دخولتسجيل الدخول

الدرس 14 - باب التيمم

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، يقدم شرح دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي الكرمي الحنبلي، مع الشيخ إبراهيم رفيق الطويل.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، محجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي، رحمه الله تعالى عليه. وأذكر أحبائي قبل أن أشرع في محاضرة اليوم، أن الدراسة الفقهية المذهبية كما ترون هي دراسة دقيقة. بعض الطلبة يظن أن هذه الدراسة فكرة مكررة، لكنني أعيدها حتى أشحذ الهمم، وحتى لا يتسرب الفتور إلى طالب العلم، ونحن ما زلنا في بداية الطريق في الكتاب الأول وهو كتاب الطهارة.

لاحظتم أحبائي كيف أن الفقهاء يبنون مسائل الفقه على قيود وشروط وضوابط؛ فعندما تحدثنا عن نواقض الوضوء لم تكن الأمور مطلقة هكذا، بل كل ناقض كان له ضوابطه. مثلاً، عندما تكلمنا عن موجبات الغسل، كل شيء كان له ضوابطه، عن أنواع المياه، عن الآنية، عن الوضوء، عن الغسل، عن صفة الغسل، كل شيء بضوابط وقواعد وقيود وشروط، هي التي تكون البنيان الفقهي لمذهب الحنابلة، وكذلك في مذهب الشافعية، والمذهب المالكي، والمذهب الحنفي.

ولأن طبيعة الدراسة الفقهية تحتاج إلى طول نفس، نرى كثيراً من الطلبة اليوم يعدلون إلى الفتات، يحاولون أن يبحثوا عن شيء مختصر، أو عن كتاب مختصر، أو عن بحث معاصر يظنون أنه سيبنيهم فقهياً ويوصلهم إلى الحقيقة، وهذا ما أضاعنا والله يا أحبائي. في هذا الوقت الأمة محتاجة إلى نفض الغبار، وإلى إعادة طلبة العلم إلى وعيهم الحقيقي في أهمية الدراسة الفقهية طويلة النفس التي تقوم على الإعادة والتكرار، والمذاكرة، والنظر في كلام الأوائل، والتحليل، والتلخيص، والضبط، والمراجعة.

هكذا نبني الفقيه، هكذا يكون الإنسان يستطيع أن يأتي بفتوى ترضي الله سبحانه وتعالى، وليست فتوى مستعجلة نابعة من الجهل أو العجلة أو عدم إطالة النظر. فلذلك أقول لإخواني: عليكم أن تعقلوا ما نحن ماضون فيه، هذا الطريق طريق طلب العلم ليس بالسنة ولا بالسنتين، هو كما أسميه دائماً للإخوة رحلة العمر، تحتاج منا إلى نفس طويل، وإلى همة، وإلى عزيمة.

نعم، كل شخص منا تأتيه لحظة فتور، أو لحظة انقطاع، أو شيء من مشاغل الحياة الدنيا، لكن علينا أن نعود لأنها أمانة الدين التي حملها السابقون ووصلت إلينا. استأمنونا على هذا الفقه وعلى هذا العلم لنوصله نحن إلى الأجيال اللاحقة. فإذا أنتم يا طلبة العلم ابتعدتم عن هذا النهج وعن هذا المسلك ورضيتم بالحياة الدنيا وزينتها، فمن يأخذ هذا العلم؟ بالله عليكم، من هو المسؤول عن إيصال هذه العلوم وهذه المعارف إلى الأجيال اللاحقة؟ إذا نحن أدرنا ظهورنا وعدنا إلى لهونا وعبثنا.

إذن إخواني، استحضروا عظمة الله سبحانه وتعالى وأنتم تدرسون وأنتم تحاولون أن تطبقوا ما دونه، وهذا أيضاً مما يعين على الاستمتاع بالدرس الفقهي؛ أن يشعر الإنسان أنه يأخذ معلومة فيطبقها في حياته المعاصرة. نحن لا نأخذ هذه المعلومات لتبقى حبيسة الكتب والعقول والأفكار، فلنأخذها لنطبقها في واقعنا. فإذا تعلمنا أحكام المياه ننظر في حياتنا في أنواع المياه، وإذا تعرفنا على صفة الوضوء نطبق، وإذا تعرفنا على صفة الغسل نطبق. هكذا إخواني يكون الدرس الفقهي ممتعاً ومثمراً، ونجمع بين العلم والعمل، والعمل هو ثمرة العلم والمقصود النهائي منه.

حتى لا أطيل، في المحاضرة السابقة تكلمنا عن باب الغسل أو بقية باب الغسل وأتممناه، واليوم نشرع في المقصد الثالث من مقاصد كتاب الطهارة، ألا وهو التيمم. وفي الحقيقة أنا كنت أتمنى لو أن الشيخ مرعي وغيره من الحنابلة أخروا باب التيمم إلى ما بعد باب إزالة النجاسة؛ لأن التيمم كما سيأتي معنا عند الحنابلة بالتحديد يكون عن الحدث، ويكون عن النجاسة على البدن. التيمم كما سيأتي معنا إن شاء الله يكون عن الحدث الأصغر والحدث الأكبر، ويكون عن النجاسة أيضاً بشرط أن تكون نجاسة على البدن، ليست على ثوب ولا بقعة. فالأصل أن يذكر باب إزالة النجاسة، ثم بعد ذلك يذكر التيمم كباب بديل عن الحدث وعن النجس عن البدن، لكن في النهاية هذه صنعة تصنيفية لا تؤثر إن شاء الله في بيان الأحكام.

التيمم هو المقصد الثالث من مقاصد كتاب الطهارة. مقاصد كتاب الطهارة: الوضوء، الغسل، التيمم، وإزالة النجاسة. واليوم نحن في المقصد الثالث وهو التيمم. فالتيمم لغة واصطلاحاً، دعونا نبدأ بالتيمم لغة واصطلاحاً، أو قل فقهاً، والبعض يقول اصطلاحاً، والبعض يقول فقهاً وشرعاً، والمسألة إن شاء الله قريبة، وإن كان هناك فرق تحقيق حقيقي بين أن تقول تعريفاً شرعياً والتعريف اصطلاحاً، لكن لن أطيل الآن في بيان هذه الفروق.

التيمم لغة أحبائي معناه القصد؛ تقول: يممت وجهي تجاه مكة، أي أنني قصدت مكة لأزورها أو أعتمر أو أحج أو ما شابه ذلك. يممت نحوك أي قصدتك. فالتيمم إذاً مأخوذ من القصد، فإذا قصدت شيئاً فأنت يممته. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267]، أي لا تتقصد الخبيث من كسبك ومن رزقك لتنفقه على الفقراء والمساكين وما شابه ذلك، بل عليك أن تخرج الطيب الطاهر النقي.

أما التيمم فقهاً وشرعاً، وإذا أردت أن تقول اصطلاحاً فمعناه: استعمال تراب طهور مباح لمسح الوجه واليدين إلى الكوعين على وجه مخصوص. فإذاً واضح من هذا التعريف أن التيمم عبارة عن طهارة تتعلق بالتراب وليس بالماء؛ استعمال تراب، واشترطنا في هذا التراب -وسيأتي معنا شروط التراب- أن يكون طهوراً مباحاً، وفي ماذا سيستعمل؟ في مسح الوجه واليدين إلى الكوعين على وجه مخصوص نبينه إن شاء الله في صفة التيمم.

فهذه هي حقيقة التيمم شرعاً أحبائي، والقاعدة العامة قبل أن أشرع فيما ذكره الشيخ مرعي أن نقول: التيمم هو بدل. التيمم طهارة بدنية بدل عن الوضوء الذي هو لرفع الحدث الأصغر، وعن الغسل الذي هو لرفع الحدث الأكبر، وعن النجاسة على البدن؛ يعني إذا كان على بدنك نجاسة ولم تجد ماءً لتزيلها.

فإن التيمم يجزئ إذا أردت أن تصلي أو أن تفعل عبادة أخرى، فالتيمم يجزئ عن النجاسة على البدن؛ فتقول التيمم طهارة بدنية عن الوضوء، وعن الغسل، وعن النجاسة على البدن. ويتيمم لفرد أو لمسنون، فأنت تتيمم لأمر مفروض وتتيمم أيضًا لأمر مسنون، وماذا يقصد بذلك؟ بينا في المحاضرة السابقة، ولربما كانت هي آخر جملة في باب الغسل، إذا تعود إليها ماذا قال؟ قال: «تيمموا للكل لحاجة ولما يسن له الوضوء».

يعني إذا كان الغسل واجبًا بسبب حدث أكبر ولم تجد ماءً فإنك تتيمم، وكذلك إذا كان الغسل مستحبًا، ما في جنابة لكنك تريد أن تغتسل للجمعة، أو تغتسل للعيدين، أو الأضحى، أو للستة عشر، فإنك تتيمم أيضًا عن هذا الغسل المستحب. وكذلك الوضوء؛ هناك وضوء عن حدث وهناك وضوء مستحب مثل تجديد الوضوء، وهذا وضوء مستحب، أو وضوء الغضبان، فإذا كان الغضبان ليس عليه حدث أكبر، وكان متطهرًا ثم غضب، قلنا له يسن لك بما أنك غضبت أن تتوضأ، فقال: يا شيخ أنا لم أجد ماءً، نقول له: خلاص تيمم بدل الوضوء. وكذلك من تكلم في حرام عند الحنابلة، فحتى لو كان متطهرًا نحن عرفنا أنه يسن له الوضوء، فإذا لم يجد ماءً تيمم.

فالتيمم إذاً، كما قلنا، هو بديل عن الوضوء وعن الغسل وعن النجاسة على البدن، سواء كان لطهارة واجبة أو لطهارة مستحبة. الطهارة الواجبة يعني إذا كان هناك حدث أصغر فعلاً وتريد أن ترفعه، أو حدث أكبر تريد أن ترفعه، أو نجاسة حكمية على بدنك تريد أن ترفعها أو تزيلها، وهذه الصورة الأولى. وأما الطهارة المستحبة كما قلنا، فالأغسال المستحبة والوضوء المستحب في حال فقد الماء؛ فالتيمم إذاً طهارة شاملة.

والشيء الوحيد الذي لا يجزئ فيه التيمم هو النجاسة إذا كانت على غير البدن، إذا كانت في بقعة أو كانت في ثوب؛ فالنجاسة إذا كانت على غير البدن قضية أخرى. وأريد أن أبين قبل أن أنتقل إلى كلام الشيخ مرعي أن التيمم عند الحنابلة لا يعتبر رخصة بالمعنى الأصولي، وإنما يعتبر عزيمة، والسبب في ذلك يعود إلى الفرق بين الرخصة والعزيمة عند الحنابلة، وقد ذكرت ذلك سابقًا.

بينت لكم أن الرخصة هي أن تعدل باختيارك أنت عن الحالة الأصلية إلى الحالة التخفيفية مع قدرتك على فعل الحالة الأصلية؛ فتكون عندنا بعض الأمور لها حالة أصلية ولها حالة تخفيفية، فأنت باختيارك لست مجبرًا، أنت باختيارك تعدل عن الحالة الأصلية إلى الحالة التخفيفية، مثل المسح على الخفين؛ فإنك تستطيع أن تمسح الخفين وأن تغسل الأقدام، لكنك أردت باختيارك أن تفعل هذه الرخصة من الشارع فتمسح على الخفين. مثلاً الصيام في السفر، لو أن شخصًا صام في السفر فهذا فعل الحالة الأصلية، لو أفطر نقول الفطر في السفر رخصة؛ لأنني أستطيع أن أصوم في السفر، لكن أنا باختياري عدلت من الحالة الأصلية إلى الحالة التخفيفية.

فالرخص لابد فيها عند الحنابلة من إمكان فعل الحالة الأصلية وأنت باختيارك تعدل إلى الحالة التخفيفية، وأما التيمم فلا ينطبق عليه هذا الضابط؛ لأنك لا تستطيع أن تتيمم إلا إذا كنت عاجزًا عن استعمال الماء، سواء عجزًا حسيًا أو عجزًا حكميًا كما سنبينه. فالتيمم لا يمكن أن تفعله إلا إذا عجزت عن استعمال الماء تمامًا، فإذا كان بإمكانك استعمال الماء لا يصلح التيمم، وإذا كان يصلح لك التيمم فأنت غير قادر على الحالة الأصلية وهي استعمال الماء، فلذلك اعتبرناه عزيمة.

وإن كان هو في المفهوم الكلي وفي النظرة الكلية للشريعة نوع تخفيف من الشارع، لكنه من الناحية الفقهية الأصولية لا يعتبر رخصة لأننا لا نستطيع أن نفعله إلا عند عجزنا عن فعل الأصل، وبالتالي لا ينطبق عليه ضابط الرخصة.

بعد ذلك، الآن نشرح في كلام الشيخ مرعي رحمه الله؛ أول شيء بدأ به في التيمم قضية شروط التيمم. كيف أن الوضوء له شروط والغسل له شروط، عرفنا الوضوء له شروط ثمانية، والغسل له شروط سبعة، الآن في التيمم نفس الشيء؛ هناك شروط، وهناك فرض وسنن مثله مثل الوضوء والغسل. بدأ هو بالشروط مباشرة قبل أي شيء آخر فقال: «يصح بشروط ثمانية».

يا ترى هذه الشروط الثمانية هي نفسها شروط الوضوء، أم في اختلاف؟ في الحقيقة هناك شروط مشتركة بين الوضوء وبين التيمم، وهناك شروط زائدة للتيمم. وعندما تأملت كلام الشيخ مرعي وجدت أن قوله: «يصح بشروط ثمانية» يمكن أن نعدل ونقول بل يصح بشروط عشرة؛ لأن شروط الوضوء الثمانية في الحقيقة تتحقق أيضًا في التيمم، ويزيد التيمم بشرطين. طيب، لماذا قال ثمانية؟ في الحقيقة اختصر شرطين من شروط الوضوء لم يذكرهما هنا، ودعونا نتأمل ونعرف ما هي هذه الشروط التي اختصرها ونذكرها نحن حتى يكتمل عقد هذا الباب.

قال: «يصح بشروط ثمانية»: أولًا النية، ثانيًا الإسلام، ثالثًا العقل، رابعًا التمييز، خامسًا الاستنجاء أو الاستجمار. طبعًا هذا إذا كان التيمم عن وضوء، لأنه ممكن التيمم يكون عن حدث أكبر فلا فيه استنجاء ولا استجمار، أو يكون تيممًا على النجاسة. فقوله «والاستنجاء بالاستجمار» إذا كان التيمم عن حدث أصغر؛ فإذا عرفنا أن الوضوء لا يصح قبل الاستنجاء أو بالاستجمار، فمن باب أولى أن يكون بدله وهو التيمم لا يصح قبل الاستنجاء أو بالاستجمار إذا كان هناك بول أو غائط، فهذا شرط متعلق إذا كان هناك بول أو غائط.

إذن: النية، الإسلام، العقل، التمييز، الاستنجاء أو الاستجمار. هذه خمسة شروط. ثم قال السادس والسابع، لاحظوا لماذا نص على السادس والسابع والثامن، وأما الخمسة الأولى لم ينص عليها؟ لأن ذكرها سابقًا في باب الوضوء، فكأنه يريد أن يقول لك هذه أصبحت معروفة لديك، أن النية والإسلام والعقل والتمييز والاستنجاء أو الاستجمار إذا كان التيمم عن حدث أصغر هي شروط معروفة لديك مسبقًا، وسيذكر السادس.

وهي دخول وقت الصلاة، والسابع وهي تعذر استعمال الماء، والثامن وهي استعمال التراب. الآن استعمال التراب الطهور المباح، اللي هو الشرط الثامن، وامشوا معي عليه فقط حتى أنبه على هذه القضية. الشرط الثامن الذي سيُذكر، أن يتيمم بتراب طهور مباح، هو بدل عن الشرط المذكور في باب الوضوء: أن يتوضأ بماء طهور مباح. هذا بدل ذاك، ممتاز.

أن يتيمم بتراب طهور مباح، تقولوا هو بدل قوله في باب الوضوء، وكذلك في باب الغسل: أن يتوضأ وأن يغتسل بماء طهور مباح. ممتاز؟ نلاحظ أن هناك شرطين من شروط الوضوء لم يذكرهما في التيمم، لأنه نحن الآن عرفنا: النية، الإسلام، العقل، التمييز، الاستنجاء، هذه خمسة، وعرفنا استعمال التراب الطهور المباح، هذه بدل استعمال الماء الطهور المباح، والسابع والثامن هي دخول وقت الصلاة وتعذر استعمال الماء، وسنشرحها بالتفصيل إن شاء الله قضية دخول وقت الصلاة وتعذر استعمال الماء.

لكن نلاحظ كما قلت لكم أن هناك شرطين ذكرا في الوضوء ولم يتطرق إليهما في التيمم، مع أنه في الأصل أن تذكر في التيمم أيضًا. ما هي؟ هذه تحتاج لطالب ضبط شروط الوضوء أولاً: انقطاع ما يوجبه. هذا كان أول شرط من شروط الوضوء، فعرفنا أنه لا يصح وضوء ولا غسل أيضًا -نفس القضية في الغسل- حتى ينقطع ناقض الوضوء أو ينقطع موجب الغسل، فإذا كان حاضرًا مستمرًا ما زال لا يصح الوضوء حتى ينتهي.

فقلنا مثلاً إذا شخص كان يتبول لا يصح أن يتوضأ وهو أثناء البول، لابد من البول ثم بعد ذلك يتوضأ، وقل ذلك مثلاً في الغسل، لو أن شخصًا يمني فلا يصح غسله أثناء إملائه، لابد أن يخلص من الإملاء ثم بعد ذلك يغتسل. فكذلك في الحقيقة التيمم يشترط في هذا الشرط؛ فلا يصح لشخص أن يتيمم وهو يبول إذا كان هو الآن يبول أو يتغوط، هل يصح له أن يتيمم في أثناء بوله؟ لا، فلا بد من انقطاع ما يوجبه، أي ما يوجب التيمم في حال فقدان الماء، فهذا الأصل أن يذكر.

هذا الاستدراك الأول. الشرط الثاني الذي ذكره في الوضوء وما ذكره هنا هي قضية إزالة ما يمنع وصول الماء، وهذه في الحقيقة أيضًا لابد من اشتراطها في التيمم أيضًا؛ فلا بد من أن يزيل عن وجهه وعن كفيه ما يمنع وصول التراب. فإذا كان على وجهه قناع أو أمور، أو المرأة كان على وجهها أدوات تمنع وصول التراب لا يصح. كذلك لو كان على يدك كفوف أو كانت اليد مغطاة بشيء تعبث فيه أو نحوه، أو كان هناك خواتم تمنع وصول التراب وغبار التراب إلى الأيادي، لا يصح، لابد من أن تسمح بوصول التراب إلى كل الكف.

فإزالة ما يمنع وصول التراب أيضًا هذا شرط لابد أن يذكر، فهذان الشرطان ذكرهما في الوضوء ولم يذكرهما في التيمم، ولابد أن يذكرا في التيمم ليكتمل عقد الباب. فنقول: شروط التيمم هي ذاتها شروط الوضوء الثماني إذا كان التيمم عن وضوء، طبعًا إذا كان التيمم عن غسل بدنا نسقط قضية الاستنجاء أو الاستجمار، وكذلك إذا كان عن جنابة على بدن بدنا نسقط قضية الاستنجاء والاستجمار؛ فقضية الاستنجاء والاستجمار إنما تأتي إذا كان التيمم مقابل للوضوء.

إذا شروط التيمم هي شروط الوضوء الثماني، دعونا نقول وسنزيد عليها شرطين، ما هما؟ أولاً اشتراط دخول وقت الصلاة. فقال: السادس دخول وقت الصلاة، ولاحظ الصلاة أطلق فيها حتى تعم الفرض أو النفل، فأنت قد تصلي فرضًا أو تصلي نفلًا، وفي كلا الحالتين لابد من اشتراط دخول وقت الصلاة، وسيبين أكثر فقال: «فلا يصح التيمم لصلاة قبل وقتها».

لا يصح التيمم لصلاة قبل وقتها، ولا لنافلة وقت نهي. ممتاز، فقوله: «فلا يصح التيمم لصلاة قبل وقتها» هذا يا إخواني أساسًا يقصد به الصلوات المفروضات الخمس. فلا يصح أن تتيمم للظهر حتى يدخل وقت الظهر؛ يعني شخص الآن صحي قبل الظهر بساعة فلم يجد ماء وقال خلاص أتيمم ولما يدخل وقت الظهر أصلي بهذا التيمم، يقول له ما ينفع، إذا دخل وقت الظهر حينئذ يجوز لك أن تتيمم إذا كنت فاقدًا للماء حسًا أو حكمًا.

فشرط صحة التيمم أن يدخل وقت الصلاة المفروضة. كذلك وقت صلاة العصر، شخص إذا أراد أن يتيمم قبل العصر نقول له ما ينفع، لابد من أن يدخل وقت صلاة العصر بعد ذلك يباح لك التيمم إذا استكملت كل الشروط الأخرى، وقل ذلك في سائر الصلوات المفروضات، فلا يصح التيمم لفاقد الماء حسًا أو شرعًا حتى يدخل وقت الصلاة المفروضة.

وكذلك إذا كانت الصلاة التي تتيمم لها ليست مفروضة، بل كانت صلاة نفل؛ قال شخص: أنا ما بدي أتيمم لصلاة مفروضة، أنا الآن بدي أتيمم لنفل، شخص مثلاً صلى الظهر وكان واجدًا للماء، بعد أن صلى الظهر أحدث، راح يبحث عن الماء مرة ثانية ما وجد، قال: يا مشايخ طب أنا بدي أصلي السنة، وهو مَن يقول له: جميل، بدك تصلي السنة سواء كانوا سنة ظهر أو سنة مطلقة بنقول له: والله بعد الظهر هذا الوقت ليس من أوقات النهي، بالتالي تستطيع أن تتيمم وتصلي السنة ما عندنا مشكلة.

لكن إذا كان بعد العصر، بنقول بعد صلاة العصر وقت نهي عند الحنابلة، فمن صلى العصر مثلاً بوضوء ثم أحدث بعد العصر وأراد قال: بدي والله يا جماعة الخير أريد أن أصلي نفل بعد العصر، نقول له ما ينفع تتيمم لنفل الآن لأنه هذا الوقت وقت نهي، فلا يصح أن تتيمم للنفل فيه، ولذلك قال: «ولا لنافلة وقت نهي». أي لا يصح التيمم للنافلة في وقت النهي، فمن تيمم في وقت نهي باختصار من قلة وتيممك غير صحيح باطل.

وأوقات النهي ستأتي معنا إن شاء الله في كتاب الصلاة: بعد طلوع الفجر حتى ترتفع الشمس قيد الرمح، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس كما قال ﷺ: «من بعد صلاة العصر إلى مغيب الشمس بالكلية»، وأنا اختصرتها هي خمسة بالتفصيل وثلاثة بهذا الإجمال. ففي هذه الأوقات الثلاث التي هي أوقات النهي المنهي فيها عن الصلاة لا يصح التيمم أبدًا، فلا بد تنتظر خروج وقت النهي حتى يصح تيممك. ممتاز، إذًا السادس دخول وقت الصلاة، ولاحظوا كيف أطلق.

إذا كانت الصلاة التي تريد أن تتيمم لها صلاة فرض، فنقول لك: صلاة الفرض لا يصح التيمم لها حتى يدخل وقت هذا الفرض. وإذا كنت تريد أن تتيمم لصلاة نفل، بنقول لك ممتاز، انظر لهذا الوقت: هل هذا الوقت وقت نهي؟ إذا كان الوقت وقت نهي، نقول له أيضًا لا يصح التيمم فيه، وتنتظر حتى يخرج وقت النهي؛ لأنه وقت النهي لا تصح فيه صلاة النفل. وعند الحنابلة -سيأتي- سواء كان نفلاً مطلقًا أو نفلًا له سبب كالكسوف أو الاستسقاء، فالنفل المطلق أو الذي له سبب لا يصح مطلقًا في وقت النهي.

فإذا تيممت في وقت نهي لنفل -وركزوا- إذا تيممت في وقت نهي لنفل بنقول لك تيممك غير صحيح. فلاحظوا، تكلمت عن الصلوات المفروضات أنه يتيمم لها إذا دخل وقتها الشرعي، وتكلمنا عن النفل سواء كان نفلاً مطلقًا أو نفلاً مقيدًا بالكسوف والاستسقاء، يسمونها الصلوات ذوات الأسباب، هذه أيضًا قلنا لا يصح أن يتيمم لها في أوقات النهي، فينتظر خروج وقت النهي حتى يصح التيمم لها.

لكن هناك أنواع أخرى من الصلوات لم يتطرق لها في الحقيقة وإنما كان كلامه إجمالياً، مثل التيمم لقضاء فريضة؛ يعني أنا شخص علي قضاء فريضة وكنت ناسيها، وسبحان الله تذكرتها مثلاً بعد العصر أو بعد الفجر أو في أي وقت من الأوقات، بنقول: من أراد أن يتيمم لصلاة فائتة فإنه يتيمم مباشرة عند ذكرها. أنت تذكرت الآن أن عليك صلاة وأردت أن تقضيها، وسنعرف إن شاء الله أن القضاء يصح في أي وقت من الأوقات، فالقضاء للمفروضات يصح في أي وقت من الأوقات، وما فيه أنه وقت نهي أو ليس وقت نهي. متى تذكرت صلاة مفروضة تقضيها؟ فيقول الحنابلة: من أراد أن يتيمم لقضاء فريضة فإن وقت التيمم حينما يتذكرها.

هذا بالنسبة لقضاء الفريضة، ومن أراد أن يتيمم للكسوف قالوا: فإنه يتيمم متى؟ إذا كان التيمم للكسوف بالتحديد قالوا يتيمم عند وجود الكسوف. أما مثلاً في الإخبار، قال: الشمس ستنكسف الساعة الثانية عشر ظهرًا، فشخص صحي قبل الكسوف بساعتين ولم يجد ماءً، قال: خلاص بتيمم وأستعد لصلاة الكسوف، لما بتكسف الشمس بنقول: ما بنفع، تيممك باطل؛ لابد يدخل وقت الكسوف حتى يصح تيممك، بشرط ألا يكون الوقت وقت نهي؛ لأن صلاة الكسوف هي داخلة ضمن صلوات النافلة، لكنها تسمى صلاة نافلة ذات سبب، لأن الحنابلة وغيرهم يقسمون النوافل نوافل مطلقة ليس لها أسباب، ونوافل لها أسباب محددة كالكسوف والاستسقاء ودخول المسجد وما شابه ذلك. والحنابلة يطلقون أن النفل سواء له سبب أو ليس له سبب لا يصح في وقت النهي، بالتالي لا يصح التيمم له في وقت النهي.

إذاً التيمم للكسوف يكون عند وجود الكسوف بشرط ألا يكون الوقت وقت نهي. وكذلك التيمم للاستسقاء يكون متى؟ إذا أردت أن تصلي صلاة استسقاء مع الناس ولم تجد ماءً، متى يحق لي أن أتيمم؟ يقولون: عند حصول الاجتماع، يعني لما الناس تجتمع لصلاة الاستسقاء حينئذ يصح أن تتيمم له. نسبة يا أحبائي أيضًا لصلاة الجنازة -ولاحظوا أني بحاول أعطيكم كل أنواع الصلوات- بالنسبة لصلاة الجنازة قالوا: إنما يتيمم لها إذا غُسل الميت، وليس قبل التغسيل يتيمم لها إيذاءً لغسل الميت.

بالتالي الآن بدي أعصر لكم الأفكار: الشرط السادس، دخول وقت الصلاة. هكذا قال، ثم ترتب فتقول: إن كانت صلاة مفروضة فلا بد من أن يدخل وقت الصلاة المفروضة، وإن كانت صلاة مقضية عن مفروضة فلا بد أن يتيمم عند التذكر لها، وإذا كانت صلاة كسوف فإنني أتيمم عند دخول الكسوف بشرط ألا يكون الوقت وقت نهي، وإذا كانت صلاة استسقاء فإني أتيمم عند اجتماع الناس لصلاة الاستسقاء بشرط أيضًا ألا يكون الوقت وقت نهي، وإذا كانت صلاة جنازة فإني أتيمم بعد تغسيل الميت وليس قبل ذلك، وإذا كانت صلاة نفل مطلق، فإن الشرط العام أن يتيمم في غير وقت النهي، وأما إذا دخل وقت النهي فلا يصح التيمم للنفل المطلق؛ لأنه لا يصح، والنفل المقيد كذلك أنه لا يصح كما قلنا في أوقات النهي.

فهذه قضية اشتراط دخول الوقت، لاحظوا كيف أن الوضوء أو الغسل ما كان هناك وقت محدد لصحتة؛ أتوضأ بنية صحيحة وبصورة صحيحة انتهى الأمر في أي وقت، وكذلك الغسل. التيمم أمره يختلف، لا بد من دخول الوقت لأنها طهارة بديلة، صح هي عزيمة لكنها طهارة بديلة تفعل بظروف وقيود وشروط محددة وليست طهارة أصلية.

الآن نذهب إلى الشرط السابع، وهو تعذر استعمال الماء. وهذا التعذر إما أن يكون تعذرًا حسيًا، يعني فعلاً الماء ليس موجودًا، أو تعذرًا حكميًا، يعني الماء موجود لكن هناك مانع يمنع من وصولي إليه، أو وصوله هو إليه. فقوله: "تعذر استعمال الماء" ينقسم إلى تعذر حسي أن الماء غير موجود فعلاً، أو تعذر حكمي بأن يكون الماء موجودًا لكن لا أستطيع الوصول إليه.

دعونا نبدأ بالصورة الأولى: تعذر استعمال الماء لفقده حسيًا. سأبدأ أبين أحكام هذه الصورة التي لم يشر إليها الشيخ مرعي، لكنني سأتكلم عنها سريعًا حتى تتجلى أكثر وأكثر. إذا الصورة الأولى من تعذر استعمال الماء أن يتعذر استعمال الماء لفقده حسيًا، أن الماء فعليًا غير موجود، فنقول من عدم الماء حسيًا -يعني فعلاً كان الماء مفقودًا- يلزمه أن يطلبه وأن يبحث عنه عند دخول وقت الصلاة؛ لأنه إذا دخل وقت الصلاة، وعرفنا في الشرط السابق، يشرع له التيمم.

فيقولون: من فقد الماء حسيًا يلزمه -اكتبوها- يلزمه أن يطلب ويبحث أولاً عن الماء، ولكن عملية البحث وطلب الماء أيضًا يشترط فيها أن تكون بعد دخول وقت الصلاة. إذاً من عدم الماء حسيًا، يلزمه عند الحنابلة أن يذهب يطلب هذا الماء ويبحث عنه بشرط دخول وقت الصلاة، إلا في استثناء؛ قالوا: إلا إذا تيقن أن الماء ليس موجودًا، إذا وصلت درجة اليقين مئة بالمئة أنه لا يوجد ماء، حينئذ قالوا لا يلزمه أن يطلب الماء ويبحث عنه ويتيمم مباشرة. هذه القاعدة الأولى: إذا من فقد الماء حسيًا يلزمه أن يبدأ بعملية البحث عن الماء وطلبه بعد دخول وقت الصلاة.

إلا إذا كان متيقنًا مئة بالمئة أن الماء ليس موجودًا؛ إذا كان يظن أن الماء ليس موجودًا لكنه ليس متيقنًا، فيلزمه البحث، لابد أن يصل لدرجة يقين مئة بالمئة أن الماء ليس موجودًا، حينئذ نقول له خلاص لا يلزمك البحث؛ لأنه أصبح في الإعادة عبثًا.

فخلونا في الحالة الأصلية، أنه فاقد الماء، يلزمه بعد دخول الوقت أن يبدأ عملية البحث وطلب الماء. كيف يبحث؟ يقول الحنابلة: عليه أن يبحث عن الماء في ثلاثة مواطن:

أولًا: أن يبحث في رحله، يعني ينظر في سيارته، إذا كان راكب جملًا أو دابة ينظر في الدابة في الزاد الذي وضعه، أو إذا كانت هناك قربة وضعها على الدابة يفتش في أغراضه الشخصية، باختصار الشخص يفتش في رحله أي في أغراضه الشخصية من سيارة أو دابة أو ما شابه ذلك. هذه الحالة الأولى أو المكان الأول أن يبحث في رحله.

ثانيًا: أن يبحث فيما قرب منه. ما ضابط أن يبحث فيما قرب منه؟ قالوا: بأن ينظر أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله؛ تنظر أمامك، وتنظر خلفك، وتنظر عن يمينك، وتنظر عن شمالك، فإن وجدت أثرًا للماء عليك أن تتبعه كما سيأتي معنا.

طبعًا استثنى الحنابلة حالة، وهذا من فقههم؛ قالوا: إلا إذا كان سائرًا في سفر وفي طريقه فلا يلزمه أن يعود إدراجًا لينظر خلفه، قالوا: بل ينظر أمامه فقط. من كان في طريقه يكتفي في مسيره في السفر أن ينظر أمامه، أما أن يعود إدراجًا إلى الخلف فلا يلزمه.

الموطن الثاني أن ينظر فيما قرب منه بأن يفتش أمامه ووراءه، وعن يمينه وعن شماله؛ تمشي خطوات أمامك، تفتش في المنطقة التي أمامك، وخلفك، وتنظر في المنطقة التي على يمينك، والمنطقة التي على شمالك. وإذا كنت سائرًا في سفر وفي طريق، قالوا ما يلزم أن يعود بل يفتش أمامه فقط، وهذا كاستثناء.

الموطن الثالث الذي تفتش فيه، إذا فتشت في رحلك وفتشت فيما قرب منك؛ قالوا: يفتش عند رفيقه، والمراد بالرفيق هنا رفيق السفر، فيذهب إلى رفيقه فيسأله عن موارد الماء، يعني هل تعرف مكانًا للماء؟ أو يسأله إذا كان معه ماء.

عليك أن تسأله هذه الأسئلة، والأمر ليس على التخيير بل تسأله: هل تعرف عين ماء؟ فإن قال لا، وهل معك ماء؟ فإن قال لا، فقد فعلت الذي عليك. أما إذا قال لك: أعرف عين ماء، حينئذ يجب أن تمسكه وتقول له: دلني عليها، أو إذا كان معه ماء تقول له: هل تستطيع أن تعطيني؟

وسنعرف إن شاء الله أنه لا يلزمه أن يعطيك للوضوء، وسيذكر الآن متى يلزم الإنسان أن يبذل المال لغيره، لكن المهم إذا أعطاك، وذلك الماء جزاها الله خيرًا. فيقول الحنابلة: هذه ثلاثة مواطن يبحث فيها عن الماء: في رحله، وعما قرب منه من يمينه وشماله ومن أمامه ومن خلفه، وثالثًا يبحث مع رفقته فيسألهم هل يعرفون عين ماء؟ أو هل معهم ماء؟

الآن متى علم أن هناك ماءً قريبًا عرفًا وأنا أبحث وأسأل وأفتش؟ إذا جاء شخص وأخبرني أن هناك عين ماء ترى قريبة منك تستطيع أن تذهب إليها، فإذا تم الدلالة على ماء قريب عرفًا؛ فالقرب هنا عرفي وليس محددًا بمسافة شرعية لعدم وجود تحديد شرعي. إذا علم أن الماء قريب عرفًا، يقول الحنابلة: يلزمه أن يقصده.

ومفهوم المخالفة أنه إذا دل على ماء لكنه بعيد في العرف، لا يستطيع أن يصل إليه؛ قالوا: لا يلزم أن يقصده، فلو دللت على ما بعد خمسين أو ستين كيلو وكنت ماشيًا على أقدامك، فهذه مسافة، فإذا كان الماء بعيدًا عرفًا لا يلزمه أن يقصده، أما إذا كان قريبًا عرفًا لزمه أن يقصده.

لاحظوا، إذا كان الماء قريبًا في العرف، علم الإنسان أن هناك ماءً قريبًا عرفًا، المسافة قريبة يلزمه أن يقصده إلا في أحوال محددة؛ قالوا: إلا إذا كان يخشى من فوات رفقة، أو يخشى من فوات عدو، أو إذا كان يخشى ضياع ماله، أو إذا كان يخشى من لص ونحوه، أو إذا كان يخشى فوات وقت الصلاة ولو كان الوقت المختار.

لكن إخواني سيأتي معنا إن شاء الله في قضية فوات وقت الصلاة، أن هذه لها حالة خاصة تتعلق بالحاضر وليس بالمسافر. فنقول: من علم ماءً قريبًا عرفًا يلزمه أن يقصده إلا إذا خاف فوت رفقة؛ يعني إذا كان مسافرًا وخاف فوت رفقته، الرفقة ماشية بالسيارة، إذا ذهب لهذا الماء القريب عرفًا الرفقة ستسير وتتركه، والشارع يقول لك: خلك مع رفقتك، والسفر مع الجماعة خير.

كذلك إذا كان هناك عدو أنت تطلبه، وإذا ذهبت لتصل إلى هذا الماء القريب عرفًا فإن العدو سيذهب، فتضيع هذه المصلحة وهي أخذ العدو والظفر به، وهي مقدمة على مصلحة استعمال هذا الماء القريب عرفًا. كذلك إذا كان يخشى فوات مال، كأن يقول: أريد أن أضع سيارتي هنا وأمشي إلى منطقة ما فيها طريق، فأنا مضطر أن أمشي على أقدامي حتى أصل إلى الماء القريب عرفًا، لكني أخشى على سيارتي، هذه المنطقة ليست آمنة وممكن تسرق سيارتي أو دابتي وامتعتي؛ نقول له حينئذ: إذا خفت من ضياع المال لا يلزمك أن تذهب إلى الماء القريب عرفًا، وكذلك إذا خاف من لص ونحوه.

وكما قلت لكم، نضيف: إذا خاف فوات وقت الصلاة ولو الوقت المختار لمن كان حاضرًا، هذه الحالة الأخيرة للحاضر، أما المسافر فسيأتي معنا أحكامه، وأنه إذا علم أن الماء قريب عرفًا في سفره فإنه يذهب إليه ويقصده حتى ولو خاف فوات الوقت. أما الحاضر فإنه لا يذهب إلى هذا الماء ويقصده إذا خاف فوات وقت الصلاة ولو الوقت المختار. لا أحد يقول هذه الأحكام لم يتطرق لها الشيخ مرعي، لكنها مهمة أحبائي لتكتمل الصورة.

إذا من فقد الماء حسا بنقول أول شيء ما بروح بتيمم، لا، يلزمه أن يبحث ويطلب الماء بعد دخول وقت الصلاة، إلا إذا تيقن أنه ما في ماء. ممتاز، هسا بدي أمشي على الحالة الأصلية، أنه هو مش متيقن أنه ما في ماء، فيلزمه أن يبحث عن الماء بعد دخول الوقت.

طيب أين يبحث؟ قلنا هناك ثلاثة مواطن: يبحث في رحله، ويبحث فيما يحوم حوله، يعني في المنطقة التي بقربه، أمامه، خلفه، يمين، شمال. ثالثا: يبحث عند رفقته؛ فيسألهم عن موارد الماء إذا كانوا هم من أهل المعرفة بذلك، أو يطلب منهم ماء إن وجد معهم فضل ماء.

فإذا دل أصدقاؤه على ماء قريب عرفا، هل يلزمه أن يذهب إليه؟ قال الحنابلة: الأصل نعم، إذا دل على ماء من قريب عرفا يلزمه أن يقصده، إلا بعد الاستثناء؛ إذا خاف عند قصده لهذا الماء من فوات رفقته، أو ضياع ماله، أو من لص ونحوه، أو من فوت العدو، أو خاف الحاضر فوات وقت الصلاة.

ممتاز، هذا إذا هو الشرط السابع، تعدل استعمال الماء بحالته الأولى وهو فقد الماء حسا. دعونا نذهب إلى الصورة الثانية، وهي فقد الماء حكما، وهو لم ينص على هذه القضية بهذا اللفظ، لكنها مفهومة من قوله أو لخوفه من استعماله الضرر. يعني إذا كان الماء موجودا أحبائي، لكن خفت إذا استعملته من ضرر، وهذا الضرر إما أن يكون عليك أنت، أو على آدمي محترم، أو على بهيمة محترمة. اكتبوا هذا الكلام: إذا خاف باستعماله الضرر إما على نفسه، وإما على آدمي محترم، وإما على بهيمة محترمة.

الآن إذا خاف على نفسه، افهمنا؛ مثلا في ماء قريب ويستطيع أن يذهب إلى الماء الموجود، لكن هناك عدو جالس بينه وبين الماء، إذا بده يوصل للماء العدو هذا سيؤذيه. نقول له خلاص، أنت صحيح في ماء لكنك عاجز شرعا وحكما عن استعماله. شخص محبوس مثلا في سجن ويطلب من الشرطي الماء، إذا طلب منه الماء الشرطي سيؤذيه ولا يستطيع أن يصل إلى الماء في الخارج. نقول له خلاص، إذا الشرطي بيجيب لك الماء اطلب، إذا كان سيُعرضك للضرر، إذا طلبت منه هذا الماء لا تطلبه واذهب إلى التيمم، فأنت فاقد للماء حكما.

ممتاز، إذن ذكرنا صورة الضرر على النفس. طيب، الضرر على آدمي محترم؟ من هو الآدمي المحترم؟ يعني في آدمي محترم يا شيخ، وفي آدمي غير محترم؟ نعم، هناك آدمي غير محترم. المراد بالاحترام احترام الدم. الآدمي غير محترم الدم عند الحنابلة هو الزاني المحصن؛ الزاني الذي ثبت زناه قطعا ويقينا وكان محصنا. ليه غير محترم؟ يعني غير محترم الدم لأن الإنسان الزاني المحصن يجب أن يرجم.

«لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: ثيب زاني»، كما قال ﷺ. فالزاني المحصن يجب أن يرجم، فإذا كان هناك شخص زاني محصن يقولوا هذا آدمي غير محترم. فلا عبرة بالخوف عليه. لكن في الحقيقة هنا ساعطيكم فائدة أحبائي؛ نصاحب الغاية من الحنابلة زاد قيدا في قضية الزاني المحصن قال: إذا لم يتب توبة نصوحا. وهذا القيد جيد؛ لأنه هناك زاني محصن لم يطبق عليه حد الرجم لكنه حسنت توبته وأظهر الصلاح والبكاء والخشية من الله سبحانه وتعالى.

فالأصل وفينا أن نستره وأن نعينه على العودة إلى الله سبحانه وتعالى، وأن نعينه على نفسه وعلى شيطانه، ولا نبقى نيأس من هذا الإنسان ونقول والله أنت زاني محصن معناته لابد تقتل، صح؟ لم يطبق عليك الحكم الآن، لكن أبشر سنطبق عليك. لا، الإنسان يكون عاقلا إذا هذا الزاني المحصن تاب توبة نصوحا، خلص، رجع إلى آدم محترم. ما دام أنه لم يقم عليه الحد لسبب من الأسباب، فهذا القيد الذي زاده صاحب الغاية قيد لطيف؛ قال: إذا لم يتب توبة نصوحا يكون الزاني المحصن غير محترم الدم.

كثير من الأسف اليوم أناس يمارسون الزنا وهم محصنون ويباهون بذلك ويجاهرون به، هؤلاء في الفقه نفوس غير محترمة الدم، هذا توصيف الفقيه. ثانيا المثال الثاني عن الآدمي غير المحترم، أو الصورة الثانية له: المرتد، المرتد كما جاء في الحديث: «المفارق لدينه»، المفارق التارك لدينه، المفارق للجماعة ليس محترم الدم. ثالثا: الحربي، فالحربي يعني الكافر الحربي؛ لأن هناك كافر معاهد أو صاحب ذمة أو مستأمن، وهناك كافر حربي، يعني العلاقة بيني وبينه الحرب، وهي الأصل في العلاقة بين الإسلام والكفر؛ الأصل العلاقة هي الحرب، وأحوال الذمة والاستئمان والعهد هي الحالة الطارئة. فإذا كانت علاقتك مع الكافر علاقة حربية بينك وبينه حروب، فهذا الكافر أيضا يسمى آدمي غير محترم. فالآدمي غير المحترم باختصار: الزاني المحصن -ونزيد القيد إذا لم يتب توبة نصوحة- ثانيا المرتد، ثالثا الحربي.

طيب يا شيخ، من قتل نفسا عمدا ألم يذكر النبي ﷺ أنه مما يبيح الدم؟ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». طب هاي النفس بالنفس، يعني من قتل غيره عمدا وكان المقتول معصوم الدم، فهذا القاتل أصبح مهدر الدم. لكن يقول الحنابلة هذا القاتل يمكن أن يعفو عنه أولياء المقتول، والأصل أنه أهدر دمه إلا أن يعفو عنه أولياء المقتول، فالظاهر والله أعلم لذلك لم يذكروه هنا، وإنما يذكرون في الآدمي غير المحترم: الزاني المحصن والمرتد والحربي.

ممتاز، إذا خاف على نفسه فهمناها. إذا خاف على آدمي محترم، معناها إذا أنت خفت من استعمال الماء على آدمي محترم أنه يتضرر، أنه يعطش، أنه يموت عطشا، لا تستعمل الماء وتيمم وأعط هذا الماء لهذا الآدمي المحترم. يعني شخص مع صديقه، وصديقه الحمد لله آدمي محترم، وله زاني محصن وله مرتد وله حربي، وهم في السفر معي، أنا قربة من الماء معدها للوضوء وصديقي هذا الآدمي المحترم بده يموت عطشا، هل أتوضأ وأخلي صديقي يموت عطشا؟ لا ليس هكذا الإسلام أحبائي، هنا تلزم أن تعطي الماء لصديقك النفس المحترمة حتى لا يموت عطشا، وأنت روح اتيمم وتجد في ذلك سعة.

أما إذا كان رفيقك في السفر آدمي غير محترم، كان معك زاني محصن أو كان معك مرتد أو حربي، فحينئذ وكان معك مثلا قربة من الماء وهذا الرفيق الآدمي غير المحترم عطش...

هل تعطيه الماء؟ قالوا لا، لا يعطيه الماء؛ لأنه هذا آدمي غير محترم. الأصل أن هذا الشخص مهدور الدم، فلا يعطيه الماء؛ لأنه مهدور الدم، الإسلام حكم على أنه مهدور الدم.

طبعًا بعض الناس يقول: لا يا شيخ، طب خليه يعطيه، بالنهاية يظل إنسانًا. أخي الكريم، هذا دين، هذا دين الإسلام؛ هو الذي يفرق لنا بين النفوس المحترمة التي تستحق أن نساعدها ونبقي على حياتها، والنفوس غير المحترمة التي يجب أن تُهدر. فالزاني المحصن الذي لم يتب -وأنا هنا أحصر في صاحب الغاية- والذي لم يتب، والمرتد، والحربي؛ هذا لو تلفت نفسه فهذا هو المقصود شرعًا ما دامه في هذه المخالفات الكبرى العظيمة.

فإذا خاف على آدمي محترم يتيمم، أما إذا خاف باستعمال الماء على آدمي غير محترم فلا عبرة بهذا الخوف ولا يتيمم. ثالثًا، إذا خاف على بهيمة محترمة؛ فالبهائم نفس الشيء لها هذا التصنيف، هناك بهائم محترمة وهناك بهائم غير محترمة. البهائم المحترمة أحبائي هي الأصل، الأصل يعني في البهائم أنها محترمة، إلا الخنزير، والكلب الأسود البهيم، والكلب العقور؛ هذه الثلاثة تسمى بهائم غير محترمة، فلا عبرة بها.

من خاف على غير هؤلاء من البهائم فإنه يعطيهم الماء. يعني شخص وجد في مسيره جملًا سيموت عطشًا ومعه قربة يريد أن يتوضأ منها، نقول له: هذه القربة تعطيها للجمل لأنه حيوان محترم وأنت تتيمم. لكن إن وجد في طريقه خنزيرًا، أو وجد كلبًا عاقورًا، أو كلبًا أسود بهيمًا، بنقول: لا، إذا معك قربة ماء وهذه الحيوانات الثلاث ستموت عطشًا لا تعطيها؛ لماذا؟ لأننا مطلوبون بإعدامها، وهي حيوانات مؤذية ومهدرة الدم، فبالتالي لا نحافظ على حياتها، أو لسنا حريصين على حياتها.

جميل، إذًا الحالة الأولى إما أن تفقد الماء لعدم وجوده حسًا، أو الحالة الثانية أن يكون الماء موجودًا لكنك تخشى من استعماله الضرر؛ إما ضرر على نفسك، مثل خوف عدو مثلاً، أو صور الضرر على النفس التي لم أذكرها مثل المرض؛ يعني شخص مريض قالت له الطبيب لا تضع ماء على جسدك الآن، حتى لو وجد أمامه تنك ماء وهو عاجز عن استعماله بسبب المرض، يأخذ حكم الفاقد للماء حقيقة، يأخذ حكمه في إباحة التيمم له.

فالمرض كما قلنا، أو وجود عدو يمنعك الوصول للماء، هذا خوف الضرر على نفسك. أو إذا خاف الضرر على آدمي محترم -وعرفنا أنه كان معك ماء وكان معك آدمي محترم سيموت عطشًا- فإنك تعطي الماء للآدمي وتتيمم، أو كان معك بهيمة محترمة ستموت عطشًا فإنك تعطي الماء للبهيمة المحترمة وأنت تتيمم. هذا هو خوف الضرر.

لذلك قال: «ويجب بذله للعطشان من آدمي... أو بهيمة»، اكتبوا محترم أو بهيمة، اكتبوا محترمة؛ ويجب بذله للعطشان ليبين لك أن الضرر إما أن يكون ضررًا عليك، أو ضررًا على آدمي محترم، أو بهيمة محترمة. فهو حرص على أن يبين الضرر على الآدمي المحترم أو البهيمة المحترمة بقوله: «ويجب بذله للعطشان وجوبًا». يعني إذا رأيت آدميًا محترمًا أو بهيمة محترمة وما أعطيتها ماء وهي ستموت عطشًا، فأنت آثم أمام الله، وأنت آثم أمام الله وقتلت نفسًا محترمة سواء كانت بهيمة أو كانت إنسانًا، فيجب بذل الماء للعطشان من آدمي أو بهيمة وتتيمم للصلاة أو لرفع الحالة وما شابه ذلك ولا حرج.

ممتاز، الآن بعد أن بين هذا التفصيل الأساسي أن تعد استعمال الماء له صورتان: إما فقد حقيقي وإما فقد حكمي. سيبين بعض المسائل التي تتعلق بهذه القضية قبل أن ينتقل ليبين الشرط الثامن من شروط التيمم وهو: «أهل التراب الطهور المباح».

من هذه المسائل التي ذكرها: «ومن وجد ماء لا يكفي لطهارته استعمله فيما يكفي وجوبًا ثم تيمم». هذه المسألة ما هي؟ اكتبوا مسألة (م) اختصارًا. شخص وجد ماءً لكن هذا الماء لا يكفي لكل الطهارة، مثلاً هو يريد أن يتوضأ، كمية الماء الموجودة تكفي لغسل وجهه ولغسل يديه لكنها لا تسعفه لمسح رأسه ولا لغسل رجليه؛ نقول له: خلاص، بما أن كمية الماء لا تكفي، اذهب مباشرة إلى التيمم. لا، الحنابلة يقولون: من وجد ماء لا يكفي لطهارته سواء طهارة وضوء أو طهارة غسل، نقول: استعمل الماء بقدر المستطاع ثم بعد ذلك تتيمم عن الباقي. يعني الماء الذي معك يكفي للوجه واليدين، استعمله للوجه واليدين، وما بقي بعد ذلك من الأعضاء لم تتوضأ له بالماء تيمم عنه، ما في عندنا مشكلة.

إذًا: «ومن وجد ماء لا يكفي لطهارته كاملة استعمله فيما يكفي وجوبًا ثم تيمم». ممتاز. انتقل الآن أحبائي إلى مسألة أخرى أيضًا تتعلق بهذا الشرط وهو تعدي استعمال الماء. انتقل إلى مسألة لها عدة صور سأذكرها وأبين حكمها الجملي، وقد أشرت إليها قبل قليل لما تكلمت أن من علم أن الماء قريب منه عرفًا يلزمه أن يقصده، هي قريبة من هذه المسألة وتتعلق بها.

يقول الشيخ مرعي، دعونا نقرأ المسألة ثم نعود إلى تأصيلها، وان وصل المسافر -كلمة المسافر ضعوا تحتها خط لأنها قيد في المسألة- «وإن وصل المسافر إلى الماء وقد ضاق الوقت أو علم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعد خروجه عدل إلى التيمم»، وغير المسافر لا يعدل إلى التيمم ولو فاته الوقت.

الآن خلينا نسمي هذه المسألة: «التيمم لخوف فوت الفريضة». يقول الحنابلة: إذا كان الشخص مسافرًا، سأبدأ بالصورة التي ذكرها الشيخ مرعي؛ إذا كان الشخص مسافرًا ووصل إلى الماء، بحث عن الماء فوصل إليه لكن عند ضيق الوقت. أي يعني وصل إلى الماء في آخر وقت الصلاة بحيث إذا أراد أن...

يستعمل الماء، سيخرج وقت الصلاة، وأما إذا تيمم بسرعة وصلى سيدرك الصلاة. فماذا يفعل هذا المسافر؟ هل يتيمم ويصلي ليدرك الصلاة في الوقت، أم يستعمل الماء حتى ولو خرج وقت الصلاة؟

بقول الحنابلة بالنسبة للمسافر، إذا وصل إلى الماء وقد ضاق الوقت فإنه يتيمم ويصلي. ممتاز؟ الصورة الثانية للمسافر: مسافر وصل إلى الماء قبل أن يضيق الوقت، لكنه وجد دورًا على هذا الماء، وجد أناسًا صافين، كل واحد ينتظر دوره وعلم أن النوبة -وهذا معنى النوبة يعني دوره في استعمال الماء- لن يصل إليها إلا بعد فوات الوقت. يعني أنا وصلت إلى الماء، الحمد لله الوقت فيه ساعة لسا، لو الآن توضأت بلحق، لكن ما المشكلة التي واجهتني في هذه الحالة؟ أنه في دور طويل، فأنا وقفت أنتظر دوري وأعلم أني إذا أردت انتظار دوري سيذهب وقت الصلاة. هنا يقول الحنابلة: المسافر في هذه الحالة يتيمم ويصلي.

الصورة الثالثة ولم يذكرها الشيخ مرعي، وأنتم أضيفوها: مسافر دُلَّ على ماء قريب عرفًا، وهي التي ذكرتها قبل قليل. مسافر دُلَّ على ماء قريب عرفًا لكنه خاف بقصده فوت الوقت. لاحظوا: خاف، يعني أنا مسافر في طريقي وجاء شخص فقال لي: هناك ماء قريب عرفًا تستطيع أن تصل إليه. أنت فاقد للماء لكن هناك ماء قريب عرفًا تستطيع أن تصل إليه. الآن أنا مسافر وتم الدلالة على ماء قريب عرفًا، الأصل أنه يلزمني أن أذهب إليه بناء على ما قررناه سابقًا، قالوا: إلا إذا خاف هذا المسافر بقصده للماء القريب عرفًا ضياع الوقت، فإنه أيضًا يتيمم ويصلي.

فهذه الصور الثلاث تتعلق بالمسافر: هل يصح التيمم لشخص وجد الماء لكنه خاف فوت الفريضة؟ تطرح سؤالك وتجيب عنه: هل يصح التيمم لشخص وجد الماء لكنه حين وجد الماء خاف فوت الفريضة؟ تقول: إذا كان هذا الشخص مسافرًا فله ثلاث صور. الصورة الأولى: مسافر فعلاً وصل إلى الماء وقد ضاق الوقت، فإما أن يتيمم ويصلي أو يتوضأ ويخرج الوقت. الصورة الثانية: مسافر وصل إلى الماء والوقت فيه سعة، لكن النوبة لن تصل إليه إلا عند خروج وقت الصلاة، فبنقول له: تيمم وصلي. ثالثًا: مسافر دُلَّ على ماء قريب منه عرفًا، لكنه خاف بقصده لهذا الماء فوات الوقت، نقول له: تيمم وصلي.

ممتاز؟ أما إذا كانت هذه الأحوال الثلاث للحاضر، يعني إنسان في مدينته ليس مسافرًا، فقد الماء وبحث وبحث فوصل إلى الماء وقد ضاق الوقت، هل نعطيه حكم المسافر؟ هل نقول له: تيمم وصلي؟ لا، الأمر مختلف تمامًا هنا. نقول: هذا الحاضر يستعمل الماء ولو خرج الوقت.

ويقول الحنابلة: ما سبب التفريق بين الحاضر والمسافر؟ أن فقد الماء في أمر نادر جدًا، أمر نادر جدًا، أن الحضر والناس موجودة والبيوت موجودة وأصدقاؤك موجودون ولن تخلو. أما المسافر فاحتمالية فقده للماء أو عجزه عن الوصول أو تأخره واردة، فوسعوا للمسافر ما لم يوسعوا للحاضر. فقالوا: الحاضر إذا وصل إلى الماء وقد ضاق الوقت يستعمل الماء، انظر ماذا قال الشيخ مرعي: ولو فاته الوقت، يعني تتوضأ حتى ولو خرج الوقت. أو وصل الحاضر إلى ماء وعليه دور، وعلم أن النوبة لن تصله إلا بعد خروج وقت الصلاة، بنقول له: انتظر الدور وتوضأ بالماء حتى ولو خرج وقت الصلاة. وكذلك بالنسبة للحاضر، إذا دُلَّ على ماء قريب عرفًا فإنه يلزمه أن يقصده ولو خاف فوات وقت الصلاة.

فإذاً المسألة تبعتنا: هل يصح التيمم لمن وصل إلى الماء وقد خاف ضياع الصلاة أو ذهاب وقت الفريضة؟ تقول: هناك فرق بين المسافر وبين الحاضر. فالمسافر له صور ثلاث يقول له فيها الحنابلة: تيمم وصلي ولا تستعمل الماء الذي وصلت إليه أو دُللت إليه. وأما الحاضر ففي الصور الثلاث يقول له الحنابلة: تتوضأ ولو خرج، يعني عليك أن تستعمل الماء لزامًا ولو خرج وقت الصلاة.

ممتاز، جيد، إذا عرفنا ما معنى قوله: وإن وصل المسافر إلى الماء وقد ضاق الوقت (الصورة الأولى)، أو علم أن النوبة -يعني دوره لاستعمال الماء- لن يصل إليه إلا بعد خروجه. والصورة الثالثة طبعًا هو لم يذكرها، أنا ذكرتها لكم: إذا دُلَّ هذا المسافر على ماء قريب عرفًا وخاف خروج الوقت أيضًا إذا ذهب إليه، في هذه الصور الثلاث عدل إلى التيمم. وغيره غير المسافر ما يعدل، غيره هو الحاضر الذي هو مقيم، قالوا: هذا لا يعدل ولو فاته الوقت عليه أن يستعمل الماء.

ثم قال مسألة أخرى: «ومن في الوقت أراق الماء أو مر به وأمكنه الوضوء ويعلم أنه لا يجد غيره، حَرُم، ثم إن تيمم وصلى لم يُعد». هذه المسألة سهلة أحبائي. الآن شخص دخل عليه وقت الظهر، لاحظوا: «من في الوقت»، هذه «في الوقت» يضعون تحتها ثلاثة خطوط، شخص الآن هو في داخل الوقت ليخرج الشخص الذي لم يدخل عليه الوقت بعد. شخص دخل عليه وقت الظهر مثالًا، وكان معه قربة ماء فألقى هذا الماء وأراقها، أو ما كان معه قربة ماء لكنه مر على جدول ماء وعذب، أو مر بماء وأمكنه أن يستعمل هذا الماء في الوضوء، وهو يعلم أنه إذا ألقى قربة الماء أو إذا تجاوز هذا الجدول من الماء ولم يتوضأ منه أنه لن يجد ماءً آخر، فما الحكم في هذه الحالة؟

من قول الذي فعلته حرام؛ إراقتك للماء بعد دخول الوقت وأنت تعلم أنك لن تجد ماءً آخر حرام، ومرورك وتجاوزك هذا النهر من دون أن تتوضأ منه بعد دخول الوقت وأنت تعلم أنك لن تجد ماءً آخر حرام. أما إذا كان إلقاء الماء أو تجاوزه للجدول أو النهر قبل دخول الوقت، يعني لسا لم يدخل عليه وقت الظهر وكان عنده ماء أراقه وألقاه، أو مر على جدول ماء ومشى عنه، إذا كان قبل الوقت بنقول له: فعلك ليس حرامًا، طبعًا الأصل أن يتوضأ، نعم هذا هو الصح. لكن الحنابلة، الآن بدك تتكلم بدقة، قبل دخول الوقت إذا ألقيت الماء ولو علمت أنك لن تجد غيره، أو قبل دخول الوقت مررت على الجدول وتجاوزت ولم تتوضأ منه ولو علمت أنك لن تجد غيره، ما دام أن الوقت لم يدخل بعد، لم تصل للحرمة. إذا دخل الوقت وفعلت هذه الأفعال وأنت تعلم أنك لن تجد الماء، عليك تحريم أو وقعت في التحريم. طيب، ما دام في التحريم فهو آثم، طب ماذا يفعل الآن؟

بنقول له: خلص، بدك تتيمم. أنت آثم لكن تتيمم وتصلي بالتيمم ولا إعادة عليك. فهو من حيث الحرمة وقع في الحرام، لكن الحل الآن حتى نساعده حتى يلحق الصلاة نقول له: خلص، سامحك الله، أخرت الماء ووقعت في الحرام، لكن بما أنه الآن ما في ماء، ما في حل إلا أنك تتيمم وتصلي، لا يعيد؛ خلاص ما في داعي للإعادة، فصلاته صحيحة من حيث الحكم الوضعي وإن كان آثماً بما فعل.

مسألة أخرى، لاحظوا كل هذه مسائل وكل مسألة ضعوا عندها ميم. إن وجد مُحدِث ببدنه وثوبه نجاسة، أي إنسان يحدث هذا أول شيء وفي ثوبه وبدنه نجاسة أيضاً، فعليه حدث وعليه خبث. إن وجد هذا المُحدِث الذي ببدنه وثوبه نجاسة وجد ماء، هل يكفي لكل هذه الأمور؟ يرفع به الحدث ويزيل النجاسة عن ثوبه وعن بدنه، ماذا يعمل في هذه الحالة؟ يعني في ماء عندنا، بس هذا الذي وجدناه ما يكفي لإزالة النجاسة عن الثوب والبدن ولرفع الحدث. قال: وجب عليه أن يغسل بهذا الماء ثوبه، وجب غسل ثوبه، هذا أول شيء بتبلش فيه، ثم إن فضل شيء، إذا زاد شيء -غسلت الثوب وأزلت النجاسة- إذا زاد شيء على غسل الثوب غسل بدنه، إذا زاد شيء عن غسل البدن توضأ به أو اغتسل به كان حدث أكبر، ثم إن فضل شيء تطهر لحدثه الأصغر أو الأكبر، وإذا لم يبق شيء يتيمم.

الآن هو أراد أن يبين لك هذا الترتيب. لماذا الآن يا إخواني قلنا إن التيمم عند الحنابلة يجزئ عن ماذا؟ يجزئ عن الوضوء وعن الغسل وعن إزالة نجاسة على البدن فقط، وأما النجاسة التي على الثوب أو النجاسة التي على البقعة فهذه لا يجزئ عنها تيمم؛ لأن الثوب والبقعة منفصلة عنك، ما بنفع تتيمم مع بقعة أو تتيمم عن ثوبك لأنه منفصل عنك. فبقول الحنابلة: بما أن التيمم لا يجزئ عن نجاسة بالثوب ولابد استعمال الماء فيه، وأما النجاسة التي على البدن والحدث الأصغر أو الأكبر يجزئ عنه التيمم؛ لأننا عرفنا التيمم يجزئ عن الحدث الأصغر أو الأكبر وعن نجاسة على البدن، ولكنه لا يجزئ عن نجاسة ثوب أو بقعة.

فإذا شخص اجتمع فيه حدث أصغر أو أكبر ونجاسة ثوب ونجاسة بدن ووجد كمية من الماء، بنقول: أي أمر من هذه الأمور الثلاثة ما بينفع فيه تيمم ولابد فيه الماء؟ بنقول: النجاسة التي على الثوب لا يجزئ عنها التيمم، بنقول: إذاً بها نبدأ، بما أنه ما بكفي انتهينا. لكن المشكلة إذا الماء ما بكفي، فتستعمل هذا الماء أولاً في غسل نجاسة الثوب، فإذا استعملته في غسل نجاسة الثوب وانتهى هذا الماء وما بقي شيء، نجاسة البدن والحدث الأصغر أو الأكبر تذهب تتيمم عنه، وحلينا المشكلة الآن.

طب لا، زاد شيء من هذا الماء، يعني بعد أن أزلت النجاسة عن الثوب والله بقيت كمية من هذا الماء، هذه الكمية التي بقيت بعد إزالة النجاسة عن الثوب، إما أن استعملها في رفع حدث أصغر أو أكبر، أو استعملها في إزالة نجاسة على بدن، في أي الأمرين؟ يقول الحنابلة: بتستعملها في إزالة النجاسة عن البدن، فهو المقدم على رفع الحدث بالماء. ليش قدمنا؟ قالوا: لأن التيمم عن النجاسة على البدن هذا من مفردات الحنابلة ويخالفهم فيه أكثر أهل العلم، فبالتالي هو ليس متفقاً عليه، فالأصل إذا وجدنا ماء أن نستعمل فيه الماء، وأما الحدث الأصغر أو الأكبر فالتيمم عنه متفق عليه بين العلماء، فإذا وجدت ماء إما أن أستعمل في نجاسة على بدن وإما أن أستعمل في حدث، بنقول لك: استعمله في رفع النجاسة على البدن؛ لأن التيمم عن النجاسة عن البدن شيء انفرد به الحنابلة ولهم أدلتهم، لكن خالفهم الجمهور فيه، فبالتالي بدنا نحاول قدر الإمكان ألا نضطر لهذه الصورة، صورة التيمم عن النجاسة عن البدن.

وأما التيمم عن الحدث الأصغر والأكبر، هذا الحمد لله متفق عليه بين العلماء ما في حدا يخالف فيه من عالم معتبر. فإذا وقعنا في حالة إما أن نختار التيمم عن النجاسة على البدن أو الحدث، بنقول: اذهب استعمل الماء في النجاسة على البدن؛ لأنه التيمم عنه مختلف فيه وهو من مفردات الحنابلة، وخل التيمم للمسألة التي اتفق على صحة التيمم لها وهي الحدث الأصغر والأكبر. فلا يحدث التفكير المنطقي حقيقة في هذه المسألة، لذلك قال: وإن وجد مُحدِث ببدنه وثوبه نجاسة ماء لا يكفي، وجب غسل ثوبه ثم إن فضل شيء غسل بدنه ثم إن فضل شيء وإلا تيمم. ثم لما أتى وذكر هذه القاعدة أتى بالتأصيل العام، وإن كان هذا التأصيل العام يذكر قبل هذا المثال، لما أتى بهذا المثال وإن وجد مُحدِث ببدن وثوبه نجاسة أتى بتقعيد بعد ذلك، هذا التقعيد ينبني عليه هذا المثال.

ما هو التقعيد؟ قال: ويصح التيمم لكل حدث، يعني حدث أصغر أو أكبر، وللنجاسة على البدن بعد تخفيفها ما أمكن. الآن موضوع التيمم عن النجاسة عن البدن لاحظوا أننا أتينا إليه، فقضية يصح التيمم عن الحدث كما قلت لكم هذه متفق عليها بين أهل العلم أن الحدث الأصغر والأكبر يتيمم عنه. لكن الحنابلة يزيدون قضية التيمم عن النجاسة بشرط أن تكون هذه النجاسة على البدن، هذا القيد الأول، هناك قيد آخر في هذه المسألة الآن سنذكره. قال: بعد تخفيفها ما أمكن وجوباً، يعني إذا كان هناك نجاسة على البدن وما عندك ماء يصح التيمم صح، بس بدنا إياك تخففها ما أمكن، يعني إذا كانت نجاسة كبيرة وقعت في يدك بدك تزيلها ما وجدت ماء، ما بتذهب مباشرة بتتيمم، لا، نقول لك: انتظر، أولاً خفف هذه النجاسة، جيب لك حجر، جيب لك منديل، قطعة قماش، خفف هذه النجاسة ما أمكن. وهذا التخفيف واجب ثم بعد ذلك بتذهب بتتيمم، لذلك قال: وللنجاسة عن البدن بعد تخفيفها ما أمكن.

فإذاً هذه قاعدة عامة، أن التيمم هو بديل عن الحدث الأصغر والحدث الأكبر، وعن النجاسة على البدن بشرط تخفيف هذه النجاسة ما أمكن قبل استعمال التراب. طيب فإن تيمم قبل تخفيفها لم يصح؛ يعني إذا تيممت على النجاسة على البدن وأنت لم تخفف هذه النجاسة بعد وتقلل منها، لم يصح تيممك وعليك أن تعيده مرة أخرى بعد أن تخفف. لاحظوا كل هذه التفاصيل كلها تندرج تحت هذا الشرط، الشرط السابع: تعذر استعمال الماء إما لعدمه حساً، وإما لتعذر استعماله لضرر يعود على نفسه أو على آدمي محترم أو بهيمة محترمة.

انتقل بعد ذلك الشيخ مرعي للشرط الثامن من شروط التيمم، وعدها ثمانية وأنا مددتها لكم إلى عشرة؛ لأني قلت لكم شروط التيمم هي شروط الوضوء مع إضافة شرطين. ما هو الشرط الثامن؟ الشرط الثامن يقول فيه: أن يكون أي التيمم بتراب طهور مباح غير محترق له غبار يعلق باليد. ذكر خمسة قيود، جميل، القيد الأول الكلام طبعاً هنا في هذا الشرط عن آلة التيمم، ما هي آلة التيمم؟ قال: أن يكون بتراب، بالتالي الحنابلة يخصون التيمم بالتراب، فإذا تيممت بغير التراب مما على وجه الأرض كأوراق شجر أو رمل أو خشب أو ما شابه ذلك لا يصح، لابد أن يكون التيمم بتراب. الآن التراب كان على أرض، كان على شجرة، كان التراب على منضدة، كان التراب على كتاب، ما يهم، المهم أن يكون في تراب، أما تيمم على رمل أو شجر أو أوراق أو ما شابه ذلك فلا يصح، وليس كل ما على وجه الأرض يصح التيمم به، لا، الحنابلة يخصون الأمر بالتراب بالتحديد.

ثم القيد الثاني: ليس أي تراب، تراب طهور. الحنابلة أحبائي وخذوا هذه المعلومة: يقسمون التراب تقسيمهم للماء، كما أن الماء قسمناه إلى طهور وطاهر ونجس، كذلك التراب يقسمونه إلى تراب طهور وتراب طاهر وتراب نجس، نفس التقسيم الثلاثي. والتراب الطاهر أمثلته مقاربة لأمثلة الماء الطاهر، فيقولون: كل تراب استعمل في طهارة عن حدث أو عن إزالة نجاسة عن بدن، فإن هذا التراب المستعمل -والتراب المستعمل نفسه مثل الماء المستعمل، التراب المتناثر عن الأعضاء، يعني لو أنك مسحت وجهك ومسحت كفيك وتناثرت ذرات تراب فجمعتها في وعاء- هذا هو التراب المستعمل، تراب استعملته في تيمم سابق، هذا التيمم كان لرفع حدث، فإن هذا التراب المستعمل لا يكون طاهراً وليس طهوراً، يسمى تراباً طاهراً وليس طهوراً، مثل الماء الطاهر الذي ليس بطهور.

كذلك من صور التراب الطاهر يقولون: لو أن تراباً طهوراً اختلط معه شيء طاهر كرمل، يعني عندنا تراب، نحن عرفنا أن التراب هو الذي يجزئ التيمم به، فعندي هنا تراب ألقي في هذا التراب رمل، الآن الرمل هذا شيء طاهر ورد على التراب الطهور اختلط به فتغير التراب به تغيراً كثيراً، بحيث يقول الحنابلة: لو كان مكان التراب ماء وألقينا هذا الرمل الطاهر في هذا الماء لغير الماء تغيراً كثيراً، فبالتالي التراب الموجود فعلياً في هذا الوعاء إذا دخل عليه هذا الرمل الطاهر فتغير به تغيراً كثيراً، بحيث لو كان هناك ماء سيتغير تغيراً كثيراً، يعتبر هذا التراب الآن أصبح طاهراً وليس طهوراً. وهذه القصة هي نفس قصة الماء الطاهر، عندنا ماء طهور دخل عليه شيء طاهر فتغير أحد أوصافه تغيراً كثيراً، ماذا صار الماء؟ تحول من طهور إلى طاهر، كذلك التراب يقولون: تراب طهور ورد عليه شيء طاهر من رمل أو أوراق شجر بالاختلاط، ولاحظوا لابد أن تختلط بالتراب وتتمازج الذرات، بنقول: إذا كان تغير التراب تغيراً كثيراً تحول التراب الموجود هنا من طهور إلى طاهر.

طيب كيف يا شيخ بدنا نعرف أنه هذا تغير كثير أو قليل؟ بنقول: ممتاز، بدك تعرف احكي: لو كان مكان التراب هذا ماء وألقينا في هذا الرمل هل سيتغير الماء تغيراً كثيراً؟ بنقول: آه والله، لو كان في كمية هذا التراب ماء وألقينا الرمل في هذا الماء سيتغير الماء تغيراً كثيراً. نقول له: خلص إذاً التراب الموجود هذا تغير تغيراً كثيراً. فتوازن، يعني كأنك تجعل التراب الموجود كمية من الماء تضاهيه، فإذا كان الماء سيتغير بهذا الرمل الساقط، فإن التراب تغير تغيراً كثيراً. فإن هذا يعتبر طاهراً وليس طهوراً. فإذاً لاحظوا تشابه الأمثلة، إذاً هذا مثال التراب الطاهر.

أما التراب النجس فهو التراب الذي سقطت نجاسة عليه وخالطته، فهذا أصبح تراباً نجساً أيضاً لا يصح استعماله. فعندنا طبعاً التراب النجس ما في عندنا قلة فوق القلتين، هذا التفصيل لا يوجد في التراب، هذا يوجد في الماء. أما يقولون التراب النجس تراب اختلط بنجاسة فغيرت، هذه المنطقة المتغيرة من التراب بالنجاسة ما بصير أنك تستعملها، وأما المنطقة غير المتغيرة التي ما وصلت إليها النجاسة من التراب هذا يصح استعماله، فالنجاسة لا تسري في التراب كما تسري في الماء. يعني لماذا دون القلتين بمجرد وقوع النجاسة فيه ينجس كاملاً حتى ولو لم يتغير، وأما ما كان قلتين فصاعداً يشترط التغير؟ بنقول لأن الماء القليل بطبيعته تسري فيه النجاسة، وأما التراب فلأنه عنصر جامد، فإن التغير أو التنجيس يتعلق بمنطقة التغير فقط، بغض النظر قليل أو كثير، وما في قضية التفريق بين القلتين وما دون القلتين، هذا فقط تنبيه سريع.

إذاً التراب هكذا يقال ينقسم إلى طهور وطاهر ونجس. عرفنا أمثلة التراب الطاهر، التراب المستعمل في تيمم سابق، والتراب الذي اختلط بشيء طاهر فتغير تغيراً كثيراً، وعرفنا التراب النجس، وتقول لابد التراب الذي تتيمم به يكون تراب طهور، لا طاهر ولا نجس. إذاً أحبائي هذا هو الشرط الثاني أن يكون بتراب طهور.

الشرط الثالث: أن يكون مباحاً، فإذا كان التراب الطهور محرماً لحقنا أو لحق الآدمي، فلا يصح استعماله في التيمم، مثل الماء المحرم. ألم نذكر سابقاً أن الماء الطهور المحرم لا يصح استعماله في رفع الحدث وإن كان يزيل الخبث؟ فكذلك التيمم لا يصح أن يكون بتراب طهور محرم، التراب الطهور المحرم لا يصح في التيمم كما أن الماء الطهور المحرم لا يصح في رفع الحدث. طيب فبتقول لي: طب يا شيخ لكن الماء الطهور المحرم يستطيع أن يزيل الخبث، فإذاً التراب الطهور المحرم يصح في النجاسة عن البدن؛ لأن التيمم هنا هو بدل عن نجاسة وليس بدلاً عن حدث، بنقول: لا، في التيمم عمم الحنابلة، فسواء كان التيمم عن حدث أو عن نجس فإن التيمم لا يصح بتراب طهور محرم، لماذا؟ لأنه يا إخواني إزالة النجاسة.

لا تحتاج إلى نية؛ فلو أن ماء طهوراً محرماً وقع على نجاسة فأزالها فإنه يزيلها، حتى ولو لم تكن هناك نية وقصد لإزالة النجاسة. أما التيمم عن النجاسة فالتيمم يحتاج إلى نية وقصد، فهو من باب العبادات أو من باب الأوامر وليس من باب التروك. فبما أن التيمم يحتاج لنية حتى ولو كان عن نجاسة على بدن، فبالتالي هو مطلقاً يحتاج إلى تراب طهور مباح؛ لأن المأمورات لا تفعل بالمحرمات، فيجب أن يكون بتراب طهور مباح.

الشرط الرابع: غير محترق، فإذا كان التراب الطهور المباح محترقاً، أي إذا دخل التراب في صنعة من الصنعات فتحول مثلاً إلى خزف أو أدخلناه في صناعة أسمنتية، باختصار تراب طبخ وتعرض للنار، فإن التراب إذا طبخ وتعرض للنار فتحول إلى مادة أخرى لم يعد اسمه تراباً، فلا يصح التيمم به. فلا تأتي إلى مادة محولة عن التراب فتتيمم عليها وتقول: "أتيمم عليها لأن أصلها تراب"، فنقول الآن أصلها ليس تراباً، هذه عرضت للنار وأحرقت حتى وصلت إلى هذه الصورة، فأصلها صحيح تراب لكنها الآن لم تعد تسمى تراباً، فبالتالي لا يصح التيمم بالتراب الذي احترق وطبخ فتحول إلى شيء آخر.

الشرط الخامس: له غبار يعلق باليد؛ فإذا كان التراب الطهور المباح غير محترق وليس له غبار، ويمثلون لذلك مثلاً بالطين، أي تراب اختلط بشيء من الماء فأصبح مثل الطين، الآن لو كبست على الطين هكذا لا يخرج غباراً، فإذا فقدت الغبار من التراب أيضاً لا يصح التيمم به، فلابد أن يكون له غبار يعلق باليد؛ لأنك فعلياً في التيمم تتيمم بمسح الغبار، لأنك تضرب ضربة وترفع ثم تنفث لتبعد الذرات ويبقى الغبار، فالغبار هو الذي ستمسح به في التيمم، فلابد إذاً من وجود الغبار.

إذاً الشرط الثامن في التيمم: أن يكون بتراب طهور مباح غير محترق له غبار يعلق باليد. قال: فإن لم يجد ذلك؟ أنا جئت لأتيمم أول شيء ما وجدت الماء، قالوا لي اذهب فتيمم، ذهبت أبحث عن آلة التيمم وهو التراب الطهور المباح غير المحترق الذي له غبار ما وجدت، قالوا: فإن لم يجد ذلك فالحل ماذا؟ لا وجدنا ليتوضأ ولا وجد تراباً ليتيمم، ما الحل؟ قالوا: يصلي الفرض فقط على حسب حاله، وتسمى هذه الصلاة صلاة فاقد الطهورين، وفاقد الطهورين من فقد الماء والتراب، فهذا يسمى فاقد الطهورين لأنه عندنا آلة التطهير إما ماء وإما تراب، فإذا فقدت الماء والتراب فقدت الطهورين. فهذا ماذا يفعل؟ قالوا: يصلي الفرض فقط على حسب حاله، ممكن شخص يكون في سجن ومنع من الماء وما عنده تراب، بنقول له ما تصلي؟ لا، يصلي على حسب حاله التي هو عليها صلاة فاقد الطهورين.

لكن يقولون إن هنا قيداً، إذا كان هذا الإنسان عليه نجاسة على بدنه، هذه حالة استثنائية، إذا كان هناك نجاسة على بدنه ولم يجد ماء ولم يجد تراباً، يقول له الحنابلة: عليك أن تخفف هذه النجاسة قدر الإمكان قبل أن تشرع في صلاة فاقد الطهورين. عليك أن تخفف النجاسة قدر الإمكان، هذه النجاسة التي على بدنك؛ لأنه خلص ما في ماء ولا تراب، إذاً مباشرة يصلي مع وجود النجاسة على البدن؟ لا، كما أن التيمم عن النجاسة على البدن يشترط له تخفيف هذه النجاسة ما أمكن، كذلك من كان فاقد الطهورين وعليه نجاسة على بدنه قالوا: يخففها ما أمكن قبل أن يشرع في الصلاة.

ولكنهم اختصوا صلاة فاقد الطهورين بخاصية، قالوا: ولا يزيد في صلاته على ما يجزئ، وأضيف استحباباً إلا الجنب فلا يزيد في القراءة على القدر المجزئ وجوباً. لأن الحنابلة يقولون: من صلى صلاة فاقد الطهورين هذه صلاة استثنائية، فيستحب لك استحباباً أن تقتصر على القدر المجزئ في الصلاة، يعني ما تأخذ راحتك باختصار، فتقرأ وتفعل الأشياء الواجبة والأركان، ولا تزيد بفعل السنن، فتقرأ الفاتحة ولا تقرأ سورة بعدها، ولا يأتي بالاستفتاح ولا بالتعوذ ولا بالبسملة لأنها عند الحنابلة ليست من الفاتحة، وإذا ركعت تقول: «سبحان ربي العظيم» مرة واحدة لأنها الواجبة والزيادة ليست واجبة، وإذا سجدت «سبحان ربي الأعلى» مرة واحدة، وإذا جلست بين الجلستين تقول: ربي اغفر لي، فتأتي فقط بالفروض والواجبات ولا تزيد السنن، لأنه هذه صلاة استثنائية، بما أننا استثنيناها تقتصر فيها على القدر المجزئ من الفروض والواجبات ولا تفعل السنن استحباباً، يعني إذا فعل السنن ما بنقول له صلاتك باطلة لكن خالفت المستحب.

إلا قالوا: الجنب، أي شخص به حدث أكبر، القضية لا تتعلق بالجنب فقط، شخص قام به موجب من موجبات الحدث الأكبر سواء كانت امرأة من حيض أو نفاس أو ذكراً من جماع أو ما شابه ذلك، المهم شخص قام به حدث أكبر ولم يجد ماء ولم يجد تراباً فأراد أن يصلي صلاة فاقد الطهورين، يحق له لكن بنقول له: بما أنه بك حدث أكبر والحدث الأكبر يحرم قراءة القرآن، فبالتالي لما بدك تصلي يا صاحب الحدث الأكبر تقتصر على قراءة الفاتحة فقط، بالنسبة للفاتحة تقتصر على قراءة الفاتحة فقط ويحرم عليك أن تزيد، لأنه هذا هو المجزئ عندنا، يجزئ في الصلاة أن تقرأ الفاتحة من القرآن، والسورة التي بعد الفاتحة قراءتها سنة ليست واجبة، فيكفينا أن تقرأ الفاتحة، بالتالي إذا كنت محدثاً حدثاً أكبر وصليت صلاة فاقد الطهورين يلزمك لزوماً أن تقتصر على الفاتحة ويحرم أن تزيد عليها، لماذا؟ لأنه قراءتك للقرآن أصلاً محرمة، ونحن استثنينا هذه الحالة حفاظاً على حرمة الصلاة فقط يا صاحب الحدث الأكبر، فلا تتجاوز ولا تقرأ آية من القرآن بعد الفاتحة.

أما من كانت قضيته ليست حدثاً أكبر، حدث أصغر أو نجاسة على بدن، فإنه في هذه الحالة يقول له الحنابلة: صَلِّ واقتصر على المجزئ استحباباً في جميع الصلاة، فلو أن هذا الرجل به حدث أصغر أو نجاسة على بدن وقرأ سورة بعد الفاتحة ما عندنا مشكلة معه، نقول له خالفت المستحب لكن ما عندنا مشكلة معه، لماذا؟ لأنه الحدث الأصغر مسموح له يقرأ قرآن، ومن عليه نجاسة مسموح له يقرأ قرآن أصلاً، فلو زاد بعد الفاتحة سورة بنقول له خالفت المستحب ولم تقتصر على القدر المجزئ لكن لم تفعل حراماً، لكن الحدث الأكبر يحرم قراءة القرآن به، فيشترط له نعم أن يقرأ الفاتحة ولا يزيد عليها، فإذا زاد فعل حراماً.

ثم بعد ذلك انتقل إلى فصل في واجب التيمم وفروض التيمم، واقتصر على واجب التيمم وفي المحاضرة القادمة إن شاء الله نكمل باب التيمم. واجب التيمم أحبائي واحد، نحن الآن انتهينا من شروط التيمم، عدها لنا ثمانية وأنا قلت لكم تستطيعون إيصالها لعشرة بالطريقة التي بينتها، الآن بدنا نتكلم عن الواجب، واجب التيمم هو نفسه واجب الغسل هو نفسه واجب الوضوء، التسمية "بسم الله" في البداية واجبة في التيمم مثل الوضوء والغسل، وبما أنها واجبة وليست فرض، فهذا معناه أنها تسقط سهواً وجهلاً، نفس القضية ما فيها فرق، ثم بعد ذلك سينتقل للفروض، وأظن أن كلامي في الفروض سيطول خاصة أني سأستدرك على الشيخ مرعي بعض الأمور، فلا أطيل عليكم أكثر من ذلك، إن شاء الله في المحاضرة القادمة نكمل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.