بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين. حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله تعالى عليه، وموعدنا اليوم مع باب صلاة الجماعة.
من الأفكار الجميلة قبل أن أشرع في باب صلاة الجماعة؛ كنت أقرأ في سير الأوائل، وكان عندهم رحمة الله عليهم ورد يومي في قراءة الفقه. والسلف رحمة الله عليهم، لا أقصد فقط جيل التابعين، بل العلماء عمومًا، مما ينصحون به طالب العلم أن يكون له ورد يومي في قراءة الفقه كما أن لك وردًا يوميًا في قراءة القرآن. يكون لك كتاب فقهي يوميًا تقرأ منه ثلاث أو أربع صفحات، تراجع المادة كما تراجع القرآن. وكان العز بن عبد السلام رحمة الله عليه، سلطان العلماء، لا ينام ليلة إلا ويمرر مسائل الفقه على ذهنه؛ كل ليلة قبل أن ينام يمرر مسائل الفقه على ذهنه سريعًا، وهذا له دور كبير في ضبط الفقه.
أنا دائمًا أقول للأحبة: الدرس الفقهي هو بطبعه درس يحتاج لنفس، تتكلم عن مسائل بالآلاف سواء في العبادات أو في المعاملات، وضبط هذه المسائل لا بد أن يكون بالتكرار وإدامة النظر وإعادة النظر فيما يسطره الطالب ويسمعه ويستشرحه. فإذا كان هناك من الأفكار التي تستفيد منها من خبرة الأوائل أن يكون لك ورد يومي في الفقه، مثل فرض الصلاة، تقرأ خمس صفحات يوميًا من دليل الطالب، ستشعر أنك تمر على المادة بشكل دوري. أما الطالب الذي ينتظر كل شهر ليمر على المادة، وبعد أن ينتهي من شرح الكتاب ينقطع عنه سنوات، هذا لا يمكن أن يضبط الفقه أو يكون فقيهًا بحال من الأحوال. نسأل الله أن يعيننا جميعًا وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.
طيب، موعدنا اليوم مع باب صلاة الجماعة، وبدأ الشيخ مرعي فقال: تجب على الرجال الأحرار القادرين حضرًا وسفرًا. بدأ بحكم صلاة الجماعة فقال: تجب. إذا ما حكم صلاة الجماعة ابتداءً؟ الوجوب، لكن هذا الوجوب على من؟ له ضوابط. قال: تجب على الرجال؛ هذا الشرط الأول، وهذا أخرج به النساء، وأما الصبي المميز فالصلاة كلها ليست واجبة عليه فلا داعي لإخراجه بقيد الرجال أصالة. وقوله: الأحرار؛ أخرج به العبيد، فالعبد لأنه مشغول بسيده لا تجب عليه صلاة الجماعة. ثالثًا: القادرين، وهذا القيد أخرج به ذوي الأعذار الذين يسقط عنهم حضور الجماعة، وسنبينهم إن شاء الله لاحقًا.
إذا، هذا الوجوب لصلاة الجماعة على الرجال الأحرار القادرين للخمس المؤداة، والجمعة، والعيد. وجوب صلاة الجماعة هو للصلوات الخمس المؤداة وليست المقضية؛ فإذا فاتتني الصلاة في وقتها وبدأت أقضيها لا تجب عليها الجماعة. وأما الجمعة والعيد؛ فالجمعة هل تصح من دون جماعة؟ أصلًا لا تصح، بخلاف الصلوات الخمس المؤداة، سأبين الآن أن الجماعة واجبة لها لكنها تصح من دونها. أما الجمعة أصلًا لا تجوز من دون جماعة ولا تصح. والعيد، في المعتمد من مذهب الحنابلة لأن هناك روايات أخرى، أساسها الجماعة ابتداءً فلا تصح ابتداءً ولا تجوز من دون جماعة. سيأتي إن شاء الله في باب صلاة العيد أن المنفرد إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام له أن يقضيها، هذا في حال القضاء، لكن أساسًا صلاة العيد في المذهب عندنا لا تصح ولا تجوز إلا جماعة.
الآن بدنا نفرق بالنسبة للخمس المؤداة؛ صلاة الجماعة واجبة لكن لو صليتها من دون جماعة صحت. الصحة حكم وضعي وليس تكليفي؛ فالخمس المؤداة لو لم تفعلها جماعة صحت وإن لم تكن معذورًا تكون آثمًا. وأما الجمعة والعيد فالجماعة واجبة لها، وإن فعلتها من دون جماعة ابتداءً لم تصح. فهناك فرق فعليًا بين الجمعة والعيد وبين الخمس المؤداة؛ فالخمس المؤداة الجماعة واجبة لها لكن ليست شرطًا لصحتها، فلو أنا صليت الظهر منفردًا من دون عذر أنا آثم لكن صح الظهر. أما الجمعة لو صليتها منفردًا والله طلعت وخطبت وعملت كل شيء ونزلت هل تصح؟ لا، لا تصح من دون جماعة وأنت آثم إذا لم تأتِ بالجماعة. تجب على الرجال الأحرار القادرين حضرًا وسفرًا؛ يعني وجوب الجماعة واجب حضرًا وسفرًا حتى لو كنت مسافرًا في طريقك عليك أن تسعى لتحصيل الجماعة.
ثم قال: وأقلها إمام ومأموم ولو أنثى. يعني أقل حد تنعقد به الجماعة اثنان: إمام ومأموم، حتى ولو كان هذا المأموم أنثى؛ يعني لو الرجل وزوجته انعقدت جماعة. لكن انظر ماذا قال: ولا تنعقد بالمميز في الفرض. أما إذا كان أحدهم صبيًا مميزًا، يعني واحد بالغ سواء كان ذكرًا أو أنثى والآخر صبي مميز، هل تنعقد الجماعة باثنين أحدهما صبي مميز؟ في صلاة الفرض لا تنعقد، لكن لو كانت جماعة نفل يعني تراويح، بيمشي الحال وتنعقد. أما في صلوات الفرض فلا تنعقد الجماعة إذا كان الاثنين أحدهما صبي، لأن الصبي لا تجب عليه الصلاة بالتالي لم يعتد بوجوده، وأما المرأة فإنها تجب عليها الصلاة فلذلك اعتد بوجودها.
وتسن الجماعة بالمسجد. إذًا يا شيخ، لما يقول الحنابلة صلاة الجماعة حكمها الوجوب، هم لا يقصدون الوجوب في المسجد، هم يقصدون المهم أن تصليها جماعة؛ صليتها في المسجد أو في البيت أو في السوق، الواجب أن تحصل الجماعة في أي مكان. طيب، أن تكون هذه الجماعة في المسجد بالتحديد هذا سنة. فالواجب هو صلاة الجماعة، لو صليت في البيت جماعة رفعت الإثم عن نفسك، لو صليت في السوق جماعة رفعت الإثم عن نفسك. أن تؤدي هذه الجماعة في داخل المسجد على المذهب سنة وليس واجبًا. طبعًا ابن القيم له بحث طويل ويرى أنه لا، الوجوب للجماعة خاص بالمسجد فقط، لكن ليس هذا هو المذهب؛ المذهب عندنا أن صلاة الجماعة واجبة، فلو أديت في البيت جماعة سقط الإثم، لكن أن توقع هذه الجماعة في المسجد فالمذهب يرى أن هذا سنة.
