أو نقول الأصل فيها أنها نجسة حتى نتأكد من تطهيرها؟
الحنابلة يقولون: الأصل في آنية الكفار وفي ثيابهم أنها طاهرة. نعم صحيح، الكفار كثيراً ما يلابسون النجاسات، لكن هذا لا يعني أن يصبح الأصل في آنيتهم وفي ثيابهم التنجيس، بل الأصل فيها الطهارة. وأعطاكم القاعدة الكلية: ولا ينجس شيء بالشك. لأنه الآن هذا إناء لكافر أمامي ممتاز، أنا الآن غير متيقن أن هذا الكافر المعين وضع فيه خمر أم لم يضع فيه، وغير متيقن وضع فيه لحم الخنزير أو لم يضع فيه، أنا لست متأكداً. صحيح الحالة العامة للكفار أنهم يلابسون النجاسات، لكن هذا الإناء المعين بحد ذاته أنا غير متأكد أن وقعت فيه نجاسة من هذه النجاسات أو لا، فأنا شاك، وبما أني شاك في النجاسة فالأصل في هذه الأشياء الطهارة، فقال: ولا ينجس شيء بالشك ما لم تعلم، يعني تتيقن نجاسته.
فبالتالي آنية الكفار أحبائي وثياب الكفار طاهرة. لو جاءك إناء من كافر لا يجب أن تغسله، ولو جاءتك ثياب من كفار لا يجب أن تغسلها. نعم، وجه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه لغسل آنية الكفار كما جاء في حديث أبي ثعلبة الخشني، قال الحنابلة من باب الاستحباب والكمال، لكن هل هو واجب ولا يجوز استعماله حتى تغسل؟ قالوا: لا، الأصل في آنية الكفار وفي ثيابهم أنها طاهرة، ولا ينجس شيء بالشك ما لم تتيقن تعلم نجاسة مئة بالمئة. إذا تيقنا أن هذا الإناء وضع فيه لحم خنزير حينئذ أُريد أن أغسله، أو أن هذه الثياب فيها بول أو غير ذلك من النجاسات، حينئذ نغسلها، وما عدا ذلك في الأصل الطهارة.
انتقل الآن الشيخ مرعي لبيان حكم الميتة، وبيان حكم الميتة أحبتي هنا ذكر على سبيل الاستطراد لكنه مهم. لماذا؟ لأنها في الزمن القديم أحبائي كثيراً ما كانوا يستعملون أعضاء الحيوانات في صناعة الآنية، كثيراً ما كانوا يستعملون أعضاء الحيوانات من عظامها ومن جلودها لصناعة آنية، فأراد أن يبين الشيخ رحمة الله عليه ما حكم الميتة وأعضاء الميتة؟ ليبين هل يجوز استعمال الميتة بأعضائها في صناعة مياه ولا لا يجوز ذلك؟ فهذا ما ظهر لي والله أعلم بالاجتهاد سبب ذكر أحكام الميتة في هذا الموطن، لأنه الأصل أن تذكر في باب النجاسات. طب لماذا تذكر في باب الآنية؟ والله أعلم كما قلت لكم أنهم كثيراً ما كانوا يصنعون الآنية من أعضاء الحيوانات، فأراد أن يبين لك ما هي الأعضاء النجسة ومتى ومتى تكون الحيوانات نجسة ومتى تكون طاهرة؟ ليبين لك متى يجوز الاستعمال أعضائها في تنعي الآنية ومتى لا يجوز ذلك؟ فذكر حكم الميتة.
فقال: وعظم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها وعصبها وجلدها نجس. ممتاز، هذا حكم عام قبل أن أدخل في الأعضاء دعوني إخواني أتكلم أولاً عن مفهوم الميتة. ما هي الميتة؟ وحتى نعرف مفهوم الميتة علينا أن نعرف أحبائي تقسيم الحنابلة للحيوانات. علينا أن نعرف تقسيم الحنابلة للحيوانات، الحنابلة عندهم تقسيم للحيوانات، يقسمون الحيوانات إلى قسمين أساسيين فيقولون: الحيوانات حيوانات أما طاهر حال الحياة وإما نجسة حال الحياة. أولاً قسمة ثنائية الحيوانات على نوعين: طاهر حال الحياة ونجسة حال الحياة. والحيوانات الطاهرة حال الحياة يقسمونها إلى قسمين: حيوانات طاهرة مأكولة اللحم، حيوانات طاهرة غير مأكولة اللحم. ممتاز، عرفتم بالتقسيم؟ جيد، الآن سأذكر ضابط كل قسم من هذه الأقسام، أبدأ بالحيوانات النجسة حال الحياة، الحيوانات النجسة حال الحياة أحبائي ركزوا في ضابطها هي.
كل حيوان حجمه فوق حجم الهرة، الهرة البس يعني في لغتنا العامية، حجمه فوق حجم الهرة في الخلقة وهو غير مأكول اللحم، فهو حيوان نجس حال الحياة. فيدخل في ذلك الأسد، والنمر، والفيل، والفهد، والحمار الأهلي وليس الوحشي؛ لأهل هذا الحمار الذي يكون مع الغنم وترونه في حياتكم اليومية في الطرقات، هذا يسمى الحمار الأهلي. هذا أيضا نجس حال الحياة عند الحنابلة؛ لأن ضابط الحيوان النجس حال الحياة كل حيوان حجمه فوق حجم الهرة وهو غير مأكول اللحم.
نعود إلى القسم الأول، الحيوانات الطاهرة حال الحياة. ركزوا، حيوان طاهر حال الحياة ينقسم إلى نوعين: مأكول اللحم وغير مأكول اللحم. المأكول اللحم منه هو كل حيوان طاهر أباح الشرع لنا أن نذبحه وأن نأكل لحمه، كالغنم، والبقر، والإبل، والحمار الوحشي، والحصان، والبط، والوز، وقس على ذلك.
الان القسم الآخر منه، الحيوان الطاهر حال الحياة غير مأكول اللحم، هو كل حيوان حجمه حجم الهرة فما دونها في الخلقة وهو غير مأكول اللحم. كل حيوان حجمه حجم الهرة فما دونها في الخلقة وهو غير مأكول اللحم في حال الحياة طاهر، لذلك أدخلناه تحت هذا القسم؛ حيوان طاهر حال الحياة، لكنه غير مأكول اللحم. وهو كل حيوان كالهرة فما دونها في الخلقة، ولم يبح لنا الشارع أن نأكل مثل الهرة، مثل الجرذ، والفئران، وما شابه ذلك احبائي.
الان هذا النوع الطاهر للحياة غير مأكول اللحم، من أين أخذه الحنابلة؟ أخذه الحنابلة من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الهرة، يعني هل هي نجسة يا رسول الله؟ فقال: «إنها ليست بنجاسة إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات». فالحنابلة فهموا أن الأمر متعلق بالحجم، أنه ما كان بحجم الهرة فما دونها هذا لعله يصعب التحرز منه، فالشريعة حكمت عليه بأنه طاهر حال الحياة، ومن هنا أتى هذا القسم.
إذا نعود إلى القسمة، الحيوانات: حيوانات نجسة حال الحياة، حيوانات طاهرة حال الحياة. لما أقول نجس حال الحياة أو طاهر حال الحياة، ركزوا، نجس حال الحياة يعني هو حي وموجود يكون نجس. فبالتالي لو وضعت يدي على أسد وكان هناك رطوبة -يعني وسط مائع؛ لأنه كما سنعرف إن شاء الله أن النجاسة حتى تنتقل من شيء إلى شيء تحتاج إلى رطوبة، إلى وسط مائع لتنتقل- المهم إذا أنا وضعت يدي على أسد وكان هذا الأسد عرقان، فانتقلت رطوبة إلى يدي، تنجست يدي. الحمار الأهلي، الحمار الأهلي لو كان على يد ماء أو عليه هو ماء، ووضعت يدي على الحمار الأهلي، تنجست يدي؛ لأن هذه الحيوانات نجسة حال حياة.
نذهب للقسم الآخر، الحيوانات الطاهرة حال الحياة، هذه الحيوانات إذا وضعت يدي عليها لا تنجس؛ لأن هذه الحيوانات طاهرة حال الحياة. سواء كانت مأكولة اللحم؛ كالغنم والبقر والإبل، أو كانت غير مأكولة اللحم كالهرة والفأر والجرذون وما شابهها، فهذه طاهرة حال الحياة. فهذا تأثير أن تكون نجسة للحياة أو طاهرة حال الحياة، فلو كان معك هرة تلعب بها وتضع يدك عليها، حتى لو كانت هذه الهرة عرقانة أو يدك عليها ماء، لا تنجس؛ لأن الهرة فما دونها في الخلقة حيوانات طاهرة للحياة.
الان أنا بينت هذا التقسيم لأعرفكم ما هي الميتة بالضبط. الآن إخواني، الميتة ساوزعها على هذا التقسيم على النحو التالي، فأقول: الحيوان النجس حال الحياة كالأسد وما شابهه، إذا مات حتف أنفه أو بذكاة، يعني ذبح -أنت ما مات حتفه أنت ذبحته- في كلا الصورتين يكون ميتة؛ لأنه غير مأكول اللحم. فالحيوان النجس حال الحياة، سواء مات حتف أنفه -وجدت أسد ميت لحاله- أو أنت ذبحت الأسد وقلت بسم الله والله أكبر، في كلا الحالتين نجس وفي كلا الحالتين ميتة.
طيب، الحيوان الطاهر حال الحياة غير مأكول اللحم كالهرة فما دونها، أيضا نفس القضية، نفس القضية سواء مات حتف أنفه أو أنت مسكته ذبحته هو ميتة، هو ميتة ونجس؛ لأنه الآن مات فأصبح نجس بالموت. فالحيوانات الطاهرة حال الحياة غير مأكولة اللحم، سواء ماتت حتف أنفها أو أنت ذبحتها تسمى أيضا ميتة.
الحيوانات الطاهرة حال الحياة لكنها مأكولة اللحم، هي ميتة في صورة واحدة؛ إذا ماتت حتف أنفها، وأما إذا ذبحتها وذكيتها وقلت بسم الله والله أكبر، هي مأكولة اللحم فيجوز لي أن أكلها، فهي بالتأكيد ليست ميتة. فعرفتم إذا ما هي الميتة؟ الميتة إما حيوان نجس حال الحياة مات حتف أنفه أو مات بذبح إنسان له، في كلا الصورتين ميتة. أيضا حيوان طاهر حال الحياة، لكنه غير مأكول اللحم كالهرة فما دونها في الخلقة قمت بذبحه أو مات حتف أنفه، كلاهما ميتة. حيوان طاهر حال الحياة وهو مأكول اللحم، ومات حتف أنفه فهو ميتة، أما إذا ذكيته فهذه هي الصورة الوحيدة التي لا يكون فيها الحيوان ميتا؛ حيوان طاهر مأكول اللحم قمت بتزكيته تزكية شرعية صحيحة، هذه هي الحالة الوحيدة التي لا يكون فيها الحيوان ميتا.
هكذا إذا عرفنا ما هي الميتة بأشكالها المتنوعة. الآن، ما حكم الميتة؟ الميتة نجسة. متى حكمنا على حيوان أنه ميتة؟ فالميتة نجسة. طب ما هو النجس فيها؟ قال: وعظم الميتة. تأتي، لاحظوا الأجزاء والاعضاء التي سيحكم عليها بأنها نجسة من الميتة؛ لأن هناك استثناءات يسيرة سنمر عليها بإذن الله بعد قليل. قال: وعظم الميتة، وقرنها -عظم الميتة معروف وقرن الميتة معروف، القرون- وظفرها -إذا كانت الميتة من أصحاب الظفر- وحافرها -إذا كانت من أصحاب الحوافر- وعصبها وجلدها نجس.
إذا، كل هذه الأمور في الميتة نجسة. طبعا لحمها من باب أولى، لماذا لم يذكر اللحم؟ لأنه من باب أولى؛ لأن الميتة أساسا هي اللحم، فمن باب أولى اللحم فهو نص على الأشياء التي يمكن أن تشكل عليك، وأما الواضحات فلا داعي لذكرها، فلحمها من باب أولى أنه نجس. إذا، وعظم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها وعصبها وجلدها نجس، وتقول من باب أولى لحمها.
قال: ولا يطهر بالدباغ. الآن هذه لا يطهر بالدباغ تعلق أحبائي بماذا؟ تتعلق بالجزئية الأخيرة بجلد الميتة. جلد الميتة وهي مسألة شهيرة في الفقه: هل جلد الميتة يطهر بالدباغ ولا لا يطهر بالدباغ؟ الحنابلة رحمة الله عليهم ماذا يقولون؟ يقولون أحبائي جلد الميتة لا يطهر بالدباغ مطلقا، سواء كانت هذه الميتة من الحيوان النجس حال الحياة، أو من حيوان طاهر حال الحياة غير مأكول اللحم، أو من حيوان طاهر حال الحياة مأكول اللحم، الميتة من أي قسم من هذه الأقسام كانت، جلدها لا يطهر بالدباغ.
قبل، قبلها يا شيخ أن تدخل لي في هذا الموضوع أريد منك أن تعرفني ما هو الدباغ أصلا. صحيح، هذا حقك. الدباغ أحبائي ما هو؟ أن يؤخذ الجلد -أنا الآن سأعرف الدباغ عموما- الدباغ هو أن تأخذ جلد الحيوان بعد أن يموت بغض النظر كان ميتة ولا غير ميتة. ما هو الدباغ؟ أن تأخذ جلد الحيوان بعد أن يموت، ثم تبدأ بنزع الرطوبة من هذا الجلد حتى يصبح يابس من خلال أدوات يعرفها أصحاب الخبرة في هذا الباب. أنا في الحقيقة لا أرفها جيدا؛ لأنني لم أدبغ في حياتي.
ويقومون بوضع الملح عليه وغسل مرات حتى ييبس هذا الجلد، ثم يستعملونه كفرو في الطرقات أو في السيارات، وأظنكم ترون كثيرا من الجلود المدبوخة يضعون صوف مثلا على أرض، يكون هذا الصوف مأخوذ من جلد شاة وتم دبغ هذا الجلد بكيف -كما قلت لكم- يأتون بمواد معينة تخرج الرطوبة، تخرج الرطوبة من الجلد حتى لا -يعني- تدخل فيه العفونة، ثم يضعون عليه الملح، أكياس من الملح، ويغسلونه مرات ومرات، ويضعونه على الشمس حتى ينشف ويصبح يابس، وبعد ذلك يستعملونه كما قلت لكم كأغطية وما شابه ذلك.
الان، إذا كان الجلد لحيوان طاهر مأكول اللحم قمت بذبحه -يعني حيوان طاهر، ركزوا الآن أقسام الحيوانات بدي اياها دائما حاضرة عندكم الآن، حيوان طاهر مأكول اللحم- قمت بتزكيته تذكية شرعية، قلنا هذا ليس ميتة، هذا مأكول اللحم يجوز أن أكل لحمه لأنه طاهر مأكول اللحم وقمت بتذكيته. فالطاهر مأكول اللحم إذا قمت بتذكيته تذكية شرعية صحيحة، يجوز لي أن أخذ جلده وأن أدبغه، لا حرج في ذلك واستعمل جلدك ما شئت؛ لأنه ليس ميتا.
لكن المشكلة في الميتات، هل الميتات أيضا يجوز أن نأخذ جلدها وأن ندبغه فيطهر؟ راح تحكي يا شيخ بما أنها ميتة، إذا الاصل أنه جلدها نجس مثلها مثل لحمها، فلماذا تذكرون هذا الخلاف؟ نقول: نذكر الخلاف؛ لأنه في الحقيقة هناك أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن جلود الميتة تطهر بالدباغ، على أن جلود الميتة تطهر بالدباغ، خاصة جلود الميتة إذا كانت من حيوان طاهر حال الحياة؛ لأن الأحاديث تدندن على ذلك. هناك أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن جلد الميتة إذا كانت هذه الميتة من حيوان طاهر حال الحياة، سواء كان مأكول اللحم ولا غير مأكول اللحم، جلد الميتة يطهر بالدباغ. هناك أحاديث تدل على ذلك.
مثل ماذا يا شيخ؟ حديث ميمونة، سيدتنا ميمونة كان عندها يا إخواني شاة، وهذه الشاة ماتت حتف أنفها فاصبحت ميتة، فمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هلا اخذتم إهابها؟» -يعني جلدها- «فدبغتموه فانتفعتم به؟» اه، إذا النبي صلى الله عليه وسلم أرشد سيدتنا ميمونة أرشدها إلى أن تأخذ جلد هذه الشاة -وانت تعني ميتة- وأن تدبغ هذا الجلد وأن تنتفع به. فدلت هذه الأحاديث -طبعا هناك أحاديث أخرى أيضا تدل على هذه الفكرة- أن جلد الميتة إذا كانت هذه الميتة حيوان طاهر حال الحياة، أن جلدها يطهر بالدباغ.
ممتاز، طب لماذا لم يأخذ الحنابلة بهذه الأحاديث إذا؟ وقالوا: لا يطهر جلد الميتة أبدا بالدباغ، سواء كانت حيوان طاهر حال الحياة ولا نجس حال الحياة. في الحقيقة الحنابلة رحمة الله عليهم يقولون: هذه الأحاديث التي يدل ظاهرها على جواز دبغ أو على صحة دبغ الميتة واستعمالها، أحاديث منسوخة، ونسخها حديث متأخر، حديث ابن عكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى قومه -وهم حي من أحياء العرب من جهينة- تقول لهم فيه: «إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع بجلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصا». الحنابلة قالوا: هذا الحديث ينسخ كل أحاديث الجواز السابقة، فعنده هناك نسخ عند الحنابلة. قالوا: هناك حديث متأخر ينسخ حديث الجواز التي أجاز فيها النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة أن ينتفعوا بجلود الميتة من خلال الدباغ إذا كانت هذه الميتات من حيوانات طاهرة حال الحياة.
الآن إذا كانت حيوانات نجسة حال الحياة، هذا لا يوجد أحاديث يدل على جواز أخذ جلودها ودبغها واستعماله، لا يوجد. لكن الأحاديث تدل على الحيوانات الطاهرة حال الحياة فيما يظهر أن الأحاديث الأولى كانت تدل على جواز أخذ هذه الجلود ودبغها واستعمالها بعد الدباغ، لكن كما قلنا الحنابلة قالوا: هذه الأحاديث متقدمة نسخت بالحديث المتأخر.
فإذا، لا يطهر جلد ميتة بالدباغ مطلقا، سواء كان من حيوان طاهر حال الحياة مأكول اللحم ولا غير مأكول اللحم، أو من حيوان نجس طبعا هذا من باب أولى لا يجوز، أو لا يطهر بالدباغ أبدا، لا يطهر بالدباغ أبدا. لكن الحنابلة رحمة الله عليهم، مع أنهم قالوا أن جلود الميتة لا تطهر بالدباغ أبدا، استثنوا صورة، حالة استثنائية استثنوا حالة فقالوا: لو أن شخصا ما سمع الكلام -بدنا نفرضه- وأخذ جلد ميتة من حيوان طاهر حال الحياة بهذا القيد، شخص أخذ جلد ميتة لحيوان طاهر حال الحياة، سواء كان مأكول اللحم ولا غير مأكول اللحم، ممكن أخذ جلد هرة، المهم شخص أخذ جلد ميتة لحيوان طاهر حال الحياة، سواء كان مأكول اللحم ولا غير مأكول اللحم ودبغه، الآن ما الحكم الفقهي لهذا الجلد؟ قل هو نجس، هو نجس؛ لأن الدباغ لا يطهر عند الحنابلة.
ممتاز، لكن قال الحنابلة: مع أنه نجس، لكن لما كان جلدا مدبوغا لميتة تعود لحيوان طاهر حال الحياة، فيجوز مع الحكم بالنجاسة يجوز استثناء استعمال هذا الجلد في وضع اليابسات فيه. يجوز استعمال هذا الجلد المدبوغ النجس الذي يعود لميتة لحيوان طاهر حال الحياة، يجوز أنك تستعمله في وضع الأشياء اليابسة فيه. لماذا؟ قالوا: الأشياء اليابسة لو وضعت في هذا الجلد فإنه لا يوجد وسط مائع ينقل النجاسة، فصحيح هذا الجلد نجس، لكن لو وضعنا فيه أشياء يابسة فبما أنه لا يوجد وسط مائع بينهما ينقل النجاسة من هذا الجلد المدبوغ إلى اليابسات، فتوسعة على الناس نبيح لهم هذا الاستعمال مع بقائنا وتمسكنا بأصلنا أن هذا الجلد نجس. فهذا من باب التوسعة، من باب التوسعة ورفع الحرج.
وأما إذا وضع في هذا الجلد المدبوغ الذي يعود لحيوان طاهر حال الحياة، إذا وضع فيه مائع فلا يجوز؛ لأن المائع تأخذ النجاسات وتتشربها مباشرة. فهذه حالة استثنائية لم يذكرها الشيخ مرعي وأنا ذكرتها لكم أن أولا لا يطهر جلد ميتة بدباغ مطلقا عند الحنابلة، ويجوز كحالة استثنائية إذا كان هذا الجلد الميت المدبوغ يعود إلى حيوان طاهر حال الحياة، يجوز استعماله في اليابسات فقط.
ممتاز ممتاز، الآن بعد أن بين لنا أن عظم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها وعصبها وجلدها كلها نجسة، بده يبين لنا أن هناك أشياء طاهرة.
هناك جزء أو أجزاء من الميتة تعتبر طاهرة ولا تأخذ حكم الميتة في النجاسة. ما هي؟ قال: الشعر إذا كان حيوان من أصحاب الشعر، أو الصوف إذا كان حيوان من أصحاب الصوف، أو الريش إذا كان من حيوان من أصحاب الريش كالطيور. الشعر والصوف والريش طاهر من الميتة بشرط أن تكون هذه الميتة تعود لحيوان طاهر حال الحياة؛ فإذا كان شعر أو صوف أو ريش لميتة تعود لحيوان نجس حال الحياة، هذه أيضًا تكون نجسة، يكون الشعر نجس والصوف نجس والريش نجس. لازم يكون شعر أو صوف أو ريش لميتة تعود لحيوان طاهر حال الحياة، سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم ما بهم، المهم أن يكون طاهر حال الحياة. فبالتالي لاحظوا ايش قال؟ قال: ولو غير مأكول كالهر والفأر. المهم أن هذه الميتة تعود لحيوان طاهر حال الحياة، وأحنا تعرفنا قبل قليل على الحيوانات الطاهرة حال الحياة، إذا شعور هذه الميتة وصوفها وريشها يكون طاهرًا.
ممتاز ممتاز. فإذن الميتة قسمها، تقول هناك أعضاء فيها أو أشياء تكون نجسة، وهناك أشياء تكون طاهرة بضوابط، هكذا يعني تجمع شتات المسألة. ثم ختم باب الآنية فقال: ويسن تغطية الآنية وإيكاء الأسقية. ختم قضية تتعلق بالآنية، فقال: يسن تغطية الآنية وإيكاء الأسقياء. يقول الشيخ مرعي: يسن أي من المندوبات أن تغطي الإناء بعد أن تأكل منه، وأن تقوم بإيكاء السقاء بعد أن تشرب منه. الآن أوضح لكم ما معنى إيكاء السقاء ثم أعود لأبين ما هي هذه المسألة.
قديماً أحبائي كيف كانوا يشربون؟ ما كان عندهم صنابير مياه، وإنما كانوا يصنعون قرب، وهذه القرب يكون لها أفواه، عادة يكون لها فم من هذه الجهة وفم من هذه الجهة، تكون القربة معلقة مربوطة، ويكون هناك فم من هنا وفم من هنا، هذا الفم يكون مربوط من كلا الجهتين. إذا أراد الرجل أن يشرب، فك هذا الرباط فوضع الماء في وعاء يشرب منه، أو يشرب مباشرة من الفم، لأن عادة كما قلت لكم تكون مربوطة هذه القربة، يفك هذا الرباط يشرب ثم بعد ذلك يربط.
ممتاز. فإيكاء الأسقية معناها ربط أفواهها، وهذا كما قلت لكم ربما البيئات البدوية ربما تحافظ على هذا النمط، لكن نحن في يومنا هذا ما عندنا يعني أسقياء بهذا النمط قرب ونربط، وإنما فهذا يعني قديماً كان موجوداً وبعض البيئات البدوية إلى الآن يوجد لديها. المهم فالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح وجه وامر ونصح بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه بأهمية تغطية الإناء بعد استعماله، وأهمية ربط السقاء بعد الشرب منه وألا يترك مفتوحاً.
قال عليه الصلاة والسلام: «غطوا الإناء وأوكوا السقاء»، ثم قال: «فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء، لا يمر بآنية ليس عليها غطاء، ولا سقاء ليس عليه وكاء، إلا نزل فيه من ذلك الوباء». هذه قضية الله تعالى أعلم بها، لكننا نصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به أن في السنة كل سنة هناك ليلة، هذه الليلة ينزل فيها وباء على الأرض، الله أعلم كيفية ذاك ينزل وباء على الأرض. هذا الوباء لا يمر بوعاء ليس عليه غطاء، أو أسقية من الأسقية غير مربوطة ليس عليها وكاء، إلا دخل في هذا الإناء وإلا دخل في هذا السقاء، فإذا شرب منه الإنسان مرض وتضرر.
فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم وجهنا إلى أهمية تغطية الآنية وأهمية إيكاء الأسقية جيداً، حتى إذا نزل الوباء في تلك الليلة التي قدرها الله فيمر على الآنية فيجدها مغلقة، ويمر على الأسقية فيجدها مربوطة، فحينئذ لا يستطيع أن ينزل فيها أو أن يحل فيها، أن الله يبقى الإنسان في صحته وفي عافيته. ومن هنا جاء التوجيه يسن تغطية الآنية وإيكاء الأسقية بناء على التوجيه النبوي: «غطوا الإناء وأوكوا السقاء»، حرصاً على صحتكم وعلى سلامتكم، لأنه في السنة ليلة ينزل فيها وباء على الأرض، لا يمر بآنية ليس عليها غطاء ولا سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء.
جميل، بسم الله. هكذا انتهينا من باب الآنية، دعونا نبدأ رويداً رويداً يعني في شيء من باب الاستنجاء وآداب التخلي، حتى يسير مركبنا في هذا الكتاب. قال: باب الاستنجاء وآداب التخلي. أين من الباب الأول الذي يتكلم عن تعريف الطهارة وأقسام المياه؟ وانتهينا من باب الآنية باعتبارها ظروف مياه، الآن سننتقل إلى الباب الثالث: باب الاستنجاء وآداب التخلي، باعتبار أن أكثر الأمور التي يتوضأ منها الإنسان في حياته هي أمور التبول أو الذهاب إلى الغائط، الأمر المعتاد المتكرر. أكثر شيء في حياتك تتوضأ منه ما هو؟ هو عندما تذهب إلى قضاء حاجتك بول أو من غائط، فإن الإنسان بعد ذلك يتوضأ. فلأن هذا هو الامر المعتاد المتكرر اهتم بذكر أحكام الاستنجاء وآداب التخلي المتعلقة بدخول الخلاء.
فقال: الاستنجاء هو إزالة ما خرج من السبيلين بماء طهور، أو حجر طاهر مباح منقن. الاستنجاء إخواني من حيث اللغة يعود في مادته إلى القطع، تقول: نجوت الشيء نجوت الشجرة قطعتها. الاستنجاء مفهومه يدل على القطع، ولهذا أخذ على الفعل المعروف الذي نفعله في عملية التطهير، لأنك حينما تستنجي تقطع الأذى عنك. يعني لماذا سمي استعمال الماء في عملية التطهير للقبل أو للدبر، أو استعمال الحجارة وما ينوب عنها في الوقت المعاصر من الأوراق أو المناديل، لماذا سمي استنجاء؟ لأنك حينما تستعمل الماء في القبر أو في الدبر، أو تستعمل الحجارة أو المناديل أنت تقوم بقطع الأذى عنك وعن بدنك، وهو صحة وعافية. وانظروا في واقعنا اليوم، كيف أن أعداء الأمة أصبحوا يتعلمون منا أهمية قطع الأذى، فلأنك حينما تستعمل الماء بعد الغائط أو التبول في هذا الموطن تقوم بقطع الأذى عنك، سميت هذه العملية استنجاء لأن الاستنجاء هو القطع، هو القطع وهذه العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.
جميل، أصل الاستنجاء أن يكون بالماء، هذا الأصل فيه الاستنجاء يكون بالماء، لكن يدخلون الفقهاء في كتبهم يدخلون تحت الاستنجاء استعمال الحجارة وما يقوم مقام الحجارة في عملية إزالة الأذى عن السبيلين، وتسمى عملية استعمال الحجارة أو ما يقوم مقام الحجارة تسمى عملية استجمار. فلذلك يقول الاستنجاء يقابله الاستجمار. الاستجمار بماذا سمي استجماراً؟ لأنه مأخوذ من الجمار، والاستجمار مأخوذة من الجمار والجمارة هي الحجارة الصغيرة.
والإنسان إذا لم يستعمل الماء في تنظيف السبيلين فإنه أقل شيء عليه أن يستعمل حجارة أو ما يقوم مقام الحجارة، وتكون الحجارة صغيرة، لم يستعمل صخور بالتأكيد. الاستجمار هو عملية استعمال الحجارة وما يقوم مقام الحجارة من المناديل الورقية. الاستجمار لا يكون بالماء، والاستنجاء بالعكس الاستنجاء الأصل فيها أنه يكون بالماء، لكن الفقهاء كما قلت لكم يعممون ويووسعون أحياناً مفهوم الاستنجاء ليدخل تحته الاستجمار، فيقول مثلاً باب الاستنجاء.
هنا لما قال باب الاستنجاء هو قصد بالاستنجاء بالماء أو الحجارة وما شابه ذلك، وهو الذي يسمى الاستجمار. فالاستنجاء باختصار الأصل فيه أن يكون بالماء، والاستجمار يكون بالحجارة، وأحياناً من باب التوسع يطلقون الاستنجاء ليشمل استعمال الماء أو ليشمل استعمال الأحجار اللي هو الاستجمار، فيدخل الاستجمار تَبَعاً تحت مفهوم الاستنجاء. الآن عرف لنا الاستنجاء وسيبين لنا آلته، ثم سيبين لنا حكمه في الشريعة الإسلامية، لأنه أي عملية الآن بدنا نتكلم عنها بدنا نعرف حكم الشارع فيها.
الاستنجاء في عرف الفقهاء هو إزالة ما خرج من السبيلين بماء طهور، أو حجر طاهر مباح منقن. دعونا كلمة كلمة سريعا. الاستنجاء إذاً هي عملية إزالة، عملية قطع، إزالة ما خرج. عمم ما خرج أي شيء يخرج من السبيلين، ليدخل فيه الخارج المعتاد من البول أو الغائط، أو غير المعتاد الكلمة دي لكن سنستثني إن شاء الله أشياء محددة لا يلزم الاستنجاء منها، وهي الطاهر والنجس، إذا الشيء النجس إذا خرج منك ولم يلوث ما حوله، هذه ستستثنى. فقوله إزالة ما خرج نقول: سواء كان معتاداً معتاد خروجه منك أو غير معتاد ما دام نجساً، لأن الشيء الطاهر كما سيأتي معنا إن شاء الله لا يلزم الاستنجاء منه. فلابد قد يكون ما خرج تقول شيء نجس معتاد أو غير معتاد الخروج ما دام نجساً، ممكن يكون دم والدم نجس كما سنعرف إن شاء الله، ممكن فتناهم خروج الدم غير معتاد، يجب الاستنجاء منه، والمعتاد مثل البول والغائط فيجب الاستنجاء منها أيضاً.
إذاً إزالة ما خرج، قلنا: ما خرج أي نجس، معتاداً كالبول أو الغائط، أو غير معتاد كالدم والمذي، طبعا المذي هو ذكره الشيخ ابن عوض في حاشيته على أنه مثال على غير المعتاد، فلذلك تبعته، وإن كان البعض يقول: لا خروج المذي معتاد، لكن خروج الدم هو غير المعتاد، فهذه ستصبح قضية يعني فيها نظر، هل المذي يعتبر من المعتاد أو غير المعتاد؟ وإن كنت يعني قد أقول: إنه هو أقرب للمعتاد منه إلى غير المعتاد، يعني تصنيفه في حاشية ابن عوض أنه من غير المعتاد قد يكون فيه شيء من النظر والله أعلم. المهم أنه نجس.
إزالة ما خرج من السبيلين، أها إذاً عملية الاستنجاء عملية مرتبطة بالسبيلين، بالقبل أو بالدبر. ممتاز. بماء طهور، هذه الوسيلة الأولى الماء الطهور. الوسيلة الثانية أن تستعمل حجر، وسنعرف إن شاء الله بعد قليل، أو ما يقوم مقام الحجر من المناديل وما شابهها. حجر ايش صفاته؟ حجر طاهر، ليخرج النجس صح، بصير واحد يستجمر أو يستنجي بحجر نجس؟ ما بصير، بحجر طاهر أخرج الحجر النجس. مباح، كلمة حجر القيد الأول فيه لابد يكون الحجر طاهراً، الشرط الثاني فيه أن يكون الحجر مباحاً، المباح أخرج به الحجر المغصوب، وأخرج به الحجر المسروق، وأخرج به الحجر اللي من ذهب أو من فضة، يعني أو لو مثلاً ما استعملش حجر، ما يقوم مقام الحجر استعمل ذهب أو فضة، هذه كلها ما بصير.
إذاً مغصوب أو مسروق أو ذهب وفضة، أنه احنا عرفنا الذهب والفضة إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب فيها وعن الأكل فيها، فمن باب أولى كما يقول الحنابلة أن ينهى عن الاستجمار فيها. الذهب والفضة والمسروق والمغصوب هذه كلها غير مباحة، تدخل في المحرم وهي محرمة، أما لحق الله مثل الذهب والفضة، أو لحق الآدميين مثل المغصوب والمسروق. وسيدخل أيضاً معنا في غير المباح في المحرم الروث والعظم والطعام، سيأتي سيذكرها بعد قليل إن شاء الله، أن الروث والعظام والطعام سواء كان روث أو عظم أو طعام طاهر أو نجس ما بصير الروث والعظام والطعام إذا كانت نجسة فهذا يدخل في القيد الأول لا يجوز لأنه قال أول شرط من شروط الحجر أن يكون طاهر، فإذا كان روث وعظم وطعام نجس فهذا لا يجوز لأنها نجسة، وإذا كان روث وعظام وطعام طاهر فهذا لا يجوز لأنه لأنه لا يباح الاستجمار روث الطاهر والعظم الطاهر والطعام الطاهر لما سنذكره إن شاء الله من التعليل بالحديث النبوي.
فإذا قوله حجر طاهر مباح، كلمة مباح أخرج المحرم والمحرم يدخل فيه أشياء عديدة، أهمها المغصوب والمسروق والذهب والفضة والروث والعظام والطعام. ممكن تقول لي هنا سؤال يا شيخ، لما أتكلمنا عن الماء الطهور المحرم، عن الماء الطهور المحرم قلتم إنه الماء الطهور المحرم مثل المغصوب والمسروق أو المحرم لحق الله عموماً قلت بالماء الطهور المحرم لو استعمل في إزالة الخبث فإنه يزيل الخبث، يعني يزيل النجاسة صح هكذا قلنا. هنا اشترطت في الحجر الذي يجيء يزيل الخبث يزيل النجاسة عن السبيلين أن يكون مباحاً، يعني إذا كان الحجر محرم أو ما يقوم مقام الحجر كان مغصوب مسروق روث عظم طعام إذا كانت أشياء محرمة فإنه لا أو فإنها لا تزيل الخبث، لا تزيل النجاسة عن السبيلين.
بنقول أيضاً كلامك صحيح، وهذه ملاحظة دقيقة منك، جيد أنك لاحظت أن في الاستجمار إذا كان الاستجمار بشيء محرم فإنه لا يزيل الخبث، لكن إذا كان الاستنجاء بطهور محرم فإنه يزيل الخبث. ايش الفرق؟ لماذا الماء الطهور المحرم يزيل الخبث؟ فإذا استنجيت به زال الخبث، وإن كان هو محرم الاستعمال لكنه يزيل الخبث. وأما الحجر وما قام مقامه إذا كان محرماً فإنه لا يزيل الخبث. لماذا فرقتم بين هذا وهذا؟
قالوا أحبائي: الاستجمار رخصة، والرخص لا يجوز أو لا تباح بالمعاصي، لا يجوز أن تفعل رخصة رخصها الله عز وجل لك وخفف بها عليك، لا يجوز أن تستبيحها وأن تفعلها بالمعاصي، هذه قاعدة عامة ستجدونها إني معكم في عديد من الأبواب الفقهية، أن الرخص لا تستباح بالمعاصي واستعمال الحجر المحرم لحق الله أو محرم لحق الآدميين معصية، فلا تصح بها الرخصة.
وأما الحالة الأولى وهي إزالة النجاسة بالماء، فهذه ليست رخصة، هذه هي الحالة الأصلية أنه إزالة النجاسة وإزالة الخبث يكون بالماء، فبالتالي لو أن شخصاً استنجى بماء طهور محرم فنقول: المعصية تحاسب عليها عند الله، لكن النجاسة زالت، هنا ليست حالة رخص، ورخص لا تستباح بالمعاصي، لا، هي حالة عزيمة، هي الحالة الأصلية، فلو فعلت بمعصية لو فعلت بمعصية المعصية منفصلة عن طهارة المكان، فالمكان تطهر لكنك آثم لاستعمال الطهور، الماء الطهور المحرم. وأما الحجارة وما ثم قام فالاستجمار رخصة، والرخص لا تستباح بالمعاصي، والمعصية تؤثر في صحتها فلم يصح الاستجمار بالمحرمات.
قال حجر طاهر مباح منقٍ، هذا الشرط الثالث أن يكون منقناً، إيش يعني منقناً؟ يعني يستطيع أن ينقي المكان. يستطيع أن ينقي المكان وسيبين لنا ضابط الإنقاء فقال: فالإنقاء بالحجر ونحوه مما يقوم مقامه أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء.
فلابد أن يكون الحجر أو ما يقوم مقام الحجر من الأوراق تكون عندها قدرة على تحصيل هذا القيد، وهو أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء. فإذا كان الحجر أو ما يقوم مقامه أملس لا يوصلنا لهذه النتيجة ولا ينظف المكان جيداً، باختصار غير منقٍ، فلا يصح في عملية الاستجمار.
وأنا هنا أظن أن الوقت تداركني وأطلت عليكم، لذلك سأقف عند هذا الحد، وفي المحاضرة القادمة بإذن الله سأبين وأعيد ضابط الإنقاء ونكمل رحلتنا في باب الاستنجاء. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل