دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب، مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة أحبتي بدأنا بمدارسة باب الاستنجاء، وذكرنا تعريف الاستنجاء. قال الشيخ مرعي: الاستنجاء هو إزالة ما خرج من السبيلين بماء طهور أو حجر طاهر مباح منق. وتدارسنا هذا التعريف سريعاً، وعرفنا أن الشيخ مرعي لما عرف الاستنجاء أتى بتعريف شامل يدخل ضمنه الاستجمار، فلذلك قال: بماء طهور أو حجر طاهر مباح منق؛ لأن استعمال الحجارة وما يقوم مقامها من المناديل الورقية وما شابه ذلك، هذا يسمى استجماراً بالمسمى الدقيق له، لكن الشيخ أتى بتعريف عام للاستنجاء أدخل فيه الاستجمار كما قلنا.

الاستنجاء هو إزالة ما خرج، ما اسم موصول فيه إبهام، فلذلك فسرناه فقلنا: المراد بما خرج أي إزالة نجس خرج من السبيلين، معتاداً كان مثل البول أو الغائط، أو غير معتاد كالدم. فقوله: ما خرج، يقصد به النجس المعتاد أو غير المعتاد. إزالة ما خرج من السبيلين، فالاستنجاء عملية تختص بالسبيلين القبل والدبر. ثم بين لنا الوسيلة الآلة المستعملة في إزالة هذا الخارج من السبيلين، فقال: بماء طهور، وهذا يدل على أن الماء الطاهر والماء النجس لا يستعمل أو لا يصح استعماله في الاستنجاء. قال: أو الوسيلة الثانية وهي الرخصة كما ذكرنا بالمحاضرة السابقة، الرخصة قال: أو حجر، ما صفات هذا الحجر؟ طاهر، فأخرج الحجر النجس، فأخرج الحجر المحرم. والمراد بالحجر المحرم كما ذكرنا في المحاضرة السابقة المغصوب، المسروق، مثلاً لو أن شخصاً استعمل معدناً، أن لا يكون من الذهب ولا من الفضة؛ لأن الحجر هنا أو الحجرية ليست مقصودة لذاتها، الحجر أو ما يقوم مقام الحجر كما ذكرنا.

فيشترط في الحجر أو ما يقوم مقامه من مناديل ورقية أو ما شابه ذلك حتى يصح الاستجمار به أن يكون طاهراً فأخرج النجس كما قلنا، مباحاً فأخرج المغصوب، المسروق، الذهب والفضة؛ لأن الذهب والفضة لا يجوز الأكل والشرب بها، من باب أولى لا يجوز الاستنجاء والاستجمار بها، وكذلك يخرج بقيد المباح الروث الطاهر والعظام الطاهرة والطعام الطاهر؛ لأن الروث النجس والعظام النجسة والطعام النجس هذا يخرج بالقيد السابق بقيد الطهورية، وأما قيد المباح فيخرج به الروث الطاهر والعظام الطاهرة والطعام الطاهر، فلا يباح الاستنجاء بها.

ممتاز، في كلمة مباح أخرجنا بها المحرمات، وذكرنا أمثلة عديدة على المحرمات سواء محرمات لحق الله أو محرمات لحق الآدميين، مغصوب، مسروق، ذهب، فضة، روث طاهر، عظام طاهرة، طعام طاهر. طيب لماذا يا شيخ الروث الطاهر والعظام الطاهرة والطعام الطاهر لا يجوز الاستجمار به؟ هذا سنتعرف عليه بعد قليل حينما يأتي الشيخ مرعي لينص على هذه الثلاث بالتحديد أنها يحرم الاستجمار بها. لكن دعونا في قيود الحجر، قال: حجر طاهر، أخرجنا النجس؛ مباح، أخرجنا غير المباح؛ منق، فلابد وأن يكون منقياً، وسيبين لنا الآن ما هو الإنقاء المطلوب تحصيله من الحجر أو ما يقوم مقام الحجر. ما هو الإنقاء المطلوب تحصيله؟ الأحجار أو ما يقوم مقامها التي لا تصل بنا إلى حد الإنقاء لا يصح استعمالها في الاستجمار أيضاً. فلذلك الحجارة الملساء مثل الحجارة التي تكون عند البحار، الحجارة الملساء من كل جهاتها التي تكون عند البحار، يقولون: هذه حجارة لا توصل إلى حد الإنقاء فلا يصح الاستجمار بها.

فهذه ضوابط ثلاث للحجر الذي يصح استعماله وما يقوم مقام الحجر: أن يكون طاهراً، وأن يكون مباحاً، وأن يكون منقياً. ثم سيبين لنا ما هو ضابط الإنقاء المراد الوصول إليه. لكن قبل أن أصل إلى ضابط الإنقاء أحبائي، هناك تعليق سريع، وهو أن الذي يقوم مقام الحجر الذي يقوم مقام الحجر يجب أن يكون جامداً كالحجر، يجب أن يكون جامداً كالحجر، فلذلك يقولون بعبارة عامة: يصح الاستجمار بكل جامد طاهر مباح منق. فكلمة جامد تشمل الحجر وتشمل كل شيء صلب مثل الحجر، فكلمة جامد أعم، لو أنه مثلاً هنا استعمل كلمة جامد ربما كانت أعم من كلمة حجر، لكن هذا هو المتداول عند الفقهاء قديماً خاصة استعمال كلمة في هذا المكان، لكن في الحقيقة الحجر ليس مقصوداً لذاته بل كل جامد طاهر مباح منق يأخذ حكم الحجر في جواز الاستجمار به.

فالان ما هو ضابط الإنقاء بالحجر أو بكل جامد يقوم مقام الحجر وتوفرت فيه الضوابط الثلاث؟ ضابط الإنقاء قال الشيخ مرعي: أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء. هذا ضابط الإنقاء الذي نريد الوصول إليه من خلال الاستجمار، إذا استعملت الحجر أو المناديل الورقية فالإنقاء من خلاله يكون بالوصول إلى هذه الدرجة أو إلى هذه المرحلة، مرحلة أن يبقى أثر في القبل أو في الدبر لا يزيله إلا الماء. إذا وصلنا لهذه المرحلة معناها الاستجمار صحيح، إذا وصلنا إلى مرحلة بقاء أثر لا يزيله إلا الماء معناها وصلنا إلى درجة الإنقاء المطلوبة فالاستجمار صحيح. طبعا بالشروط؛ لأن الاستجمار كما سيأتي معنا الآن له شروط ومواصفات شرعية ليكون تاما، لكن المهم هذا ضابط الإنقاء. هذا الضابط أحبائي يشير أو ينبهنا على قضية، وهو أن الاستجمار بالحقيقة لا يزيل الخبث تماماً عن القبل أو الدبر، بما أنه يقول: الإنقاء المطلوب من الحجر وما يقوم مقام الحجر هو أن يبقى أثر في القبل أو في الدبر لا يزيله إلا الماء، أن نصل لهذه المرحلة معناها إذاً الاستجمار لا يزيل الخبث تماماً مئة بالمئة عن الموطن، اليس كذلك؟ لكنه يقوم بتخفيف النجاسة عنه إلى هذه المرحلة، لكن الاستجمار ايش فائدته؟ تخفيف النجاسة حتى نصل إلى هذه المرحلة المقبولة شرعاً. ولذلك قلنا: الاستجمار رخصة من الله سبحانه، رخصة تسهيلية توسعة على الناس، وإلا فهو لا يزيل الخبث مئة بالمئة، لكنه يخفف منه لدرجة مقبولة شرعاً. ولذلك أحبائي إذا تذكرتم معي تعريف الطهارة لما قلت: الطهارة ارتفاع حدث وما في معناه وإزالة الخبث وما في معناه، قلت الذي هو في معنى إزالة الخبث الاستجمار؛ لأنه ليس حقيقة إزالة خبث مئة بالمئة، وإنما هو تخفيف منه لدرجة كبيرة، فهو في معنى إزالة الخبث. ممتاز؟

إذا عرفتم لماذا الاستجمار في معنى إزالة الخبث ولماذا هو رخصة تسهيلية من الشارع، وبقي عليكم أيضاً وبقي علي أن أرشدكم إلى قضية، وهو أن إذا وصل الإنسان بالاستجمار إلى درجة الإنقاء التي ذكرها الشيخ مرعي: أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء، وصاحبنا لم يستعمل الماء، هذا جائز كما سيأتي معنا، يعني فقط اقتصر على الاستجمار بحيث وصل إلى درجة الإنقاء المطلوبة ولم يستعمل الماء ولبس ثيابه، هذا يصح كما سيأتي معنا إن شاء الله في صور الاستنجاء ومراتبه. هذا الشخص الذي لبس ثيابه بعد الاستجمار مباشرة لو أنه عرق مع المشي والذهاب والعودة، فهذا الأثر الذي لا يزيله إلا الماء نزل على ثيابه، هل تكون الثياب نجسة؟ قال الحنابلة: هذه نجاسة معفو عنها؛ لأن الشارع الذي رخص في الاستجمار يعلم سبحانه وتعالى بقاء هذه الآثار، فبالتالي هو يريد أن يعفو عنها. فبالتالي إذا استجمر الإنسان استجماراً صحيحاً وبقي أثر لا يزيله إلا الماء ثم لبست الثياب وذهبت وعدت فتعرقت فنزل هذا الأثر الذي لا يزيله إلا الماء على ثيابك وعلى ملابسك فإنه نجاسة معفو عنها لا يجب عليك أن تزيلها وصلاتك صحيحة معها. هذه فائدة مهمة يتم بها الكلام عن قضية الإنقاء بالحجر.

إذاً فالإنقاء بالحجر ونحوه أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء. لكن الآن سيبين لنا شرط مهم في الاستجمار، قال: ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات تعم كل مسحة المحل. هذا ضابط مهم، الاستجمار عرفنا قبل قليل ضابط آلته كل جامد طاهر مباح منق، هذه شروط آلة الاستجمار، لكن ما صفته الواجبة؟ الآن أتى ليبين فقال: ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات تعم كل مسحة المحل، فلابد في الاستجمار وجوباً لا يجزئ أقل من ذلك، لابد من ثلاث مسحات، لابد من ثلاث مسحات، سواء كانت هذه المساحات الثلاث بحجر واحد له عدة جهات أو بثلاجة أحجار لا يهم، المهم ثلاث مسحات.

الآن إخواني بعض الحجارة لها عدة جهات فيمكن أن تستجمر من جهة ثم تستجمر من جهة ثانية ثم تستجمر من الجهة الثالثة، ثلاث مسحات تعم المحل يجزئ، وإذا استعملت ثلاثة أحجار يجزئ، فليس المراد ثلاثة أحجار، بل المراد ثلاث مسحات، كذلك مثلاً المناديل الورقية يمكن الإنسان يأخذ ورقة مناديل ورقية كبيرة فيمسح المسحة الأولى من جهة ثم يلف الورقة أو المنديل فيمسح من الجهة الثانية ثم يلف ويمسح من الجهة الثالثة، فهذا لا حرج حتى لو استعمل منديلاً واحداً، لكن المهم أن أمتسح به ثلاث مسحات، كل مسحة بهذا القيد مش أي مسحة، كل مسحة تعم المحل، تعم المحل الذي يخرج منه الخارج النجس، جميل ممتاز.

إذاً، طيب يا شيخ لو أننا وصلنا إلى درجة الإنقاء المطلوبة في الاستجمار، يعني بحيث بقي أثر لا يزيله إلا الماء، لو أنني وصلت إلى هذه الدرجة من المسحة الأولى يكفي؟ لا يكفي. طيب من المسحة الثانية؟ لا يكفي، لابد ثلاث مسحات يقيناً. طيب ما كفت يا شيخ؟ تزيد حتى تصل إلى الإنقاء، إذا لم تكفي الثلاث مسحات تزيد حتى تصل إلى ضابط الإنقاء: أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء. طبعا هذا في حال كونك ستقتصر، ستقتصر على الاستجمار بالمناديل الورقية أو الأحجار، لكن إذا كنت ستستعمل الماء وتكمل العملية بالماء عملية الاستنجاء بالماء، فهنا لا يشترط ذلك، لو أن إنسان استعمل المناديل الورقية مرة أو مرتين ثم خلص، هو سيستعمل الماء بعد ذلك، فهنا لا تشترط هذه الشروط، فاشتراط الثلاث مسحات تعم كل مسحة المحل هذا لمن سيقتصر على الاستجمار، هذا اكتبوه، هذا الشرط لمن سيقتصر على الاستجمار، أما من سيكمل بالماء استعمل الماء تماماً فهذا لا يشترط أو لا يجب عليه ذلك. تمام.

إذاً عرفنا آلة الاستجمار ما شروطها؟ عرفنا صفة الاستجمار ما هو شرطها؟ ثلاث مسحات. عرفنا الإنقاء المطلوب تحصيله من الاستجمار أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء. الآن دعونا نعود إلى الماء، لو أن الإنسان استنجى بالماء، ما هو الإنقاء المطلوب تحصيله بالماء؟ شخص قال: أنا ما بدي استعمل الحجارة أو ما يقوم مقام الحجارة، أنا بدي استعمل الماء، اللي هي الحالة الأصلية العزيمة، الحالة الأصلية، فما هو الإنقاء المطلوب مني تحصيله من خلال الماء؟ قال الحنابلة: والإنقاء بالماء عود خشونة المحل كما كان، يعني باختصار أن يعود المحل نقياً طاهراً كما كان وتزول النجاسة عنه تماماً، فاذا استعملت الماء لا يجوز أن يبقى أثر للنجاسة، لا يجوز أو لا يصح أن يبقى أثر للنجاسة، يجب أن تزيل النجاسة تماماً، وازالة النجاسة تماماً هي التي يعبر عنها الحنابلة بقولهم: عود خشونة المحل كما كان، أن يعود المحل خشناً كما كان. طبعا عودة خشونة المحل الخشونة في الحقيقة هذه يعني تتحقق ربما في الدبر، وأما في القبل فقضية عودة الخشونة أصلاً لا يوجد خشونة حتى نعود إليها، فقول: عودة الخشونة هي أقرب أو تصلح للدبر، وأما استعمالها في القبل تحتاج إلى نظر والله تعالى أعلم، فلذلك نأتي بعبارة تشرح ما يقولونه: عود خشونة المحل كما كان أي أن يعود المحل كما كان خاياً من النجاسة تماماً.

الآن إخواني لما نأتي إلى باب النجاسات إن شاء الله، فنعرف أن الاستنجاء بالماء الاستنجاء بالماء عند الحنابلة يشترط له سبع غسلات، هذا سنذكره لكن جيد أن نستحضره هنا الآن. الاستنجاء بالماء يشترط فيه عند الحنابلة سبع مرات، سبع مرات تدير الماء على موطن النجاسة قبلاً أو دبراً، قال: ما دليل الحنابلة؟ وهل يا شيخ هناك روايات أخرى في المذهب أخاف من ذلك؟ هذا سنناقشه إن شاء الله لاحقاً، لكن قيدوا هذا القيد تقولون: الحنابلة لا يشترطون سبع غسلات (يعني حتى لو حصل الإنقاء بغسلة واحدة أو بغسلتين لا يكفي عند الحنابلة)، لابد من سبع غسلات. كيف الاستجمار؟ ثلاث مسحات. الاستنجاء بالماء؟ سبع غسلات. تدير الماء سبع مرات على النجاسة قبلاً أو دبراً مع تحقيق الإنقاء المطلوب وهو زوال النجاسة تماماً عن الموضع والذي عبر عنه بقوله: عود خشونة المحل كما كان.

لكن إخواني هنا ختم بمسألة فقال: وظنه كاف، ويعني وظنه الضمير في وظنه يعود على الإنقاء، يعني وظن الإنقاء كاف. وهذه تعود على مسألة الاستجمار أو مسألة الاستنجاء بالماء، هذه مسألة ختامية تعود على كلا المسألتين: أن حصول الإنقاء بالحجارة أو ما يقوم مقامها وهو أن نصل إلى بقاء أثر لا يزيله إلا الماء، أو حصول الإنقاء بالماء وهو عود خشونة المحل، هل يشترط أن يصل إليه الإنسان علماً جزماً يقيناً؟ أو يكفي أن يغلب على ظنه وصوله إلى الإنقاء؟ يعني هل يشترط أن أعلم أنا المكلف يقيناً جزماً أنني حصلت الإنقاء ووصلت إلى مرتبة الإنقاء بالاستجمار أو بالاستنجاء؟

أميكفي غلبة الظن أنني وصلت إلى الإنقاء بالاستجمار أو الاستنجاء؟ ما رأيكم؟

الحنابلة يقولون: نكتفي بالظن؛ لأنه يصعب -إخواني- في الحقيقة أن يصل الإنسان إلى درجة اليقين التام أنه حقق الإنقاء؛ سواء بالحجارة أو بالماء، خاصة في الدبر يعني ربما في القبل أمر أسهل. لكن في الدبر -كونها منطقة خلفية- أن تصل إلى درجة يقينية والجزم التام أنك حققت ضابط الإنقاء بالاستجمار أو ضابط الإسقاء بالاستنجاء لربما فيه شيء من الصعوبة، فنكتفي بالظن. لذلك قال: وظنه، إذا ظننت أنك وصلت لحد الإنقاء بهذا أو بهذا؛ بالاستجمار أو بالاستنجاء فهو كافٍ بإذن الله.

ثم بعد أن فرغ من هذه القضية أراد أن يبين لنا ما هي مراتب الاستنجاء، من حيث أكمل مراتب الاستنجاء إلى أضعفها. سيقسم لنا مراتب الاستنجاء إلى أربعة مراتب -أو أربع مراتب- من أكمل صور الاستنجاء إلى أضعف صور الاستنجاء. ممتاز، انظروا ماذا قال! قال: وسن الاستنجاء بالحجر ثم بالماء. هذه أكمل الصور، لذلك عبر عنها بالسنية. سيأتي معنا أن الاستنجاء كله كعملية واجب، الاستنجاء كعملية واجب، لكن السنة فيه -يعني الأفضل في صوره والأكمل في صوره- الصورة المسنونة بالتحديد هي أن تستعمل أولاً الحجارة وما يقوم مقامها من المناديل الورقية، ثم بعد ذلك تتبع بالماء. هذه أكملها.

قال: فإن عكس كره، يعني انعكس؛ أن استعمل الماء ثم بعد ذلك أتى بالحجارة أو المناديل الورقية بعد الماء. قالوا: هذا مكروه. ليه؟ قالوا: هذا عبث، أنت تحصل الإنقاء بالماء ثم بعد ذلك تستعمل الحجارة بعد الماء أو مناديل بعد الماء؟ قالوا: هذا عبث. طبعا إخواني لو أن شخصا استعمل المناديل فقط لتنشيف الماء، لتنشيف الماء وليس للاستنجاء، هذا ما في إشكال، أنه قد تتعارض عليه الأمور. إذا استعمل مناديل بعد الماء لتنشيف المياه، هذا ما في إشكال، لكن المراد أن يستعمل الحجارة أو المناديل الورقية للاستجمار أو الاستنجاء بعد استعماله للماء. قالوا: هذا عبث لا داعي إليه؛ لأنك حصلت الإنقاء بالماء، فلا معنى أن تعود فتستعمل الحجر أو المناديل الورقية. لذلك قال: فإن عكس كره. فهذه أدنى الصور.

ثم قال: ويجزئ أحدهما والماء أفضل. ويجزئ أحدهما؛ أي يجزئ حتى تحقق واجب الاستنجاء -الواجب الكلي- يجزئ أن تستعمل الحجارة وحدها، وهو الاستجمار، ويجزئ أن تستعمل الماء وحده. لو شخص أراد أن يقتصر على أحدهما؟ يجزئ يا شيخ، يجزئ، بس بالضوابط؛ أن الاستجمار بتحقق ضابط الآلة، وثلاث مسحات تعم كل مسح المحل مع الوصول إلى الإنقاء، وإذا استعملت الماء سبع غسلات مع عودة خشونة المحل الوصول لدرجة الإنقاء؛ إذا حققت الضوابط ما عندنا مشكلة، يجزئ أحدهما.

لكن إذا اقتصرت على أحدهما، فأيهما أفضل؟ قال: والماء أفضل. الماء أفضل بالتأكيد. بالتالي -أحبائي- لو بناء على هذا الكلام رتبنا صور الاستنجاء من أفضلها إلى أضعفها، نقول: أكمل صور الاستنجاء أن يستعمل الحجارة ثم الماء، المرتبة الثانية بعدها مباشرة أن يستعمل الماء وحده، المرتبة الثالثة بعدها مباشرة أن يستعمل الاستجمار وحده بالحجارة أو المناديل الورقية، المرتبة الرابعة وهي الأضعف وهي المكروهة أن يستعمل الماء ثم يستعمل الحجارة بعد ذلك. هذه المرتبة الرابعة وهي مكروهة وإن كانت تحقق الوجوب. تمام؟

الآن سيبين لنا حكم مسألة هكذا -استطرادية سميها أو سميها تتعلق بالاستنجاء عموماً- وهي مسألة: ما حكم استقبال القبلة واستدبارها في أثناء عملية الاستنجاء؟ شخص يستنجي، يزيل الأذى عن قبله أو دبره، ما حكم استقبال القبلة واستدبارها؟ وعلينا قبل أن نبين حكم هذه المسألة أن نفرق بين مسألتين؛ مسألة استقبال القبلة واستدبارها حال الاستنجاء، ومسألة استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة؛ لأن المشهورة عندكم هي الحالة الثانية؛ حكم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة هي التي وقع فيها الخلاف الشهير، ويبين الحنابلة حكمها عادة في آداب التخلي، لكن هنا يتكلم عن حكم الاستقبال والاستدبار في حالة الاستنجاء.

فقال: يكره -حكم الكراهة- يكره استقبال القبلة واستدبارها في الاستنجاء تعظيماً لجهة القبلة. إخواني الشرع عظم جهة القبلة في العديد من المواطن، وبناء على هذا الحنابلة -رحمة الله عليهم- حكموا أن علينا تعظيم هذه الجهة ولا نتوجه إليها بالأذى والقاذورات، فقالوا بالتالي: يكره استقبال القبلة واستدبارها في عملية الاستنجاء.

بعض إخواننا -رفقة رد سريع- يظن أن عملية استنباط الأحكام الشرعية لابد أن يكون من نص صريح من الكتاب أو السنة. في الحقيقة -إخواني- عملية الوصول واستنباط الأحكام الشرعية ليست فقط بهذه الطريقة السهلة الميسرة كما يتوهم البعض؛ علمائنا وفقهائنا وائمتنا يأتون باستقراءات كلية يستنبطون منها قواعد فقهية يحكمون من خلالها في الفروع، فهناك الكثير من الأحكام بنيت من استقراءات قام بها الفقهاء والمحدثون والعلماء والنظار، كذلك أقيسة -وأحيانا الأقيسة لها أنواع؛ قياس العلة، قياس الدلالة، قياس الشبه- أحيانا استحسان، بدليل استصلاح، سد ذرائع. فأوجه الاستدلال كبيرة جداً، فلا يقف الطالب عند مسألة ويقول: هذه المسألة والله ليس للحنابلة دليل عليها من الكتاب أو السنة! أين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها في الاستنجاء؟ لا يوجد حديث! العملية الاستدلالية ليست بهذه البساطة كما توهم أخي يا طالب العلم، فعليك أن تتروى وأن تتمهل في طلب العلم حتى تفهم طرائق العلماء في الاستدلال على المسائل وفي الوصول إلى أحكامها. المسألة أعقد من ذلك ومسألة فيها خطوات ودراسة أصولية مقاصدية علمية، حتى تعرف أن هناك مناهج وطرق في بناء الأحكام الشرعية متنوعة، وليست فقط طريقاً واحداً كما توهم. تمام؟

إذا اقتصر على هذه الإشارة وأنتقل مع الشيخ مرعي ليبين لنا حكم استعمال الروث والعظم والطعام في عملية الاستجمار. كما قلت لكم قبل قليل الشيخ مرعي سينص على حكمها، فقال: ويحرم بروث وعظم وطعام ولو لبهيمة. ما هو الذي يحرم؟ اكتبوا: ويحرم الاستجمار. هو لم ينص على هذا، لكن السياق واضح يفهم منه هذا: ويحرم الاستجمار بروث وعظم وطعام ولو لبهيمة.

الآن -إخواني- الروث والعظم والطعام إذا كان نجساً فهذا لا يصح الاستجمار به لقيد الطهورية، نحن أننا نشترط في الحجر وما يقوم مقامه أن يكون طاهراً، ألم يقل الشيخ قبل قليل بحجر طاهر؟ فإذا كان الروث والعظم والطعام نجساً فهذا ليس طاهراً فلا يصح الاستجمار به لهذا القيد، وهذا واضح. لكن إذا كان الروث والعظم والطعام طاهراً، هل يصح الاستجمار به؟ أيضاً لا يصح الاستجمار به. لماذا -أحبائي-؟ جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الصحابة الكرام أن يستجمروا بالروث والعظم الطاهر، وذكر أنه زاد إخواننا من الجن، الجن المؤمن -إخواني- يأكلون الروث والعظام الطاهرة، فهذا طعامهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يريد منا أن نؤذي إخواننا من الجن المسلمين الذين يقتاتون على العظم الطاهر وعلى الروث الطاهر.

وأما الطعام -أحبائي- طعام الإنس أو طعام البهائم، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على طعام إخواننا من الجن ألا نلوثه، فمن باب أولى قال الحنابلة أن نحرص على طعام الإنس ألا نلوثه، ومن باب المساواة أن نحرص على طعام البهائم فلا، فبالتالي الروث الطاهر والعظام الطاهرة والطعام الطاهر؛ الأطعمة هذه لا يجوز لنا ولا يصح أن نستجمر بها.

طيب، أنا أركز هنا؛ قلت لا يجوز ولا يصح، بينما الماء الطهور المحرم، إيش كنا نقول؟ لا، يجوز استعماله لكن يصح. يصح في إزالة الخبث، يصح! الماء الطهور المحرم إذا تذكر كنا نقول إنه لا يرفع الحدث، لكنه يزيل الخبث، إذاً هو يصح في إزالة الخبث، ويصح الماء الطهور المحرم في الاستنجاء الماء، لكنه محرم الاستعمال. فعليكم أن تفرقوا بين الحكم بالتحريم والحكم بالصحة؛ التحريم حكم تكليفي، الصحة والفساد حكم وضعي. فنقول: استعمال الماء الطهور المحرم في الاستنجاء وفي إزالة الخبث محرم، لكن يصح. وأما الاستجمار فالاستجمار بالمحرم؛ الاستجمار بالمحرم -سواء كان المحرم مغصوباً، مسروقاً، روثاً، عظاماً، طعاماً- لا يجوز؛ يعني يحرم ولا يصح.

طيب، لماذا يا شيخ فرقتم بين الماء الطهور وبين الحجر الطاهر؟ لماذا قلتم الماء الطهور المحرم يحرم استعماله لكن يصح الاستنجاء به، فالحكم من حيث الصحة يصح لكن حرام، وأما في الحجر فقلتم لا يحرم استعماله ولا يصح أصلاً، فإن فعلت لا يصح وعليك أن تعيد؟ لماذا فرقتم؟

ذكرنا هذا في المحاضرة السابقة؛ قلنا: الاستجمار رخصة، والرخص عند الحنابلة لا تصح بالمعاصي، الرخص عند الحنابلة لا يصح فعلها بالمعاصي، فالمعصية تؤثر في صحتها. وأما استعمال الماء فهو عزيمة؛ يعني هو الحالة الأصلية، فبالتالي تحريم استعمال الماء لا يؤثر عندهم في إزالة الخبث، وإن أثر في رفع الحدث. ممتاز! فالفرق إذاً بين الماء الطهور المحرم وبين الحجر الطاهر المحرم: أن الماء الطهور المحرم -استعمال الماء- هي الحالة الأصلية؛ العزيمة في الاستنجاء، فلم يؤثر تحريم الماء على إزالة الخبث. وأما استعمال الحجارة وما يقوم مقامها فهي رخصة، والرخصة لا تصح وتؤثر المعصية في صحتها فتبطلها. لذلك قالوا: يحرم بروث وعظم وطعام ولو لبهيمة. ركزوا! ولو كان الطعام لبهيمة؛ فالحشيش -إخواني- كنت في صحراء ولا في غابة -عفواً- وفي رحلة وأخذت حشيشاً واستجمرت به، لا يصح؛ لأنه طعام البهائم هذا الحشيش. جميل!

طيب، فإن فعل -لو أن شخصاً فعل هذا الشيء المحرم بمعرفة منه أو بجهل، مثلاً شخص قلنا له: يا اخي لا تستجمر بالروث الطاهر ولا بالعظام الطاهرة، فأخذ روثاً طاهراً واستجمر به، ماذا يحدث؟- قلنا: هذا حرام، صح كحكم تكليفي. طب كحكد وضعي صحيح؟ يصح؟ منمشي له إياها من حيث الصحة؟ نحكم عليه أنه فاسد وعليه أن يعيد مرة أخرى؟ قالوا: إن فعل لم يجزئه بعد ذلك إلا الماء. هذه مسألة انتبهوا عليها، غريبة شوي عليكم؛ إذا شخص فعل ذلك، فعل هذا المحرم واستجمر بشيء محرم بروث طاهر، عظم طاهر، طعام طاهر، هنا قال الحنابلة: هذا شخص فعل حراماً ولا يصح استجماره ولا يمكن أن يطهر هذا الموطن إلا باستعمال الماء، يعني لا يمكن أن يأتي باستجمار آخر صحيح، مش ممكن! خلاص، أعطيناك فرصة، أنت خالفت الأمر وأتيت بشيء محرم الاستجمار به فاستجمرت به، هنا نمنعك من الرخصة. إن استجمرت بشيء محرم -روث، عظام، طعام، مغصوب- هنا قال الحنابلة: فعله حرام ولا يصح استجماره، وعليه أن يستنجي بالماء ولا يستطيع أن يستجمر مرة أخرى.

فلو قال: خلص، بما أن هذا الحجر محرم، خلص أنا آتي بأحجار غير محرمة وأستجمر بها؟ نقول له: انتهت فرصتك، أعطيناك فرصة استعملت شيئاً محرماً، يغلق عليك الباب تماماً، وعليك أن تعود إلى الاستنجاء بالماء.

وهذا خاص بهذا القيد. إيش يعني خاص بهذا القيد يا شيخ؟ احنا قلنا: يشترط في الاستجمار في الشيء الذي تستجمر به أو في الآلة ثلاثة شروط؛ أول شرط: أن يكون طاهراً، مباحاً، ثالثاً منقياً. الآن إذا أتيت بحجر غير منقٍ أو حجر غير منقية واستعملتها لا يصح الاستجمار، لكن تستطيع أن تأتي بأحجار صحيحة مرة أخرى وتعود تستجمر بها. إذا أتيت بشيء نجس -مش طاهر- أتيت بشيء نجس واستجمرت به، نقول: استجمارك غير صحيح، وتستطيع أن تأتي بأحجار أو أشياء طاهرة وتستجمر بها. إذا أتيت بشيء محرم لتستجمر به، لا يصح ولا تستطيع أن تأتي بأحجار مباحة وتستجمر بها، انتهت فرصتك؛ لأنك فعلت المعصية واستجمرت بمحرم، سنمنعك من استخدام الرخصة ونجبرك على الاستنجاء بالماء. فهذا القيد أو هذه المسألة -فإن فعل لم يجزئه بعد إلا الماء- خاصة باختلال شرط الإباحة، خاصة باختلال شرط أو ضابط الإباحة.

ممتاز، انتبهوا إلى هذه الفكرة: فان فعل لم يجزئه بعد ذلك إلا الماء. قال: كما لو تعدى الخارج موضع العادة. ماذا يقصد: كما لو تعدى الخارج موضعه العادة؟ هذه مسألة أخرى، لكنها -لقربها من المسألة السابقة- ذكرهما في موطن واحد.

الآن -أحبائي- يقولون: الاستجمار -ركزوا- الاستجمار إنما يكون في القبل أو في الدبر؛ المكان المعتاد أن تصل النجاسة إليه في القبل أو الدبر. أعيد: الاستجمار -يقول الحنابلة- يكون في المكان الذي يعتاد، في المكان الذي يعتاد وصول النجاسة إليه من القبل أو من الدبر، فمثلاً في القبل المعتاد أن البول يكون على حشفة -يعني على رأس ذكر الرجل- هذا المعتاد. وكذلك المعتاد في الدبر أن يكون أثر النجاسة -يعني أثر الغائط- أن يكون بين الصفحتين.

فإذا تجاوز البول المكان المعتاد ونزل على الخصيتين والفخذين، أو تجاوز الغائط المكان المعتاد ونزل إلى أسفل إلى الفخذين وما شابه ذلك، الآن يقول الحنابلة: القدر الذي خرج عن المكان المعتاد -ركزوا العبارة دقيقة- القدر الذي خرج وتجاوز المكان المعتاد، هذا الذي خرج وتجاوز لا يصح إلا استعمال الماء فيه، والقدر الذي بقي في المكان ولم يتجاوز هذا الذي يصح استعمال الحجارة فيه أو الاستجمار عموماً فيه.

أنت فهمتم؟ نفرض أن شخصاً ذهب إلى الغائط، فهناك قسم تجاوز الموطن المعتاد ونزل إلى الفخذين من النجاسة، وقسم بقي في الموطن المعتاد، يقول الحنابلة: الذي بقي في الموطن المعتاد هذا تستجمر عنه، لكن الذي نزل وتجاوز ووصل من الفخذين هذا لا يصلح لأن تستجمر له، هذا لابد أن تستعمل فيه الماء فقط. لذلك قال: كما لو تعدى الخارج موضع العادة. العبارة كما قلت لكم مجملة أو ربما فيها شيء من الغموض، وأنا بسطت لكم مقصود الحنابلة بها، فعليكم أن تفرقوا بين الذي بقي في الموطن المعتاد والذي تجاوز، فالمتجاوز هو الذي علينا أن نستعمل الماء فيه لا خيار آخر، والذي بقي في الموطن تستطيع أن تستجمر ولا حرج في ذلك.

أما بعد أن خاض بنا هذه الرحلة، أتى بالحكم العام للاستنجاء فقال: ويجب الاستنجاء. فعملية الاستنجاء أساساً التي عقد لها هذا، ما حكمها؟ الوجوب، فلا يصح يا عبد الله أن تبول أو أن تتغوط ثم تلبس الثياب مباشرة وتقول: يلا، الاستنجاء ما هو واجب؟ لا، الاستنجاء واجب.

الاستنجاء واجب وله صور يسن أن تحقق أكملها، لكن بأي صورة من الصور الأربع أتيت فهو مقبول بإذن الله. ويجب الاستنجاء، الآن ايش قال؟ ويجب الاستنجاء لكل خارج لأي شيء يخرج منك.

طبعا بشرط أن يكون نجساً، لذلك قال: إلا الطاهر، لأنه إذا كان طاهراً فلا يجب أن تستنجي منه كما ذكرنا في التعريف، إذاً قال: إلا الطاهر. فإذا خرج شيء طاهر منك، مثل ايش يا شيخ طاهر؟ مثل المني.

المني أحبائي طاهر، وكان هناك مني على ذكر الرجل فلا يحتاج إلى غسله ولا الاستنجاء منه لأنه طاهر. كذلك لو أن شخصاً فرضا بلع عملة معدنية بلعها من فمه خرجت معه كما هي لم تتلوث بأي نجاسة فرضا.

الان خرجت طاهرة، بالتالي أيضاً لا يجب الاستنجاء منها، لذلك قال: ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الطاهر. واستثنى شيئاً آخر انتبهوا، قال: إلا الطاهر والنجس الذي لم يلوث المحل. واستثنى أيضاً.

شكل من أشكال النجاسات لا يجب الاستنجاء منها، يعني خرجت من القبل أو الدبر ولا يجب الاستنجاء منها، ما هي؟ قال: النجس الذي لم يلوث المحل. أثناء خروجه إخواني، الاستنجاء عملية معللة، يعني معقولة المعنى. لماذا أمرنا الله بالاستنجاء؟

حتى نقطع الأذى عن القبل أو الدبر للنظافة، فإذا خرجت نجاسة من الإنسان قبلاً أو دبراً ولم تلوث المحل أي شكل من أشكال التلوث لم تلوثه أبداً، فقالوا: لا معنى للاستنجاء. فالاستنجاء ليست مجرد عملية تعبدية، عملية معقولة المعنى.

نحن نفعلها تعبداً لله لكننا فهمنا علتها باختصار، فبالتالي قال الحنابلة: الطاهر لا تحتاج أن تستنجي منه، النجس الذي لم يلوث المحل لا يحتاج أن تستنجي منه. جميل، الآن دعونا ننتقل إلى فصل في آداب الخلاء.

سيعقد هذا الفصل الشيخ في آداب الخلاء، دخولاً وخروجا وإقامة فيه، سيذكر مسنونات ثم مكروهات ثم محرمات، رتبها بهذا النسق: مسنونات الخلاء، مكروهات الخلاء، محرمات الخلاء. دعونا ننظر ماذا ذكر.

قال: فصل، يسن... على هذا الفصل تابع لباب الاستنجاء، لاحظوا كيف عندنا كتاب الطهارة، الكتاب تحته أبواب، الأبواب تحتها فصول. جميل، قال: فصل يسن لداخل الخلاء ايش؟ واحد، تقديم اليسرى. إذاً يسن أن تقدم اليسرى إذا دخلت الخلاء.

السنة الثانية قال: وقول بسم الله، اللهم... هو لم يذكر اللهم، بسم الله أعوذ بك من الخبث والخبائث. طبعا الخبث القاضي عياض قال هي ساكنة الباء، الخبث، وإذا كانت ساكنة فإن معنى الخبث الشر.

فكأنك تقول: أعوذ بالله من الخبث أي من الشر، والخبائث هم أهل الشر الشياطين، فكلمة الخبائث على تفسير القاضي عياض تشمل ذكور الشياطين وإناث الشياطين، وكلمة الخبث معناها الشر. وأما الخطابي رحمة الله عليه من أئمة الحديث المشهورين فقال: هي ليست الخبث بتسكين الباء، بل هي الخبث.

بضم الباء، وإذا ضممنا فقلنا الخبث حينئذ الخبث تصبح جمع خبيث، فيكون المراد بالخبث على رأي الخطابي ذكران الشياطين، والخبائث جمع خبيثة والمراد بها إناث الشياطين. فهذه السنة الثانية، السنة الأولى تقديم اليسرى دخولاً، السنة الثانية أن تقول: بسم الله أعوذ بالله، تستجير بالله من الشر ومن أهله أو من الشياطين وإناث الشياطين. السنة الثالثة قال: وإذا خرج قدم اليمنى. إذا خرجت من الخلاء تقدم اليمنى، والسنة الرابعة والأخيرة قال: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني. يعني إذا خرجت باليمنى وأنت خارج تقول: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني. فذكر إذاً أربع سنن للخلاء، طبعا هناك غيرها لكن سنقتصر على ما ذكره ولا أطيل عليكم أكثر من ذلك.

الآن دعونا نذهب إلى المكروهات، فقالوا: ويكره في حال التخلي استقبال الشمس والقمر.

يكره في حال التخلي أولاً هذه الأولى استقبال الشمس والقمر، يرى الحنابلة أن استقبال الشمس والقمر مكروه أثناء عملية قضاء الحاجة، لذلك قال: ويكره في حال التخلي يعني أثناء عملية قضاء الحاجة يكره استقبال الشمس والقمر. ما الدليل على ذلك؟

يعني في الحقيقة أتى الحنابلة بتعليلات لهذه المسألة ربما عندما نقرأها لا نراها بتلك القوة، كقوله مثلاً إن الشمس والقمر فيها من نور الله، والبعض يقول إن أسماء الله مكتوبة فيها، والبعض يقول لأنهما آيتان عظيمتان، وعظيمتان من آيات الله. لأنهما آيتان عظيمتان من آيات الله.

وبها يستضيء الكون، وقيل إنه روي...ها لاحظوا! استفي دليل قال: وروي أن معهما مع الشمس والقمر ملائكة، وملائكة الرحمن. لكن الأحاديث وهذه التعليلات في الحقيقة ليست بتلك القوة، ليست.

بتلك القوة، لذلك رأى كثير من أهل العلم أن هذا لا أصل له، قضية كراهية التخلي في استقبال الشمس والقمر، قالوا هذا لا أصل له. لكن أنا عموماً ما أريد أن أقول لطالب العلم: حتى لو وجدت بعض المسائل النزر اليسير التي ترى الأدلة فيها لا تنهض أو اعتمدت على آثار ضعيفة جداً.

جدا جداً بل قد يحكم عليها البعض بالوضع، فهذا لا يعني أن تكون جل مسائل المذاهب من هذا القبيل، وكل مذهب كما قلنا إلا أن تجد في بعض المسائل بنيت على أحاديث ضعيفة جداً أو في نظر في طريقة الاستدلال عليها بالتأكيد، لكن لا تستعجل.

لا تهجم هجوماً سريعاً على نقد المسائل الفقهية بما أنك والله وجدت بعض المسائل النزر اليسير يعني أدلته ليست قوية أو لا تنهض، لأنك مع الوقت ستعرف لماذا يقولون مثل هذا الكلام وما وجهة نظرهم في هذه القضايا، فلذلك.

لم يقولوا بالتحريم وإنما اقتصروا على الكراهة، وهذا تعليق سريع فقط على هذه المسألة. ويكره في حال التخلي استقبال الشمس والقمر، ثانيا أيضاً من المكروهات في حال التخلي يكره أن تستقبل مهب الريح.

فقوله: ويكره في حال التخلي استقبال الشمس والقمر ومهب الريح، أيضاً فيكره استقبال مهب الريح. وهذه قضية معلومة معقولة، لماذا؟ قالوا الشريعة أمرتنا بالتنزه من البول، أمرتنا أن نتنزه من البول ومن باب أولى أن نتنزه من الغائط، وإذا الإنسان بال أو تغوط في مهب الريح.

وهذا احتمال كبير ومظنة أن تنتقل النجاسة على ثيابه وعلى بدنه وألا يعرف موطنها فتعمه النجاسة، فنقول إذاً الأصل بما أن الشريعة أمرت بالتنزه من البول البول في مهب الريح مكروه.

وهذا إذا مأخوذ من قاعدة كُلّيّة يعني لا يوجد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يكره التخلي في مهب الريح، لكنه معقول المعنى معلل من قواعد الشريعة المستقرأة. فالعلماء استقرأوا الشريعة ماذا امرتنا بالنسبة للبول والغائط؟ أمرتنا أن نتنزه وأن نبتعد في أي شيء يسبب أو يكون.

مظنة لوصول هذا الأذى فالأصل أن يكون في أدنى درجاته مكروه، إذاً ومهب الريح. والكلام هذا المكروه الثالث: يكره استقبال الشمس والقمر، يكره استقبال مهب الريح. ثالثاً: يكره الكلام.

الكلام إخواني في حال التخلي وأنت تقضي حاجتك مكروه الكلام عموماً، بما فيه ذكر الله وبما فيه من رد سلام وإجابة مؤذن، كل هذا الكلام مكروه، لا يقولون حرام لكن يقولون مكروه. باستثناء شيء واحد وصل إلى.

عندهم وهو قراءة القرآن، فقراءة القرآن في حال التخلي حرام، وما سوى ذلك من الكلام سواء كان كلام العامة أو حتى ما فيه ذكر الله فهو مكروه عند الحنابلة. ثم قال: والبول في إناء يكره أيضاً البول في الآنية.

وهذا له عدة علل، منها أولاً: أن الآنية إخواني قد يستعملها شخص آخر بعدك يظن أنها ما فيها شيء، يضع فيها طعاماً أو شراباً أو ما شابه ذلك وهو لا يعلم أن شخصاً بال فيه.

أو قد يراك شخص بلت في الاناء فيستقذر من استعماله في أمور الحياة، فقد تفسد الإناء، أو كما قلنا يضع الشخص فيه أمتعة أو طعاماً أو شراباً وهو لا يدرك أن فلاناً بال فيه.

هذا من حيث التعليل الحياتي كما يقولون، وأما من حيث التعليم من حيث النص، فانه يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرج الطبراني في الأوسط أنه «نهى أن ينقع».

بوله في الطست في البيت، «نهى أن ينقع البول في الطست في البيت». وقد ذكر بعض أهل العلم أن معنى أن ينقع يعني أن يمكث ويركد، وبالتالي هذا الحديث قالوا لا يدل على مذهب الحنابلة لأنه يدل على أن المنهي عنه هو أن يركد البول في الطست في البيت.

أما أن يبال في الطست مباشرة ويرمى ويلقى ما فيه فهذا لا حرج فيه، والبعض قال لا، بما أنه نهي عن أن ينقع البول في الطست فهو دعوة بالبول في الإناء عموماً، ولذلك الحنابلة ما قالوا بالتحريم وإنما قالوا بالكراهة. لذلك متى كان هناك حاجة لأن يبالى في إناء شخص.

مريض متعب لا يستطيع الذهاب لدورة المياه، فالحنابلة يقولون: الكراهة، الحاجة تزيل الكراهة. إذاً البول في إناء قال: وشق.

أيضاً يكره البول في الشق، لأن الشق والجحر يكون فيها دواب وبهائم.

قد تؤذيها أنت بالبول فيها وقد تؤذيك هي، وروي أن سعد بن عبادة الصحابي الجليل بال في جحر فخرجت حية أو ما شابه ذلك فقتلته، فالبول في الشق جاء النهي عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث.

عبد الله بن سرجس وإن كان بعض أهل العلم يضاعفه أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن البول في الجحر»، تمام. هذا الحديث الأصل في الباب وعلته معلومة يا إخواني، حتى لا تؤذي أنت هذه البهائم وحتى لا تؤذيك. وهل خلت الدنيا إلا أن.

هنا في شق أو في جحر من هذه الجحور؟ جيد. ونار ورماد، يكره أيضاً البول في النار والرماد، لماذا؟ قالوا من ناحية طبية لأنه يورث السقم. وهل هذا ثبت طبياً؟ إذا كان فعلاً ثابتاً طبياً.

فالشريعة فعلاً قاعدتها لا ضرر ولا ضرار، فأي شيء نجلب لك الضر فأقل أحواله أن يكون مكروهاً. فالنار والرماد قال الحنابلة إنها تورث السقم، يكره البول فيها. أقول: إن ثبت هذا فالكلام كما هو، وإن لم يثبت هذا.

فأصبحت القضية أخرى جيد. إذاً ونار ورماد، لكن أنت بشكل عام اشتري بالباب في النار والرماد. أيضاً الأمكنة واسعة. قال: ولا يكره البول قائماً. ولا يكره البول قائماً هذه قال: ولا يكره.

لأن هذه مسألة خلافية: هل يجوز البول قائماً هو مكروه، هل يباح أم هو مكروه؟ الحنابلة قالوا: يباح البول قائماً. وقد «بال النبي صلى الله عليه وسلم في سباطة قوم وهو قائم» كما جاء في الحديث عند السبعة.

فقال الحنابلة هذا الحديث أصلاً يدل على جواز أن يبول الإنسان قائماً ما دام أنه كما قلنا يأمن التلويث والنظر. الآن إذا لم يأمن التلويث والنظر لا تختلف القضية، تختلف القضية. لكن إذا أمن.

التلويث وأمن النظر، نظر الناس إليه وأن تنكشف عورته، فلا مانع من أن يبول قائماً، كان يبول مثلاً في أمر حاضن في بيته وما شابه ذلك، فلا يكره البول قائماً عند الحنابلة. انتهى من ذكر المكروهات ونبه على عدم كراهة البول قائماً، انتقل إلى محرمات الخلاء.

فذكر ثلاثة: المحرم الأول قال: استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء بلا حائل، ويكفي أرخاء ذيله. هذا هو المحرم الأول، لاحظوا الآن استقبال القبلة واستدبارها اين؟ في حال التخلي. هنا الاستنجاء مكروه، استقبال القبلة واستدبار حال الاستنجاء، هذا مر معنا مكروه. لكن الآن هنا يتكلم عن حكم استقبال القبلة واستدبارها في حال التخلي.

فقال: ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء بلا حائل. فوضع شروطاً للتحريم، الشرط الأول أن يكون الاستقبال والاستدبار في الفضاء، فالصحراء هنا رمز للفضاء، قد يكون صحراء، قد تكون غابة.

المهم المراد الفضاء عموماً، هذا الشرط الأول للتحريم أن يكون في فضاء. ثانياً: مع عدم وجود حائل، فإذا كنت في فضاء وهناك حائل يسترك أيضاً لا يوجد تحريم لاستقبال القبلة واستدبارها.

لكن الكلام في فضاء ولا يوجد حائل يسترك، فهنا نعم التحريم قائم. أما إذا كنت في بنيان، في بيتك مثلاً الآن هذه ليست صحراء، في البيت وفي المنزل، والمرحاض المهندس سامحه الله. المعماري بناهم مستقبلاً للقبلة أو مستدبراً لها.

فحينئذ نقول لا حرج وليس محرماً، أو كنت في صحراء وكان هناك حائل شجرة أو وضعت خشبة أمامك هذا أيضاً يزيل التحريم. قال: ويكفي أرخاء ذيله، يعني يكفي في الحائل أن ترخي الذيل. والمراد بالذيل هنا طرف الثوب من الأسفل، لو شخص لابس ثوب مثلي.

وكان في الصحراء وأراد أن يبول أو يتغوط فما وجد حائل، لكن وجد طرف الثوب فارخى طرف الثوب أمامه وهو يبول أو من خلفه وهو... فقال الحنابلة: يكفي هذا حائلاً ما عندهم إشكال.

قال: ويكفي أرخاء ذيله أي الثوب أمامه أو خلفه بحسب مكان قضاء الحاجة. إذاً، ويحرم استقبال القبلة واستدبارها أن تستقبلها أو أن تستدبرها تعطيها ظهرك أثناء قضاء الحاجة في الصحراء بلا حائل، ويكفي أرخاء ذيله حتى يحقق الحائل.

المحرم الثاني قال: وأن يبول، أي يحرم أن يبول أو يتغوط في أماكن محددة فيذكرها. هذا المحرم الثاني: البول أو الغائط في أماكن محددة، ما هي؟ طريق مسلوك، لأنه طريق يسلكه الناس.

اثنين: ظل نافع، يعني أماكن لها ظلال يستفيد منها الناس، ظل نافع كالشجر أو الأماكن التي تعدها الدولة والمؤسسات يستظل الناس تحتها في الطرقات. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا اللعانين»، يعني الأمران اللذان يجلبان اللعنة.

قالوا: ما هما يا رسول الله؟ قال: البول في طريق الناس أو في ظلهم. هناك تحذير من النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه القضية؛ البول في طرق الناس، الطريق المسلوك. وهذا يخرج به الطريق المهجور، فالطريق المهجور لا إشكال فيه، وإنما الإشكال في الطريق المسلوك والظل النافع، بالتالي الظل الذي لا ينتفع به لا حرج فيه. لاحظوا كل كلمة لها دلالتها؛ طريق مسلوك أو ظل نافع، كارثة، أو جيم سموها تحت شجرة عليها ثمر يقصد.

أيضا يحرم البول تحت شجرة عليها ثمار يقصدها الناس، لاحظوا الشروط: شجرة عليها ثمار يقصدها الناس. فإذا كانت الشجرة لا يوجد عليها ثمار، لا يحرم البول أو التغوط تحتها إلا إذا كان لها ظل نافع. طيب، وكذلك الشجرة إذا كان لها ثمار ولكنها ثمار غير مقصودة، يعني ما في أحد يأتي يقطفها ليأكل منها أو ينتفع بها؛ بعض الشجر إخواني ثماره الناس لا تلتفت إليه، فإذا كانت شجرة لها ثمرة لكنه غير مقصود، أيضا لا يحرم البول أو التغوط تحتها إذا لم يكن لها ظل نافع. ممتاز، لازم تقول إذا لم يكن لها ظل نافع؛ لأنه الشجرة حتى لو لم يكن لها ثمر أو كان لها ثمر لكنه غير مقصود ولها ظل نافع، فيحرم البول والتغوط تحتها بسبب القيد الثاني أو المكان الثاني اللي هو الظل النافع.

لكن شجرة ليس لها ظل نافع، وليس لها ثمر أو لها ثمر لكنه غير مقصود، فهذه يبول أو يتغوط تحتها ولا حرج. المكان الرابع والأخير: قال، وبين قبور المسلمين، يحرم البول أو التغوط بين قبور المسلمين احتراما لهم، وهذا يخرج قبور المشركين. وإن كنا طبعا نقول الانسان يعني إذا كان لا يحرم البول في قبور المشركين، مش معناته أن الشخص يروح يبول فيها، هذا لا يليق بالمسلم عموما، لكن التحريم للبول أو الغائط يتعلق بقبور المسلمين. جيد، فاذا المحرمات: أولا، استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء بلا حائل. ثانيا، البول أو التغوط في الأماكن الأربعة التي ذكرها.

المحرم الثالث قال: وأن يلبث فوق حاجته، يحرم على الشخص أيضا إذا فرغ من قضاء الحاجة أن يبقى ماكثا عليها كاشفا عورته، لماذا؟ قال، انكشف العورة عند الحنابلة بلا حاجة محرم حتى ولو كنت خاليا. حتى لو كنت خالي يا شيخ؟ نعم، بعض الإخوة يتساهل أو يأخذ بعض الآراء أن كشف العورة إذا كنت خاليا جائز، الحنابلة مذهبنا يا إخواني يحرم كشف العورة بلا حاجة حتى ولو كنت خاليا، «فإن الله أحق أن يستحيا منه»، كما قال صلى الله عليه وسلم لإجابته، كما جاء في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: الله أحق أن يستحيا منه.

فلماذا تستر عورتك إذا كنت خاليا؟ استحياء من الله سبحانه وتعالى، كما أنك تستحي أن تظهر أمام الناس وأنت كاشف العورة، فالله أحق أن تستحي منه. بالتالي إذا فرغت من قضاء الحاجة وانتهيت، الحنابلة يلزمونك بالقيام مباشرة، ولا تجلس في المرحاض تفكر في أمور الدنيا وتخطط لحياتك المستقبلية، هذا حرام، قال: ويحرم أن يلبث فوق حاجته. إذا فرغت من قضاء الحاجة، تستنجي ثم بعد ذلك تلبس ثيابك وتغادر الخلاء.

فإهكذا نكون انتهينا من باب الاستنجاء ومن الفصل الذي عقده في سنن الخلاء ومكروهات الخلاء ومحرمات الخلاء. بسم الله، دعونا ننتقل لباب جديد وهو باب السواك. انتهينا من كتاب الطهارة مع ما فيه من أنواع المياه، انتهينا من باب الأنية، انتهينا من باب الاستنجاء وآداب التخلي، من باب الرابع عقده في السواك وفيه فصل في سنن الفطرة. عموما الآن السواك أحبائي، كلمة السواك؛ السواك هذه الكلمة تطلق على الآلة التي يستاك بها، وتطلق أيضا على عملية استعمال هذه الآلة، عملية التسوك، فكلمة السواك تأتي اسم آلة للعود الذي يستاك به، وتأتي مصدرا بمعنى الحدث، عملية التسوك تسمى سواك أيضا، وهنا لما قال باب السواك هو يقصد المعنى المصدري للسواك، يعني التسوك فهمتم؟ لا أسباب السواك باب الأعلى والله تعالى أعلم.

قال: يسن السواك بعود رطب لا يتفتت. بدأ بذكر الآلة التي يسن الاستياك بها، فقالوا: يسن أولا بالعود، هذا أول قيد للالة التي تستاك بها أن تكون عودا، بالتالي يقول الحنابلة لا يتحقق السواك بالإسبع أو بخرقة أو بمنديل أو منشفة، لا يتحقق، لابد أن تكون الآلة عودا. الآن، عود أراك، عود زيتون، عود عرجون، دخل ما عنده مشكلة، لكن بالشروط التي ستأتي إن شاء الله، لكن مهم أن يكون عودا. إذا، يسن بعود، ثانيا رطب، الآن عبارة رطب في الحقيقة هذي عبارة المنتهى وتابعه الشيخ مرعي عليها، لكن في الإقناع لم يقل رطب قال بعود لين. لماذا لين؟ عبارة الإقناع إخواننا ربما تكون أدق من عبارة الشيخ مرعي تبعا للمنتهى؛ لأن العود الذي يسن الاستياك به يشترط فيه أن يكون لينا، وكلمة لين تشمل الرطب وتشمل اليابس المندى؛ رطب اللي هو العود اللي فيه مية اللي فيه خضار وما زال أخضر رطب، ويدخل فيه أيضا اليابس الناشف الذي تم تنديته ووضعه في الماء فندي أصبح طريا، فكلمة لين تشمل الرطبة واليابس المندى فهي أدق وأشمل من كلمة الرطب؛ لأن هنا يعني ابن عوض لما شرح كلمة رطب قال الرطب يعني اللين، لكن في الحقيقة الرطب أخص من اللين؛ لأن اللين يدخل فيها أيضا اليابس الذي تم تنديته، فكانت لربما عبارة الإقناع أدق من عبارة دليل الطالب والمنتهى، والله تعالى أعلم.

إذا، بعود رطب، ونحن قلنا لين أدق؛ يسن بعود لين، جيد. ما هو الشرط الثالث؟ قال: لا يتفتت في الفم، هذا الشرط الثالث. الآن بقيت ثلاثة شروط أخرى لم يتطرق إليها، أنا سأتطرق إليها لأكمل لكم عقد المسألة، قال الحنابلة في كتبهم الأخرى: رابعا، أن يكون منقيا، فإن كان هذا العود اللين لا ينقي ما في منه فائدة. رابعا، لا يضر؛ لأنه إذا كان يسبب ضررا للثة أو للأسنان بعض عيدان الأشجار فعلا مؤذية يقول الأطباء، فهذه أيضا لا يسن استعمالها. ولا يجرح، هذا القيد الخامس؛ لأنه إذا كان يجرح فهو أيضا مؤذي وأنت لا تطبق السنة فتضر نفسك.

هذه قيود خمسة للسواك؛ آلة السواك قيودها أن تكون بعود لين، لا يتفتت، منق، لا يضر ولا يجرح. هذه ست شروط أو قيود لآلة السواك. إذا اختل وصف من هذه الأوصاف المراد طبعا بالوصاف الخمسة اللي هي ما كان لينا، فكان جافا جدا، أو لا يتفتت فكان بيتفتت، أو منقيا فما كانش منقيا تماما، أو لا يضر فكان بيضر، أو بيجرح فإذا قل شرط من هذه الخمسة فيكون مكروها. واما إذا اختل الشرط الأول فما كان عود أصلا وهنا لا يوجد سواك أصلا عند الحنابلة؛ إذا لم تستعمل العود استعملت الإصبع أو الخرقة فهذا لا يسمى سواك أصلا عند الحنابلة، فكل العملية غير موجودة.

لكن إذا استعملت عودا، لكن هذا العود اختل فيه وصف من هذه الأوصاف الخمسة، فكان مثلا يابسا أو لا يتفتت أو يتفتت عذرا أو كان مضرا أو كان بيجرح أو كان غير منقي فهذا مكروه كما ذكر الأصحاب. ثم الآن بعد أن ذكر آلة السواك سيعطينا حكمه، فقال: وهو مسنون مطلقا، السواك قال: وهو مسنون مطلقا، أي هو سنة في جميع الأحوال إلا ما سيستثنى، فقال: إلا بعد الزوال للصائم فيكره، ويسن له قبله بعود يابس ويباح برطب.

الآن إخواني، ما معنى قوله وهو مسنون مطلقا؟ أي هو كما قلنا مسنون في كل الأحوال، واستثنى صورة واحدة؛ صورة الصائم؛ الصائم أحبابي بعد الزوال، بعد الزوال يعني عند وقت الظهيرة، إذا دخل وقت الظهر بعد الزوال يكره له السواك، لماذا؟ قالوا: لأن الإنسان الصائم إنما تظهر رائحة فمه وتصعد هذه الرائحة من المعدة إلى الفم عند وقت الزوال، يعني بعد الزوال وما بعد ذلك تبدأ رائحة الفم تظهر، ورائحة الفم هذه أثر طاعة يحبها الله، كما جاء في الحديث: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»، هذا هو المعتمد، فهذا الحديث يدل على أن هذه الرائحة لأنها أثر طاعة فهي محبوبة عند الله سبحانه وتعالى، فبالتالي لا ينبغي للمؤمن أن يزيلها، وازالتها مكروهة ليست حراما لكنها مكروهة.

طيب يا شيخ، قبل الزوال؟ يقولون في العادة رائحة الفم إنما تخرج بعد الزوال، وأما من الفجر إلى الزوال لا تكون الرائحة قد خرجت بعد، فلا يكره السواك، بل يكون مسنونا يبقى على السنية. إذا قال: إلا بعد الزوال للصائم فيكره، وقبل الزوال قال: ويسن له، أي للصائم الضمير في له يعود على الصائم، ويسن له قبله بس بعود يابس مندى؛ لأن اليابس الغير مندى هذا لم تتوفر فيه شروط الآلة؛ أنه اليابس الجاف هذا مخالف للآية اللي ذكرناها قبل قليل، لابد تكون سواك بعود رطب أو لين، واليابس غير مندى، هكذا اطلاق اليابس ربما ما فيه دقة، لأن اليابس مطلقا أو عفوا اليابس غير المندى ليس من الآلة التي يسن السواك بها، وإنما اليابس، فنضيف كلمة المندى.

فإذا قبل الزوال يسن بعود يابس مندى ويباح برطب، لماذا بالنسبة للصائم بالتحديد فرق الحنابلة قبل الزوال بين العود اليابس المندى وبين الرطب؟ ما رأيكم؟ يقول الحنابلة: العود الرطب هذا قد يتحلل أو هو مظنة التحلل في الفم؛ لأنه رطب فنخشى أن يبتلعها الإنسان، ما تحلل مع ريقه فيدخل إلى معدته وهذا لا يجوز له أن يصل إلى جوفه شيء، فالرطب لأنه مظنة التحلل قالوا: لا يسن السواك به قبل الزوال لكن يباح، وأما اليابس المندى فلانه ما زال يابسا وإن كان ندي فإنه لا تتحقق فيه هذه المظنة مظنة التحلل فيكون على الحالة الأصلية مسنونا للصائم، فقال: ويسن له قبله بعود يابس ويباح برطب.

قال: ولم يصب السنة من استاك بغير عود، أي من يستاك بغير العود هذا لم يصب السنة، لم تتحقق سنية السواك عنده، وقد ذكرنا المسألة قبل قليل أن أول قيد من قيود السواك أن يكون عودا، فبإصبع أو بخرقة لا تتحقق سنية السواك. إذا، لاحظوا كيف أن نفسر في أحكام الصائم؛ بعد الزوال مكروه، قبل الزوال تقول بيابس مندى مسنون، برطب مباح، وعرفنا سبب التفريق بين اليابس المندى وبين الرطب.

ثم أراد أن يبين لنا أن السواك يصبح سنة مؤكدة في أحوال محددة، يعني السواك في حالته الأصلية أحبائي سنة، لكن يتأكد ويرتقي من سنة إلى سنة مؤكدة في أحوال محددة، والسنة المؤكدة هي السنن التي واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثبت بالأحاديث أنه كان يواظب عليها أكثر من غيرها. فما هي الأماكن التي كان يواظب فيها صلى الله عليه وسلم بالسواك أكثر من غيرها؟ فقال: ويتأكد، أي السواك يصبح سنة مؤكدة، يعني عند وضوء وسنعرف ما هو موطنه عند الوضوء بالتحديد، وصلاة، عند الصلاة معروف هذه من المواطن التي يتأكد فيها السواك، وقراءة أي للقرآن، وانتباه من نوم لأن رائحة الفم تكون متغيرة عند الاستيقاظ، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا انتبه من النوم يشوص فاه بالسواك. وتغير رائحة الفم، فم طبعا تغير رائحة الفم هذا مفهوم عام يدخل تحته الانتباه من النوم؛ لأن الانتباه من النوم أو الاستيقاظ من النوم عادة ما يصحبه تغير في رائحة الفم، وكذا عند دخول مسجد هذه حالة أيضا، وعند دخول المنزل كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها، وعند إطالة السكوت، أنهم يقولون طول السكوت أيضا يغير رائحة الفم فيدخل تحت المفهوم الكلي اللي ذكرناه قبل قليل؛ تغير رائحة الفم وسفرة أسنان؛ إذا اصفرت الأسنان يتأكد استعمال السواك لتعيدها إلى بياضها.

قالوا: لا بأس أن يتسوك بالعود الواحد اثنان فصاعدا، يعني لو في هناك عود واحد استاكوا به الرجل مع زوجته هل هناك حرج في ذلك أحبائي؟ لا حرج في ذلك، لا يكره أن يستعمل العود أكثر من شخص نعم إذا كان هناك أمراض أصلا يشترى بذلك، لكن لا يوردن ممرض على مصح كما قال عليه الصلاة والسلام، لكن إذا ما كان هناك أمراض فلا بأس أن يستاك بالعود الواحد الإثنان فصاعدا، وقد ثبت أن عائشة رضي الله عنها كانت تأخذ سواك رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنديه وترطبه له ثم تناوله إياه.

جميل، ننتقل إلى فصل يتعلق بهذا الباب، طبعا هو ليس له علاقة بالسواك لا، فصل يتعلق بما يسمى سنن الفطرة، سيذكر هناك مجموعة من الأمور تتعلق بالنظافة الشخصية وتبين لنا حكمها بالتفصيل، فقال رحمة الله عليه: فصل: يسن حلق العانة، اتي هذا أول شيء يسن، هاي مسنونات، لاحظوا كلمة يسن انتبهوا ضعوا تحتها خط، فحلق العانة ليس واجبا سنة مستحب، لكن حتى لو كان سنة مستحب ليس معناه أنه سنة مستحب معناها جاء الفرج يعني لا يلزمني أن أتبع هذه السنة، لا يا إخواني، ترى نحن فقط نبين مراتب الأوامر؛ أنه هذا واجب وهذا سنة، والا فالإنسان المؤمن يتبع أمر الشارع سواء كان واجبا أو مندوبا، ولم يكن من هدي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعني يأخذوا التفاصيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوامره؛ أنه هذا يا رسول الله واجب ولا مندوب؟ خلص قال.

المندوب معناها ما رح نفعل. هكذا حال كثير من الناس اليوم، هو يا شيخ واد جيبوا لنا مندوب، اذا عرف انه مندوب معناها هذا داع لأن يترك. أنت تأخذ أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم. معرفة هذه التفاصيل الدقيقة للتفقه، لكن أنت تتبع حتى تعرف أين مواطن العذر، وأين الأشياء التي هي أخف من غيرها حتى تعرف ماذا تقدم عند التزاحم، وليس لأن تهجر.

إذا، يسن أولاً حلق العانة؛ لأن كلمة حلق أينما وردت في كتب الفقهاء فالمراد بالحلق الإزالة التامة للشعر، الإزالة التامة للشعر والتي تكون عادة بالموس أو بشيء حاد. هذا هو مفهوم الحلق، وهناك فرق بين الحلق وبين التقصير؛ التقصير حتى لو كان من جميع الشعر لا يسمى حلقاً يسمى تقصيراً، ولهذا فرق صلى الله عليه وسلم بين: «رحم الله المحلقين»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ هذا يدل على أن فرق بين التحليق وبين التقصير. فالحلق إزالة كامل الشعر، فيسن إزالة كامل الشعر في منطقة العانة. والعانة أحبائي هي المنطقة فوق منطقة القبل للرجل أو للمرأة، تمام، وتزيلها بأي شيء، بالموس، حتى لو استعملت آلات مساعدة أو كريمات أو ما شابه ذلك لا حرج.

ثانياً، من المسنونات نتف الإبط، الكمال نتف الإبط؛ تأخذ الشعرة وتنتفها نتفاً، فإن لم تطق ذلك فيكتفي الإنسان بالحلق، لا حرج في ذلك، لكن هذا الكمال لمن أطاقه.

ثالثاً، تقليم الأظفار؛ أظفار اليدين وأظفار الرجلين، فلا يتشبه الإنسان بأعداء الأمة بإطالة أظفاره؛ فهي أصلاً تجمع تحتها الأقذار، والتشبه بأعداء الأمة وإلى غير ذلك من القبائح التي تتحقق في إطالة الأظفار، فيسن تقليم الأظفار.

رابعاً، النظر في المرآة؛ الحنابلة يقولون من المسنون النظر في المرآة ويعتمدون على أحاديث كان فيها ضعف في ذلك، وأنه صلى الله عليه وسلم كان ينظر في المرآة ويقول: «اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي وحرم وجهي على النار». هذا المقطع ثابت في الاحاديث الصحيحة، لكن أنه كان ينظر في المرآة ويقول هذا الحديث لربما لم يثبت بأحاديث صحيحة، لكن فضائل الأعمال إذا لم يشتد ضعف الحديث الوارد فيها يتوسع فيها الحنابلة وغيرهم من المذاهب الفقهية. إذاً، النظر في المرآة مع قول هذا الحديث: «اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي واحرم وجهي على النار».

والتطيب بالطيب، والإسلام يدعو دائماً للمسلم أن تكون رائحته طيبة، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء»، وكان يدعو الناس إلى قبول الطيب وألا يردوه، وكان هو صلى الله عليه وسلم بنفسه يتطيب قبل أن يحرم وفي يوم الجمعة وفي سائر أيامه، يحب عليه الصلاة والسلام الرائحة الطيبة. فهذا من المسنونات التي ينبغي أن يحرص عليها الإنسان المسلم، وحتى المرأة في بيتها تحرص على الطيب أمام زوجها، وهذا من سبل التحبب إليه. تحرص على الطيب أمام زوجها، وأما طيب المرأة خارج المنزل فيقول الحنابلة هو ما ظهر لونه وخفي ريحه، وهذه لعلها تمر معنا في وقت لاحق إن شاء الله.

والاكتحال كل ليلة في كل عين ثلاثة، هنا قال كل ليلة ولكن يظهر لي انها كل، ويسن الاكتحال كل ليلة في كل عين ثلاثة -لعل هذه النسخة فيها إشكال، إذا هذا ظرف، والظرف منصوب، ويسن الاكتحال هذا التقدير- كل ليلة. إذاً، الاكتحال أيضاً من السنن التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم إن قدر على ذلك أن يكتحل كل ليلة في كل عين ثلاثة أميال؛ لأنه هذا عود الكحل يسمى ميل، عود الكحل يسمى ميلان، فيكتحل في كل عين في كل ليلة ثلاثة. وقد جاء في ذلك أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تروى عنه مختلفة، ومجموعها قد يقوي بعضها بعضاً لتحصيل هذه السنة، وقد رويت أحاديث أيضاً في أن هذا الاكتحال للعين يقوي البصر ويجلو ويبعد عنه الأمراض.

وحف الشارب أيضاً؛ الحف إخواني هو المبالغة في القص، المبالغة في قص الشارب، فهذا هو الأكمل أن تبالغ في قص شاربك، فان لم تبالغ فأقل شيء القص العام، حتى لا تجتمع الجراثيم وحتى إذا أكلت طعاماً لا تبتلع شاربك مع الطعام، فهذا فيه من الضرر، والشريعة شريعة عظيمة إخواني اتت لتهتم بنظافة الانسان في أدق التفاصيل سبحان الله.

كذلك قال: وأعفاء اللحية؛ أعفاء اللحية المراد إطلاقها، يعني جعلها تطلق تماماً لا تمسها. إعفاء اللحية مسنون، وزاد في الاقناع ما لم تصل إلى حد الشهرة أو المبالغة فيها؛ لأنهم يقولون: إذا اللحية طالت وأصبح فيها شهرة، يعني طول زائد عن المعتاد، هذا حد الشهرة، الطول الزائد عن المعتاد بحيث تلفت النظر ويصبح كل الناس ينظرون إلى هذا الرجل، نعم، هنا ليس من السنة إعفاء اللحية إلى هذا القدر الخارج عن المعتاد، يقول الحنابلة: إعفاء اللحية إلى القدر المعتاد، أما إذا خرجت عن القدر المعتاد فليس هذا من السنة.

لكن ما حكم حلق اللحية؟ قال: وحرم حلقها. وعرفنا قبل قليل أن الحلق معناه الإزالة التامة. الإزالة التامة هذا حرام أحبتي، يحرم حلق اللحية. إذاً، إعفاء اللحية للقدر المعتاد مسنون، وحلق اللحية تماماً حرام.

سيعطينا حكم ثالث في اللحية؛ قال: ولا بأس بأخذ ما زاد على القبضة منها. ايش يعني هذا الكلام؟ يعني إذا قبضت على لحيتك هكذا، فالشعر الذي يزيد عن القبضة يباح لك أن تقصه، شخص قبض على لحيته والشعر الزائد قصه لا حرج في ذلك.

ممتاز، الآن بقيت حالة لم يذكرها الشيخ، وهو الشعر الذي دون القبضة، لو أن شخصاً اخذ من الشعر الذي دون القبضة ولكن لم يصل إلى حد الحلق، لم يصل إلى حد الحلق، أخذ ما دون القبضة، يعني ما هذا الشخص مسك على لحيته؟ لا يوجد شعر تحت القبضة، أو نزل، كل أسفل كله دون القبضة، هل يجوز له أن يأخذه؟ في الحقيقة الحنابلة لا يتطرقون، أو قل: قل أن يتطرقوا لهذه المسألة، ولعل اللبأ أظن في حاشيته تطرق إليها وذكر أن الأمر يتراوح ما بين الكراهة عند الحنابلة والتحريم؛ لأن هنا قال: يباح أخذ ما زاد على القبضة، طيب، مفهوم المخالفة: الذي ما زاد على القبضة، الذي لم يزل عن القبضة سكت عنه لم يذكر حكمه، ذكر حرمة الحلق تماماً، وإباحة اخذ ما زاد على القبضة، وما بين هاتين الرتبتين لم يذكر، فذكروا أنه ما بين الكراهة، إما أن يكون مكروهاً على أصول الحنابلة، وإما أن يكون حراماً.

لكن إخواني عموماً أنا أقول: ترتيب اللحية وتهذيبها حتى لو قلت عن القبضة حتى لا تكون مشتتة، هذا من آداب الدين، لا يظهر لي فيه حرج في ذلك، بل الإنسان المسلم ينبغي أن يكون مرتباً منسقاً منظماً، فاذا كان هناك شعارات تائهة هنا وهناك وغير منسقة، فققص الإنسان شعرة من هنا وشعر من هنا وشعر من هنا وشعر من هنا حتى لو كان فيما دون القبضة فلا حرج في ذلك والله تعالى أعلم؛ لأنه يحقق المقصود أن يكون المسلم مرتباً، والشريعة لا تدعو أن يكون المسلم مبعثر المنظر، مبعثر الهيئة، بل كان صلى الله عليه وسلم يحرص أن يضع الدهن على رأسه وعلى لحيته وأن يتطيب، وهذه هديه صلى الله عليه وسلم يعطينا الفكر العام كيف يكون المسلم في هندامه وفي منظره. فلا يقول الشخص: بس والله أنا أعفي اللحية حتى لو كان شكلي مبعثراً وحتى لو كانت شعثة جداً. أنا أهذب وأرتب ولكن أحقق مقصد الشارع في إعفاء اللحية، فقد أمر صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحية وارخائها، وهذا يدل على أن ينبغي على المسلم أن يرخي لحيته، بغض النظر عن القدر المعتاد، لكن ينبغي أن تحقق إرخاء اللحية وإعفاءها اتباعاً لسنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.

وإياك أن تكون كما يكون حال كثير من المنهزمين، أنه في الشركة الناس يستهزئون بي ويقولون: فلان مطلق لحيته، وكيف الناس تراني في الشارع، والله زوجتي تقول لي: شكلك مش حلو باللحية. إياك يا اخي كريماً ترد على هذا، اتبع أمر أبي القاسم صلى الله عليه وسلم: «وفروا اللحى وارخوا اللحى»، ففيه الخير لك في الدنيا وفي الآخرة.

ختم الشيخ هذا الفصل بمسألة أخيرة وهي واجب، هي المسألة الوحيدة الواجبة، فقال: والختان واجب على الذكر والانثى عند البلوغ وقبله أفضل. يقول الشيخ في هاي المسألة الأخيرة هي مسألة الختان؛ الختان أحبائي هو قطع، وما هو الختان؟ هو أن تقطع أو تقص الجلدة التي على حشفة ذكر الإنسان، الذكر طبعا ذكر الذكر أو نقول قبل الذكر، قبل الذكر حشفته أي رأسه تكون عليه جلدة حينما يولد، أن تقاس وتقطع هذه الجلدة التي على حشفته، هذا يسمى ختاناً بالنسبة للذكور. وبالنسبة للإناث تكون هناك جلدة فوق مدخل الجماع، تكون هناك جلدة فوق مدخل الجماع، أيضاً الختان أن يقطع شيء من هذه الجلدة. وحكمة الختان للذكر النظافة، أحبائي هكذا قال الفقهاء؛ لأنه هذه الجلدة التي على رأس حشفة الذكر تجمع في داخلها الأوساخ والقاذورات والنجاسات، فقطعها يحافظ على نظافة الإنسان وعلى نقائه.

وأما بالنسبة للإناث فالحكمة من قطع هذه الجلدة أو قطع جزء من هذه الجلدة -هذا تعبير الحنابلة قطع جزء من هذه الجلدة القصد ومنه- قالوا تعديل شهوة المرأة، يقولون: إن بقائها كما هي من دون قطع يجعل شهوتها مفرطة، وقطع بعضها يعدل هذه الشهوة. لكن قالوا: لا تقطع جميعها حتى لا تضرر المرأة فتقطع الشهوة بالكلية، لا تقطع جميع الجلدة، وإنما يقطع جزء منها لتعديل شهوتها. فهذا أو هذه الحكمة من ختان الذكر ومن ختان الأنثى، وكلاهما واجب عند الحنابلة -نعلم مسألة خلافية فيما يتعلق بالأنثى، ولكن عموماً الحنابلة يرون الوجوب، وجوب الختان على الذكر وعلى الأنثى.

ووقت الوجوب عند البلوغ، يعني هذا الشخص الذكر أو هذه المرأة الأنثى، متى يجب وجوباً عليها الختان؟ قالوا: عند البلوغ، هذا وقت الوجوب، فإذا بلغ ولم يختتن مع قدرته وعدم تضرره فهو آثم. الآن إذا بلغ وأراد أن يختتن وأخبره الأطباء أن الاختتان الآن سيسبب له ضرر أو سيسبب لها مرض معين، هذا لا يجب عليه، يسقط الوجوب في حال وجود الضرر، لكن في حالة عدم وجود ضرر فيجب على الذكر وجوباً على الذكر البالغ وعلى الأنثى البالغة أن تختتن، هذا رأي الحنابلة.

قال: وقبله. يعني أن يتم الختان قبل البلوغ هذا أفضل؛ لأنه أسهل في الحقيقة، لذلك نحن في بلادنا يتم الختان أول ما يولد الإنسان أول ما يولد، ولكن ربما في بلادنا هنا الشامية يهتمون بختان الذكر أكثر من ختان الأنثى في الحقيقة، ويسيرون على قول مذاهب أخر لا ترى وجوب ختان الأنثى. لكن المهم الختان قبل البلوغ أفضل؛ لأنه يكون أسهل وأيسر، وخاصة في الأيام الأولى كما يقولون الأيام الأولى للطفل. لكن انظروا ماذا يقول الحنابلة قضية الأيام الأولى؛ يقول الحنابلة: يكره الختان عند الولادة إلى اليوم السابع، الختان يكره من يوم الولادة إلى اليوم السابع، بعد اليوم السابع يقبل ولا يكون مكروهاً، فلذلك لما نقول الأيام الأولى يعني ما بعد السابع، وأما من يوم الولادة إلى اليوم السابع فالختان مكروه، وتبدأ مشروعيته بعد السابع. وكما قلنا الأفضل أن يختن الرجل أو تختن المرأة قبل أن يبلغا؛ لأنه أسهل وأيسر، والبرء يعني شفاء المنطقة من جرح القطع يكون أسرع أيضاً، ففيه عدة مصالح، فلذلك قال الحنابلة: وقبله أفضل.

إذاً، هذا مرور سريع على أحكام الفطرة وما بها من أحكام. في المحاضرة القادمة بإذن الله نبدأ الوضوء شروطاً وأركاناً وهيئة وسنناً، نسأل الله أن يعيننا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.