هذا ينبني عليه أشياء؛ أنه إذا كان الإنسان ذهب للمسجد ووجدهم قد أنهوا الصلاة، فالبعض يقول: خلص بصلي وحدي في طرف المسجد، فأقول: لا ينفع، ستأثم إذا كان بإمكانك أن تعود للبيت وتصلي مع زوجتك جماعة؛ لا يجوز أن تصلي في المسجد منفردًا. ترجع للبيت وجوبًا، وتصلي الجماعة في البيت وجوبًا مع زوجتك حتى تحصل الجماعة. المذهب عندنا لا، وجوبًا لا بد تعود إلى بيتك إذا كانت زوجتك ما صلت وتذهب وتصلي معها جماعة، أو إذا كان عندك مثلًا ابن بالغ تنعقد به الجماعة، تذهب وتصلي معه. أما إذا كان حتى اللي في المنزل خلص صلوا وأنهوا الأمر وأنت ما في أي جماعة تستطيع أن تدركها، ما في حل إلا أنك تصلي، فلو صليت في المسجد حينئذٍ لا حرج عليك.
وللنساء منفردات عن الرجال. هذه معطوفة على كلمة وتسن، يعني وتسن الجماعة بالمسجد، وتسن للنساء منفردات عن الرجال. الآن يقول الحنابلة: إذا كان النساء منفردات عن الرجال في مكان مستقل بهن، يسن لهن صلاة الجماعة سواء كان الإمام امرأة أو كان الإمام رجلًا. أما إذا اجتمع النساء مع الرجال في مكان واحد فما حكم الجماعة لهن؟ مباحة وليست سنة. إذا اجتمع النساء مع الرجال في مكان واحد، هنا تصبح الجماعة في حق النساء المجتمعات مع الرجال مباحة، ويستثني الحنابلة المرأة الحسناء في هذه الحالة فيقولون يكره حضور المرأة الحسناء في حال اجتماع النساء مع الرجال.
وابن مفلح في الفروع رحمة الله عليه، حتى تنظر كيف أن الحنابلة ينظرون إلى المقاصد وليسوا جامدين على النصوص، يقول: وفي يومنا هذا المفتى به كراهة حضور النساء لجماعة الرجال؛ لكثرة الفساد، وبه أفتى الوزير ابن هبيرة الحنبلي. وهذا دليل أن الحنابلة وإن كانوا يضعون هذه القواعد، لكنهم في النهاية ينظرون إلى الواقع الذي يفتون فيه. النساء منفردات يسن لهن الجماعة سواء كان الإمام رجلًا أو امرأة. النساء مع الرجال في مكان واحد يباح لهن الجماعة إلا المرأة الحسناء فيكره لها الحضور، ويقول الحنابلة حكم صلاة الجماعة حكم مجالس الوعظ؛ يباح للنساء أن يجتمعن ويحضرن مع الرجال مجالس الوعظ، طبعًا يكون هناك انفصال وليسوا مختلطين.
يباح للنساء أن يحضرن مع الرجال مجالس الوعظ، إلا المرأة الحسناء، فيكره لها أن تحضر الأماكن التي يرتادها الرجال خشية الفتنة.
وحرم أن يؤم بمسجد له إمام راتب، فلا تصح إلا مع إذنه إن كره ذلك، ما لم يضق الوقت. يحرم أن يؤم أي شخص بمسجد له إمام راتب، ويضاف إلى ذلك قبله أو معه؛ لأن التحريم هنا يعني أن تكون إماماً في مسجد له إمام راتب قبل أن يأتي الإمام الراتب، أو مع جماعة الإمام الراتب. فإذا دخلت المسجد قبل قدوم الإمام، فلا يجوز لك أن تقيم جماعة وتؤم الناس؛ فهذا حرام ولا تصح صلاتك ولا صلاة المأمومين، وهي باطلة. وكذلك إذا وجدت الإمام الراتب يصلي في مكان، فجئت بجماعة أخرى وصليت في مكان آخر في المسجد، فهذا أيضاً حرام ولا يصح. أما بعد الإمام الراتب، فلا إشكال فيه عند الحنابلة.
أما الاستثناءات، فهي: أولاً إذا أذن الإمام الراتب؛ فإذا استؤذن وأذن، فلا مشكلة. ثانياً: إذا علم أو ظن أن الإمام الراتب لا يكره ذلك؛ فلا حاجة لاستئذانه وتصح الصلاة. ثالثاً: ما لم يضق الوقت، فإذا لم يأتِ الإمام الراتب ولم نستطع استئذانه وضاق الوقت، فيجوز أن يتقدم أحد المصلين ليؤم بهم، ولا تهم هنا مسألة كراهة الإمام. رابعاً: إذا تأخر الإمام الراتب عن الوقت المعتاد مع بُعد مكانه أو مشقة مراسلته. فهذه أحوال أربعة يجوز فيها لأحد المصلين أن يتولى الإمامة.
ومن كبّر تكبيرة الإحرام قبل تسليمة الإمام الأولى، أدرك الجماعة عند الحنابلة. ومن أدرك الركوع مع الإمام غير شاكٍ، أدرك الركعة حتى ولو لم يدرك الطمأنينة معه؛ إذ عليه أن يأتي بالطمأنينة وحده ثم يتابع الإمام. أما إذا شك في إدراك الركوع، فلا يعتد بهذه الركعة، وعليه أن يعوضها في آخر الصلاة، ويسجد سجود السهو للشك.
وسنة دخول المأموم مع إمامه أن يتابعه على أي هيئة وجده عليها، فإذا وجده راكعاً أدركه راكعاً، وإذا وجده ساجداً أدركه ساجداً. وإذا أدرك الإمام على هيئة غير الركوع، فإنه يكبر تكبيرة الإحرام فقط ويتبع الإمام من دون تكبيرة انتقال. أما إذا أدركه راكعاً، فتكون تكبيرة الإحرام ركناً، وتكبيرة الانتقال للركوع سنة.
وإن قام المسبوق قبل تسليمة إمامه الثانية ولم يرجع، انقلبت صلاته نفلاً. فيجب على المسبوق أن ينتظر الإمام حتى يسلم التسليمة الثانية، فإن قام قبلها ولم يرجع، لم تُحسب له صلاة فريضة، بل تنقلب نفلاً. وهذه المسألة فيها إشكال إذا كان الإمام لا يرى أن التسليمة الثانية ركن، كما هو الحال عند غير الحنابلة.
قواعد المذهب؛ أي كيف أحل هذه المسألة؟ الذي يظهر لي أن الحل في النهاية أن يقوم المسبوق. المالكية عندهم التسليمة الثانية سنة، فإذا كان الإمام مالكيًا والمأموم المسبوق انتظر الإمام ليسلم الثانية ولم يسلم، هل يبقى جالسًا؟ لا، المسبوق فعل ما عليه. هذه مسألة استشكلت، فانتبهوا لها؛ فإذا كان الإمام حنبليًا فالتسليمة الثانية عندنا ركن، فلا إشكال. لكن الإشكال إذا كان الإمام على مذهب آخر لا يرى وجوب التسليمة الثانية فلم يسلمها، هنا ماذا يفعل المسبوق؟ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ينتظر، فإذا يئس أن الإمام يسلم تسليمة ثانية حينئذ يقوم هذا المسبوق.
ثم قال: وإن أقيمت الصلاة التي يريد أن يصلي مع إمامها لم تنعقد نافلته، وإن أقيمت وهو فيها أتمها خفيفة. هذه مسألة تتكرر في المساجد، وهي أن الإنسان يدخل المسجد فتقام الصلاة مباشرة، فإذا شرعت في نافلة بعد سماعك لإقامة الصلاة هذه النافلة باطلة. هذا إذا أول ما دخل سمع الإقامة وشرع في النافلة بعدها. وأما إن أقيمت الصلاة بعد أن شرعت في النافلة، وهذا الذي يحدث عادة، كأن تدخل المسجد وتنظر للساعة فتجد وقتًا فتبدأ في النفل وأثناء ذلك تقام صلاة الجماعة، هل تبطل صلاتك؟ لا، عند الحنابلة تتمها لكن خفيفة، يعني لا تأخذ راحتك.
هناك قيد في الحقيقة لم يذكره الشيخ مرعي، هم يقولون: يتمها خفيفة إن أمن فوات الجماعة. متى تفوتك الجماعة؟ إذا سلم الإمام التسليمة الأولى. فقالوا: إذا خشي هذا المتنفل أن تفوته صلاة الجماعة مع الإمام، فحينئذ يلزمه أن يقطع؛ لأن إدراك الجماعة أولى من إتمام هذه النافلة.
ومن صلى ثم أقيمت الجماعة سنة أن يعيد، والأولى فرضه. هذه مسألة إعادة الصلاة جماعة، وقد نبهنا سابقًا على قضية تتعلق بها وهي أوقات النهي؛ ففي أوقات النهي لا تصح صلاة النفل، لكن استثنينا مسائل محددة تصح فيها، ومنها إن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد وقد كنت صليت سابقًا فيستحب لك أن تعيد مع الجماعة ولو كان وقت نهي، وتكون هي نفل في حقك. أما إذا أقيمت الصلاة وأنت خارج المسجد وكان الوقت وقت نهي، فلا يستحب لك أن تدخل المسجد، وإذا دخلت لا تصلي مع الجماعة، وإذا صليت لا تنعقد صلاتك.
الآن دعونا نفصل المسألة كاملة؛ فالحالة الأولى: إذا أقيمت الصلاة وأنت داخل المسجد، فيسن لك أن تعيد مع هذه الجماعة، سواء صليت الفرض وحدك أو في جماعة أخرى، ولو كان وقت نهي، إلا صلاة المغرب فلا تعيدها أبدًا. الحالة الثانية: إذا أقيمت الصلاة وأنت خارج المسجد، فهنا حالتان؛ الأولى أن يكون الوقت وقت نهي، فهنا لا تعيد، وإذا أعدت لا تنعقد صلاتك وهي باطلة. أما إن كان غير وقت نهي فهنا حالتان أيضًا؛ الأولى أن تقصد المسجد بنية الإعادة، فهنا لا يسن لك أن تعيد ويكره هذا القصد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصلوا صلاة في يوم مرتين». أما إذا قصدت المسجد لغير نية الإعادة، لأي هدف آخر، ثم دخلت ووجدت الجماعة قائمة، فيسن لك أن تعيد معهم، إلا المغرب. الأولى هي التي تحسب لك فرضًا، وأما التي تعيدها فهذه تحسب لك نفلاً.
قال رحمه الله: ويتحمل الإمام عن المأموم القراءة وسجود السهو وسجود التلاوة والسترة ودعاء القنوت والتشهد الأول إذا سبق بركعة في رباعية.
وننتقل لمسألة ما الأشياء التي يتحملها الإمام في صلاة الجماعة عن المأموم، فذكر ستة أشياء. أولاً: القراءة، فعند الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم لا يلزم المأموم أي قراءة، لا قراءة الفاتحة ولا قراءة غير الفاتحة، والإمام هو الذي يتحملها بالتمام والكمال. هذا مذهب الحنابلة؛ فانتبهوا. حتى في الصلاة السرية؟ نعم، حتى في الصلاة السرية، وهذا من الغريب الذي يستغربه البعض عندما يسمع مذهب الحنابلة. البعض يقول لك: في الصلاة الجهرية مفهوم، لكن حتى في السرية؟ فالحنابلة عندهم الإمام يتحمل عن المأموم قراءة الفاتحة، سواء في الصلاة الجهرية أو في الصلاة السرية. طبعاً يستحب للمأموم أن يقرأ، وستأتي أماكن محددة يستحب له فيها القراءة، لكنه على سبيل الاستحباب، والإمام يتحمل كل القراءة عنه سواء كانت واجبة أو مستحبة. لذلك قال: ويتحمل الإمام عن المأموم واحد: القراءة الواجبة أو المستحبة في كل الركعات.
اثنان: سجود السهو. يتحمل الإمام عن المأموم سجود السهو، ولكن هنا يجب أن نقيدها بناءً على القواعد السابقة. فنقول: في حالة أن المأموم أدرك الإمام من بداية الصلاة، فإن الإمام يتحمل سهو المأموم. أما إذا كان المأموم مسبوقاً فلا، فإذا سها المأموم المسبوق، فعليه أن يسجد لسجود السهو. فالمأموم المسبوق عليه أن يسجد سجود السهو، أما غير المسبوق إذا سها فإن الإمام يتحمل عنه ولا يلزم هذا المأموم أن يسجد. والمقصود بتحمل الإمام هو أن المأموم غير المسبوق إذا فعل شيئاً يستوجب سجود السهو، فإن الإمام يجبرها عنه، ولا يعني ذلك أن الإمام سيسجد بدلاً عنه، بل لا داعي لأن يسجد المأموم.
ثالثاً: الشيء الثالث الذي يتحمله الإمام عن المأموم هو سجود التلاوة. وهذا له حالتان: الحالة الأولى إذا قرأ المأموم آية فيها سجدة تلاوة، فإنه لا يسجد، والإمام يتحملها عنه، بمعنى أنه لا يلزمك أن تسجدها، إذ كيف للإمام أن يعرف أنك قرأت؟ أنت كمأموم قرأت سجدة تلاوة فنقول: لا تسجد، فقد جبر الإمام ذلك لكونه إماماً. الحالة الثانية: إذا قرأ الإمام سجدة التلاوة في صلاة سرية وسجد، والمأموم مخير هنا، فإن اختار ألا يسجد معه فلا إشكال، لأن الإمام يتحمل السجدة عن المأموم أيضاً.
رابعاً مما يتحمله الإمام عن المأموم السترة، فلا يلزم المأموم أن يضع سترة أمامه؛ إذ تكفي سترة الإمام عنه. خامساً: دعاء القنوت، فإذا دعا الإمام للقنوت، لا يلزم المأموم خلفه أن يدعو، بل وظيفته أن يقول آمين، فالإمام هو الذي يتحمل دعاء القنوت. سادساً: التشهد الأول، وهذا بقيد إذا سُبِق المأموم بركعة في صلاة رباعية. فإذا دخل المأموم مع الإمام في الركعة الثانية، فعندما ينتهي الإمام من الركعة الثالثة يكون المأموم قد انتهى من الركعة الثانية، وحيث إن نظام الصلاة الرباعية يقتضي تشهداً بعد كل ركعتين، والمأموم المسبوق لا يستطيع تطبيق ذلك لأنه يتبع الإمام، فإن الإمام يتحمل عنه التشهد الأوسط.
وسُن للمأموم أن يستفتح ويتعوذ في الجهرية ويقرأ الفاتحة وسورة حيث شرعت؛ وذلك في سكتات إمامه. أما في الصلاة السرية، فيسن للمأموم أن يستفتح ويتعوذ ويقرأ الفاتحة والسورة في أي وقت شاء؛ لأن قراءته لا تعارض قراءة الإمام، وإنما ذُكرت الجهرية لأنها هي التي تقع فيها الإشكالية. فعند الحنابلة ثلاث سكتات للإمام: السكتة الأولى قبل الفاتحة، والثانية بعد الفاتحة، والثالثة بعد الفراغ من قراءة السورة قبل الركوع، وهناك سكتة رابعة قصيرة بين قول الإمام «ولا الضالين» و«آمين». في هذه السكتات يسن للمأموم أن يأتي بدعاء الاستفتاح والتعوذ وقراءة الفاتحة والسورة. وإذا وزع المأموم الفاتحة على هذه السكتات، فهي الحالة الوحيدة التي يصح فيها قطع الموالاة بين آيات الفاتحة.
﴿الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، شوف وزعناها. وهذه الحالة الوحيدة التي يقبل فيها قطع الموالاة بين الفاتحة. فإذًا هذا الترتيب الذي ذكره ابن عوض ليس ترتيب توقيفي، بيصير أنك تخل فيه، لكن ترتيب تحسيني خلينا نقول، ترتيب تحسيني أنه السكتة الأولى للاستفتاح والتعوذ، والسكتة الثانية للفاتحة، والسكتة الثالثة لقراءة السورة القصيرة، لكن لو نفسها الفاتحة قسمت على ثلاث سكتات فهذا جائز.
لذلك قال: والسنة للمأموم أن يستفتح ويتعوذ في الجهرية، ويقرأ الفاتحة في الجهرية، والسورة حيث شرعت في الجهرية، هذا كله للجهرية الكلام، في سكتات إمامه. وبين بعد ذلك السكتات، قال: وهي قبل الفاتحة وبعدها، أي بعد الخلاص من الفاتحة، وبعد الفراغ القراءة، يعني بعد ما يخلص من قراءة السورة ويستعد للركوع، فهذه ثلاث سكتات.
لاحظ، إذا ما سكت الإمام، نفرض أنه هذا الإمام صاحبنا ما أعطاهم ولا سكتة، شو الحكم؟ كره للمأموم قراءة أي شيء، هذا المذهب. إذا الإمام ما أعطى مجال للمأموم، ما سكت ولا سكتة، ما شاء الله، من أول ما حكى: الله أكبر، لحتى ما ركع من دون سكتة، على نفس واحد، هنا قالوا: يكره للمأموم كل ذلك، فما بتستفتح وما بتتعوذ وما بتقرأ فاتحة ولا بتقرأ سورة، بتضلك تسمع الإمام.
وفعليًا أنا أرى أنه مذهب الحنابلة فيه من المنطقية شيء كبير في هذا؛ لأنه إخواني دين الإسلام، لو نظرنا فيه، دين منظم، ما فيه تشويش. فإنه الإمام يقرأ شيء والمأموم في واد آخر، في الحقيقة هذا فقدان للنظام. ما بعرف إذا بتوافقوني ولا لا؛ أنه الإمام بيكون بيقرأ والمأموم في واد آخر بيستفتح ولا بيقرأ سورة الفاتحة برضه، هذا خلل في النظام، صح؟ الإمام بيقرأ: الحمد لله رب العالمين، والمأموم قاعد لحاله بيحكي: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، طيب لمين بيقرأ الإمام؟ مش بيقرأ لك أيها المأموم؟
فأنا أرى ليس فقط الدليل الشرعي، هناك الدليل النقلي والدليل العقلي ينصر قول الحنابلة، وهو نظام الشريعة، أنه هذه الشريعة كلها معقولة المعنى، فليس من المعقول أنه يكون الإمام بيقرأ للمأمومين بالصلاة الجهرية والمأموم قاعد لحاله بيقرأ. فيه تشويش، فيه خلل، لا المأموم فاهم على حاله لأنه صار صوت الإمام عالي، ولا الإمام قادر يركز لأنه المأموم بيشوش عليه. فأنا أرى أن الحنابلة هنا، وهي المناطق التي أنصر فيها المذهب بقوة، عندهم معقولية كبيرة في أن المأموم لا يقرأ أي شيء مع قراءة الإمام، وهو المحافظة على نظام الصلاة والهدف من الجهر.
لذلك انظر أيش قال بعد ذلك: ويقرأ فيما لا يجهر فيه متى شاء، يعني إذا كانت الصلاة سرية، ما فيها جهر، هنا خلص أنت المأموم خذ راحتك، لأنه أنت ما بتشوش على الإمام، وكل واحد فيكم بيقرأ في نفسه، بالتالي لن يضر أحدكم الآخر، لذلك قال: ويقرأ فيما لا يجهر فيه، يعني في الصلاة السرية، متى شاء، ما فيش داعي يعني أنه يتحرى سكتات إمام ولا ما شابه ذلك، لأنه أصلًا الإمام بيقرأ سر، فما فيش سكتات أنت سامعها.
هيك بنكون انتهينا من القسم الأول من باب صلاة الجماعة. دعونا نكمل. خلص، لذلك نقف. ساعة وثلث أو ساعة وربع، ونكمل إن شاء الله في المجلس القادم ما بقي من باب صلاة الجماعة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل