دخولتسجيل الدخول

الدرس 104 - تكملة أحكام الصداق

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبابي الكرام لمجلس جديد نعقد في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي على مذهب سعد الحنابلة، رضوان الله تعالى عليهم. في المحاضرة السابقة أحبائي أخذنا مجموعة من المسائل التي تتعلق بالصداق وأحكامه؛ فعرفنا ما الذي يجوز أن يسمى في الصداق وما الذي لا يجوز أن يسمى فيه، وعرفنا متى يجوز للأب أن يجبر ابنته على ما دون صداق المثل، ومتى لا يجوز ذلك، ومن الذي لا يجوز له أن يفعل ذلك.

تكلمنا أيضًا عن قضية من الذي يقبض صداق المرأة؟ وتكلمنا أيضًا عن قضية ملك المرأة لصداقها، وهل يجوز لها أن تتصرف فيه قبل أن تقبضه؟ وهل يكون من ضمانها قبل أن تقبضه على التفصيل الطويل الذي ذكرناه، وهي مجموعة من الأحكام المهمة.

واليوم بإذن الله نكمل المشوار في أحكام الصداق. سنبدأ إن شاء الله بالكلام عن مسألة مهمة، أو ثلاث مسائل تتعلق بمتى يسقط الصداق بالكلية عن الزوج، ومتى يتنصف عليه الصداق فيلزمه نصفه فقط، ومتى يتقرر كاملاً عليه فيلزمه أن يدفعه كاملاً.

من المسائل المهمة جدًا من مسائل الصداق: متى يسقط الصداق بالكلية عن الزوج فلا يلزمه أن يدفعه إن كان لم يدفعه بعد، وإذا كان دفعه يستحق أن يرجع فيه كاملاً، ومتى يتنصف عليه فيكون يلزمه النصف فقط وليس النصف الآخر، ومتى يتقرر كاملاً فيكون عليه أن تدفعه كاملاً. هذه مسائل مهمة وهي أحوال ثلاث، رسمتها لكم على الشاشة كما ترون: الحالة التي يسقط فيها المهر كاملاً، والحالة التي يتنصف فيها المهر، والحالة التي يتقرر فيها المهر كاملاً.

الشيخ مرعي -رحمة الله عليه- بدأ بالحالة الأولى؛ الحالة التي يسقط فيها المهر كاملاً، لكن سامحوني في الحقيقة سأعكس الأمور؛ سأبدأ بالحالة التي يتقرر فيها المهر كاملاً، ثم أعود إلى الحالة التي يسقط فيها المهر كاملاً والحالة التي يتنصف فيها. سأبدأ بالحالة الأخيرة لأن هذا هو الأصل؛ أن أبدأ بما يتم به استقرار المهر على الزوج، ثم نأتي للأحوال الاستثنائية وهي الحالة التي يسقط فيها والحالة التي يتنصف فيها المهر.

فأقول أحبابي الكرام -ولا أدري ربما هذا الكرسي سد عليكم المشهد-: متى يتقرر المهر كاملاً على الزوج بحيث يلزم أن يدفعه كاملاً لزوجته؟

الحالة الأولى: إذا حصل وطء في قبل أو دبر. اكتبوا: إذا وطأ الرجل الزوجة في قبلها أو في دبرها عليه المهر كاملاً، سواء بعد ذلك حدث فسخ، أو حدث طلاق، أو حدث أي شيء ما حدث، ما دام أنه تم عقد النكاح بصورة صحيحة والزوج وطئ زوجته في قبل أو دبر، استقر المهر كاملاً عليه بغض النظر ما الذي حدث بعد ذلك، هل حدث طلاق بينهم؟ حدث بينهم فسخ؟ حدث خلع؟ لا يهمنا، ما دام حصل الوطء انتهى الأمر، الزوج يدفع المهر كاملاً.

الحالة الثانية: إذا حدث بين الزوج والزوجة خلوة بشروطها. ما شروطها؟ ذكرها الشيخ مرعي في آخر هذا الفصل، وذكر بعضها وأنا أكملت بعضها الآخر. يقول الشيخ مرعي -وسامحوني أنا عدلت بعض الترتيبات حتى يكون الأمر منسقًا أكثر-: «وبخلوته بها عن مميز إن كان يطأ مثله وتوطأ ويوطأ مثلها».

يعني إذا كان هو عمره عشر سنوات فصاعدًا وهي عمرها تسع سنوات فصاعدًا. باختصار، الخلوة التي إذا حصلت بين الزوجين ترتب على الزوج المهر كاملاً لزوجته هي إذا خلا بها عن مميز فصاعدًا؛ يعني كانوا في غرفة ولا يشاهدهم مميز فصاعدًا، المميز البالغ سواء كان المميز أو البالغ ذكرًا أو أنثى.

فباختصار، خلينا نرجع لمفهوم المخالفة؛ إذا كان الرجل مع الزوجة في غرفة، وكان في الغرفة شخص مميز، ذكر أو أنثى مميز، يعني سبع سنوات فصاعدًا، كان في الغرفة معهما مميز عمره سبع سنوات فصاعدًا، شخص بالغ أو شخص عمره عشرين أو ثلاثين أو خمسين أو ستين سنة، سواء كان الذي معهم في الغرفة مميزًا فصاعدًا ذكرًا أو أنثى، ولو كان أعمى؛ تصوروا حتى ولو كان أعمى، إذا كان رجل مع امرأة -أي مع زوجته- في غرفة وكان معه مميز فصاعدًا ذكرًا أو أنثى ولو كان أعمى، انتفت الخلوة بينهما.

لا بد ألا يكون معهم مميز. طيب، يعني إذا كان معهم طفل دون سن التمييز، عمره خمس سنوات أو ست سنوات أو أربع سنوات، لا، هذا يعني وجوده لا يبطل حكم الخلوة، تبقى الخلوة موجودة بين الزوجين. إذًا أول شرط من شروط الخلوة التي تقر بها المهر أن يكون الزوج خالياً بالمرأة بحيث لا يوجد معهما في الغرفة شخص مميز فصاعدًا.

الشرط الثاني: أن يكون الزوج ممن يمكن أن يطأ مثله، يعني عمره عشر سنوات قمرية، وتكون الزوجة المخلو بها ممن يمكن أن توطأ، يعني عمرها تسع سنوات قمرية. هذه الشروط التي ذكرها، وبدنا نكمل شروطًا أيضًا، اكتبوا عندكم.

الشرط الثالث: أن يكون الزوج عالمًا أن هذه المرأة التي معه في الغرفة هي زوجته، ما يفكر أنها شخصية أخرى، ممكن يكون مفكرها ليست زوجته بل شخصية أخرى، خاصة ممكن تكون منقبة أو ما شابه ذلك، فلابد حتى تحصل الخلوة أن يكون الرجل عالمًا أن التي معه في الغرفة هي زوجته.

رابعًا وأخيرًا، الشرط الرابع والأخير: ألا تمنعه من وطئها، يعني أن تكون المرأة الزوجة لو أراد الزوج أن يطأها في هذه الخلوة لا تمنعه، أما إذا كانت هي مانعية له من الوطء، يعني رجل خلا مع زوجته في غرفة لكنها أخبرته أني أمنعك من أن تطئني، ما راح اسمح لك أن تطئني، أيضًا هذه ليست الخلوة التي يستقر بها المهر.

الخلوة التي يستقر بها المهر لابد أن تجمع بين الشروط الأربعة: الأول: لا يوجد مع الزوجين شخص مميز فصاعدًا. الثاني: أن يكون الزوج عمره عشر سنوات قمرية والزوجة عمرها تسع سنوات قمرية. الثالث: أن يكون الزوج يعلم أن التي معه في الغرفة الآن والتي خلا بها هي زوجته وليست شخصية أخرى. الرابع: أن تكون الزوجة غير ممانعة من وطئها لو حصل، لو أراد الزوج أن يفعل هي لن تمنعه من ذلك.

إذا اجتمعت هذه الشروط الأربعة هنا نقول حصلت الخلوة الشرعية التي يستقر بها المهر، حتى ولو يا شيخ الزوج لم يطأها فعلياً؛ انتبهوا حتى ولو لم يطأها فعلياً، إذا حصلت الخلوة بشروطها الأربعة فالزوج عليه أن يدفع المهر للزوجة.

وانتبهوا شبابنا، الخطاب اليوم أنه ممكن بعض الشباب خطب فتاة ولسه ما صار العرس، ويخرج هو وياها على غرف خالية، يروح وياها على فندق أو يأخذها على بيت أهله ويكون أهله مش موجودين، ويقعد هو وياها في الغرفة لحالهم ما يكون حدا شايفهم، وهو في العادة يطأ مثلها وتوطأ مثله ويعلم أنها زوجته، ولو قال لها أريد أن أجامعك في فترة الخطبة ما بتمنعوش. اسمعوا، إذا حصلت هذه الأمور حتى ولو لم يطأ، تستحقين المهر كاملاً؛ فإذا حصل بعد ذلك قبل العرس بينكم طلاق أو فسخ، خلص هو خلا بك الخلوة الشرعية بشروطها الأربعة، فلك المهر كاملاً وليس منصفاً.

إذاً، الوطء هو السبيل الأول ليستقر المهر كاملاً. ثانياً: حصول الخلوة بشروطها الأربعة التي ذكرناها. ثالثاً: إذا حصل من الزوج لمس لزوجته بشهوة، وهذي ما أكثر حصولها؛ شاب خطب فتاة وهم جالسين ببيت أهله أو ببيت أهلها، هو وضع يده لمساً مباشراً من دون حائل، وضع يده على يدها بشهوة، أو وضع يده على صدرها بشهوة، أو على ساقيها، أو على أي مكان في جسدها؛ إذا لمس جسدها بشهوة استقر المهر كاملاً، فإذا بعد ذلك حصل بينهم طلاق أو فسخ فالزوج عليه أن يدفع المهر كاملاً للزوجة، وهذا ينتبهوا لها.

رابعاً: النظر لفرجها بشهوة؛ تزوج رجل فتاة عقد عليها ونظر إلى فرجها بشهوة، قال: يا شيخ لم يطأ ولم يخلُ ولم يلمس، فقط نظر إلى فرجها بشهوة، هل هذا يثبت المهر؟ قالوا نعم، يثبت المهر كاملاً على الزوج ولو طلقها بعد ذلك من دون وطء أو خلوة، بمجرد أن ينظر إلى فرجها بشهوة انتهى الأمر، عليه المهر كاملاً.

خامساً: تقبيلها، وهذه أخطر وأخطر؛ إذا قبل الزوج زوجته عليه المهر كاملاً، قال الحنابلة: ولو بحضرة الناس كما قال لكم الشيخ مرعي. تقبيلها لو بحضرة الناس؛ بتشوفوا أحياناً في الخطبة، يدخل الخاطب الجديد على زوجته بعد أن عقد عليها ويقبلها أمام الناس، تعرفوا اليوم العادات للأسف يقبلها أمام الناس وأمام النساء خصوصاً في القاعة على أساس أنه بدأت الحياة الزوجية بينهما، فبنقول لهذا الخاطب المتحمس: بمجرد أن قبلت زوجتك لخطيبتك -في عرفنا اليوم بنسميها أمام النساء في القاعة- وجب عليك المهر كاملاً، فلو اليوم الثاني قررت تطلقها بدك تدفع كامل المهر، ما في تنصيف. بمجرد أن قبل الرجل زوجته، سواء في خلوة أو أمام الناس، وجب عليه المهر كاملاً، فلو طلق وفسخ بعد ذلك عليه أن يدفع لها كل المهر كما يقول السادة الحنابلة.

إذاً: الوطء، الخلوة بشروطها، اللمس بشهوة، النظر لفرجها بشهوة، التقبيل. سادساً: إذا طلقها في مرضه المخوف؛ لذلك قال الشيخ مرعي: بطلاقها في مرض ترث فيه، وهو المرض المخوف كما تعلمنا سابقاً في كتاب المعاملات، وقلنا في كتاب الفرائض لما تكلمنا أن الرجل أو الزوج إذا طلق زوجته في مرضه المخوف وطلاقه بائن، فإننا لا نحرمها من ميراثها؛ كنا نتكلم ساعتها عن الميراث، لأنه متهم أنه يريد أن يحرمها من الميراث، سيعامل بنقيض مقصوده فترث منه هذه المرأة المطلقة البائن ولو انتهت عدتها ما لم ترتد أو تتزوج غيره.

ونفس الفكرة بالنسبة للمهر؛ إذا كان عندنا زوج لم يطأ ولم يخلُ ولم يلمس ولم ينظر ولم يقبل، أي لم يفعل أي شيء من الأمور الخمسة السابقة، رجل تزوج امرأة ونزل فيه مرض مخوف بمجرد ما عقد عليها، مرض نظن أنه يمكن أن يؤدي به إلى الموت، هذا الرجل الذي نزل به المرض المخوف ولم يحصل منه أي شيء من الأمور السابقة -لأن هو أصلاً إذا حصل منه وطء ولا خلوة ولا لمس ولا نظر ولا تقبيل انتهت الأمور والمهر الكامل استقر- فاحنا نتكلم عن شخص لم تحصل منه كل الأمور الخمسة، اليوم عقد عليها واليوم الثاني نزل به المرض المخوف فقال: والله بدي أطلقها.

في هذه الحالة لو طلقها، الآن هي ما عليها عدة -سيأتي معنا أن المطلقة قبل الدخول ما عليها عدة- فهو بمجرد ما طلقها بانت، ما في هنا شيء اسمه رجعية لأنها طلقت قبل الدخول، فمباشرة أصبحت حلالاً لغيره من الأزواج، لكن هل معنى هذا أننا نحرمها من المهر؟ قال الحنابلة: لا تُحرم من المهر، لماذا؟ قالوا لأنه هذا الرجل لما طلقها في مرضه المخوف نخشى أن يكون هذا الطلاق دافعه أن يحرمها من المهر، وسنعامله بنقيض مقصوده. مثل فكرة الميراث تماماً كيف عاملناه بنقيض مقصوده، فورثنا المرأة هنا، نفس الشيء إذا طلق قبل الدخول بأنه لا عدة كما حكينا، المرأة راح تصير مباشرة حلال لغيره لكننا سنعطيها المهر كاملاً، لماذا؟ لأن الزوجة متهمة في هذا الطلاق أنه طلق بقصد حرمان الزوجة من المهر، فيعامل بنقيض مقصوده، هذه هي الفكرة؛ فإذا من طلق في مرضه المخوف قبل أن يدخل بالزوجة وأن يفعل شيئاً مما يستقر به المهر فعليه أن يدفع المهر كاملاً معاملة له بنقيض مقصوده.

سابعاً وأخيراً مما يقرر المهر كاملاً موت أحد الزوجين؛ إذا مات أحد الزوجين قبل حصول الوطء والخلوة واللمس والنظر والتقبيل، شخص الآن عقد على فتاة بعد ساعة مات، لا حصل يا شيخ لا واطئ ولا خلوة ولا لمس، لسه المسكين بجوز ما شافها، موت أحدهما إذا مات الزوج أو الزوجة وجب للزوجة المهر كاملاً ولو لم يحصل شيء مما سبق، بمجرد موت أحد الزوجين يتقرر للزوجة المهر كاملاً؛ فإذا كان الزوج هو الذي مات فمن ورثته نعطي للزوجة، وإذا كانت الزوجة هي التي ماتت فالزوج يدفع مهرها لورثتها لأن المهر استقر كاملاً عليه. هذه الأمور السبعة التي يستقر بها المهر كاملاً أحبابي، ضبطتوها؟

إذا حصل وطأ خلوة بشروطها، أو لمس، أو تقبيل، أو طلاق في مرضه المخوف قبل الدخول أو موت أحدهما، استقر المهر كاملاً على الزوج. الآن بعد ما عرفنا الأمور التي يتقرر بها المهر كاملاً، دعوني أقرأها من كلام الشيخ مرعي وهي في نهاية الفصل.

قال الشيخ مرعي: «انظروا نهاية الفصل ويقرره كاملاً: موت أحدهما، ووطء أو وطؤها، ولمسه لها، ونظره إلى فرجها لشهوة؛ وكلمة لشهوة تقييد للمس وللنظر وليس تقييد للنظر فقط، لمسه لها ونظره إلى فرجها لشهوة الأمرين، وتقبيلها ولو بحضرة الناس، وبطلاقها في مرض ترث فيه». والمراد إذا طلقها في المرض المخوف، هذا المرض الذي ترث فيه. وبخلوته بها عن مميز إن كان يطأ مثله ويوطأ مثلها، وهي قضية الخلوة بشروطها، وأنا أضفت لكم بعض الشروط.

الآن نأتي إلى ما يسقط المهر كاملاً. نحن عرفنا الآن ما الذي يقرره كاملاً، والآن سأذهب إلى ما يسقط المهر كاملاً، ولاحظوا مع ذهابي وعودتي الشاشة تغيرت معالمها. أما ما يسقط المهر كاملاً بحيث لا يلزم الزوج أن يدفع منه شيئاً لزوجته، وإذا كان قد دفعه له أن يأخذه كاملاً ويسترده منها، فهي مجموعة أمور.

قال الشيخ مرعي: «يسقطه كاملاً حتى المتعة تسقط عنه». ماذا يعني المتعة؟ هذه المتعة موضوع سيأتي معنا إن شاء الله، وسنعرف متى تستحق المرأة المتعة. المتعة هي شيء مثل الهدية يدفعها الزوج لزوجته إذا طلقها قبل أن يقرر المهر، وكان لم يسمِّ لها مهراً.

مثلاً: تزوج رجل امرأة ولم يسمِّ مهراً في العقد، وقد قلنا إنه يجوز ألا يسميه. فإذا لم يتم تسمية المهر في العقد، وسبحان الله، قبل أن يحدث شيء مما يستقر به المهر كاملاً، قرر الزوج أن يطلق الزوجة ولم يسمِّ لها مهراً ولم يحدث ما يقرر المهر، وأراد أن يطلقها، في هذه الحالة يا أحبابي الكرام، بما أنه لم يسمِّ مهراً ولم يحدث ما يقرر المهر وطلقها، فعليه أن يدفع لها متعة هي هدية، كما قال تعالى: ﴿مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236]. هي هدية يهديها، وسيأتي معنا ضابطها وتفاصيلها، لا أريد الدخول فيها الآن، ستأتي إن شاء الله. المهم افهموا أنه يسقط المهر كاملاً حتى المتعة إن كانت هناك متعة، فإذا سقط المهر في واحدة من هذه الصور التي ذكرتها لكم، تسقط حتى المتعة.

ما هي الصور التي يسقط فيها المهر كاملاً؟ انظروا، قلت: يسقط المهر كاملاً إذا حصل -وسأكتب هنا كلمة وجود- قبل وجود ما يستقر به المهر. إذا حصلت واحدة من هذه الصور قبل وجود ما يستقر به المهر، يسقط المهر كاملاً وللزوج أن يسترد ما دفعه. وما الذي يستقر به المهر؟ هي هذه النقاط السبعة التي ذكرتها لكم، يعني قبل وجود وطء أو خلوة أو لمس أو نظر أو تقبيل.

الصور هي: أولاً، فرقة اللعان. إذا فرق بين الزوجين بسبب لعان وقع بينهما؛ شخص تزوج فتاة، وفي اليوم الثاني إذا به يتهمها بالزنا، فهي قالت: «أنا والله ما زنيت»، فذهبوا للمحكمة، والملاعنة بينهم كما ورد في سورة النور هي أن يقسم خمس شهادات بالله أنه لصادق وهي كاذبة، وهي تقسم خمس شهادات بالله. وسنعرف إن شاء الله عندما نأتي للأحكام أن اللعان يثبت الفرقة الأبدية بين الزوجين. فإذا فارق الزوج زوجته بسبب اللعان قبل أن يحدث ما يستقر به المهر، فهنا للزوج أن يسترد كامل المهر الذي دفعه للزوجة، ويسقط عنه المهر بالكلية.

الصورة الثانية التي يسقط بها المهر بالكلية: إذا فسخ الزوج لعيب في الزوجة. إذا فسخ الزوج بعيب وجده في الزوجة من العيوب التي ينفسخ بها النكاح، كأن وجدها رتقاً مسدودة الفرج، أو بها بخر في الفم، وهي العيوب التي ذكرناها سابقاً التي ينفسخ بها النكاح. فإذا وجد الرجل في زوجته عيباً من العيوب التي ينفسخ بها النكاح، وكان لم يحدث بينهما ما يستقر به المهر، فللزوج أن يسترد مهره كاملاً؛ فإذا قرر الفسخ يسترد مهره كاملاً ما دام لم يحدث بينهما ما يستقر به المهر، لا وطء ولا خلوة ولا شيء من ذلك.

الحالة الثالثة: إذا حدثت فرقة من قبل الزوجة، أي أن الزوجة هي التي تسببت بها. إذا حدثت فرقة بين الزوجين وكانت الزوجة هي التي تسببت بها، يسقط المهر بالكلية ما دام لم يحدث ما يستقر به المهر. ومثل هذه الفرقة التي تكون من قبل الزوجة ذكر لك الشيخ مرعي مجموعة من الأمثلة؛ الصورة الأولى: إذا فسخت الزوجة النكاح لعيب وجدته في الزوج، كأن وجدته عنيناً، أو به بخر في الفم، أو به بواسير أو ناسور أو غيرها من العيوب التي ذكرناها سابقاً. إذا قررت الزوجة أن تفسخ لعيب وجدته في الزوج، في هذه الحالة أيضاً يسقط المهر كاملاً عن الزوج.

قد تسأل سؤالاً هنا: لماذا يا شيخ إذا فسخ هو لعيب فيها، أو هي فسخت لعيب فيه، في كلا الحالتين أسقطتم المهر كاملاً عن الزوج؟ إذا كان هو قد فسخ لعيب فيها، فالفهم أن الزوجة هي التي دلست العيب وأخفت العيب، لكن في الصورة المعاكسة إذا هي فسخت لعيب في الزوج، مش المفروض أن الزوج هنا هو الذي دلس عليها ولم يخبرها بالعيب، فعليه أن يتحمل جزءاً من المسؤولية مثلاً فنكلفه بنصف المهر؟

لماذا سقط المهر في كلا الحالتين؟ يقول الحنابلة في موضوع الفسوخ بسبب العيوب: إن هذه الفسوخ الشرعية منحتها الشريعة الإسلامية للزوج أو الزوجة حتى يرفع الضرر الواقع عليها. اعتماداً على أن الشريعة أعطت الفسخ بسبب العيب للزوج وللزوجة في العيوب التي ذكرناها حتى لا يتضرر أحدهما في حياته. فإذا كان لم يحصل بين الزوجين وطء ولا خلوة ولا لمس ولا نظر، أي لم يحدث التماس مباشر، وعرف أحد الزوجين أن الطرف الآخر فيه عيب، يسقط المهر.

فقرر أن يفسخ. هنا يقولون مثل ما دخلنا مثل ما خرجنا. أنت أيتها الزوجة لم يطأك هذا الرجل ولم يخلو بك، ما حصل بينكم أي التقاء -بنعني به العلاقة الزوجية من لمس أو نظر- فأنت لم تتضرري بأي شكل من الأشكال بالنسبة لهذه الأمور، وعرفتِ أنه فيه عيب أو عرف أنه فيك عيب وقرر أي واحد منكما أن يفسخ. هنا قالوا: كما دخلنا كما خرجنا، ما في أحد تضرر، كل عاد إلى وضعه الطبيعي، خلص أنهينا العلاقة وكل عاد إلى وضعه الطبيعي.

فالمرأة لم تتضرر لحصول وطء مثلاً فيها، أو لمس أو شهوة بحيث تقل قيمتها عند الناس، هي لم يعملها أي شيء. والرجل أيضاً في نفس الوقت عاد من حيث بدأ، فلا نكلف الزوج بشيء من المهر أبداً، وكذلك الزوجة خرجت غير متضررة أبداً. ومن هنا جعلوا في كلا الحالتين الزوج لا يوجد عليه شيء من المهر، قالوا هذه هي الفلسفة؛ أنه هو الفسخ لرفع الضرر ولم يحصل بينهم ما يستقر به المهر، فبالتالي كما دخلنا كما خرجنا نعتبر كأنه لم يحصل شيء، والزوجة عادت سليمة نقية والزوج عاد سليماً، هو يرجع بكل المهر وهي خرجت من دون أن يحصل لها وطء أو ما قد يجعلها غير مرغوب فيها، فتنتهي القضية بالسلام بينهما.

هذه هي الفكرة عموماً كما ذكر الشيخ ابن عوض عندكم في الحاشية. فإذا كانت الفرقة هي التي تسببت بها كأن طلبت الفسخ لعيب وجدته فيه، أو الصورة الثانية: إذا أسلمت هي تحت كافر، كما معنا في المجلس السابق، إذا كانت هي مثلاً كتابية وزوجها كتابي وهي أسلمت، أو غير كتابية مثلاً مجوسية تحت مجوسي وهي أسلمت. إذا هي أسلمت نحن لا نقرها معه على التفصيل الذي درسناه سابقاً، يعني كان دخل بها أم ما دخل بها؟ بس نحن هنا نتكلم عن قبل الدخول. بالتالي إذا هي أسلمت تحت كافر مباشرة، ينفسخ النكاح، وكان الانفساخ بسببها لأنها هي التي أسلمت، هي كانت كافرة فكان النكاح قائماً، ثم قررت أن تسلم مباشرة فينفسخ النكاح بينهم ما دام أنه ما في دخول. بالتالي هي التي تسببت في الفسخ، فمنقول لها يسقط المهر كاملاً وللزوج الأحقية في استرداده. كذلك لو كانت الصورة معاكسة؛ مسلم مع مسلمة، المسلمة هذه ارتدت، فبما أنه لم يحصل دخول بالتالي سينفسخ النكاح مباشرة كما تعلمنا، وهي التي تسببت في انفساخه لأنها هي التي ارتدت، بالتالي يسقط المهر كاملاً وللزوج أن يستردد.

الصورة الرابعة قضية الرضاعة. يقولون اشهدي كيف تتصور قضية الرضاع؟ لو أن رجلاً عنده زوجة، وعنده زوجة طفلة عمرها سنة، يصير يعقد عليها بس ما يصير يطأها حتى تصبح تقدر على هذا الوطء. بعض الناس يظن أنه ما يصير يعقد على طفل عمرها سنة، لا، يصير يعقد عليها لكن لا يستطيع أن يطأها حتى تصبح قادرة على الوطأ. فعموماً ليس من شرط العقد على الفتاة أن تكون مميزة، هذا ليس عندنا.

قالوا مثلاً: رجل كما قلنا عنده زوجة عمرها سنة، وزوجة ما شاء الله عمرها عشرين سنة. هذه الزوجة التي عمرها عشرين سنة عملت حركة في هذا الرجل، لما عرف أنه تزوج واحدة عمرها سنة، الزوجة الكبيرة -قالوا- أرضعت الزوجة الصغيرة التي عمرها سنة، لا تزال ترضع. ذهبت الزوجة الكبيرة وأرضعت الزوجة الصغيرة، فأصبحت هذه الزوجة أماً لهذه الزوجة من الرضاعة. وبما أن الزوجة الكبرى أصبحت أماً لهذه الزوجة الصغرى من الرضاع، أصبحت محرمة على زوجها؛ لأن هذه الزوجة الكبيرة أصبحت أماً لزوجته الصغيرة من الرضاع، كأنها حماته، والرجل ما يصير يتزوج حماته. كأن هذا الرجل زوجته الصغيرة لها أم من الرضاع، هل يجوز للرجل أن يتزوج أم زوجته من الرضاع؟ لا يجوز للرجل أن يتزوج أم زوجته من الرضاع؛ أنا تزوجت امرأة وهذه المرأة لها أم من الرضاع، ما يصير أنا أتزوج أمها من الرضاع، انتبهوا على هذه الفكرة.

فبالتالي إذا هذه الزوجة الكبرى أرضعت الزوجة الصغرى صارت أمها من الرضاع، انفسخ نكاحها مباشرة مع هذا الرجل لأنها أصبحت بمثابة حماته، وبالتالي هي التي تسببت في انفساخ النكاح. من الذي تسبب في انفساخ النكاح؟ الرجل ولا الزوجة الكبرى؟ الزوجة الكبرى، لما أرضعت الزوجة الصغرى صارت أماً لها من الرضاع ففسخ نكاحها مع زوجها، وهكذا كانت هي المتسببة فيه. فللزوج أن يطالب بكل المهر ما دام لم يحدث بينه وبين الزوجة الكبرى ما يستقر به المهر، لم يحصل وطء ولا خلوة ولا لمس ولا نظر ولا تقبيل. طيب من أين أتى الحليب لهذه الزوجة يا شيخ؟ ممكن تكون مثلاً متزوجة من زوج سابق ثم تزوجت هذه، فيأتيها الحليب بطريقة من الطرق، ندخل في التفاصيل.

جيد، إذا هكذا بنكون انتهينا من الصور التي يسقط فيها المهر بالكلية. قال الشيخ، دعونا نقرأ ماذا قال؟ قال الشيخ مرعي: «يسقط كله أي كامل المهر قبل الدخول». في الحقيقة أنا ابتعدت عن عبارة الشيخ مرعي "قبل الدخول" وعبرت بعبارة "قبل وجود ما يستقر به المهر"؛ لأن كلمة الدخول يفهم منها عند البعض الطلب الوطء، والحقيقة الأمر أوسع من الوطء، فهناك الوطء وهناك الخلوة وهناك اللمس. يعني ما يستقر به المهر ليس مجرد الدخول، هكذا بعض الناس يفكر، أن المهر يستقر كاملاً بس إذا دخلت فيها وطئت، الحقيقة الأمر أوسع؛ هناك الوطء، الخلوة، اللمس، النظر، والتقبيل كما شفتوا، فلذلك أنا استعملت العبارة الأدق علمياً هنا فقلت: إذا يسقط كله قبل وجود ما يستقر به المهر سواء كان دخولاً أو غيره، لذلك غيرت العبارة أنا.

يسقط كله قبل الدخول حتى المتعة إذا حصل فرقة اللعان، أو فسخ لعيبها، وبفرقة من قبلها، مثل الفرقة التي من قبلها كفسخها هي لعيب وجدته فيه، أو إسلامها تحت كافر، أو ردتها تحت مسلم، أو رضاعها من ينفسخ به نكاحها. يعني إذا أرضعت الزوجة شخصاً بإرضاعها لهذا الشخص ينفسخ نكاحها من زوجها، وهذا هو المثال المشهور؛ إذا أرضعت الزوجة الكبرى الزوجة الصغرى أصبحت أماً لها من الرضاع فينفسخ نكاحها من زوجها، ففي كل هذه الصور يسقط المهر بالكلية.

بقي علينا الصورة الثالثة وهي الصورة التي يتنصف فيها المهر، يكون على الزوج فقط أن يدفع النصف فقط. هذه الصورة ضابطها العام، أو هناك ضابطان عامان لها؛ الضابط الأول يقولون أي فرقة من قبل الزوج أو من قبل أجنبي.

أجنبي، يعني طرف ثالث ليس للزوج ولا للزوجة. أي فرقة يتسبب بها الزوج أو يتسبب بها شخص أجنبي، فعلى الزوج أن يدفع فيها النصف للزوجة، إذا لم يحصل بينهما ما يستقر به المهر. أضيفوا هذه المعلومة حتى تكتمل.

إذا حدثت فرقة من قبل الزوج، أو من قبل أي شخص أجنبي، ولم يحدث بين الزوج وزوجته ما يستقر به المهر، هنا الزوج عليه أن يدفع نصف المهر لزوجته. وأتمنى أن تكتبوا هنا: نصف المهر المسمى؛ لأنه إذا كان المهر غير مسمى ولم يفرض لها مهر المثل بعد، فهنا سيدفع الزوج المتعة فقط. فنقول: يتنصف به المهر المسمى، أو مهر المثل إن كان قد تقرر لها.

الفرقة من قبل الزوج، أي تسبب بها الزوج، أو فرقة تسبب بها شخص أجنبي، قبل وجود ما يستقر به المهر بين الزوجين، قبل وجود خلوة أو لبس أو نظر أو تقبيل. الشيخ مرعي قال: ويتنصف بالفرقة من قبل الزوج، كأن كان يطلق الزوج زوجته، أو يخالعها، أو أن يسلم، أو أن يسلم وهي لا تحل له؛ بأن كانت مجوسية مثلاً، أو هو الذي ارتد وهي كانت مسلمة.

ففي كل هذه الأمور، ما دام لم يحصل ما يستقر به المهر والفرقة كانت تسبب بها الزوج، فعلى الزوج أن يدفع نصف المهر المسمى، أو نصف مهر المثل إن كان قد تقرر لها. فزوج تزوج امرأة وقبل حصول ما يستقر به المهر من وطء وخلوة ونحوها طلقها، ماذا عليه؟ إذا كان الزوج هو الذي طلق، فالموضوع طلاق وليس فسخاً، وفي أي حال الزوج عليه أن يدفع نصف المهر المسمى أو نصف مهر المثل إن تم تقديره.

إذا كان الأمر بينهما قد وقع على المخالعة، وهي قالت له: «يا عمي أريد أن أخلع منك»، فهو وافق على الخلع، أيضاً إذا وقع الأمر على المخالعة، ستأتي أحكام المخالعة، وعلى الزوج أن يدفع نصف المهر المسمى أو مهر المثل إن كان قد تم تقريره. وإذا كان الزوج قد أسلم، فهذه عكس المسألة السابقة؛ مثلاً رجل مجوسي ومجوسية، أسلم الرجل، فينفصل النكاح مباشرة ما دام لم يحصل بينهما ما يستقر به المهر، وينفسخ النكاح مباشرة، والذي تسبب هو الزوج لأنه هو الذي أسلم. والعكس، إذا كانت مسلمة وارتد هو، وبما أنه لم يحصل ما يستقر به المهر سينفسخ النكاح مباشرة، بالتالي هو الذي تسبب فعليه أن يدفع نصف المهر المسمى أو نصف مهر المثل إن تم تقريره.

إذن متى حصلت الفرقة من قبل الزوج؟ كطلاقه، وخلعه، وإسلامه، وارتداده، هذه أمثلتها، فعليه أن يدفع نصف المهر المسمى أو نصف مهر المثل المقدر. إلا صورة واحدة استثنيناها، وهي أن الفرقة كانت من قبل الزوج وأسقطنا المهر عنه بالكلية، وهي الصورة التي لديكم هنا؛ إذا كان الزوج هو الذي قرر الفسخ لعيب في زوجته.

هنا يعتبرون المهر ساقطاً بالكلية للفلسفة التي قدمتها لكم قبل قليل في موضوع الفسخ للعيوب؛ عرفنا إذا فسخ لعيب فيها أو فسخت لعيب فيه، في كلا الحالتين يسقط المهر بالكلية. فهاي الحالة الوحيدة يمكن يكون الأمر فيها أن الفرقة جاءت من قبل الزوج لما قرر أن يفسخ لعيبها، لكن أسقطنا عنه المهر بالكلية.

أما الأمور الأخرى من التفرق الذي يكون سببه الزوج، فالزوج هنا في الحقيقة عليه أن يدفع نصف المهر المسمى أو نصف مهر المثل إن تم تقديره، سواء كان قد طلق أو خالع أو هو الذي أسلم وكانت تحته امرأة غير كتابية، أو ارتد وتحته امرأة مسلمة.

ويمكن أن تكون الفرقة بسبب شخص أجنبي. كيف يعني شخص أجنبي؟ لو أن شخصاً أجنبياً تسبب بعملية رضاع أفسدت العلاقة الزوجية بين الشخصين. سأعطيكم هذا المثال: عندنا زوج عنده زوجة صغيرة جداً عمرها سنة، وأخت هذا الزوج متزاعلة مع أخيها، فقالت: «سأخرب النكاح عليك»، فذهبت هذه الأخت وأرضعت هذه الزوجة الصغيرة.

لما هذه الأخت ترضع الزوجة الصغيرة، صارت هذه الزوجة الصغيرة بنتها من الرضاع، وصار هذا الزوج خالاً لهذه الزوجة من الرضاعة، ولا يجوز للفتاة أن تتزوج خالها من الرضاعة. فهذه المرأة نعتبرها طرفاً أجنبياً عن عقد النكاح بين هذا الزوج وهذه الزوجة، هي عبارة عن طرف أجنبي قام بإفساد النكاح بين هذين الزوجين لما قامت بعملية الرضاع للزوجة الصغيرة.

إذا أفسدت النكاح قبل وجود ما يستقر به المهر، فعلى الزوج أن يدفع نصف المهر المسمى، أو نصف مهر المثل إن كان قد تم تسميته لهذه الزوجة الصغيرة. ولكن اكتبوا: إنه يستطيع أن يعود بهذا النصف الذي دفعه على أخته التي أفسدت عليه النكاح، يعني لا نظلمه. نحن نقول له: الذي أفسد النكاح بينكما شخص أجنبي، فأنت كزوج يجب أن تدفع نصف المهر المسمى، ولكن ما دفعته لك الصلاحية أن تعود به على الشخص الأجنبي الذي أفسد عليك النكاح؛ فترجع على أخته وتقول لها: «أنا دفعت نصف المهر، أعطيني لأنك أنت التي تسببت بهذا الموضوع».

إذن إذا حدثت فرقة من قبل الزوج أو من قبل أجنبي قبل وجود ما يستقر به المهر، أرجو أن تكتبوها: الكلام فعلاً هو في حالة قبل وجود ما يستقر به المهر. إذا حصلت فرقة من قبل الزوج أو من قبل أجنبي قبل وجود ما يستقر به المهر، ففي هذه الحالة الزوج عليه أن يدفع نصف المهر المسمى أو نصف مهر المثل إذا تم تقديره للزوجة. وفي حالة كان الذي سبب للتفرقة شخصاً أجنبياً، هذا النصف سيعود به الزوج على ذاك الشخص الأجنبي يطالبه بالتعويض.

الحالة الثانية التي يتنصف بها المهر، إذا ملك أحد الزوجين الآخر قبل وجود ما يستقر به المهر. سأضع مؤشراً هنا؛ رقم واحد ورقم اثنين كلاهما مرتبط بمسألة وجود ما يستقر به المهر. فإذا ملك أحد الزوجين الآخر قبل وجود ما يستقر به المهر...

على الزوج أن يدفع نصف المهر للزوجة وانفسخ النكاح بينهما. وهذه مثلنا لها سابقًا لكن أذكركم بها. هذا رجل حر عنده زوجة أمة، كان مثلاً يخشى على نفسه العنت ولا يجد طلاءً، فحل له أن ينكح أمة. فرجل حر عنده أمة متزوج بأمة، سيد هذه الأمة وهب هذه الأمة لهذا الحر أو ملكه إياها، فأصبح هذا الحر يملك زوجته بعقد الإيماء.

وعرفنا أنه بمجرد ما أن أحد الزوجين يمتلك الآخر امتلاك العبودية والإيماء ينفسخ النكاح؛ لأن حقوق الزوجية تختلف عن حقوق العبيد والإماء. فبالتالي إذا هذه الأمة أصبحت ملكًا لزوجها، هنا انفسخ النكاح، وهذه أول جزئية. وبما أنه لم يحصل بينهم ما يستقر به المهر من وطء وخلوة ونحوها، فالزوج عليه أن يدفع لهذه الأمة التي انفسخ نكاحه منها نصف المهر المسمى.

كذلك لو حصل الأمر بالعكس، لو كانت الزوجة هي الحرة والزوج هو العبد. عندنا امرأة حرة متزوجة من عبد، سيد هذا العبد وهب هذه المرأة الحرة العبد، قال هذا ملكك لزوجته، فأصبح الآن ملكًا لها، وانفسخ النكاح بينهما، ولكن المرأة تستحق نصف المهر؛ تستحق المرأة نصف المهر المسمى أو نصف مهر المثل إن كان قد تم تسميته. لأن الانفساخ في الحقيقة حدث بسبب وقوع التملك بينهما، الانفساخ حصل بسبب وقوع التملك بينهما ليس له علاقة بالزوج الساسر ولا بوجود علاقة للزوجة، فبالتالي الزوجة تبقى تحافظ على حقها بنصف المهر المسمى أو نصف مهر المثل إذا تم تعيينه.

لذلك إيش قال الشيخ مرعي: «ويتنصف أي المهر بالفرقة من قبل الزوج كطلاقه وخلعه وإسلامه وردته وبينتها لكم، وبملك أحدهما للآخر». إذا امتلك أحد الزوجين الطرف الآخر، هنا الزوج عليه أن يدفع نصف المهر. وهي معطوفة على «من قبل الزوج»، وكنت أتمنى أن الشيخ مرعي ربطها مع بعضها البعض ولم يفصل بينهما، يعني «بالفرقة من قبل الزوج أو من قبل أجنبي»، هكذا كان الأصل يقول: «وتتنصف بالفرقة من قبل الزوج كطلاقه وخلعه وإسلامه وردته، أو بالفرقة من قبل أجنبي كرضاع ونحوه»، ثم يقول: «بملك أحدهما للآخر»، ففصل وبملك أحدهما للآخر بين الجملتين، شوي عامل دربكة كما يقولون.

إذا عرفنا متى يتنصف المهر: فرقة من قبل الزوج أو من قبل أجنبي قبل وجود ما يستقر به المهر، أو إذا ملك أحد الزوجين الآخر قبل وجود ما يستقر به المهر. هكذا أحبابي الكرام نكون انتهينا من قراءة هذا الفصل كاملاً، وعرفنا ما يستقر به المهر كاملاً. إذا وقع شيء من هذه الأشياء التي يستقر بها المهر، فالمهر كاملاً واجب. وإذا لم يحصل ما يستقر به المهر، فإما أن يحصل إسقاط بالكلية وإما أن يحصل تنصيف.

شوف كيف الفلسفة لما أفكر فيها، ممكن أنت ترجع ترسم هذا المخطط بطريقة أخرى؛ فتقول مثلاً الصداق إما أن يحدث ما يستقر به المهر أو لا يحدث ما يستقر به المهر. هذا تشجير آخر، أنا أحب التشجيرات لأنها كلها توضح الأفكار أكثر وأكثر. فتقسم الصداق: ينقسم إلى إما أن يحدث ما يستقر به المهر أو لا يحدث ما يستقر به المهر.

فهنا تقول: ما إذا حدث ما يستقر به المهر فتذكر ما يحصل من استقرار كالوطء، الخلوة بشرطها، اللمس بشهوة إلى آخره، فتذكر الأمور التي يستقر بها المهر، فمتى حصل واحد منها استقر المهر كاملاً. وإذا لم يحدث ما يستقر به المهر فهنا حالتان: إما أن يسقط المهر بالكلية، وإما أن يتنصف به المهر. فتبدأ بالحالة التي يسقط بها المهر بالكلية وتذكر الصور التي ذكرناها تحتها، ثم تأتي الحالة التي يتنصف بها المهر فتذكر الصور تحتها.

هذه طريقة أخرى للتجهيز ممكن تكون أوضح عند البعض. إذا الصداق إما أن يحدث ما يستقر به المهر أو لا يحدث، إذا حدث ما يستقر به المهر خلاص تقرر المهر كاملاً وتذكر الصور السبع التي يستقر بها المهر. وإذا لم يحدث ما يستقر به المهر فإما أن يسقط بالكلية كما ذكرنا، وإما أن يسقط نصفه ويبقى نصفه، وهكذا نكون أيضًا وضحنا الفكرة.

انتقل معكم إلى فصل جديد. قال: «فصل: وإن اختلف في قدر الصداق أو جنسه أو ما يستقر به، فقول الزوج أو وارثه إذا كان الزوج توفاه الله». زوج مع زوجة اختلفوا في قدر الصداق، الزوج قال أنا دفعت مهر خمسين ألفًا، والزوجة قالت ستين ألفًا، وما في بينة، فالقول قول من عند القضاء؟ اليمين على الزوج والبينة على الزوجة، فالقول قول الزوج هو الذي يحلف يمينًا فقط، هو المنكر للزائد، والزوجة التي تقول لا، المبلغ أكثر من هيك هي التي تأتي بالبينة على أن المبلغ أكثر مما ذكر الزوج، وإذا كان الزوج متوفى فالورثة يقومون مقامه. إذا وقع خلاف في قدر الصداق فالقول قول الزوج لأنه هو الدافع.

وكذلك إن اختلفوا في جنسه، الزوج قال والله أنا دفعت غنمًا، قلت لها خمسين رأس غنم، والزوجة تقول لا حكى خمسين رأس بقر، والزوج يقول لا والله حكيت غنم، والزوجة تقول لا بقر، مين الذي عليه البينة ومين الذي عليه اليمين؟ اليمين على الزوج والبينة على الزوجة، لأن الزوج هو الغارم في هذه الصور.

وإن اختلف في قدر الصداق أو اختلف في جنسه أو ما يستقر به؛ إذا اختلف الزوج والزوجة، الزوج قال والله لم يحدث بيننا ما يستقر به الصداق، ما حصل وطء ولا خلوة ولا لمس ولا تقبيل، والزوجة طبعًا لصالحها أن تقول لا، حصل بيننا ما يستقر به الصداق حتى تأخذ المهر كاملًا، حصل بيننا خلوة أو لمس أو تقبيل أو وطء، والزوج ينفي حصول ما يستقر به الصداق، والزوجة تقول حصل ما يستقر به الصداق، فالقول قول الزوج حتى تأتي الزوجة بالبينة. ففي كل هذه المسائل الثلاث، إن اختلف في كم مبلغ الصداق، أو اختلف في جنسه هو ذهب ولا فضة، هو غنم ولا بقر، أو اختلف هل حدث ما يستقر به ولا ما حدث، فالقول قول الزوج أو وارثه باليمين، والزوجة هي التي عليها البينة. وأما إذا كان الخلاف بينهم أن الزوج يقول أقبضتك المهر وسلمتك إياه، والزوجة تقول لا والله ما أقبضني، فالقول قول الزوجة.

والزوج هو الذي عليه أن يأتي بالبينة أنه سلم؛ لأن الأصل براءة الذمة، فالأصل أن الزوجة لم تستلم شيئًا حتى يثبت ذلك، فبالتالي الذي يدعي أنه سلم وهو الزوج هو الذي عليه أن يأتي بالبينة.

والزوجة في منها باليمين، أو اختلفوا في تسمية المهر؛ انتبهوا، المراد اختلفوا في تسمية المهر ليس في مقداره، بل اختلفوا هل تم تسمية المهر أثناء العقد أم لم يتم تسميته. الرجل الزوج يقول لم يتم ذكر أو تطرق للمهر في عقد النكاح، والمرأة تقول لا، تم التطرق للمهر في عقد النكاح.

القول قول من؟ الخلاف ليس في مقداره، ركزوا؛ الخلاف هنا هل تم ذكر مهر في العقد أم تم العقد من دون ذكر المهر؟ الزوجة تقول العقد تم ذكر المهر فيه، تمت التسمية بغض النظر ماذا المسمى، هي تقول تمت التسمية فيه. الزوج يقول لا، لم يتم تسمية أي مهر في عقد النكاح. هنا يعتبر أيضًا القول قول الزوجة؛ لأنه الأصل والظاهر أن العقود يذكر فيها المهر، وعدم ذكر المهر أثناء العقد هذه حالة استثنائية مخالفة للظاهر، فعلى الزوج أن يثبتها بالبينة.

لذلك في كلا المسألتين، مسألة هل قبضت المرأة المهر أم لم تقبضه، أو هل تم ذكر المهر في العقد أم لم يتم ذكره، القول قول المرأة أو وارثها إذا كانت ميتة، والزوج هو المطالب بالبينة.

ثم قال: «وإن تزوجها بعقدين على صداقين سرا وعلانية أخذ بالزائد». بعض الناس إخواني الكرام يعملون هذه العادة، يتزوج المرأة ويعمل عقدين، عقد سري وعقد علني. ماذا يفعل؟ يعمل عقدًا سريًا بينه وبين وليها، ويقول المهر مثلا ألفان دينار، لكن يقول لوليها: اسمع، سنعمل عقدًا ثانيًا أمام الناس علنيًا، وتحكي أنه المهر عشرون ألف دينار، فيذهبون ويعملون عقدًا علنيًا.

يأتي الزوج مرة ثانية مع ولي الفتاة وأمام الناس، مشان يتبجح ويتفاخر ويبين أنه رجل مكرم الجماعة، يقول لك: خلص المهر عشرون ألف دينار، مع أنه سريًا انعقد على ألفين دينار فقط. نقول إذا تم صنع عقدين، سري وعلانية، وكان المبلغ مختلفًا بينهما، فالأعلى هو الذي يلزم به الزوج.

يعني يستطيع الولي أن يسلم هذا الزوج ويقولوا له: أنت الآن ملزم شرعًا بالعشرين ألف دينار. الزوج يأتي ويقول له: لا يا رجل، مش نحن اتفقنا أن العقد بيننا هو سري على الألفين، وهذا بس من أجل المفاخرة؟ يقولوا له: والله أنا قرأت مذهب الحنابلة، والحنابلة يقولون إذا تم إجراء عقدين سري وعلانية واختلف المهر بينهما فالعبرة بالزائد، فأنت ملزم بالزائد وعليك العشرين ألف دينار، وهي تورطت. إذن هو بستان في الحقيقة؛ لأن هذا كذب، ويستحق هذا أنه يكذب على الناس ويتبجح بما لا يحق له. إذن: «وإن تزوجها بعقدين على صداقين أو مهرين مختلفين سرا وعلانية أخذ بالزائد»، أي الرجل الزوج ملزم بالزائد منهم.

وهدية الزوج، لها مسألة جديدة، مسألة هدايا تكون بين الأزواج. زوج أهدى للفتاة، أو لوليها أحيانًا برضه يعطيه هدية، هل له أن يرجع في الهدية؟ في الحقيقة هي مسألة فيها تفصيل وهي مهمة لأن كثيرًا ما يصير فيها خلافات الآن.

وهدية الزوج، أولًا للزوجة أو لوليها ليست من المهر؛ هذه أول معلومة نريد معرفتها، هدية الزوج للزوجة أو لوليها لا تعتبر من المهر، ليست من المهر.

فما قبل العقد، إن وعدوه أن يزوجوه ولم يفوا، يرجع بها الهدية. إذا لم يتم إجراء عقد، ما صورة المسألة هذه؟ إنسان راح يخطب فتاة واتفق مع أهلها وقالوا له: خلص، بيننا تراكن وهذه البنت لك، إن شاء الله نجري العقد يوم الجمعة. هو راح عليهم أي يوم، يوم الثلاثاء، جلس مع البنت وأعجبته وحبته وجلس مع وليها واتفقوا ووعدوه، قالوا له: خلص هذه الفتاة لك، متى نعمل العقد؟ قالوا له: يوم الجمعة. ممتاز. صاحبنا يوم الأربعاء زار الجماعة وجاب هدية للفتاة، ويوم الخميس زار الجماعة وجاب هدية ليس للفتاة فقط بل لها ولأبيها أيضًا، وجاء يوم الجمعة، فإذا بيوم الجمعة اتصل والد الفتاة بهذا الزوج يقول له: سامحنا، نحن صح وعدناك ولكن لا نريد أن نزوجك. يا جماعة الخير، مش اتفقنا وجبت لكم هدايا؟ قال له: صح، ولكن خلص يا عمي نحن ما كتبنا عقدًا معك ولا نريد إياك لسبب من الأسباب.

هنا إذا وعدوه بالزواج ولم يفوا، كل الهدايا التي أهداهم إياها له الأحقية أن يرجع فيها، فيرجع على أبيها وعليها، بنقول لهم: ارجعوا لي الهدايا، أنتم وعدتموني وأخلفتموني. أما إذا كان هو الذي ترك الزواج، يعني جاء يوم الجمعة، وهو نفس الزوج سبحان الله رأى رؤية وهو نائم، رأى شيئًا، قال: بطلت أتزوج، ترك الزواج أصلًا. أو مثلاً الزوجة ماتت، استيقظنا يوم الجمعة على فاجعة، عافاني الله وإياكم، أن العروس التي نريد أن نخطب عليها ماتت، يعني الجماعة يريدون أن يوفوا بوعدهم ولكن قدر الله وما شاء فعل، إذا كانت القضية بهذه الصورة فالزوج لا يرجع بالهدايا، أو هو أصلاً ليس زوجًا، الخاطب لا يرجع بالهدايا إذا كان هو الذي ترك الزواج أو الفتاة ماتت.

في هذه الحالة لا يرجع بالهدايا. إذاً قبل العقد، هناك تفصيل: إذا وعدوه بالزواج ولم يوفوا الجماعة معه له أن يرجع بالهدايا، وإذا هو الذي ترك الزواج أو الفتاة ماتت فإنه لا يرجع بالهدايا.

وأما بعد العقد، وهي الصورة الثانية، وهو لم ينص عليه هذا التفصيل؛ قال: «فما قبل العقد إن وعدوه ولم يوفوا رجع بها، وترد الهدية في كل فرقة مسقطة للمهر، وتثبت كلها مع مقرر له أو لنصفه».

إذا تم العقد، هنا نرجع للتفصيل السابق الذي ذكرناه: كل فرقة مسقطة للمهر كاملًا مما ذكرنا قبل قليل الحالات التي يسقط فيها المهر كاملًا، مثل فرقة اللعان، أو فسخه لعيبها. إذا كانت الفرقة من قبلها، الفرقة التي يسقط المهر كاملًا، ترد فيها الهدية، يستطيع الرجل أن يطالب برد الهدية. أما الأحوال التي يتنصف فيها المهر أو يستقر فيها كاملًا، ففي هذه الأحوال لا ترد الهدية، وليس له الحق في رد الهدية. فإذا كان وطئها، خلا بها، لمسها، خلص المهر واستقر كاملًا، فلو حصلت فرقة بعد ذلك الزوج سيدفع المهر كاملًا، فإذا كان في هدايا لا يستطيع استردادها، وكذلك الصور التي يتنصف فيها.

فيها المهر، وهي كل فرقة من قبل الزوج أو الزوجة قبل حصول ما يستقر به المهر، أو تملك أحد الزوجين الآخر قبل ما يستقر به المهر. فمتى باختصار يتنصف المهر أو يستقر كاملاً ثم حدثت الفرقة، فإن الزوج ليس له أن يسترد الهدايا؛ فإذاً هذا حكم هدايا الزوج لزوجته. قبل العقد عرفنا التفصيل، وبعد العقد فالتفصيل على ما ذكرناه: كل فرقة مسقطة للمهر كاملاً يمكن أن تسترد معه هديتك، وكل فرقة يتنصف بها المهر أو يستقر كاملاً ليس لك أن تسترد فيها الهدية.

ثم قال: «ولمن زوجت بلا مهر، وبمهر فاسد، فرض مهر مثلها عند الحاكم، وإن تراضيا بينهما، أو فيما بينهما ولو على قليل صح ولا لزمة». الآن إخواني الكرام، إذا بتذكروا إحنا وضعنا قاعدة عامة في الصداق: الصداق إذا لم يتم ذكره في العقد، أو تم ذكر صداق فاسد لا يصح، وجب مهر المثل. قلنا الصداق إذا لم يتم تسميته في عقد النكاح، أو تم تسميته وكانت التسمية فاسدة غير صحيحة، هنا سننتقل إلى مهر المثل.

اتفقنا، فهناك حالتان ينتقل فيهما إلى مهر المثل: إذا لم يتم التطرق أصلاً إلى المهر في عقد النكاح، أو تم التطرق إليه وكانت التسمية فاسدة. في كلا الحالتين ننتقل إلى مهر المثل، لكن هنا الآن لابد من شيء من التفصيل. مهر المثل له صورتان: إذا تم تفويض المهر -وبدنا نحافظ على هذا المصطلح الآن، هذا سأبين لكم ما معنى التفويض- أو إذا كانت تسمية المهر فاسدة، كأن ثم جعل المهر خمراً أو خنزيراً أو معازف، إلى غير ذلك من الأمثلة التي ذكرناها على المهر الفاسد. متى كانت التسمية فاسدة ننتقل لمهر المثل.

الصورة الأولى خلونا نرجع لها لأنه الآن سأفصل فيها، إذا تم تفويض المهر. تفويض المهر على نوعين في الحقيقة عند الحنابل، ولكن ما يسمى تفويض بضع، وهناك ما يسمى تفويض مهر؛ هيك بقسمه: تفويض بضع وتفويض مهر.

نبدأ بتفويض البضع، ما معنى تفويض البضع؟ تفويض البضع يقولون إن الأب الذي له أن يجبر ابنته على النكاح، له أن يزوجها بدون أن يذكر مهراً في عقد النكاح. وكذلك الأب الذي ليس له أن يجبر ابنته، أو باقي الأولياء؛ لأن باقي الأولياء عرفنا ليس لهم أصلاً صلاحية إجبار أي فتاة على النكاح. فالأب الذي ليس له أحقية أن يجبر ابنته، وكذلك باقي الأولياء عموماً على الإطلاق، إذا استأذنوا الفتاة في تزويجها بدون ذكر المهر في عقد النكاح وقبلت ذلك، فهذا يسمى تفويض بضع.

إذن تفويض البضع في الحقيقة، تقول الأب الذي له أن يجبر ابنته، وكذلك الأب الذي ليس له الإجبار وباقي الأولياء. لأن باقي الأولياء يعني، شف الأب عرفنا أنه في حالة له أن يجبر ابنته على النكاح ودرسناها سابقاً، وهذا ليس له فيها أن يجبر، وباقي الأولياء عرفنا أنه ليس لهم أن يجبروا مطلقاً. فالأب إذا كانت عنده ابنة له أن يجبرها على النكاح، فله أن يزوجها بعقد من دون أن يذكر فيه مهراً، مش حاجة أنه يستأذنها، له أن يزوجها بعقد من دون أن يتطرق فيه إلى ذكر المهر. يجي الأب يقول للعريس: «زوجتك بنتي فلانة الفلانية على كتاب الله وسنة رسوله»، ويقول العريس: «قبلت»، وانتهى الأمر من دون ما يأخذ رأيها، أنه يا بنتي بدك أذكر المهر ولا ما نذكر المهر؟ بدون ما يستأذنها له أن يزوجها من دون أن يذكر مهراً.

وأما إذا كان الأب ممن ليس له الإجبار، فإِن كان مثلاً ابنة حرة ثيب على ما تم تفصيله سابقاً، عمرها تسع سنوات فصاعداً؛ فالأب الذي ليس له أحقية الإجبار وباقي الأولياء، فهؤلاء ليس لهم أن لا يذكروا المهر لعقد النكاح إلا بعد استئذان البنت. فيأتي هذا الأب الذي ليس له أحقية الإجبار، أو يأتي باقي الأولياء مثلاً إذا كان وليها عمها أو أخوها، يقولون لها: هل تأذنين لي أن أزوجك من دون ذكر مهر؟ إذا قالت: أذنت لك، فله حينئذ أن يزوج من دون ذكر مهر، فيقول: زوجتك بنتي من دون أن يذكر المهر. إذا هي ما أذنت، ليس له أن يزوجها من دون ذكر المهر.

فإذاً في تفصيل في قضية تفويض البضع. هذا كله اسمه تفويض بضع؛ أن الولي يزوج الفتاة من دون أن يذكر أصلاً المهر في عقد النكاح. وله صورتان: صورة أولى إذا كان الأب الذي له أن يجبر ابنته، فله أن يفوض البضع من دون أن يستأذنها. الصورة الثانية صورة الأب الذي ليس له أحقية الإجبار وصورة باقي الأولياء، فهؤلاء ليس لهم أن يفوضوا البضع إلا إذا استأذنوا.

جميل، أما تفويض المهر أحبائي الكرام؛ لتفويض المهر معنا أن الولي يقول للزوج الخاطب: «زوجتك ابنتي على ما شئت»، أو «على ما شاء فلان». أن الولي يقول للخاطب: ها ما عيّنا له مهر، ها تطرق للمهر لكن تم تعليقه على مشيئة، هذا اسمه تفويض مهر. الولي يقول، ولي الفتى يقول للخاطب: «زوجتك ابنتي على ما شئت، علّم ما بدك إياه»، أو «زوجتك ابنتي على ما شاء شيخ العشيرة»، أو «على ما شاء شيخ المسجد». هذا اسمه تفويض مهر؛ أنه هو المهر تم التطرق إليه لكن فوض تعيينه إلى الزوج أو إلى شيخ أو شخص أجنبي أو إمام مسجد أو شيخ عشيرة.

فإذا تم تفويض المهر بهذه الصيغة: «زوجتك على ما شئت» أو «شاء فلان»، وهنا أيضاً نفس التفصيل؛ هذه الصيغة تصح أن تصدر ممن إذا كان الأب ممن له أن يجبر ابنته على النكاح، له أن يفوض المهر بهذه الصيغة. إذا كان الأب ممن ليس له أن يجبر أو كان باقي الأولياء، فهؤلاء تفويض المهر عندهم حتى يستأذنوا الفتاة. فتفويض المهر مثله مثل تفويض البضع في التفاصيل، تفصيل أنه الأب المجبر، الأب غير المجبر، وباقي الأولياء في قضية إذا هو عدم إذنها. لكن الفرق بين تفويض المهر وتفويض البضع، أن تفويض البضع لا يتم التطرق أصلاً للمهر، «زوجتك بنتي» وانتهى الأمر.

بتفويض المهر يتم التطرق بهذه الصيغة: «زوجتك على ما شئت»، أو «على ما شاء شيخ العشيرة»، أو «شيخ المسجد»، أو «حبيبنا الفلاني الفلاني». في ذكر المهر لكنه معلق على المشيئة ولا يذكر مبلغًا معينًا، فهذا كله يسمى تفويضًا، سواء كان تفويض بضع أو تفويض مهر.

إذا تم عقد النكاح على التفويض، سواء تفويض بضع أو تفويض مهر، في هذه الحالة النكاح صحيح كما ذكرنا، لكننا سنذهب إلى مهر المثل. حتى لو قال: «زوجتك على ما شئت» أو «على ما شاء فلان»، الأصل أنه يذهب إلى مهر المثل.

لذلك قال: ﴿وَلِمَنْ زُوِّجَ بِلَا مَهْرٍ﴾. اكتب عندك: ﴿وَلِمَنْ بِلَا مَهْرٍ﴾، هذا يشتمل على صورتين: صورة تفويض البضع، وصورة تفويض المهر. صورة تفويض البضع أن يزوج المولي وليته من دون أن يتطرق للمهر أصلًا، وهذه لها تفصيل إذا كان الأب مجبرًا والآب غير مجبر؛ متى نحتاج ومتى لا نحتاج.

والصورة الثانية تفويض المهر، أن يزوج الولي موليته بأن يقول: «زوجتك على ما شئت» أو «على ما شاء فلان»، فيعلق على المشيئة. ففي كلا الحالتين هذا اسمه تفويض، ويسمى في كلا الحالتين أن الأب أو عمومًا زوج ابنته بلا مهر؛ في كلا الحالتين يعتبر زوجها بلا مهر؛ لأنه في كلا الحالتين لم يتم تعيين مهر، أو كان المهر فاسدًا كما قال الشيخ مرعي.

ففي هذه الحالة فرض مهر مثلها عند الحاكم. ماذا الذي يحدث؟ إنه الفتاة العروس لها الأحقية، تروح عند الحاكم القاضي في الدولة وتقول له: «أنا والدي أو ولي عمومًا زوجني مع تفويض المهر، سواء كان تفويض بضع أو تفويض مهر، زوجني على التفويض، وأريدك أيها القاضي أن تفرض لي مهر مثيلاتي من بنات عمي وخالتي». القاضي مباشرة يفرض لها مهر مثلها من بنات عمها وبنات خالها، أي مثلها في الطبقة الاجتماعية ممن حولها.

وكذلك لو كانت التسمية فاسدة، مثل خمر أو خنزير وما شابه ذلك، فالمرأة والرجل ممكن لهم الأحقية أن يرتفعوا للقاضي، والقاضي يحدد مهر المثل الذي تستحقه هذه الفتاة. فإن تراضيا فيما بينهما ولو على قليل صح ولزم.

إذا مثلا هذه الفتاة قبل ما تطلع للحاكم أجاها الزوج، قالوا لها: «اسمعي لا تروحي عند الحاكم ولا شيء حتى يفرض لك مهر المثل»، سواء في هذه الحالة أو في حالة المهر الفاسد، إذا تم التصالح بين الزوج وبين الفتاة على مهر ولو قليل، ورضيت الفتاة ورضي الزوج به، صح؟ نعم صح، ولو كان دون مهر المثل. لذلك قال: ﴿فَإِن تَرَاضَيَا فِيمَا بَيْنَهُمَا﴾، يعني ما ارتفعوا للمحكمة الشرعية وتراضوا على شيء معين، سواء كان تفويض مهر أو تم تسمية مهر فاسد.

فالآن المرأة لها الأحقية أن يفرض لها مهر المثل، فجاء إليها الزوج قبل ما تروح للمحكمة وقال لها: «شو رأيك نتفق أنا وإياك ونتصالح على مبلغ معين وخلص؟ فما في داعي نروح للقضاء»، فهي وافقت وتصالحوا على مبلغ ولو كان هذا المبلغ قليلًا جدًا ما دام أنهم اتفقوا عليه وأصبح ملزمًا لكل الأطراف؛ لذلك قال: «صح ولزم».

﴿فَإِنْ حَصَلَتْ لَهَا فُرْقَةٌ مُنْصِفَةٌ لِلصَّدَاقِ قَبْلَ فَرْضِهِ أَوْ تَرَاضِيهِمَا وَجَبَتْ لَهَا الْمُتْعَةُ﴾. هنا تطرقنا للمتعة. بالتالي المرأة التي تم تفويض مهرها بنوعيه، تفويض البضع وتفويض المهر، أو تم تسمية مهر فاسد لها، إذا حصل بينها وبين زوجها طلاق أو فرقة بالفسخ، ينصف المهر، ونحن عرفنا متى يتم تنصيف المهر.

إذا حصل بينها وبين زوجها فرقة تنصف المهر، وكانت هي لم ترتفع للقاضي بعد ليفرض لها مهر المثل، ولم يتم التصالح بينها وبين زوجها على مهر معين، في هذه الحالة يجب لها المتعة فقط وليس لها أي شيء آخر.

نعيد الفكرة مرة أخرى؛ إذا حدث بين الزوجة وزوجها فرقة، وكانت هذه الفرقة مما ينصف المهر، سواء كان بطلاق أو فسخ، وكانت هذه الزوجة تم تفويض مهرها أو تم تسمية مهر فاسد لها، ولم يتم بعد التفراض ولا المحكمة لفرض مهر المثل، ولم يتم التراضي بينها وبين زوجها على مبلغ محدد، في هذه الحالة الزوجة تطالب زوجها بالمتعة فقط، يعني هدية وليس لها شيء آخر.

ما هي المتعة؟ قال: «على الموسر قدره وعلى المقتر قدره»، الإنسان الموسر بمقداره والإنسان الفقير المعسر بمقداره. هنا العرف سيحكم أنه هذا غني ولا فقير، وما هو المقدار الذي يليق بهذا؟ لذلك قال: «فاعلاها خادم»، يعني إذا كان موسرًا غنيًا يريد أن يجيب لها خادمًا، وقديماً كان الخادم هو العبد أو الأمة تخدم هذه الفتاة، وأدناها وأقل شيء إذا كان معسرًا ليس معه مال، عليه أن يدفع لها كسوة تستر عورتها في الصلاة، يعطيها ثيابًا تصلح لستر العورة في الصلاة، هذا أقل شيء وكل شيء بعد ذلك بحسب الدرجات.

إذاً، فإن حصلت لها فرقة منصفة للصداق، أي من الفرقة التي تنصف الصداق، قبل أن يفرض لها مهر المثل أو قبل أن يتراضيا على شيء، وجبت لها المتعة وهي هدية يهديها الزوج، وكم قيمتها؟ على حسب الزوج هل هو معسر أم موسر.

أما إذا تم فرض مهر المثل لها، أي هذه الزوجة كانت ابتداءً مفوضة أو تم تسمية مهر فاسد لها فذهبت للمحكمة الشرعية وفرض لها القاضي مهر المثل، ثم حصلت فرقة منصفة للمهر، تأخذ نصف مهر المثل. وكذلك إذا تم الاتفاق بينها وبين الزوج على شيء وتصالحوا عليه وأصبح ملزمًا ثم حصلت بعد ذلك الفرقة المنصفة، لها نصف ما تم الاتفاق عليه. فالمتعة في حالة -أحبائي الكرام- أنه لم يتم الاتفاق بينهما على شيء ولم يتم الذهاب إلى القضاء لفرض مهر المثل، في هذه الحالة تأخذ المتعة فقط. إذاً وجبت لها المتعة على ما تم تفصيله.

انتقل الآن الشيخ مرعي، رحمه الله تعالى عليه، أحبابي الكرام، للفصل الأخير المتعلق بقضايا الصداق، وهو ما يتعلق بالصداق الذي يدفع في النكاح الفاسد والنكاح الباطل.

في الحقيقة، هنا يجب أن ننبه على قضية، وهي أن الحنابلة يقسمون النكاح من حيث صحته وعدم صحته إلى نكاح صحيح، وهو الذي استوفى شروطه وأركانه، ونكاح يسمونه فاسدًا، وهو الذي اختل أحد شروطه غير المجمع عليها، ونكاح باطل، وهو الذي اختل شرط من شروطه المجمع عليها.

الآن أحبابي، نحن عرفنا شروط صحة النكاح عند الحنابلة، وعرفنا لابد من تعيين الزوجين، ولابد من الرضا، ولابد من الولي، ولابد من الشهود، ولابد من الخلو من الموانع. هل هذه الشروط الخمسة متفق عليها بين كل الأمة ومجمع عليها؟ في الحقيقة لا، هناك شروط متفق عليها وهناك شروط ليس متفقًا عليها.

فمثلاً الخلو من الموانع، خاصة موانع النسب كأن يتزوج شقيقته أو أن يتزوج أمه أو ما شابه ذلك؛ الخلو من الموانع في هذه القضية محل إجماع واتفاق بين الجميع. فإذا تزوج الرجل شقيقته أو أخته أو من تحرم عليه بالاتفاق عند الجميع، يسمى هذا النكاح نكاحًا باطلًا. إذا اختل شرط من الشروط المتفق عليها عند جميع العلماء يسمى النكاح حينئذٍ النكاح باطلًا.

أما إذا اختل شرط من الشروط التي يراها الحنابلة من شروط النكاح لكن غير الحنابلة قد لا يراها من شروط النكاح، فمثلاً الحنفية لا يرون من شروط صحة النكاح وجود الولي، والبعض لا يرى من شروط صحة النكاح وجود الشهود؛ فإذا اختل شرط من الشروط التي يختلف فيها الحنابلة مع غيرهم فالنكاح يعتبر نكاحًا فاسدًا ولا يسمى باطلًا.

وستختلف الأحكام المترتبة بين النكاح الفاسد والنكاح الباطل. النكاح الفاسد يحتاج إلى فرقة من طلاق أو فسخ. سنعرف الآن ما الذي يترتب على النكاح الفاسد، هل يترتب عليه مهر أم لا؟ وكذلك النكاح الباطل؟ فباختصار، أنا أريدك الآن أن تفهم أنه هناك نكاح صحيح استوفى جميع الشروط والأركان عند السادة الحنابلة، ونكاح فاسد اختل أحد شروط صحته التي يراها الحنابلة من شروط الصحة ولكن غير الحنابلة قد يخالفونه فيها، ونكاح باطل هو الذي اختل الشرط من شروطه المجمع عليها عند جميع العلماء. فبالتالي الأحكام عن النكاح الفاسد ستختلف قليلاً عن الأحكام على النكاح الباطل.

انظروا ماذا قال الشيخ مرعي بالنسبة لما يترتب على النكاح الفاسد، قال الشيخ مرعي رحمه الله: «ولا مهر في النكاح الفاسد إلا بالخلوة أو الوطأ، إن حصل أحدهما استقر المسمى إن كان، وإلا فمهر المثل».

يقول لك الشيخ مرعي بالنسبة للنكاح الفاسد، وقد عرفنا ما هو النكاح الفاسد الذي اختل فيه أحد الشروط غير المجمع عليها كأن تزوج المرأة مثلاً من دون ولي، هذه محل خلاف، أو تزوجها من دون شهود، هذا اسمه نكاح فاسد عند الحنابلة. يقول الحنابلة: لا يستقر المهر في النكاح الفاسد كاملاً إلا إذا حصلت خلوة بشروطها السابقة التي ذكرناها أو حصل وطء.

أما إذا حصل لمس بشهوة، أو نظر إلى فرج بشهوة، أو تقبيل، أو موت أحدهما، أو طلاق في مرض الموت؛ فمتى ما حصل شيء من هذه الأشياء السبعة التي ذكرناها، فلا يستقر بها المهر عند الحنابلة، ولا نصفه ولا شيء للمرأة. التقبيل، والنظر للفرج بشهوة، واللمس بشهوة؛ لا يستقر به أبداً أي شيء للمرأة في النكاح الفاسد، فقط إذا حصل وطء أو خلوة بشروطها حينئذ يستقر لها المهر.

وأي مهر؟ قال: «وإن حصل أحدهما» أي الخلوة أو الوطء في النكاح الفاسد، «استقر المسمى» المهر المسمى إن كانت قد تم تسميته في العقد تسمية صحيحة، وإلا -بإنكار الزواج من دون تسمية المهر أو تم تسميته تسمية فاسدة- فحينئذ المرأة تستحق مهر المثل. بنروح للقاضي، ونقول للقاضي يا جماعة الخير: هذا النكاح فاسد حصل فيه خلوة أو وطء، فهل في مهر مسمى تأخذ المرأة؟ إذا لم يوجد فيه مهر مسمى يفرض القاضي مهر المثل ويعطيه للمرأة.

أما إذا لم يحصل خلوة ولا وطء، فلا يوجد أي شيء للمرأة، لا تستحق المرأة أي شيء. أحبابي الكرام، لا يوجد شيء اسمه تنصيف وعدم تنصيف، لا تستحق المرأة أي شيء في النكاح الفاسد، ولا يوجد متعة ولا أي شيء، هو فقط نعطيها المهر المسمى إن حدثت خلوة أو وطء، وإذا لم يكن هناك تسمية نعطيها مهر المثل، والخلوة أو الوطء وغير ذلك لا تستحق شيئاً.

أما إذا كان المهر باطلاً، فقال: «ولا مهر في النكاح الباطل إلا بالوطء في القبل». أما النكاح الباطل فلا تستحق المرأة فيه مهراً إلا إذا وطئت في قبلها. وهذا معناه أنه في النكاح الفاسد إذا حصر الوطء في القبل أو في الدبر، في كلا الحالتين في النكاح الفاسد تأخذ المرأة المهر، أما في النكاح الباطل فالمرأة لا تستحق المهر إلا إذا وطئت في قبلها.

يعني اثنان زواجهما باطل، كأن يكون الرجل تزوج شقيقته، أو تزوج واختل شرط من الشروط المتفق عليها عموماً، كأن تزوج عمته أو خالته؛ إذا كان النكاح باطلاً فإن المرأة المنكوحة لا تستحق شيئاً من المهر إلا إذا تم وطؤها في قبلها، فهي تستحق مهر المثل فقط مقابل ما حدث لها من وطء، تعويضاً عما حدث لها، ولا تأخذ مهراً مسمى، لا عبرة بالتسمية حتى ولو تم تسمية المهر في النكاح الباطل، دائماً هنا مهر المثل فقط، وتعطى المرأة فقط إذا تم وطؤها في القبل بهذا التخصيص.

ومثل النكاح الباطل في هذا الحكم الموطوءة بشبهة، وكذلك المكرهة على الزنا لا المطاوعة ما لم تكن أمة. يعني لو أن وطئ امرأة بشبهة، كان يظنها زوجته وطلعت ليست زوجته، وطأها وهو يظنها زوجته، فهذه المرأة تستحق مهر المثل إذا وطئت في قبلها. وكذلك من زنى بامرأة أكرهها على الزنا، تستحق هذه المرأة المكرهة على الزنا مهر المثل إذا تم وطؤها في قبلها، أما إذا كانت مطاوعة، أي هي راغبة في أن يُزنى بها والعياذ بالله، فهنا لا تستحق شيئاً. وإذا كانت أمة، فإن الأمة الزانية المطاوعة تأخذ مهر المثل لكنه ليس لها بل لسيدها.

لو أن الأمة طاوعت رجلاً على الزنا فهي تستحق مهر المثل، ولكن لماذا أعطيناها مهر المثل؟ من أجل سيدها، فهو حق لسيدها وليس حقاً لها؛ لذلك أعطيناها ولو كانت مطاوعة. أما غير الأمة فإذا كانت مطاوعة يستحق شيئاً.

ثم قال: «ويتعدد المهر بتعدد الشبهة والإكراه». يعني إذا فتاة اشتبهت عليك وطأتها شبهة، يجب أن تعطيها مهر المثل، وإذا أخطأت معها مرة ثانية وطأتها بشبهة ثانية، فتدفع مهر ثانٍ. كلما أخطأت معها كلما دفعت لها مهر مثل، وكذلك في الزنا؛ كلما أكرهت المرأة على الزنا، فإذا زنى رجل بامرأة أول مرة وهي كارهة، وجب عليه مهر المثل، وإذا زنى بها مرة ثانية وهي كارهة وجب مهر مثل آخر، وهكذا؛ لذلك قال: «ويتعدد المهر بتعدد الشبهة والإكراه على الزنا».

ثم قال: «وعلى من أزال بكارة أجنبية بلا وطء». أحبابي الكرام، لو أن رجلاً أزال غشاء البكارة عن غير زوجته وأمته، سواء قصداً أو بغير قصد، وفعل فعلاً تسبب بإزالة غشاء البكارة الموجود على قبل المرأة كما تعلمون، في هذه الحالة هذا الرجل عليه أن يدفع ما يسمى «أرش البكارة». نعتبرها في الجنايات جناية؛ أنت جنيت على امرأة سواء كنت متعمداً أو بالخطأ، وأدت جنايتك إلى ذهاب غشاء البكارة، فعليك أن تدفع ما يسمى أرش البكارة.

كيف يتم تقديره؟ فيه خلاف في المذهب، في المنتهى أو قد ينقل على قواعد المذهب؛ هنا الأصل تكون «حكومة»، يعني نذهب إلى أهل الخبرة والتخصص من الجنائيين فيقدرون كم تقدر جناية أرش البكارة، هل هي عشرون ألفاً أو ثلاثون ألفاً أو خمسون ألفاً؟ فيقولون لهذا الرجل عليك هذا التقدير، وهذا ما يسمى «الحكم»، وسنأتي إليها في الجنايات، أن بعض الأمور ليس فيها فصل من الشارع، فتذهب فيها إلى الحكومة، أي إلى التقدير من قبل الخبراء المختصين. فيأتون لهذا الرجل ويقولون: أنت أزلت غشاء البكارة عن امرأة ليست زوجة ولا أمة، وجنايتك تقدر بعشرين ألفاً، فعليه أن يدفع عشرين ألفاً، هكذا قواعد المذهب.

طبعاً هناك قول نصره في الإقناع قال: أرش البكارة هو الفرق بين مهر المرأة وهي بكر ومهرها وهي ثيب. الآن الفتاة البكر مهرها أغلى من الفتاة الثيب، فلو كانت الفتاة البكر مهرها عشرون ألفاً والفتاة الثيب مهرها عشرة آلاف، وهذا الرجل اعتدى على هذه المرأة المسكينة فأزال غشاء البكارة، فتحولت في نظر الناس من بكر إلى ثيب، وهذا أضر بها باختصار، ونزل من قيمة هذه المرأة؛ فقد كانت مهرها وهي بكر عشرون ألفاً، والآن صارت مثل الثيب عشرة آلاف. الفرق بين العشرين ألفاً والعشرة آلاف هو عشرة آلاف، هذا الفرق هو الذي عليه أن يدفعه هذا الرجل لهذه المرأة؛ أنت كم نزلت قيمتها؟ نزلت قيمتها من عشرين ألفاً، وهو مهرها الطبيعي، إلى عشرة آلاف بسبب جنايتك على البكارة. بالتالي الفرق بين العشرين والعشرة آلاف هو ما يسمى أرش البكارة كما يقول صاحب الإقناع، وهي التي يدفعها هذا الرجل لهذه المرأة.

فإذا كان أرش البكارة، هل يرجع فيه للحكومة وللمختصين، أم مباشرة نرى كم مهر هذه الفتاة وهي بكر وكم مهرها وهي ثيب؟ الفرق بينهما هو الذي يدفع لها، وهذا خلاف داخل دائرة المذهب. إذًا «وعلى من أزال بكارة أجنبية بلا وطء» من دون أن يطأها، عليه أن يدفع أرش البكارة؛ لأنه إذا كان بوطء رجعنا إلى إذا كان وطئ بشبهة أو وطئ بزنا، عرفنا أنه عليه أن يدفع مهر المثل كاملاً لها. إذًا «وعلى من أزال بكارة أجنبية بدون وطء»، ما صارت أصلاً وطء، جرحها أو ما شابه ذلك، عليه أن يدفع فقط أرش البكارة.

«وإن أزالها الزوج»، إذا كان الزوج هو الذي أزال البكارة أو غشاء البكارة عن زوجته، ثم طلق قبل أن يدخل بها، لم يكن عليه إلا نصف المسمى إن كان، وإلا فالمتعة. باختصار لا يترتب عليه شيء، يبقى مثله مثل غيره؛ زوج لم يحصل منه ما يستقر به المهر، لم يحصل وطء ولا خلوة ولا لمس للفرج بشهوة ولا نظر للفرج بشهوة ولا تقبيل. لكن هذا الزوج بطريقة من الطرق، بالخطأ أو بالصح، أزال غشاء البكارة عن زوجته؛ كان يمزح معها أو ضربها بالخطأ فأزال غشاء البكارة.

هذا الزوج أزال الغشاء عن زوجته، وهو إلى الآن لم يحدث منه ما يستقر به المهر، فهل نقول: عليك أن تعوض هذه الزوجة مقابل غشاء البكارة وتدفع لها الأرش؟ نقول: لا، ليس عليه أن يعوضها. لماذا؟ لأنه هو له الأحقية بما أنه زوج في أن يفض هذا الغشاء، والزوج له الأحقية في فض غشاء البكارة، فإذا هو فضه حتى ولو حدث الفض بصورة خاطئة، ما دام أنه زوج شرعي لهذه المرأة فلا يترتب عليه شيء بإزالة غشاء البكارة ولو لم يطأ ولم يخلو ولم يلمس، ولو لم يحدث ما يستقر به المهر.

فإذا هو طلق بعد أن أزال غشاء البكارة، عليه فقط نصف المهر المسمى إن كان قد سمي مهراً، وإلا فالمتعة، على القواعد التي ذكرناها؛ مثله مثل غيره، إن تطلقت قبل أن يحدث ما يستقر به المهر فعليها نصف المهر المسمى، وإذا لم يكن هناك مهر مسمى فعليها المتعة ما دام لم يتم تحديد مهر المثل أو يتم الاتفاق عليه. لذلك قال: «وإن أزالها الزوج ثم طلق قبل الدخول لم يكن عليه إلا ما على الرجال الطبيعيين»، يعني هو في الحقيقة ما عليه إلا كما على الرجل الطبيعي؛ رجل طبيعي طلق زوجته قبل الدخول، إذا كان هناك مهر مسمى فعليه المهر المسمى، وإذا لم يكن هناك مهر مسمى وتم تقدير مهر المثل فعليه نصف مهر المثل، وإذا لم يكن هناك شيء، لا مهر مسمى ولم يتم تقدير مهر المثل، فعليه المتعة فقط، وهي الهدية التي ذكرناها سابقاً.

ثم قال: «ولا يصح تزويج من نكاحها فاسد قبل الفرقة».

فإن أباها الزوج فسخه الحاكم. الآن إخواني من الفوارق بين النكاح الفاسد والنكاح الباطل أنه النكاح الباطل لا يحتاج إلى فرقة، لا يحتاج إلى طلاق يصدره الزوج حتى يفارق زوجته ولا إلى فسخ؛ هو نكاح لم ينعقد أصلاً حتى نحتاج فيه إلى فرقة.

فالمرأة فيه تستطيع أن تتزوج مباشرة، إلا إذا حصل وطء في قبلها فإنها تحتاج أن تتربص العدة حتى نتأكد من براءة الرحم. أما المرأة المتزوجة بنكاح فاسد، وهذه من الفروق بين النكاح الفاسد والباطل، فإن التفرقة بينها وبين زوجها تحتاج إلى فرقة من طلاق يصدره الزوج أو فسخ.

وهنا الزوج مطالب بأن يطلق أو يفسخ، نقول له بدك تطلق أو تفسخ. إذا الزوج قال: لا، أنا عارف أنه النكاح فاسد بس ما بدي لا أطلق ولا أفسخ، هنا القاضي يجبره؛ قال: «فإن أبى، فالزوج فسخه الحاكم». يعني إذا الزوج رفض أن يطلق أو يفسخ يرتفع الأمر للحاكم، والحاكم هو الذي يفسخ من عنده مباشرة بالنسبة للنكاح الفاسد؛ لذلك قال: «ولا يصح تزويج ما النكاح فاسد».

الآن إذا المرأة في النكاح الفاسد ما بصير تتزوج حتى يطلقها زوجها أو يفارقها بفسخ، فإن أبى الزوج ذلك الطلاق أو الفسخ، الحاكم هو الذي سيفسخ، بعد ذلك هذه الزوجة تستطيع أن تتزوج بالرجال. وأما في النكاح الباطل فقولوا لا يوجد نكاح باطل فرقة؛ لا نحتاج لفرقة لأنه لم ينعقد أصلاً، ما في أي انعقاد. النكاح الفاسد انعقد على فساده فتم، يعني الذهاب إلى الطلاق أو الفسخ فيه، أما النكاح الباطل لم ينعقد أصلاً فلا يحتاج لا إلى طلاق ولا إلى فسخ ولا إلى حاكم يفرق بينهما.

جيد، هذه هي الأحكام سريعاً. إن شاء الله في المحاضرة القادمة نتكلم عن باب الوليمة وآداب الأكل فاستعدوا للطعام. جزاكم الله خيراً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.