غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وصل وسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبائي الكرام في مجلس جديد نعقده في مدارسة دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي، على مذهب السادة الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم. في المحاضرة السابقة أحبائي أنهينا الحديث عن أحكام الصداق عموماً، واليوم بإذن الله موعدنا مع بعض الأحكام المتعلقة بعقد النكاح. سنتكلم بإذن الله عن أحكام وليمة النكاح، ويستطرد الشيخ مرعي في بيان آداب الأكل وستجدون فوائد في الحقيقة لذيذة فريدة، قل إن تجدوها مبثوثة في كتب أخرى. وكذلك سنتكلم إن شاء الله عن أحكام المعاشرة بين الزوجين، والمعاشرة يعني العلاقة بين الزوجين عموماً، إن سمح لنا الوقت فحتى لا نطيل دعونا نشرع بإذن الله في المقصود.
قال الشيخ مرعي رحمه الله تعالى عليه: باب الوليمة وآداب الأكل. الوليمة أحبابي الكرام في عرف الفقهاء هي الاجتماع على طعام العرس خاصة، فهي محصورة مخصوصة بطعام العرس وليس المناسبات الأخرى، هذا في عرف الفقهاء وإن كانت في عرف الناس أعم من ذلك. ما حكم الوليمة؟ وليمة العرس؟ قال الشيخ مرعي: وليمة العرس سنة مؤكدة، هذا حكمها؛ أنك تصنع وليمة عندما تتزوج، هذه سنة مؤكدة عن النبي ﷺ.
لكن السؤال: متى موطنها؟ هل الوليمة المسنونة تكون بعد عقد النكاح قبل الدخول بالزوجة، أو تكون بعد الدخول بالزوجة؟ الحقيقة هناك خلاف في هذه المسألة بين الحنابلة. فظاهر منتهى الإرادات أنه جعل موطن الوليمة بعد العقد قبل الدخول، والشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى أن النصوص تشير إلى أن موطن الوليمة يكون بعد الدخول بالزوجة. والشيخ المرداوي ذهب إلى رأي في المنتصف، خلينا نقول قال: وقت الوليمة وقت موسع، معك تفعلها من بعد العقد إلى انتهاء أيام العرس.
باختصار، وقتها موسع لك؛ أن تفعلها بعد العقد، ولك أن تفعلها بعد الدخول، لكن قريب من وقت الدخول، يعني ليس بعد سنتين مثلاً، لذلك لا بد أن تكون قريبة، قالوا من أيام العرس. فالشيخ المرداوي في الإنصاف جعل الوقت موسعاً، قال معك أن تفعلها بعد العقد إلى انتهاء أيام العرس، حتى يكون بعد الدخول مباشرة أو بوقت قريب جداً؛ فلك أن تفعلها بعد العقد، ولك أن تفعلها بعد الدخول بوقت يسير، فهذا كلام عن وقتها وعرفنا الخلاف في ذلك، وإن قلت لكم ظاهر المنتهى أنه علق الأمر بالعقد وليس بالدخول.
طيب، ما حكم إجابتنا إليها؟ إذا جاء شخص دعانا إلى وليمة العرس، ما حكم الإجابة إليها؟ في الحقيقة الحنابلة في هذا تفصيل طويل، والشيخ مرعي رحمه الله وزع كلامه ولذلك أنا رتبت لكم على الشاشة أحكام الإجابة إليها، اقرأ عما قاله الشيخ مرعي وانظر إلى الشاشة. قال الشيخ مرعي: والاجابة إليها: في المرة الأولى أي في اليوم الأول واجبة، واجب أن تجيب بشروط؛ أن لا يكون هناك عذر في التخلف عنها، ولا منكر يوجد في الوليمة. وفي الثانية، يعني الإجابة في اليوم الثاني سنة، والإجابة في اليوم الثالث مكروهة، سنبين لكم ذلك إن شاء الله.
وإنما تجب إذا كان الداعي مسلماً يحرم هجره وكسبه طيب، فإن كان في ماله حرام، يعني جزء من ماله حلال وجزء من ماله حرام، ماله مختلط يسمونه كرهت إجابته ومعاملته بأي شكل من أشكال المعاملات وقبول هديته، وتضعف الكراهة بحسب كثرة الحرام وقلته.
الآن دعوني أذهب إلى الشاشة سريعاً لأتكلم معكم عن "متى يجب إجابة وليمة العرس"، هذا هو العنوان الذي سنبحث فيه؛ متى يجب علينا أن نجيب وليمة العرس، ومتى تكون الإجابة إليها مكروهة أصلاً، ومتى تكون محرمة، ومتى تكون مباحة. لكنني ابتداءً سأركز على هذه القضية لأن الشأن ركز عليها: متى يجب الإجابة إلى وليمة العرس؟
هناك خمسة شروط يجب أن تتوفر حتى تكون الإجابة واجبة. أول شرط: إذا دعاه مسلم يحرم هجره وكسبه، أي أن يكون الشخص الذي دعاني شخصاً مسلماً، فخرج بذلك الذمي، والأصل في المسلمين أنه يحرم أن نهجرهم في الحديث والمعاملة معهم. أما من الذي يجوز هجره أو يستحب هجره أو يجب هجره -على خلاف مراتب الهجر- فهو المبتدع والمجاهر بالمعصية؛ الشخص المبتدع وكلما قويت بدعته قوي الداعي إلى هجره، والمجاهر بالمعصية. فإذا كان الشخص الذي دعاني مسلماً لكنه ممن يهجر، بأن كان مبتدعاً أو كان مجاهراً بالمعصية، فما حكم إجابة دعوته سيأتي إن شاء الله.
ثالثاً: أن يكون كسبه طيباً، أي مصدر رزقه حلال هذا الذي نعرفه عنه. فإذا دعاني مسلم ممن يحرم هجرهم، مسلم ليس مبتدعاً وليس مجاهراً بالمعصية، وكان كسبه طيباً ومصدر رزقه حلالاً بالكامل، فهذا أول شرط من شروط إجابة الدعوة.
يقولون إذا كان الذي دعاك ذمياً فما حكم إجابة دعوته للعرس؟ مكروهة، يكره إجابة الذمي. وإذا كان الذي دعاك مسلماً ممن يهجر، مبتدعاً أو مجاهراً بالمعصية، فما حكم إجابته إلى وليمة عرسه؟ مكروهة، وانتبهوا، بعض الناس أحبابي الكرام ليلة العرس تكون عنده معازف واختلاط وما شابه ذلك، واليوم الثاني يدعوك لوليمة عرسه، فهذا رجل نسميه مجاهراً بالمعصية، فإجابته تكون مكروهة حتى لو كان ابن عمك وقريبك، لأن جاهر بالله بالمعصية والعياذ بالله، اللهم إلا إذا ذكرنا مصلحة شرعية في الذهاب إلى وليمة من تأليف القلوب، فقد تزول الكراهة معها.
ثالثاً: أن يكون كما قلنا كسبه طيباً، فإذا كان هذا الرجل الذي دعاني له في ماله حلال وفيه حرام، عندهم مصدرين للرزق يسمونه صاحب المال المختلط.
فهذا إجابته إلى وليمة العرس مكروهة، يكره إجابته إلى وليمة عرسه. وهنا انتبهوا أحبابي، اللي ماله مختلط، عنده مال حلال ومال حرام، هذا يكره إجابته لوليمة العرس، ويكره التعامل معه عموما في البيع والشراء والدخول معه في عقود الشركات والإيجارات، ويكره أيضا قبول هديته، إذا أعطاني هدية يكره أي شكل من أشكال التعامل معه.
اكتبوا عندكم: إذا كان ماله حراما بالكلية، يعني مصدر رزقه، نحن نعرف هذا الرجل مرابي، هذا مصدر رزقه الربا، أو مصدر رزقه والله صاحبنا عنده محل بيع الدخان، هذا مصدر رزقه، أو محل بيع الأراجيل، أو محل بيع المعازف؛ إذا كان يعمل بوظيفة محرمة فمصدر رزقه محرم كاملا، لهون الأمر يختلف. هنا يحرم عليك أن تأكل من طعامه، وأن تشرب من شرابه، وأن تستجيب إلى وليمته، وأن تعامله، يحرم عليك أن تدخل معه في المعاملات، ويحرم عليك أن تقبل هديته.
شيخ لو واحد ماله حرام كله أهداني هدية، لا يجوز أقبل؟ نعم، لا يجوز أن تقبل، لا يجوز أن تقبل، فيحرم كل أشكال التعامل معه، تعاملات أقصد المالية، ولو كانت هدية معه منه، فهنا الكلام عن المال المختلط، أما من ماله حرام كاملا، شخص مرابي مثلا، هذا يحرم إجابته إلى وليمة العرس وليس بكرها فقط.
إذن هذا أول شرط: إذا دعاه مسلم يحرم هجره وكسبه. وعرفنا ما الذي خرج بذلك؛ فيكره إجابة الذمي، ويكره إجابة من يهجر، أو مجاهر بمعصية، ويكره إجابة من ماله فيه حلال وحرام، أما من ماله بالكامل حرام، مصدر رزقه حرام كاملا، فهذا تحرم إجابته.
الشرط الثاني: إذا عينه، يعني إذا دعاني دعوة خاصة، إذا جاء صاحب الوليمة فدعاني دعوة خاصة، هنا توفر الشرط الثاني لوجوب الإجابة. أما إذا دعا الجفلة، هناك في الفقه الإسلامي يسمى دعوة الجفلة، شو يعني دعوة الجفلة؟ أنه شخص يقوم في مسجد أو في مكان عام فيقول: «يا ناس تفضلوا على وليمة عرسي»، ما وجه الكلام إلى خاصة؟ لا، قام في مسجد أو في مكان عام وقال: «أنا أدعوكم جميعا إلى وليمة عرسي»، هذه اسمها دعوة الجفلة على العموم.
ففي هذه الحالة ما حكم إجابتي لهذه الدعوة؟ يقولون يكره إجابة دعوة الجفلة لأنها فيها نوع من ما يسمونها التنقص أو قلة المروءة، أنه كانت دعوة عامة جدا، تندفع مع الناس وتزاحم على الطعام والشراب، هذه من الأمور التي علل بها الحنابلة -رضوان الله تعالى عليهم- كراهة الإجابة، هو ليس حراما تروح، لكنه يكره إجابة دعوة الجفلة. أما إذا عينك، هنا وجد الشرط الثاني لوجوب الإجابة، أرسل لك كرت خاص، كلمك على التلفون، أما إذا كانت دعوة على العموم فيكره أن تجيب حتى لا يظهر أنك تتايع وتتدافع على الطعام والشراب.
الشرط الثالث من شروط وجوب الإجابة أن تكون في اليوم الأول، إيش يعني في اليوم الأول؟ إخواني قديما كان الناس من عادتهم أن وليمة العرس تكون على ثلاثة أيام، يعمل في أول يوم وليمة، ويعمل في ثاني يوم وليمة، ويعمل في ثالث يوم وليمة. فإذا هو دعاك في اليوم الأول هنا وجد الشرط الثالث لوجوب الإجابة، أما إذا دعاك في اليوم الثاني، يعني هو عمل وليمة اليوم الأول وبعدين يريد أن يعمل وليمة اليوم الثاني، إجابة وليمة اليوم الثاني مستحبة.
إذا عمل وليمة في اليوم الثالث، هنا الفقه الإسلامي يعتبر الموضوع صار فيه مفاخرة، يعني يريد أن يسمع الناس أنه هو يطعم وأنه عامل كثير ولائم، لا، الرجل دخل في السمعة والرياء، فبالتالي تكون إجابته مكروهة في اليوم الثالث الذي هو عمل عزايم على ثلاثة أيام. الإجابة في اليوم الأول تكون أحد شروط الوجوب، أما في اليوم الثاني فالإجابة خلاص تكون مستحبة، وفي اليوم الثالث تكون الإجابة مكروهة.
الشرط الرابع: أن لا يوجد منكر، عدم وجود منكر في وليمة العرس لا يزول بحضوره. أما إذا كان هناك منكر في وليمة العرس، وأنا أعلم أنني إذا حضرت سيزول، لا، هنا في الحقيقة الذي يظهر من كلام الأصحاب أنه يبقى الحضور عليك واجبا. متى يكون الحضور ليس واجبا؟ بل يدخل في الحرام إذا كان هناك منكر في وليمة العرس سيضع معازف، أو يكون اختلاط الرجال بالنساء، إذا كان هناك منكر لا يزول بحضوري، لا يزول بحضوري، يعني إذا أنا جئت سيبقى، سيظل المعازف، سيظل الحرام موجودا، فهنا يحرم علي أن أحضر، إذا كان المنكر لا أستطيع تغييره ولا يزول بحضوري، فما حكم حضوري؟ ليس مكروها، بل حرام.
وأما إذا كان المنكر يزول بحضوري، يعرفون إذا جاء فلان الفلاني خلص راح نطفئ المعازف، وإذا كان هناك اختلاط ووجدت كامل الشروط الأخرى، فالذي يظهر أن بقاء وجوب الإجابة يبقى، يبقى عليك وجوب إجابة وليمة العرس إذا توفرت باقي الشروط. إذا كان لا يوجد منكر لا يزول بحضوره، فإذا وجد منكر يزول بحضوره يبقى الوجوب قائما، إذا وجد منكر لا يزول بحضوره ويبقى هذا المنكر والناس لا تستحي منك وتخجل منك، ليكون حضورك حراما في هذه الحالة.
الشرط الخامس والأخير: أن يكون معذورا، شخص دعاني وأنا عندي محاضرة، أو عندي مثلا معي قائم في مرض، أو عندي سفر، أي عذر من الأعذار المقبولة في الحياة، إذا كنت معذورا لا يلزمك الإجابة. أما إذا ما كنت معذورا ووجدت الشروط الأربعة السابقة: دعاك مسلم وكسبه طيب، وعينك، وكان في اليوم الأول، ولا يوجد منكر لا يزول بحضوره، ولم يكن معذورا بمرض ونحوه، اجتمعت هذه الشروط الخمسة صار الإجابة واجبة عليك وعدم حضورك حرام.
تصور عدم حضورك متى توفرت الشروط الخمسة؟ حرام. وكلام الشيخ مدرس، زي ما قلت لكم، الشيخ مرعي وزع كلامه لكنني أنا جمعته لكم في هذا المشهد سريعا، إذا قال الشيخ: «والإجابة إليها في المرة الأولى واجبة إن كان لا عذر»، لاحظوا يتكلم عن الشرط الخامس (لا عذر) والشرط الرابع (لا منكر)، هذا الشرط الرابع بس أنا قيدت منكر لا يزول بحضورك، أن لا يوجد منكر لا يزول بالحضور. ثم قال: «والإجابة في الثانية»، أي أن تجيب في اليوم الثاني عرفنا أنه مستحب، وفي اليوم الثالث الإجابة مكروهة، وإنما تجب، رجع يتكلم عن شروط الوجوب: إذا كان الداعي مسلما يحرم هجره وكسبه، فإن كان في ماله حرام، يعني هو صاحب المال المختلط عنده حلال وحرام، كرهت إجابته ومعاملته هو عموما في المعاملات المالية وأن تقبل هديته، وإذا كان ماله كله حرام عرفناه يحرم إجابته ويحرم التعامل معه وقبول هديته.
ثم قال: وتَقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته. يعني إذا كان الشخص ثلث ماله حرام وثلثيه حلال بتكون الكراهة أقل من لو كان ثلثين ماله حرام وثلثه حلال؛ فكلما زاد الحرام في مال الشخص كلما قويت الكراهة، وكلما قل الحرام في ماله كلما ضعفت الكراهة.
ثم قال رحمة الله عليه: وإذا دعاه اثنان فأكثر وجب عليه إجابة الكل. يعني فلان وفلانة عنده وليمة عرس، وفلان الفلاني عنده وليمة عرس، وكلاهما دعاني وتوفرت الشروط الخمسة فيهما. طيب شو الحل؟ قال: وإذا دعاه اثنان إلى وليمة عرس فأكثر، حتى لو ثلاثة أو أربعة، وجب عليه إجابة الكل ما دامت الشروط متوفرة في فلان وفي فلان وفي فلان، وجب عليك إجابة الكل إن أمكنه الجمع.
طيب إذا لم يمكنه الجمع، وكانت في تعارض في الأوقات؛ وليمة زيد في نفس الوقت الذي فيها وليمة عمرو، في نفس الوقت الساعة ثنتين الظهر من يوم الجمعة، وليمة زيد ووليمة عمرو، على أي وليمة أذهب؟ أيهما أختار؟ قال: فإن لم يمكنه الجمع، أجاب الأسبق قولًا؛ تجيب الذي عزمت ابتداءً من عزمك، هو الذي تذهب إليه.
طيب إذا كانوا الاثنين عزموني في نفس الوقت، الاثنين مسكونا على باب المسجد وقالوا لي: أنا بدي أعزمك على وليمتي، لا أنا بدي أعزمك على وليمتي، دعوني في نفس الوقت؟ قال: فالأدين، يعني الأكثر ديانة هو الذي يستحق أن تذهب إلى وليمته.
طيب إذا الاثنين كانوا في الديانة نفس المستوى؟ فالأقرب رحمًا؛ إذا كان في مثلاً بينك وبينهم صلة رحم، الأقرب رحمًا منك هو الذي تذهب إليه. طيب إذا كانوا لا والله يا شيخ مش من ذوي الأرحام أصلاً؟ قال: فالأقرب جوارًا؛ اللي مسكنه أقرب إلى مسكنك هو الذي تجيبه. قال: فإن كانوا في الجوار سواء، ما شاء الله اثنين ساكنين في نفس المبنى ومسافتهم من بيت واحد، ساعتها بتعمل قرعة، بتيجي بنعمل قرعة وبنحط اسم فلان واسم فلان وبنختار، ومن عينته الأقدار هو الذي تذهب إليه؛ فالقرعة حل نهائي دائماً عند التشاح وعدم القدرة على التفضيل.
قال: ولا يقصد بالإجابة -لاحظوا الأدب- قال: ولا يقصد بالإجابة نفس الأكل، بل ينوي الاقتداء بالسنة وإكرام أخيه المؤمن، ولئلا يظن به -أي في حالة عدم حضوره- التكبر. لما تنوي ذهاب لوليمة العرس ما بتنوي أني أنا رايح مشان آكل، هيك بعض الناس بيفكر الموضوع، لا يا جماعة؛ أنت تنوي الاقتداء بسنة النبي ﷺ في الإجابة إلى هذه الولائم، وإكرام أخوك المؤمن، ومنه تدخل السرور على قلبه بتلبية دعوته، وحتى لا يظن الناس أنك متكبر لا تحضر لقاءاتهم واجتماعاتهم. بعض الناس هو لا يحضر الولائم يعني من باب الدفاع عن النفس أنه أنا مثلي يجلس مع هؤلاء العوام؟ لا، ينبغي أن تحضر لئلا يظن الناس أنك متكبر، عود نفسك على التواضع، النبي ﷺ وهو سيد البشرية بابيه وأمه كان يجيب أصحابه ويجلس مع عوام المسلمين.
ثم قال: ويستحب أكله. بدنا نفرق إخواني، إجابة وليمة العرس واجبة إذا توفرت الشروط، لكن حتى لو كان الحضور واجبًا علي، الأكل من الطعام ليس واجبًا، الحضور الجسدي متى توفرت الشروط الخمسة واجب، لكن الأكل -عملية تناول الطعام- ليست واجبة بل مستحبة؛ فأنا يلزمني أن أحضر متى توفرت الشروط، لكن الأكل ما بلزمني، بجوز أنا عامل رجيم، بجوز أنا حقيقة عندي مشاكل صحية مثلاً تمنعني، فيستحب الأكل استحبابًا.
ويستحب أكله ولو صائمًا لا صومًا واجبًا، يعني إذا كنت صائم صوم تطوع يستحب أن تفك صيامك وتأكل، أما إذا كان صومًا واجبًا لا ما يصير. ويستحب أكله ولو كان صائمًا صوم تطوع، وينوي بأكله وبشربه التقوي على الطاعة. لاحظ النيات كيف يهتم بها الفقهاء والعلماء؛ أنه لما أكل ولما شرب نيتي وأنا باكل من طعام العرس أن أتقوى على طاعة الله سبحانه وتعالى.
ثم قال: ويحرم الأكل بلا إذن صريح أو قرينة، ولو من بيت قريبه أو صديقه. هذا حكم عام يتعلق بطعام الناس، هل يجوز لي أن أتناول طعام الناس كيفما شئت من دون أن أستأذنهم؟ قال لك لا، يحرم في الشريعة الإسلامية أن تأكل من طعام الآخرين سواء وليمة عرس ولا غيرها، يتكلم الآن عن حكم عام في تناول طعام الناس. يحرم أن تأكل طعام الناس بلا إذن صريح، أو قرينة بالاذن؛ إذا كان معك إذن صريح تأكل من طعامه، أو في قرينة بينكم أنك تعلم أنه سامح لك إذنًا عامًا أن تدخل على بيته وتأكل، خاصة إذا كان قريبًا هنا يجوز لك أن تأكله، وأما مع عدم وجود الإذن الصريح أو القرينة العامة في الإذن، فيحرم عليك أن تمد يدك إلى طعام الآخرين. قال: ولو من بيت قريبه أو صديقه؛ يعني إذا ما في قرينة بينك وبين قريبك أنك تأكل من عنده أو صديقك ما يصير تأكل، لذلك قالوا: يحرم الأكل بلا إذن صريح أو قرينة ولو من بيت قريبه أو صديقه.
ثم قال: والدعاء إلى الوليمة وتقديم الطعام إذن في الأكل. الآن لما أعطاك الحكم السابق بده يعطيك شكلاً من أشكال القرائن التي تبيح لك تناول طعام الآخرين، فيقول لك إذا شخص دعاك إلى الوليمة وقدم الطعام بين يديك حتى ولو لم يصرح ويقول لك تفضل كل، بمجرد أن دعاك ووضع الطعام الصحن أمامك أو السدر أمامك، هذه بحد ذاتها قرينة تبيح لك أن تمد يدك إلى طعامه. هذه أمثلة على القرائن المقبولة، دعاك إلى وليمة وقدم الطعام، ما في داعي يقول لك تفضل كل، مجرد هذا يعتبر قرينة وإذنًا في الأكل.
ويقدم ما حضر من الطعام من غير تكلف، وهذه فائدة؛ أنه يا صاحب الدعوة، يا صاحب الولائم، دعوة للناس الذين يعملون ولائم، الأصل أن تقدم ما في سعتك من الطعام من دون أن تتكلف، بعض الناس للأسف يتداين من أجل أن يظهر كرمه ويأتي بالصدور وتكون معبية باللوز والصنوبر وما شابه ذلك، لا لا.
هذا ليس من الهدي، إنما تقدم الطعام الموجود أو ضمن إمكانياتك المادية من غير تكلف. ثم قال: ولا يشرع تقبيل الخبز؛ الآن بتكلم أحكامًا عامة عمومًا، لا يشرع تقبيل الخبز. بعض الناس من عادته أنه إذا أمسك رغيف خبز يقبله، لا، هذا ليس من هدي النبي ﷺ وليس من السنة.
ولا يشرع تقبيل الخبز، وتكره إهانته؛ تكره إهانته أن تلقيه في مكان مثلاً تدوسه الأقدام، أو مكان قذر، مكروهة تكره إهانة الخبز. وحقيقة تكره إهانة كل نعم الله سبحانه وتعالى التي أعطانا إياها، حتى الأطعمة عمومًا الذي يباح لنا أكلها من الفواكه والخضروات يكره إهانتها.
وكذلك يكره إهانة الخبز ومسح يديه به؛ بعض الناس يستعمل الخبز -الله وإياكم- كأنه بشكير أو منشفة عندنا في لغتنا، بعد ما يتناول الطعام ويخلص لا يجد شيئًا يتمسح به، يمسك رغيف الخبز ويمسح فيه يديه، هذا من الإهانة، فلذلك يكره. ووضعه تحت القصعة أيضًا يكره، أن تضعه تحت السدر؛ القصعة هي السدر، لو كان عندي سدر طعام يكره لي أن أضع رغيف الخبز تحت القصعة لأنها نوع إهانة ونوع ابتداع، هذا طعام فالأصل أنك تحترم نعمة الله سبحانه وتعالى.
ثم قال: فصل؛ الآن سيبدأ يتكلم عن آداب تناول الطعام، فقال: فصل، ويستحب -طبعًا تابعوا معي سريعًا لأن هنا الآداب سريعة- ويستحب غسل اليدين قبل الطعام وبعده. غسل اليدين قبل ما تأكل حتى تشيل الجراثيم فتقوى على النظافة، ثم بعد أن تنتهي من الطعام تغسل يديك، عند الحنابلة سنة.
ويسن أيضًا التسمية جهرًا، تجهر بها ولا تسر، هذا هو السنة، فتقول: «بسم الله»، السنة أن تقول «بسم الله» وليس «بسم الله الرحمن الرحيم»، السنة أن تقول «بسم الله»، التسمية جهرًا على الطعام والشراب. وأن يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى أو يتربع.
كيف تكون جلسته للطعام؟ إما جلسة التربع، أو جلسة ترفع بها قدمك اليسرى وتخفض قدمك اليمنى، عفواً: أن يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى. يجلس على رجله اليسرى يكون اعتمادك عليها وتنصب قدمك اليمنى، هذه جلسة المستوفز، وهذه الجلسة هي المقدمة في الحقيقة، وقالوا إنها تقلل من كمية الطعام التي تتناولها، أما إذا أخذت أريحيته قد يكثر الطعام.
وأن يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى أو يتربع، لك هذا الخيار، ويأكل بيمينه. يسن أن تأكل باليمين بثلاثة أصابع، عادة تكون الإبهام والسبابة والوسطى ومما يليه. ولا تذهب إلى أماكن الآخرين، قالوا إلا إذا كان الطعام منوعًا؛ يعني صاحبنا وضع أمامك طعامًا، وضع هناك مثلاً سدر من الأرز، وهناك شوربة مثلاً، وهناك صينية دجاج، وهناك مثلاً فواكه، هنا لك أن تتنقل لتنوع الطعام، أما إذا كانت صنفًا واحدًا فهنا نقول يسن أن تأكل مما يليك.
ويصغر اللقمة حتى لا تظهر أنك شره، تكون اللقمة صغيرة، ويطيل المضغ، ما يكون أكلك بلعًا كله، أطل المضغ لأن البلع هذا ليس أيضًا من هدي الطعام، فضلاً عن المشاكل الصحية التي يسببها. ويمسح الصحن بعد ما تنتهي ويبقى آثار رز، يسن أن تمسح الصحن، آثار الرز أو البندورة أو غيرها مما يبقى في نهاية السدر. قالوا: ويأكل ما تناثر عن جانبي السدر يمينًا وشمالًا.
ويغض طرفه عن جليسه؛ لما تأكل لا تنظر إلى جليسك حتى لا يستحي، كل واحد يؤكل على راحته، هذه كلها سنن جميلة. ويؤثر المحتاج؛ مثلاً إذا كان جالس معك على الطعام شخص فقير أو شخص جائع، تؤثر باللحم أو الطعام. ويأكل مع الزوجة، تأكل مع زوجتك، أو إذا كان عندك عبيد أو مملوك أو ولد ولو طفلًا، وهذه لها أثر نفسي عالي جدًا.
ويلعق أصابعه بعد ما تنتهي من طعامك، يسن أن تلعق الأصابع ويخلل أسنانه حتى يزيل ما علق قبيلها من علقة بين الأسنان من أطعمة، ويلقي ما أخرجه الخلال. إذا خللت أسنانك -ونحن اليوم بنستعمل مثلاً ما يسمونه النكاشة- إذا خليت أسنانك وأزلت ما بينها من الأذى تلقيه، تبصقه من فمك، ويكره أن يبتلعه؛ تصوروا يكره أن تبتلع آثار الطعام التي تخرجها من بين الأسنان. لكن إذا أزلتها بلسانك لم يكره. باختصار: آثار الطعام المتبقية بين الأسنان إذا أزلتها بنكاشات أو أعواد أو سواك هنا يكره أن تبتلعها ويستحب أن تقذفها خارج الفم، أما إذا أزلت بواقي الطعام بين الأسنان باستعمال اللسان فهنا لا كراهة في أن تبتلع هذه البواقي.
انتهى من الكلام عن سنن الطعام والشراب، الآن سيعلمك مكروهات الطعام والشراب. قال: ويكره نفخ الطعام؛ يكره أن بعض الناس يأكلون الطعام وهو ساخن، فبرفع اللقمة تكون ساخنة يبدأ ينفخ عليها، في الحقيقة هذا انتقال للجراثيم، فهذا مكروه. ينتبهوا الأمهات لما يكون مثلاً يطعم طفلها، شيء من الحساء أو الطعام فترفع إلى فمها وتبدأ تنفخ عليه لتبرده ثم تعطيه لطفلها، هذا مكروه لأنه في الحقيقة نقل للجراثيم من الفم إلى الأطعمة، والنبي ﷺ كره النفخ في الطعام.
ويكره أن يكون حارًا؛ لأنه إذا كان الطعام حارًا أولًا هذا يؤذي الإنسان ويؤذي الجهاز الهضمي، ويظهر أيضًا أنه إذا أكلت لقمة حارة لا تستطيع تحملها فتضطر لبصقها أمام الناس ويخرج منظر أو شكل كريه، فهنا عند الحنابلة يكره أكل الطعام حارًا.
ويكره أكله بأقل أو أكثر من ثلاثة أصابع، توكل بكل يديك -للأسف زي ما إحنا منوكل المنسف في بلادنا الأردن تؤكل بكل اليد- هذا عند الحنابلة مكروه، وأكله بأكثر من ثلاثة أصابع أو بأقل يعني بإصبعين مكروه، السنة أن تأكل بثلاث لا أكثر ولا أقل. ويكره أن يأكل بشماله، الأكل بالشمال مكروه. وأن يأكل من أعلى الصحن أو من وسطه، يعني من المنطقة التي لا تلي، هذا باختصار.
وأن ينفض يده في القصعة، بعض الناس هداهم الله بعد ما ينتهي مثلاً من أكل الطعام ينفض يده هكذا في السدر، وهذا مكروه لأنه يقذر الطعام ويمنع الناس من الاستفادة منه. وتقديم رأسه إليها عند وضع اللقمة في فمه، وهذه انتبهوا لها كثيرًا، حتى يخطئ فيها كثير حتى من الملتزمين وهو أنه خاصة إذا كان الطعام باليد.
يأكل من سدر مات عليه منسف أو كبسة أو شيء من هذه الأطعمة ويتم الأكل باليد. بعض الناس إذا أخذ لقمة يضعها في فمه يمد فمه جهة الصدر، وفي الحقيقة سيتساقط الطعام من فمك ومن يدك ويتساقط في الصدر أمام الناس، وهذا يقذر الطعام؛ فهذا مكروه أحبابي الكرام. تأخذ اللقمة وتبتعد عن السدر وتضعها في فمك، ثم تعود تأخذ لقمة أخرى، أما أن تقدم يدك إلى الصدر فيتساقط الطعام فيه، فهذا مكروه بما يستقذر.
بعض الناس يتكلم على الطعام للاسف بأشياء قبيحة؛ غيبة، أو نميمة، أو حتى ذكر أمور النساء أو ما شابه ذلك، أو ما لا يرضي الله سبحانه وتعالى، فهذا كله مكروه. طبعاً هو كلامه بما يستقذر، خليني أكون دقيق؛ إذا كان الكلام محرماً زي الغيبة والنميمة، هذا مش مكروه، هذا حرام. إذا كان في غيبة أو نميمة أو غير ذلك من الكلام المحرم، هذا لا يكون مكروهاً، يكون حراماً.
لكن المراد هنا بما يستقذر، في الحقيقة حتى أكون دقيق، في الشارع هو ما يقذر الناس سماعه. يعني شخص بدأ يتكلم عن قضاء الحاجة في الخلاء وهو على الطعام مع زملائه، يتكلم عن دخول الخلاء وعن قضاء الحاجة. الآن هذا الكلام عموماً لو كان مش على الطعام، يكون من الكلام المباح الذي لا داعي له بس ما يكون حراماً، ما فيه غيبة ولا نميمة. لكن إذا تكلمت به على الطعام فتسببت أن الناس استقذرت أو كرهت الأمر، هنا أنت فعلت شيئاً مكروهاً. الكلام زي ما قلت لكم عن دخول الخلاء وعما يخرج من الإنسان من قاذورات، عما تستقبحه النفوس السوية، مثال مثل هذا الكلام يكره أن يذكر على الطعام.
وأكله متكئاً أو مضجعاً؛ أن تكون متكئاً أو مضجعاً، هذا الأكل مكروه. وأكله كثيراً حتى التخمة بحيث يؤذيه ذلك، أو قليلاً جداً بحيث يضره، يعني لا الأكل الكثير صح ولا الأكل القليل صح؛ ينبغي أن تكون معتدلاً. أن تأكل كثيراً بحيث يؤذيك مكروه، وأن تأكل قليلاً لقمة لقمة بحيث يصبح هذا ضرراً عليك وعلى صحتك أيضاً مكروه، فالأصل الاعتدال.
ويأكل ويشرب مع أبناء الدنيا بالأدب والمروءة، ومع الفقراء بالإيثار، ومع العلماء بالتعلم، ومع الإخوان بالانبساط وبالحديث الطيب والحكايات التي تليق بالحال. هذه من الكلمات الجميلة للشيخ مرعي رحمه الله، يعلمك كيف تأكل مع الناس وتراعي طبقات الناس التي تأكل معك.
إن كنت تأكل وتشرب مع أبناء الدنيا، وعموماً أبناء الدنيا هم أصحاب الطبقات المترفة؛ الناس الذين يتكتكون ويضبطون هندامهم ويحبون السيارات الفارهة والأطعمة والرقِيّ باختصار، هؤلاء هم أبناء الدنيا؛ الناس التي تبحث عن الفخامة والرقي في الحياة الدنيا، يهتمون بهذه الجوانب، تشغل بالهم. إذا كنت تأكل مع أبناء الدنيا، أصحاب الوجهات وغيرهم، فهنا عليك أن تلتزم بالآداب والمروءات؛ حتى لا يقال إن المسلم والله هذا فلان ما عنده مروءة، أو المتدين هذا ما عنده أدب أثناء الطعام والشراب. بل تحاول أن تحرص على أن تظهر كامل المروءة. حتى لو قلت يا شيخ هم أبناء دنيا، لماذا نحترمهم؟ من أجلك أنت وليس من أجلهم. هذا أقل شيء؛ من أجلك أنت وليس من أجلهم.
إذا كنت تأكل مع فقراء، تأكل بالإيثار، يعني تؤثرهم لأنهم أصحاب حوائج. وإذا كنت تأكل في مجلس مع علماء وطلبة علم، تأكل بالتعلم؛ يعني بالتعلم؟ يعني آكل وأحاول أن أتعلم مع هذا، من هذا العالم كيف يأكل؟ كيف يشرب؟ وهذا للاسف لما كان هناك قدوة في العلماء يحرصون على تطبيق السنن في مطاعمهم وفي مشاربهم بحيث يتعلم الطلاب منهم، لكن للاسف في زمننا كثير من الناس متصدر للتعليم لكن لما يأتي وقت الطعام والشراب يفقد كل السنن ولا يظهر عليه سمت العلم، فانتبهوا يا رعاكم الله.
فإذا كنت تأكل على مأدبة وهناك علماء، اهتم بالتعلم منهم كيف يتعاملون على مثل هذه الولائم؟ طبعاً لا تنظر إليهم مباشرة أثناء وضعهم اللقم في فمهم، فمر معنا أنه هذا في الحقيقة لا يليق، الأصل أن تغض نظرك وهو يضع اللقمة في فمه، لكن عموماً انظر في سمته، في هيئته، كيف يطبق السنن، كيف يجلس، كيف يتعامل، تعلم منه وهو على الوليمة.
وإذا كنت تأكل مع أصدقائك ومع إخوانك، يسمونها الخواص، أحبابك؛ فهنا تأكل بالانبساط والحديث الطيب والحكايات التي تليق بالحال. بعض الناس عندهم مقولة: "لا تسلم على الطعام"، أو يكره الكلام أثناء الطعام. لا، يكره الكلام أثناء الطعام هذه ليست صحيحة، بل بالعكس؛ إذا كنت تأكل مع خواصك ومع إخوانك انبسط وتحدثوا وتكلموا بما لا يغضب الرب سبحانه وتعالى وبما لا يستقذر، فالمسلم ينبسط مع إخوانه ويتوسع معهم.
لكن قضية هل يسلم على الطعام؟ هذه دعوها؛ يعني أن الحنابلة في ظاهر أمرهم أن من المواطن التي لا يشرع فيها إلقاء السلام إذا أتيت على قوم يأكلون، فهنا خلاص تدخل معهم وتبدأ تأكل. لكن هذا مش معناه أنك ما تتكلم وما تنبسط، لا، انبسط وتكلم وخذ ما دام الأمر ضمن دائرة المباح.
قال: «وما جرت به العادة من إطعام السائل ونحو الهر، ففي جوازه وجهان». ما هذه المسألة؟ إذا كنت أحبابي الكرام في وليمة، وشخص دعاني إلى وليمة وأنا آكل، جاءني سائل قال: يا شيخ أطعمني من هذا الطعام، أو أعطني منه لحمة، أو أعطني رغيفاً، فهل يحق لي وأنا لست صاحب الوليمة، أنا مدعو مثلي مثل غيري، أن آخذ مثلاً رغيف خبز أو قطعة لحم فأعطيها لهذا السائل الفقير؟ أو مثلاً هرة، وهذه كثيراً ما تحدث؛ تكون على طعام ويأتي هر لما يشم رائحة اللحم يجتمع قطيع من الهرار، فهل يجوز لي أنا كمدعو لست صاحب الطعام أن آخذ مثلاً قطعة لحم منه وألقيها للهرار لتأكلها، ولا لازم أستأذن الرجل صاحب الوليمة؟ قل يا فلان تسمح لي أعطي الهرة، أو إذا جاء سائل فقير يقول يا فلان هل تسمح لي أن أعطي الفقير؟ فباختصار هذه المسألة: ما جرت به العادة. الآن هو نص الشيخ مرعي نص أنه فهناك عادة الناس.
إذا أنا أصبحت على وليمة شخص، حتى لو لم أكن أنا صاحب الوليمة، ففي العادة هناك تسامح في إلقاء الطعام للهرار، أو هناك تسامح لو جاء سائل أن يعطي المدعو من الطعام للسائل الفقير. لكن الشيخ قال لك في جوازه وجهان: هناك وجه يجيز لك ذلك مطلقًا حتى ولو لم تستأذن، وهناك وجه لا يجيز لك ذلك حتى تستأذن صاحب الطعام.
والمقدم في الفروع في كتاب الفروع لابن مفلح هو وجه الجواز؛ لأن الناس تسامحت في ذلك وجرت به عوائدهم. فلذلك نقول إن الحق في ذلك الجواز، يعني لا داعي أن تستأذن لجريان العادة، إلا إذا منع صاحب الطعام؛ إذا منع صاحب الطعام وقال: «لا أحد يلقي وأنا لا أسمح لأحد»، فهنا حقه. لكن إذا لم يمنع وفي نفس الوقت لم يأذن، وجرت العادة بين الناس في ذلك، فالأصل الجواز وليس المنع، والله تعالى أعلم.
ثم قال: «وسنة أن يحمد الله إذا فرغ»، أي بعد أن ينهي من الطعام يسن أن يحمد الله ويقول: «الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقني إياه من غير حول مني ولا قوة». ويدعو لصاحب الطعام، كأن يقول: «يا فلان بارك الله فيك، أكل طعامكم الأبرار، وجزاكم الله عنا كل خير، وطعام طيب وأهل طيبون، أسأل الله أن يبارك في أهلك ومالك» إلى غير ذلك.
ويفضل منه شيئًا. المستحب يا أحبابي أنك لا تأكل كل السدر، لكي لا يشعر الرجل أنك ثقيل، ليس هناك داعٍ أن تمسح السدر كاملًا كما يقولون، ويفضل منه شيئًا، أي اترك وراءك شيئًا من الطعام، لا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته.
طبعًا هنا دخلنا على قضية التبرك بالصالحين، وهي مسألة فيها نقاش، لكن عمومًا لن أدخل معكم الآن في نقاش فيها، لكنها مسألة اجتهادية باختصار، وليس كلامًا بدعيًا قطعا، بل هي محل اجتهاد. فهو يقول لك: إذا كان الشخص الذي يأكل الطعام رجلًا عالمًا أو وليًا من الأولياء والناس تتبرك بالآثار التي تبقى خلفه، فهنا يستحب لك بشدة أن تبقي شيئًا من الطعام خلفك حتى يتبرك الناس بعد ذهابك بالأكل من آثاره.
هكذا يقول: إذا كان الشخص الذي يأكل من أهل الصلاح ومن أهل الخير ومن أهل العلم، فهنا يستحب له بشدة أكثر من غيره أن يبقي شيئًا خلفه؛ لكي يتبرك الناس بفضلة طعامه ويأكلون من حيث أكل، رجاء حصول البركة لهم.
في الحقيقة، تصوير الأمر بهذه الطريقة عندي فيه نظر والله تعالى أعلم، سواء قلنا بجواز التبرك بالصالحين أو عدم جواز التبرك بالصالحين في آثارهم ولباسهم وأمورهم، لكن أن يقال إن الصالح إذا أكل من موطن يأتي الناس من بعده ليأكلوا من هذا الموطن ويزدحمون عليه، أنا أخشى من مآلات هذا الأمر في المستقبل.
طريقة العوام للأسف أنهم يتوسعون؛ إذا أعطيتهم شبرًا مشوا ذراعًا، وإذا أعطيتهم ذراعًا توسعوا أكثر، فيصبح هناك كثير من الهيئات والتخصيصات والرسوم في مثل هذه الأمور لم تأتِ بها الشريعة. فالأصل أن هذا باب يغلق سدًا للذريعة، حتى لو قلنا بجواز التبرك بآثار الصالحين، فالأصل في مثل هذه الأمور كفضلات الطعام وما شابه ذلك أن يغلق الباب فيها بعد النبي ﷺ؛ لئلا يتوسع الناس فيها فيصيرون إلى ما هو محرم قطعًا، والله تعالى أعلم.
ثم قال: «ويسنى إعلان النكاح». الآن سيتكلم عن العرس عمومًا، وليس موضوع الطعام والشراب، فقد أنهى موضوع الطعام والشراب. فقال: «ويسنى إعلان النكاح»، يعني يسن أن تقيم مثلًا عرسًا ويعلن النكاح للناس. الإعلان ليس واجبًا عند الحنابلة وإنما هو مسنون؛ إذ انتهينا من إحضار شاهدين شهدا على عقد النكاح، لكن الإعلان والإشهار نسميه مسنونًا.
ويسنى أيضًا أن يُضرب فيه بالدف، ويكون هذا الدف لا حلق فيه. الدف يا إخواني على نوعين: هناك دف يكون فيه حلق على جوانبه، وهناك دف ليس فيه حلق. الدف المباح الذي يجوز استعماله هو هذا الدف الخالي من الحلق، أما الدف الذي فيه حلق فهو محرم عند سادة الحنابلة. إذاً يسن إعلان النكاح والضرب فيه بدف لا حلق فيه ولا صنوج، أي خراطيط، وهو ما يتعلق بالسنة للنساء.
قال: «ويكره للرجال»، لكن في الحقيقة ظاهر مذهب الأصحاب وهو ظاهر المنتهى وغيره من كتب الحنابلة أن السنة للرجال وللنساء. في الحقيقة هناك كثير من الإيرادات، وأغلب كتب الأصحاب فيها إطلاق بأن سنة ضرب الدف في النكاح هي للرجال وللنساء على العموم. الشيخ مرعي ذهب لرأي آخر، لكن ليس هو المعتمد والله تعالى أعلم، أن الرجال كره لهم الضرب بالدف، لكن كما قلت لكم هذا رأي داخل المذهب وليس هو المعتمد عند أكثر الأصحاب.
ثم قال: «ولا بأس بالغزل في العرس»، يعني ذكر الحب والعشق وما شابه ذلك بشرط ألا يكون فيه تخلع. الغزل هو ذكر كلام الحب والعشق، ما دام ليس فيه تخلع فلا بأس أن يذكر في العرس، فالعرس هو مكان للحب كما قالوا.
«وضرب الدف في الختان وقدوم الغائب كالعرس»، أي يقاس على العرس تمامًا في أنه يكون مسنونًا. كالعرس يكون مسنونًا للنساء ويكره للرجال، هذه قاعدته، لكن على المعتمد عند الحنابلة الأصل أن يكون مسنونًا للجميع في مختلف المناسبات المقبولة شرعًا. إذا كانت عندنا مناسبة من المناسبات الجميلة المحببة على قلوبنا، فإظهار الفرح فيها وضرب الدف باختصار يكون مسنونًا للجميع على المعتمد في المذهب، مثل العرس.
ثم قال، الآن انتهينا من موضوع الوليمة وآداب الأكل، ننتقل الآن إلى موضوع جديد وهو موضوع عشرة النساء؛ كيف تُبنى العلاقة الزوجية؟ خلصنا أكلنا طعام الوليمة وذهبنا إلى بيوتنا، والآن سيبدأ هذان الزوجان بالعلاقة الزوجية بينهما. ما هي الأمور التي يجب أن يحافظ عليها الزوج والزوجة في بناء تلك العلاقة بشكل رشيد؟
وللأسف، كثير من الناس اليوم، ومع كثرة الأسئلة التي تأتي العبد الفقير عبر الهواتف، يدرك الإنسان أن الناس جاهلون في هذا الميدان؛ لا يعرف الرجل ماذا له وماذا عليه، والمرأة لا تعرف ماذا لها وماذا عليها عند حدوث الخصام والنزاع، ولا تُحدث تقوى الله سبحانه وتعالى بينهم، وهذه إشكالية، أسأل الله أن يهدي مجتمعاتنا.
قال الشيخ مرعي -رحمة الله تعالى عليه-: «باب عشرة النساء».
يلزم كلا من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف، أي ما يتعارفه الناس من حسن العشرة. طبعاً لما نقول باب عشرة النساء، ليس المراد بالعشرة ما يفهمه البعض وهي العلاقات الجماع في التحديد، لا، المراد بالعشرة الحياة الزوجية عموماً، هذا هو المراد بالعشرة؛ الحياة الزوجية عموماً وكيف تكون الألفة والمحبة بينهما.
فقال: يلزم كلا من الزوجين، الزوج والزوجة، الزم يعني يجب وجوب شرعي أن يعاشر الآخر بالمعروف، بالأخلاق الحسنة، كما قال: وبالصحبة الجميلة والبشر والرقي. مش تكون العلاقة دائماً مشاكل بينهما، وهذا يشتمها وهي تشتمه، وهو يسبها وهي تسبه، وهو يذكر والدها وهي تذكر والده، وكل نقف على عثرات الآخر؛ هذه ليست معاشرة بالمعروف، فيكون حراماً.
يجب وجوب شرعي مراعاة الأخلاق والمروءات بينهم والصحبة الجميلة. هذا مش مستحب أو خيار، يعني هذا واجب شرعي أحبابي الكرام رجالاً ونساءً، يجب أن تكون الأخلاق هي التي تحكم العلاقة الأسرية بيننا وبين أزواجنا، المروءات، الصفات الجميلة، الذكر الحسن، والابتعاد عن المشاكل وتتبع العثرات وخلق أي مشكلة داخل إطار الأسرة المسلمة، هذا لا يجوز.
فينبغي عليكم أن تتفطنوا لهذه الجزئية، لأنه بعض الناس يقع في هذا الحرام وهو لا يشعر، ويظن أن شتمه لزوجته أو هي بشتمه، أو هو يتتبع عثراته أو هي تتبع عثراته، أنه هذا مجرد فضول، هذا حرام أحبابي الكرام لأنه يذهب العشرة بالمعروف.
إذاً يلزم كلا من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف من الصحبة الجميلة. هل هو يفسر لك ما هي المعاشرة بالمعروف؟ أولاً: الصحبة الجميلة، ثانياً: كف الأذى، لا أنت بتؤذيها ولا هي بتؤذيك بالأقوال والأفعال، وثالثاً: ألا يماطل بحقه، حق الزوجية، فالمرأة لها حقوق: لها حق النفقة، لها حق أن تعفها وأن تطأها كما سيأتي معنا المدة التي يجب حق المبيت. كل الحقوق التي منحتها الشريعة للمرأة في عقد الزواج لازم تبذلها لها، وفي المقابل أيضاً الحقوق التي أنت تستحقها، من أن تكون المرأة محافظة على نظافة جسدها، وأن تكون امرأة متجملة لك، وأن تسلم نفسها متى طلبتها للفراش، وهذه حقوقك. أيضاً يجب أن تبذل المرأة هذه الحقوق لك.
قال: «وإلا يماثله بحقه»، والمطل يعني هي المماطلة، مجرد المماطلة بالحقوق أحبابي الكرام، مجرد المماطلة. أنه مثلاً الرجل يدعو امرأته إلى الفراش تماطل: لأ اليوم ما بديش، خلص بكرة بكرة، لأ خلص أجلها لبعدين، والرجل اللي هالمسكين بطلب مرتين ثلاث أربع وهي تماطل، المماطلة حرام ما دامت المرأة ما عندها عذر في حقوقه. وكذلك في المقابل، المرأة تدعو الرجل أن ينفق عليها وهو يمسك، تدعوه لأن يعفها وهو لا يريد ذلك، تدعوه لأن يؤدي حقوقه الشرعية من القسم إذا كان مثلاً الزوج متزوج أكثر من امرأة وهو لا يقسم بعدل، فهنا لا يجوز لك أن تماطل وتقول خلص بكرة أو بعد بكرة أو الشهر الجاي أو كذا، ما دام حق شرعي الشريعة تعطيه للمرأة أو الشريعة تعطيه للرجل، لا يجوز للطرف الآخر أن يماطل فيه.
بل ينص الحنابلة أنه لا يجوز أن يبذله وهو كاره. تصوروا حتى أن تعطيه حقه، المرأة تعطي الرجل حقه أو أن الرجل يعطي المرأة حقها وهو كاره أو هي كارهة، هذا حرام. بعض النساء تأتي إلى فراش الزوج وهي كارهة متبرمة لا تريد ذلك، فتلقي نفسها إلقاء عليه، يعني خذ، وكأن المرأة كارهة هذا الأمر ولا تريد، لا تفعلوا هذا التبرم، هذا الكره، يعني حتى بتقول أنا أعطيته يا شيخ حقه، أعطيته حقه وأنت كارهة. والرجل بشكل عام إذا رأى المرأة كارهة لهذا الحق أو لا تريد أن تعطيه برضا وبجميل ينفر منه، فأنت هنا أحدثت شرخاً في المنزل، أحدثت شرخاً في البيت. فيجب أن يبذل الحق من دون مطل باختصار ومن دون تبرم، يجب أن يبذل الحق من دون مماطلة تأجيل ومن دون تبرم كره، يجب أن يكون مبذولاً على الصورة الجميلة، وهذا هو الذي يخلق الود والمحبة بين الزوجين.
إذاً يلزم كلا من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف من الصحبة الجميلة وكف الأذى وألا يماثله بحقه. ثم قال: «وحق الزوجة عليها أعظم من حقها عليه»، هذه انتبهوا، حق الزوج على زوجته أعظم من حقها هي عليه، لأن النبي ﷺ قال: «لو كنتُ آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها». لم يقل هذا في حق المرأة، لم يقل لو أمرت الرجل أن يسجد لزوجته، وهذا يدل على أن حق الزوج أعظم من حق المرأة في العلاقة الزوجية.
ثم قال: «وليكن غيوراً من غير إفراط»، يعني جميل أن يكون عندك غيرة على زوجتك، والإنسان يجب أن يكون في الحقيقة عنده غيرة على زوجته. وليكن غيوراً، هذا الأصل أن يكون واجب مش مجرد حكم، وليكن يعني مستحب يجب أن تكون عندك غيرة على زوجتك بحيث تمنعها من الاقتراف المحرمات وما شابه ذلك. والغيرة التي أقل من ذلك لا تكون واجبة، يعني الغيرة التي تدفعك لأن تمنعها من المحرمات وأن تخرج بحليتها وزينتها وما شابه من ذلك هذه الغيرة واجبة، أما الغيرة التي هي أقل من ذلك، مجرد الغيرة أنه مثلاً بعض الناس يكون عنده غيرة أن زوجته تتكلم مثلاً مع أخيه "كيف حالك؟ كيف حالك؟"، هو الكلام العام، خلينا نقول أنتم غيرة من جوانب أخرى يعني وأنتم تعرفونها، فهذه الغيرة جميلة، جميل أن تكون عند هذا الرجل غير محبوبة ما لم تصل إلى حد الإفراط اللي هو الوسوسة، لأنه إذا أنت وصلت فيها إلى حد الإفراط تتعب الزوجة جداً وتصبح العلاقة بينكما علاقة متوترة، تصبح تشك في كل كلمة تقولها وفي كل موقع تفتحه وفي كل جوال وفي كل واتساب ترسله مع صديقاتها.
هنا تصبح علاقة زوجية متعبة جداً، وأنا للأسف وقفت على كثير من الحالات بين الأزواج سببها الغيرة المفرطة، يعني هناك مشاكل تكون بينهم سببها الغيرة المفرطة التي تصل إلى حد الوسواس وعدم الثقة بالزوجة، وهذا لا ينبغي. الغيرة جميلة، الغيرة التي تدفعك لأن تمنعها من المحرمات هذه واجبة يجب تبقى عندك، الغيرة ما دون ذلك مقبولة ما لم تصل بك إلى حد الإفراط والوسوسة فتصبح غير مرغوبة، لذلك قال: «وليكن غيوراً من غير إفراط».
ثم قال: «وإذا تم العقد»، هذه مسألة مهمة؛ إذا أنا عقدت على امرأة، متى يجب على هذه المرأة أن تسلم نفسها لي؟ أنا عقدت على امرأة، متى يجب على هذه المرأة أن تسلم نفسها لي وتنتقل إلى بيتي بيت الزوجية؟ هناك شروط قال...
وإذا تم عقد النكاح صار الإيجاب والقبول والعقد صحيحًا، وجب على المرأة أن تسلم نفسها لبيت زوجها. يعني أن تنتقل الزوجية متى؟ أولاً إذا طلبها، هذا أول شيء. ممكن هو لا يطلبها ابتداءً، يكون متراخيًا أو متساهلًا، إذا لم يطلبها لا يلزمها أن تسلم، لكن إذا طلبها حكى معها تلفونًا أو حكى مع وليها وقال أنا أريد فلانة، الآن تنتقل إلى بيت الزوجية، إذا طلبها.
وهي حرة، كانت حرة، أما إذا كانت أمة، إذا أنا شخص متزوج أمة، طب طلبتها ما بتجيني؟ لا، إذا كان متزوجًا بأمة فيلزم سيدها أن يسلمها ليلًا فقط، وأما في النهار فتكون عند سيدها لتخدمه؛ لأن سيد الأمة يملك منافعها، وبديش أسميها منافعها، خدمتها ووطأها، كان يملك منها شيئين: يملك أن تخدمه، ويملك أن يطأها.
لما الآن زوجها لشخص حر أو عبد، بغض النظر يكون السيد تبرع بمنفعة الوطء، خلص هذه التخت من عنده لكن يبقى للسيد حق الخدمة. السيد الذي عنده أمة يمتلك منها شيئين: خدمتها له، ويمتلك أن يطأها، فإذا هو زوجها لشخص واستغنى عن وطئها، يبقى له حق الخدمة، فبالتالي الأمة في النهار تكون عند سيدها، وفي الليل تكون عند زوجها، هكذا يقول الفقهاء. فالسيد لا يلزمه أن يسلمها نهارًا، ولكن يلزمه أن يسلمها ليلًا ما دام أنه رضي بتزويجها.
لذلك قال: يجب على المرأة أن تسلم نفسها لبيت الزوجية إذا طلب الزوج التسليم، وكانت حرة يمكن الاستمتاع بها، أي أن تكون بنت تسع سنوات قمرية أكملت التسع سنوات قمرية؛ لأنه إذا كانت الحرة دون التسع سنوات قمرية يقولون هذه لا يمكن الاستمتاع بها، بالتالي لا يلزمها ولا يلزم وليها أن يسلمها، فلابد تكون حرة يمكن الاستمتاع بها وهي من أكملت تسع سنوات قمرية.
ويكون الرجل، اللي هو الزوج، قد طلبها، إن لم تشترط دارها. إن لم تشترط دارها، إذا هي في عقد النكاح كانت مشترطة أن لا تخرج من بيت وليها أو من بيت والدها والزوج وافق على ذلك، هنا لا يلزمها أن تنتقل إلى بيت الزوجية ولو طلب الزوج ذلك؛ لأنه هنا في شرط موضوع في عقد النكاح الزوج وافق عليه، أنها تريد أن تبقى في بيت أهلها، فتقول له: تتفضل تزورني في بيت أهلي، أما أن آتي لبيتك أنا اشترطت ابتداءً أنني لا أفعل ذلك وأنت وافقت لذلك.
قال: وجب على المرأة أن تسلم نفسها لبيت زوجها إذا طلبها، هذا الشرط الأول، وكانت حرة يمكن أن يستمتع بها وهي من أكملت تسع سنوات قمرية إن لم تشترط دارها بهذا التفصيل. ثم قال: ولا يجب عليها التسليم، هنا بلاش يستثني، "ولا يجب عليها التسليم" إن طلبها وهي محرمة أو مريضة أو صغيرة أو حائض، ولو قال إنني لن أطأها.
إذا الزوج طلب انتقال الزوجة إلى بيت الزوجية في حالة إحرامها بحج أو عمرة، أو طلب انتقالها لبيت الزوجية في حالة كونها مريضة -طبعًا اكتبوا مريضة مرضًا يرجى برؤه- أما إذا كان مرضًا لا يرجى برؤه، مرضًا مستدامًا، لا، هذا لازم تنتقل، ليس عذرًا. إذا كانت محرمة أو مريضة لما طلبها، في اللحظة التي طلبها كانت محرمة أو مريضة أو صغيرة -صغيرة يعني دون تسع سنوات- أو حائض؛ والحائض لا يمكن أن يستمتع بها إلا ما فوق الإزار، فهنا لا يلزمها أن تسلم نفسها حتى ينتهي إحرامها ويزول مرضها الذي يرجى برؤه وتصبح مقبلة لتسع سنوات قمرية، وإذا كانت حائضًا حتى تطهر من حيضها.
حتى لو يا شيخ الزوج قال: يا عمي سلموني إياها وهي محرمة أو مريضة أو صغيرة أو حائض، بس والله ما راح أعطيها، تخافوا، حتى لو قال لا أطأها، لا يلزمها أن تسلم نفسها. فباختصار لو جمعنا ما كتبنا، وجوب تسليم المرأة نفسها يصبح: واحد، أن يطلبها الزوج لبيت الزوجية. اثنين، أن تكون حرة. ثلاثة، أن تكون يمكن الاستمتاع بها وهي بنت تسع سنوات كما حكينا من أكمل التسع سنوات قمرية. رابعًا، ألا تكون اشترطت دارها. خامسًا، ألا يكون هناك عذر قائم بها من إحرام، أو حيض، أو مرض يرجى برؤه، أو صغر. إذا حصلنا الشروط الخمسة أصبح تسليم المرأة نفسها لبيت الزوجية واجبًا.
الآن بدي أنبهكم على شغلة بالنسبة للقيد الأخير "ألا يكون هناك عذر"، هذا العذر إنما يمنع، أو خلينا نقول وجود عذر أحبابي الكرام انتبهوا لهذه القضية، وجود عذر عند المرأة إنما يمنحها أحقية عدم تسليم نفسها.
الآن بدنا نبهكم على قضية، وهي أن وجود العذر في المرأة من إحرام أو حيض أو صغر أو مرض، وجود العذر يعطيها الأحقية في عدم الانتقال لبيت الزوجية ابتداءً؛ يعني هي الآن عُقد عليها لسه ما راحت لبيت الزوجية أبدًا، لم يدخل بها، هي ما زالت في بيت أهلها، فطالبها وهي في هذه الحالة نقول لها الحق في أن تمتنع ما دامت حائضًا أو محرمة أو صغيرة أو مريضة.
أما إذا كانت هي انتقلت لبيت زوجها ودخل بها وبدأت بينهما العلاقة، ثم أحرمت أو حاضت أو مرضت، فهنا ليس لها أن تقول والله بدي أرجع على بيت أهلي، أو تمتنع من البقاء عنده، أو تمتنع من تسليم نفسها له إذا كان يباح له أن يستمتع بها، مثلاً فيما دون الفرج، مثل الحائض يجوز أن يستمتع بها فيما فوق الإزار.
فهنا أحبابي الكرام بدكم تنتبهوا على قضية، لما نقول لها لا يجب عليها أن تسلم نفسها إذا كانت معذورة بإحرام أو حيض أو مرض أو صغر، هذا أحبابي في حالة أنها لن تسلم نفسها ابتداءً، يعني تم عقد النكاح وهي في بيت أبيها ما زالت، طالبها أن تسلم لأول مرة، فلما طلب أن تسلم لأول مرة كان بها عذر من هذه الأعذار؟ نعم، لها الحق أن تقول لا ما بدي أجي الآن حتى أخلص إحرامي أو حيضي أو مرضي أو حتى تكبر وتصير تسع سنوات قمرية. لكن إذا كانت قد سُلمت مسبقًا والزوج دخل بها وبدأت العلاقة بينهم، ثم طرأ عليها إحرام أو حيض أو مرض، فهنا ما لها أن ترجع على بيت أهلها، تقول لها: هسه بدي أرجع على بيت أهلي حتى أخلص هذه الأمور وبعدين أرجع لك؟ لا، بما أنك سلمت سابقًا انتهى الأمر، فهي قائمة في بيت الزوجية، فهنا الكلام عن التسليم.
ابتدائي، يعني أول مرة تنتقل فيها لبيت الزوجية. كلام عن أول مرة، فإذا كانت أول مرة وكانت قائمة بها عذر من هذه الأعذار، لها أن تتأخر حتى تنتهي هذه الأعذار، وأما إذا كانت قد سلمت مسبقًا انتهى الأمر.
هناك سؤال: لو هي بذلت نفسها، لو المرأة المعذورة بإحرام أو حيض أو مرض، لو هي سلمت نفسها للزوج ورضيت بتسليم نفسها لهذا الزوج؛ نحن قلنا إذا كانت معذورة لها الأحقية أن تقول له: "ما بدي أجيك الآن لبيت الزوجية حتى أنهي"، طيب إذا كانت قالت: "لا، أنا راح أجيك، خلص أنا محرمة أو حائض أو مريضة، لكن أنا سأسلم نفسي لك"، هل الزوج ملزم أن يستقبلها ببيت الزوجية؟ هذا هو السؤال المقابل.
لو هي قالت أنا سأسلم نفسي مع أني محرمة أو حائضة أو مريضة، هل الزوج يلزمه أن يستقبلها؟ ولا له أن يقول: "لا، أنا ما بدي أستقبلك الآن، أنهي إحرامك أو حيضك أو مرضك ثم تعالي"؟ لا يلزمه أن يستلمها إلا إذا كان العذر أنها صغيرة؛ فلا يلزمه أن يستلمها. هناك استثناء متعلق بالصغار، إذا كانت صغيرة وهي مثلاً أهلها جابوها لبيت الزوجية، فله أن لا يستلمها لأنها صغيرة، يعني لا يستطيع الاستمتاع بها.
لكن إذا كانت حائضًا أو مريضة أو محرمة، وهي اختارت أن تبذل نفسها له، فهو مجبر بأن يستلمها، وليس له أن يقول لها: "ابقي عند دار أهلك حتى ينتهي الحيض أو الإحرام".
ثم قال: «وللزوج أن يستمتع بزوجته كل وقت على أي صفة كانت». قال: وللزوج أن يستمتع، سيتكلم الآن عن العلاقة الخاصة بينهما؛ قال: وللزوج أن يستمتع بزوجته كل وقت، في أي وقت شاء من ليل أو نهار، على أي صفة من أشكال التلذذ بها، طبعًا ما لم يضرها. ما لم يسبب لها ضررًا في جسدها، فلا يصير أثناء العلاقة الزوجية أن تسبب لها ضررًا أو تشويهاً أو عاهة، أكيد.
والثاني: ما لم يشغلها عن الفرائض. إذا جاءت أوقات الصلوات وقاربت أن تخرج، والمرأة تريد أن تصلي الظهر، ما يصير يقول لها: "والله لأبقى نقيم العلاقة حتى ولو خرج وقت الظهر"؛ لا، إذا أشغلها عن الفرائض أيضًا يصبح حرامًا. إقامة العلاقة الزوجية في أي وقت شاؤوا هذا حق الزوج، لكن ما لم يضرها أو يشغلها عن الفرائض الواجبة عليها.
حالياً يا ناس، الفرض الموسع يؤخر إلى آخر وقته حتى يصبح مضيقًا، فإذا أصبح مضيقًا انتهى الأمر وأصبح حق الله سبحانه وتعالى الآن، فالمرأة تفعل ولا يجوز للزوج أن يقاربها في تلك الحالة.
طبعًا الآن يا شيخ أنت قلت له أن يستمتع بكل أشكال الاستمتاع، طبعًا هناك سنستثني بعض صور الاستمتاع، مثل الوطء في الدبر، فليس له أن يطأ في الدبر، وكذلك الوطء في الأحوال التي لا يجوز الوطء فيها، في حيضها أو نفاسها أو استحاضتها على ما سبق تعلمه، فهنا ما من قاعدة إلا ولها استثناء. لذلك قالوا: «ولزوجه أن يستمتع بزوجته كل وقت على أي صفة كانت»، اكتبوا: إلا ما يتم استثناؤه من الوطء في الدبر أو الاستمتاع في الحالة التي لا يجوز الاستمتاع فيها.
ثم قال: «ما لم يضرها أو يشغلها عن الفرائض». ولا يجوز لها -انتبهوا- أن تتطوع بصلاة أو صوم وزوجها حاضر إلا بإذنه، إذا كان الزوج حاضرًا عندها وليس مسافرًا خارج البلد؛ هو يرجع مثلاً للبيت مساءً، لا يجوز لها أن تتطوع بصلاة أو صوم وزوجها إلا بإذنه. الزوج كان في العمل وحبت تتطوع بصلوات، إذا رجع الزوج من العمل وأصبح في المنزل عندها ما يصير تتطوع بالصلاة إلا بإذنه أو قرينة تدل على إذنه، لأنه حقه أن يستمتع بها طوال الوقت.
وكذلك الصوم، إذا هو حاضر -مثلاً ليس مسافرًا- كان مسافرًا تتطوع بالصوم كما شاهدنا، أما إذا كان هو حاضرًا عندها في المنزل، ويعود إلى المنزل ليقيم معها علاقة أو ما شابه ذلك، فليس لها أن تتطوع إلا بإذنه، لأنه في النهاية هو حقه. أما الأمور الواجبة فقد عرفنا أنه لا يجوز له أصلاً أن يطالب المرأة بإقامة علاقة في حالة وجود الفرائض الإلهية.
«وله أن يباحوا له الاستمناء بيدها»، وهذا واضح. «وله أن يسافر خارج البلد من دون إذنها»، فليس لها الحق أن تمنعه وهذا واضح.
ثم قال: «ويحرم»، يعطيك ما هي الأمور التي تحرم في العلاقة الزوجية. قال: «يحرم وطؤها في الدبر»، إخواني انتبهوا؛ الذي يحرم عملية الوطء في الدبر، وأما التلذذ بالدبر أو البعض قد يسأل عن قضية: "هل يجوز يا شيخ وضع الذكر فوق دبرها من دون وطء؟" فهذا لا يظهر أنه حرام، الحرام هو الوطء في الدبر، إدخال الذكر داخل دبر المرأة، هذا الحرام، أما مجرد التلذذ به فهذا لا حرج فيه.
«ونحو الحيض»، ويحرم إذا وطؤها في الحيض ونحوه؛ المراد بنحو الحيض يعني في الحيض والنفاس والاستحاضة. في هذه الأمور على ما سبقنا عليهم في كتاب الطهارة أن المرء يحرم وطؤها في قبلها في حيضها وفي نفاسها وفي استحاضتها، وأما الاستمتاع بجسدها فيما سوى الوطء هذا لا حرج فيه.
ثم قال: «وعزله عنها بلا إذنها»، المحرم الثالث الذي ذكره ما يسمى العزل. العزل هو أن الرجل يطأ المرأة، لكن قبل أن يخرج السائل المنوي منه ويقذف في داخلها، لا يخرج ذكره فيقذف في الخارج؛ هذا اسمه العزل، أن الرجل يجامع زوجته ولا يقذف في داخلها بل يقذف في الخارج، لما يأتي فترة النشوة أو لحظة النشوة ليقذف يسحب ذكره فيقذف في الخارج.
هل هذا يجوز؟ بالنسبة للمرأة الحرة يحرم أن يعزل عنها بلا إذنها، لأنه من حقها أن يقذف في داخلها. وبالنسبة للأمة، إذا كنت أنت متزوج أمة، يحرم أن تعزل عنها بلا إذن سيدها، فصاحب الإذن هو السيد وليست نفس الأمة، فإذا السيد سمح لك فالأمة لا عبرة بإذنها، لكن الحرة نعم يعتبر إذنها.
فنقول: «وعزله عنها بلا إذنها»، اكتبوا: بلا إذنها إذا كانت حرة، أو بإذن سيدها إذا كانت أمة. إذن: يحرم وطؤها في الدبر، يحرم أن توطأ في الحيض ونحوه من النفاس والاستحاضة، يحرم عزله عنها بلا إذنها إن كانت حرة، أو بإذن سيدها إذا كانت أمة.
ويكره الآن نذهب للمكروهات في العلاقة الزوجية؛ قال: ويكره أن يقبلها وأن يباشرها عند الناس؛ لأنه هذه دناءة، بعض الناس ما يستحي، خاصة اليوم مع الانفتاح، يعتبره من كمال الرجولة أنه الرجل يقبل زوجته أمام الناس، وهذه عند أهل العلم وعند أصحاب رؤى الدناءة وليست رجولة أو رومانسية كما يسمونها.
أو يباشرها، يعني يضع يده على جسدها ويلعب بجسدها أمام الناس، هذه دناءة تُكره ولكن لا تُحرم، يعني لو أن الرجل قبل زوجته أمام الناس فهو مكروه وليس حرامًا، لكنها دناءة كما يقولون.
والمكروه الثاني يكثر الكلام حال الجماع؛ يعني الحنابلة يقولون الأصل أن يكون الجماع عملية جسدية وليست عملية لسانية، لكن هذا الموطن محل اجتهاد في الحقيقة، هذه مسألة محل اجتهاد، ليست مسألة محسومة، وأكثر الناس يقول لك: أنا يا شيخ أحب أتكلم معها أثناء الجماع، هل هذا حرام؟ ليس حرامًا، ولكنه بالقول مكروه من أن هذه العورات مكشوفة، وأن هذه عملية فعلية يجب أن تكون بهدوء ولا تكون بضجيج وإزعاج، لكن هل هناك في الحقيقة دليل قوي على التحريم أو على الكراهة؟ لا يظهر لي أن هناك دليلًا قويًا لا على تحريم ولا على كراهة، لكن بعض الأمور تسمى الأمور الأخلاقية يكرهها الحنابلة من حيث الآداب والأخلاق.
ويكثر الكلام حال الجماع أو يحدثها، سواء الرجل أو المرأة بما جرى بينهما، بعض الناس -عافاني الله وإياكم- يقيم علاقة زوجية مع زوجته، وفي اليوم الثاني يذهب الرجل إلى عمله للشركة والمرأة تذهب لوظيفتها إذا كانت موظفة في شركة، وللأسف، وهذا يصلني من كثير من الناس، تبدأ المرأة تحدث زملاءها في الشركة والزميلات بما حدث معها أو مع زوجها ليلة الأمس، العلاقة بينهم -والعياذ بالله-، والرجل يذهب إلى الشركة ويحدث زملاءه بما فعل بزوجته ليلة الأمس، وهذه قمة الدناءة، والنبي ﷺ يقول: «إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها». بل لو قيل بتحريم هذا الأمر لكان أوجَه، خاصة أنه تروا الشهوات بين الناس. وقالوا يكره، وأظن يا شيخ الإسلام ابن تيمية قال بالتحريم، وهذا أوجَه لأن الكلام بأمور الشهوات أمام الناس هذا يثير الغرائز في غير ما يرضي الله سبحانه وتعالى.
إذا عرفنا المحرمات وعرفنا المكروهات، يتكلم الآن عن المسنونات؛ قال: ويسن أن يلاعبها قبل الجماع، من المسنونات أن تهيئ زوجتك للجماع، كما لا يخفى عليكم أن المرأة لا تكون مستعدة مباشرة للوطء، تحتاج أن الرجل يثير غرائزها حتى تكون مستعدة للوطء وتتقبله، فالمسنون أن الرجل يحسن عملية الجماع من خلال تقديم شيء من الملاطفة لزوجته، ثم بعد ذلك يكون الوطء هو ختام العلاقة، هذا هو السنة في ذلك.
وأن يغطي رأسه، أن يضع طاقية أو شيئًا على رأسه، وهذا يعني كما أنه يسن تغطية الرأس في الخلاء، يسن تغطية الرأس في الجماع والعلاقة الزوجية، وثبت في ذلك آثار. ولو قيل: يا شيخ لو اكتفى بوضع اللحاف أو الغطاء فوق رأسه هل هذا يجزئ؟ الظاهر أنه مقبول ما دام غطى رأسه وجسده بالكلية. إذاً المسنون أن يغطي رأسه.
قال: وأن لا يستقبل القبلة لأنها ليست حالة شريفة، القبلة إنما تستقبل في الحالات الشريفة، وما مثل هذه الأحوال التي تُكشف فيها العورات ويكون فيها ما فيها، فالأصل ألا تستقبل القبلة، هذا هو المسنون. وأن يقول عند وطئ زوجته: «بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا»، وهذا من الأدعية المأثورة الصحيحة حتى الله عز وجل إذا قدر لك ذرية من هذا الجماع لا يضرها الشيطان.
وأن تتخذ المرأة -ويسن وهذه معلومة انتبهوا لها- يسن أن تتخذ المرأة خرقة تناولها للزوج بعد فراغه من الجماع حتى يمسح ما أتى عليه، وما يمكن أصلًا أن يأتي عليها، لكن عمومًا المرأة تتخذ خرقة مهيأة عندها في المنزل تعطيها للزوج كلما فرغ من الجماع حتى يمسح ما أصابه منها.
ثم قال: وليس عليها خدمة زوجها في عجن وخبز وطبخ ونحوه من الوظائف المنزلية، لكن الأولى فعل ما جرت به العادة من ذلك. إذاً أحبابي الكرام، بجوز هذا الموضوع الذي يحبه النساء، نحن قلنا سابقًا إن العلاقة الزوجية أو عقد النكاح هو عقد على ماذا؟ على الاستمتاع بالزوجة، هذا هو العقد الذي تم بين الرجل وبين هذه المرأة على الاستمتاع، فهذا هو الحق الشرعي الذي يجب أن تبذله، ومن هنا رأى الحنابلة وجمهور أهل العلم في الحقيقة أن سائر الأمور الأخرى من موضوع عجن الخبز والطبخ وغسيل الثياب وما شابه ذلك، ليست من الأمور التي تم عقد النكاح عليها، فلا يلزم المرأة وجوبًا شرعيًا أن تفعلها، لكن كما قال الشيخ مرعي الأولى أن تفعل ما جرت به العادة حفاظًا على الأسرة والبيت.
لأن الحقيقة المرأة إذا لم تقم بكل هذه الوظائف البيت سينهدم، هذا هو الواقع الآن، دعوكم من التأصيل الفقهي الذي يقال مثلا في بعض كتب الفقهاء أو عند المذاهب، لكن أتكلم عن أمر واقعي، البيت المسلم أحبابي إذا المرأة لم تقم بكل هذه الواجبات والوظائف من الذي سيقوم بها؟ هو كل شخص معه يشتري ويجيب خدامة للمنزل، فإذا لم تقم المرأة بهذه الأمور البيت سينهدم وسيحدث الطلاق.
لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية كان له نظرة أخرى في هذه المسألة، وهو أنه يجب على المرأة أن تقوم بالوظائف التي لا يصلح البيت إلا بها، وهي من وظائفها كالطبخ والعجن والخبز والغسيل ونحو ذلك، شيخ الإسلام ابن تيمية وافق المالكية في وجوب أن تقوم المرأة بما جرت به العادة حفاظًا على الأسرة المسلمة، وأنا أميل إلى هذا الرأي نوعًا ما؛ لأن اليوم بعض النساء يقول لك: خلص جمهور الفقهاء قالوا عدم وجوب ذلك علينا إذًا أنا ما بدي أفعل.
أنتم أفهم من جمهور الفقهاء في الحقيقة، حتى الفقهاء الذين قالوا بعدم وجوب ذلك هناك يسمونها تكييفًا لهذه المسألة، هم يتكلمون عن الجزئيات، يعني كحالة جزئية لو جاءت مرة وقالت هل أنا مطالبة بذلك؟ يقول لك لا أنتِ لستِ مطالبة، لكن لما يصبح أمرًا كليًا، وأنا الشاطبي أبدع في قضية التفريق بين الحكم الجزئي والحكم الكلي؛ يعني النكاح ابتداءً مش قلنا الأصل في أنه مسنون لمن عنده شهوة ولا يخشى العنت، الأصل أنه سنة، لكن إذا امتنع الشباب جميعًا عن النكاح أصبح النكاح واجبًا كحكم كلي، وأنا أنظر القضية بنفس الأمر، حتى الفقهاء الذين قالوا إن المرأة لا يلزمها أن تخدم بيتها بعجن وطبخ وخبز هم يتكلمون عن الأحكام الجزئية، يعني هذه المرأة...
لا يلزمها، وهذه المرأة لا يلزمها. لكن إذا تعاضد النساء وتكاتفن على عدم القيام بأمور المنزل، وكلهم ما بدهم يقوموا بأمور المنزل، وأصبح المجتمع في هرج ومرج وكثر الطلاق وما شابه ذلك، هنا يصبح الأمر -حتى عند من يقول بعدم وجوب الخدمة- كليًا على الوجوب.
لو نظرنا إليه نظرة كلية، سيوجب الفقهاء الجميع على المرأة أن تخدم زوجها؛ فما دام أن ترك جميع النساء أو أغلب النساء هذه الخدمة يسبب للمجتمع فسادًا وطلاقًا وانهيارًا أسريًا، فالنظرة الكلية تقتضي إجبار هؤلاء النساء على الخدمة والقيام بأمور المنزل. أما إذا كانت الأمور تمشي نسويًا في المجتمع عمومًا، وجاءت امرأة أو امرأتان للقاضي وحكت له: "هل يلزمني ولا ما يلزمني أن أخدم؟" كحالات جزئية، فنعم؛ القاضي الحنبلي أو الحنفي أو الشافعي يقول لها: لا يلزمكِ، والأولى أن تفعلي ذلك، وينصحها بما هو خير لها.
لكن إذا أصبح هناك تواطؤ عام من النساء على ترك المنزل، من الذي سيفعل؟ من الذي سيغسل؟ والرجال ليس معهم أن يأتوا بخدم، هنا ستنهار الأسر، ينهار المجتمع، تنهار القيم وتنهار الأخلاق. كنظرة كلية سيصبح الأمر واجبًا على النسوة دفعًا للضرر والمفسدة العظمى عن المجتمع، وهنا المصلحة العامة ستقدم على المصلحة الخاصة. وهذا كلام صريح حول هذه الجزئية والكلام فيها يطول.
لذلك قال كحكم أصلي: ليس عليها خدمة زوجها في عجن وخبز وطبخ ونحوه؛ لماذا؟ لأنه ليس هذا الذي تم العقد عليه، وإنما تم العقد على الاستمتاع بها. لذلك الشيخ مرعي استدرك قائلًا: لكن الأولى فعل ما جرت به العادة، بل هو الأصلح في الحقيقة التي لا تستقيم الحياة إلا به، وله أن يلزمها.
الآن يتكلم عن أمور يستطيع الزوج أن يلزم الزوجة بها، قال: وله أن يلزمها؛ لماذا؟ بغسل النجاسة عليها، لأن الرجل يتقذر من وجود النجاسة على زوجته. اثنين: وله أن يلزمها أيضًا بالغسل من حيض ونفاس وجنابة؛ له أن يلزمها بالغسل من الحيض حتى يستطيع أن يستمتع بها، ومن النفاس أيضًا، وله أن يجبرها أن تغتسل من الجنابة.
لكن قضية الجنابة قيدها الحنابلة إذا كانت مكلفة؛ لأنه إذا كانت عندك بنت غير مكلفة عمرها عشر سنوات أو إحدى عشرة سنة وحدث بينكما جماع مثلًا، فإن الغسل من الجنابة في حقها ليس واجبًا عليها، وتستطيع أنت أن تجامعها مرة أخرى ولو لم تغتسل. بالتالي، إجبارك للبنت أو لزوجتك على الغسل من الجنابة إنما يكون في حالتها إذا كانت مكلفة؛ لأن غسل المرأة المكلفة من الجنابة فرض، أما المرأة غير المكلفة -بأن كانت كما قلت لكم عشر سنوات ليست بالغة- فغسلها من الجنابة ليس فرضًا. والزوج يجبر زوجته على الفروض، ولا يجبرها على ما ليس فرضًا ما دام أنه لا يؤثر على إقامة العلاقة الزوجية.
فهو يجبرها على غسل النجاسات، ويجبرها على الغسل من الحيض والنفاس، وهذا طبعًا لا يكون إلا إذا كانت كبيرة، فهي لا تحيض ولا تنفَس إلا إذا كانت مكلفة أصلاً. أما الجنابة فيمكن أن تحصل ولو لم تكن مكلفة، بأن يلتقي ختان الرجل بختان المرأة وكانت المرأة غير مكلفة، هنا يوجد غسل جنابة، لكنه لا يلزمه أو لا يلزمها به إلا إذا كانت مكلفة؛ هذا بالنسبة لغسل الجنابة، أما إذا لم تكن مكلفة فليس له أن يلزمها بذلك.
ثم قال: ويلزمها أيضًا بأخذ ما تعاف، أي ما تعافه نفوس الرجال من ظفر ومن شعر؛ بعض النساء يخرج لها شعر في أماكن يعافها الرجل، له أن يلزمها أن تزيلها، وكذلك الظفر إذا كان طال والرجل استقذر منه. للأسف اليوم النساء بالعكس يطولن الأظفار وبعض الرجال يستحلي ذلك، لاختلاف المفاهيم والقيم، لكن عمومًا له أن يجبرها على أخذ ما تعافه النفس من ظفر وشعر وأي درن يستقبح الرجل وجوده على زوجته.
لاحظوا كل هذه الأمور، وهي معلومات مهمة. ويحرم عليها الخروج من المنزل بلا إذنه ولو لموت أبيها؛ تصوروا لو مات والدك، يحرم أن تخرجي من منزلك بدون إذن زوجك، يحرم أن تخرجي من بيت الزوجية بلا إذنه ولو مات والدها. طبعًا نحن نتكلم الآن عن الحقوق، والأصل أن الزوج يسمح لها ويعطيها الأحقية في أن تذهب لمثل هذه الحاجات أو ضرورات الحياة، لكن عمومًا هو صاحب الحق.
المرأة ليس لها أن تقول: "والله أنا أخرج وقتما أريد، ولا يجوز للرجل أن يمنعني"؛ بعض النساء هكذا مفهوم اليوم مع هذه الحرية المزعومة التي هدمت بيوتنا وأسرنا، المرأة تذهب ولا يعرف الرجل أين ذهبت، وإذا أتت وقال لها: "أين كنتِ؟" تقول له: "ما علاقتك أنت؟ ليس لك علاقة، هذه حريتي الشخصية". لا يا إخواني، الشريعة لم تأتِ بهذه، الشريعة تبني البيوت ولا تهدمها. فتقول المرأة: لا تخرج إلا بإذن زوجها ولو لموت أبيها.
وقالوا: إذا خرجت من بيت زوجها من دون إذنه يسقط حق النفقة، حتى تعود إلى المنزل؛ لا ينفق عليها حتى تعود إلى المنزل وهذا حقه شرعًا. لكن لاحظوا كل شيء له استثناء، فلها أن تخرج لقضاء حوائجها حيث لم يقم بها؛ إذا كان الزوج لا يقوم بقضاء حوائج المرأة، المرأة تحتاج طعامًا، تحتاج شرابًا، تحتاج أمورًا أساسية لبدنها، والرجل لا يأتي بها ولا يقوم بجلب هذه الأمور للمنزل، حينئذ لها أن تخرج من دون إذنه حتى تقضي حوائجها ما دام الزوج لا يقوم بقضاء هذه الحوائج، ولا تعتبر مخطئة في ذلك. أما إذا قضى حوائجها فليس لها حجة في الخروج حينئذ.
ولا يملك -اسمعوا أيها الرجال- ولا يملك منعها من كلام أبويها؛ ليس له أن تقول لها: "لا تحكي مع والديك على الهاتف"، ولا يملك منعها من كلام أبويها، ولا يملك منعهما من زيارتها، ولا يملك أيضًا أن يمنع والديها من زيارتها ما لم يخف منهما الضرر. أنا ليس لي أن أمنع زوجتي من أن تحدث والديها، وليس لي أن أمنع الوالدين من زيارتها، ليس لي أن أمنعها أن تخرج إليهم، لكن ليس لي أن أمنعهم من زيارتها. ليس لي أن أمنعها من الكلام معهم، ولا أمنعهم هم من زيارة ابنتهم إلا إذا خشيت الضرر بأن كانت مثلاً أمها تفسدها.
وتحرضها على زوجها، أو كان والدها يعرضها على الزوج وعلى فساده بأسرتها وعلى فساد بيتها؛ فللزوج إذا وجد أن والدي الزوجة يفسدانها أن يمنعها من الكلام معهم، وأن يمنعهم من الحضور إلى منزله لزيارتهم إذا كان هناك ضرر، وأما إذا لم يكن هناك ضرر فليس له ذلك.
ثم قال: «ولا يلزمها طاعة أبويها بل طاعة زوجها أحق». أتمنى أن النساء يسمعن هذا الكلام؛ بعض البنات تقول: يا شيخ والدي أو والدتي تأمرني بكذا وزوجي يقول لي لا تفعلي، أيهما أطيع؟ تطيع الزوج وليس الوالدين، طاعة الزوج مقدمة على طاعة الوالدين. طبعاً هذا في حال التعارض، وفي حال أن الزوج كان يأمر -لا لم يأمر- بمعصية الله؛ الزوج يأمر بمعصية الله والوالد والوالدة يأمران بطاعة الله، هذا أمر آخر، لكن عن أمور الدنيا البحتة؛ والدك يقول لكِ اعملي كذا، أو والدتك تقول لكِ اعملي كذا، وزوجك يقول لكِ لا تفعلي، من الذي يجب أن تتبعيه؟ الزوج وليس الوالدين؛ لذلك يقول: «ولا يلزمها طاعة أبويها بل طاعة زوجها أحق».
انتقل الشيخ مرعي -رحمة الله عليه- بعد ذلك أحبابي الكرام إلى أحكام المبيت عند المرأة، وأحكام القسم بين النساء لمن كان عنده أكثر من امرأة، وقال رحمه الله: «فصل، ويلزمه...». كلمة يلزمه يعني يجب، اجعلوها قاعدة عامة، «ويلزمه أن يبيت عند الحرة» أي عند زوجته الحرة بطلبها، إذا هي طلبت ذلك ليلة من كل أربع ليالي، يلزمه أن يبيت ليلة، حتى يا شيخ لو ما كان عندي أي زوجة أخرى؟ نعم، حتى لو ما كان عندك أي زوجة أخرى، المرأة ينبغي عليها أن تعرف ذلك.
إذا المرأة الحرة طلبت من زوجها أن يبيت عندها في المنزل، فيلزمه وجوب شرعي أن يبيت ليلة من كل أربع ليالي، وإذا كانت زوجتك أمة فيلزمه أن يبيت عندها ليلة من كل سبع ليالي. ما بدي أدخلكم في أدلة ذلك وتفاصيل ذلك، احفظوا هذه القاعدة: إذا المرأة الحرة طلبت من زوجها أن يبيت عندها فيلزمه أن يبيت ليلة من كل أربع، وإذا كانت زوجتك أمة تبيت ليلة من كل سبع ليالي. جيد، إذا هي ما طلبت ذلك وتركته على راحته، فلو لم يبت عندها لا حرج، لكن إذا هي طلبت، بدك ترد أيها الزوج، ما عندك مجال تنسحب، إذن أن يبيت عند الحرة بطلبها ليلة من كل أربع ليالي، وعند الأمة يبيت ليلة من كل سبع ليالي، هذا الذي يلزمه.
هذا بالنسبة للمبيت، يعني أن ينام في المنزل، وأما بالنسبة للوطء والجماع فيلزمه أن يجامع زوجته في كل ثلث سنة مرة إن قدر، «وأن يطأها في كل ثلث سنة مرة إن قدر». وهذا طبعاً في حالة أن هي تريد ذلك، إذا هي مسامحيته وقالت أنا يا عمي ما بدي وطء، فهي تنازلت عن حقها فهي حرة في ذلك، لكن إذا هي طلبت ذلك فما هو الحد الأدنى للجماع؟ عندنا الحنابلة -رضوان الله تعالى عليهم- يقولون: إذا طلبت المرأة الوطء أو كانت تطلبه وفي عادتها، يلزم الزوج أن يطأ في كل أربعة أشهر مرة.
إنه قال لك ثلث السنة، السنة كم ثلث؟ ثلاثة أثلاث، أربعة أشهر، أربعة أشهر، أربعة أشهر، في كل أربعة أشهر يلزم الزوج أن يطأ زوجته مرة. فإذا الزوجة طلبت من زوجها أن يطأها، الحكم الشرعي القضائي نقول له: يلزمك قضاء شرعياً أن تطأها في كل أربعة أشهر مرة، فإذا لم تفعل ذلك فللزوجة أن ترفع الأمر للقضاء وتطالب بالفسخ؛ أن تطالب بالفسخ لأن الزوج لا يقوم بأداء الحق الشرعي عليه.
طيب، «وأن يطأها في كل ثلث سنة مرة إن قدر»، طب إذا هو ما يقدر على الوطء أصلاً يا شيخ؟ عنده مشكلة صحية؛ أيضاً بتقدر ترفع الأمر للقضاء، سواء كان يستطيع ذلك وامتنع منه أو كان ما عنده قدرة على الوطء، في كلا الحالتين المرأة تستطيع أن ترفع الأمر للقضاء الشرعي وتطالب بالفسخ، أن هذا الرجل لا يستطيع أن يقيم العشرة أو العلاقة الزوجية.
«وأن يطأها في كل ثلث سنة مرة»، يعني كل أربعة أشهر مرة. طبعاً إخواني بدكم تنتبهوا، نحن نتكلم عن الحد الأدنى، لكن الرجل صاحب المروءة يشبع زوجته ويعفها، والمرأة تشبع زوجها وتعفه، فالعلاقة الزوجية أسمى من أن نبدأ نحدها بالحد الأدنى، لكن نحن هنا نتكلم عن الأمور القضائية، يعني إذا الزوج يطأ زوجته كل أربعة أشهر، المرأة ليس لها أن تطالب قضائياً بأكثر من ذلك، تطالب إذا كان أربعة أشهر لا يطأها، حينئذ تستطيع أن ترفع الأمر للقضاء. ففيكم تفرقوا بين مكارم الأخلاق والعشرة الزوجية الهادئة وبين الأمور القضائية والإجراءات القضائية وما هو الحد الأدنى، هذا أمر وهذا أمر آخر.
«وأن يطأها في كل ثلث سنة مرة»، أي في كل أربعة أشهر يلزمه أن يطأ مرة واحدة إن قدر على ذلك، إذا لم يقدر فالمرأة لها الحق كما قلنا أن تذهب للقاضي وتطالب بالفسخ طبعاً إذا ثبت عنده ذلك من التفاصيل التي سبقت في العيوب. قال: «فإن أبى»، طيب إذا هو رجل يستطيع كما حكينا أن يطأ في كل أربعة أشهر مرة، يستطيع ذلك وهو رفض، يعني عنده قدرة لكن هو رفض، «فإن أبى» فرق الحاكم بينهما إذا طلبت، اللي هي مسألة قلت لكم قبل قليل، يعني إذا أبى أن يطأها، في كل أربعة أشهر مرة الحاكم يفرق بينهما إذا المرأة طلبت التفريق.
وكذلك إذا كان لا يستطيع الوطء، فالمرأة أن ترفع أمر هذا الحاكم وتقول هذا الرجل لا يستطيع الوطء، فتطالب بالفسخ بشرط أن يثبت الأمر عند الحاكم، وأخذ أن يمر معنا مسألة العنة، الزوج الذي لا يستطيع أن يطأ، وأن الحاكم يؤجل سنة حتى يثبت ذلك، إلى ما تم سابقاً، يعني سابقاً بيانه في أحكام العنين.
ثم قال: «وإن سافر»، مسألة سفر الزوج، بس نحن عرفنا أنه له أن يسافر بدون إذنها في الفصل السابق، لكن ما هو الحد الأعلى للسفر؟ انظروا ماذا قال: «وإن سافر فوق نصف سنة»، يعني فوق ستة أشهر في غير أمر واجب، في غير أمر واجب؛ لأنه إذا كان مسافراً في أمر واجب حتى لو طال الأمر، كجهاد في سبيل الله تعين عليه، أو كالحج، زمان كان الحج مثلاً شخص جاي من الهند ولا من باكستان، زمان لا في سيارات ولا في طائرات، بتجلس رحلة الحج ممكن سبع ثمانية أشهر، ورحلة الحج فرض عين، فإذا كان السفر لأمر واجب شرعي عليه، المرأة ليس لها علاقة أن تطالب بشيء، لكن إذا كان سفراً في أمر غير واجب أو طلب رزق يحتاج إليه.
إذا كان رجل مسافر فوق ستة أشهر لطلب رزق يحتاج إليه هو وزوجته وأولاده، أيضًا ليس للمرأة أن تطالب بشيء، لذلك قال: وإن سافر فوق نصف سنة في غير أمر واجب وفي غير طلب رزق يحتاج إليه، وطلبت المرأة قدومه، ترى كل هذه الأمور للمرأة، فلذلك يتوقف الأمر على طلبها ذلك.
وإذا طلبت قدومه يلزمه أن يحضر، فإن أبى الحضور -طبعاً الحاكم يعلمه أنه تحضر ما تحضر يبلغه الخبر إذا هو رفض أن يحضر ولم يكن عنده عذر- فللحاكم أن يفسخ بينهما بطلبها. بالنسبة للنساء اللاتي أزواجهن مغتربون عنهن، أقول لها: زوجك بطلب رزق يحتاج إليه وتحتاجين إليه، أو في سفر واجب شرعي عليه، إذا قالت نعم، فمن قولي لها: ليس لك أن تطالبي بقدومه إن كنتِ تعلمين أن هذا أمر مفروض عليه.
طبعاً هناك استثناءات إخواني الكرام في بعض الجوانب، لكن أساسها منقول ليس لها أن تطالب. فإذا قالت: لا، هو في سفر واجب ولا هو في طلب رزق يحتاج إليه، ما يصير، ولا مسافر سياحة وصار فوق الستة أشهر، منقول لها: لك الحق أن تطالبي بقدومه. فتروح عند القاضي تقول له: أنا أريد فلان يقدم، فالقاضي يذهب ويكتب رسالة عن طريق الجهات الرسمية إلى فلان الفلاني المقيم في دولة أخرى: إنه عليك أن تقدم لزوجتك لأنه صار لك فوق الستة أشهر غائب، وهذه المرأة حقها أن تأتيك.
فإذا هو رفض مع قدرته على الحضور، رفض مع قدرته -يعني ما في مثلاً صار حجر كورونا، الدول تسكر مطاراتها مثل ما يصير الآن، هنا هو معذور- لكن إذا رفض الحضور مع قدرته عليه، حينئذ للمرأة أن تطلب من القاضي أن يفسخ بينها وبين زوجها.
إذاً هذا موضوع السفر وأحكامه، ثم الآن سينتقل لموضوع التسوية بين الزوجات والقسم. قال: «ويجب عليه التسوية بين زوجاته في المبيت»، وهذا هو القسم، القسم أن تقسم بين زوجاتك في المبيت، مثلاً رجل عنده أربع زوجات، يبيت عند هذه ليلة وهذه ليلة وهذه ليلة وهذه ليلة. ويجب قال: «التسوية»، وهذا هو العدل، ويجب عليه التسوية بين زوجاته في المبيت.
وكيف تكون التسوية؟ ليلة وليلة. عندك زوجتين، ليلة عند هذه وليلة عند هذه. عندك أربع زوجات؟ ليلة عند هادي وليلة عند هادي، على حسب عدد النساء. طبعاً بدك تفهم شغلة، إذا عندك زوجتين لك أن تبيت ليلة عند هذه وليلة عند هذه ومعك ليلتان مجاناً؛ لأننا عرفنا قبل قليل أن المرأة الحرة إذا طلبت الزوج أن يبيت عندها فيلزمه أن يبيت ليلة من كل أربع ليالي، مش هيك حكينا؟
فإذا رجل عنده زوجتان حرتان، هذه لها الحق في ليلة من كل أربع ليالي، وهذه لها الحق في ليلة من كل أربع ليالي، والزوج معه ليلتان مجاناً له أن يفعل فيهما ما يشاء. إذا كان عنده ثلاث زوجات، صار عنده واحدة ليلة من الليلتين المجانيتين صارت معبية، وصار عنده ليلة مجانية واحدة فقط. إذا صار عنده أربع زوجات، ساعتها خلص ما عنده ليالي مجانية؛ لأن كل زوجة حرة لها الحق في ليلة من أربع ليالي.
طيب وباقي الليالي؟ يروح للزوجات الثلاث، بعدين يرجع ليلة عند الزوجة الأولى، بعدين يكمل عند زوجاته الثلاث وهكذا. فبالتالي بدكم تفهموا هذه وتجمعوا بين كلامنا هنا وكلامنا السابق. فإذا كان عنده زوجتين عليه ليلتان بعدين ليالي خاصة فيه، بعدين يرجع ليالي عند هاي وليلة عند هادي وليلة خاصة فيه وهكذا.
إذا هو لا يريد ليالي خاصة فيه، صاحبنا إذا قال: لا أنا لا أريد ليالي خاصة فيّ، أنا أريد أن أبيت يوماً عند هادي ويوماً عند هادي، وهذا هو المعتاد؛ رجل عنده زوجة سعاد وهند، يقول لك: بدي أبيت عند هادي وعند هادي، ما بدي ليالي مجانية لي، بنقول له: تبيت عند هذه الليلة ثم عند هذه ليلة، ثم تعود عند هذه ليلة ثم عند هذه ليلة. لازم هذا الترتيب إلا إذا تراضوا على غير ذلك.
مثلاً إذا سعاد وهند اتفقتا أنه خلص يبيت أول شيء ليلتين عند سعاد، ثم يروح ليلتين عندهن، بعدين يرجع ليلتين ليلتين، هم اتفاق بينهم. إذا لم يحدث اتفاق بينهم فالأمر الذي يلزمهم قضائياً أنه هذا الرجل يبيت عند سعاد ليلة ثم ينتقل لهن، ثم يعود لسعاد ثم ينتقل لهن، ليلة بليلة. لذلك قال: «ويكون ليلة وليلة إلا أن يرضين بأكثر».
إذا هم قالوا له: اسمع، سعاد تبيت عندها خمسة وهند تبيت عندها خمسة، بعدين ترجع عند سعاد خمسة وبعدين عند هند خمسة، واتفقوا على ذلك، هذا أمر يعود إلى الاتفاق ما عندنا مشكلة. لكن إذا حدث خلاف بين سعاد وهند والرجل، فهنا خلص: الليلة عند هادي وليلة عند هادي. طبعاً هناك برضه استثناءات -مش هادي موطن كلام عنها- خاصة إذا كان هناك بعد كبير في المسافات، تأتي بعض الاستثناءات: ﴿إِلَّا أَن يَرْضِينَ بِأَكْثَرَ﴾. هذا أن يرضين بأكثر، أنه ترضى هند أن يبات عند سعاد خمسة بعدين يبات عندها خمسة، مش ليلة بليلة، إذا اتفقوا على خلاف ذلك ما في مشكلة.
ثم قال: «ويحرم دخوله في نوبة واحدة إلى غيرها وفي نهارها إلا لحاجة»، الآن يقصد بالنوبة وقت الليل، فقالوا: «ويحرم دخوله في نوبة». طب ما هناك فائدة أحبابي الكرام هو لم يذكرها، أن الرجل إذا كان شغله نهاري، وظيفته في النهار، فعماد المبيت عند الزوجة يكون ليلاً. وإذا الزوج وظيفته مثلاً هو حارس ليلي في مول أو ما شابه ذلك، فعماد المبيت سيكون بالتأكيد نهاراً، فالمبيت في الحقيقة مش دائماً بكل ليل وإنما يعتمد على حسب شغل الرجل. الذي شغله في النهار المبيت عماده في الليل، واللي شغله في الليل المبيت عماده في النهار، لكن أغلب الناس شغلهم نهاري، نحن نذكر الليل على أساس أنه هو العادة المطردة، ولكن قد يكون الأمر بالعكس على حسب شغل الرجل.
المهم قال: «ويحرم دخوله في نوبته»، نوبتي يعني في ليلتي واحدة إلى غيرها. حكينا سعيد عنده سعاد وعنده هند، اليوم دور ليلة سعاد، نوبتها يعني دورها بالليل، اليوم دور سعاد أن يبيت سعيد عندها، فراح سعيد دخل في هذه الليلة عند هند.
بيصير يدخل عليها في هذه الليلة؟ قال: يحرم أن يدخل سعيد على هند في ليلة سعاد بالليل، لا يجوز يدخل سعيد على هند إلا لضرورة. إيش يعني الضرورة؟ قالوا: بأن كانت هند تحتضر، أو نزلت بها نازلة خطيرة جداً ويخشى عليها من الموت، أو تريد أن توصي وصية الموت؛ يعني امرأة في حالة حرجة جداً، وسعيها بالتأكيد سعيد يستطيع الذهاب إليها لينظر في أمرها. إذاً ما في ضرورة قصوى يحرم على سعيد أن يدخل على هند في ليلة سعاد.
أما بالنسبة للنهار، وهم يقولون: القسم أساسه الليل والنهار يكون تبعاً له. أما دخوله في النهار، إذا كانت الليلة هي ليلة سعاد فالنهار سيكون تابعاً لها، تابع لهذه الليلة. خلاص، الليلة ليلة سعاد، والنهار الذي سيأتي يكون تبعاً لهذه الليلة فهو من حق سعاد أيضاً. وفي ليلة هند، النهار الذي سيأتي يكون من حقها؛ فالنهار هو تبع لليل إذا كان الليل هو الأساس، وإذا كان العكس، كان النهار هو الأساس، بإمكان الزوج شغله ليلي زي ما حكينا فبتكون الليلة تبعاً للنهار.
خلونا على العادة المعتادة أن هذا الرجل شغله نهاري، بالتالي الليل هو الأساس عنده في القسم، ففي النهار الذي يأتي بعد الليل يكون من حق سعاد، وفي نفس الشيء هنا النهار الذي يأتي بعد الليلة يكون من حق هند، النهار يتبع ليلتها. عرفنا أن سعيد يدخل على هند في ليلة سعاد حرام إلا لضرورة، وأن يدخل سعيد على هند في نهار سعاد يحرم إلا لحاجة. وهنا فرق الحنابلة بين الضرورة وبين الحاجة، فالحاجة أمر أخف من الضرورة. الحاجة مثلاً سعيد يريد أن يسأل هند عن شغلة مهمة عن ورقة رسمية يريدها لتنسيقها عندها، أو مثلاً هند كانت تعبانة قليلاً وصحتها، يريد أن يعود عيادة مريض؛ فنقول يجوز للحاجة أن يدخل سعيد على هند في نهار سعاد، وأما إذا لم تكن هناك حاجة، والله بس حابب أروح أستأنس معها بنقول يحرم.
لذلك قال: ويحرم دخوله في نوبة واحدة، يعني في ليلة واحدة، إلى غيرها إلى زوجة أخرى إلا للضرورة القصوى، وفي نهارها. أما بالنسبة للدخول في النهار، فلا يجوز أن يدخل على الزوجة الأخرى إلا لحاجة، والحاجة أوسع زي ما حكينا من الضرورة.
إذا هو أخونا خالف الأمر الشرعي فدخل سعيد على هند في ليلة سعاد ولبث عندها مدة من الزمن، أو دخل سعيد على هند في نهار سعاد ولبث عندها مدة من الزمن. الحالة الأولى حالة اللبس، أو دخل سعيد على هند في ليلة سعاد وجامع هند، أو دخل سعيد على هند في نهار سعاد وجامع هند؛ هنا يقول الحنابلة إن لبث أو جامع لزمه القضاء عليه، أنه يقضيه. كيف يقضي؟ لما تأتي ليلة هند، لما يجي دور ليلة هند على سعيد، أنه يروح على سعاد ويمكث عندها نفس المدة الزمنية التي مكثها عندها لما خالف معها. وإذا كان سعيد جامع هند في الليلة، مش بس لبث عندها، بل جامع؛ عليه في يوم هند أو في ليلتها -خلينا نقول- يدخل على سعاد ويجامع زي ما جاء مع هند في ليلة سعاد، بده يكافئ بالمكافأة؛ فإذا لبث عند هند بده يلبث عند سعاد، وإذا كان جامعها بده يجامع سعاد حتى يؤدي حقها. هذا معنى القضاء.
جيد أحبابي الكرام، لذلك إذا لبث عند الزوجة الأخرى في غير يومها ليلاً أو نهاراً، أو جامعها في غير يومها ليلاً أو نهاراً، عليه أن يقضي للأخرى تقضية أخرى على الطريقة التي بينتها لكم؛ لما يجي دور الأخرى يروح عند المظلومة المسكينة ويؤدي حقها من اللبس أو الجماع.
ثم قال: ولا يجب أن يسوي بينهما في الوطء ودواعيه لكن يسن ذلك. هذه أضيفوها، حكينا هذا الرجل الذي اسمه سعيد عنده سعاد وعنده هند، الآن إخواني العدل في القسم إنما هو في المبيت، وليس في الوطء ودواعيه من المباشرة. يعني حتى نكون على عادة عليك أن تبيت عند سعاد زي ما بتبيت عند هند، لكن يمكن أني مثلاً لما أبيت عند سعاد أطأ وأجامع، وعند هند ما بتجيني شهوة فلا أطأ ولا أجامع؛ يصير هذا؟ يصير. لكن السنة أن تسوي بينهما في الوطء حتى لا تحدث مشاكل، السنة أن تسوي بينهما في الوطء، حتى إذا وطأت هذه تطأ هذه سنة، لكن لا يلزمك ذلك، فيمكن تبيت عند واحدة وتطأها وتبيت عند الأخرى ولا تطأها، هذا لا يلزم العدل.
وكذلك لا يلزمه أن يسوي بين زوجاته في النفقة والكسوة حيث قام بالواجب. إذاً نحن نقول له: الواجب عليك مثلاً تنفق على سعاد عشرين ديناراً وتنفق على هند عشرين ديناراً، هذا الحد الأدنى، وراح نأتي إن شاء الله على النفقات. إذا أنفق على سعاد النفقة الواجبة وأنفق على هند النفقة الواجبة، وأحب أن يزيد إحدى الزوجتين من عنده فإنه يجوز له ذلك إذا أدى الحق لهذه وأدى الحق لهذه في النفقة. وإذا أحب أن يزيد إحدى الزوجتين في نفقة أو كسوة لا يلزمه العدل بينهن في ذلك، وإن كان المستحب أن يعدل بينهن حفاظاً على تماسك الأسرة وإلا ستصير مشاكل، وأنتم عارفين على أدنى مشكلة؛ إذا هند شافت سعاد لابسة فستاناً زيادة راح تعمل قصة كبيرة والرجل هذا ما راح ينام في الدار، وإذا سعاد شافت هند عندها سواراً زيادة الدنيا ستقوم ولا تقعد. ولذلك الأصل المحافظة على الأسرة المسلمة أنه يعدل حتى في الوطء وحتى في النفقة والكسوة، لكن قضائياً لا يلزمه. قال: وإن أمكنه ذلك؛ كأن أرى الآن كلام الشيخ مرعي، الشيخ مرعي لديه وعي ويقول: إذا استطاع أن يعدل في الوطء وفي النفقة والكسوة أحسن، ابعد عن المشاكل يا جماعة.
طيب بقي الفصل الأخير، خلينا نختم إن شاء الله اليوم هذه المسائل حتى ننتقل إن شاء الله في المحاضرات القادمة لما يفصل النكاح من الخلع والطلاق وأحكام ذاته. قال: فصل، وإذا تزوج بكراً أقام عندها سبعاً، وثيباً أقام ثلاثاً، ثم يعود للقسم بينهن.
محمد تزوج مثلاً، محمد عنده سعاد وعنده هند، محمد تزوج زوجة ثالثة اسمها سوسن فرضاً، وسوسن كانت بكراً -مش ثيباً- عرفنا الفرق بين البكر والثيب سابقاً. محمد عنده زوجتان سعاد وهند، وبعدين تزوج ثالثة اسمها سوسن. سوسن أبكر ولا ثيب؟ قال: والله سوسن بكر. البكر الشريعة الإسلامية أعطتها حقاً في سبعة أيام ابتداءً، أول ما يتزوج محمد سوسن، سوسن لها الحق أن محمد يجلس عندها سبعة أيام خالصة لها، قالوا: حتى تزول بينه وبينها الوحشة وتألف، بعد ما يخلص السبع أيام خلاص يرجع القسم.
القسم بين النساء يكون على ما كان مثلا ليلة عند هادي وليلة عند هادي وليلة عند هادي وعلى المنوال، فأول شيء لها حق في سبعة أيام خالصة ثم يعود القسم. إذا كانت سوسن ثيب، فما هو حقها؟ لها الحق في ثلاثة أيام فقط؛ لأن هذه امرأة تكون قد جربت الرجال، فلا تحتاج لسبعة أيام حتى تعرض الألفة بينها وبين زوجها الجديد، بل يكفيها ثلاثة أيام في الشريعة كما جاء في حديث أنس رضي الله عنه: «إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثم قسم». لذلك إذا تزوج بكرًا أقام عندها سبعًا بعدين يرجع مع باقي النساء، وإذا تزوج ثيبًا فأقام ثلاثًا ثم يعود إلى القسم بينهن.
وهذا كما قلنا في حالة التعدد، قال: وله تأديبهن على ترك الفرائض. هل للرجل أن يؤدب زوجته على ترك فرض من فرائض الله المتفق على أنها فرض؟ انتبهوا أن بعض المسائل هي فرض عند الحنابلة وليست فرضًا عند الشافعية، أو فرض عند المالكية وليست فرضًا عند الحنفية؛ فإذا كان هناك خلاف مذهبي فالزوج ليس له أن يؤدب زوجته على أمر ترى خلافه، هذه مسألة خلاف فقهي. لكن إذا كان أمرًا متفقًا على أنه فرض عند الأمة، كصلاة الظهر تتركها، أو تترك أداء زكاة مالها أو غير ذلك من الواجبات والفرائض الإلهية، هل للزوج أن يؤدب زوجته على ذلك؟
يقول الحنابلة: نعم، للزوج أن يؤدب زوجته. لكن لما نقول له هل هو على سبيل الإباحة؟ يعني مباح أن يؤدب فقط، أم على سبيل الاستحباب يستحب أن يؤدب، أم على سبيل الوجوب يجب أن يؤدبها؟ في الحقيقة الحنابلة يقولون -وكما قال ظاهر كلامهم في المنتهى- إنه على سبيل الإباحة، أنه لا يلزمه لكن يباح له كحق من حقوقه. وكلام الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى ونص بعض الحنابلة المتأخرين على أنه يستحب له أن يؤدبها على ترك الفرائض، لكن هل يجب؟ لا، لم أجد من قال بالوجوب، فهي بين الإباحة وبين الاستحباب فيما يظهر لي.
الآن سيختم بمسألة النشوز. ما هي المرأة الناشز؟ ربما كان ينبغي أن يأتي بمصطلح النشوز لكن لم يأتي به، أنا سأبينه إن شاء الله. يقول: «ومن عصته وعظها»، المراد بمن عصته هنا: من عصته بما يجب عليها أن تبذله له. إذا عصت المرأة الزوج فيما يجب عليها أن تبذله له فهذه تسمى المرأة الناشز. المطلوب منها أساسًا أن تسلم الزوج نفسها متى دعاها إلى الفراش، سواء للجماع أو المباشرة وما شابه ذلك، فإذا كان الرجل يدعو امرأته إلى الفراش وهي تعصيه في ذلك، لا تجيب أو تبذله وهي مكرهة، فهذه تسمى عاصية.
لاحظوا أن المرأة العاصية لها شكلان: إما أنها لا ترد عليه، يدعوها إلى الفراش فلا تأتيه، أو يدعوها فتأتي وهي كارهة. وبتسمعوا مئة كلمة؛ بعض النساء تفكر أنه إذا سلمت نفسها وهي متبرمة وكارهة وشكلها قرفان من الموضوع كامل، أنه خلاص أنا أديت، لا، بل لا بد أن تؤدي وأنت راضية، أو على الأقل تظهرين الرضا. لا أريد أن أقول أنت راضية فهذا أمر نفسي، لكن تظهرين الرضا لزوجك، أما أن تظهري له كراهية ذلك فهذا من أشكال العصيان. إذا عصته بما يجب عليها أن تبذله له، أو فعلت ذلك وهي متبرمة كارهة، فهذه تسمى في الشريعة الإسلامية المرأة الناشز.
ماذا يفعل معها؟ لها خطوات في علاجها: أول شيء يعظها ويخوفها من الله ويقول لها اتق الله في حق زوجك، يبدأ بالموعظة لا يبدأ بالضرب؛ لا، بالموعظة الحسنة. فإن أصرت ولم تستجب للموعظة هجرها في المضجع، ما شاء له أن يترك مضاجعتها في السرير ما شاء حتى تعود. وأما في الكلام، فله أن يتركها ثلاثة أيام فقط يهجر كلامها، حتى لا يسقط عليه حديث: «وخيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام»، فالنبي ﷺ نهى أن يهجر المسلم أخاه المسلم أو أخته المسلمة فوق ثلاثة أيام.
فلذلك الحنابلة قالوا بالنسبة للكلام معك ثلاثة أيام تهجرها فيه، بعد الثلاثة أيام لازم ترجع تكلمها، عمومًا أنا متأكد الكلام لن يكون بانبساط، لكن المهم يكون في كلام جملة حتى لا يقع عليك حديث: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث أيام». فإذا لقيتها تسلم عليها: "أهلاً، إيش أخبارك؟ كيف أمورك؟"، خلص ما في داعي للانبساط، المراد أنه بعد الثلاثة أيام لازم تكلمها، يعني لازم يكون هناك كلام جملي ولا يشترط الانبساط.
إذا أصرت بعد كل هذه الأمور، فهذه حقيقة امرأة متعبة، فإن أصرت ضربها ضربًا غير شديد؛ لأن المراد التأديب والزجر وليس الأذى. ضربها ضربًا غير شديد، عشرة أصوات لا فوقها، ضرب غير شديد. وهذا كله إخواني وإن كان هنا تأصيل فقهي، لكن كله في الحقيقة منوط بالمصلحة. إذا كان يعلم ويجزم أنه إذا ضرب هذه الزوجة المفاسد ستكون أكبر، فالأصل أن يمتنع من ذلك. وقد نص على ذلك العز بن عبد السلام بالنسبة لضرب الأطفال على الصلاة لعشر؛ يقول: إذا كان ضرب الصغير على عشرة سيسبب مفسدة أكثر ويجزم الأب بذلك أو غلب على ظنه، فلا يضرب.
وكذلك بالنسبة لموضوع المرأة، النساء قديما في عهد العرب الذين أتى إليهم النبي ﷺ، كثير من هذه الأمور كانت موجودة ومستقرة في المجتمع، فيمكن أن تكون علاجًا. اليوم يجب أن تتحرى، فبعض النساء قد يكون الضرب لها علاجًا بعد كل المراحل التي استوفيتها من الوعظ ثم الهجر، وقد يكون الضرب مفسدة لها أكثر، فعليك أن تقيم الأمر. ولا تأخذ النص حرفيًا بحيث لا يمكن الرجوع عنه أو القفز، قضية منوطة بالمصلحة؛ ما دام في الضرب مصلحة ويرجى أن تجيب، اضرب غير شديد ولا تزد على عشرة أصوات، وأما إذا كانت الأمور ستؤول إلى مفاسد أكثر وتأتي عائلتها على عائلتك وتصير مشاكل عائلية وتدخل العشائرية، فلا تسبب مفاسد أكثر ويصبح الضرب هنا ممنوعًا، والله تعالى أعلم. ثم قال: ويمنع من ذلك إن كان مانعًا لحقها، هنا نقطة مهمة جدًا، أنه أنت أيها الزوج إذا امرأتك كانت ناشزًا.
ومنعتك نفسها ووعظتها ثم هجرتها، ثم هذا متى يكون؟ إذا كنت أنت كزوج قائم بحقوق الزوجة، أما إذا كنت مانع هذه المرأة حقوقها من النفقة ومن القسم ومن سائر الحقوق الشرعية التي أعطتها الشريعة للزوجة، ليس لك أن تعاملها معاملة الناشز حتى حضرتك تؤدي الحقوق التي عليك، كان هناك حقوق أيضًا للمرأة.
فإذا أنت مقصر في حقوق المرأة والمرأة امتنعت من أن تأتي إلى الفراش لأنك مقصر في حقوقها، لا تعتبر ناشزًا بالمفهوم الفقهي. المرأة الناشز هي التي تمنع حق الزوج مع قيام الزوج بحقها، أما إذا كان الزوج مش قائم بحقوقها وهي منعت نفسها، هي ليست ناشزًا بالمفهوم الفقهي بحيث يطبق عليها مفهوم الوعظ ثم الهجر ثم الضرب.
لذلك ختم، قال: ويمنع من ذلك، لا تطبق عليه هذه القواعد إن كنت مانعًا لحقها وليس مؤديًا لحقها؛ لأنه هنا في مبرر للمرأة في عدم تلبيتها لحق الزوج، أن الزوج لم يلبي لها حقوقها أيضًا. أما إذا كنت مؤديًا لحقوقها، هنا تأتي قضية نشوزها وعصيانها لك فيما يجب لها على الترتيب الذي ذكرناه: الوعظ، ثم الهجر، ثم الضرب على الصفة التي ذكرناها.
هذه أهم الأحكام التي ذكرها الشيخ منير رحمه الله عليه، نذكرها وسريعًا إن شاء الله، وأتمنى أن يضبطها الزوج والزوجة، وأن يضبطها البيت المسلم حتى تؤدم المحبة بينهم بإذن الله. إن شاء الله في المحاضرة القادمة نبدأ بموضوع تمامًا موضوع الفراق وانتهاء العلاقات الزوجية بأشكالها المختلفة.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل