غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أكرم الأكرمين. اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم اهدنا إليك، دلنا عليك، اجعلنا معك في ظواهرنا وفي بواطننا، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. ارزقنا همة لإكمال الطريق، ارزقنا عزيمة على طلب العلم، ونعوذ بك من صوارف الطريق ومن عقباتها يا أرحم الراحمين.
وصلنا أحبابي الكرام في رحلتنا في كتاب دليل الطالب إلى الموضوع الأخير في الحقيقة، ألا وهو موضوع القضاء. وعادة الحنابلة رحمة الله تعالى عليهم أنهم ينهون كتب الفقه والمصنفات الفقهية عندهم بمسائل وأحكام القضاء. وباب القضاء في الحقيقة ومسائل وباب واسع جداً، واليوم في وقتنا المعاصر هناك العديد من الكتب التي تتكلم عن نظرية الدعوة وعن طرق الإثبات والمستجدات الواسعة في هذا الباب.
لأن موضوع القضاء موضوع واسع جداً، والدول المسلمة ودول العالم عموماً لا تنفك عنه لكثرة النزاعات والخصومات بين البشر، والتي تقتضي أن يوجد في كل دولة نظام قضائي يحاول أن يحقق العدالة. الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم كتبوا آراءهم كتبوا أقوالهم الفقهية في هذا الباب، والتي يرون باجتهاداتهم أنها تحقق العدالة وتوصل الحق إلى أصحابه وترفع النزاع.
دعونا قبل أن نشرع فيما ذكره الشيخ مرعي رحمة الله تعالى عليه أولاً دعوني أعرّف القضاء، ثم بعد ذلك أذهب إلى هذه الخارطة المعرفية على الشاشة التي ستوضح لنا ما طبيعة الكتاب، وما هي أهم المسائل التي سندرسها فيه، ثم بعد ذلك نعود إلى كلام الشيخ مرعي رحمة الله تعالى عليه.
فدعونا نبدأ أحبابي الكرام إذاً بالمعنى اللغوي للقضاء، فنقول: القضاء في اللغة بمعنى إتمام الشيء واتقانه وإحكامه، هذا من أشهر المعاني التي يفسر بها القضاء لغة إتمام الشيء وإحكامه واتقانه، ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 12] أي أتمهن وأحكم أمورهن في يومين. فالقضاء إذاً لغةً بمعنى إحكام الشيء واتقانه.
وأما القضاء بالمفهوم الشرعي الذي يعنينا هنا فيقول الحنابلة: القضاء هو تبيين الحكم الشرعي مع الإلزام به. القضاء في الفقه اكتبوا عندكم هو أن يبين القاضي الحكم الشرعي وأن يلزم به. وهذا القيد الأخير والإلزام به هو الذي يظهر الفرق بين منصب القضاء ومنصب الإفتاء، لأن الإفتاء هو تبيين للحكم الشرعي لكن المفتي لا يملك سلطة الإلزام.
وأما القاضي فهو يبين الحكم الشرعي في المسألة التي وقع فيها النزاع ويملك سلطة الإلزام. فإذاً القضاء هو تبيين الحكم الشرعي في مسألة في واقعة معينة مع الإلزام بها، مع الإلزام هذا الحكم الشرعي للمتنازعين عموماً. وأما الإفتاء فهو تبيين للحكم الشرعي، فإن المفتي لا يملك سلطة الإلزام.
هذا كلام سريع في المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، دعونا الآن إذاً نذهب إلى الشاشة التي ترونها أمامكم والتي ذكرت فيها أهم المواضيع التي يتطرق لها في باب القضاء. عندما نتكلم عن القضاء أحبابي الكرام فنحن نتكلم عن ثلاثة عناصر أساسية: نتكلم عن قاضٍ، وعن طرف يسمى مدعٍ، وعن طرف يسمى مدعىً عليه، أليس كذلك؟ نتكلم عن ثلاثة عناصر أساسية: القاضي، والمدعي، والمدعى عليه.
فيبدأ الفقهاء ببيان الأمور المتعلقة بالقاضي، فيتكلمون ما حكم تولية قاضٍ في الدولة المسلمة؟ وكيف يتم تولية القاضي؟ وما هي الشروط التي يجب توفرها في القاضي؟ وما هي الآداب والسنن التي تتعلق بالقاضي ومجلس القضاء؟ فهذه هي الأمور التي سندندن حولها ابتداءً: ما يتعلق بالقاضي من حيث حكم توليته، وكيفية توليته، وشروطه، وآدابه، وسننه.
ثم بعد ذلك سنتكلم عن أن القاضي يحضر في مجلسه مدعٍ ومدعىً عليه. المدعي سيررفع الدعوى، والمدعى عليه ستوجه إليه الدعوى خلينا نقول. طبعا من هو المدعي بالضبط وما تعريفه؟ وما هو تعريف المدعى عليه أيضاً؟ هذه مسألة مهمة والبعض يظنها سهلة، يقول لك: المدعي هو الذي يرفع الدعوى عند القاضي وينتهي الأمر عند هذه الجزئية. وفي الحقيقة كلا، هناك خلاف طويل عريض بين المذاهب الفقهية في تحديد الشخصية التي يطلق عليها أنها مدعٍ، والشخصية التي يطلق عليها أنها مدعىً عليه.
وسبب هذا الخلاف إنما هو اختلاف الأمور المترتبة على المدعي والمدعى عليه. فالمدعي في مجلس القضاء هو المطالب باحضار البينة، والمدعى عليه هو الذي سيقوم إما بالإقرار على الدعوى التي وجهت عليه أو بالإنكار وبالتالي سيطالب باليمين. فحدد من هو المدعي ومن المدعى عليه مسألة فقهية دقيقة جداً، وكل مذهب من المذاهب أعطى وجهة نظره في هذا التحديد.
فليست الفكرة سهلة كما يظن البعض أن المدعي هو الذي يرفع الدعوى عند القاضي، لا، يمكن أن يكون الشخص الذي يرفع الدعوى عند القاضي ابتداءً هو المدعى عليه في التوصيف الشرعي، ويكون المدعي هو الطرف الآخر، ممكن جداً! وهذا بحسب طبعا طبيعة الدعوى. من الذي سيطالبه القاضي بالبينة؟ فهذا هو المدعي. ومن الذي سيكون وظيفته إما أن يقر وإما أن ينكر وبالتالي يوجه إليه اليمين؟ فهذا سيكون المدعى عليه.
بالتالي سنعرف قواعد في تحديد من هو المدعي ومن هو المدعى عليه، وليست القضية أن هذا فقط توطئة، ليست القضية أن المدعي هو الذي يكتب الدعوى خلاص هذا أصبح اسمه مدعي والطرف الآخر اسمه مدعى عليه، الأمر ليس بهذه الصورة كما تظنون. المهم الشخص الذي سيكون مدعياً هذا سيطالب بالبينة، فعلينا أن نعرف ما هو معنى المدعي وضابط المدعي عند الحنابلة.
ونعرف بعد ذلك موضوع البينة، ويدرس الفقهاء في كتاب القضاء موضوع البينة بالتفصيل. الآن البينة إما أن تكون شهوداً وإما أن تكون قرائن تثبت عند القاضي. البينة في الحقيقة إما أن تكون شهوداً وإما أن تكون قرائن، لكن المتداول في كتب الفقه عندما يتكلمون عن البينة أنهم يتكلمون عن البينة باعتبارها شهوداً، وقل أن يتكلموا عن البينة باعتبارها قرائن، مع أن حصر البينة في الشهود ليس بصحيح، وقد أطال ابن القيم النفس في هذا في الطرق الحكمية وفي بدائع الفوائد لمن أحب الرجوع إلى هذا.
إن البينة التي يأتي بها المدعي قد تكون هي الشهود وهذا هو الأساس خلينا نقول، وقد تكون ليست شهوداً، قد تكون قرائن أحوال تثبت عند القاضي ينصر بها المدعي على المدعى عليه. فالبينة للمدعي إما أن تكون شهوداً وإما أن تكون قرائن أحوال وسياقات معينة هي التي يرجح بها القاضي كفة المدعي على المدعى عليه. لكننا نحن كما قلنا في كتابنا هذا سنركز على البينة باعتبارها شهوداً باعتبار أن المقصود بها الشهود الذين يأتي بهم المدعي لإثبات دعواه.
فسندرس ما معنى الشهود، وما شروط الشهادة، وما ضوابطها، وكم عدد الشهود المطلوبين، وما موانعها، وكيف نزكي الشهود، كل هذه المواضيع مهمة جداً. لذلك ستجدون باباً كاملاً خاصاً بموضوع الشهادات، شروطها، موانعها، عدد الشهود المطلوبين، كيف يتم تزكية الشهود، وأما موضوع القرائن فلن يتطرق إليه في هذا الكتاب.
جميل، ثم سننتقل للمدعى عليه، فالمدعى عليه هو الطرف المقابل في الخصومة، إذا أقر بما ادعي عليه فهذا يسمى إقراراً. ومن هنا سنجد باباً كاملاً طويلاً ذكره الشيخ مرعي في أحكام الإقرارات: ما مفهوم الإقرار؟ وما شروطه؟ وكيف يقبل؟ وإذا أقر بكذا ماذا يترتب عليه؟ وإذا أقر بإقرار مجمل ما الذي يترتب عليه؟ فموضوع الإقرار من المواضيع المهم دراستها جداً في كتاب القضاء.
إذا المدعى عليه لم يقر بل أنكر الدعوى الموجهة ضده، في هذه الحالة سيطالبه القاضي باليمين. فلابد أن نعرف يمين المدعى عليه، كيف صفتها وما صورتها؟ وإن كنا نحن درسنا الأيمان في كتاب سابق قبل القضاء بالتفصيل، لكن هنا سندرس بعض المسائل المحدودة التي بقيت التي تتعلق بيمين المدعى عليه عند القضاء. لأن المدعى عليه إما أن يقر وإما أن ينكر، فإن أنكر فعليه يمين، فبالتالي يجب أن نعرف أحكام الإقرار وأحكام أيمان المدعى عليه.
وهكذا سننتهي من تأصيل هذا الباب، فهذا الباب كما ترون الكلام عن القاضي وأحكامه، الكلام عن المدعي وعن البينة المطالب بها وأحكام هذه البينة من حيث الكلام عن أحكام الشهادة، وسنتكلم أيضاً عن المدعى عليه من حيث الإقرار ومن حيث الإنكار، إذا أنكر فيطالب باليمين. وفي ضمن هذا سنجد العديد من المسائل، أن كيف أصلاً تتم عملية طرح القضية أمام القضاء؟ وهذا أظن سنأتي إليه اليوم إن شاء الله.
كيف يتم طرح القضية أمام القضاء؟ ومن الذي يتكلم أولاً ومن يتكلم آخراً؟ وما هي صفة القضاء؟ هذا كله من المسائل التي سنمر عليها بإذن الله، لكني أحببت أن أرسم هذا المخطط حتى يكون الطالب على بينة من مسيره في كتاب القضاء، ويعرف نحن أين ننتقل، ويعرف لماذا تكلموا عن موضوع الشهود، لماذا تكلموا عن موضوع المدعي والمدعى عليه، لماذا تكلموا عن الإقرار، لماذا تكلموا عن اليمين؟ لأنه خارطة هكذا هي هذا هو الذي يحدث عند التقاضي. فنبدأ إن شاء الله رويداً رويداً في هذا الكتاب إلى أن يتمه الله عز وجل علينا.
قال رحمة الله عليه: كتاب القضاء وهو فرض كفاية. إذاً إقامة القضاء في الدولة المسلمة، إقامة نظام قضائي في الدولة المسلمة يحافظ على الحقوق ويردها إلى أصحابها، ما حكمه؟ فرض كفاية. إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد أثمت الأمة. فيجب في كل دولة مسلمة أن يكون هناك نظام قضائي وظيفته أن يحافظ على حقوق الناس وأن يوصل الحقوق إلى أصحابها.
ثم قال: فيجب على الإمام. إذاً عرفنا أن إقامة النظام القضاء فرض كفاية، فما الذي يترتب على إمام المسلمين الخليفة المسلم أو رئيس الدولة المسلمة في حالة يعني ذهاب الخلافة كما هو في واقعنا المعاصر رؤساء الدول ما الذي يجب عليهم؟ قال: فيجب على إمام المسلمين أولاً أن ينصب بكل إقليم قاضياً. إمام المسلمين طبعا هم بتكلموا على خليفة في زمنهم، بس أنت بدك تفهم الأمر على واقعك، كون أمة أصبحت مجزأة أعاد الله جمع شتاتنا، إمام الدولة المسلمة يجب عليه أن ينصب في كل إقليم، يعني في كل منطقة، قاضياً يقوم بعملية القضاء فيها.
ثانياً: من الأمور التي تجب على الإمام ويختار لذلك لهذا المنصب أفضل من يجد علماً وورعاً. يعني تعيين القضاة هذا ليس بالواسطة، ليس هذا ابن عمي وابن خالي، لا، تعيين القضاة يكون بناء على مقدار العلم والورع، وهذا واجب على الإمام يختار لذلك افضل من يجد علماً وورعاً.
ثالثاً: ويأمره بالتقوى وتحري العدل. يجب على إمام المسلمين أن يأمر القاضي الذي يوليه بتقوى الله سبحانه وتعالى وتحريه العدل. إذاً هذه التي تجب على الإمام حتى يحقق فرض الكفاية في إقامة النظام القضائي.
ثم قال: وتصح ولاية القضاء والإمارة. ذكر موضوع القضاء وذكر موضوع الإمارة تبعاً له. تصح ولاية القضاء، يعني تعيين القضاة وكذلك تعيين الأمراء. أمراء المناطق، يعني الحاكم في الدولة المسلمة سيعين قضاة صح وهذا موضوعنا، وسيعين أمراء على المناطق وأميراً على منطقة عمان، أميراً على منطقة كذا، أمير على منطقة كذا. ربما في بلاد الحرمين الأمر يكون واضحاً مثلاً، أنه مثلاً هناك أمير على منطقة المدينة، أمير على منطقة الحجاز، أمير على منطقة أبها، أمير على منطقة القصيم. جميل.
فكيف يتم تنصيب القضاة والامراء على المناطق؟ فقال: تصح ولاية القضاء والإمارة منجزة ومعلقة. أن يقول الإمام لقاضٍ معين: أنت قاضٍ على منطقة عمان، ويقول لشخص: أنت أمير على منطقة العقبة، مباشرة من دون أن يعلق توليته القضاء أو الإمارة على حصول شيء معين، فهذه اسمها منجزة، خلص أنت الآن قاضٍ على هذه المنطقة أو أنت والي على هذه المنطقة، هذا اسمه منجز.
ويصح أن تكون التولية معلقة. ما معنى معلقة؟ أن يقول إمام المسلمين إذا مات القاضي على منطقة عمان فأنت ستكون القاضي بعده، أو يقول لشخص: إذا مات الأمير على منطقة عمان فأنت من ستتولى الإمارة بعده، فعلق توليه للقضاء أو الإمارة على وفاة القاضي أو الوالي الحالي، هذا اسمه تولية معلقة، دولية معلقة.
وهذه فعلها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة لما قال أو جعل الأمير زيداً قال: فإن قتل زيد أو فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبدالله بن رواحة. لاحظوا كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم علق إمارة جعفر وعبدالله بن رواحة على موت السابق.
فإذاً تولية القضاة والامراء يمكن أن تكون منجزة، حالاً أنت الأمير وخلاص، ويمكن أن تكون معلقة، تقول لو أنت القاضي إذا مات فلان أو أنت الأمير إذا مات الأمير السابق، وهكذا.
ثم قال: وشرط لصحة التولية حتى تكون عملية التولية من الحاكم المسلم لهذا القاضي أو لهذا الإمام تكون عملية صحيحة، هناك شروط. قال: أولاً الذي يولي لابد أن يكون إماماً أو نائب الإمام، يعني من له صلاحية تولية القضاة والامراء هو إمام الدولة المسلمة أو نائبه، فليس لأي مواطن أن يقوم بهذه الوظيفة، وظيفة تولية القضاة وتولية الأمراء.
الشرط الثاني: وأن يعين له ما يوليه فيه الحكم من عمل وبلد.
لازم الحاكم المسلم أو نائبه لما يعين قاضياً أو أميراً عليه أن يحدد له ما هي الأعمال والوظائف المنوطة به؟ لأنه البعض فيكم يظن أن القاضي وظيفته فقط فصل الخصومات.
نقول في الحقيقة كلا، فصل الخصومات هذه أحد وظائف القاضي أو إحدى وظائف القاضي جميل. فصل الخصومات هذه وظيفة من الوظائف، لكن سيأتي معنا إن شاء الله أن القاضي له أكثر من عشرة، أحد عشر وظيفة في الدولة المسلمة.
على الحاكم عندما يولي قاضياً أن يعين له الأعمال المنوطة به، ثانياً أن يحدد له مجال قضائه، يعني البلد التي يقضي فيها. فأنتم اعتبروني حاكماً للدولة المسلمة، عندما أولي قاضياً أقول له: أنت قاضٍ، وظيفتك ومجال عملك؛ فصل الخصومات، رد الحقوق إلى أصحابها، تزويج النساء اللواتي لا ولي لهن، والأحكام الأخرى التي ستأتي معنا، الحجر على المفلسين، النظر في الأوقاف، أحدد له كل الأعمال التي أنيطها به، فهذا اسمه تحديد مجال العمل.
اثنين؛ أحدد له المجال الذي يحكم فيه أو يبسط فيه حكمه وقضاؤه، فأحدد له البلد فأقول له: أنت قاضٍ.. بعد ما حددت له العمل حددت له مكانه، أنت قاضٍ على عمان، أنت قاضٍ على العقبة، أنت قاضٍ على المدينة، أنت قاضٍ على بغداد. فلابد للحاكم المسلم أن يحدد للقاضي مجال العمل المنوط به ومكان العمل الموكل فيه، المكان والعمل، حتى تصح التولية.
إذاً لابد إذاً أن تكون من إمام أو نائبه، وأن يعين له ما يوليه فيه الحكم من عمل وبلد. الآن هي تتكلم عن ألفاظ التولية، ألفاظ التولية مثلها مثل ألفاظ الطلاق، مثلها مثل ألفاظ الخلع، مثلها مثل ألفاظ القذف؛ تقسم إلى ألفاظ في التولية صريحة، وألفاظ كنائية. الألفاظ الصريحة لا تحتاج إلى نية، والألفاظ الكنائية تحتاج إلى نية. فقال: وألفاظ التولية الصريحة سبعة. ما هي ألفاظ؟ سيبدأ الآن بالالفاظ الصريحة في التولية: أن يقول الإمام لشخص معين: وليتك الحكم أو قلدتكه (يعني قلدتك الحكم) أو فوضت أو رددت أو جعلت إليك الحكم، هؤلاء خمسة ألفاظ، واستخلفتك واستنبتك في الحكم. ها الألفاظ السبعة هي صريحة في التولية، سواء تولية قضاء أو تولية أمراء، فمتى أطلقها الحاكم لشخص فمعناها أنه عينه قاضياً أو عينه أميراً من دون الحاجة إلى نية، يعني صريحة.
القسم الآخر: الألفاظ الكنائية. قال: والكناية نحو اعتمدت عليك، أو عولت عليك، أو أوكلت، أو أسندت إليك. أوكلت إليك أو أسندت إليك.. الآن لاحظوا كلمة اعتمدت عليك؛ أنا كحاكم دولة مسلمة لما أقول لشخص: اعتمدت عليك في كذا، هل معنى هذا أنني جعلته قاضياً أو أميراً؟ ولا لفظة محتملة؟ لفظة محتملة، وكذلك باقي الألفاظ. فالألفاظ المحتملة حتى تدل على التولية للقضاء أو الإمارة لابد أن يكون معها نية أو قرائن أحوال على أقل الأحوال، لذلك قال: لا تنعقد بها، ها بهذه الألفاظ لا تنعقد الإمارة أو القضاء إلا بقرينة، إذا كان هناك قرينة تدل على قصد الحاكم.
إذا الحاكم عنده نية وأخبرنا عن نيته ممتاز، إذا ما عنده نية هل يمكن أن تعتبر هذه الألفاظ الكنائية تنصيباً لشخص إذا كان بنقالين مثل ايش؟ قال: إلا بقرينة نحو فاحكم. يعني إذا قال له: اعتمدت عليك في فصل النزاعات بين الناس فاحكم بينهما. الآن كلمة فاحكم هي قرينة دلتنا على أن قوله ابتداء: اعتمدت عليك، أو عولت عليك، يقصد بها التولية، أو فتولى ما عولت أو ما عولت عليك فيه. قال له: عولت عليك في القضاء فتوله ما عولت عليك فيه. ها أتبعها بقوله: فتولى. كلمة فتولى خلص رفعت الإجمال الذي كان في العبارة الكنائية. فباختصار: إذا الحاكم المسلم أخبرنا عن نيته أو قرن الألفاظ الكنائية بقرائن لفظية تدل على قصده، ففي هذه الحالة يتم تنصيب القاضي أو الأمير. إذا ما كان هناك نية ولم تكن هناك قرائن فبالتالي نتوقف عن تنصيب هذا القاضي أو الأمير حتى يخبر الحاكم الأمر بصورة جلية أكثر.
ثم قال فصل: وتفيد ولاية الحكم العامة. الآن إذا الحاكم قال للقاضي.. ها إذا الحاكم قال للقاضي.. اعطيتك ولاية حكم عام. بس احنا قلنا أحبابي من شروط التولية للقضاء أن الذي يولي الحاكم أو نائبه زي ما مر معنا في الصفحة السابقة، وأن الحاكم يجب عليه أن يعين للقاضي مجال العمل ومكان العمل. صح؟
لو الحاكم قال للقاضي: أنا وليتك كل الأعمال المنوطة بالقاضي، أو الحاكم ما حدد لهذا القاضي وظائف محددة، قال: اعطيتك ولاية الحكم العامة، هيك قال له. هنا القاضي ما هي الأعمال التي ستكون منوطة به؟ إذا الحاكم لما عين القاضي ما عين له وظائف محددة، بل قال له بالحرف الواحد: منحتك ولاية حكم عامة. هذه العبارة ما الذي تمنحها للقاضي؟ ما هي الأعمال التي ستدخل ضمن مجالات القاضي بناءً على ولاية الحكم العامة؟
قال: وتفيد ولاية الحكم العام: أما واحد فصل الخصومات. اثنين أخذ الحقوق وردها إلى أصحابها، يعني لذلك قالوا: أخذ الحق ودفعه للمستحق. ثلاثة النظر في أموال اليتيم والمجنون والسفيه والغائب. احنا عرفنا أن مال اليتيم والمجنون والسفيه الأصل أن يحجر عليهم لحظهم، ويكون الذي يشرف عليهم آباؤهم، فإن عدم الآباء فالأوصياء، فإن عدم الأوصياء قلنا إذا بتذكروا أن الحاكم هو الذي يتولى. وهنا الذي يتولى بما أن الحاكم قال لهذا القاضي: اعطيتك ولاية حكم عامة، فالقاضي سيقوم مقام الحاكم في النظر في الأيتام وفي الإشراف عليها وفي أموال المجانين والسفهاء، وكذلك أموال الغائبين، لو كان هناك أموال لشخص وهذا الشخص غائب وما عرفنا كيف ندير هذه الأموال، من المسؤول عن الإشراف عليها؟ القاضي.
كذلك تنزيل الحجر على السفيه وعلى المفلس، من الذي يقوم به؟ القاضي الذي أعطي ولاية الحكم العامة. فإذا طلب من القاضي أن يحجر على إنسان لسفهه أو لفلس، ومر معنا مفهوم الفلس، فالذي يحجر ويطبق هذا القاضي ضمن ولاية الحكم العامة.
كذلك من أعماله المنوطة به ستكون النظر في الأوقاف، أوقاف الدولة المسلمة حتى تجري على شروطها التي اشترطها الواقفون.
كذلك من وظائفه تزويج النساء والنسوة اللاتي لا ولي لهن، مر معنا أنه هناك ترتيب في ولاية المرأة في النكاح، فاذا فقدت المرأة جميع الأولياء ووصلت إلى القاضي فالقاضي يزوجها. فالقاضي إذاً، كما تلاحظون، لما نقول له ولاية حكم عامة تدخل معه كثير من هذه الأمور، بل هناك أمور أوسع منها تذكر في المطولات عند السادة الحنابلة، يعني هو اقتصر على أهم الأمور، لكن الأمور أوسع من ذلك، جيد.
طيب، إذا قال الحاكم للقاضي: اعطيتك ولاية الحكم العامة، هل يستفيد القاضي منها الاحتساب على الباعة أو إلزامهم بأحكام الشريعة؟ القاضي باختصار هل له أن يمارس دور الحسبة؟ اللي هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إذا الحاكم قال للقاضي: منحتك ولاية حكم عامة، هل من ضمن مجالات ولاية الحكم العامة أن القاضي له أن يقوم بوظائف الحسبة في الأسواق وفي طرقات الناس، وله أن يلزم الباعة أصحاب الحانات وما شابه ذلك بأحكام الشريعة ولا هذا لا يدخل ضمن مجالاته بل يكون ضمن مجال أصحاب الحسبة؟ الصحيح أن هذا لا يدخل في مجال القاضي، وإنما هذا من عمل أصحاب الحسبة، جيد. لذلك قال: ولا يستفيد من ولاية الحكم العامة الاحتساب على الباعة ولا إزامهم بالشرع.
ثم قال: ولا ينفذ حكمه في غير محل عمله. هسا حكينا إذا الحاكم ولى القاضي في منطقة معينة، فالقاضي إنما تنفذ أحكامه في هذه المنطقة التي ولي عليها، فإذا حكم في منطقة أخرى ليست ضمن مجال عمله فلا ينفذ حكمه لأنه لم يعين فيها. وأظن هذا واضح.
الآن سيبدأ يتكلم لنا عن الشروط التي يجب أن تتوفر في القاضي؛ الشروط التي يجب أن تتوفر في الشخص الذي ينصبه الإمام قاضياً. لابد فيه من عشر خصال: واحد لابد أن يكون بالغاً. ثانياً عاقلاً. ثالثاً ذكراً؛ فالنساء لا ينصبن في منصب القضاء، لأنه هذا منصب يتخالف وطبيعة الأنثى خلينا نقول التي فيها رحمة وعاطفة وحنية، منصب القضاء شوي فيه شدة وحسم. لذلك يعني في بلادنا اليوم لما ننظر إلى بعض النساء اللواتي تولين القضاء، يعني للأسف للأسف فقدت كثيراً أقول من أنوثتها في هذه المناصب، لأنها مضطرة أن تصرخ وأن تعالج الرجال وأمور الناس، وأنتم تعرفون القضاء مشاكل ومتاعبه. فسبحان من صان المرأة عن هذه الأمور! بعض الناس يظن أن صيانة المرأة عنها يعني تقليل من حقوقها وإبعاد لها أو تقليل، كلا والله صدقوني أنه محافظة على أنوثتها وجمال رونقها بأن هذه المواطن مواطن المشاحة والخصومة والنزاع ورفع الأصوات لا ينبغي أن المرأة العفيفة الطاهرة أن تلج فيها وأن تحتك بالرجال فيها صيانة لها، صيانة لها، والا نحن ندرك أن عقول كثير من النساء قد تكون أفضل من عقول كثير من الرجال، لكن الله عز وجل أراد أن يصون المرأة عن هذه الأماكن.
إذاً: كونه بالغاً عاقلاً ذكراً حراً فلا يصح أن يكون القاضي عبداً، مسلماً فلا يكون القاضي في الدولة المسلمة كافراً، عدلاً ثبتت عدالته، سميعاً حتى يسمع من الخصوم، بصيراً حتى ينظر. السمع والبصر والكلام قد يقال متكلماً، عناصر وحواس أساسية حتى يكون القاضي مؤهلاً لمنصبه.
قال: مجتهداً ولو في مذهب إمامه للضرورة. هذا الشرط الاخير هو محل النقاش؛ يشترط الحنابلة في المعتمد خليني أقول في القاضي أن يكون ممن بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق، يعني لسه يعني أن يكون في مرتبة الشافعي وأبي حنيفة وأحمد ومالك. لكنهم قالوا: إذا لم يكن مجتهدا مطلقاً أقل شيء، أقل شيء نقبله أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه. وقبول القاضي المجتهد في مذهب الإمام هو قال للضرورة، يعني نحن الأصل كان حاكم مسلم أن أولي قاضياً بلغ درجة الاجتهاد المطلق، مرتبته مرتبة أبي حنيفة ومالك، ويستطيع أنه لحاله يعمل مذهباً. طيب بس هم الحنابلة في المعتمد راحوا قالوا: بما أن الاجتهاد المطلق قل وندر، فنقبل أن يكون القاضي مجتهداً ضمن مذهب معين، يعني مجتهداً ضمن مذهب السادة الحنابلة، مجتهداً ضمن مذهب السادة المالكية، الشافعية، الحنفية، ولكن هذا ما بنقبله إلا للضرورة، يعني إذا وجد الحاكم مجتهد مطلق ومجتهد في مذهب إمامه بعين المجتهد المطلق، ما وجد مجتهد مطلق يعين مجتهداً في مذهب الإمام.
جيد، لكن حتى قضية مجتهد في مذهب الإمام لما تقرأ شروط المجتهد في مذهب الإمام تكاد تعلم أنه في واقعنا بل حتى في واقع الأئمة المتأخرين أن تسعين بالمئة ممن ينتسبون إلى المذاهب لم يصلوا لمرتبة الاجتهاد داخل المذهب، وإنما هم مقلدون، مقلدون لأئمتهم لكنهم لم يصلوا لمرتبة الاجتهاد داخل المذهب، لأنه حتى هاي المرحلة تحتاج لعجلة جبارة وإنسان متمكن مستحكم من أموره.
فلذلك في الرعاية، وهذا أحد كتب الحنابلة ابن حمدان رحمه الله عليه، صاحب الرعاية ماذا قال ابن حمدان؟ قال: في الحقيقة حتى تمشي الأمور ويصلح أمر الناس يجوز.. اكتبوا هذا التعليق. قال صاحب الرعاية: الرعاية ابن حمدان يجوز تولية القاضي المقلد لإمام معين، لمذهب معين، يعني حتى ولو لم يكن مجتهداً في هذا المذهب كان مقلداً. مقلد يعني حافظ لهذا المذهب، ضابط له ولمسائله وهذه مش شيء سهل تفكره، إذا عمره أنتم شايفين دليل الطالب واحنا جلسنا فيه هكذا الطلاب بدأوا يترنحون. فأنقول قوله: يجوز أن يكون القاضي مقلداً في مذهب الإمام يعني يكون ضابطاً لكل مسائل المذهب، حافظاً لها، متقناً لها، لكنه لم يصل لدرجة الاجتهاد. قال: هذا يمشي أيضاً، يجوز توليته.
المرداوي في الإنصاف علق على عبارة صاحب الرعاية قال: ولا يصلح للناس إلا ذلك. يعني في واقعنا هو يتكلم عن واقعه المرداوي في القرن التاسع الهجري، قال: ولا يصلح للناس إلا ذلك. يقصد المرداوي أن كلام صاحب الرعاية كلام صحيح، لأنه في العصور المتأخرة قل الاجتهاد حتى داخل دائرة المذاهب وكثر التقليد وحفظ المسائل، هذا الذي غلب وطغى، فقل وندر أن تجد مجتهداً داخل دائرة المذهب، فحتى لا يفوتنا منصب القضاء ونجعله شاغراً حتى نجد المجتهد داخل دائرة المذهب قالوا: يجوز تولية المقلدين للمذاهب ما داموا حافظين لمذاهب الأئمة متقنين لها، وهذا هو الواقع الذي نحكم به، ولكن للأسف اليوم الذين يتولون مناصب القضاء هم لا يضبطون في أغلبهم، أنا أقول في حال بلادنا عافانا الله وإياكم، قد لا يضبط متناً مختصراً في مذهب الإمام، لكن هكذا الدنيا.
ثم قال: فلو حكم اثنان فأكثر بينهما شخصاً صالحاً للقضاء. هذه مسألة خلينا نقول منفصلة تماماً اسمها مسألة التحكيم. مسألة ليس لها علاقة بالقاضي ولا بمنصب القضاء، بل لها علاقة تسمى مسألة التحكيم. شخصان قالوا: ما بدنا نذهب للقضاء وبهدلة القضاء وجيبوا وروحوا والذهاب والعودة، قالوا: ما رأيكم.. يعني اثنان متخاصمان اتفقا أن يتحاكما إلى رجل ينصبانه من قبل أنفسهما، هل يجوز التحكيم داخل الدولة المسلمة؟ يعني هل يجوز شخصان متنازعان أن يقولا: لا نذهب إلى القاضي الذي عينه الإمام، بل أنصب أنا وأياك شخصاً نحكمه والذي يقول وخلاص نجريه، هل يجوز التحكيم؟
في الحقيقة نعم، قالوا: نعم. لان بعض الناس لا يحب الذهاب إلى مجالس القضاء وبهدلتها ومشاكلها وطول نفسها، والقاضي يطلب بينة تزكية البينة، وبعد ذلك الإجراءات القضائية المتعبة، فبعض الناس اختصر على نفسه المسافة ويقول لصاحبه الذي يخاصمه: ما رأيكم أن نحكم فلاناً بيننا؟ رجل من خيار الأفاضل نحكم بيننا واللي بقوله احنا بنمشي عليه، فوافق خصمه، هل يجوز هذا؟ يعني ما نذهب للقضاء ونروح لمحكم بينا بصير؟
لكن أنظروا ماذا قال: فلو حكم اثنان فأكثر.. ممكن تكون الخصومة بين اثنين، ممكن تكون خصومة بين ثلاثة، بين أربعة، المهم لو حكم اثنان فأكثر بينهما.
شخصاً صالحاً للقضاء. أيوه، لما بدكم تضعوا محكماً، هذا المحكم يجب أن تتوفر فيه الشروط العشر التي تتوفر في القاضي، هذا أول إشي، لذلك قال: شخصاً فيه شروط القاضي. فإن هذا الشخص المحكم نفذ حكمه في كل ما ينفذ فيه حكم من ولاه الإام أو نائبه، هذا المحكم اللي وضعته أنا وخصمي سينفذ حكمه في كل أمر وقضية ينفذ فيها حكم القاضي الذي يوليه الإمام أو نائبه في كل هذه الأمور.
ويرفع الخلاف، كما أن القاضي كما سيأتي معنا قضاؤه يرفع الخلاف ويلزم المتخاصمين، فكذلك هذا المحكم بما أنكم ارتضيتوه وكان أهلاً للتحكيم فحكمه يرفع النزاع بينكم ويلزمكم بشرع الله سبحانه.
فلا يحل لأحد نقضه حيث أصاب الحق. ما دام هذا المحكم أصاب الحق في طريقة قضاؤه واتبع المنهج الصحيح فلا يحل لأحد المتخاصمين بعد ذلك أن يقول: لا لا لا، ما بدي هذا المحكم، مش قابل كلامه. بقول: بما أنك قضيت به ابتداء وهو صالح للقضاء واتبع المنهج الشرعي وأصاب الحق في قضائه، ليس لأحد الأطراف من المتخاصمين أن يرفض حكمه وأن يلغيه ويقول: لا أتبعه. حكم ملزم مثل حكم القاضي ما دمت وافقت معي عليه.
وللأسف، كثير من الناس لا يعرف هذه الجزئية، كثير من الناس في واقعنا اثنين متخاصمين بقولوا: بدنا نروح لمحكم، بدناش نروح للقضاء، اه في بلادنا نذهب لمحكم من الأفاضل من طلبة العلم من كذا، يأتي هذا الشخص مع خصمه إلى المحكم، ويسمع المحكم من هذا الطرف ومن هذا الطرف، وبيجي بجيب شهود أو المهم تخلص القضية فالمحكم يصدر رأيه. أحد الأطراف ما بعجبه بقول: لا، أنا مش راضي. ويذهب، هو يظن أن هذا جائز، نقول: هذا لا يجوز، ما دمت وافقت على التحاكم إلى شخص معين تتوافر فيه شروط القضاء بدك ترضى بالحكم عليك، ولا يحل لأحد نقضه حيث أصاب هذا المحكم الحق في قضائه.
طيب، أنا سيتكلم عن سنن وآداب القاضي ومجلس القضاء عموماً فقال: ويسن كون الحاكم -ما الأشياء التي يسن أن توجد في القاضي؟ الحاكم يعني القاضي- يسن أن يكون قوياً لكن لا يصل لدرجة العنف، قال: قوياً بلا عنف، ليناً -عنده هيك لين وحسن تعامل- بس بلا ضعف وتمييع، حليماً متأنياً -هادي الزلمة بسمع بهدوء- متفطناً -انتبه ذكي يلقطها سريعا- عفيفاً -ليس إنسان مرتشي- بصيراً بأحكام الحكام قبله -يعرف أقضية الحكام السابقين قبله كيف قضوا في مثل هذه المسائل التي ترفع إليه حتى يكتسب خبرة-.
ويجب عليه -الآن يتكلم عن الواجبات على القاضي- يجب عليه العدل بين الخصمين بين المدعي والمدعى عليه، لما يأتي الخصوم إلى مجلس القضاء لازم يعدل بينهم، في إيش؟ في لحظة، يعني نظرياً، فما بصير يكون مهتم مقبل على المدعي ولا ينظر إلى المدعى عليه أو ينظر للمدعى عليه ولا ينظر للمدعي، بعينك بدك تنظر بالعدل، تنظر إلى هذا وإلى هذا نظراً عادلاً قدر الإمكان، ولفظه، فما بنفع بتكلم مع المدعي بكل أداة واحترامه مع المدعى عليه بكل خشونة وغلظة، هذا حرام.
ومجلسه ما بنفع يكون المدعي في مجلس يعني مقدم وقريب من القاضي والمدعى عليه والله مطرود جالس في آخر القاعة، يجلسان بنفس المجلس، هذا هون وهذا جنبه، وهذا إذا كانا مسلمين طبعا، إذا كان مسلما وكافرا شوي الأمور بتختلف، إذا كان النزاع بين مسلم وكافر فسنعرف الاستدراك. وكذلك الدخول عليه، فمثلا إذا اثنين على الباب المدعي أو المدعى عليه يأذن لهما معا ولا يأذن لأحدهما قبل الآخر، حتى يكون عادل أقصى درجات العدل، قال: إلا المسلم مع الكافر، فالمسلم يقدم في الدخول إلى قاعة المحكمة يرفع في الجلوس عن الكافر.
وهنا يعني أنبه على قضية وهي قد لا تعجب البعض لكن هذا هو كلام الفقهاء، وهي أنه في مفهوم الدولة المسلمة الشرعية الصحيحة قضية المساواة في المواطنة بين المسلم والكافر هذا غير موجود، المساواة في المواطنة بين المسلم والكافر بحيث يكون الكافر له نفس حقوق المسلم حتى في هذه الدرجات هذا غير موجود، المسلم مقدم على الكافر لأن الله هو الذي قدم المسلمين على الكافرين، ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، وليس لمخلوق أن يغير ما أراده الله سبحانه وتعالى.
نعم، نحن لن نهضم الكافر حق له لكننا في التعامل لا يمكن أن نعامل الموحد الذي كان مؤدباً مع الله في أنه لم يشرك به ولم يجحد رسله أن نعامله معاملة النصراني الذي يثلث مع الله ويشرك به أو معاملة من يقول عزير ابن الله أو معاملة الملحد، لا يمكن هذا، لكن واقعنا المعاصر للأسف اختلفت فيه الموازين في هذه القضايا، لكن أنا هذا أقوله كما يقول للتاريخ أن يعرف ما في كتب الفقهاء ولتتعلم الأجيال ما قاله أئمتنا وسادتنا أنه أحبائي مفهوم المواطنة المتساوية هذا غير موجود ضمن رؤية الدولة المسلمة الشرعية الصحيحة، المسلم مقدم على الكافر، في الطرقات لا تبدأ اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه.
وإن جاءكم من حاول أن يحرف نصوص الأئمة ومن يحرف الأحاديث النبوية عن ظواهرها لهوى في نفسه أو لانهزام مع موجة الحداثة المعاصرة، فاعلموا أن عليكم أن تعودوا إلى كتب التراث، إلى كتب الأئمة، دعوكم من كلام المعاصرين، اذهبوا إلى كتب الأئمة وانظروا كيف شرحوا هذه الأحاديث وكيف كتبوا الفقه الإسلامي بنفس العزة بنفس التمكين حتى تفهم تاريخك وتعرف فقهك وتعرف الأحكام التي دونها الأئمة بعيدا عن انهزام كثير من المعاصرين.
وبعض المعاصرين لما يأتي إلى مثل هذه العبارات يحاول يقفز عنها أو يتحاشاها أو يفسرها بتفسير حداثة قطعا ليس هو كلام الأئمة وليس هو المقصود، لكن هذا جزء من الوهن الذي على أمتنا نسأل الله أن يعيد لنا عزنا وتمكيننا.
ثم قال: ويحرم عليه -بعد أن ذكر سنن القاضي وذكر ما يجب عليه، ذكر ما يحرم عليه- فقال: ويحرم عليه أخذ الرشوة، وهذا واضح: «لعن الله الراشي والمرتشي» كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك أضيفوا عندكم: يحرم عليه أن يأخذ الهدايا من الناس، قالوا إلا استثنوا إذا كان شخص من عادته أن يهدي هذا القاضي قبل أن يتولى منصب القضاء ولم يكن لهذا الشخص خصومة عند القاضي، ها القاضي لا يجوز له أن يأخذ الهدايا من الناس إلا من شخص كان من عادته أن يعطي القاضي هدايا قبل أن يتولى منصب القضاء، بينهم معرفة مسبقة، وكمان هذا الشخص اللي أهدى القاضي هدية لمعرفته مسبقة به يجب ألا تكون له خصومة عند القاضي في هاي اللحظة تمام؟ فاذا وجد هذان الشرطان يجوز للقاضي أن يقبل، ويقولون حتى في هذه الحالة الأولى ألا يقبل لينزه نفسه تمام التنزيه، والا الأصل عدم قبوله للهدية كما أنه لا يأخذ الرشوة.
ثم قالوا: ويحرم عليه أيضاً أن يسار أحد الخصمين أو يضيفه أو يقوم له دون الآخر، ما بصير، بنسميه احنا في لغتنا العامية يوشوش المدعي أو المدعى عليه، يسار يعني يتكلم في أذنه بسراً من دون أن يسمع الطرف الآخر، ما بحق للقاضي يفعل هذا، ولا يضيفه، يقدم له ضيافة، بعض القضاة بيصب قهوة للمدعي ما بيصب قهوة للمدعى عليه وبكشر في وجهه، ما بحق لك، أو يقوم له، بكون مثلا القاضي بعرف المدعي أو المدعى عليه فيقوم له لما يدخل، تفضل تفضل وكذا وكذا، لما يدخل المدعى عليه ما بقوم له وكانه غير موجود، اجلس مكانك، هذا للاسف كثير يفعله القضاة اليوم من دون معرفة بأحكام القاضي وما الذي يجب وما الذي يسن وما الذي يحرم، للأسف.
ويحرم عليه أيضاً أن يحكم، يحرم على القاضي أن يحكم وهو غضبان كثيراً، إذا كان غضبان قليلاً قال: والغضب اليسير لا يمنع من القضاء، لكن إذا كان غضبان غضب كثير يفقد التركيز، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر: «لا يقضي القاضي بين اثنين أو لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان».
كذلك إذا كان حاقناً، حاقناً يعني يحتاج للذهاب إلى دورة المياه، الإنسان إذا كان كثير حاقناً العقل لا يفكر جيداً، أو كان في شدة جوع، جوعان بشدة، أو شدة عطش، أو شدة هم، أو شدة ملل، أو شدة كسل، أو شدة نعاس -كلها طبعا معلقة بالشدة- أو شدة برد من مؤلم أو شدة حر مزعج، فكل هذه الأمور يحرم على القاضي أن يقضي أثناءها لأنه لا يركز، فإن خالف هذا القاضي وقضى في حالة من هذه الأحوال وفعل حراماً لكنه حكم في هذه الحالة، هل يصح قضاؤه؟ الآن هو حرام حرام، لكن من حيث الصحة والبطلان وهو الحكم الوضعي، هل يصح ولا لا يصح؟ قالوا: يصح إن أصاب الحق.
لكن إن ظهر أنه لم يصب الحق وكان قضاؤه باطلاً فلا يصح ولا يلتفت إلى هذا القضاء ويعاد من جديد.
ثم قال: ويحرم عليه أيضاً -ما زلنا نتكلم عن المحرمات- أن يحكم بالجهل، يحكم بين اثنين وهو مش عارف حكم الله عز وجل في هاي الواقعة، بصير يحكم في الجهل؟ لأ، «القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار»، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكرة، أو وهو متردد، مش متأكد من صحة حكمه برضه ما بنفع، فالتردد حاله حال الجهل في التحريم الحكم به، فإن خالف وحكم -من حكم وهو يجهل أو حكم وهو متردد- هنا لا يصح حكمه ولو أصاب الحق، يعني لو رحنا لقاضي آخر وقال لنا إن قاضي الجاهل أو القاضي المتردد قضاؤه صحيح، لا يقبل هذا القضاء وعليه أن يعاد، بخلاف المسألة السابقة مسألة من قضى أثناء شدة جوع أو عطش، هسه حرام، لكن إذا قضى وأصاب الحق بنمشيه تمام، لكن حالة أن هو حكم وهو جاهل بالمسألة أو متردد فيها هنا لا يمشي هذا القضاء بحال من الأحوال.
ثم قال: ويوصي للوكلاء والاعوان ببابه. القاضي بكون عنده في العادة في مجلسه حراس وأعوان على أبواب المحكمة، يوصيهم بالرفق بالخصوم وقلة الطمع، يعني ها مش كل واحد يحط في جيبتكم شغلة تقبلوها، يوصيهم بتقوى الله سبحانه وتعالى باختصار، ويجتهد القاضي أن يكون وكلاؤه وأعوانه في مجلس القضاء أن يكونوا شيوخاً أو كهولاً، يا بكونوا كبار في السن أو وصلوا لمرحلة الكهولة وليس شباب يافعين صغار، أجتهد أن يكونوا شيوخاً أو كهولاً أعوانه من أهل الدين والعفة والصيانة حتى كما قلنا توصل الحقيقة كما هي ولا يكون هناك تلاعب.
إذاً، وكلاء القاضي يسن ويجتهد القاضي أن يكونوا شيوخاً أو كهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة.
ويباح له، يباح للقاضي أن يتخذ كاتباً وظيفته يكتب الوقائع، احنا بنسميه اليوم في واقعنا كاتب عدل، المحاكم في بلادنا يسمى كاتب عدل، يكون جنب القاضي ووظيفته يكتب ما يملي عليه القاضي، لكن يشترط في هذا الكاتب ثلاثة شروط: أن يكون مسلماً، فكاتب العدل لا يكون نصرانياً أو ذمياً عموماً، اثنين: أن يكون مكلفاً بالغاً عاقلاً، ثالثاً: أن يكون عدلاً، حتى لا يغش ويغير الحقائق المكتوبة تماماً.
ويسن أن يكون هذا الكاتب حافظاً، عنده قدرة على الحفظ حتى إذا سهى القاضي أو ما تذكر يذكره، وأن يكون عالماً بأحكام الدين، هذه السنن مستحب أن تكون حتى نصل لأفضل مرحلة في هؤلاء الكتاب، أعلى مستوى يمكن أن يوجد فيهم، لكن ليس شرطاً أن يكون حافظاً عالماً، يكفي أن يكون مسلماً مكلفاً عدلاً يكفينا.
الآن بعد ما تعرفنا على شروط القاضي وكيف يولى وآدابه وأحكامه، سنبدأ الكلام عن كيفية القضاء، كيفية القضاء الطريقة التي يتبعها الحاكم ليكون سائراً على منهج صحيح في القضاء بين متنازعين، وهذا باب مهم جداً وتأصيلي في مفهوم القضاء، باب طريق حكمه وصفته.
ما معنى طريق الحكم؟ يعني الطريقة التي يتبعها الحاكم في فصل النزاعات بين الناس ورد الحقوق إلى أصحابها، وهذا الباب عبارة عن خطوات متسلسلة، عليكم أن تنتبهوا لها ستفهم منهج الحنابلة في قضية القضاء، قال: إذا حضر إلى الحاكم خصمان -قصة لازم نتكلم عن قصة- إذا حضر إلى الحاكم خصمان مدعي ومدعى عليه، فالحاكم له أن يسكت يبقى صامتاً حتى يبتدأ أحدهما بطرح الموضوع، وله أن يقول: أيكم المدعي، فالحاكم إذاً مخير، دخل خصمان إلى مجلس القاضي، فالقاضي أما أن يبقى صامتاً ينتظر أن يبتدأ أحدهما بالدعوة، وأما أن يسأل فيقول: أيكم المدعي، له أن يفعل هذا وله أن يفعل هذا.
فإن ادعى أحدهما، إذا تقدم أحدهما وبدأ هو بالدعوة، اشترط في هذه الدعوة أن تكون معلومة، قال: فان ادعى أحدهما اشترط كون الدعوة معلومة، لابد تكون الدعوة معلومة، يعني في شيء معلوم، وتكون محررة بأن يقول المدعي مثلاً: أريد أيها القاضي من محمد ألف، بده يحدد أشياء الألف، ألف دينار وبحدد دينار أردني ولا دينار من دولة ثانية، ألف دينار أردني، إنه ممكن يكون ألف دينار كويتي، ممكن يكون ألف دينار كذا.
فعليه أن يحدد بالضبط ويحرر دعواه: أريد من محمد ألف دينار أردني، هون المدعي أعطى دعوة معلومة التفاصيل، أريد من محمد عشر شوالات من قمح، أما أن يقول المدعي: أريد من محمد، أطالب يعني محمد بعشر شوالات ويسكت، قاضي بكون قرب مش هينفع كده، لأنه عشر شوالات من إيش؟ من قمح ولا من شعير ولا من رز، هنا الدعوة ما عادت معلومة، فلابد للمدعي أن يحرر دعواه.
لبدء الدعوى والقضية شروط، منها أن تكون الدعوة معلومة، وهو أن يبين تفاصيلها لتصبح معلومة حتى يستطيع القاضي أن يلزم الطرف الآخر وأن يوجه إليه المخاطبة. كأن يقول: إنه يا فلان صاحبك يدعي عليك ألف دينار أردني أو عشر شوالات قمح.
أما إذا الحاكم ما عرف طبيعة الشيء المدعى به لن يستطيع أن يلزم الطرف الآخر بشيء. فلابد إذا في الدعوة أن تكون معلومة محررة واضحة حتى يستطيع القاضي أن يلزم بها الطرف الآخر إذا ثبتت.
واذكروا هذا المثال: بدك تدعي على شخص مال، بتبين شو نوع المال، ذهب ولا فضة ولا شعير ولا قمح، إذا كان مثلا نقود بتبين شو نوعها، دولار ولا دينار، إذا كانت دينار أردني ولا دينار كويتي، تحدد كل التفاصيل حتى تصبح الدعوة معلومة عند القاضي، ليوجه الخطاب إلى الطرف الآخر. إذا أول شرط لابد تكون الدعوة معلومة.
الشرط الثاني: كونها منفكة عما يكذبها. إذا كانت الدعوة من البداية واضح أنها مكذوبة لسياقها، ترفض هذه الدعوة ابتداء من القاضي، بقول هذه الدعوة أنا لا أسمعها. مثل ايش؟ شخص ادعى فقال: يا أيها القاضي، هذا الشخص أمامك قتل والدي قبل ثلاثين سنة. مرضا جاء المدعي فادعى على شخص أنه قتل والده، فقال له القاضي: متى قتل والدك؟ قال: قتله قبل ثلاثين سنة. فنظرنا في المدعى عليه فإذا هو شاب عمره عشرون عاما، يعني ما صلاش عشرون سنة عمره.
وهنا القاضي يقول للمدعي: دعواك اقترن بها ما يدل على كذبها. أنت يا المدعي تدعي على هذا الشخص أنه قتل والدك قبل ثلاثين سنة، صح؟ صح. طب كم عمرك أيها المدعى عليها؟ والله عمري عشرون سنة وهاي الهوية وهاي الإثباتات. إذا هذه الدعوة التي رفعها المدعي مكذوبة، لأن المدعى عليه عمره كله عبعضه عشرون سنة، فكيف أنت أيها المدعي تدعي عليه أنه قتل والده قبل ثلاثين سنة؟ إذا هنا احتف بالدعوة وارتبط بها ما يكذبها.
طيب، نأخذ مثال آخر. شخص ادعى عند القاضي فقال: أيها القاضي، أنا أدعي على هذه الزوجة عفوًا أن أدعي على هذه المرأة أنها زوجتي منذ عشرين سنة. فراح القاضي للمرأة فقال لها: كم عمرك؟ قالت له: والله أنا عمري سبع عشرة سنة. وإن القاضي مباشرة يلغي الدعوة، لأن المدعي يدعي على امرأة أنها زوجته منذ عشرين سنة، والمرأة طبعا تنفي أنها الزوجة. هذا الرجل المدعي يقول: أيها القاضي، هذه المرأة هي زوجتي منذ عشرين سنة وهي تنفي ذلك. فالقاضي ذهب فتش عن عمر الفتاة وهاي المرأة، ووجد عمرها عبعضه كلها سبع عشرة سنة وإلا ثمان عشرة سنة. فهنا سيقول القاضي للمدعي: دعواك اقترن بها ما يكذبها، أنت ادعيت أنها زوجتك منذ عشرين سنة وهي كلها عمرها بعضها سبع عشرة سنة، كيف بتكون زوجتك من عشرين؟
فاتضح كذب هذه الدعوة فلا تسمع. فإذا الدعوة لابد تكون معلومة التفاصيل، وطبعا إن شاء الله في المطولات أحبابي ستعرفوا أنه في بعض التفاصيل الثانوية القاضي لا يحتاج إلى أن تذكر في الدعوة، وهناك تفاصيل أساسية يحتاج القاضي أن تذكر في الدعوة، فالتفاصيل الأساسية هي التي يجب أن تذكر، بالتفاصيل الثانوية.
مثل مثلا سبب الاستحقاق، ما يسمى سبب الاستحقاق، يعني عند الحنابلة يكون أساسا لا يحتاج المدعي إلى أن يذكر. يعني لما أنا أقول يا قاضي أريد من فلان ألف دينار أردني، هل احتاج أن أبين كيف استحققتها؟ ما سبب الاستحقاق لها؟ والله قرض ولا بدي إياه منه، حق أجارة ولا بيع، ذكر سبب الاستحقاق هل يلزم المدعي؟ عند الحنابلة يقولون: لا، لا يلزم ابتداء أن يذكر المدعي سبب استحقاقه للألف، يكفي أن يبين أنه هو يريد من فلان ويستحق ألف دينار أردني. أما سبب الاستحقاق هذا مش شرط أن يذكره، فأن شاء الله في المطولة ستعرفون هناك أمور أساسية يجب أن تذكر وبدونها تكون الدعوة مجهولة، وهناك أمور ثانوية لا يلزم المدعي أن يذكرها.
اثنين، لابد كما قلنا أن تكون الدعوة منفكة عما يكذبها، وذكرنا أمثلة على ذلك. طيب، الآن طبيعة الشيء المدعى به، الشيء المدعى به أما أن يكون عينا واما أن يكون دينا. يعني المدعي قد يدعي على هذا الشخص عين من الأعيان؛ سيارة أو منزل، أو إيش حكينا مثلا سيارة أو منزل أو دراجة أو جوال معين، واما أن يدعي عليه دينا أي شيئا في ذمته. المدعي حينما يرفع دعوة على المدعى عليه، أحيانا يطلب في حقوق الآدمية، لأنه الدعاوى هناك دعاوى حدود، هناك دعاوى حقوق آدميين، لكن إذا كان المدعي يريد حقا خلينا نقول من المدعى عليه، هذا الكلام في هذه الجزئية، أما أن يكون دينا واما أن يكون عينا. إذا كان المدعى به، هيك بنقول: إذا كان المدعى به دينا، وإذا كان المدعى به عينا.
إيش قال؟ قال: إذا كان الشيء المدعى به دينا، أن المدعي راح عند القاضي وقال: يا قاضي أنا أريد من المدعى عليه ألف دينار دين. هنا القاضي بده يتأكد أن هذا الدين الذي يطالب به المدعي المدعى عليه، دين حال وليس من الديون المؤجلة. حنا عرفنا أن ديون البيوع يصح أن تكون مؤجلة، فإذا كان الدين الذي يطالب به المدعي لم يحن وقته بعد بل هو ما زال مؤجلا، فالقاضي هنا لا يسمع الدعوة. إذا المدعي طلب دينا من المدعى عليه وكان هذا الدين مؤجلا لم يحن موعده بعد، فالقاضي بقول للمدعي: الله يسهل عليك، اذهب إلى منزلك، لما يصبح هذا الدين حالا وواقع الآن يعني جاء وقت تسليمه، تعال ارفعوا دعوة فيه.
جيد، إذا كان الدعوة في دين لازم أن يكون هذا الدين حالا. وإذا كانت الدعوة في عين، ماذا قال؟ وإن كانت الدعوة بعين اشترط حضور هذه العين لمجلس الحكم حتى تعين بالإشارة. يعني إذا كان المدعي لا يطالب المدعى عليه بعين، بسيارة معينة، بمنزل معين، فهنا القاضي طبعا المنزل صعب نجيبه لمجلس الحكم، ممكن القاضي يخرج بعض الأعيان أو الوكلاء عنه يكشفوا عالبيت. لكن خلينا نقول سيارة من الأشياء التي تقبل النقل، إذا مدعي يدعي سيارة عين على المدعى عليه، فإن القاضي يطالب بحضور السيارة إلى مجلس الحكم، إذا كانت عين تقبل النقل فهنا القاضي يطالب بحضور العين إلى مجلس الحكم حتى تعين بالإشارة لتكون الشيء مدعا به تمام الوضوح.
طيب، إذا كانت غائبة عن البلد، يعني إذا كانت السيارة التي يطالب بها المدعي المدعى عليه مش موجودة في الأردن في بلد القضاء، وإنما موجودة في السعودية أو في العراق، مش موجودة في بلدنا. هنا يطالب المدعي بأن يصف هذه السيارة هذه العين التي يطالب بها المدعى عليه تمام الوصف. قال: كصفات السلم، مر معنا في كتاب السلم سابقا ما هي الأمور التي يجب أن تذكر في وصف المسلم فيه. صح أن يعين جنسه ونوعه وأي أمور يختلف بها الثمن عادة يجب أن تذكر في المسلم فيه، صح؟ فنفس الشيء هنا في حال القضاء. المدعي لما يطالب بعين، هذه العين مش موجودة في البلد ولا يمكن إحضارها، على المدعي أن يصفها بالصفات المشروطة في السلم، وأن يبين الجنس والنوع وصفات اللون والحجم وما شابه ذلك، تضبط هذه العين تمام الضبط لئلا يقع الاختلاف بعد ذلك. جميل؟
طيب، المدعي جزاه الله خير وفى جميع الشروط، أتى بدعوة معلومة ومنفكة عما يكذبها، وقد كانت دعوة مثلا دين أو عين، وقد تكون دعاوى أخرى مثل دعاوى الحدود وحقوق الحدود كما سيأتي معنا، أو دعاوى قصاص أنه مش كل الدعاوى هي دعاوى دين أو عين. فنحن هنا تكلمنا إذا كان المدعى به دين أو عين، لأنه ممكن يكون المدعى به جناية أطالب بقصاص، أو يكون حد من حدود الله يطالب بإقامته، فهذه أيضا أمور أخرى، أو ممكن يكون مثلا نسب، ممكن يكون عقد زواج إلى غير ذلك. فهذا التفصيل إذا كان المدعى به طبيعة أنه دين أو عين.
جميل، إذا أتم المدعي دعواه وسمعها القاضي. الآن القاضي بعد ما يسمع الدعوة من المدعي، يتوجه للمدعى عليه، لسا ما بطالب المدعي بالبينة، لأ، بعد ما يسمع القاضي كلام المدعي والمدعي أحكم دعواه، يتوجه القاضي إلى المدعى عليه، بقول له: سمعت أنت شو حكى صاحبك، هل تقر بالحق الذي يطالبك به ولا تنكره؟ فالمدعى عليه الآن يا بقر يا بنكر، صح ولا لا؟ هو يا بقر يا بنكر.
فإن أقر، فإن أقر خصمه بما ادعاه أو اعترف بسبب الحق ثم ادعى البراءة، لم يلتفت لقوله، بل يحلف المدعي على نفيه ما ادعاه ويلزمه بالحق إلا أن يقيم بينة ببراءته.
الآن الحالة الأولى أن المدعى عليه يقر، بقول: والله أيها القاضي كلام المدعي صحيح. المدعى عليه اقر بكلام المدعي، وهنا خلص، بقول القاضي: خلص ليش اجيت عندي أيها المدعى عليك، عليك أن ترد الحق إلى المدعي. وإذا كان من أمور الحقوق أو الجنايات أو الحدود سيقوم القاضي بتطبيق الأمر على ما تم تفصيله، طبعا تفصيله في باب الحدود كم يحتاج إلى قراءة، أنه في حدود هذا قرار بيئي يحتاج لمرتين، هناك يحتاج لأربع مرات على حسب ذلك. لكن عموما زي ما ذكرنا أن القاضي الآن بيتوجه للمدعى عليه بقول له: أنت سمعت كلام المدعي؟ هل تقر؟ إذا أقر خلص، سيلزمه القاضي بتبعة الإقرار.
هناك أيضا حالة أخرى سيلزمه القاضي فيها، وهي قال: إذا اعترف بسبب الحق، اللي هي الحالة الثانية. إذا المدعى عليه اعترف بسبب الحق ثم ادعى البراءة، قال: لم يلتفت لقوله. شو يعني هذا الكلام؟ يعني المدعي قال: أيها القاضي أريد من المدعى عليه ألف دينار أنا كنت أقرضته إياها وهو ما سدني إياها. فالقاضي هنا ذهب للمدعى عليه وقال: هل تقر بأنه أقرضك؟ اعترف المدعى عليه بسبب الحق، يعني المدعى عليه إيش قال؟ قال: أنا بعترف إنه أقرضني، ها اعترف بسبب الحق، فقال: اعترف إنه فعل أنه أقرضني لكن ليس له شيء مني. ادعى البراءة، قال: أنا بريء من هذه الألف، أنا خلاص بريء منها، كأنه ادعى أنه ردها، ها هو اعترف، ركز اعترف أنه فعلا أقرضه، لكنه قال: ليس له عندي شيء، ليس له عندي شيء يعني كأنه يقول: أنا رددتها له، أنا رددتها له مسبقا.
طيب، أو مثلا خليني آخذ مثال آخر، ادعت امرأة مهرا على زوج أو على رجل، وهذا الرجل معترف بالزوجية، لكنه قال: لا مهر لها عندي، يقصد أنه خلص أنا سديت المهر. امرأة رفعت دعوة عند القاضي: يا أيها القاضي هذا الرجل أريد منه مهري. القاضي راجع المدعى عليه، فاذا المدعى عليه يعترف بسبب الحق، الآن المهر لماذا تستحقه المرأة على هذا الرجل؟ أكيد في سبب وهو الزوجية بسبب الزواج. فإذا المدعى عليه اعترف بالزوجية، قال: فعلا أنا زوج لهذه المرأة أيها القاضي المدعية، لكن ليس لها عندي شيء. مفهوم كلامك، ليس لك ليس لها عندك شيء، يعني أنت سديتها، هذا مفهوم كلامك.
الان المدعى عليه إذا اعترف بسبب الحق، مثلا في المسألة الأولى اعترف المدعى عليه بأنه كان أقترض من المدعي، أو في المسألة الثانية اعترف المدعى عليه بأنه زوج لهذه المرأة، لكنه قال: أنا بريء من الحق. في هذه الحالة قوله بعد أن اعترف بسبب الحق قوله: أنا بريء منه، مش لازمني في ذمتي أنه أنا سديته باختصار وخلصت منه، هل يعتبر قوله هذا؟ لا، لا نعتد بقوله إنه بريء منه وأنه قام بسداد الحق وإرجاعه. لذلك ايش قال؟ لم يلتفت لقوله إنه بريء، بل يحلف المدعي، هنا بعد أن اعترف بسبب الحق لكنه ادعى البراءة منه، هنا يحلف يرجع القاضي على المدعي ويطالبه بأن يحلف على نفيه ما ادعاه. يعني القاضي برجع للمدعي، مثلا يجي عأمسألة القرض القاضي بقول للمدعي: احلف أيها المدعي أن هذا المدعى عليه لم يرد لك المال. فالمدعي هنا يحلف: والله أيها القاضي وأقسم بالله أن المدعى عليه لم يرد لي المال. فهنا خلاص، بما أن المدعي حلف أنه لم يستلم شيء ولم يرد إليه المال، القاضي سيطالب المدعى عليه بدفع المال للمدعي.
وكذلك في مسألة الزوجة، الآن الزوج المدعى عليه اعترف أنه زوج، تمام؟ بس قال: أنا سديت المهر. فهنا بيرجع القاضي على المدعي وهي المرأة فيقول لها: أيتها المرأة المدعية احلفي بالله أن الزوج لم يعطك المهر، فتقول: أقسم بالله أن الزوج لم يعطني المهر. فهنا الزوج سيطالب بأن يدفع المهر.
إلا، جئنا للاستثناء الأخير، إلا أن يقيم بينة ببراءته، لأن هنا في الحقيقة القضية ستنقلب، خلينا نقول هنا أصبح المدعى عليه هو الذي، ها بعد أن اعترف بسبب الحق لكنه قال إنني بريء منه يعني سديته، بنقول: الأصل أنك ما سديته. فيصبح المدعى عليه هو المطالب بالبينة، والمطالب بالبينة، سيصبح المدعى عليه هو المطالب بالبينة في هذه الحالة، لأنه اعترف بسبب الحق لكنه ادعى أنه بريء منه وأنه قام بسداده، هنا يصبح المدعى عليه هو المطالب بالبينة أنه سد الحق ويكون المدعي هو المطالب باليمين.
لاحظوا كيف أن أحيانا قد تعكس الأمور، مع أن الأصل في باب القضاء أن المدعي ما علوهش يمين، المدعي على البينة والمدعى عليه هو عليه إقرار أو يمين، لكن في مثل هذه الحالة لاحظوا هاي الحالة الاستثنائية، لما المدعى عليه أقر بسبب الحق وزعم أنه رده، نقول: الأصل أنك ما رديت، فعليك أن تأتي بالبينة أنك رددته، فإن لم تأتي بالبينة فسنطالب المدعي باليمين أنه لم يستلم ويأخذ حقه.
فهمتم؟ كيف تنقلب الأمور في مثل هذه الأحوال؟ جميل. طيب، إذن القاضي ذهب للمدعى عليه؛ فالمدعى عليه إما أن يقر من دون نقاش، وحينئذ القاضي سيلزم المدعى عليه بأن يرد الحق إلى المدعي.
وإما أن يعترف المدعى عليه بسبب الحق لكنه يزعم أنه أصبح بريئاً منه وأنه رده للمدعي. وهنا عرفنا، إذا لم يأت المدعى عليه ببينة تثبت براءته، المدعي يحلف ويستحق أخذ الحق. طيب، إذا المدعى عليه لا، ما اعترف بشيء، لا هو أقر ولا اعترف بسبب الحق أصلاً، أنكر كل الموضوع.
المدعي بقول: يا قاضي، أنا أقرضت فلان ألف دينار. المدعى عليه بقول: ما أقرضني. نفى أصل الموضوع. قال له: ما أقرضني شيء، فإن انكر الخصم ابتداء كل الموضوع -أو المرأة قالت: يا قاضي، أنا أُريد من هذا الرجل مهراً للزوجية، فالرجل قال: أنا لست بزوج لها أصلاً- أنكر كل الموضوع أصالة.
إن أنكر الخصم ابتداءً بأن قال لمدعٍ مثلاً قرضا أو ثمناً عليه: ما أقرضني أيها القاضي، أو ما باعني شيئاً حتى يستحق ثمنه، أو لا يستحق علي شيئاً مما ادعاه، أو لا حق له عليه. ها هنا المدعى عليه أنكر أصل الموضوع. هنا صح الجواب، يعني بيكون جواب المدعى عليه صحيح.
صح، يعني عند القاضي من حيث الناحية القضائية قوله: لم يقرضني، لم يعطني. الجواب هيك صورته صحيحة، صورتك وصورة الجواب صحيحة، القاضي سيلتزمها. فهنا إذا أنكر المدعى عليه، سيعود القاضي إلى المدعي.
ها، سنعود الآن للمدعي، فيقول الحاكم للمدعي: هل لك بينة على الحق الذي تدعيه على فلان؟ فإن قال المدعي: نعم، عندي بينة. قال له القاضي: إن شئت فأحضرها. آه، لاحظوا حتى عبارة القاضي، ما بأمره لا، بقول: إن شئت، الأمر لك أنت المدعي، حاب تحضرها أحضرها.
فإن ذهب المدعي فأحضر بينته، البينة هنا الشهود، كما قلت لكم، في كتب الفقه في العادة لما يتكلموا عن البينة هم يتكلمون عن البينة بمعنى الشهود، وقل أن يتطرقوا لموضوع البينة بمعنى القرائن. جميل، كما قلنا، القاضي سيقول للمدعي: أحضر بينتك، يعني شهودك. فبيروح المدعي، أو إن شئت هكذا، إن شئت أحضر بينتك.
فإذا ذهب المدعي فأحضر الشهود وشهدوا -طبعا رح نجي الآن لموضوع الشهود وتزكيتهم، هذه قصة ثانية، لكن احنا الآن بنختصر- هل لك بينة؟ فان قال: نعم. قال له: إن شئت فأحضرها. فإذا أحضرها وشهدت، سمعها الحاكم. إذا جاب المدعي شهوده، يلزم الحاكم القاضي أن يسمع هؤلاء الشهود يشهدون بالحق وحرم ترديدها.
يعني لا يجوز للقاضي إذا سمع الشهادة بشكل صحيح أن يطالبهم بإعادة الشهادة. القاضي إذا سمع الشهادة من الشهود بشكل صحيح، بصورة واضحة كاملة، يحرم عليه أن يطلب منهم الترديد والإعادة، لأنه هذا أولاً ممكن يصنع ترهيب لهم، للشهود وتخويف، ليش طالبنا بالاعادة؟ فيسبب تلكؤ منهم، ممكن يتراجعوا، ممكن الأمور تختلط، ممكن تختلف الأقوال، فما بدناش، احنا خلص بنعتمد الشهادة الأولى.
أنت أيها القاضي سمعت كامل؟ آه والله سمعتها وسجلتها. إذاً لماذا تطالبهم بالترديد؟ فضلاً أنه أصلاً ممكن يكلفهم إنه الشهود شهدوا وذهبوا القاضي يطلبهم مشوار تاني برضه، هذه تكاليف هم ليسوا ملزمين بها، وفيها تعنت ومشقة لا حاجة إليها الآن. القاضي إذا ما سمع الشهادة بشكل صحيح ممكن يطالب باعادتها، لكن إذا سمعها وسجلها ووثقها، لماذا تطالب بالتكرار؟ فهذا لا يجوز شرعاً أن يطالبهم بتكرار الشهادة.
ثم قال: بدنا نكمل الآن، بده شوي يستطرد في موضوع الشهود. قال: ويعتبر في البينة أي في الشهود -البينة هنا بمعنى الشهود، ولاحظوا أنهم شوي حاصرين الموضوع، قال: البينة، لكن الأصح أن البينة- أحفظوه وخذوا هذه المعلومة من ابن القيم: البينة في القضاء أعم من الشهود. البينة نعم الشهود هم أحد أصول البينات، لكن البينة قد تكون قرائن أحوال، قد تكون قرائن أحوال وليس دائماً هي الشهود، لكنهم زي ما عرفتوا لما هنا بيقول لك بينة، اعرف أنه يقصد بالبينة الشهود بالتحديد.
قالوا: يعتبر في البينة أي في شهود العدالة ظاهراً وباطناً. آه، الشهود اللي بيقبلهم القاضي وبسمع منهم شهادتهم، لا بد تثبت عند القاضي عدالتهم ظاهراً وباطناً. يعني إيه؟ أن يكونوا عدولاً في ظاهر حالهم من أهل الصلوات والصلاح والخير، وفي باطن أحوالهم من حيث المعاملة والمعاشرة.
الظاهر كما قلنا السمت الظاهر، اللي هو المحافظة على الصلوات والعفة والأمور الشكلية الظاهرة، أنه رجل متدين محافظ يخاف الله. هذا الظاهر. وبده يتأكد من عدالة الباطن. والباطن ليس المراد القلب، لا، بعض الشباب يفهموا الباطن، المراد بالباطن يعني معاشرته؛ لأنه كثير من الناس بتفكر إنه شخص بصلي في المسجد ومن أهل الصلاح وممكن يكون مربي أيضاً الذقن واللحية ويلبس لباس. آه، يظنوا خلاص، هذا دلالة على العدالة الباطنة.
لما يبدأ يتعامل معه في التجارة وفي البيع وفي الشراء وفي أموره الخاصة بيكتشف مصايب، فبالتالي القاضي بده يكون حذر، بقول لك: هذه حقوق ناس، أنا لن اعتمد فقط على العدالة الظاهرة، بل يجب أن أعرف معشره الباطن، فلا بد يكون متأكد من أنه هذا الرجل عدل حتى في معاملاته الشخصية وفي مصاحباته للناس وفي سفره وفي حله وفي ترحاله، تمام؟
فالعدالة التي يطلبها القاضي في الشهود هي عدالة ظاهرهم وباطنهم، فيتأكد حتى من عدالتهم في معاملاتهم، لما يعامل الناس عدل، لما يصاحب الناس ويسافر معهم عدل، هذه العدالة التي نطلبها. إلا في شيء واحد يكتفي فيه القاضي بالعدالة الظاهرة، قالوا: في عقد النكاح.
في عقد النكاح المدعي إذا أتى بشهود يكتفي القاضي بعدالتهم الظاهرة. ليه؟ جبت لكم إخواني في عقد النكاح لما أتكلمنا عن الشهود الذين يشهدون على عقد النكاح، ايش قلنا؟ قلنا الشهود في عقد النكاح اشترطوا عدالتهم ظاهراً، أنا عقدت على فتاة وجبت شهود، الشهود لا يشترط حتى أشهدهم على عقد نكاحي أن يكونوا عدولاً في الباطن، يكتفي، استطيع أن أكتفي بالعدالة الظاهرة.
فاذا أنا، طب ايش فائدة الشهود على عقد النكاح؟ لما أنا أتزوج فتاة وأجيب شهود، ايش فائدتهم؟ فائدتهم إنه إذا صار في المستقبل نزاع بيني وبين هذه المرأة، إنه أنا زوجك، لا، هي بتقول أنت مش زوجي، ورحنا للمحكمة، إنه هدول الشهود اللي شهدوا على عقد النكاح أجيبهم وأقول للقاضي: أيها القاضي، أنا هدول الشهود شهدوا على عقد نكاحي.
فالقاضي بسمع منهم، أنتم مشيتوا على.. آه والله شهدنا إنه هاد الزلمة تزوج هذه المرأة، فلما كنا في عقد النكاح كنا نقول الشهود في عقد النكاح يشترط العدالة الظاهرة فيهم، بالتالي إذا صار الموضوع فيه نزاع وخصومة، القاضي سيقبل شهود عقد النكاح اكتفاء بعدالتهم الظاهرة، صح؟ وهيك المنطقية في التقاصير، إنه احنا قبلناهم شهود في عقد النكاح بعدالتهم الظاهرة، وهذا معناته إنه إذا صارت مشكلة وارتفعنا عند القاضي، القاضي سيقبل هؤلاء الشهود اكتفاء بعدالتهم الظاهرة.
وأما ما سوى موضوع عقد النكاح لا، يشترط أن يعرف القاضي العدالة الظاهرة والعدالة الباطنة. ممتاز. قالوا: وللحاكم أن يعمل بعلمه فيما أقر به في مجلس حكمه، وفي عدالة البينة وفسقها. فان ارتاب منها فلا بد من المزكين لها.
الان هذه مسألة كبيرة في الفقه الإسلامي وفي القضاء عموماً، هي مسألة: ما هي الأمور التي يجوز فيها للقاضي أن يتبع علمه ومعرفته الشخصية؟ الآن اسمعوا مني، الحنابلة يقولون: لا يجوز للقاضي أن يقضي بين اثنين بناء على علمه. هذه اكتبوها لأنه ما ذكرها الشيخ مرعي: لا يجوز للقاضي أن يحكم بين اثنين بناء على علمه بالمحق من المبطل.
يعني مدعي ومدعى عليه جاءوا عند القاضي، فالمدعي يقول: أيها القاضي، أنا أريد من فلان ألف دينار أقرضته إياه. والمدعى عليه أنكر أنه في قرض أصلاً. الآن القاضي كان يعلم حقيقة صدق المدعي، يعني هو يعلم في باطنه أن المدعي فعلا يريد من المدعى عليه الامتنان شافه بقرضه، كانوا معهم في السيارة لما أقرضوه، لسبب من الأسباب كان القاضي يعلم صدق المدعي وكذب المدعى عليه، لكن مع ذلك لا يجوز للقاضي أن يقضي بين المتخاصمين بعلمه، بل يطالب القاضي المدعي بالبينة في حالة إنكار المدعى عليه. وإذا لم يأت المدعي بالبينة والمدعى عليه حلف بالله أن المدعي لا يريد حقاً منه، القاضي سيسير على القواعد القضائية.
وعند يا شيخ، طب ما هو القاضي بعرف إنه المدعى عليه كذاب؟ ما بنفع أن يحكم بعلمه. ليه تقولون القاضي إذا أصبح يتبع علمه يعني ما راح يطالب المدعي بالبينة، أقول له: خلاص، أنا عارف أنك صادق، وأنا كنت شاهد وشفتكم.
إذا قضى القاضي بعلمه يخشى أن يتهم ويصبح الناس تتهم هذا القاضي أنه هذا القاضي والله واضح أنه بيحابي المدعين، أو خاصة إذا كان القضاة قضاة سوء وهون المصايب بتيجي. أنا لو قلنا للقاضي: احكم بعلمك بدون ما تتبع القواعد القضائية، ممكن يكون قاضي سوء بقول لك: آه، أنا بعرف أن المدعي صادق، وبدي أعطيه حقه من المدعى عليه. طب شو بعرفني أن هاد القاضي صادق ولا كاذب في كل كلامه؟
فهنا الفقهاء الحنابلة نظروا لهذا الموضوع احتياطاً وسداً للذريعة، خشية من قضاة السوء وخشية من اتهام القاضي بالمحاباة. قالوا: حتى لو كان القاضي يعلم بسبب أو بطريقة من الطرق أن المدعي صادق والمدعى عليه كاذب، ليس له أن يعطي المدعي الحق من المدعى عليه، بل يسير على القواعد القضائية أن المدعي عليه يأتي بالبينة، ما جابش بينة، القاضي بيوقف مع المدعى عليه مع علمه بأنه كاذب، لأن القضاء له قواعد، وينبغي أن تغلق فيه كل الأبواب التي تؤدي للفتن.
تصوروا أننا كحنابلة أعطينا القاضي صلاحية أن يحكم بعلمه، وكان القاضي قاضي سوء، شف الورطة! راح يصير كل واحد يجي عند هالقاضي ويعطيه بخشيش مثل ما بيقولوا من تحت الطاولة، يقول القاضي: آه، أنا بعرف أن المدعي صادق، أنا بعرف وسأعطيه حقه. يا قاضي، اسمع الشهود. قال: ما بدي شهود، أنا بعرف أن المدعي صادق. فسيصبح كل قاضي سوء يدعي صدق المدعي، وبالتالي يعطيه حقوق وتؤكل الحقوق وتتهم وتدخل في بعضها.
فهنا الحنابلة قالوا: القاضي لا يحكم بعلمه، لا يحكم بناء على معرفته بالقضية، بل يحكم بناء على القواعد القضائية. شهود، جاء الشهود ممتاز، شهدوا، القاضي بيسمع على آخر القواعد القضائية. لكن هناك استثناء في بعض المسائل يجوز للقاضي أن يتبع علمه، وهي في الحقيقة ليست استثناء، بل هي أماكن أخرى يجوز للقاضي فيها أن يتبع علمه، هذه هي التي ذكرها هنا الشيخ مرعي.
قالوا: وللحاكم أن يعمل بعلمه -يعني أن يتبع معرفته- فيما أقر به في مجلس حكمه. الآن هاي واضحة، أنه أي إقرار يصدر، أي إقرار ومعلومة خلينا نقول تصدر من المدعى عليه أو حتى من المدعي في مجلس الحكم وسمعها القاضي، القاضي سيبني عليها الحكم إذا سمع القاضي أي إقرار من المدعى عليه أو من المدعي، المدعى عليه أقر بالحق اللي عليه، أو المدعي أقر على نفسه أنه كاذب في دعوى.
إذا سمع القاضي أي إقرار في مجلس الحكم، فإن القاضي سيصدر قضاؤه وحكمه بناء على هذا الإقرار تماماً. يعني هو مش مطالب القاضي يذهب إلى خارج دائرة مجلس الحكم ويتفحص هل الإقرار هذا الذي أقر به المدعي أو المدعى عليه صحيح ولا لا، ما فيش داعي. متى حصل أي إقرار من أي طرف وسمعوه القاضي بإذنه، هنا القاضي سيترتب على هذا الإقرار الإجراءات ويبني عليه الحكم.
ويظنها واضحة، ما كان يعني أني لا أرى داعياً كبيراً تذكر هنا في هذا السياق، وليست استثناءً بل هي شيء واضح، أنه أي إقرار سيكون من قبل المدعي أو المدعى عليه على جزئية، القاضي سيأخذ هذا الإقرار ويبني عليه معرفته بالحكم. هذه واضحة.
الأمر الثاني وهو المهم هنا: قضية أن القاضي يعمل بعلمه في عدالة البينة وفسقها. آه، احنا حكينا القاضي لا يحكم بعلمه بين المتخاصمين، هذه واضحة. لكن القاضي له أن يتبع علمه في قضية الشهود. ما معنى يتبع علمه في الشهود؟ يعني إذا القاضي يعرف أن الشهود الذين شهدوا للمدعي عدول، يعني هو بيعرفهم شخصياً وبيقرف أنهم عدول باطناً وظاهراً، خلاص القاضي يتبع علمه، يعني إذا المدعي أتى بشهود -الان الشهود بده يجيبهم المدعي، يعرفني بده يكونوا عدول ظاهراً وباطناً- الآن إذا القاضي هو يعرف هؤلاء الشهود، يصلوا معه في المسجد، والله سافر معهم رحلة عمرة، وهذا القاضي عرف من خلال صلاتهم في المسجد ومعاملته معهم سابقاً من خلال علمه الشخصي يعرف عدالة هؤلاء الشهود ظاهراً وباطناً، في هذه الحالة القاضي لا يطالب المدعي بمزكٍ لهؤلاء الشهود، خلاص، لا يطالبه بمن يزكي هؤلاء الشهود، خلاص بيقول لك: أنا بعرف أنهم عدول فلا داعي أن يطالب المدعي بمزكين.
جميل، فهنا يجوز له أن يتبع علمه إذا علم القاضي أن الشهود عدول لأنه يعرفهم جيرانه، آه، بيشتغلوا معه في شركة، آه، زي ما حكينا بس طلعوا معه عمرة، يصلوا معه في المسجد وعاملهم كثير، مش مجرد يصلوا معه في المسجد، عاملهم كثير. فاذا كان القاضي يعلم في الباطن في باطن أمره عدالة الشهود، لا يطالب المدعي بمزكيه.
طيب، أما إذا كان القاضي لا يعلم عدالة الشهود -المدعي أتى بشهود، القاضي أول مرة بيشوفهم، آه بدنا نعرف أنهم عدول ولا لا؟ صح ولا لا؟- لذلك قال: فان ارتاب منها، هل هؤلاء العدول بيعرفوا الشهود عدول ولا لا؟ ما عنده معرفة مسبقة بهم، فسيطالب المدعي بالمزكين، بمن يزكي له الشهود. طيب، فان طلب الآن القاضي ما بعرف الشهود، بدنا نعتبر هاي الفرضية عندنا.
فقال القاضي للمدعي: أيها المدعي، ائت لي بمن يزكي شهودك. فإن طلب الآن هنا المدعي، شو راح يحكي للقاضي؟ بيقول له ماشي. إن طلب المدعي من الحاكم أن يحبس غريمه حتى يأتي بمن يزكي بينته، أي بمن يزكي شهوده، أجابه القاضي لما سأل لطلبه وانتظره ثلاثة أيام. الآن المدعي شو حكى للقاضي؟ قال له ممتاز، أنا سآتي بالشهود، عفواً أنا سآتي بمن يزكي. شوفوا المزكين، صرنا في موضوع التزكية الآن، التزكية للشهود.
القاضي طلب من المدعي أن يأتي بمزكين للشهود. المدعي قال: ماشي، أنا بجيب مزكين، بس أيها القاضي اريدك أن تحبس المدعى عليه الغريم حتى أتي. طبعا أن يحبس غريمه، وهذا يا إخواني المطالبة بالحبس. قالوا تكون في الأمور المالية.
وأما في موضوع الحدود؛ إذا كان المدعي يدعي على الشخص حدا من حدود الله، فهنا لا يطالب بحبسه، لا مطالبة بحبسه، هذا إنما يكون في الغرامات المالية. لذلك قال: فان طلب المدعي من الحاكم أن يحبس غريمه، غريم المال صح، حتى يأتي هذا المدعي بمن يزكي البينة. المدعي بده يروح يفتش عمن يزكي هذه البينة، هؤلاء الشهود، فبحكي للقاضي: أيها القاضي، أنا بدي أحافظ على حقي، احبس المدعى عليه غريمي حتى أتي بالمزكين. فالقاضي يقبل هذا الطلب ويحبس المدعى عليه ثلاثة أيام فقط. لذلك قال: حتى يأتي بمن يزكي بينته، أجابه القاضي لما سأل لطلبه ويحبس المدعى عليه وينتظر ثلاثة أيام فقط.
خلال الثلاثة أيام إذا أتى المدعي بالمزكين، اعتبر معرفتهم لمن يزكونه بالصحبة والمعاملة. يعني الآن المدعي حضرته راح يبحث عن المزكين، جاب المزكين عند القاضي، فالقاضي بيسأل المزكين عن معرفتهم بالشهود. عن معرفتهم بماذا؟ أو بمن؟ بالشهود. لكن يسألهم عن المعرفة الباطنة؛ لأنه عرفنا البينة وهم الشهود لابد تعرف عدالتهم ظاهرا وباطنا. فلما يأتي المزكي ليزكي الشهود عند القاضي، القاضي ما بسأل المزكي: والله هل رأيت الشهود يصلون في المسجد؟ هذا بكفيش؛ لأنه هاي عدالة ظاهرة. القاضي سيسأل المزكي: هل تعاملت مع الشهود؟ هل بعت معهم؟ سافرت معهم؟ صاحبتهم؟ لذلك قال: بسألهم عن الصحبة والمعاملة حتى نعرف.
فالعدالة الباطنة: فإن المزكي قال: نعم عاملته وكذا وكذا وثبت لي صلاحه في المعاملة والمعشر وكذا، هنا يقبل القاضي كلام المزكي. طبعا حتى المزكي لابد برضه يثبت عند القاضي أنه ممن يصلح للتزكية؛ لأنه إذا المدعي أتى بمزكين هم نفسهم أصلا بدهم مين يزكيهم، ممكن المدعي يروح يجيب له أي واحد يكذب ويروح يزكي البينة. لابد يكون القاضي على يثبت عند القاضي صلاحية المزكين للتزكية.
لابد يثبت عند القاضي صلاحية المزكين للتزكية؛ لأنك في العهد المدعي بروح ببحث عن مزكين أصحاب مثلا شهادات جامعية، أصحاب أشياء مرموقة، بحيث يكون القاضي على بينة من المزكين أنهم أهل للتزكية. فيسألهم بعد ذلك بعد ما تثبت صلاحيتهم للتزكية، يسألهم عن معرفتهم الباطنة، جهود جيد. فان أثبتوا معرفتهم الباطنة بالشهود وأثبتوا العدالة الظاهرة والباطنة للشهود، حينئذ زي ما قلنا بيسمع القاضي شهادة هؤلاء الشهود.
الآن المدعي أتى بمزكين زكوا هذه البينة، هؤلاء الشهود. القاضي سمع هذه التزكية وقابلها، فجأة إذا بالمدعى عليه يقفز ويقول: أيها القاضي هم، أيها القاضي هؤلاء المزكون فساق! قال: فإن ادعى الغريم فسق المزكين أو فسق البينة المزكى. إن ادعى الغريم، اللي هو المدعى عليه، قال: أيها القاضي ترى هدول المزكين هم فساق، أو هؤلاء الشهود أنا متأكد أنهم فساق، سيبك من كلام المزكين، أنا بعرف أنهم فساق الشهود.
قال: إن ادعى الغريم فسق المزكين، أو فسق المزكين، أو فسق البينة المزكى نفسها، واقام بذلك البينة، سمعت وبطلت الشهادة. اه، إذا المدعى عليه استطاع أن يثبت عند القاضي بالبينة؛ يعني بشهود أتى بهم هو، قتل بدعني بشهود وببينة أثبتت أن شهود المدعي فساق مش عدول، أو أثبتت بينة المدعى عليه الذين أتى بهم أن المزكين لهؤلاء الشهود فساق. هنا لم قال، كلام المدعى عليه وبطلت الشهادة. قال: إذا قال فإن ادعى الغريم، المدعى عليه، فسق المزكين: إن المزكين أنا بثبت لك يا قاضي أنهم نفسهم فساق، أو فسق البينة المزكى أثبت فسق البينة المزكاة نفس الشهادة، يعني أثبت فسق الشهود المدعاة عليه، واقام بذلك البينة، ونفس الاشي ترى. القاضي يعطي المدعى عليه، إذا المدعى عليه قال: أعطوني ثلاثة أيام، أنا بثبت لكم إنه المزكين فساق أو الشهود فساق، القاضي نفس الشيء بده يعطي المدعى عليه ثلاث أيام، زي ما أعطى المدعي ثلاث أيام.
حتى يأتي بالمزكين، القاضي بده يعطي المدعى عليه ثلاث أيام إذا طلبها، ليبين فسق المزكين أو فسق الشهود. واقام بذلك بينة، سمعت. سمعت بينة المدعى عليه وسقطت الشهادة. طبعا في أحوال تفصيلية أحبابي، وهي إذا تعارضت البينات؛ يعني هذا أتى ببينة وهذا أتى ببينة، عرفتم هنا سيبدأ القاضي يذهب يبحث عن المرجحات إلى غير ذلك، وبالتفسير، والجرح المفسر يقدم على الجرح المجمل، قواعد كثيرة، لكنها فقط بدي ألملم لك الأمور حتى تعرف أساسياتها في هذا الباب.
وهنا وضع لك قاعدة قال: ولا يقبل من النساء تعديل ولا تجريح. هل يقبل قول النساء في التعديل والتجريح؟ يعني هل يقبل أن يكون المزكون، أن يكون عفواً المزكون، هل يقبل أن يكون المزكون للشهود نساء؟ هسه هم الحنابلة يقولون: ولا يقبل من النساء تعديل ولا تجريح، يعني النساء ما الهمش شغل في التجريح والتعديل في موضوع التزكية للشهود. لكن في الحقيقة، يعني أجد هناك استثناء في حالة والله أعلم، أنه إذا كانت الشهود تشهد على قضية مالية، إذا كانت القضية بين المدعي والمدعى عليه قضية مالية، هسه القضية المالية سيأتي إن شاء الله معنا في باب الشهود أنه يجوز أن يستشهد رجل وامرأتان.
في القضايا المالية يجوز أن يكون الشهود رجل وامرأتان، بالتالي يجوز أن تكون أو أن يكون المزكون لهؤلاء الشهود رجل وامرأتان. فأقول إذن قوله: ولا تقبل تزكية النساء؛ أي التعديل وتجريح النساء، هذا يعني انفراد النساء، انفراد النساء بالتزكية؟ نعم غير مقبول أبدا، وكذلك تزكية النساء في القضايا التي لا تقبل فيها شهادة النساء أصالة برضه بتكون مرفوضة. لكن تزكية النساء بالقضايا التي تقبل فيها شهادة النساء مع اجتماع الرجال طبعا، الذي يظهر لي أنها مقبولة، لكن بحضور الرجال، يعني يجوز أن تكون التزكية من رجل وامرأتين في القضايا التي يجوز أن يكون فيها الشهود رجل وامرأتان، هيك الفكرة.
يجوز أن يكون المزكي رجل وامرأتان إذا كان الشهود يشهدون على قضية يقبل فيها شهادة رجل وامرأتين، تمام؟ شهادة رجل وامرأتين. لكن القضايا الأخرى، القضايا الأخرى التي لا تقبل فيها شهادة النساء أصالة، هذه لا تقبل فيها تزكية النساء تبعا للشهادة. هذا الذي ظهر لي من كلام صاحب المنتهى وصاحب الإقناع أنهم يقولون: لا تقبل تزكية النساء وتعجيلهم وتجريحهم. ثم يقولون: ويقبل التجريح والتعديل من رجل وامرأتين إذا كانت القضية قضية مالية تقبل فيها شهادة رجل وامرأتين. فجمع هذا الكلام مع هذا الكلام يظهر منه أنه شهادة تزكية النساء؛ يعني تعديلهم وتجريحهم للشهود وحدهن لا يجزئ.
هذا متفق عليه؟ طب هل يمكن أن يشاركينا الرجال؟ أقول: نعم يمكن أن يشاركن الرجال في تزكية الشهود في القضايا التي تقبل فيها شهادة رجل وامرأتين وهي القضايا المالية. أما ما سيأتي سنعرف إن شاء الله ما هي القضايا التي تدخل فيها شهادة النساء مع الرجال. تجريح؛ هذه قاعدة جملة يمكن أن نستثني منها مشاركة النساء للرجال في أحوال معينة.
ثم قال: وحيث ظهر فسق بينة المدعي، ها إذا ظهر للقاضي أن البينة التي أتى بها المدعي، يعني شهود المدعي فساق، أو قال ابتداء المدعي، يعني أصلا المدعي ممكن يقول ابتداء: ابتداء أنا ما عندي بينة، ما عنديش شهود، رفع دعوة بس ما عنده شهود. أو قال المدعي ابتداء: ليس لي بينة على ما أدعيه. هنا قال له الحاكم: بالتالي بما أنه ما عندكش بينة أو ثبت لنا من خلاله المدعى عليه أن بينتك شهودك فساق، هنا سيقول له: ليس لك على غريمك إلا اليمين.
ليس لك على غريمك إلا اليمين. فهل الآن القاضي ابتداء ما يحلف المدعى عليه؟ بل ننتظر حتى يطالب المدعي بتحليف المدعى عليه. هذه اكتبوها: القاضي ينتظر حتى المدعي هو الذي يطالب بتحليف المدعى عليه. فهو الحاكم شو بحكي للمدعي؟ ليس لك على غريمك إلا اليمين. فالمدعي بقول: خليه يحلف. فيحلف إذا بطلب المدعي. فيحلف الغريم على صفة جوابه في الدعوة ويخلي سبيله.
شو يعني على صفة جوابه في الدعوة؟ الآن شو هي الدعوة؟ الدعوة أن المدعي قال: أيها القاضي أنا أريد من المدعى عليه مثلا ألف دينار أقرضته إياها. فالمدعى عليه ابتداء هو إيش؟ أنكر وقال: أنا هذا الشخص لم يقرضني أي شيء. فلما بده يحلف يمين الآن المدعى عليه بعد أن طالب المدعي بتحليفه، إيش بده يحلف؟ فيقول المدعى عليه: أقسم بالله أنني لم أقترض من هذا الشخص المبلغ الذي أدعاه وهو الألف دينار. فيكون إذن اليمين على صفة جوابه في الدعوة. الآن أنت شو حكيت لما جاوبت بقول مدعى عليه: أنا قلت والله إنه ما أنا لما جاوبت ابتداء أنكرت، قلت أنكر إنه أقرضني ألف دينار. بنقول له ممتاز، إذا طولبت بالحلف بتحلف على هذا الإنكار. فتحلف: أقسم بالله أنه لم يقرضني ألف دينار. فإيش كان جوابك ابتداء على الدعوة هو الذي ستحلف عليه لما يطالب المدعي بتحليفك.
قال: إذا فيحلف الغريم على صفة جوابه في الدعوة. خلاص، حلف المدعى عليه، يخلى سبيله ويروح على المنزل، ويحرم تحريفه بعد ذلك، يعني ما بصير القاضي يطالب بالتحليف مرة أخرى، يلا يتصل في تليفون: تعالي يا مدعى عليه بدنا ياك تحلف مرة أخرى عندنا حتى نتأكد أنك صادق. لا لا، هي حلفة واحدة، ويحرم تحريفه بعد ذلك.
لكن إن كان للمدعي بينة فله أن يقيمها بعد ذلك. اه، إذا المدعي بعد ما صار التحليف وروح المدعى عليه عالمنزل، اكتشف وتذكر المدعي أنه عنده شهود، ممكن يأتي بهم ليشهدوا واستطاع أن يثبت عدالتهم، هل يستطيع أن يأتي مرة أخرى بالشهود والبينة ويشهدوا؟ نعم. لذلك قال: وإن كان للمدعي بينة، يعني ظهرت له بعد ذلك، فله أن يقيمها، فله أن يقيمها بعد ذلك.
إذا لم يحلف الغريم. الآن نحكي الحالة الأولى أن المدعى عليه بقول بحلف، وحلف بالله وروح، لكن المدعى عليه يخاف يعني عارف حاله في الباطن إنه مش صادق، يرفض. وإن لم يحلف الغريم قال: ما بدي أحلف. المدعي طلب تحليفه، فالغريم المدعى عليه، الغريم يعني هو المدعى عليه، قال: ما بحلف. قال له الحاكم: اسمع أيها المدعى عليه، إن لم تحلف وإلا حكمت عليك بالنقول. النقول يعني الامتناع عن الحلف، هذا معنى النقول، يعني القاضي هنا سيقول المدعى عليه: إذا لم تحلف يمينا بالله، ساقضي عليك وألزمك بالحق؛ لأنك نكلت عن اليمين.
ويسن تكراره ثلاثا؛ يعني يسن إنه القاضي يحقد المدعى عليه هذه الجملة ثلاث مرات: أيها المدعى عليه، إذا لم تحلف يمين ساقضي عليك بالنكول. أيها المدعى عليه، إذا لم تحلف باليمين أقضي عليك بالنكول. أيها المدعى عليه، إذا لم تحلف يمين أقضي عليك بالنكول، ثلاث مرات. فان أصر على عدم الحلف، حكم عليه بالنكول ولزمه الحق. ما بدك تحلف بعد ما كررنا عليك ثلاث مرات، الحق بيلزمك، وعليك أن ترد القرض إلى المدعي جميل.
ثم قال: وحكم الحاكم يرفع الخلاف. إذا الحاكم أنهى القضية بأي صور من صورها، سواء بناء على بينة المدعي، أو بناء على يمين المدعى عليه، أو حكم على المدعى عليه بناء على نكوله بأي صورة من الصور، سيتم إصدار الحكم. حكم الحاكم خلاص يرفع الخلاف دنيويا، القاضي يصدر حكمه، وحكمه سينفذ جبرا على الأطراف جميعها، جبرا كحكم دنيوي سينفذ جبرا على الجميع ويرفع الخلاف.
لكنه لا يزيل الشيء عن صفته باطنا؛ القاضي هو يحكم على الظاهر، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار، فليأخذها أو ليذرها» كما قال صلى الله عليه وسلم أو كما قال. بالتالي القاضي هو يحكم بناء على القواعد القضائية، وحكمه ملزم في الدنيا، لكن إذا في نفس الأمر في الحقيقة، مثلا المدعى عليه حلف بالله، والقاضي خلص ما حكم على حلفه ومشى الأمور وروح على بيته المدعى عليه، لكن في نفس الأمر كان كاذبا وهو يعلم كذبه، هذا لا يحلل المدعى عليه بينه وبين الله.
صح القاضي قضى لك أيها المدعى عليه بناء على حلفك، لكن بينك وبين الله ما بشفع لك هذا إذا أنت تعلم من نفسك الكذب. وكذلك المدعي إذا أتى ببينة فشهدت له وهو يعلم المدعي أنها بينة زور، والقاضي قضى للمدعي بناء على بينات الزور، هذا لا يشفع للمدعي عند الله. والله يقول، والله القاضي حكم لي يا رب العالمين، لا، عند رب العالمين ستعامل على الواقع. فقال: لكنه حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته باطنا؛ فإذا كان هذا يعلم من نفسه أنه كاذب، أو هذا يعلم نفسه أنه كاذب، فحكم الحاكم لا يحل له بحق أبدا. لذلك قال: فمتى حكم له، أي للمدعي مثلا، ببينة زور بزوجية امرأة ووطأ مع العلم، فهو زاني. قال: فكازنا؛ يعني ادعى على امرأة أنها زوجته، والمرأة تنكر، فجاب المدعي بينة زور للأسف.
شهدت أن هذه المرأة هي زوجة هذا الرجل، والقاضي غوفل في هذه القضية، ولم يثبت له والله عدم عدالة هذه البينة. القاضي في ظاهر الأمر ثبت له عدالة البينة، فقبل شهادتها أن هذه المرأة زوجة لهذا الرجل، وبالتالي ألزم هذه المرأة بالعودة للرجل والمبيت معه. هذا الحكم الذي صدر، لكن إذا هذا الزوج كان يعلم أو هذا الرجل خلينا نقول يعلم في باطن أمره أن هذه المرأة ليست زوجة له، أو أنها بائنة منه ومشى على حكم القاضي ونام مع هذه المرأة ووطئها، نقول له: أنت زاني. فإذا قال: ليش أنا زاني؟ القاضي قضى لي، نقول: صح القاضي قضى لك، القاضي قضى بناء على الظاهر، القاضي أنت جبت له شهود وهو غلب على ظنه عدالتهم. والشهود طلعوا ما هم عدول، للأسف كذبوا وشهدوا أن هذه المرأة زوجتك وهي مش زوجتك، بل هل تظن أن حكم القاضي بالزوجية سيجعل الأمر في الباطن كذلك؟ كلا. إذا أيها الزوج أو أيها الرجل هو مش زوج، أيها الرجل إذا وطأت هذه المرأة بناء على حكم القاضي فأنت زان في شرع الله سبحانه، وحكم القاضي لا يحل لك الحرام.
جميل، مثلاً وإن باع حنبلي متروك التسمية، هاي مسألة أخرى، هاي مسائل خلافية بالتالي الأمر فيها سهل. إن باع حنبلي متروك التسمية عمداً، إحنا عرفنا الحنابلة، الحنابلة يقولون الذبيحة حتى تكون تذكيتها صحيحة لابد تسمي عليها، ويسقط يعني التسمية سهواً لا جهلاً. شخص ترك التسمية على الذبيحة عمداً، شخص لما ذبح شاة لم يسم عليها عمداً، الآن هذه الذبيحة شو حكمها عند الحنابلة؟ ميتة، لا يجوز أكلها. لكن عند الشافعية، الشافعية لا يوجبون ولا يشترطون التسمية حتى تحل الذبيحة، فلو أن شخصاً ذبح ولم يسمّ عندهم الذبيحة حلال، شخص ذبح شاة ولم يسمّ، الذبيحة عندهم حلال، عند الحنابلة ميتة وعند الشافعية حلال.
طيب شخص حنبلي يعيش في دولة قاضيها شافعي، ركزوا معي، شخص حنبلي يعيش في دولة قاضيها شافعي، فهذا الحنبلي باع شاة لم يسمّ عليها عمداً، ليه؟ المشتري باعها لشخص وصارت خصومة بين هذا الحنبلي وبين هذا الشخص، فترافعا إلى القاضي الشافعي. فالقاضي الشافعي أمر بنفوذ هذا العقد، يعني المشتري بحكي للقاضي: يا قاضي الزلمة باعني شاة، رجع أخذها مني، أو عمل في حركة المهم، القاضي الشافعي أمر بنفوذ هذا العقد. الآن ركزوا معي على قواعد السادة الحنابلة: لو شخص حنبلي باع شاة لم يذكر اسم الله عليها عمداً، فهي ميتة، بالتالي الآن في عند قواعد الحنابلة شخص باع شاة ميتة لرجل، العقد باطل؛ لأنه تم على ميتة نجسة، فالعقد باطل. لكن عند الشافعية العقد مش باطل؛ لأنه عندهم الشاة التي ذبحت ولم يسمّ اسم الله عليها هذه حلال ويباح أكلها، تختلف المذاهب.
فإذا الحاكم القاضي الشافعي صحح العقد وحكم بنفوذه فإنه سينفذ، والحنبلي ملزم بأن يمشي هذا العقد وأن ينفذه تبعا لكلام القاضي الشافعي، إن كان هو الحنبلي في مذهبه العقد باطل، بس القاضي لأنه شافعي وهاي مسألة اجتهادية طبعا، القاضي الشافعي أمره بإلزام العقد، يجب على الحنبلي أن يسير مع كلام القاضي الشافعي. جميل، والعكس بالعكس، لو كان القاضي شافعيا والحاكم حنبليا والحاكم ألغى العقد، الشافعي ليس له أن يعترض ويقول: يا قاضي أنا شافعي والحكم عندي أن العقد صحيح. القاضي الحنبلي يلزمه برأي السادة الحنابلة هو القاضي، فيأمر بإلغاء العقد سيلغى العقد، فإذا إذا كان الخصم حنبليا في حقه العقد باطل لكن القاضي شافعي، ففي مذهبه العقد صحيح، سينفذ رأي من؟ رأي القاضي ولا رأي الخصم؟ سينفذ رأي القاضي.
قال ومن قلد في صحة نكاح صحة ولم يفارق بتغير اجتهاده، كان الشخص يتعمم كثرة الوقوف. بسم الله الحمد لله، قال ومن قلد في صحة نكاح صحة ولم يفارق، أي لم يفارق زوجته، اكتبوا بتغير اجتهاده: شخص من عوام المسلمين ذهب عند شيخ عالم فقال له: أيها الشيخ، هل يجوز أن أنكح امرأة من دون ولي؟ الآن النكاح من دون ولي يصح عند الحنفية خلينا نقول، مع أن هناك شروط وقيود، لكن أنا بدي أتكلم باختصار، شخص عامي من عوام المسلمين ذهب لشيخ يظن فيه الخير والصلاح وأنه عالم، قال له: يا شيخ بصير أتزوج امرأة من دون أن يكون لها ولي؟ فالشيخ بناء على اجتهاده واتباعه لمذهب الحنفية قال: نعم، يجوز أن تتزوجها من دون ولي، فراح هذا الرجل العامي اتزوج المرأة نفسها من دون أن يكون هناك ولي لها، وباركت حياتهم الزوجية سعيدة، بعد فترة هذا الشيخ الذي استفتي، هذا الشيخ الحنفي ترك المذهب الحنفي إما كليا وإما في هذه المسألة وأصبح يفتي الناس بأن الزواج من دون ولي للمرأة باطل. آه هون تورط هذا العامي! العامي راح عند الشيخ وقال له: يا شيخ، أنا سألتك قبل خمس سنين هل يجوز أتزوج امرأة بدون ولي؟ قلت لي: بيجوز، اليوم والله شفتك عالإذاعة ولا عالتلفزيون بتفتي إن الزواج بدون ولي للمرأة باطل، تغير اجتهادك. بقول له: آه والله، كنت أرى مذهب السيد الحنفي الصحيح في هذه المسألة وغيرته، وأصبحت أرى رأي الجمهور عدم جواز الزواج بلا ولي. هل هذا العامي مطالب الآن بأن يفارق هذه الزوجة؟ قالوا: لا، لا يطالب بأن يفارق زوجته؛ لأن الزواج شرعا تم بصورة صحيحة بناء على الفتوى الأولى، فإذا غير الشيخ فتواه لا نطالب هذا العامي بإعادة الزواج ومفارقة زوجته، كالحكم بذلك، يعني سواء كان الموضوع فتوى أو موضوع حكم.
فإذا الحاكم القاضي حكم للرجل بصحة زواجه من امرأة من دون أن يكون لها ولي، ثم هذا القاضي تغير حكمه بعد خمس سنين بأنه يرى أن الزواج بدون ولي لا يصح، فالقضاء والإفتاء هنا شيء واحد، العامي لا يحاسب ولا يطالب ولا يؤاخذ بتغير فتوى المفتي ولا بتغير قضاء القاضي في قابل الأيام. أنا أجيتك، أنت قضيت لي بناء على اجتهاد معين أو أفدتني بناء على فتوى معينة أنا اتبعتك فيها، خلاص أنا مشيت عليها، إذا تغيرت فتواك بعد ذلك أو حكمك أنا كعامي ما لي علاقة، وأمشي على الفتوى، يعني ما مضيته وبنيته على الفتوى السابقة أبقى علي.
لكن خذوا هذا الكلام، إذا كان المفتي هو نفسه اللي وقعت معه القضية، يعني شخص كان مجتهدا هو نفسه مجتهد كان يرى أنه يجوز أن يتزوج امرأة بلا ولي، كان حنفيا تزوج امرأة من دون أن يكون لها ولي، هو نفسه بعد خمس سنين تغير اجتهاده وأصبح يرى أن الزواج بدون ولي لا يصح وأنه باطل، هنا يقول السادة الحنابلة: على هذا المجتهد أن يفارق زوجته. ها تلخبط الأمور الآن، هو نفسه المجتهد كان يجتهد ويرى أن الزواج بدون ولي صحيح فتزوج امرأة بدون ولي تمام، وبعد مدة تغير اجتهاده فأصبح يرى أن هذا الزواج الذي بدون ولي هو الباطل، فهنا المجتهد عليه أن يفارق زوجته ويعود فيتزوجها بالصورة الصحيحة، ففرق بين العامي وبين المجتهد نفسه، العامي لا يلزم بتغير فتوى المجتهدين، وإلا لا تنضبط أمور العامة، أما المجتهد عند السادة الحنابلة فإنه قالوا: يؤاخذ بتغير اجتهاده، فإذا تغير اجتهاده فانه يعيد الأمور بناء على تغير الاجتهاد، وهذا يعني كلام أيضا يحتاج شيء من المناقشة، لكن حتى لا أتعبكم في هذه المناقشات.
ثم ماذا قال السادة الحنابلة بعد ذلك؟ قال: وتصح الدعوى بحقوق الآدميين. سنختم إن شاء الله بهذا الفصل حتى لا أرهقكم أكثر من ذلك. قال: تصح الدعوة. هنا في بعض الدعاوى وقع فيها نزاع بين المذاهب الفقهية: هل القاضي يسمع هذه الدعوة ابتداء وإلا لا يسمعها؟ الحنابلة بينوا رأيهم فيها فقالوا: تصح الدعاوى إذا كانت تتعلق بحقوق الآدميين. وكلمة تتعلق بحقوق الآدميين يخرج الدعاوى التي تتعلق بحقوق الله، وهي دعاوى الحدود؛ الدعاوى التي تتعلق بحقوق الله ليست داخلة معنا في هذا التقعيد، وإنما الذي يدخل معنا الدعاوى التي تتعلق بحقوق الآدميين، سواء حقوق مالية أو غير حقوق مالية مثل النسب وما شابه ذلك.
فأي حق للآدميين رفعت فيه دعوة على ميت أو على غير مكلف أو على غائب مسافة قصر، وكذا دون مسافة القصر إذا كان مستترا، لا يمكن إحضاره بشرط البينة في الكل. الآن يقولون: إذا جاء مدعي رفع دعوى عند القاضي في مسألة من حقوق الآدميين، في حق من حقوق الآدميين وليس حقا من حقوق الله، ليس في حد من الحدود لا في حق من حقوق الآدميين، جاء المدعي فرفع دعوة عند القاضي في حق من حقوق الآدميين، وكان المدعى عليه إما ميتا وإما غير مكلف وإما غائبا مسافة قصر وإما غائبا في البلد مستترا. الآن المدعى عليه مش حاضر لمجلس الحكومة، لماذا؟ المدعى عليه لم يحضر لمجلس الحكم إما لأنه ميت رحمة الله عليه، وإما لأنه غير مكلف، وغير المكلف سنعرف أنه لا يصلح أن يكون مدعى عليه، الصغير والمجنون لا يكون مدعى عليه، أو كان المدعى عليه لم يحضر لأنه غائب مسافة قصر عن مجلس القاضي أو عن بلد القاضي، أو موجود في البلد حضرته لكنه مستتر متخبي لا يعرف مكانه.
فإذا المدعي جاء يرفع دعوة عند القاضي في حق من حقوق الآدميين على مدعى عليه ميت أو غير مكلف أو غائب مسافة قصر أو غائب مستتر في البلد، هل يسمع القاضي هذه الدعوة ولا بقول للمدعي: الله يسهل عليك، روح؛ لأنه المدعى عليه ميت، أو روح حتى هذا المكلف غير المكلف يصبح مكلفا ساعتها تأتي تطالب بحقك، أو اذهب حتى يعود هذا المسافر مسافة قصر أو يظهر هذا المتخبي؟ هل هكذا القاضي يفعل؟ لا، قالوا: القاضي يسمع هذه الدعوة التي رفعها المدعي على الميت وغير المكلف والغائب مسافة قصر أو المستتر بشرط، إذا كان هذا المدعي يمتلك البينة، بيجي القاضي بحكي للمدعي: أنت بدك ترفع دعوة على مين؟ بقول له: والله على ميت أو على غير مكلف أو إلى آخره. بقول القاضي: عندك بينة قبل ما تيجي ترفع القضية ونسمعها منك ونحررها، عندك بينة ولا ما عندك بينة؟ إذا ما كان عنده بينة، القاضي بقول له: على الله، عابث أني أعمل دعوة وتجيني وتضيع وقتي وأنت حضرتك ما عندكش بينة، والمدعى عليه مش موجود والله حتى أسأله هل تقر بالدعوة أو تنكرها وحتى أبدأ أحكم، ما فيش مدعى عليه. فهنا القاضي يقول للمدعي: عندك بينة شهود ولا ما عندك؟ إذا المدعي قال: عندي بينة، ها هنا القاضي يسمع هذه الدعوة التي رفعها المدعي على شخص ميت أو غير مكلف أو غائب بحالته، بيسمعها دعوة صحيحة عند السادة الحنابلة. القاضي يسمع الدعوة على هؤلاء الأشخاص الغائبين عن مجلس الحكم إذا كان المدعي عنده بينة جاهزة، إذا ما عنده بينة ما بيسمعها.
طيب ممتاز، إذا المدعي كان عنده بينة وسمعها القاضي، هل القاضي يحكم على هؤلاء الغائبين بناء على هذه البينة؟ قالوا: نعم، إذا طلب المدعي من القاضي أن يحكم له وأن يصدر حكما بناء على البينة، المدعي هو الذي يطالب القاضي باصدار الحكم. يعني أولا المدعي أتى بالبينة والقاضي سمعها، القاضي بقول له: يعني بدك نصدر حكم ولا لا؟ إذا المدعي طلب من القاضي إصدار الحكم بناء على البينة التي ثبت طبعا عند القاضي عدالتها، إذا المدعي طلب من القاضي بعد سماعه البينة أن يصدر حكما على هذا المدعى عليه، فالقاضي يصدر حكما على الميت -طبعا يتعلق هذا بورثته- أو على غير المكلف أو على المسافر مسافة قصر أو الغائب في البلد، ويعطي القاضي للمدعي حقه إن استطاع أن يظفر بشيء من حقه بأن كان مثلا هذا الغير مكلف عنده أملاك يمكن أن يؤخذ منها للمدعي، أو هذا الرجل الغائب مسافة قصر عنده أملاك في الدولة يمكن أن يؤخذ منها حق المدعي، وكذلك الشخص الرابع.
طيب الآن غير المكلف، نفرض، هو نفرض أن القاضي سمع البينة وثبتت له وبالتالي قضى للمدعي وأعطاه حقه. الآن غير المكلف قالوا: إذا أصبح مكلفا، طه، فله أن يعود فيطالب القاضي بالقضية، غير المكلف الصغير أو المجنون، الصغير إذا بلغ والمجنون إذا أفاق، وهم عارفين إيش اللي صار معهم، لهم أن يأتوا ويثبتوا عند القاضي أن يا عمي هذا المدعي كان كاذبا في بينته، وإذا هذا الغير مكلف أصبح مكلفا وأثبت عند القاضي أن المدعي كاذب في بيناته وشهود شهود زور أو غير عدول وما شابه ذلك، يرجع القاضي ينقض الحكم ويرد الحق إلى صاحبه. وكذلك المسافر مسافة قصر، إذا عاد إلى البلد واكتشف أن القاضي باقي ماخذ من حقه أو من أمواله ومعطيه للمدعي، إذا استطاع هذا المسافر مسافة قصر أن يثبت عند القاضي كذب المدعي أو كذب بينته، فعندئذ القاضي يرد الحق إلى صاحبه. وكذلك المستتر إذا ظهر، فإنه إذا استطاع أن يثبت كذب المدعي وكذب البينة عند القاضي، فالقاضي يسمع كلامه وينقض الحكم ويعيد الأمر من جديد.
تمام؟ فإذا ابتداء عند الحنابلة تسمع الدعوة في حقوق الآدميين على الميت، على غير المكلف، على الغائب مسافة قصر، وكذا لمن غاب دون مسافة القصر لكنه كان مستترا بشرط وجود البينة عند المدعي، ما فيش بينة ما تجيش، بقول له القاضي: إذا ثبتت البينة القاضي يقضي له ويعطيه الحق إذا طلبه، ثم بعد ذلك إذا ظفر الآخر واستطاع أن يثبت وإذا حضر لاحقا.
واستطاع أن يثبت كذب المدعية أو كذب بينته، ففي هذه الحالة يرد الحق إليهم وينقض الحكم السابق.
نختم بمسألة أخيرة، وهي مسألة أن يكتب القاضي في إقليم إلى قاض آخر في إقليم آخر. مثلاً يكون قاض في عمان وقاض في مكة، الآن جاء مدعي وأتى ببينة عند القاضي الذي في عمان، أجا مدعي ادعاه فرضا مثلاً على رجل مقيم في مكة، المدعى عليه في مكة، والمدعي رفع الدعوى في عمان، أجا المدعي رفع دعوى عند القاضي في عمان وأتى بالبينة، قال: هذه بينتي.
والقاضي ثبتت عنده عدالة البينة، فسجل شهادتهم ووثقها، ثم كتب القاضي كتاباً في عدالة هذه الشهادة وفي صدقها إلى القاضي المسؤول عن مكة المكرمة. كتب كتاباً بخطه: أنا القاضي فلان الفلاني في عمان أؤكد أنني سمعت شهادة المدعي فلان الفلاني، وثبت عندي صدق هذه الشهادة أن هذا المدعي يريد ألف دينار قرض من المدعى عليه المقيم في مكة واسمه فلان الفلاني. يحرر الدعوة ويحرر الشهادة، ويرسل هذا القاضي الكتاب إلى قاض في مكة، والقاضي في مكة طبعا يقرأ هذا الكتاب بعد أن طبعا سنقرأ الآن الكلام.
خلينا نقرأ مع بعض حتى نعرف أنه في بعض الجزئيات ما بدي أقپز عنها. قال: ويصح أن يكتب القاضي الذي ثبت عنده الحق إلى آخر معين، مثلاً القاضي في عمان كتب إلى قاض معين في مكة، أو غير معين أنه القاضي في عمان كتب إلى قضاة مكة، يعني كتب من يصل إليه هذا الكتاب من قضاة مكة أي واحد مش ضروري يكتب لقاضي معين. جيد، ويصح أن يكتب القاضي الذي ثبت عنده الحق إلى قاض آخر معين ولا غير معين بصورة الدعوة الواقعة على الشخص الغائب؟ هذا الشخص المدعى عليه غائب موجود في مكة بعيد مسافة أكثر من مسافة القصر، بس بشرط، في عنا شروط، بشرط أن يقرأ ذلك على عدلين.
إيش يعني هذا الكلام؟ القاضي الذي في عمان يحضر عدلين، يحضر عدلين بعد أن يحرر الكتاب. القاضي بكتب الكتاب، بعدين يستدعي هو عدلين بعرفهم ويقرأ عليهم الكتاب. قال: بشرط أن يقرأ القاضي اللي في عمان هذا الكتاب الذي حرره على شخصين عدلين، ثم يدفعه لهما بقول المفضل: وهذا الكتاب بعد ما قرأت عليكم اذهبوا به إلى القاضي في... القاضي في عمان مش بيسلم الكتاب للمدعي، هنا راحت المدعي ممكن يغيره، لا، القاضي في عمان يأتي بشخصين عدلين بيعرفهم، يقرأ عليهم الكتاب بصوته، ثم يدفع الكتاب إليهما ويقول لهما: اذهبا به إلى القاضي في مكة.
طبعا هاي الإجراءات القديمة، اليوم صار في إيميلات وصار في... يعني ممكن القاضي هذا بكبسة زر يوصله للقاضي في مكة، فالفتاوى المعاصرة يجب أيضا أن... يعني تركز أيضا على مستجدات الواقع. أمور اختلفت عن كثير من الإجراءات الآلية التي تطبق في الفقه القديم لعدم وجود الثورة في وسائل التكنولوجيا. المهم هم بعد أن يقرأ على عدلين يدفع إليهما الكتاب ويقول فيه... أي في الكتاب لازم القاضي اللي في عمان يكتب في كتابه: وأن ذلك قد ثبت عندي، وأنك تأخذ الحق للمستحق. فهنا العدلين بوخذوا هذا الكتاب وبروحوا على قاض في مكة وبدفعوه إله.
القاضي في مكة بفتح هذا الكتاب، بشوف فيه أنه في قاض في عمان رفعت عنده دعوة، وثبتت عنده الشهادة، وأنه يقول له: خذ الحق للمستحق. بروح القاضي في مكة بستدعي المدعى عليه، بقول له: تعال فلان الفلاني، أنت عليك دعوة رفعت في عمان والمدعي استطاع أن... الحق بالبينة عند قاضي عمان فبدنا نوخذ منك حقك، اعطينا ألف دينار ولا الخمسمائة دينار ولا السيارة ولا غيرها حتى نردها إلى المدعي.
وهنا قال: فيلزم القاضي الواصل إليه ذلك الكتاب، يعني العمل به، القاضي في مكة إذا وصله هذا الكتاب يلزمه أن يعمل بما ورد فيه. طيب، هذا نهاية كلامنا أحبابي الكرام في هذا القسم.
إن شاء الله في المحاضرة القادمة حتى لا أطيل عليكم أكثر من ذلك سنتكلم عن موضوع القسمة، وهي مسألة من المسائل التي ترفع عند القضاة، مسألة قسمة الحقوق أو الأملاك، قسمة إجبار أو قسمة تراضي. نغوص أكثر وأكثر، يعني اليوم نحن فقط تكلمنا عن إجراءات القضاء وطريقة الحكم، بدنا نغوص إن شاء الله في معرفة طبيعة الدعاوى والبينات. سأبين من هو المدعي في تعريفه الحنبلي الخاص، ومن المدعى عليه، طبيعة الدعاوى والبينات على بعض الأمور العينية. ثم سننتقل لموضوع شهادة الشهود، شروط الشهود، موانعهم، عدد الشهود المطلوبين، ثم نختم باب الإقرار. نسأل الله أن يقر لنا بالتوحيد، وأن يختم حالاتنا بالصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل