غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمه الله تعالى عليه على مذهب السادة الحنابلة. المحاضرة السابقة أحبائي شرعنا في باب الغسل، وهو المقصد الثاني من مقاصد كتاب الطهارة كما ذكرنا.
عرفنا موجبات الغسل، وهي الأسباب التي إذا قامت بالإنسان أو وجدت به حدث أكبر يجب أن يغتسل حتى يرفعه. ما هي موجبات الغسل؟ سريعا قلنا: انتقال المني داخل الجسد، وهذه من مفردات الحنابلة. ثانياً: خروج المني من مخرجه المعتاد، فإن كان مستيقظاً فيجب أن يكون بلذة، وإن كان نائماً ونحوه فمطلقاً كان بلذة أو بدون لذة يجب الغسل. ثالثاً: تغييب الحشفة كلها بلا حائل في فرج، ولو لبهيمة أو ميت، وأن يكون المدخل ابن عشر فصاعداً، أي أكمل عشر سنوات قمرية فصاعداً. وإن كان المدخل فيه أنثى فيجب أن تكون أكملت تسع سنوات قمرية فصاعداً، هذا الثالث. رابعاً: إسلام الكافر، وخامساً: خروج الحيض.
وعرفنا أن الحيض فيه التفصيل الذي في المني؛ فهناك انتقال للحيض في داخل جسد المرأة يوجب الغسل حتى ولو لم يخرج إلى الخارج، وهناك خروج للحيض من مخرجه وهذا أيضاً يوجب الغسل، فالحيض فيه التفصيل الذي في المني؛ قضية الانتقال توجب الغسل وقضية الخروج إلى الخارج توجب الغسل أيضاً. إذا قلنا: انتقال مني وخروجه من مخرجه، وتغييب الحشفة، وإسلام الكافر، وخروج الحيض، وخروج دم النفاس إلى خارج الجسد، وسابعاً وأخيراً كان الموت.
ثم بعد أن عرفنا موجبات الغسل انتقلنا إلى أحكام الغسل، فعرفنا أن الغسل مثله مثل الوضوء؛ له واجب وشروط وفروض وسنن. بدأنا بالشروط، تعرفنا أن شروط الغسل هي ذاتها شروط الوضوء إلا شرطاً واحداً وهو الاستنجاء؛ فإن الاستنجاء شرط في الوضوء ولا يحتاج إلى اشتراطه في الغسل، وإلا فباقي الشروط التي ذكرناها في الوضوء هي ذاتها التي تشترط في الغسل، فهذه الشروط سبعة عددناها سريعاً.
ثم انتقلنا إلى واجب الغسل، فعرفنا أن واجب الغسل واحد وهو نفسه واجب الوضوء، وهو التسمية في البداية فتقول: بسم الله. ثم انتقلنا إلى فرض الغسل، فعرفنا أن للغسل فرضاً واحداً عاماً، وهو أن يعمم الإنسان بدنه بالماء من رأسه إلى قدميه، ويدخل في هذا المضمضة والاستنشاق عند الحنابلة، فهي من فرض الغسل، ويدخل فيه إيصال الماء إلى بطون الشعر؛ ففي الغسل يجب أن توصل الماء إلى بطون الشعر وليس مجرد مسح كما هو في الوضوء، ففي الغسل هناك إيصال للماء وغسل للرأس وإيصال للماء إلى الجذور، وأما في الوضوء فكنا نكتفي بمجرد المسح وإمرار اليد على الرأس من أوله إلى آخره.
وكذلك ذكرنا أنه يدخل في الغسل أن تغسل المرأة ما يظهر من فرجها إذا قعدت لقضاء الحاجة، فذكرنا هذه الأشياء الثلاثة ونبهنا عليها أنها تدخل تحت تعميم البدن بالماء. فإذا كان فرض الغسل واحداً هو تعميم البدن بالماء، وبعد ذلك ذكرنا التفصيل في قضية: هل يلزم المرأة أن تنقض ضفائر الشعر؟ فعرفنا أنه يلزمها أن تنقض ضفائر شعرها في غسل الحيض والنفاس، ولا يلزمها أن تنقضه في غسل الجنابة لمشقة التكرار.
وختمنا بمسألة: «ويكفي الظن في الإسباغ»، وعرفنا أن المراد بالإسباغ هنا تعميم العضو بالماء، فيقول الحنابلة: يكفي أن تصل إلى مرحلة الظن أو إلى درجة الظن في أنك عممت كل البدن بالماء، ولا يشترط الوصول إلى درجة الجزم مئة بالمئة أنك عممت كل جهة؛ لأن هذا قد يكون فيه عسر الوصول دائماً إلى درجة الجزم واليقين، فالحنابلة يقولون: يكفي أن يصل إلى درجة الظن الغالب في أنه أسبغ الماء على كل أعضائه.
بعد ذلك سيشرع الشيخ مرعي في بيان سنن الغسل. عرفنا شروط الغسل وفرض الغسل وواجب الغسل، إلى أن بقي علينا أن نتعرف على سننه. وفي الحقيقة كما قلت لكم في المحاضرة السابقة، إن صاحب الأصل «منتهى الإرادات» لما تكلم عن الغسل قال: الغسل له صفة إجزاء وصفة كمال، وبين أن صفة الإجزاء في الغسل يعني ما هو الغسل المجزئ، أدنى غسل يكون مقبولاً بحيث أقل من ذلك لا يكون مقبولاً؛ قال: أن يأتي بالشروط السبعة ومنها النية، ثم يسمي، ثم يعمم بدنه بالماء، هذه صفة الغسل المجزئ.
وهناك صفة أخرى تسمى صفة الكمال، وهو الغسل الذي يجمع فيه الإنسان بين سنن الغسل ومستحباته وبين فروضه وشروطه وواجباته، هذه تسمى صفة الكمال. فالشيخ الفتوحي في «منتهى الإرادات» قسم أو بين أن للغسل صفة إجزاء وصفة كمال وبين كل واحدة على حدة، لكن الشيخ مرعي لم يفعل ذلك؛ فالشيخ مرعي فقط ذكر شروط الغسل ثم ذكر واجب الغسل، ثم ذكر فرض الغسل، ثم بعد ذلك ذكر سنن الغسل على وجه التبع بهذا الترتيب.
فأنا الآن بينت لكم في المحاضرة السابقة الصفة المجزئة للغسل: أن تأتي بالشروط السبعة ومنها النية، ثم تسمي، ثم تعمم البدن بالماء. اليوم بعد أن أقرأ سنن الغسل التي ذكرها الشيخ مرعي سنبين لكم صفة الغسل الكامل بالترتيب. فدعونا أولاً نقرأ ما ذكره الشيخ مرعي في السنن، ثم بعد ذلك نعود لبيان صفة الغسل الكامل بالترتيب.
قال الشيخ: أول سنة من سنن الغسل الوضوء قبله، يعني أن تتوضأ قبل أن تعمم البدن بالماء، وهذه أول سنة من سنن الغسل، وردت عن رسول الله ﷺ أنه كان يتوضأ وضوءاً كاملاً قبل أن يعمم بدنه بالماء. السنة الثانية: إزالة ما لوثه من أذى الإنسان المغتسل، أحبائي إذا خرج منه أذى، والأذى هنا لاحظوا أنها كلمة مطلقة تشمل المني الذي يخرج في حالة خروج المني في الموجب الثاني، أو قد يخرج في حالة الجماع، وأما أن يكون هذا الأذى الذي خرج من الإنسان...
نجساً كالحيض بالنسبة للمرأة أو دم النفاس، فقوله: «إزالة ما لوثه من أذى»، نقول: سواء كان هذا الأذى طاهراً مثل المني فهو طاهر لكن الإنسان يتأذى منه، وأما أن يكون هذا الأذى نجساً مثل دم الحيض ودم النفاس بالنسبة للمرأة، فيستحب قبل أن يعمم بدنه بالماء ويشرع في الغسل كاملاً أن يزيل ما لوثه من أذى.
وقضية إزالة ما لوثه من أذى عندما أبين لكم صفة الغسل الكامل ستعرفون أنها تكون قبل الوضوء في الحقيقة؛ فأنت أولاً تزيل ما لوثك من أذى، سواء كان هذا الأذى منياً وبالنسبة للمرأة دم حيض أو دم نفاس، ثم بعد ذلك تتوضأ الوضوء الكامل، ثم بعد ذلك تشرع في إكمال غسلك.
فقوله: «ثانياً إزالة ما لوثه من أذى»، نقول الأذى هنا على إطلاقه، أي أذى خرج منك أثناء موجبات الغسل التي سبقت معنا، وأما أن يكون طاهراً كالمني، وأما أن يكون نجساً كدم الحيض أو دم النفاس. وانتبهوا على قضية وهي أن ما كان طاهراً كالمني، هذا إذا انتهى من الغسل وصلى وهو عليه لا يضر الصلاة لأنه شيء طاهر، فلو بقي المني على الجسد لا يضر هذا الصلاة لأن المني طاهر.
لكن إذا كان دم حيض أو دم نفاس، فقبل أن يصلي أو تصلي المرأة نقول يلزمها أن تزيله. بمعنى أثناء الغسل لو ما أزالت دم الحيض ودم النفاس فغسلها صحيح، لأنه مستحب تزيله وغسلها صحيح، فالغسل لا تتوقف صحته على أن تزيل ما لوث بدنها من دم الحيض أو دم النفاس. لكن نقول للمرأة إن دم الحيض في النهاية ودم النفاس دم نجس.
طبعاً هناك حالات ستأتي معنا يُعفى فيها عن يسير دم الحيض، تريد أن تأتي معنا إن شاء الله في باب إزالة النجاسة، لكن دعونا على الحالة الأصلية؛ الحالة الأصلية أن دم الحيض ودم النفاس دم نجس، فنحن نقول للمرأة يستحب أن تزيلي هذا الدم إذا أصاب البدن قبل أن تغتسلي. الآن إذا اغتسلت وما أزالته عن بدنها غسلها صحيح ما في مشكلة، لكن لما تريد أن تأتي لتصلي نقول شرط الصلاة إزالة النجاسة؛ فالآن يلزمك أن تزيلي هذا الدم عن بدنك إذا أردت الصلاة.
فانتبهوا على الفرق بين المني لأنه طاهر وبين دم الحيض ودم النفاس لأنه نجس. الآن كلها سواء الطاهرة أو النجسة، الغسل لا تتوقف صحته على إزالتها، لكن يستحب أن يزيلها قبل أن يشرع في غسله ويكمل. الآن بعد الغسل إذا جاء ليصلي، إذا كان على بدنه مني لم يغسله قل صلاته صحيحة لأن المني طاهر، إذا جاءت المرأة لتصلي وعلى بدنها دم حيض ودم نفاس نقول لا ما ينفع، لأنه الدم نجس فعليك أن تزيليه قبل الصلاة.
فهذا تفصيل انتبهوا إليه حتى لا تختلط عليكم الأمور؛ لأن البعض يظن أن الغسل -خاصة النساء تظن- أن غسلها لا يصح إلا إذا أزالت ما على بدنها من نجاسة دم الحيض أو دم النفاس، لا؛ الغسل يصح حتى ولو لم تقم بإزالة هذه النجاسة عن بدنها، لكن متى نلزمها بإزالة هذه النجاسة؟ إذا أرادت أن تصلي، لأن الصلاة لا تصح مع وجود النجاسة.
إذن هذه السنة الثانية: «إزالة ما لوثه من أذى». ثالثاً: «إفراغ الماء على رأسه»، ثالثاً من سنن الغسل أحبائي أن يفرغ الإنسان الماء على رأسه ثلاث مرات. الآن الفرض -وقد ذكرنا- أن تعمم كل البدن من الرأس إلى القدمين بالماء وتوصل الماء إلى أصول الشعر، لكن عملية إفراغ الماء ثلاث مرات على الرأس هذه هي السنة. انتبهوا، غسل الرأس وإيصال الماء إلى أصول الشعر هذا فرض من الفرض، لكن عملية الغسل ثلاث مرات هذه هي السنة.
فقال: «وإفراغه الماء على رأسه ثلاثاً»، هذه هي السنة، وإلا فالمجزئ غسلة واحدة للرأس تروي أصول الشعر، وانتبهوا في الفرق بين الغسل وبين الوضوء؛ في الغسل يشترط غسل الرأس، لابد تغسل الرأس غسلاً وتوصل الماء إلى الأصول، وأما في الوضوء ففرض الرأس المسح فقط. وعرفنا في الوضوء -إذا تتذكروا قلت لكم- بما أنه في الوضوء المفترض علينا أن نمسح الرأس كله من دون غسل، فيشترط في مسح الرأس في الوضوء إمرار اليد، اتفقنا على هذا، لابد من إمرار اليد مع عملية المسح. وقلنا لو أن الإنسان المتوضئ غسل رأس رأسه بدلاً من أن يمسحه في الوضوء هذا مكروه ولكنه يجزئ بشرط أن يمرر اليد.
أما في الغسل الأمر يختلف تماماً؛ لأن فرض الرأس في الغسل هو الغسل وليس المسح، بالتالي لا يلزم في الغسل أن تمرر يدك على الرأس أثناء غسله، لاحظوا هذه الفروق الدقيقة بين المسائل. في الوضوء لو أنك أردت أن تغسل الرأس بدلاً من أن تمسحه يلزمك أن تمرر اليد، أما في الغسل فقال الحنابلة يجزئه أن يفرغ الماء على رأسه بحيث يروي أصول الشعر ولو لم يمرر يده، فإمرار اليد لا يلزم في غسل الرأس، انتبهوا إليها المسألة.
إذن: «وإفراغ الماء على رأسه ثلاثاً» هذه السنة الثالثة. رابعاً قال: «وعلى بقية جسده ثلاثاً»، المستحب الرابع أنك إذا عممت بدنك بالماء -الآن المجزئ تعميم واحد- لكن المستحب أن تعمم بقية الجسد بالماء ثلاثاً، يعني بعد ما تفرغ الماء على رأسك ثلاثاً يستحب أن تفرغ الماء على جسدك ثلاثاً وإن كان المجزئ واحدة.
ثم السنة التي تليها: «التيامن»، يعني إذا غسلت فيسن أن تبدأ بميامن جسدك قبل مياسره، فتغسل اليد أو الشق الأيمن قبل أن تغسل الشق الأيسر، تغسل اليد اليمنى قبل اليسرى، والشق الأيمن كاملاً قبل الشق الأيسر، فالاستحباب في التيامن في عملية الغسل، فيبدأ بميامن جسده ثم بعد ذلك ينتقل إلى الجهة اليسرى التي تليها.
ثم الموالاة، يستحب أيضاً الموالاة، فالموالاة في الغسل سنة وليست فرضاً كما هو في الوضوء. في الغسل أحبائي لو أن إنساناً غسل نصفه الأسفل وأما نصفه الأعلى من البدن ما غسله ترك فترة ورد على الجوال وبعد ربع ساعة أو نصف ساعة أتى فأكمل غسل الجزء الأعلى من بدنه، هل هناك إشكالية؟ لا إشكالية عند الحنابلة، لأن الموالاة -أي التتابع- سنة في الغسل وليس فرضاً، يعني يستحب أن توالي لكن لو لم يوالِ فغسل جزءاً من بدنه ثم انشغل بهاتف أو طعام أو شراب ثم عاد فغسل الجزء الآخر، قالوا غسله صحيح وإن كان قد خالف السنة.
السنة التي تليها: «إمرار اليد على الجسد»، إمرار اليد على الجسد المراد به الدلك، يعني وأنت تفرغ الماء على بدنك يستحب أن تدلك أو أن تدلك بيدك.
تفرر الياء أو تفرغ الماء على يدك وتدلك، تفرغ الماء على صدرك وتدلك، تفرغ الماء على فخذك وعلى جسمك مهما كان وتدلك؛ فإمرار اليد على الجسد دلكاً هذا من مستحبات الغسل عند الحنابلة.
المستحب الأخير قال: «وإعادة»، انتبهوا إليها، «وإعادة غسل رجليه»؛ وإعادة غسل رجليه بمكان آخر يستحب عند الحنابلة أحبائي، بعد أن تفرغ من الغسل كاملاً، حتى ولو توضأت ابتداءً، حتى لو توضأت وضوءاً كاملاً ابتداءً ثم عممت بدنك بالماء. إذا أردت أن تفرغ من غسلك وتخرج يستحب أن تعيد غسل الرجلين بمكان آخر غير المكان الذي فيه، وهذا ثبت عن رسول الله ﷺ، لذلك قالوا بسنيته.
إذا فرغت من تعميم بدنك بالماء يستحب قبل أن تخرج أن تغسل قدميك بمكان آخر، يعني بغير المكان الذي اغتسلت فيه. فإذا كان الإنسان قد اغتسل في هذه البقعة وأنهى غسله، ينتقل لبقعة أخرى يغسل فيها القدمين فقط قبل أن يذهب ويخرج من الخلاء أو من الحمام أو ما شابه ذلك. كذلك قال: «وإعادة»، وهي إعادة؛ لأن الرجلين غسلتا سابقاً أكيد، لكن بدنا نعيد الآن إعادة غسل الرجلين بمكان آخر في نهاية الغسل.
ممتاز، إذاً هذه السنن سردها الشيخ مرعي، أنا الآن سأبين لكم صفة الغسل الكامل التي تجمع بين هذه السنن وبين فرض الوضوء وواجبه وشرطه. فنقول يا أحبائي: صفة الكمال بالنسبة للغسل أولاً أن يأتي الإنسان ويحقق الشروط السبعة السابقة أو التي سبق ذكرها للغسل، ومنها النية فيحقق هذه الشروط، ثم نقول: ينوي ابتداءً ثم يسمي؛ إذا حقق الشروط ثم ينوي ثم يسمي، طبعاً النية هي من ضمن الشروط لكنني فصلتها حتى تترتب الأفكار ليس أكثر.
ثم ينوي ثم يسمي، بعد أن يسمي يقول الحنابلة رابعاً: يستحب أن يغسل كفيه إلى الكوع ثلاث مرات خارج الإناء، إذن يستحب غسل اليدين إلى الكفين ثلاثاً، مثلها مثل الوضوء من شروط الغسل، ينوي ثم يسمي ثم يغسل كفيه ثلاثاً إلى الكوع.
ثم بعد ذلك يزيل ما لوثه من أذى، حينئذ تأتي نقطة إزالة ما لوثه من أذى سواء كان هذا الأذى طاهراً أو نجساً. ثم بعد ذلك سادساً تتوضأ وضوءاً كاملاً. ثم سابعاً بعد أن تتوضأ وضوءاً كاملاً تفرغ الماء على رأسك ثلاثاً وتروي أصول الشعر، تفرغ الماء على رأسك ثلاثاً، تأخذ مثلاً مغرفة أو شيئاً وتدير الماء على رأسك به ثلاث مرات.
ثامناً تغسل بقية الجسد ثلاثاً، ويسن أن تبدأ بالميامن قبل المياسر. وأخيراً الخطوة الأخيرة أن تقوم بغسل قدميك في مكان آخر بعد أن تنتهي بالانتقال لمكان آخر وتغسل قدميك. هذه هي الصفة الكاملة أحبائي للغسل بالترتيب الذي ذكرته لكم: الشروط وتأتي بالنية، ثم التسمية، ثم غسل الكفين ثلاثاً، ثم إزالة ما لوثه من أذى، ثم الوضوء وضوءاً كاملاً، ثم إفراغ الماء على الرأس ثلاثاً مع تروية أصول الشعر، ثم إفراغ الماء على البدن يعني على باقي البدن ثلاثاً ويبدأ بالميامن قبل المياسر، وأخيراً ينتقل إلى مكان آخر ويغسل قدميه.
هكذا نكون تعرفنا على صفة الغسل الجزئية وعلى صفة الغسل الكامل. انتقل الآن أحبائي الشيخ مرعي لبيان حكم النية في الغسل، وهنا أحبائي سأتكلم بكلام دقيق أرجو منكم أن تركزوا كثيراً فيه وأنا أتحدث حتى لا تختلط المسائل عليكم. الآن دعوني أرجع إلى باب الوضوء.
في باب الوضوء أحبائي ذكرنا أن من به حدث أصغر يعطيه الحنابلة ثلاثة خيارات للنية، أليس كذلك؟ إما أن ينوي رفع الحدث، هذا الخيار الأول، وإما أن ينوي استباحة عبادة من العبادات يشترط لها الوضوء كالصلاة والطواف ومس المصحف، وإما أن ينوي فعل عبادة من العبادات أو أمر من الأمور يسن له الوضوء. أليست هذه الخيارات الثلاث؟ إما أن ينوي رفع الحدث الأصغر، أو ينوي بوضوئه استباحة عبادة من العبادات التي يشترط لها الوضوء، أو ينوي فعل عبادة من العبادات أو أمر من الأمور التي يسن لها الوضوء.
ممتاز، دعونا نرجع على الأمثلة التي ذكرها الشيخ مرعي على عبادة من العبادات أو أمر من الأمور التي يسن لها الوضوء، لأننا سنلاحظ فيها ملاحظة في الحقيقة أنا لم أذكرها في حينها، وإنما أحتاج إلى ذكرها الآن لتفهموا قضية الغسل. دعونا نرجع إلى باب الوضوء وإلى قضية النية بالتحديد في الوضوء، بسم الله.
الآن انظروا ماذا قال الشيخ مرعي في باب الوضوء، هذه المقارنات والمقاربات هي التي تجلي المسائل أحبائي وتوصل الإنسان إلى عميق الفهم لكلام الفقهاء وسبب الاختلاف أحياناً بينهم في بعض المسائل. يقول الشيخ مرعي في باب الوضوء والنية هنا، انظروا في فصل النية، فصل كامل، قال: «والنية هنا قصد رفع الحدث»، هذه الصورة الأولى، «أو قصد ما تجب له الطهارة لاستباحة ما يشترط له الطهارة كالصلاة والطواف ومس المصحف»، الخيار الثالث «أو قصد ما تسن له»، يعني أن ينوي عبادة من العبادات أو أمراً من الأمور يسن له الوضوء.
يسن له ماذا؟ الوضوء، ثم ذكر أمثلة، دعونا ننظر في هذه الأمثلة. قال: «كقراءة القرآن، والذكر، والأذان، والنوم». الآن ماذا تلاحظون في هذه الأربعة: قراءة القرآن والذكر والأذان والنوم؟ نلاحظ في هذه الأمثلة الأربعة أن المراد بها أن يكون الإنسان به حدث أصغر، فيأتي ليفعل هذه العبادات قراءة أو ذكراً أو أذاناً أو نوماً، فنقول له: يستحب لك إذا أردت أن تفعل هذه العبادات أو الأفعال -لأن النوم مطلقاً الأصل فيه أنه عادة وليس عبادة إلا إذا نويت به هذه قضية أخرى- المهم من أراد أن يقرأ القرآن وبه حدث أصغر، أو يذكر الله وبه حدث أصغر، أو يؤذن وبه حدث أصغر، أو ينام وبه حدث أصغر، منقول له ماذا؟ يسن لك الوضوء لهذه العبادات أو الأفعال، يسن لك الوضوء، ما يلزم ولكن يسن أن تقرأ وقد ارتفع حدثك الأصغر، يسن أن تذكر الله وقد ارتفع حدثك الأصغر، يسن أن تؤذن وقد ارتفع حدثك الأصغر، يسن أن تنام وأنت متوضئ.
ممتاز، إذا في هذه الأمثلة الأربعة يكون الشخص به حدث أصغر، منقول له يسن لها، يسن لك أن تتوضأ لتفعل هذه الأفعال. تعال على طهارة، الممتاز الذي تليها الأمثلة التي تليها، قال: «ورفع شك، وغضب، وكلام محرم». الآن هذه الأمثلة الثلاث ماذا تلاحظون فيها؟ نلاحظ فيها أنه رفع الشك في المثال الأول، ومثال رفع الشك الإنسان على طهارة، يعني هو متيقن الطهارة وشك هل أحدث أو لا، فنقول له يسن لك أن تتوضأ لترفع الشك، إذاً هو الآن فعلياً من الناحية الحكمية نعتبره ما فيه حدث أصغر.
ومتوضئ؛ لأنه الأصل بقاء الشيء حتى يتيقن زواله، ولكننا قلنا يسن لك الوضوء مرة أخرى حتى ترفع الشك فقط، وإلا أنت في الحكم الشرعي تعتبر متوضئًا.
وكذلك الغضب؛ أحبائي، لما نقول شخص يسن له أن يتوضأ للغضب، هل هذه السنية فقط إذا كان به حدث أصغر؟ لا، حتى لو كان متطهرًا من الحدث الأصغر وغضب ودخل في منازعة وخصومة، نقول والله هذا إنسان غضب والنبي ﷺ أوصى الذي غضب أن يتوضأ حتى ولو كان على طهارة. فأنت تكون سليمًا من الحدث الأصغر وعلى طهارة لكن غضبت، فيسن لك وضوء آخر لتطفئ الغضب.
كذلك كلام محرم؛ إذا الرجل تكلم بكلام محرم كشتم أو غيبة أو نميمة، حتى لو كان هو متوضئًا يسن له وضوء آخر. ففي هذه الأحوال الثلاث: رفع الشك، الغضب، والكلام المحرم، لاحظوا في قضية رفع الشك ما في حدث أصغر لكن يسن له أن يتوضأ مرة أخرى. وفي قضية الغضب، سواء كان به حدث أصغر أو لا، وهو متوضئ يسن له وضوء آخر. وفي الكلام المحرم، سواء كان به حدث أصغر أو كان متطهرًا من الحدث الأصغر يسن له وضوء جديد.
أما الجلوس بالمسجد وتدريس العلم والأكل، فهذه مثلها مثل القراءة والذكر والأذان والنوم؛ إذا كان متوضئًا خلص، ما يتوضأ مرة ثانية، أما إذا كان به حدث أصغر فيقال له يسن لك أن تتوضأ حتى تفعل هذه الأفعال وأنت على طهارة.
فلاحظوا الأمثلة التي ذكرها مختلفة الأشكال، يعني هناك أمثلة يكون فيها الإنسان به حدث أصغر فنقول له توضأ حتى تفعل هذه الأفعال أو هذه العبادات، وليس به حدث أصغر، وهناك أمثلة لا يكون فيها حدث أصغر، يكون هو متطهرًا لكن نقول له يستحب لك أن تعيد الوضوء، كما هو الحال في رفع الشك، وكما هو الحال في الغضب، وكما هو الحال في كلام محرم.
وبالتالي ماذا نستخلص من ذلك؟ نستخلص أن قوله في الخيار الثالث من خيارات نية الوضوء: «أن يقصد أو أن ينوي فعل عبادة من العبادات أو أمر من الأمور يسن له الوضوء»، هذا في الحقيقة يشمل صورتين.
الصورة الأولى: عبادات وأفعال، إذا كان الإنسان به حدث أصغر يسن له أن يتوضأ قبل أن يفعلها ليفعلها على طهارة، وأما إذا لم يكن به حدث أصغر خلاص لا يحتاج إلى إعادة الوضوء، كالقراءة والذكر والأذان، فهذه العبادات إذا كان الإنسان به حدث أصغر يسن له أن يتوضأ ليفعل هذه العبادات، وإذا كان متوضئًا خلاص ما في داعي أن يعيد وضوءه.
وهناك نوع آخر منها يكون الإنسان محكومًا بأنه متطهر وليس به حدث أصغر، ويسن له أن يعيد الوضوء مرة أخرى كرفع الشك، وكذلك الغضب، وكما ذكرت لك الكلام المحرم، قد لا يكون به حدث أصغر ومع ذلك يستحب لك أن تعيد الوضوء.
فإذاً هناك صورتان في الخيار الثالث لما يقول لك: «أن ينوي فعل عبادة أو أمر يسن له الوضوء»، بنقول من خلال الأمثلة نلاحظ ونستنتج من التحليل أن هناك صورتين: صورة منها لهذه العبادات أو الأفعال أنما يسن الوضوء لمن كان به حدث أصغر، وصورة أخرى يسن الوضوء مطلقًا فيها، سواء كان به حدث أصغر أو ما كان به حدث أصغر مثل الغضب والكلام المحرم، ويمكن أن تضيف صورة رفع الشك كحالة ثالثة، أن الوضوء يكون فيها محكومًا به ومع ذلك تعيد الوضوء.
فإذاً هناك صور وأشكال متعددة لهذا الخيار الثالث، فهمتموه أحبائي وفهمتم قصدي؛ لأن هذا راح يهمني كثيرًا وأنا أحلل نية الغسل بوقوع خلافها بين الحنابلة. فقوله في الوضوء: «أن يقصد ما تسن له أو أن يقصد عبادة أو أمر من الأمور يسن له الوضوء»، تقول هناك صور؛ لأن هناك عبادات يسن الوضوء لمن كان محدثًا حدثًا أصغر، فإذا لم يكن محدثًا حدثًا أصغر وضعه تمام خلص لا يسن الوضوء كالقراءة والذكر والأذان والنوم. وهناك صور أخرى أو حالة أخرى يسن لها الوضوء حتى ولو كان متطهرًا وما به حدث أصغر، مثل الغضب والكلام المحرم، وكذلك رفع الشك، ورفع الشك يقيناً هو أصلاً محكوم له بالطهارة ونأمره استحبابًا أن يعيد الوضوء. وجميع هذه الصور تدخل جميعها تحت هذه الحالة الواحدة، وهو أن ينوي عبادة من العبادات أو أمر من الأمور التي تسن له الطهارة. كل هذه الصور دخلت تحت هذا الضابط.
ممتاز، جميل. الآن أحبائي دعوني أرجع إلى باب الغسل؛ الآن في باب الغسل يقول للحنابلة إن الأمر كالوضوء ابتداءً، فعندك الخيارات الثلاث: فمن نوى بغسله رفع الحدث الأكبر، هذا الخيار الأول. أو نوى بغسله استباحة عبادة من العبادات يشترط لها الطهارة من الحدث الأكبر، كالطواف أو الصلاة أو مس المصحف أو قراءة القرآن، أو أراد أن يلبث في المسجد إلى وضوء، وأرادت المرأة أن تصبح طاهرة ليطأها زوجها، متى نوى استباحة عبادة أو فعل من الأمور التي يشترط لها الطهارة من الحدث الأكبر فهذه النية الثانية صحيحة أيضًا.
النية الثالثة في الغسل هي كذلك كالخيار الثالث في الوضوء، أن ينوي -ركزوا- أن ينوي بغسله ليس رفع الحدث الأكبر وليس استباحة عبادة من العبادات يشترط لها الغسل، بل ينوي عبادة من العبادات أو أمرًا من الأمور يسن له الغسل. وهذا الخيار الثالث يشمل أيضًا الصور التي يشملها الخيار الثالث في الوضوء، فيشمل عبادات أو أمورًا يسن لمن به حدث أكبر أن يتطهر منه ليفعلها على طهارة، وأما إذا لم يكن به حدث أكبر خلاص لا يحتاج إلى أن يغتسل، مثل الأذان وذكر الله سبحانه وتعالى، فالأذان وذكر الله يستحب أن يكون الإنسان متطهرًا من الحدث الأكبر ومن الحدث الأصغر، فإذا كان متطهرًا خلاص ما يحتاج لا وضوء ولا غسل، وإذا لم يكن متطهرًا من الحدث الأصغر أو الأكبر فيسن له أن يتطهر منه.
فهذا غسل يقول: «لفعل عبادة أو أمر يسن له الغسل» بشرط أن يكون به حدث أكبر سابق عليه، والحالة الثانية أن يكون الغسل مسنونًا بأحوال وأوقات وأماكن محددة حتى ولو لم يكن هناك حدث أكبر بالإنسان.
حتى لو كنت ما بك حدث أكبر يسن لك الغسل، وهذا سنأتي إليه إن شاء الله أحبائي في الأغسال المستحبة. في ختام هذا الباب، هناك فصل الأغسال المستحبة؛ ستة عشر غسلًا: غسل الجمعة، غسل العيدين، غسل الكسوف، غسل الاستسقاء، غسل دخول مكة، وغسل دخول الحرم.
هذه الأغسال المستحبة هي أغسال مستحبة ولو لم يكن بك حدث أكبر؛ فلو لم يكن بي حدث أكبر وجاء يوم الجمعة يستحب لي الغسل، وإذا جاء يوم العيد يستحب لي الغسل. فهناك ستة عشر غسلًا مستحبًا عند الحنابلة تسمى الأغسال المستحبة، هذه يفعلها الإنسان ويغتسل بها حتى ولو لم يكن به حدث أكبر.
دعوني أرجع لصفحة الغسل، أتمنى أن تكون الصورة وضحت عندكم في الخيار الثالث في الوضوء أو في الغسل؛ لأنه لاحظوا أن هناك عدة صور في هذا الخيار الثالث أو عبادات يسن لها ارتفاع الحدث، فإذا كان الحدث مرتفعًا اكتفينا، وما كان مرتفعًا يسن أن ترفعه. وهناك عبادات وأحوال يسن لها الغسل حتى ولو كنت متطهرًا من الحدث. وهذا الضابط في الوضوء أو في الغسل: عبادات يسن لها الغسل بشرط وبقيد أن يكون بك حدث، فإذا لم يكن بك حدث خلاص ما في حاجة أن تعيد لا غسلًا ولا وضوءًا. وعبادات يسن لها الغسل أو الوضوء حتى ولو لم يكن بك حدث، فهاتان الصورتان داخلتان تحت الخيار الثالث في الوضوء أو في الغسل.
إذن أحبائي، في الوضوء هذه واضحة عند الحنابلة، لكن في الغسل في الحقيقة في إشكالية وقعت. ظاهر كلام الإقناع والمنتهى وما ذكرته لكم الآن هو أن الخيار الثالث: من أراد أن يغتسل غسلًا مسنونًا، سواء كان هذا الغسل مسنونًا لعبادة تنما تكون سنية الغسل لها لمن كان به حدث أكبر، أو عبادة تكون سنية الغسل بها مطلقة حتى ولو لم يكن بالشخص حدث أكبر، وهي الأغسال المستحبة الستة عشر، هذا ظاهر الإقناع والمنتهى.
أما كلام الشيخ منصور البهوتي، وهو شيخ المحققين المتأخرين من الحنابلة صاحب شرح الكشاف وصاحب شرح الدقائق وغيرها من الكتب، فظاهر كلام الشيخ منصور أنه يوافق صاحب الوجيز. صاحب الوجيز من الحنابلة ماذا يقول؟ يقول أحبائي: بالنسبة للخيار الثالث، لاحظ أن المشكلة في الغسل بالتحديد؛ يقول صاحب الوجيز وظاهر كلام الشيخ منصور أنه يؤيده: الغسل في الخيار الثالث في النية؛ أن ينوي عبادة من العبادات التي يسن لها الغسل.
إذا كانت هذه العبادة إنما يسن لها الغسل لمن لم يكن متطهرًا من الحدث الأكبر، فإذا لم يكن به حدث أكبر لا يسن الغسل، مثل الذكر أو الأذان؛ ففي هذه الحالة هناك اتفاق في المذهب، لا إشكال أن هذه الصورة أو هذه النية ترفع الحدث الأكبر. لكن المشكلة في الصورة الثانية من الخيار الثالث، وهي إذا نوى غسلًا من الأغسال المستحبة الستة عشر التي تستحب حتى ولو لم يكن بك حدث أكبر، كغسل الجمعة وغسل العيدين وغسل الكسوف وغسل الاستسقاء وما شابهها.
المشكلة هنا لو نوى الإنسان هذا النوع من الأغسال المسنونة التي لا يشترط في سنيتها أن يكون محدثًا حدثًا أكبر؛ فنعطي مثالًا: شخص جاء عليه يوم الجمعة ما به حدث أكبر فاغتسل اغتسالًا مسنونًا، هذه ما فيها مشكلة. شخص آخر جاء عليه يوم الجمعة وبه حدث أكبر، أراد أن يغتسل غسل الجمعة، نقول هذا الشخص له حالتان: الحالة الأولى أما أن يكون متذكرًا أن به حدثًا أكبر ومع ذلك ينوي بغسله مجرد هذا الغسل المستحب الذي هو غسل الجمعة، وإما أن يكون هذا الرجل ناسيًا لحدثه الأكبر وينوي بغسله هذا غسل الجمعة.
في الإقناع والمنتهى ظاهر الأمر أنه لا فرق سواء كان متذكرًا لحدثه الأكبر أو ناسيًا لحدثه الأكبر ونوى بغسله غسلًا مستحبًا، مجرد غسل جمعة، ظاهر الإقناع والمنتهى أن هذا أيضًا من الخيارات الجائزة في النية وأنه يرفع الحدث الأكبر. لكن الشيخ منصور تبعًا لصاحب الوجيز يقولون لا، في حالة الأغسال المستحبة التي لا يشترط لها أن يكون صاحبها به حدث أكبر؛ نقول إذا كان الرجل متذكرًا لحدثه الأكبر ومع ذلك لم ينوِ رفعه أو استباحة ما يشترط له من العبادات التي تشترط لها الطهارة من الحدث الأكبر، وإنما نوى فقط الغسل المستحب كغسل الجمعة أو العيدين، لا يرتفع حدثه، لأنه متذكر لحدثه الأكبر، فعليه أن ينويه أو ينوي استباحة ما يشترط له. أما إذا كان ناسيًا لحدثه الأكبر واغتسل غسل الجمعة، وبعد أن اغتسل بنية غسل الجمعة تذكر حدثه الأكبر، قالوا هذا يجزئه لأنه كان ناسيًا لحدثه الأكبر.
إذن في خلاف بين الحنابلة في هذه القضية، ولاحظوا الخلاف في أي نقطة بالتحديد؛ الخلاف في الخيار الثالث، أن ينوي عبادة من العبادات يسن لها الغسل، ولكن ليس في كل صور الخيار الثالث؛ لأن الخيار الثالث تحته صورتان: العبادات التي يسن لها الغسل على نوعين؛ عبادات يسن لها الغسل لمن كان به حدث أكبر، فإن لم يكن به حدث أكبر لا يسن لها الغسل، تكون مثل الذكر مثل الأذان وما شابه ذلك. والنوع الثاني: عبادات يسن لها الغسل حتى ولو لم يكن به حدث أكبر، وهي الأغتسالات الستة عشر التي يذكرها الحنابلة، الأغسال المستحبة.
الخلاف بين المتأخرين في هذه الصورة الثانية؛ في الأغسال المستحبة التي لا يشترط أن يكون صاحبها به حدث أكبر. فالإقناع والمنتهى يقول: حتى هذه الأغسال المستحبة لو نوى صاحبنا الغسل لها يرتفع حدثه الأكبر. والوجيز وتبعه الشيخ منصور البهوتي من المتأخرين يقول: لا، هذه الأغسال المستحبة حتى ترفع الحدث الأكبر لازم الشخص الذي نواها أن يكون ناسيًا لحدثه الأكبر، أما إذا كان متذكرًا لحدثه الأكبر فنقول له ما ينفع، بما أنك متذكر يجب أن تنوي الحدث الأكبر أو استباحة ما يشترط له كالغسل كالصلاة والطواف ومس المصحف وما شابه ذلك.
الآن دعونا نقارن يا إخواني، برأيكم من باب التحليل الفقهي، أي القولين قد يكون أقرب لباب الوضوء؟ هل قول صاحب الإقناع والمنتهى وإطلاقهم، ولا قول الشيخ منصور البهوتي صاحب الوجيز؟
الآن في باب الوضوء لم نجد هذا الخلاف، فحتى الشيخ منصور البهوتي في باب الوضوء لما ذكر الخيار الثالث من خيارات نية الوضوء: «عبادة أو أمر من الأمور يسن له الوضوء»، وهذا له صورتان أو صور تحته، عبادات يسن لها الوضوء لمن كان به حدث أصغر فقط، فإذا لم يكن هناك حدث أصغر خلص ما في مسنونية وعبادات يسن لها الوضوء، حتى ولو كان الإنسان ما به حدث أصغر مثل الغضب والكلام المحرم.
ولم يفرق الشيخ منصور البهوتي في الغضب والكلام المحرم مثلا بين الناس لحدثه الأصغر وغير الناس، يعني الشيخ منصور البهوتي لما كان يتكلم عن الغضب، ولما كان يتكلم عن الوضوء من أجل الغضب والوضوء من أجل الكلام المحرم، ما قال والله إذا شخص كان متذكراً لحدثه الأصغر ونوى بوضوئه الغضب أنه ما يرتفع حدثه الأصغر، وما قال إن الناس إذا كان الحدث الأصغر هو الذي يجزئ وضوء الغضب فيرفع الحدث الأصغر.
هذا التفريق بين الناس والذاكر في الغضب والكلام المحرم ما ذكروه في الوضوء، فالأصل إذاً ألا يذكر أيضاً في الغسل حتى تكون المسألة مضطردة. أصحاب الإقناع والمنتهى كانوا مضطردين في الكلام، قالوا بما أننا في الوضوء لم نفرق بين العبادات التي يسن لها الوضوء بين عبادات يسن لها الوضوء بشرط قيام الحدث الأصغر، وبين عبادات يسن لها الوضوء حتى ولو لم يكن هناك حدث أصغر، فكذلك الأصل في الغسل أن لا نفرق بين العبادات التي يسن لها الغسل بين عبادات يسن لها الغسل بشرط أن يكون هناك حدث أكبر، وبين عبادات يسن لها الغسل ولو لم يكن هناك حدث أكبر. بما أنه ما فرقنا هناك، إذاً الأصل ما نفرق هنا، هذا الكلام والله أعلم هو الأدق.
طبعاً هناك شيء واحد بقي علي، لا أدري أذكره أم لا أذكره حتى لا أطيل عليكم، وهو أن الشيخ منصور البهوتي هو صاحب الوجيز، في الحقيقة عللوا رأيهم؛ لماذا أطلقوا في باب الوضوء ولماذا فصلوا في باب الغسل؟ وفي الحقيقة عللوا رأيهم بما يطول ذكره، لكن خلاصته أنهم قاسوا هذه الأقسام المستحبة، نية الأغسال المستحبة، على نية تجديد الوضوء بالتحديد.
أنا أحب هذا النفس في التحقيق مع الإخوة الطلبة، بالوضوء هناك صورة رابعة أو خيار رابع من خيارات النية أنا لم أذكره لكم اختصاراً، والشيخ مرعي لم يذكره، لكن الكتب المطولة تذكره. في الوضوء في الحقيقة هناك خيار رابع للنية، خيار رابع لنية رفع الحدث الأصغر؛ إنا قلنا الخيار الأول أن تنوي رفع الحدث الأصغر، والثاني أن تنوي استباحة ما يشترط له الطهارة من الحدث الأصغر، والخيار الثالث أن تنوي عبادة من العبادات أو أمراً من الأمور يسن له الوضوء بالصور التي ذكرتها لكم الآن، والخيار الرابع لم نذكره، أذكره الآن سريعاً وهو نية تجديد الوضوء.
ما المراد بنية تجديد الوضوء؟ يقول الحنابلة لو أن شخصاً كان متوضئاً وصلى بوضوئه صلاة وصلى بوضوئه صلاة، فهذا الشخص يستحب له أن يتوضأ للصلاة الأخرى ويسمى هذا الوضوء تجديد وضوء. أظنكم تعرفونه، إذا الشخص صلى بوضوئه صلاة فرض ولا نفل -هذا ظاهر كلام الحنابلة- ثم أراد أن يصلي صلاة أخرى، فيستحب له أن يجدد وضوءه، وتجديد الوضوء واضح أنه ما في حدث أصغر؛ أنت صليت صلاة بوضوء سابق وبدك تصلي صلاة جديدة وما أحدثت، نقول يستحب لك أن تعيد الوضوء ويسمى هذا تجديد وضوء.
الآن ما صورة المسألة؟ لو أن شخصاً صلى كما قلنا بوضوئه صلاة ثم أحدث، فنسي حدثه بهذا القيد عند الحنابلة، فنسي حدثه الأصغر ثم ذهب أخونا ليجدد الوضوء بده يسميه تجديد وضوء، لأنه هو صاحبنا ناسي أنه أحدث حدثاً أصغر، فقال: والله أنا بدي أجدد وضوئي للصلاة الأخرى لأحقق سنية تجديد الوضوء، فتوضأ وضوءاً هو ناوي تجديد وضوئه لأنه هو ناسي أنه به حدث أصغر، فنوى بهذا الوضوء التجديد فقط.
فلما فرغ من وضوئه قال له صاحبه: إيش كانت نيتك؟ قال: والله أنا نويت تجديد الوضوء، لا أنا متوضئ يعني سابقاً. قل له: لا ترى أنت أحدثت بعد وضوئك السابق، أنت اتوضأت وصليت بعدين أحدثت، شكلك نسيت أنك أحدثت. هل يلزم صاحبنا هذا أن يعيد الوضوء لأنه نوى به مجرد التجديد؟ في هذه الصورة بالتحديد الحنابلة يقولون بما أنه كان ناسياً لحدثه الأصغر ونوى تجديد الوضوء، فنعتبر نية تجديد الوضوء مجزئة له فترفع الحدث الأصغر عنه.
أما إذا كان ذاكراً لحدثه الأصغر ونوى تجديد الوضوء، هنا ما نعتبر هذا الوضوء ونلغيه ونأمره بأن يعيد؛ يعني ما نعتبر نية تجديد الوضوء مجزئة في رفع الحدث الأصغر. لماذا يا ترى؟ مع أنكم كل الوضوء المستحب اعتبرتم نيته مجزئة لرفع الحدث الأصغر، ليش تجديد الوضوء بالذات كوضوء مستحب لم تعتبروا نيته مجزئة لرفع الحدث الأصغر؟ قال الحنابلة: تجديد الوضوء أصلاً فلسفته وفكرته تقوم على أنك صليت صلاة بوضوء ولم تُحدث فتجدد الوضوء، فتجديد الوضوء تجديداً، هذه فكرته أصلاً، فهو لا يتصور ولا يتحقق إلا من شخص لم يُحدث.
فإذا كان صاحبنا محدثاً حدثاً أصغر وأتى ليتوضأ وقال: لا أنا بدي أجدد وضوء، طب أنت عارف أنه هذا حدث أصغر؟ قال: بعرف، بس أنا بدي أجدد وضوء. قال الحنابلة: هذا لعب، شخص عارف أنه محدث ويقول أنا أريد أجدد وضوئي، منقول له: تجديد الوضوء كعبادة كسنية لا تتحقق أصلاً إلا لمن لم يُحدث، فبما أنك أحدثت بك حدث أصغر وتعلم ذلك، فلا يجزئك أن تنوي نية تجديد الوضوء لأن هذه النية عبثية من شخص يعلم أنه محدث.
فبالتالي هذا الخيار الرابع وهو تجديد الوضوء هذا له حالة خاصة عند الحنابلة، يقولون تجديد الوضوء حتى تكون نيته رافعة للحدث الأصغر لا بد من أن يكون صاحبه ناسياً للحدث الأصغر، أما إذا كان الذي يجدد الوضوء متذكراً للحدث الأصغر فهذه النية نعتبرها عبثاً ولا تقبل منه، ويبقى الحدث الأصغر به. ومن هنا، فالشيخ منصور البهوتي وصاحب الوجيز قبله قاسوا الأغسال المستحبة الستة عشر على قضية تجديد الوضوء، قالوا كما أننا اشترطنا في تجديد الوضوء حتى تعتبر نية مجزئة في رفع الحدث الأصغر أن يكون...
الإنسان ناسياً، فكذلك الأغسال المستحبة، الأقضاض المستحبة، حتى نعتبر نيتها مجزئة لرفع الحدث الأكبر؛ لابد أن يكون الإنسان ناسياً لحدثه الأكبر، قاسوا هذه على هذه، لكن في الحقيقة أرى أن هذا القياس فيه إشكال.
إن الأغسال المستحبة إنما تقاس على الغسل والكلام المحرم في أن نيتها ترفع الحدث مطلقاً، كما أن الغسل والكلام المحرم يرفعان الحدث الأصغر مطلقاً، سواء كان صاحب الغسل أو الكلام المحرم عالماً بحدثه الأصغر أو غير عالم. فكذلك غسل الجمعة وما شابهها ترفع الحدث الأكبر مطلقاً، سواء كان صاحبها عالماً بحدثه الأكبر أو ليس عالماً، فهي أقرب إلى الغسل والكلام المحرم منها إلى تجديد الوضوء، وسبب هذا القرب يطول ذكره في هذا الموطن.
ولربما هذه المسألة طالت معي كثيراً اليوم، لكن دعوها شيئاً من التحقيق في بعض المسائل؛ لأنه في الحقيقة لما أنظر في كلامهم هنا وهناك، أنظر في أن هناك عدة صور، سواء في باب الوضوء لما تكلموا عن الخيار الثالث، أو في باب الغسل لما يتكلموا عن الخيار الثالث، أجد أحبائي أن الكلام يحتاج إلى فصل، وتحديد لمناطق النزاع وتحرير ليبان المراد منه. ولاحظوا كيف أننا سعينا إلى شيء من هذه التحذيرات.
إذاً، «ومن نوى غسلاً مسنوناً أو واجباً أجزأ عن الآخر»، ما صورة هذا الكلام؟ يقول: الآن بعد كل هذه الرحلة التي خضتها معكم، عرفنا أن الغسل لرفع الحدث الأكبر معك فيه ثلاثة خيارات: الخيار الأول خيار نية رفع الحدث، الخيار الثاني نية استباحة عبادة من العبادات يشترط لها الغسل، الخيار الثالث نية عبادة من العبادات أو أمر من الأمور يسن له الغسل، سواء كانت هذه العبادة أو الأمر الذي يسن له الغسل من العبادات أو الأمور التي يسن لها الغسل لمن كان به حدث أكبر فقط، أو من الأمور التي يسن لها الغسل حتى لمن لم يكن به حدث أكبر.
الآن حتى أعلق هنا، أقول: «ومن نوى غسلاً مسنوناً أو واجباً أجزأ عن الآخر». الشيخ مرعي عن صاحب المنتهى يقول: «ومن نوى غسلاً مسنوناً أجزأ عن الواجب»، هذا مفهوم كلامه لأنه قال: «من نوى غسلاً مسنوناً أو واجباً أجزأ عن الآخر»، يعني الذي ينوي المسنون ويقصد الغسل المسنون هنا الأقضاض المستحبة الستة عشر بالتحديد، من نوى غسلاً مسنوناً أجزأه عن الواجب. ولاحظوا كيف أطلق، سواء كان متذكراً لحدثه الأكبر أو كان ناسياً لحدثه الأكبر؛ إذا نويت أن أغتسل غسل الجمعة وأنا متذكر أن بي حدثاً أكبر، فغسل الجمعة يجزئ عن الحدث الأكبر، وإذا كنت ناسياً للحدث الأكبر فغسل الجمعة يجزئ عن الحدث الأكبر في كلا الصورتين، إذاً من نوى غسلاً مسنوناً أجزأه عن الواجب، ومن باب أولى العكس، الذي ينوي غسلاً واجباً أجزأه عن المسنون.
لكن قضية الإجزاء هنا تحتاج إلى تحرير أكثر من الحنابلة؛ ماذا يعني؟ يعني لما يأتي يوم الجمعة عليّ، وقبل صلاة الجمعة كان بي حدث أكبر، فنويت الغسل الواجب، يعني نويت رفع الحدث أو استباحة عبادة من العبادات يشترط لها الغسل، نويت النية الأولى أو النية الثانية، نويت الغسل الواجب، ولم أنوِ الغسل المسنون. الآن كلامهم يقول إنه من نوى الواجب أجزأ عن المسنون، ما المراد بالإجزاء عن المسنون؟ هذه الكلمة التي تحتاج إلى تحرير والله تعالى أعلم؛ لأن إذا قلنا إنها أجزأ عن المسنون أنه حصد نية المسنون فهذا ليس بصحيح، لأنهم أنفسهم الحنابلة يقولون إنه لا يحصل نية المسنون حتى ينويه؛ لأنه «إنما الأعمال بالنيات».
فإذا أنا اغتسلت يوم الجمعة ونيتي فقط رفع الحدث الأكبر، لا أحصل على ثواب نية غسل الجمعة، إذا أردت أن أحصل على ثواب نية غسل الجمعة يجب عليّ أن أنوي النيتين، أنوي رفع الحدث الأكبر وأستحضر نية غسل الجمعة أيضاً. فقولهم إنه «من نوى غسلاً واجباً أجزأ عن مسنون»، هذه العبارة والله أعلم تحتاج إلى تحرير أكثر، لأننا إذا قلنا إنه لا يحصل نية المسنون إلا إذا نوى، فإذا لم ينوِ المسنون فهو في الحقيقة لم يجزئ عنه، إلا إذا كان المراد بالإجزاء شيئاً آخر، فهنا أنا أطالب ببيان ما هو الإجزاء المقصود هنا. هذه القضية ضعوا عندها استفساراً أو سؤالاً وتأملوا وابحثوا فيها في المستقبل.
أنا في الحقيقة أجد هذه العبارة تحتاج إلى تحرير أكثر لبيان ما معنى أن الغسل الواجب يجزئ عن الغسل المسنون؟ إذا كان المراد بالإجزاء الثواب فهذا ليس بصحيح؛ لأنكم أنتم الحنابلة تقولون لا يحصل على ثواب الغسل المستحب إلا إذا نواه. طيب، إذا لم يكن الثواب فما هو الإجزاء المراد هنا؟ فهذه أتركها للبحث العلمي.
«ومن نوى غسلاً مسنوناً أو واجباً أجزأ عن الآخر»، لاحظوا أن الشيخ ابن عجب مثلاً ماذا يقول؟ يقول: «أجزأ كل منهما عن الآخر، إن لم يقصد واحداً فقط فإنه لا يرتفع إلا الذي نواه». طبعاً هناك مقصد طويل لهذه العبارة، لكن قوله: «فإنه لا يرتفع إلا الذي نوى»، يعني بالتالي إذا كنت أنا نويت رفع الحدث الأكبر فهذا الذي أحصده، فكيف يجزئ عن المسنون؟ أنا أحتاج أن أنوي المسنون حتى أحصد الثواب أيضاً، فكيف يجزئ غسلي بنية رفع الحدث الأكبر عن الغسل المسنون؟ هذه القضية التي تحتاج إلى نظر.
الآن انتقل لقضية الاشتراك بين النيات؛ قال: «وإن نوى رفع الحدثين، أو الحدث وأطلق، أو أمراً لا يباح إلا بوضوء وغسل أجزأ عنهما»، هذه تسمى قضية التداخل في نية الغسل مع الوضوء. هل يمكن أننا من خلال الغسل نرفع الحدث الأصغر والأكبر؟ في الحقيقة نعم، يمكن من خلال الغسل رفع الحدث الأصغر والأكبر، لكن معك ثلاثة خيارات، إذا لم تروِ هذه الخيارات الثلاثة لا يجزئ الغسل عن الوضوء.
لاحظوا هنا كلمة «لا يجزئ الغسل عن الوضوء»، كلمة الإجزاء هنا مفهومة، أنه الغسل كفاني عن الوضوء، لكن قبل قليل لما تقول لي إن الغسل الواجب يجزئ عن المسنون لم تكن القضية واضحة، لكن الغسل المسنون يجزئ عن الواجب واضحة، أن غسل الجمعة أجزأني عن غسل واجب ولم أحتج إلى أن أعيد الغسل من الواجب، لكن لما تقول لي العكس: غسل واجب أجزأ عن مسنون، ثم تقول لي إن الغسل المسنون لا تحصد ثوابه إلا إذا نويته، بالتالي ما فائدة...
أجزاء الغسل الواجب عن الغسل المسنون. إذا كنت أنا لن أحصل على ثواب الغسل المسنون إلا إذا نويته، فما الفائدة؟ هذه الإشكال الذي طرحته ولكن لا نعرضه بصورة أخرى.
المهم: كيف يجزئ الغسل عن الوضوء أو يدخل الوضوء تحت الغسل؟ معك ثلاثة خيارات فنية: الخيار الأول أن ينوي رفع الحدثين؛ هذا الخيار لمن به حدث أصغر وحدث أكبر، فيقول: أنا لا أريد أن أتوضأ وأغتسل، بل أريد أن أغتسل وبهذا الغسل أرفع الحدث الأصغر والأكبر، ممكن نقول له ممكن، لكن إما أن تنوي رفع الحدثين فتملأ حين تأتي لتغتسل تنوي رفع الحدث الأصغر ورفع الحدث الأكبر، تنوي الاثنين.
الخيار الثاني أن تنوي رفع الحدث؛ هكذا تتحدث، تنوي رفع الحدث ولا تقيد بأنه أصغر أو أكبر، لأن كلمة حدث من المتواطئ فتشمل الحدث الأصغر وتشتمل على الحدث الأكبر. فإما أن ينوي رفع الحدثين بقوله: أنوي رفع الحدث الأصغر والأكبر، وهذا هو الخيار الثاني، أو أن تقول: أنوي رفع الحدث وتسكت، ولا تحدد أنه أصغر أو أكبر، وهذا جائز.
الخيار الثالث قال: أو ينوي أمراً لا يباح إلا بوضوء وغسل؛ يعني تنوي استباحة عبادة من العبادات يشترط لها الطهارة من الحدث الأصغر والحدث الأكبر. ما العبادات التي يشترط لها الطهارة من الحدث الأصغر والحدث الأكبر يا أحبائي؟ الطواف والصلاة ونصف المصحف. هذه الأمور الثلاثة مشتركة بين الحدث الأصغر وبين الحدث الأكبر، فإذا نويت استباحة عبادة من العبادات يشترط لها الطهارة من الحدث الأصغر والحدث الأكبر، أيضاً يجزئ الغسل عن الوضوء.
أما إذا كانت العبادة يشترط لها الغسل فقط، يعني الطهارة من الحدث الأكبر، فما تنفع في الإجزاء عن الوضوء، لا بد أن تكون عبادة يشترط لها الطهارة من الحدث الأصغر والحدث الأكبر، لذلك قال: أو أمراً لا يباح إلا بوضوء وغسل أجزأ عنهما. إذن: إن نوى رفع الحدثين، أو الحدث وأطلق، أو أمراً لا يباح إلا بوضوء وغسل، أجزأ عنهما.
جميل، إذا اغتسلت هل يمكن أن يرتفع الحدث الأصغر تبعاً؟ نقول نعم، يمكن أن يرتفع حدثك الأصغر تبعاً مع الغسل إذا نويت إما رفع الحدثين، أو رفع الحدث ولم تحدد، أو نويت عبادة يشترط لها الطهارة من الحدث الأصغر والحدث الأكبر، قال: أجزأ عنهما. وحينئذ سيسقط اشتراط الترتيب والموالاة. قل لي طيب يا شيخ ما هو الوضوء؟ فرض الترتيب والموالاة، ذكرنا أن هذه السنن خلاص تسقط إذا صح إدخال الحدث الأصغر تحت الحدث الأكبر الغسل من خلال واحدة من هذه النيات الثلاث، يسقط اشتراط الترتيب والموالاة في قضية الوضوء.
انتقل بعد ذلك الشيخ مرعي ليبين بعض السنن التي تتعلق بالغسل، وشيء منها أيضاً يتعلق بالوضوء كختام لهذا الفصل، فقال: «ويسن الوضوء بمد»، وذكر قدر المد بالحسابات القديمة، «والاغتسال بالصاع». الآن يا أحبائي، وضوء النبي ﷺ في العادة كان بمد، واغتساله كان بصاع. والمد والصاع بالأرقام الحديثة، نقول المد بالرقم الحديث تقريباً خمسمائة غرام، يعني خمسمائة مللي لتر، وأما الصاع فهو عبارة عن أربعة أمداد، والأربعة أمداد هي تقريباً اثنين لتر.
لا يقولون ذلك لأن المد في الحقيقة ليس خمسمائة غرام بالضبط، بل يقولون خمسمائة وتسعة بهذا الرقم بالحسابات الغرامية الدقيقة، فالمهم أنا قلت لكم تقريباً المد عبارة عن خمسمائة مللي لتر، والصاع عبارة عن أربعة أمداد، يعني هو عبارة عن اثنين لتر وشوي، هذا كان وضوء النبي ﷺ وبهذا كان اغتساله، فيسن إذاً الوضوء بالمد بخمسمائة غرام، ويسن أن تغتسل بالصاع باثنين لتر ويزيد قليلاً، يقولون: اثنين لتر وخمسة وثلاثين مللي لتر.
وبعد ذلك قال: «ويكره الإسراف»، لا «الإسباغ» بدون ما ذكر. يكره الإسراف، الإسراف يعني أن تتجاوز في الماء القدر الكافي في الوضوء أو في الغسل، هذا مكروه. أيضاً قال: «لا الإسباغ» بدون ما ذكر، ركزوا في هذه العبارة، يعني لا يكره، لا يكره أن تسبغ، والمراد بالإسباغ تعميم العضو بالماء. هنا لا يكره أن تسبغ، أي أن تعمم أعضاء الوضوء أو أعضاء الغسل بالماء بدون القيد المذكور. يعني لو استعملت أقل من مد في الوضوء وأسبغت، يعني كنت استطعت من خلال ذلك تعميم العضو بالماء، هل يكره أن أقلل عن المد؟ لا يكره، ولو استعملت أقل من صاع بالغسل مع أني أسبغت، يعني عممت الأعضاء المفروضة بالماء، هل هذا مكروه؟ النزول عن الصاع أيضاً لا يكره، فما دمت قد عممت الأعضاء المطلوب مني أن أعممها بالماء، فلا يكره النزول عن المد بالنسبة للوضوء ولا النزول عن الصاع بالنسبة للغسل.
ثم قال: «ويباح الغسل في المسجد ما لم يؤذِ به». هل يجوز الغسل في المسجد أم لا يجوز؟ قال: يباح، بل يباح الغسل في المسجد. شخص به حدث أكبر ويريد أن يغتسل، وما وجد مثلاً إلا المسجد، أو وجد غير المسجد لكنه يريد أن يغتسل في المسجد، وليست القضية متعلقة أنه وجد أو لم يوجد، شخص به حدث أكبر دخل المسجد ليغتسل، هكذا الصورة باختصار، يجوز ولا لا يجوز؟ تقول: يباح بشرط ألا يؤذي به، ويباح الغسل في المسجد ما لم يؤذِ به. إذا كان غسلك في المسجد سيسبب أذى حينئذ يقولون يحرم، يحرم، وإن شيخ طبعاً ابن عوض يقول ظاهر العبارة الكراهة لكننا المذهب والتحريم، فإذا كان الغسل في المسجد يسبب أذى فهو حرام، لا يسبب أذى فهو مباح. قال: إذاً يباح الغسل في المسجد، هذا أول مكان.
اثنين، قالوا: «وفي الحمام، إن أَمِنَ الوقوع في المحرم، فإن خيف كره، وإن علم حرم». الحمام المراد به يا أحبائي هذه الحمامات التي هي خاصة اغتسال، مثل الحمامات السورية والشامية والتركية اليوم، أماكن مخصصة ومهيئة للاستحمام. الآن في الحقيقة العبارة هنا تحتاج إلى تفصيل أكثر، بأن الحنابلة يفرقون بين حكم ذهاب الرجال إلى هذه الحمامات الشامية والتركية والمغربية، وبين ذهاب النساء إليها، فالحكم الذي ذكره الشيخ مرعي هو حكم الرجال.
أن الرجال نقول لهم الأصل إباحة الذهاب إلى هذه الحمامات للاغتسال، لكن هناك تفصيل وهو: «أن أمن الوقوع في المحرم». ما المراد بالمحرم هنا؟ المراد أن أمن من انكشاف عورته، أو النظر إلى عورات الناس، أو أن يمس أحد عورته كما لا يخفى عليكم أثناء عملية تنظيف الجسد أو ما شابه ذلك، فبعض هذه الحمامات يدخل الرجل هو الذي ينظف غيره، فإذا أمن الإنسان في دخول هذه الحمامات من المحرمات، من انكشاف عورته أو أن ينظر إلى عورات الآخرين أو أن يمس إنسان، وأمنت كل هذه المحرمات، نقول للرجل يباح لك الذهاب إلى ذلك.
أو إلى هذه الحمامات، قال: فإن خاف. لكن إذا خاف وقوع محرم من هذه المحرمات، بنقول له هذا مكروه؛ ذهابه إلى الحمام مكروه لأنك تعرض نفسك للمعاصي والآثام، وإن علم -إذا كان مش خايف من الحرام هو متيقن أنه راح يكون هناك حرام، متيقن أنه راح يكشف عورته، أو أن شخص يمس عورته- فمنقول حينئذ ذهابه هنا محرم قولًا واحدًا.
هذا خاص بالنسبة للرجل؛ الرجل بتقول إن أمن الوقوع في المحرم مباح، إن خاف كره، وإن علم حرم. وأما المرأة فيقولون لها الأصل تحريم ذهابها إلى هذه الأماكن؛ الأصل في المرأة -أحبائي عند الحنابلة- يقولون المرأة يحرم دخولها الحمام إلا لعذر، إذا كان هناك عذر من وجود حيض أو نفاس تريد أن تغتسل منه، بها باختصار حدث أكبر تريد أن ترفعه مع أمنها الوقوع في الحرام.
الحالة الأصلية للمرأة في دخولها الحمامات التحريم، خلاف الرجل؛ الحالة الأصلية للرجل الإباحة، إلا إذا خاف الحرام كره، وإن علم الحرام حرم. أما المرأة فالأصل أنها يحرم عليها دخول الحمامات؛ إذا ما في عذر، والله بتقول بدي أروح أتحمم من أجل العرس أو أريد أن أتحمم من أجلي، والله أبرد، بنقول هذا حرام عند السادة الحنابلة.
ولمتى تذهب لهذه الحمامات؟ هل نقول إذا كان هناك عذر؟ والمراد بالعذر وجود حيض أو نفاس، أو حاجة ملحة تلزمها أن تذهب إلى هذه الحمامات. طيب، يا شيخ اللي عنده حيض ونفاس وتقدر تغتسل ببيتها، يصير تروح لهذه الحمامات؟ قالوا: ولو أمكنها الاغتسال في بيتها خلاص، ما دام أن هناك عذر -خلينا نحكي مبرر للاغتسال ليس مجرد تنظيف عام أو تبرد عام- لا، هي عندها حيض أو نفاس، أو مثلاً محتاجة جداً أن تذهب إلى هذه الحمام لأمر معين يتعلق بشؤون النساء، في عذر.
وإن أمنت الوقوع في المحرمات من انكشاف العورات أو أن تُلمس عورتها من دون حاجة، فحينئذ يجوز لها أن تذهب. ومن دون هذين القيدين أو الشرطين لا يجوز لها الذهاب إلى هذه الحمامات. عرفتم أخواتي النساء؟ الذهاب لهذه الحمامات محرم للترفه، أو مجرد الاستحمام أو اللعب أو ما شابه ذلك؛ تغتسل المرأة في بيتها إذا كان هناك عذر يقتضي الذهاب إلى هذه الحمامات، وليس طبعاً طبيعة العذر أنها لا تغتسل في بيتها أو لا يمكن الاغتسال في بيتها، لا، الحنابلة يتوسعون فيها؛ يقول عذر إذا كان عندها حيض أو نفاس، ومثلًا محتاجة أن ترفعه بالتأكيد لتصلي أو ما شابه ذلك، حتى لو أمكن الاغتسال في بيتها وذهبت للحمام ما في مشكلة لأنه في عذر.
عموماً، إذا كان هناك مبرر أو كانت هناك حاجة ملحة للذهاب إلى هذه الحمامات من الحاجات التي تعرفها النساء، زائد أمن الوقوع في المحرمات، حينئذ يباح لها أن تذهب، وما سوى هذين القيدين لا يجوز لها ذلك.
ختم الشيخ مرعي أحبتي هذا الفصل بالأغسال المستحبة، وهي التي ذكرناها أو أشرنا إليها قبل قليل، وهي أغسال تستحب في أماكن وأوقات وأحوال محددة، ولا يشترط لها أن تكون محدثاً حدثاً أكبر، فهذه الأغسال تسمى الأغسال المستحبة. لماذا؟ قالوا لأنه لا يشترط لها أن يكون صاحبها به حدث أكبر، وإنما تشرع في أماكن وأوقات محددة، سواء كان بك حدث أكبر أو لم يكن بك حدث أكبر، فهي قائمة موجودة.
ما هي هذه الأغسال المستحبة؟ قالوا وهي ستة عشر غسلة، نمر عليها سريعاً ورتبها من أكدها إلى ما دون ذلك. فقال: أكدها لصلاة الجمعة؛ أول غسل من هذه الأغسال المستحبة الغسل لصلاة الجمعة، ولاحظوا أنه لم يقل أكدها ليوم الجمعة، بل علقه بالصلاة ليفيد أن هذا الغسل عند الحنابلة إنما هو متعلق بصلاة الجمعة. لذلك انظروا القيود التي سيذكرها بعد ذلك: أكدها لصلاة الجمعة في يومها.
قوله "في يومها" يريد أن يقول به أن هذا الغسل إنما تبدأ مشروعيته من طلوع الفجر، وأما قبل ذلك فلا تتحقق المشروعية فيه، فمن اغتسل قبل طلوع الفجر لم يحصل على ثوابه عند الحنابلة، فلابد من أن يغتسل من بعد طلوع الفجر. وإذا قال "في يومها" لذكر، فهذا الغسل للذكور وليس للإناث، وليس لكل الذكور أيضاً؛ لذلك قال "لذكر حضرها". فإذا كان الذكر لن يحضر صلاة الجمعة لأنه مريض أو مسافر أو ما شابه ذلك من الأعذار، فإنه لا يكون الغسل مشروعاً له. فهذا الغسل إذاً هو لصلاة الجمعة في يوم الجمعة، أي يبدأ من بعد طلوع الفجر، مشروعية الغسل لذكر يريد أن يحضرها.
الغسل الثاني بعد ذلك في المرتبة الغسل من تغسيل الميت؛ لذلك قال: ثم لغسل ميت، أي من غسل ميتاً. مر معنا أنه ينتقض وضوؤه من غسل الميت أو شارك في تغسيله، ويقول الحنابلة ويستحب له الغسل أيضاً؛ فمن ناحية الوضوء انتقض وضوؤه، ومن ناحية الغسل يستحب له الغسل وإن لم يكن به حدث أكبر.
بعد ذلك في المرتبة العيد وما بعده، فالعيد وما سيذكره بعد العيد من باقي الأغسال الستة عشر، هذه كلها في مرتبة واحدة؛ لذلك لم يأتي فيها بـ "ثم"، لاحظوا أنه قال: الجمعة ثم لغسل الميت ثم للعيد، ليرتب، بعد ذلك سيقول: ولكسوف واستسقاء. فالعيد وما بعده كل هذه الأقسام في مرتبة واحدة.
العيد أحبائي أيضاً هناك نقاط اشتراك بين غسل الجمعة وغسل العيد، وهناك نقاط افتراق. ومن نقاط الاشتراك بين غسل العيد وغسل الجمعة أن غسل العيد مشروعيته تبدأ من بعد طلوع الفجر، لذلك قال: ثم للعيد في يومه، ليبين أن غسل العيد إنما تبدأ مشروعيته من بعد طلوع الفجر كما هو الحال في الجمعة. ونضيف فنقول: ومشروعية غسل العيد هو لمن يريد أن يحضر صلاة العيد، سواء صلى العيد مع الجماعة أو صلاها، سيأتي معنا أن هناك صوراً لصلاة العيد تصلى فيها منفرداً، فغسل العيد مشروع لمن يريد أن يحضر.
كما أن غسل الجمعة مشروع لمن يريد أن يحضر الصلاة، لكن الفوارق بينهما -الآن عرفنا نقاط الاشتراك- الفوارق أن غسل العيد مشروع لمن يريد أن يحضر العيد سواء صلاها جماعة أو صلاها منفرداً، لأن العيد كما سيأتي معنا في بعض الصور يصلى منفرداً، قد تصلى صلاة منفرداً يصح بها عيداً. وأما الجمعة فإنها لا تصلى جمعة إلا مع الاجتماع، إذا لم يحدث الاجتماع لا يمكن لمنفرد أن يصليها، فبالتالي غسل العيد لمن يريد أن يصليها سواء صلاها جماعة أو منفرداً، وأما الجمعة فلمن لها جماعة لأنها لا تصلى إلا كذلك.
ثانياً: غسل العيد. يقول الحنابلة: هو لمن يريد أن يحضرها، ذكراً كان أو أنثى، وأما غسل الجمعة فقد مر معنا أنه خاص بالذكور فقط، فهذان فرق بين غسل العيد وغسل الجمعة.
ثم قال: «ولكسوف»، فعطف بالكسوف ليبين اشتراك الرتبة؛ فالكسوف يطلق أيضاً على كسوف القمر، والكسوف يشرع له الغسل لأن هناك صلاة سيجتمع لها الناس، فيقولون إذا وقع كسوف للشمس أو للقمر يسن الاغتسال عند وقوعه، وهذا وقت الغسل له عند الوقوع.
وكذلك صلاة الاستسقاء، فقال: «واستسقاء»، أي إذا أراد الناس أن يجتمعوا لصلاة الاستسقاء يستحب الاغتسال عند إرادة الخروج للصلاة. لكن لا نريد أن نعطي قاعدة عامة أن كل اجتماع لعبادة يشرع له الغسل، بل ينص الحنابلة على أنه ليس كل اجتماع لعبادة يشرع له الغسل، وإنما تستحب الأغسال فيما وردت فيه الآثار؛ ولذلك يتشددون حتى لا يقيس البعض، فممكن يقول: خلص، بما أنهم شرعوا الاغتسال للجمعة والعيد والكسوف والاستسقاء لاجتماع الناس للعبادة، إذ نضع قاعدة عامة: كل اجتماع لعبادة يسن له الغسل؟ نقول: لا، الحنابلة ينصون على أنه لا يستحب الغسل لكل اجتماع، وإنما لهذه اجتماعات محددة لورود الأثر أو النصوص فيها.
وقالوا: «وجنون وإغماء من جن أو أغمي عليه»، أحبائي مر معنا أنه ينتقض وضوءه، فعليه أن يتوضأ لزوماً، ويستحب له الغسل مثله مثل من غسل ميتاً. فالجنون والإغماء ينقض الوضوء وعليه أن يتوضأ لزوماً، وأما الغسل فمستحب في حقه. وقد أغمي على رسول الله ﷺ قبيل وفاته، فلما استيقظ من إغمائه توضأ، فقالوا: والجنون أولى منه، أي من الإغماء، فاستحب الغسل للجنون وللإغماء أيضاً.
ويستحب الغسل للمستحاضة، وفي كتاب الحيض سنعرف الفرق بين الحائض وبين المستحاضة؛ فالمستحاضة إخواني ليس بها حدث أكبر، ومع ذلك يستحب لها استحباباً أن تغتسل لكل صلاة إن قويت على ذلك. فقال: «والاستحاضة لكل صلاة»، فالمستحاضة يستحب لها الغسل لكل صلاة إن قويت على ذلك كما فعلت أم حبيبة رضي الله تعالى عنها، إنها كانت تغتسل لكل صلاة ما استحيضت سبع سنوات.
الآن سيدخل في الأغسال المتعلقة بالإحرام ومكة وما شابهها من الشعائر، فقال: «ولإحرام»، أي من أراد أن يحرم لحج أو عمرة يستحب له قبل أن يحرم أن يغتسل، وقد اغتسل ﷺ لإحرامه.
قال: «ولدخول مكة وحرمها»، لانتبهوا يا إخواني لهذه الفائدة؛ قضية دخول مكة هو حرم مكة. العلاقة بين مكة وحرم مكة ترى هي علاقة عموم وخصوص وجهي، لأن هناك منطقة مشتركة هي من مكة وهي من الحرم، وهناك منطقة من الحرم المكي هي خارج حدود مكة، وهناك منطقة من مكة هي خارج حدود الحرم. فعندنا ثلاث مناطق: منطقة هي من مكة وهي من الحرم مثل الكعبة وما حولها، وهناك منطقة من مكة هي خارج حدود الحرم، وهناك منطقة من الحرم المكي هي خارج حدود مكة مثل منى، منى تعتبر خارج مكة تاريخياً ولكنها حرام، فعندنا إذا علاقة العموم والخصوص الوجهي بين مكة والحرم.
الآن قوله: يسن الغسل أو يستحب الغسل لدخول مكة، ظاهر هذه العبارة أن دخول مكة -حتى ولو لم يدخل الحرم- يستحب له الغسل، فمن دخل مكة حتى ولو لم يصل إلى الحرم يستحب له الغسل لمجرد دخول مكة. هناك أيضاً غسل قال: «لدخول حرم مكة»، هناك غسل لدخول حرم مكة، فمن دخل حرم مكة -مثل شخص كان خارج حدود الحرم المكي ثم أراد أن يدخل الحرم- نقول له: يستحب لك الغسل. إذاً لدخول مكة وحرمها.
لكن بقيت الحالة الثالثة: شخص يريد أن يدخل الحرم أو منطقة الحرم التي هي خارج مكة؛ شخص يريد أن يدخل مكة أو حدود مكة التي هي خارج الحرم يستحب له الغسل، وشخص يريد أن يدخل المنطقة المشتركة التي هي من مكة ومن الحرم يستحب له الغسل. طيب، شخص يريد أن يدخل منطقة من الحرم لكنها خارج مكة في الحقيقة؟ أقول ظاهر الإطلاق لما قال «وحرمها» أنه يشمل هذه الصورة أيضاً، لكنني لم أجد نصاً واضحاً عند الحنابلة في هذه الحالة. لأن الأحوال ثلاث: شخص يدخل مكة ولا يدخل حرمها، وشخص يدخل حرمها، وشخص يدخل الحرم ولا يدخل مكة، لأنها الأحوال ثلاث كما ذكرنا. فمن يريد أن يدخل مكة ولا يدخل الحرم يغتسل، ومن يريد أن يدخل المنطقة التي هي من مكة ومن الحرم يغتسل، والذي يريد أن يدخل المنطقة التي هي من الحرم وليست من مكة -مثل منى، منى هي من الحرم لكنها تاريخياً ليست من مكة- هل يغتسل ولا لا يغتسل؟ كما قلت لكم، ظاهر قولهم «وحرمها» أي حرم مكة يحتمل أنها تشمل المناطق التي تنسب إلى حرم مكة وإن لم تكن من مدينة مكة كما ذكرنا، ويمكن أن يكون هناك احتمال آخر، لكنني لم أقف للحنابلة على نص في هذه المسألة بالتحديد.
لذلك قالوا: «ولدخول مكة وحرمها»، قال: «وقوف بعرفة»، من يريد أن يقف بعرفة يستحب له الغسل قبل ذلك، «ولطواف» عفواً «ولطواف الزيارة»، المراد بطواف الزيارة طواف الإفاضة الذي يفعله الحجاج بعد أن يرموا جمرة العقبة الكبرى يوم النحر، وبعد أن يحلقوا، هناك طواف يسمى طواف الإفاضة، تعرفون ويسمى أيضاً طواف الزيارة، فيستحب الغسل قبل أن يأتي إلى طواف الإفاضة. «وطواف وداع» يستحب الغسل أيضاً قبل طواف الوداع. ولاحظوا أحبتي، يعني الطواف كله اجتماع للناس ويكون هناك ازدحام، جميل أن يكون الإنسان مغتسلاً متنظفاً رائحته طيبة حتى لا يسبب كثرة الازدحام مع كثرة الرائحة الكريهة، يعني أحوال سيئة، نسأل الله العفو والعافية.
فإذاً طواف الزيارة وطواف الوداع، «والمبيت بمزدلفة»، طبعاً لمن تيسر له ذلك؛ لأن هذه خاصة الغسل، المبيت بمزدلفة صعب هذه الأيام، لكن من وفقه الله ويسر له ذلك يستحب أن يغتسل قبل أن يبيت بمزدلفة.
وأخيراً الغسل لرمي الجمار، والغسل لرمي الجمار قال الحنابلة في كل يوم من أيام التشريق، فمن أراد أن يتأخر ولا يريد أن يتعجل يغتسل لرمي الجمار لليوم الأول، ولرمي الجمار لليوم الثاني، ولرمي الجمار لليوم الثالث، ومن تعجل فيغتسل لرمي الجمار اليوم الأول والثاني فقط.
ثم هكذا انتهينا من ذكر الأغسال الستة عشر. ختم فقال: «ويتيمم لكل لحاجة بما يسن له الوضوء»، إن تعذر. عبارة كان بإمكان الشيخ منيع أن يرتبها أكثر والله أعلم، إن فيها شيئاً من التكرار، وإن كان حاول الدنوشري أن يدافع عن العبارة، لكن أقرأه في...
حاشيتي، بنعوض الدفاع ليس قويا. يريد أن يقول الشيخ مرعي الكرمي إن هذه الأغسال المستحبة وكذلك الوضوء المسنون، الأغسال المستحبة والوضوءات المسنونة لمن فقد الماء، هل يمكن أن يتيمم عنها؟ نحن نعرف التيمم لصلاة الفريضة، نعرف التيمم من الأمور الواجبة، لكن التيمم للأغسال المستحبة وللوضوءات المستحبة، هل هذا مشروع أيضا؟
فالحنابلة يقولون: نعم مشروع لمن وجدت في حقه شروط التيمم التي ستأتي، فكان فاقدا للماء أو يتعذر عليه استعماله يمكنه أن يتيمم للاغتسالات المستحبة، ويمكنه أيضا أن يتوضأ للوضوءات المستحبة. فلذلك قالوا: ويتيمم للكل؛ أي لكل الأغسال المستحبة لحاجة، كما قلنا هي انعدام الماء أو عدم القدرة على استعماله.
وكذلك يتيمم لما يسن له الوضوء؛ فمثلا من كان غضبان، من كان تكلم بكلام حرام، من كان يريد أن يذكر الله، من كان يريد أن يؤذن ولا يجد ماء أو يتعذر عليه استعمال الماء، نقول له: تيمم فيسر. إذا يمكن التيمم.
قال: ويتيمم للكل، أي لكل الأغسال المستحبة عند الحاجة إلى التيمم ولما يسن له الوضوء إن تعذر، لأن "إن تعذر" هي نفسها كلمة "لحاجة". فقولوا "لحاجة" ثم قولوا بعد الوضوء "إن تعذر" تطويل لا داعي له. كان بإمكانه أن يقول: ويتيمم لكل الأغسال المستحبة ولكل ما يسن له الوضوء إن تعذر عليه استعمال الماء.
أما قوله "لحاجة" ثم قال "ولمن يسن له الوضوء إن تعذر" إطالة، كان يمكن أن تختصر. ويريد أن يقول، إذا كما ذكرت، إن الأغسال والوضوءات المستحبة عند حالة فقد الماء وعدم القدرة على استعماله يمكن أن يتيمم عنها.
وهذا نهاية كتاب الغسل، في المحاضرة القادمة بإذن الله نشرع في باب التيمم. ونسأل الله الإعانة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل