دخولتسجيل الدخول

الدرس 54 - أركان الحج والعمرة وواجباتها وسننها

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمه الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة أحبائي أنهينا الحديث عن الفدية التي تجب بسبب الإحرام بكامل أنواعها. نحن قسمنا الفدية إلى فدية تجب بسبب الإحرام وفدية تجب بسبب الحرم، وقسمناها أيضا باعتبار آخر: فدية على التخيير وفدية على الترتيب، وعلى تقسيمها باعتبار حقيقتها.

وكل الذي تكلمنا عنه في الفدية التي على التخيير وفي الفدية التي على الترتيب إنما كان يتعلق حقيقة بالسبب الأول من أسباب الفدية، ألا وهو الفدية بسبب الإحرام. واليوم بإذن الله موعدنا مع السبب الثاني من أسباب الفدية، ألا وهو الفدية بسبب الحرم ذاته، حتى ولو لم تكن محرما. الفدية بسبب الحرم ذاته حتى ولو لم تكن محرما؛ إذا كنت أنت محرما أو حلالا في داخل الحرم المكي، فهناك إجراءات ومحظورات يجب عليك أن تجتنبها.

أيضا الحرم المدني له إجراءاته، ولم يتطرق لقضية الحرم المدني، لعلّي أتطرق إليها باختصار إن شاء الله في نهاية الفصل، لكن أساسا سنتكلم عن أي حرم؟ عن حرم مكة. وبالتالي أحبائي الآن دعونا نرتب فقط الخارطة ونسترجعها معا لنعرف أين نحن الآن.

لو وسعت الرسمة بشكل كبير لرسمة الفدية، فإنني أستطيع أن أفعلها بهذا الشكل، أقول: الفدية إما بسبب الإحرام أو بسبب الحرم. فدية تجب لأنك محرم؛ أريدكم أن تركزوا على هذه المعلومة حتى تحفظوها جيدا. لما نقول فدية بسبب الإحرام، يعني فدية وجبت عليك ولزمتك بسبب أنك محرم، سواء كنت أيها المحرم دخلت منطقة الحرم المكي أو لم تدخلها بعد، فهذه الفدية تجب عليك لأنك محرم، هذا هو سببها.

النوع الثاني أو السبب الثاني من أسباب الفدية، هو الفدية بسبب أنك في الحرم، سواء كنت محرمًا أو كنت حلالا مثل أهل مكة الآن الذين يعيشون في حرم مكة، هؤلاء ليسوا محرمين لكن تترتب عليهم فدية بسبب الحرم إذا ارتكبوا محظورات معينة. هذا معنى فدية بسبب الإحرام وفدية بسبب الحرم.

إذًا الفدية بسبب الإحرام تكون إذا ارتكب المحرم محظورا من المحظورات أو إشكالية من الإشكاليات التي تعلمناها في المحاضرات السابقة، فيجب عليه فدية بسبب الإحرام لأنه محرم. طبعًا ممكن ما يكون محظورا كما عرفنا، ممكن يكون لأنه متمتع أو قارن، ممكن يكون لأنه ترك واجبا، وهذه كلها داخلة تحت بسبب الإحرام. ممكن يكون لأنه صار فوات أو إحصار، وهذا كله داخل تحت الإحرام. فباختصار لما نقول فدية بسبب الإحرام، فدية تلزمك لأنك محرم إذا وقع أمر من الأمور؛ محظور، إحصار، فوات، ترك واجب، دم متعة أو قران على التفصيل الذي ذكرناه، فتلزمك هذه الفدية سواء كنت داخل الحرم أو خارج الحرم، لا فرق لأنها وجبت عليك لأنك محرم وليس لأنك في الحرم.

أما النوع الثاني، الفدية التي بسبب الحرم، فهي الفدية التي تجب على الإنسان لأنه في الحرم وارتكب شيئا ممنوعا من الأشياء التي يمنع ارتكابها في الحرم، سنتعرف عليها اليوم إن شاء الله. فتلزمه الفدية لأنه في الحرم، سواء كان في الحرم محرمًا أو لم يكن محرمًا، كان حلالا.

فالآن الفدية التي بسبب الإحرام هي التي تحدثنا عنها في المحاضرة السابقة أو حتى في المحاضرتين السابقتين بإسهاب، فجعلناها على التخيير أو على الترتيب. والتي على التخيير قسمناها إلى فدية أذى، وجزاء صيد. والتي على الترتيب أربعة أنواع: دم متعة وقران، دم ترك واجب، دم فوات وإحصار، ودم الوطء وما يتبعه قبل التحلل الأول في الحج.

هذا كله الذي أسهبنا فيه كان يتعلق بالفدية التي بسبب الإحرام، قسمناها هكذا: تخيير وترتيب. التخيير: فدية أذى، وهذه تحتها تسعة أنواع، وجزاء الصيد وهذا قسمناه إلى مثلي وغير مثلي. والترتيب: دم المتعة والقران، دم ترك واجب، دم فوات وإحصار، دم الوطء وما يتبعه قبل التحلل الأول في الحج.

اليوم موعدنا مع الفدية التي تكون بسبب الحرم. وهذه الفدية كما ستلاحظون كلها على التخيير، ولا يوجد فيها تخيير وترتيب، كلها تكون على التخيير. ما هي الفدية التي تجب بسبب الحرم؟ دعونا ننتقل للشيخ مرعي رحمه الله عليه ليبين لنا ذلك.

يقول الشيخ مرعي: «فصل: ويحرم صيد حرم مكة، وحكمه حكم صيد الإحرام». مكة أحبائي لها حرم، ويذكرون تفاصيل هذا الحرم وأعمدته وبدايته ونهايته في الكتب الفقهية، لكن برموز وأعلام كثير منا لا يعرفها الآن. لو قلت لكم من هذه المنطقة إلى هذه المنطقة، أنتم لا تعرفون أسماء المناطق والأعمدة والبداية والنهاية. لذلك لو إنسان فيكم دخل على الحاسب ونظر في صورة، تظهر له حدود الحرم المكي التي حددها أهل العلم.

المهم، أنا ما أريد أن أقوله أنه مكة ليست كلها حرما، هناك منطقة محددة منها هي الحرم، وبعض الناس يتوهم أنه مكة كلها حرم، وهذا غير صحيح، فهناك مناطق من مكة تعتبر خارج حدود الحرم. كذلك في المدينة، فالنبي ﷺ قال: «المدينة حرم ما بين عور إلى ثور»، بالتالي أي منطقة خارج هذا النطاق هي ليست داخل حرم المدينة.

فبعض الناس يظن أنه مكة كلها حرم، وهذه معلومة ليست دقيقة، فالحرم في مكة هي مناطق محددة، ومعلومة يعلمها أهل مكة ومن يعيش حولها ومن عنده خبرة. المهم، إذا كان هناك إنسان داخل حدود حرم مكة، سواء كان محرما أو كان حلالا، يحرم عليه أن يصيد، نفس أحكام الصيد التي تحرم على المحرم تحرم على من هو في داخل حدود حرم مكة ولو لم يكن محرما، هذه هي القاعدة الأساسية في الباب. لذلك قال الشيخ مرعي: «ويحرم صيد...».

حرم مكة. وحكمه، أي الأحكام التي تترتب على من صاد في داخل حدود الحرم المكي، هي نفس الأحكام التي تترتب على من صاد وهو محرم. نحن في المحاضرة السابقة عرفنا الأحكام التي تتعلق بمن صاد وهو محرم؛ من حيث أولًا أنه لا يجوز ويحرم الصيد على المحرم، فكذلك يحرم الصيد في داخل حرم مكة.

ثانيًا من حيث أن الصيد ينقسم إلى مثلي وغير مثلي، وأن المثلي إما أن تخرج مثله على التخيير، لذلك قلت لكم هي على التخيير: إما أن تخرج مثله، وإما أن تخرج قيمة المثل فتشتري بها طعامًا تطعمه للمساكين، أو تصوم مكان طعام كل مسكين يومًا. وأما غير المثلي فإنه يقوّم في محله، والقيمة نشتري بها طعامًا أو نصوم على التفصيل الذي ذكرناه في المحاضرات السابقة.

فمن صاد في حرم مكة، سواء كان محلًا أو محرمًا، تترتب عليه الأحكام المترتبة على من صاد وهو محرم، حتى ولو كان هذا المحرم في خارج حدود مكة. المحرم أحبائي لو صاد صيدًا في الأردن ستترتب عليه الأحكام، فالمحرم في أي مكان يصيد، سواء صاد في داخل حدود الحرم المكي ولا خارجه، ستترتب عليه الأحكام. أما الحلال المحل إنما تترتب عليه الأحكام إذا صاد في داخل حدود حرم مكة فقط.

ثم قال: إذًا ويحرم صيد حرم مكة، وحكمه من حيث الأحكام المترتبة -كالتقسيم السابق- حكم صيد الإحرام. والحقيقة هناك استثناء لقضيتين بالنسبة لصيد الحرم، يختلف فيهما صيد الحرم عن صيد المحرم.

النقطة الأولى: قتل القمل. نحن مر معنا أن المحرم لا يجوز له أن يقتل القمل، ولا جزاء عليه طبعًا إذا قتله، لكنه لا يجوز له. أما في داخل الحرم فيجوز أن يقتل القمل لغير المحرم؛ لأن المحرم خلاص عرفنا ما يصير يقتل القمل لأنه شكل من أشكال الترف الزائد، وليس لأنه داخل حرم مكة ولا خارجها. أما في داخل حرم مكة فيجوز للمحل -أهل مكة الآن- هل يجوز لهم أن يقتلوا القمل داخل حدود الحرم المكي؟ نعم يجوز لهم ولا إشكال. إذًا داخل حدود الحرم يجوز قتل القمل للمحل، وأما المحرم فلا يجوز له بسبب إحرامه وليس بسبب الحرم.

فهمتم الفكرة؟ هذا الاستثناء الأول، تقول يجوز أن يقتل القمل في داخل الحرم وإن كان لا يجوز للمحرم أن يقتله. هذا الفرق الأول بين صيد الحرم وصيد الإحرام، أنت بدك تكون نبيه أنه المحرم سواء كان في داخل الحرم ولا خارج الحرم ما يصير يقتل قمل لأنه محرم، أما الحلال فيجوز له ذلك داخل الحرم.

الفرق الثاني أيضًا بين صيد الحرم وصيد الإحرام مسألة معاكسة، وهي: هل يجوز للمحرم أن يصيد صيد البحر؟ نعم يجوز. لكن لو أن هناك نهرًا وجد في مكة في داخل حرمها، أو بحيرة وجاء فيها سمك، فلا يجوز الصيد فيه. حتى صيد البحر، هنا شيء بالعكس؛ المحرم يحق له والحرم لا يجوز فيه الصيد البحري.

المحرم يحق له، لكن لو أن نهرًا أو بحيرة أو بركة جاءت في حرم مكة، هل يجوز أن يصطاد منها السمك وما شابه السمك من حيوانات البحر؟ كلا. فبالتالي من كان داخل حدود حرم مكة، ركزوا سواء كان محلًا أو محرمًا، لا يجوز له أن يصيد. المحل فهمنا لأنه داخل حدود حرم مكة، طيب المحرم؟ المحرم من تقول يا شيخ يجوز له أن يصيد صيد البحر، ليش إذا المحرم دخل حرم مكة ما يصير له أن يصيد؟ نقول له: لا يجوز له أن يصيد ليس بسبب أنه محرم، بل من أجل الحرم وحرمة حرم مكة. هذه المسائل بعض الطلاب يضيع فيها، لا يحسن التفريق أنه هو المحرم أساسًا له أن يصيد صيد البحر، لكن إذا المحرم دخل حدود حرم مكة لا يجوز له أن يصيد لو فرضًا وجد هناك بحيرة أو نهر أو بركة في داخل حدود حرم مكة؛ لا يجوز له أن يصيد فيها ليس لأنه محرم، بل بسبب حرمة الحرم.

جيد، هذان فرقان إذا بين صيد الحرم وصيد الإحرام، وأما باقي الأحكام فهي متشابهة فيما يتعلق بالصيد. ويحرم صيد حرم مكة وحكمه حكم صيد الإحرام، واستثنينا مسألتين. هذا بالنسبة لموضوع الصيد.

فإذاً، خليني أقول الفدية التي بسبب الإحرام؛ أولًا فدية الصيد، وهذه أول نوع فدية صيد. ثانيًا سنأتي للفدية الثانية التي تتعلق بسبب الإحرام وهي التي بسبب قطع شجر وحشيش وأوراق الحرم المكي.

قال: ويحرم قطع شجره وحشيشه وأوراقه أيضًا أحبائي، وبدكم تكتبوا أيضًا لتوضحوا أكثر: وأغصانه؛ لأن الشجرة يعني يحرم قطعها بالكلية ويحرم أيضًا قطع أغصانها، يعني ما تلمسها. فيحرم في حرم مكة قطع الشجر بما فيها من أغصان، وقطع الحشيش، وقطع الأوراق. وقال بعد ذلك: والمحل والمحرم في ذلك سواء؛ لأن هذه الإشكالية ليست بسبب الإحرام بل بسبب الحرم، فالمحل والمحرم سواء بالنسبة لهذه القضية وحكمهم واحد. أي إنسان محل أو محرم داخل حدود حرم مكة نقول له يحرم لك أن تقطع شجر الحرم والحشيش والأوراق.

طيب، بدنا نستثني أشياء. هناك استثناءات يا شيخ؟ أكيد هناك استثناءات، اكتبوا الآن عندكم ويستثنى من ذلك مجموعة استثناءات. قالوا: اليابس من الشجر والحشيش، فاليابس من الشجر والحشيش يجوز قطعه، الذي خلص استوى وما عاد ينتفع به. هذا يجوز قطعه في الحرم.

ثانيًا: نبات الإذخر، وهذا استثناه النبي ﷺ بالنص، لما قام له العباس فقال: «يا رسول الله، إلا الإذخر». والإذخر عبارة عن نبات طيب الرائحة، كان أهل مكة يستعملونه في البيوت ويستعملونه أيضًا للموتى، فالعباس طلب من النبي ﷺ من باب الترخيص أن يستثني لهم هذه النبتة، فاستثناه ﷺ توسعة على أمته، فيجوز قطعه.

ثالثًا: الكمأة والفقع، بتعرفوا الكمأة والفقع إيش هي؟ هي الفطر الذي ينبت عند جذور وسيقان الأشجار.

تعرفوا الفطر، لكن النوع غير السام طبعًا، هذا الذي يؤكل. فالكمأة والفقع إخواني تنبت ولها علاقة بالعوامل الجوية، يقولون الرعد والبرق هو سبب في نباتها سبحان الله. فالكمأة والفقع هذه يجوز أن تُقلع وتُؤكل، ولا حرج في حرم مكة أن تُقلع وتُؤكل.

هذا الاستثناء الثالث: الثمار. هل يجوز لنا أن نقطف ثمار الأشجار؟ نعم يجوز لنا أن نقطف ثمار الأشجار، ولما أقول ثمار الأشجار نقصد ثمار الأشجار التي نبتت وحدها. ليش يا شيخ؟ لأنه في النقطة الخامسة، الاستثناء الخامس: كل ما زرعه آدمي في حرم مكة يجوز له أن يقلعه من شجر أو حشيش. إذًا هذه النقطة الخامسة مهمة جدًا لأنها تشكل مفصلًا.

إن الشجر والحشيش والأوراق التي لا يجوز أن نقطعها هي عبارة عن ماذا؟ عن الأشجار التي نبتت وحدها ولم يزرعها الإنسان، والحشيش الذي نبت وحده ولم يزرعه الإنسان، والأوراق التي هي مرتبطة بالشجر الذي نبت وحده. أما الشجر، فإنسان عنده مزرعة داخل حدود حرم مكة، عمل مزرعة نخيل زرعها بيده، أو جاء ببذور وزرع حشيش، هل هذا يجوز له أن يقلع شجره وحشيشه؟ نعم، لا إشكال.

فبالتالي النقطة الخامسة نعتبرها نقطة أساسية: إنه ما يزرعه الآدمي من شجر أو حشيش هذا له الحق أن يقلعه وأن يفعل فيه ما شاء؛ لأنه هو الذي زرعه وأنبت. طبعًا الله عز وجل هو الذي بيده الإخراج، لكن نقصد هنا هو الذي بذر وغرس بفعل الآدمي، فإذًا لما يقول الحنابلة ويحرمون قطع الشجر والحشيش والأوراق، هم يتكلمون عما خرج وحده بفعل الله سبحانه وتعالى من دون سبب آدمي، أما لو إنسان عنده هو بنفسه زرع مزرعة من شجر أو حشيش فهذا يجوز له أن يفعل فيها ما يشاء من القلع.

سادسًا وأخيرًا: رعي الحشيش. الحشيش البري الذي نبت وحده قلنا يحرم قطعه، لكن لو واحد راعي من أهل مكة عنده قطيع غنم وودى هالقطيع على هالمرعى، والغنم بدأت تأكل وحدها، أنا ما قطعت، هي الغنم بدأت تأكل وحدها من الحشيش، لا حرج في ذلك.

إذًا إخواني هذه استثناءات من خلالها عرفنا أو تجلى لنا الموضوع أكثر وأكثر. عرفنا من خلال هذه الاستثناءات أن الذي يحرم قطعه من الشجر والحشيش إنما الذي نبت وحده بفعل الله سبحانه من دون زرع آدمي، أما ما كان بزرع الآدمي فهذا لا حرج في قطعه.

والذي نبت بفعل الله وإرادة الله وحده، أو لنقل بفعل الله وحده من دون تسبب آدمي، يستثنى منه اليابس من الشجر والحشيش، والإذخر، والكمأة والفقع، والثمار؛ يعني لو شجرة وحدها نبتت بإرادة الله من دون تسبب آدمي وعليها ثمار، هل يجوز لي أن أجني ثمارها؟ نعم، ما في إشكال في قطع الثمار. ورعي الحشيش يجوز لك أن ترعى الحشيش.

فأنت إذا أردت أن ترتب هذه الاستثناءات، أنا رأيي لو رتبتها بهذه الطريقة تقول: ما كان بفعل الآدمي -وأركز على ما فعل الآدمي لأن البعض يقول لك يا شيخ هو في فرق بين فعل الله وفعل الآدمي، كل شيء بخلق الله- أرجو أن تفهم ما أقول، هناك أشياء تنبت وحدها من دون السببية، وإنسان يزرع والله سبحانه وتعالى ينبتها وحدها، وفي أشياء الله سبحانه وتعالى هو الذي ينبتها لكن في سببية، إنسان زرع، حط الغرسة أو وضع البذرة.

فنقول: يحرم قطع شجر وحشيش وورق الحرم المكي، ويستثنى من ذلك أولًا ما زرعه الآدمي من شجر أو حشيش، فهذا له أن يفعل فيه ما شاء. وما نبت وحده من الشجر والحشيش فيستثنى منه: اليابس من الشجر والحشيش فيجوز قلعه، والإذخر لو نبت وحده يجوز قلعه، والكمأة أو الفقع، والثمار لو كانت على شجرة نبتت وحدها يجوز أخذها، والحشيش لو أنني رعيت الغنم فيه ما في إشكال في ذلك. وضحت الفكرة تمام الوضوح إن شاء الله؟

إذًا يحرم قطع شجره وحشيشه، والمحل والمحرم في ذلك سواء، واستثنيت أنا هذه الأمور التي ذكرتها من التحريم. نرجع الآن على الصورة الأصلية التي هي صورة التحريم؛ لو إنسان ارتكب المحرم فقطع الشجر أو قطع الحشيش في حدود الحرم المكي، ماذا سيترتب على ذلك؟

قال: «فَيَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الصَّغِيرَةَ عُرْفًا بِشَاةٍ، وَمَا فَوْقَهَا بِبَقَرَةٍ، وَيَضْمَنُ الْحَشِيشَ وَالْوَرَقَ بِقِيمَتِهِ». مذهب الحنابلة أحبابي، إذا الشجرة -لن أتكلم عن الشجر، دعوني عن الحشيش والورق، إحنا عندنا الآن ثلاث أشياء: شجر، حشيش، ورق.

بالنسبة للشجر نبدأ به؛ إذا كانت شجرة صغيرة في عرف الناس فهذه فديتها أن تخرج شاة، ركزوا معي ماذا سأقول الآن: «وَيَجُوزُ أَنْ تُقَوَّمَ الشَّاةُ بِدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ، تَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا تُطْعِمُ بِهِ الْمَسَاكِينَ، أَوْ تَصُومَ مَكَانَ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا». فهي أيضًا فدية مخيرة على نمط جزاء الصيد، يجوز فيها الشاة، ويجوز أن تقوّم الشاة ويخرج طعام للمساكين أو يصام مكان طعام كل مسكين يوم، فيها الخيارات الثلاثة.

وأما إذا كانت الشجرة كبيرة في عرف الناس ليست صغيرة، فهذه الواجب فيها بقرة. ويجوز أن تقوّم البقرة بأموال ونقود نشتري بها طعامًا بدل ما نخرج بقرة، نقوّمها ونشتري طعامًا نطعم به المساكين أو نصوم مكان طعام كل مسكين يومًا، فهذه أيضًا فدية مخيرة.

هذا بالنسبة للشجر؛ إذًا الشجر، نقول إذا شجرة صغيرة في العرف، واللي يحدد إنها صغيرة ولا كبيرة هو العرف، ما في عندنا طول معين، هي العرف، فإذا شجرة صغيرة في العرف وأهل الخبرة قالوا إنها صغيرة، ففديتها شاة أو إطعام أو صيام، وشجرة كبيرة عندنا بقرة أو إطعام أو صيام.

وأما بالنسبة للحشيش وأوراق هذه الأشجار لو قطعت، فهذه لا يوجد لها مثل، فهي غير مثلية، ما فيها شاة أو بقرة، لا، تقوّم مباشرة ويشترى بالقيمة طعام أو يصام مكان طعام كل مسكين يوم. فكأنها نفس الشيء تقسم إلى مثلي وغير مثلي؛ موضوع الشجر له مثل، فهناك شجر صغير مثله شاة، وشجرة كبيرة مثلها بقرة، فإما أن تخرج المثل أو الطعام أو الصيام. أما الحشيش والورق فهو غير مثلي، ليس له مثل من الحيوانات، بالتالي تكون الفدية فيه إما بالإطعام أو بالصيام، نقوم الحشيش الذي قطعته أو الورق الذي نزعته ونعرف كم قيمته، هذه القيمة نشتري بها طعامًا أو نصوم مكانه طعامًا لكل مسكين.

مكانها طعام لكل مسكين. بالنسبة للشاة التي ذبحها، أو ذبح البقر، ففي نفس الشيء؛ توزعها على مساكين الحرم، وهو نفس مبدأ جزاء الصيد.

هذه الأحكام إذاً هي الأحكام المتعلقة بقضية صيد الحرم المكي. نضع الثانية: فدية الصيد، وفدية الشجر والحشيش والورق. الشجر له مثل، والحشيش والورق ليس له مثل.

الشيخ مرعي -رحمة الله عليه- لم يتطرق لموضوع حرم المدينة، والنبي ﷺ أخبر أن المدينة حرم أيضاً، ما بين جبل إلى جبل ثور. وهذه أكيد أغلبكم لا يعرفها، لكن من عاش في المدينة الرسول ﷺ ومن له خبرة في الجغرافيا قد يكون له دراية بها. المهم أن المدينة أيضاً أحبائي في الحقيقة لها حرم، وحرمها له أحكام.

أولاً، حرم المدينة كما قلنا ما بين جبل إلى ثور؛ ما الممنوع أن يفعل داخل حرم المدينة؟ داخل حرم المدينة أحبائي يحرم أيضاً الصيد، ويحرم أيضاً قطع الحشيش والشجر والورق، نفس الشيء، لكن لا يوجد جزاء. المسألة فقط تتعلق بالتحريم، لكن هل هناك جزاء؟ لا يترتب جزاء على من خالف، هو آثم لكن لا يوجد عليه جزاء.

فحرم المدينة نقول يحرم فيه الصيد، ويحرم فيه قطع الشجر والحشيش، طبعاً إلا ما استثنيناه في حرم مكة، فمن باب أولى أنها مستثناة في حرم المدينة. وسأستثني في حرم المدينة شيئاً آخر الآن إن شاء الله، بس خليني أضع القاعدة العامة؛ أن حرم المدينة ما بين جبل إلى ثور لا يجوز فيه الصيد، ولا يجوز فيه قطع الشجر والحشيش والورق مثل الحرم المكي.

لكن ما الفرق الأساسي بين حرم المدينة وحرم مكة؟ إنه حرم مكة تحرم فيه هذه الأمور وهناك فدية، وحرم المدينة تحرم فيه هذه الأمور ولا فدية. لذلك أظن أن الشيخ لم يتطرق إلى ذلك؛ لو سئلت لماذا لم يتطرق الشيخ لحرم المدينة؟ لعدم وجود الفدية فيه، فترك التفصيل فيها للمطولات.

الآن، الأمور التي استثنيناها بالنسبة للشجر والحشيش في مكة هي نفسها ستستثنى في حرم المدينة، فما زرعه الآدمي يجوز قطعه في حرم المدينة، وما كان يابساً من الشجر والحشيش كالـ «إذخر» والكمأ والفقع والثمار، ورعي الحشيش، هذا كله جائز.

ويزيد حرم المدينة في الجواز، قالوا يجوز قطع الشجر فيه لحاجة: المساند، والحرث، والرحل، والعلف، ولا إشكال في ذلك. يعني حرم المدينة يجوز أيضاً أن تقطع الشجر أو الحشيش النابت وحده إذا أردت أن تتخذ مثلاً مساند، أو أراد أن يضع مثلاً للحرث فاحتاج أن يقطع غصوناً أو جذوع شجر، أو لقضية الرحل إذا أراد أن يضع لرحله -في الزمان القديم كانت جمالاً- خشب أو يصنع له زي الهودج أو ما شابه ذلك، أو أراده للعلف؛ باختصار الحوائج الأساسية للناس التي يصعب عليهم أن يلبوها من دون قطع الشجر والحشيش، فلو أنه أتى وقطع الشجر أو الحشيش لحاجة من هذه الحوائج لا حرج في ذلك في حرم المدينة.

خاصة في حرم المدينة هذه الأمور ما بتصير في حرم مكة؛ حرم مكة لا حتى لهذه الأمور ما بتصير مطلقاً، أما حرم المدينة فتستثنى هذه الأمور؛ أن يقطع من الشجر والحشيش للحاجة التي لا بد منها في أمور الحياة من المساند والحرث والرحل والعلف. أما إذا لم تكن هناك حاجة، فحينئذ يترتب التحريم.

هكذا نكون انتهينا من النوع الثاني من أنواع الفدية، وهي الفدية التي بسبب الحرم، وعرفنا أن كلها على التخيير، وهي إما فدية الصيد وإما فدية الشجر والحشيش والورق، وهذا كله بالنسبة إلى أي حرم؛ حرم مكة، أما حرم المدينة فليس عندنا هذا التفصيل، حرم المدينة فقط نقول يحرم الصيد فيه وقطع الشجر والحشيش إلا ما استثني.

بعد ذلك سينتقل ليبين الشيخ مرعي بعض المسائل التي تتعلق بقضايا الدم، وما هو حقيقة الدم الذي يجب على الإنسان أن يخرجه في الكفارات عموماً. فقال: «ويجزئ عن البدنة بقرة كعكسه»، هذه مسألة جديدة ليس لها علاقة بالحرم، لأنها مسألة عامة تتعلق بأحكام الفدية عموماً.

الآن هذه قاعدة عامة في المذهب: متى ما قيل أنه على المحرم يجب بدنة، سواء في الفدية -أحسنت- الفدية التي فيها بدنة على المحرم هي فدية الوطء قبل التحلل الأول، أو المباشرة بإنزال مني قبل التحلل الأول، أو تكرار النظر بإنزال مني قبل التحلل الأول؛ عرفنا أنه عليها بدنة، فيجزئ عن البدنة بقرة.

قالوا في الفدية، وفي جزاء الصيد، وفي النذر: هذه قاعدة عامة. اكتبوا: يجزئ عن البدنة بقرة في الفدية وفي جزاء الصيد وفي النذر. في الفدية فهمنا أنه في فدية فيها بدنة على من ارتكب المخالفة وهي فدية الوطء كما درسنا سابقاً، الآن يخير بين أن يذبح بدنة وبين أن يذبح بقرة. إذا قلنا بدنة، أنت الآن عرفت أنه المذهب إذا قال لك بدنة هل يجوز أن يذبح بقرة مكانها؟ يجوز. وكذلك إذا كانت في الفدية بقرة، فيجوز أن يذبح بدنة مكانها.

أين فدية فيها بقرة؟ مرت معنا؛ الشجرة الكبيرة عرفاً إذا كانت من صيد حرم مكة. الشجرة الكبيرة عرفاً في حرم مكة إذا قطعت فيها، فيها بقرة، يجوز أن تخرج بقرة ويجوز أن تخرج بدنة مكانها، وطبعاً البدنة أعلى من البقرة.

إذاً هذا بالنسبة للفدية؛ في الفدية يجزئ عن البدنة بقرة كعكسه، أي كما تجزئ البدنة عن البقرة. هذا في الفدية موجود عندنا، فأي فدية فيها بدنة يصير تطلع مكانها بقرة، أو كان فيها بقرة يصير تطلع مكانها بدنة. وأيضاً ينفع في جزاء الصيد؛ الآن في جزاء الصيد، البارحة مش قلنا النعامة مثلها قضى فيها الصحابة بدنة؟ يجوز يطلع بقرة. والحمار الوحشي والبقرة الوحشية مثلهما بقرة، يجوز يطلع بدنة. فلذلك أيضاً في جزاء الصيد متى كان المثل بدنة يجوز أن تخرج بقرة، وإذا كان المثل بقرة يجوز تخرج بدنة، وكذلك في النذر في هذه المناطق الثلاث. النذر يعني لو شخص قال: لله علي إذا ربنا...

«شفى مريضي إني أذبح بدنة»، بينفع يذبح بقرة، أو قال العكس: «لله علي أني أذبح بقرة»، بينفع يذبح بدنة. ففي الفدية، وفي جزاء الصيد، وفي النذر.

طبعًا أنت راح تقول لي: يا شيخ الفدية، وطيب جزاء الصيد ليش فصلته؟ أليس جزاء الصيد هو شكل من أشكال الفدية؟ نعم، في الحقيقة نحن عندما رتبنا الفدية جعلنا جزاء الصيد هو شكل من أشكال الفدية، لكن أحيانًا في بعض السياقات لا يجعلون الفدية هي ما سوى جزاء الصيد، ويجعلون جزاء الصيد شيئًا مستقلًا، لكن جزاء الصيد في الحقيقة هو في النهاية شكل من أشكال الفدية.

لكن أنا هنا فقط من باب التوضيح واتباعًا للشيخ ابن عوض فصلت الفدية وجزاء الصيد والنذر، وإن كان في الواقع جزاء الصيد هو شكل من أشكال الفدية، لكن هي مسألة اصطلاحية لا إشكال في ذلك. إذًا في الفدية وفي جزاء الصيد وفي النذر، إذا كان الواجب بدنة يجوز تخرج بقرة، وإذا كان الواجب بقرة يجوز تخرج بدنة. وكذلك قالوا: ويجزئ عن سبع شياه بدنة أو بقرة، والعكس أيضًا.

يعني اللي وجب عليه سبع شياه بسبب نذر أو بسبب فدية متعددة عليه، يعني صاحبنا ما شاء الله قتل له سبع غزلان، كل غزال مثل شاة، عليه سبع شياه. الآن المذهب عندنا إذا إنسان وجبت عليه سبع شياه بنذر أو فدية أو جزاء صيد، يجوز له بدل سبع شياه اللازمات في ذمته أن يخرج بدنة واحدة؛ لأنه البدنة تجزئ عن سبعة، ويجوز له أن يخرج بقرة واحدة؛ لأن البقرة تجزئ عن سبعة شياه.

فإذا شخص وجبت عليه سبع شياه بنذر أو جزاء صيد أو بفدية -يعني ما شاء الله أخونا ما فيش مخالفة إلا مرتكبها، ما خلى شيء- وخلص بده يطلع، نقول له: بينفع تطلع بدنة واحدة عن السبعة أو بقرة واحدة عن السبعة، وكذلك العكس؛ من وجبت عليه بدنة أو بقرة يجزئ أن يخرج مكانها سبع شياه. في ثلاث صور، يجزئ أن يخرج مكانها سبع شياه، فهذه من باب توسعة الشريعة على الناس؛ أنه إذا وجبت بدنة أو بقرة يجزئ مكانها سبع شياه، وإذا وجبت سبع شياه يجزئ مكانها بقرة أو بدنة.

ثم قال: والمراد بالدم الواجب ما يجزئ في الأضحية، وهو جذع الضأن، أو ثني المعز، أو سبع بدنة أو بقرة، فإن ذبح إحداهما فأفضل، وتجب كلها.

الآن إخواني، بده يعرفنا الشيخ مرعي على مصطلح تكرر معنا سابقًا وكثيرًا، وهو إذا أطلق الدم. أنتم بتلاحظوا أحبائي في الفدية التي ذكرناها في المحاضرات السابقة، إنه إحنا في العادة بنقول يجب عليه في هذه الفدية مثلاً دم، كنا نحكي دم ونطلق، ما نحدد إيش المراد بالدم بالضبط، نقول هذا من ارتكب هذا المحظور عليه دم.

أو مثلاً إذا كانت فدية على الترتيب بنقول دم، إذا فدية على التخيير بنقول مثلاً دم أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين؛ يعني مثلاً في فدية الأذى كنا نقول أنت مخير فيها من ثلاث أشياء: إما دم، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين. مثلاً في الفدية التي على الترتيب كنا نقول عليه دم، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام.

المهم، هنا بده يعرفك إذا قلت لك كلمة دم، فلان عليه دم، سواء على الترتيب أو على التخيير، ماذا نعني بالدم إذا أطلقنا؟ المراد بالدم إذا أطلق ما يجزئ في الأضحية، يعني ما يجزئ أن تذبحه في الأضحية، وستأتي إن شاء الله أحكام الأضحية ونعرف ما هو الذي يجزئ فيها.

وهو وضح لك إياها أكثر وأكثر، قال: والمراد بالدم الواجب، يعني متى سمعتني قلت لك عليه فلان دم، المراد بالدم السن المجزئ فيه هو ما يجزئ في الأضحية، وهو إما جذع من الضأن الذي له ستة أشهر، لا يجزئ دونه، أو ثني المعز الذي له سنة، أو سبع البدنة أو البقرة.

إحنا رح نعرف إن شاء الله في باب الأضحية أنه إما إنك تضحي بشاة تكون جذع من الضأن أو ثني من المعز فصاعدًا، أو تضحي بسبع بدنة أو سبع بقرة، وتتشترك مع الآخرين؛ يعني مثلًا واحد يقول لك أنا بدي أضحي بسبع بدنة، بضحي بالسبع وبضحي مع ناس، كل واحد يضحي بسبع، فالأضحية يجوز فيها الاشتراك.

هذه الآن مش همه هنا، رح نأتي إن شاء الله بباب الأضحية نحدد أسنان البدن وأسنان البقر التي تجزئ في الأضحية، لكن إحنا الآن بدنا نصل الفكرة؛ لأن البدنة رح يجي معنا إنها خمس سنين والبقرة سنتين هي التي تجزئ في الأضحية، رح يتم تحديدها هناك؛ خمس سنوات بالنسبة للإبل، هي التي تجزئ في الأضحية، اللي هو بسموه ثني الإبل، والبقرة ثنيها سنتين.

عمومًا، متى ما قال عليك دم، الأصل إنه الدم هنا المراد به ما يجزئ في الأضحية: إذا كان من الشاة جذع من الضأن أو ثني من المعز، أو سبع بدنة أو سبع بقرة.

قال: فإذا ذبح إحداهما فأفضل، وتجب كلها. الآن ركزوا معي في قضية مهمة وهي الفرق بين الدم وبين الأضحية؛ لأنه هو صحيح في الأضحية يجوز إني أشترك مع جماعة في بدنة، مثلًا سبعة أشخاص يجوز أن يشتركوا في بدنة بالنسبة للأضحية، كل واحد له سبعها، ويجوز لسبعة أشخاص إنه يشتركوا في بقرة واحدة كل واحد له سبعها.

لكن في باب الدم الواجب، في باب الدم الفدية، ركزوا فيها شوي؛ صحيح أن الواجب عليك إذا ذبحت بدنة أو بقرة سبعها فقط، لكن لا يستطيع أحد أن يشترك معك في الباقي، فإذا اخترت أنك تريد سبع بدنة أو سبع بقرة، لازم تذبح كل البدنة لك أو تذبح كل البقرة لك، لذلك قال: «فإن ذبح إحداهما فأفضل وتجب كلها»، هذا فرق دقيق بين موضوع الأضحية وبين موضوع الفدية.

إذا قلنا دم في الفدية، متى قيل دم؟ إما شاة؛ جذع ضأن أو ثني معز، وهذا أقل شيء يجزئ، أقل من هيك ما ينفع في الأضحية. ولذلك في الفدية نفس الشيء، إذا قيل عليك دم في فدية من الفداء، فبقولك هو الدم مثل الأضحية؛ هو أعطاك قاعدة، لما يقولك دم في فدية، الدم تخرج فيه ما تخرج في الأضحية.

إيش أخرج في الأضحية؟ إما تخرج شاة، أقل شيء جذع من الضأن أو ثني من المعز، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة. هذا الذي يجزي في الأضحية، فكذلك الفدية. فكما أنه في الأضحية يجزي عني شاة جذع من الضأن أو ثني من المعز، أو يجزي عني سبع بدنة أو سبع بقرة، فكذلك إذا كان عليك فدية من الفداء، سواء فدية أذى واخترت أنك بدك تعطي دم، أو فدية على الترتيب، فليس هناك اختيار، الترتيب عليك دم. أو كانت مثلًا بالنسبة للحرم شجر أو حشيش وعليك دم، متى ما قيل دم، إيش بيطلع؟ إما تطلع الشاة جذع من الضأن أو ثني من المعز، أو عليك سبع بدنة أو سبع بقرة.

والشيخ مرعي يقول إنك في الدم تطلع من البدن أو البقر أفضل من أنك تطلع من الشياه، لذلك قال: «فإن ذبح إحداهما فأفضل»، يعني في الدم إذا إنسان ذبح بدنة أو بقرة أكيد أفضل وخير للفقراء وأحسن، وهذا متفق عليه.

لكن بقي هناك جزئية دقيقة جدًا فيها فرق بين الأضحية وبين الفدية. ما هي؟ أنه في الأضحية، إخواني، مش إحنا حكينا الواجب عليك يا شاة، يا سبع بدنة، يا سبع بقرة؟ الآن في الأضحية إذا أنا جبت بدنة، أنا عليّ سبعها، صح؟ يجوز أن غيري يشاركني فيها وكل واحد يكون له سبع منها، فالبدنة الواحدة تجزي عن أضحية سبعة أشخاص، والبقرة الواحدة تجزي عن أضحية سبعة أشخاص.

لكن في دم الفدية لا يختلف الأمر، في دم الفدية ركزوا فيها، أنت صح الواجب عليك سبع البدنة راح يظل هو الواجب عليك، الواجب عليك سبع البدنة أو سبع البقرة، لكن المذهب عندنا إذا اخترت تذبح بدنة أو بقرة، صحيح الواجب عليك بس سبعها، لكن الباقي لا ينفع أن يشاركك فيه غيره. فلو سبعة أشخاص كل واحد عليه فدية، قالوا: ما رأيكم نشترك في بدنة واحدة؟ لا ينفع. فإذا أنا عليّ سبع بدنة بسبب الفدية أو سبع بقرة بسبب الفدية، إذا ذبحتها وقررت أذبح البدنة أو البقرة، ما ينفع أشارك غيري فيها، لازم أتحملها كاملة.

وهنا نقول: يا شيخ كيف أنت حملته إياها كاملة مع أنه الواجب عليه سبعها فقط؟ نقول هو اختار، إحنا أولاً ما أجبرناه أنه يذبح البدنة أو البقرة، يجوز له أنه يذبح شاة، لكن إحنا الآن أعطيناه القاعدة: أنه إذا اخترت سبع البدنة وذبحت البدنة سيجب عليك أن توزعها كلها، ولا يجوز أن يشاركك غيرك فيها، وإذا اخترت سبع البقرة سيجب عليك جميعًا أن توزعها جميعها على الفقراء ولا يجوز لك أن تشارك غيرك فيها. قالوا هذا مثل أي كفارة على التخيير واختار الإنسان فيها الخيار الأصعب، الكفارات التي على التخيير يكون فيها نوع من التوزع، بتلاقي بعضها سهلة وبعضها صعبة، فإذا اختار الشخص الخيار الأصعب وهو لم يُجبر عليه بل اختاره بإرادته، فبنقول بيلزمك.

لو هو اختار الخيار الأسهل فهو حر أيضًا، هذا جائز لك في ذلك سعة، فإحنا نقول لمن يريد أن يفدي: أنت مخير بين شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة، بس بدك تعرف أنه سبع البدنة في حال أنك أردت تذبح البدنة، باقي البدنة سيجب عليك أنت أن تخرجها للمساكين ولا يجوز أن يشاركك فيها غيرك، وسبع البقرة إذا أردت أن تكفر به عن فديتك سيلزمك معه كل البقرة تبعًا، وعليك أن تطعم بها الفقراء والمساكين ولا يجوز أن يشاركك فيها غيرك.

فهذا فرق بين قضية الأضحية وبين قضية الدم الواجب بسبب الفدية. لذلك لما قال: «أو سبع بدنة أو بقرة فإذا ذبح إحداهما فأفضل وتجب كلها»، انظر الشيخ ابن عواد ماذا يعلق؟ قال: «ويجب كلها» أي كل البدنة أو البقرة لأنه اختار الأعلى لأداء فرضه، فكانت كلها واجبة.

إذا باختصار يا شيخ أنت تقول الواجب عليّ سبع البدنة أو سبع البقرة، لكن فعليًا واقعيًا لما أذبحها شو راح يصير؟ راح تصير كلها واجبة عليّ، هذا اللي راح يحدث فعليًا. يعني وابتداءً اللي بذمتك سبع بدنة، بس بمجرد أنك تذبح البدنة صارت كلها واجبة، أو الواجب عليك سبع بقرة لأنها هي التي تقابل الشاة، الشاة يقابلها السبع، بس بمجرد ما أنك قررت تذبح البقرة وجبت كلها، بخلاف الأضحية؛ في الأضحية صح الشاة مقابلها السبع، بس إذا أنت قررت تأخذ سبع من بدنة أو سبع من بقرة ينفع غيرك يشاركك، ففي الأضحية البقرة والبدنة تجزئ عن سبعة، بس في الفدية البقرة والبدنة لا تجزئ عن سبعة.

هذه هي باختصار، فإذا ذبح الإنسان بقرة أو بدنة، صح الواجب ابتداءً في ذمته كان السبع، لكن بما أنها انذبحت ولا يجوز المشاركة فيها، يلزمك أن تخرجها جميعها. المقصود أن الأجزاء الباقية لا يجوز أن يشاركهم فيها أحد، فبالتالي صار فعليًا يجب عليه أن يخرجها كلها للفقراء، كحكم عملي صارت كلها واجبة لما صار الذبح؛ فابتداءً ما كانت كلها واجبة، كان الواجب السبع، لكن لما صرنا في الأمر الواقع وانذبحت، بما أنه لا يجوز المشاركة فيها، فهي لله وبالتالي كلها يجب أن تُعطى للفقراء والمساكين عنك.

هذا كله إذا أطلقنا كلمة دم، لكن في بعض الفداء أو أنواع الفدية ما قلنا دم، حددنا نوعًا معينًا، هذا يسمونه الفدية المقيدة. في فدية ما قلنا فيها دم، حددنا فيها نوعًا معينًا، مثل البدنة بالنسبة للوطء قبل التحلل الأول، ما قلنا عليه دم، إيش قلنا؟ عليه بدنة، ولذلك يفرقون بين المطلق والمقيد.

أن يقول لك العلماء في الفدية دم، هذا يسمونه مطلقاً؛ إذا قال لك دم خلص، فإنه يجزئ شاة، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة. أما إذا حدد، فقال لك لا، هي فديتها ليست دماً، بل هي بدنة ونقية، فبالتالي يجب عليك إخراج بدنة.

ويجزئ عن البدنة، ما هو المذهب عندنا؟ البقرة، كما ذكرنا القاعدة قبل قليل. وإذا حدد فقال بقرة، أيضاً تجزئ البدنة، ولكن يجب عليك إخراج بقرة لأنه لم يقل دماً، بل قال بقرة. أين ذكرنا في الفدية أنه يجب عليه بقرة؟ مرت معنا في مسألة الحشيش والشجر، للشجرة الكبيرة في الحرم المكي، فيجب عليه بقرة، ولم يقل دماً؛ بالتالي تكون بقرة أو بدنة. وطبعاً يجزئ سبع شياه عن البقرة والبدنة، وهذا ما حكيناه قبل قليل.

فبدنا نفرق إذاً متى يقال في الفدية أنه عليه دم، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو بالنسبة للفدية التي على الترتيب أنه عليه دم فإن لم يجد فصيام عشرة أيام. ما المراد بالدم؟ هذه قاعدة؛ المراد بالدم شاة سنها بهذا السن، جذع ضأن أو ثني معز، أو سبع بدنة أو سبع بقرة، لكن إذا اختار أن يذبح سبع بدنة أو سبع بقرة ستجب كلها تبعاً.

وأما إذا تم في الفدية تحديد حيوان معين، بأن قيل عليه في هذه الفدية بدنة، وهذه فدية الوطء قبل التحلل الأول، فخلاص تجب البدنة؛ لا ينفع أن يخرج شاة، بل بدنة أو بقرة أو سبع شياه. وإذا قيل يجب عليه بقرة وتم التحديد، فإما بقرة أو بدنة أو سبع شياه. فهذا الفرق بين أن يقال عليه دم، وبين أن يحدد نوع الدم بالتحديد.

هكذا أحبابنا، بنكون أقفلنا ملف الفدية بهذا المكان، وسننتقل الآن ونعود إلى أجواء الحج والعمرة لنتعرف على الأركان والواجبات والسنن سريعاً بإذن الله. قال رحمه الله: «باب أركان الحج وواجباته».

الحج أحبابي له أركان، وله واجبات، وله سنن. والذي يبطله شيء واحد مر معنا، ما هو؟ الردة. ويفسده الوطء قبل التحلل الأول، أو المباشرة بالإنزال، أو تكرار النظر بإنزال. فبالنسبة للمبطلات والمفسدات فقد خلصنا منها وتكلمنا عنها سابقاً، فسيقتصر الآن على بيان ما هي الأركان، وما هي الواجبات، وما هي السنن.

فقال: أركان الحج أربعة. ما هي؟ واحد: الإحرام. إنك تحرم، هذا ركن. والإحرام للحج مثل تكبيرة الإحرام للصلاة؛ لن تدخل في الصلاة من دون تكبيرة إحرام، فكذلك لن تدخل في الحج إذا لم تحرم. إذًا الإحرام قال: «وهو مجرد النية». ولقد عرفته سابقاً أن الإحرام هو نية الدخول في النسك. فمن تركه، أي الذي لم يحرم، لم ينعقد حجه؛ كما لو أن الإنسان لم يكبر تكبيرة الإحرام، فهل ينفعه لو ركع وسجد وقام ونزل؟ لا ينفعه، لأنه لم يأتي بتكبيرة الإحرام. فكذلك من لم يأتي بإحرام الحج لا ينفعه لو وقف بعرفة وبات بمزدلفة وطلع على الجمار، لا ينفعه شيء لأنه لم يحرم. فإذًا الإحرام هو مجرد النية، أي نية الدخول في النسك، فمن تركه لم ينعقد حجه.

الركن الثاني: الوقوف بعرفة. ما هو وقت الوقوف بعرفة؟ هي مسألة مهمة. قال: «ووقته، الوقت المجزئ للوقوف بعرفة من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر». أربع وعشرون ساعة، هذا وقت الوقوف بعرفة عند الحنابلة؛ من طلوع فجر يوم عرفة حتى يطلع الفجر الثاني ليوم النحر، هذا كله وقت الوقوف بعرفة. فمن وقف لحظة واحدة خلال هذه الأربع وعشرين ساعة فقد أدى هذا الركن.

الآن توجد جزئيات ستأتي معنا تتعلق بالكيفية الكاملة لأداء هذا الركن، لكن هذه الكيفية ستكون واجبة وليست ركناً. نحن نقول: من وقف ولو لحظة واحدة وهو أهل لذلك خلال الأربع وعشرين ساعة فقد أدى هذا الركن، نعم. لذلك قال: «فمن حصل في هذا الوقت»، أي من وجد في هذا الوقت بعرفة لحظة واحدة، ولا نريد أكثر من ذلك لتحصيل الركنية. أما هو فالأصل في الإنسان أنه يجلس في عرفة ويذكر الله، لكن المراد لتحصيل الركنية هو من وجد في هذا الوقت بعرفة لحظة واحدة وهو أهل.

سنعرف الآن من هو الذي ليس بأهل. قال: «وهو أهل»، ولو ماراً؛ تصوروا شخصاً طلع على عرفة مروراً وظل نازلاً إلى مزدلفة ولم يقف، أجزأه الوقوف بعرفة ولو مروراً. أو نائماً؛ يعني طلع أخونا طوال يوم عرفة، أربع وعشرين ساعة نائماً في عرفة، لم يستيقظ ساعة واحدة، هل ينفع؟ نعم ينفع، رغم أنه نقص طبعاً، لكن هل يجزئ في أداء الركن؟ نعم. فلو أن شخصاً مثلاً نام في الليل وحمله أصحابه في السيارة ووضعوه معهم في عرفة، وظل نائماً أربع وعشرين ساعة ولم يصح إلا يوم العيد، هل أجزأ عنه ذلك الركن؟ نعم، النائم يجزئ عنه.

كذلك لو كان حائضاً، هل يؤثر ذلك على ركنية الوقوف بعرفة؟ كلا. أو جاهلاً أنها عرفة؛ أي شخص واقف في مكان يظنه ليس عرفة، أو لا يدري أنه واقف بعرفة أم لا، وبعد أن نزل وخلص يوم عرفة أخبره أصحابه بأنه كان في عرفة، فقال: والله ما كنت أعرف أنها عرفة، هل يجزئ الوقوف إذا كان جاهلاً وهو في عرفة؟ نعم، لا حرج في ذلك. فإذاً الوقوف بعرفة يجزئ لمن كان أهلاً، سواء مر بها مروراً، أو كان نائماً طوال الوقت، أو كانت المرأة حائضاً، أو كان جاهلاً أنه بعرفة فوقف بها وهو جاهل.

قال: «صح حجه، وأدى هذا الركن». والآن يريد أن يبين من هو الذي ليس أهلاً للوقوف؛ قال: «لا إن كان سكراناً أو مجنوناً أو مغمى عليه». هؤلاء الثلاثة مروا معنا سابقاً في باب الإحرام، وقلنا لا يصح إحرامهم، وهي أول مشكلة فيهم. فلو أحرم إنسان وهو سكران أو مجنون أو مغمى عليه لا يصح إحرامه. أما إذا كان الإنسان -والحمد لله- قد أحرم بكل قواه العقلية، ولكن خلال يوم عرفة أربع وعشرين ساعة جاءته نوبة جنون...

أو أغمي عليه طوال يوم عرفة، أو كان سكران طوال يوم عرفة، هذا لا يصح وقوفه بعرفة. هو لو استيقظ لحظة واحدة أجزأه، لكن إذا كان طوال اليوم سكران أو مجنون أو مغمى عليه لا يجزئه الوقوف بعرفة.

ماذا سيطبق عليه في هذه الحالة؟ إذا كان الشيخ هذا قد أحرم، فإحرامه صحيح، لكن جن طوال اليوم أو أغمي عليه طوال اليوم أو سكر طوال اليوم، هذا ماذا سيطبق عليه من أحكام برأيكم؟ شخص أحرم إحرامًا صحيحًا والحمد لله أدى كل ما عليه، ثم جاء يوم عرفة وكان كلياته مجنونًا أو سكرانًا أو مغمى عليه، وخلص يوم عرفة وهو كذلك.

ما هي الأحكام الآن التي ستتعلق به؟ الآن خلص ركن الوقوف بعرفة ما أداه، فستطبق عليه أحكام الفوات. سنطبق عليه أحكام الفوات التي سنتعلمها، وهو من أتى عليه فجر يوم النحر وهو لم يحقق الوقوف بعرفة، إما لأنه لم يصل لعرفة، وإما وصل لكن كان في حال من الأحوال لا عبرة بوقوفها. فإذا استيقظ صاحبنا في يوم النحر من إغماءته، نقول له سنطبق عليك أحكام الفوات.

ما هي أحكام الفوات؟ هذا إن شاء الله في الفصل القادم. إذاً اكتبوا: السكران والمجنون والمغمى عليه لا يجزئ وقوفهم بعرفة إذا لم يفيقوا طوال اليوم، أما إذا أفاقوا ولو لحظة أجزأهم، وإذا طوال اليوم ما أفاقوا وخرج يوم عرفة وهم لم يفيقوا بعد فسنطبق عليهم أحكام الفوات، أي من فاته الوقوف بعرفة حتى طلع عليه فجر يوم النحر.

ثم قال: «ولو وقف الناس كلهم». شوفوا هذه المسألة؛ لو وقف الناس كلهم، أو كلهم إلا قليلاً، في اليوم الثامن أو العاشر، في اليوم الثامن من ذي الحجة أو العاشر من ذي الحجة خطأً، أجزأهم.

الآن أحبابي، نريد أن نتخيل هذه المسألة؛ أقول لك لو أن الناس أخطأوا في تحديد شهر ذي الحجة، وبسبب هذا الخطأ لم يقفوا حقيقةً في اليوم التاسع على جبل عرفات، وإنما وقفوا على جبل عرفات في اليوم إما الثامن أو العاشر، يعني يا قدموا يومًا يا أخروا يومًا بناءً على أنهم حددوا شهر ذي الحجة خطأً، فهم إذاً وقفوا في جبل عرفات في الواقع ليس في اليوم التاسع، إما في اليوم الثامن أو في اليوم العاشر خطأً. هل يجزئهم هذا أم لا يجزئهم؟

المذهب عندنا إذا كان الذين وقفوا هم كل الناس أو كلهم إلا قليلاً، في كلا المسألتين يجزئهم الوقوف بعرفة وإن كان وقت الوقوف خطأ، لأن وقت الوقوف يبدأ من فجر اليوم التاسع وينتهي بفجر يوم النحر في اليوم العاشر، وهؤلاء الجماعة وقفوا في اليوم الثامن أصلاً، أو وقفوا في اليوم العاشر خطأً بسبب أخطائهم في تحديد شهر ذي الحجة. فإذا وقف جميع الناس في اليوم الثامن أو العاشر خطأً منهم، أو وقف 90% من الناس في اليوم الثامن أو العاشر خطأً منهم في التحديد، يجزئهم هذا الوقوف، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى وسعة هذه الشريعة.

أما إن وقف أكثر الناس في اليوم الصحيح، وبعض الناس -قلة هم الذين أخطأوا- فوقفوا في الثامن أو في العاشر، فهذا لا يجزئهم الوقوف بعرفة، وسنطبق عليهم أحكام الفوات، لأنه فاتهم الوقوف بعرفة في وقته الصحيح. وضعت عندك الأمور؟ إذا كل الناس أو كلهم إلا قليلاً هم الذين أخطأوا نمشيها، أما إذا أكل جل الناس، جل الناس أصاب وطائفة محدودة -يعني 3000 أو 4000 أو 5000 حاج- هم الذين أخطأوا فوقفوا في اليوم الثامن أو العاشر، لا هنا لا يقبل ولا يجزئهم، وسنطبق عليهم أحكام الفوات أيضًا.

إذاً هذا هو الركن الثاني من أركان الحج، وهو الوقوف بعرفة. نذهب للركن الثالث، ما هو الركن الثالث؟ قال: طواف الإفاضة. طواف الإفاضة الآن ركزوا معي، هذا طبعاً يكون بعد الوقوف بعرفة، وسنعرف إن شاء الله أن وقته يبدأ من منتصف ليلة النحر لمن وقف. لاحظ ماذا قال: طواف الإفاضة هذا متى يكون؟ بعد الوقوف بعرفة، لازم يتحقق الوقوف بعرفة، بعد ذلك يأتي طواف الإفاضة أو موعده أو الإذن فيه.

طواف الإفاضة ركن لازم يأتي به، ومتى يبدأ موعده بالتحديد؟ أول وقت يجوز فيه أن أطوف طواف الإفاضة يبدأ من نصف ليلة النحر. عندما نأتي لمنتصف الليل من ليلة النحر وكنت قد وقفت بعرفة، لأنه ممكن شخص يكون جاء منتصف الليل ولسه ما وقف بعرفة، كان مشغولًا أو من القوات الأمنية التي شغلها يصلح أو عنده ظرف ما استطاع الوقوف بعرفة إلا قبيل الفجر بقليل، هذا نقول له ما ينفع تطوف طواف الإفاضة حتى تذهب وتقف بعرفة حتى ولو ليلًا، فعرفة يجوز أن تقف فيها ليلًا.

فنحن نتكلم عن شخص استطاع أن يقف بعرفة، خلص الأمر هذا، ودخل عليه منتصف الليل بهذين القيدين؛ أنهى الوقوف بعرفة ودخل عليه منتصف الليل، نقول له الآن يباح لك ويجوز لك أن تذهب وتطوف طواف الإفاضة. طواف الإفاضة أحبابي يلزم جميع أنواع الحج: المتمتع، والقارن، والمفرد. اكتبوا هذا: الطواف يلزم الجميع، المتمتع والقارن والمفرد، فهؤلاء جميعًا بعدما ينهون الوقوف بعرفة عليهم في ذمتهم طواف ركن اسمه طواف الإفاضة.

وقت الجواز، أي الوقت الذي يؤذن لهم فيه بالطواف، يبدأ من نصف ليلة النحر إذا كانوا قد أنهوا الوقوف بعرفة بهذين القيدين؛ أي أول وقت هو من نصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبل ذلك، وإلا فبعد الوقوف. وإذا جاء عليه نصف الليل وهو لسه ما وقف بعرفة نقول له لا ينفع تطوف، لازم تذهب تقف بعرفة، الآن بعد ذلك نأذن لك أن تطوف.

طواف الإفاضة أحبائي ليس له وقت ينتهي فيه، طواف الإفاضة يبقى في ذمتك طوال العمر. يوم عرفة له بداية ونهاية، أما طواف الإفاضة فله بداية بس ليس له نهاية. ما معنى ليس له نهاية؟ يعني لا نقول لك خلص وينتهي وقته باليوم الثالث عشر من ذي الحجة، لا، طواف الإفاضة لو انتهت ذي الحجة كلها وانتهى شهر محرم كله، يجب أن تؤديه، ولا تتحلل من حجتك حتى تؤديه. فطواف الإفاضة لا نهاية لوقته، ويبقى في ذمتك طوال العمر، ولا تستطيع أن تتحلل التحلل الكامل حتى تؤديه، فممكن تتحلل التحلل الأول بالحلق والرمي، بس التحلل الثاني الكامل لا يستطيع أن يفعله حتى يطوف طواف الإفاضة.

وضح الكلام لذلك ولا حد لآخره. بس استفسار: لو رجع إلى بلده، هل هو في تحلل أول إذا كان حلق ورمى؟ هذه الحالة ماذا نقول فيها؟ ارجع، ارجع، عادي ليس من الضروري أن تنتظر للسنة القادمة، ارجع مباشرة؛ لأنه في ذمته يريد أن يخلص من هذا الركن وإلا سيبقى في ذمته.

الركن الرابع والأخير من أركان الحج هو السعي بين الصفا والمروة، والآن هذا فيه تفصيل. أحبابي، السعي بين الصفا والمروة بالنسبة للمتمتع عليه سعيان ركنان: سعي في عمرة التمتع، وسعي في الحج بعد طواف الإفاضة. أما بالنسبة للقارن والمفرد، فهؤلاء عليهم سعي واحد.

هذا السعي الواحد إما أن يؤدوه أول ما يدخلوا مكة بعد طواف القدوم، كما أشرنا في دروس سابقة، وإما أن يؤخروا هذا السعي حتى يفعلوه بعد طواف الإفاضة. إذن القارن والمفرد السعي الذي عليهم واحد فقط؛ إما أن يفعله بعد طواف القدوم أول ما يأتي، يطوف طواف القدوم ويسعى، وإما أن يفعله بعد طواف الإفاضة.

يقول: أنا خلاص أريد أن أطوف طواف القدوم، وهي سنة لي أصلاً. عفواً، المفرد والقارن ليس عليهم عمرة أول ما يأتون، فطواف القدوم هو سنة في حقهم من باب تحية المسجد الحرام كما سيأتي معنا أنه سنة، وبعده يمكن أن يسعوا بالسعي الركن، ويمكن أن يؤخروا السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة.

إذن الرابع السعي بين الصفا والمروة وعرفنا التفصيل الذي فيه. هذا بالنسبة للأركان، إذن ما هي الأركان؟ أربعة: الإحرام، الوقوف بعرفة، طواف الإفاضة، والسعي على التفصيل الذي ذكرناه. الآن سننتقل للواجبات، وسنعرف -إن شاء الله- أن الفرق بين الركن والواجب هو أن الركن لا يصح الحج حتى تأتي به، فلا مجال فيه، ولا يجبر بشيء.

الواجب هو الذي يجبر، وقد مر معنا في الفدية، ألم نقل أن الفدية المرتبة هي فدية ترك واجب؟ فالواجب في الحج مثل الواجب في الصلاة؛ الواجب في الصلاة يمكن أن يجبر بسجود السهو، صح؟ لكن الركن في الصلاة هل يمكن أن يجبر بسجود السهو؟ لا، لا بد أن تأتي به. كذلك هنا، الواجب في الحج يمكن أن يجبر بالدم، لكن الركن في الحج لا يجبر بالدم. فلا ينفع أن تجبر الإحرام بالدم، ولا ينفع أن تجبر الوقوف بعرفة بالدم، ولا ينفع أن تجبر طواف الإفاضة بالدم، ولا ينفع أن تجبر السعي بين الصفا والمروة بالدم.

خلونا نعرف الواجبات. قال: والواجب سبعة. الإحرام من الميقات، هذا أول واجب. الآن أحبابي ركزوا معي، الإحرام كإحرام ركن، لكن أن يكون من الميقات واجب. لأن البعض يقول لك: يا شيخ، ليس الإحرام كركن كيف صار الآن واجباً؟ لا، يجب أن تفرق؛ هنا يقصد مسألة أخرى. الإحرام كإحرام ركن، وأنت ممكن تفعله قبل الميقات، وممكن تفعله في الميقات، وممكن تفعله بعد الميقات، ولكن الواجب فيه أن تفعله من الميقات، ويكره قبله.

أما إذا تجاوزت الميقات وأنت لم تحرم بعد -كما ذكرنا في الدروس السابقة- فبنقول لك: ارجع لتحرم من الميقات. فإذا لم ترضَ وأحرمت بعد الميقات، فكإحرام ركن قد أديته، لكنك تركت الواجب وهو أن يكون من الميقات، فعليك دم. وهذه فصلتها سابقاً؛ قلت من تجاوز الميقات ولم يحرم بعد، نقول له ارجع للميقات وأحرم منه، لا مشكلة، لكن إذا تجاوز وأحرم، انتهى الأمر وعليه الدم؛ لأنه ترك الواجب ولا يستطيع الآن أن يتفادى.

إذا تجاوز الميقات وأحرم بعده انتهى الأمر، حتى لو رجع للميقات بعد ذلك عليه دم. فإذاً الإحرام ركن، وأن يكون من الميقات واجب. ويلزم الرجوع إن لم يكن قد أحرم لكي يؤدي الواجب.

الواجب الثاني هو الوقوف بعرفة. الشيخ يختصر ويقول: الوقوف؛ لأن في عرف الفقهاء المراد بالوقوف في الحج إذا أطلق "عرفة" هو الوقوف بعرفة إلى الغروب لمن وقف نهاراً. والعبارة الأدق في الحقيقة أن يقال: الوقوف بعرفة جزء من الليل لمن وقف نهاراً. عبارة الشيخ مرعي عليها اعتراض لأنه كأنه يلزمك أن تقف إلى الغروب، وفي الحقيقة ليس هذا هو الواجب.

الواجب باختصار -وهكذا يقول الحنابلة، ركزوا معي حتى تفهموها بسرعة- هو الوقوف بعرفة؛ فمن وقف بعرفة ليلاً فليس في حاجته أن يكون قد وقف نهاراً، لكن العكس، من وقف بعرفة نهاراً يلزمه أن يقف جزءاً من الليل. فعرفة يجب أن تقف فيها ليلاً وجوباً.

فإما أن تقف فيها ليلاً فقط، فإذا وقفت ليلاً فقط فقد فعلت الواجب. وإما أن تكون وقفت نهاراً، فإذا وقفت نهاراً نقول: لسه لم تؤد الواجب. انظروا، كركنيّة، إذا وقفت نهاراً ولم تقف ليلاً، فقد فعلت ركن الوقوف بعرفة، ولكن بقي عليك الواجب، وهو أن تكمل جزءاً من الليل ولو لحظة من الليل.

فإذا وقفت بعرفة نهاراً، نقول عليك أن تقف أيضاً ليلاً من باب الوجوب وليس من باب الركنية. من وقف بعرفة نهاراً فقد أدى ركن الحج، لكن نقول بقي عليك أن تؤدي الواجب، وهو أن تجمع بعد النهار جزءاً من الليل ولو لحظة. إذا لم تأتِ بجزء من الليل، كأن وقفت بعرفة الساعة الثانية عشرة ظهراً ووجدت الشخص نازلاً على مزدلفة وقد خرج من عرفة في النهار؛ هنا هل أدى ركن الوقوف؟ نقول نعم أدى ركن الوقوف، ولكن هل أدى الواجب؟ لا، لأن الواجب هو الجمع بين النهار والليل.

ولو وقف الساعة الثانية عشرة ظهراً بعرفة ونزل وذهب إلى مزدلفة قبل غروب الشمس، هل يمكن أن يتدارك الخطأ الذي عمله؟ نعم، يمكن أن يتدارك؛ يرجع، حتى لو الدنيا ليلت وهو لم يرجع، نقول له ارجع الساعة الثانية عشرة ليلاً أو الواحدة أو الثانية، يمكنه أن يرجع في أي وقت. لذلك أنا اعترضت على عبارة الشيخ مرعي لما قال: والوقوف إلى الغروب، ففي الحقيقة ليس الواجب الوقوف إلى الغروب.

السنة أن تقف للغروب، لا، الواجب هو هكذا العبارة الدقيقة: أن تقف، إذا وقفت نهارًا، أن تقف جزءًا من الليل.

الآن نعتبر هذا جبل عرفة، ممتاز أحبابي؟ الساعة 12 ظهرًا كان هناك إنسان واقف هنا. وعلى العصر قبل غروب الشمس، المهم صاحبنا نزل من عرفة وراح على مزدلفة. الآن ركن الحج أداه؛ لأنه في يوم عرفة خلال الـ 24 ساعة كان هنا، فالساعة 12 الظهر كان في عرفة. لكن وين الخطأ؟ إنه ترك الواجب. إنه الأصل ينتظر حتى يدرك غروب الشمس هنا ليدرك جزءًا من الليل في عرفة.

هو صاحبنا نزل على مزدلفة، بنقوله: لسه، أنت لسه ما ترتب عليك دم، تقدر ترجع تأدي الواجب. رجع على مزدلفة، بنحكي معه تليفون في أي ساعة من الليل أو من النهار، بنقوله: يا ابن الحلال لا بد ترجع لعرفة حتى تجمع بين النهار والليل. فمثلاً على الساعة 12 ليلاً عرف هذا الإنسان وهو في مزدلفة أنه عليه أن يمكث في عرفة أيضًا جزءًا من الليل، فيستطيع أن يتدارك ويرجع لعرفة حتى الساعة 12 ليلاً.

باختصار مش لازم وقت الغروب يكون في عرفة. هي العبارة عند الشيخ مرعي توهمك أنه يجب عند الغروب تكون في عرفة، وليس هذا هو الواجب؛ هذا السني. الواجب أنك تقف بعرفة، إذا وقفت نهارًا أن تقف نهارًا وجزءًا من الليل، أي جزء من الليل. فحتى لو خرجت من عرفة أثناء النهار، ولو وقفت وخرجت من عرفة أثناء النهار والساعة 12 أو 1 أو 2 بالليل رجعت لعرفة، يصح وأديت الواجب. أنت صح، وأخطأت أنك نزلت بدري وأنك تركت السني.

النبي ﷺ ظل واقفًا في عرفة للغروب، بعد الغروب نزل، فجمع بين النهار والليل بشكل متصل. الآن إذا هو أثناء النهار نزل على مزدلفة بنقوله: لسه معك مجال ترجع، ارجع لعرفة، الساعة 1، 2، 3، 4 بالليل، المهم ما يطلع عليك الفجر الثاني إلا وقد عدت إلى عرفة ليلاً ولو لحظة واحدة.

إذا هو نزل من عرفة 12 الظهر وبقي في مزدلفة طوال الليل، بنقوله: ركن الحج أديته لكنك تركت واجبًا. طلعت عليك فجر يوم النحر وأنت لم تجمع بين النهار والليل في عرفة. أما إذا هو أصلاً -ركزوا معي- ما وقف في عرفة نهارًا، هو صاحبنا أصلاً وقف في عرفة 12 ليلاً وما وقف في النهار، هذا ما عليه إثم، أدى الفرض والواجب.

فإذاً بدي إياكم تركزوا في هذه القضية: من وقف بعرفة ليلاً أدى الواجب والركن. ومن وقف بعرفة نهارًا أدى الركن، لكن حتى يؤدي الواجب يجب أن يقف جزءًا من الليل، مش يجب أن يقف للغروب؛ لأن هذا الانتقاد على عبارة الشيخ مرعي، ماذا قال؟ "الوقوف إلى الغروب"، لا، مش صح، مش هيك الموضوع. الواجب هو أن تقف جزءًا من الليل إذا وقفت نهارًا.

هيك الواجب، إذا وقفت نهارًا، أن تقف جزءًا من الليل، سواء كان هذا الليل هو عند الغروب، ولا الساعة 10 بالليل، ولا الساعة 12 بالليل، ولا الساعة 1 بالليل. هذا هو الواجب، فعبارة الشيخ مرعي في الحقيقة لا تعبر عن هذا، توهم أن الواجب هو أن يبقى الإنسان واقفًا في عرفة إلى الغروب، بنقول هذا سنة، الوقوف للغروب. الواجب هو أن يجمع معه جزءًا من الليل، أي جزء من الليل كان، مش الغروب بحد ذاته. وهذا الانتقاد وجهه الشيخ عثمان النجدي لعبارة الشيخ مرعي، أنه عبارتك مش دقيقة في إيصال الفكرة.

فهمتم أحبابي الفكرة؟ إذاً "الوقوف إلى الغروب لمن وقف نهارًا" قيدها، طبعًا إحنا عدلنا العبارة وقلنا: "الوقوف جزءًا من الليل لمن وقف نهارًا"، هي العبارة الدقيقة. أما من وقف ابتداء في الليل أصلاً في عرفة، فهذا يعني فعل الواجب والركن وأنهى الأمر.

نذهب إلى الثالث، قالوا: «والمبيت ليلة النحر بمزدلفة إلى بعد نصف الليل». الواجب الثالث أحبائي أن يبيت الحاج في مزدلفة ليلة النحر، يعني ليلة عيد الأضحى. بعد ما يخلص من عرفة وين بينزلوا الحجاج؟ على مزدلفة، صح؟ لازم الحاج على سبيل الوجوب لابد أن يبيت ليلة النحر بمزدلفة. طيب، لازم يبيتها كلها يا شيخ؟ لا، الواجب أن تبيت إلى ما بعد منتصف الليل، بعد منتصف الليل بدك تمشي، الحنابلة يقولون يجوز لك أن تمشي. ولذلك إحنا أصلاً قلنا: متى طواف الإفاضة يبدأ؟ مش قلنا بعد منتصف الليل لمن كان وقف بعرفة؟ فشخص وقف بعرفة وبات بمزدلفة إلى ما بعد منتصف الليل، بيقدر يمشي يطوف طواف الإفاضة، وبيقدر يمشي أيضًا يرمي الجمار.

ننتقل للنقطة التي تليها، الواجب الرابع، قالوا: «والمبيت بمنى في ليالي التشريق». من واجبات الحج أيضًا إخواني أن يبيت الحاج في منى ليالي التشريق الثلاث، إلا إذا أحب أن يعجل فيبيت ليلتين، لأن الحجاج إما أن يعجل وإما أن يؤخر؛ فإذن إذا أراد أن يعجل فإنه يبيت ليلتين، وإذا أراد أن يؤخر فعليه أن يبيت ثلاث ليال. المبيت بمنى ليالي التشريق، وهل يجب أن يبيت كامل الليلة في منى؟ أيضًا لا يجب أن يبيت كامل الليلة، يكفي أن يبيت إلى ما بعد منتصف الليل. شخص دخل عند الغروب بنقول له: بيت إلى ما بعد منتصف الليل، فكل ليلة من ليالي منى المطلوب منك أن تبيت أكثر من منتصف الليلة.

ثم قال: «ورمي الجمار مرتبًا». هذا الواجب الذي يليه، يجب أن ترمي الجمار، هذا لحاله واجب، ويجب أن يكون الرمي مرتبًا. في الحقيقة هذا يمكن أن نقسمه إلى واجبين لكن هو جعله واجبًا واحدًا: أن ترمي الجمار هذا واجب، وأن ترمى على الترتيب هذا واجب أيضًا، فإذا رميت الجمار ليس على الترتيب لا يجزئك ذلك.

ما هي الجمار؟ أول جمرة إخواني تبدأ هي جمرة العقبة الكبرى. هذه الجمرة عادة الحجاج والسنة أن يرموها عند وقت شروق الشمس، يرمونها عند طلوع الشمس، لكن هذه الجمرة، جمرة العقبة الكبرى، يجوز أن يبدأ الحاج رميها من بعد منتصف الليل من ليلة النحر أيضًا، فيبدأ وقتها من نفس الوقت الذي يبدأ به طواف الإفاضة؛ مش أنا حكينا طواف الإفاضة يبدأ من بعد منتصف ليلة النحر؟

وكذلك رمي جمرة العقبة الكبرى، التي هي أول جمرة ترمى بسبع حصيات. يبدأ وقت رميها، أو جواز الرمي عند الحنابلة، من بعد منتصف الليل من ليلة النحر، زيها زي طواف الإفاضة. فإذا شخص بات في مزدلفة إلى ما بعد منتصف الليل، بيقدر عندنا يروح يطوف طواف الإفاضة، وبيقدر عندنا يروح يرمي جمرة العقبة الكبرى، التي هي أول جمرة ترمى بسبع حصيات.

جمرة العقبة الكبرى، أنا طبعًا سأذكر بعض الأحكام لأنه الشيخ لم يتطرق إليها بتاتًا، لكن حتى أفيد الطالب. إذًا عرفنا جمرة العقبة الكبرى يبدأ وقت رميها من بعد منتصف الليل، وإن كان السنة أن ترمى عند طلوع الشمس. إذا الحاج لم يرم جمرة العقبة الكبرى عند طلوع الشمس، ولا بعد منتصف الليل، بنقول له معك ترميها حتى غروب الشمس من يوم العيد.

إذا غربت شمس يوم العيد لا يجوز أن ترمي جمرة العقبة الكبرى ليلًا، بل يؤجلها إلى بعد الزوال من اليوم التالي، يعني وقت الظهر، إلى بعد الزوال من اليوم التالي، إلى وقت الظهر من اليوم التالي، ويرميها مع الجمرات الثلاث لليوم الأول من أيام التشريق.

الآن جمرات أيام التشريق أحبائي، هذه ترمى كل يوم من بعد الزوال إلى غروب الشمس، هذا فقط وقت رميها، ولا يجوز أن ترمى الجمرات في أيام التشريق ليلًا إلا للرعاة والسقاة. فهؤلاء استثني لهم؛ رعاة الغنم ورعاة الإبل، هؤلاء والسقاة استثني لهم استثناءً أن يرموا الجمرات ليلًا.

أما عموم الناس، فجمرات أيام التشريق، الآن أيام التشريق إيش عندنا جمرات؟ عندنا صغرى، وسطى، كبرى. وفي اليوم الثاني من أيام التشريق عندنا صغرى، وسطى، كبرى. وإذا حب يقعد لليوم الثالث، برضه بده يكون عليه صغرى، وسطى، كبرى. الآن لازم الترتيب، لازم الترتيب؛ ما بيصير يرمي الكبرى قبل الصغرى، وما بيصير يرمي الوسطى قبل الصغرى، وما بيصير يرمي الكبرى قبل الوسطى. فالآن عندنا هذه الصغرى مثلا، وهذه الوسطى، وهذه الكبرى.

الآن التي ترمى يوم العيد، أول جمرة ترمى هي جمرة العقبة الكبرى، هيك بسموها، هذه أول جمرة ترمى. فالحجاج يوم بعد ما يخلصوا من عرفة بيروحوا على جمرة العقبة الكبرى، آخر وحدة بيرموها، صح؟ هذه ترمى زي ما حكينا، العادة والسنة أن ترمى عند طلوع الشمس، لكن يجوز أن ترمى من بعد منتصف الليل. إذا ما رماها، بنعطيه مجال حتى غروب الشمس، بنقوله معك بعد الظهر، بعد العصر للغروب. إذا غربت الشمس ولسه ما رماها، بنقول وقف، ما ترمي بالليل. أجل الرمي إلى وقت الظهيرة من اليوم التالي، الذي هو بيكون أول يوم من أيام التشريق.

الآن نعتبر أنه رمى جمرة العقبة الكبرى، ممتاز. الآن أول يوم من أيام التشريق، بده الحاج يرمي الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، بده يمشي على هذا الترتيب. في أول يوم من أيام التشريق وثاني يوم، وإذا قعد ثالث يوم، بده يمشي على هذا الترتيب. فلا بد من الترتيب.

الجمرات في أيام التشريق، متى ترمى؟ لها وقت بداية ونهاية؛ في كل يوم من أيام التشريق معك ترمي من الزوال لغروب الشمس فقط. إذا ما رمى يا شيخ؟ بنقوله، هل يجوز تأخير الرمي إلى اليوم التالي؟ نعم. إذا ما رمى في أول يوم من أيام التشريق، بنقوله أجلهم لبعض الظهر من اليوم الثاني، فبترمي في اليوم الثاني من أيام التشريق جمرات اليوم الأول بالترتيب: صغرى، وسطى، كبرى، بعدين بترجع بترمي جمرات اليوم الثاني من جديد: صغرى، وسطى، كبرى.

بعض الناس بيفكر بيقول خلص برمي صغرى مرتين، برمي وسطى مرتين، برمي كبرى مرتين، لا لا ما ينفع. لذلك الشيخ مرعي إيش قال؟ «ورمي الجمار مرتبًا». الآن أحبائي شوفوا، الحنابلة عندهم مرونة في وقت الرمي حقيقة. يعني هل تعلم عند الحنابلة يجوز إنك ترمي كل الجمار بدءًا من جمرة العقبة الكبرى التي هي تبعت يوم النحر إلى جمرات أيام التشريق بتقدر ترميها في يوم واحد. كلما أخرت نعطيك مجال تتأخر بس المهم إنه ما تنتهي أيام التشريق وأنت ما رميت. إذا انتهت أيام التشريق وأنت ما رميت بتكون تركت الواجب فعليك دم.

فإحنا بنعطيك طوال أيام التشريق إنك ترمي بس في الأوقات المحددة، فعندك كل يوم من أيام التشريق مجال إنك ترمي من الزوال إلى غروب الشمس فقط. ما بيصير ترمي ليل، واستثنوا طبعًا السقاة والرعاة، هذول على جنب بيصيروا يرموا ليلًا، وأما عموم الناس معهم من الزوال للغروب.

فمثلًا كما قلنا شخص لم يرمِ الصغرى والوسطى والكبرى في أول يوم من أيام التشريق من الزوال للغروب، بنقول أجلها لليوم الثاني بيصير، بس في اليوم الثاني من الزوال للغروب بدك ترمي، وبدك تحافظ على الترتيب؛ ترمي الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، ثم تعود مرة أخرى ترمي الصغرى والوسطى ثم الكبرى. طيب في اليوم الثاني ما طلع برضه، ما رمى، بنقول له اليوم الثالث، بس اليوم الثالث ثلاث مشاوير: صغرى، وسطى، كبرى، بترجع صغرى، وسطى، كبرى، بترجع صغرى، وسطى، كبرى.

وإذا كان صاحبنا حتى جمرة العقبة الكبرى التي هي أول وحدة في أول يوم تبعت يوم النحر ما رماها، بده أول شيء يرمي جمرة، بيروح مشوار على جمرة العقبة الكبرى خصوصًا بيرميها، ممكن يرميها ثالث أيام التشريق في سعة، الحمد لله. بيروح على جمرة العقبة الكبرى بيرميها، بعدين بيرجع على الصغرى والوسطى والكبرى، بيعتبر هي بنية إنه هي أول يوم، بعدين بيرجع مشوار ثاني صغرى، وسطى، كبرى هي نية ثاني يوم، بعدين بيرجع مشوار ثالث صغرى، وسطى، كبرى على نية ثالث يوم.

فمهما أخرت بدك تحافظ على الترتيب الزمني. يعني إحنا بنعطيك مجال تتأخر إلى ثالث أيام التشريق، بس بدك تحافظ على إيش؟ على الترتيب. أول شيء جمرة العقبة الكبرى هي أول شيء، بعدين بنيجي على ترتيب الأيام: صغرى، وسطى، كبرى، بعدين اليوم الثاني صغرى، وسطى، كبرى، وإذا كملت يوم ثالث صغرى، وسطى، كبرى.

طبعًا إذا هو قرر أن يعجل اليوم الثالث، يعني ما بده يجلس لليوم الثالث من أيام التشريق، وأنتم تعلمون الحاج إما أن يعجل كما أخبر تعالى فيجلس اليوم الأول والثاني فقط وإما أن يؤجل، فيجلس الأول والثاني والثالث. إذا قرر أن يعجل فقط بده يجلس اليوم الأول والثاني من أيام التشريق ولا يريد أن يجلس الثالث، يجوز؟ يجوز وتسقط جماراه، لا ما بيعوضها، وإحنا سامحناه فيه، يعني تسقط الجمار اليوم الثالث ويسقط المبيت، ما في داعي إنه يعوضها.

إذا أسقطنا اليوم الثالث، أسقطنا مبيته وأسقطنا جماراه. أما إذا قرر أن يبيت، فلا بد أن يبيت. إذا قرر أن يؤجل ويقعد ثلاث أيام، فإنه يحقق المبيت في اليوم الثالث، ويحقق رمي الجمار له. إذًا قضية رمي الجمار مرتبة. ربما هنا، الشيخ مرعي شعرت أنه اختصر كثيرًا في الأحكام، ولأن الكتاب أراد ألا يسرف في التفاصيل، وإلا فالتفاصيل حقيقة طويلة في قضية الجمار.

قال: «والحلق أو التقصير». الواجب الذي يليه الحلق أو التقصير، فالحاج عليه أن يحلق أو يقصر كحد أدنى، وهذا واجب من الواجبات. وأخيرًا طواف الوداع.

ثم قال: الآن أحبابي، الحمد لله، هذه واجبات الحج. طبعًا الحلق أو التقصير هذا واجب، وهو أحد الأمور الثلاثة التي يحصل بها التحلل الأول بالنسبة للحاج، أليس كذلك؟ التحلل الأول للحاج كيف يحصل؟ باثنين من ثلاثة: رمي جمرة العقبة الكبرى، وطواف الإفاضة، والحلق أو التقصير؛ فإذا فعلت اثنين من ثلاثة أنت حققت التحلل الأول.

بالنسبة لطواف الوداع أيضًا هذا واجب. سمي وداعًا لأنك تودع به البيت، وطبعًا هذا يكون لمن ليس من أهل مكة، أما الحاج الذي من أهل مكة فلا يلزمه طواف الوداع. فطواف الوداع هذا شيء مستقل خارج أمور الحج، وإنما يلزم لمن كان من غير أهل مكة. طبعًا في أحكام كثيرة تتعلق بطواف الوداع، لكن الآن سأقتصر على ما ذكره الشيخ مرعي.

ويسقط طواف الوداع أيضًا إذا سقط عن المكي، لأنه لا يريد أن يغادر مكة، فيقول: أنا من سكان الحرم، لن أودع الحرم. ويسقط أيضًا عن الحائض، أليس كذلك؟ النبي ﷺ قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض». فالحائض وفي معناها أيضًا النفساء، يسقط عنها طواف الوداع، فهذا أيضًا يستثنى.

من ترك واجبًا من هذه الواجبات أحبائي، عرفنا سابقًا في المحاضرة السابقة أنه ترك الواجب فيه دم، وهي فدية مرتبة؛ فإن لم يجد دمًا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. هذا بالنسبة لإذن لأركان الحج وواجباته.

دعونا ننتقل للعمرة. فقال: العمرة ما أركانها؟ قال: العمرة أركانها ثلاثة، سهلة: الإحرام والطواف والسعي، ما فيش فيها وقوف بعرفة. الآن دعونا ننتقل لواجبات العمرة، قال: وواجباتها شيئان. ما هو؟ الإحرام بها من الحل.

حقيقة العبارة هذه أيضًا لي عليها ملاحظة. قال: «الإحرام بها من الحل». هذه العبارة فيها ملاحظة؛ من الذي يحرم من الحل؟ أهل مكة. وأنت في الحقيقة لا تتكلم فقط عن أهل مكة، أنت تتكلم عن من يأتي من الآفاق أيضًا. فالعبارة أقول لا توفي بالغرض، فالأصل أن يقول: الإحرام بها من الميقات، وميقات أهل مكة أن يخرجوا إلى الحل؛ هذه العبارة الأدق.

إذًا واجب العمرة هو نفس واجب الحج، لأن ما قاله في الحج لما ذكر الواجب: «أول واجب من واجبات الحج الإحرام من الميقات». الأصل هي نفس الفكرة، الأصل أن يذكرها في العمرة: الإحرام من الميقات. لو سألتك ما هو ميقات أهل مكة؟ بتقول لي أن يخرجوا إلى أدنى الحل، أما أن تقول الإحرام من الحل فلا يفهم الإنسان المقصود من هذه العبارة، أو قد يفهم أن هذا الكلام خاص بأهل مكة. فالأصل أن يقول الإحرام من الميقات؛ لأنني ممكن أكون من الأردن وأتجاوز الميقات وأحرم من الحل، فهل هذا صحيح؟ ليس صحيحًا، لازم أحرم من الميقات. فعبارة الإحرام من الحل لا أراها عبارة دقيقة لتعبر عن المسألة بدقة، الأصل أن يقول الإحرام بها من الميقات، وأنت عرفت أن أهل مكة ميقاتهم أن يخرجوا إلى الحل، وأما من كان مثلاً دون المواقيت وليس من أهل مكة يحرم من دويريته. هذه الأحكام التي فصلناها سابقًا.

إذن، الإحرام بها من الحل، وعرفنا الأصح أن يقال الإحرام بها من الميقات. والواجب الثاني الحلق أو التقصير؛ فالحلق أو التقصير كما هو من واجبات الحج فهو من واجبات العمرة وبه يتحقق التحلل. وقال والمسنونات عمومًا، قال: «كالمبيت بمنى ليلة عرفة». أن يبيت الحجاج بمنى ليلة عرفة، التي هي ليلة التاسع من ذي الحجة، هذه سنة. واليوم الثامن أصلاً من ذي الحجة يسمى يوم التروية، أليس كذلك؟ اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى يوم التروية، وكان النبي ﷺ في ظهره يتوجه إلى منى ويبقى في منى إلى أن يخرج إلى عرفة، فهكذا كان النبي ﷺ يجلس.

كما جاء في حديث جابر: «ركب النبي ﷺ إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، ثم توجه إلى عرفة». فإذا هُدي النبي ﷺ أن الحاج في الحقيقة ليس فقط أن يبيت ليلة التاسع، بل هدي النبي ﷺ وسنته أنه يذهب يوم التروية ظهرًا يحرم بالحج ويذهب إلى منى، يبقى في منى ظهر وعصر ومغرب وعشاء، ويبيت في منى حتى يصلي الفجر، يمكث قليلاً إلى أن تطلع الشمس، وبعد طلوع الشمس يبدأ يتحرك باتجاه عرفة. أي سنة بالكلية، طبعًا الشيخ رحمه الله عليه اختصرها بقضية المبيت بمنى، وإلا فالسنة تبدأ في الحقيقة من ظهر يوم التروية حتى طلوع الشمس من يوم عرفة؛ تبقى في منى، وعند طلوع الشمس تتحرك باتجاه عرفة.

الاثنان: طواف القدوم. طواف القدوم الآن، القارن والمفرد فعليًا أول ما يأتون إلى مكة يطوفون طواف القدوم وهو سنة، أما المتمتع فماذا يطوف؟ يطوف طواف العمرة ويسعى سعي العمرة، أليس كذلك؟ فالمتمتع طوافه وسعيه هما طواف العمرة وسعي العمرة.

قال: «والرمل في الثلاثة أشواط الأول منه». الآن هذه سنة تتعلق بالطواف، والرمل في الأشواط الثلاثة الأولى منه؛ إذا طاف الإنسان أحبائي يسن له في أثناء الطواف الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى منه، والرمل هو أن يسرع أو يهرول، لكنها ليست بالهرولة الشديدة، بل هرولة متوسطة، في الأشواط الثلاثة الأولى من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، وهذه سنة تكون في حق الرجال وليست في حق النساء، وإنما تكون في أول طواف تفعله إذا أتيت مكة.

أول طواف تفعله إذا أتيت إلى مكة؛ فإذا كنت متمتعًا وعملت طواف العمرة ترمل فيه، وإذا كنت قارنًا أو مفردًا وعملت طواف القدوم ترمل فيه، أما عند طواف الإفاضة وطواف الوداع فهذا لا رمل فيه.

هذا الرمل متى يكون؟ يكون في أول طواف لما تدخل مكة؛ إذا كنت قارنًا ومفردًا وطفت طواف القدوم ترمل فيه، وإذا كنت متمتعًا وعملت طواف العمرة يرمل فيه، وأما في طواف الإفاضة وفي طواف الوداع فإنه لا يوجد الرمل. الرمل طبعًا هو -وكما قلت- هرولة متوسطة، أو البعض يعبر عنها بإسراع المشي مع تقارب الخطى. وأين يكون؟ يكون في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، ومن الحجر إلى الحجر، وليس فقط إلى الركن اليماني، بل من الحجر إلى الحجر في الأشواط الثلاثة الأولى منه.

ثم قال: «والإبطاع فيه»، ومن سنن الطواف أيضًا الإبطاع فيه. ما هو الإبطاع؟ الإبطاع أن تكشف الكتف الأيمن، بأن تدخل الرداء تحت الكتف الأيمن؛ الرداء يأتي من فوق الكتف الأيسر وتدخله تحت الكتف الأيمن، بحيث يصبح العاتق الأيمن مفتوحًا. الإبطاع أيضًا إذن من السنن في الطواف.

ثم قال: «وتجرد الرجل من المخيط عند الإحرام»، الآن انتقل بك إلى مسنونات الإحرام، وهو أصلًا قبل الطواف وقبل كل شيء. فقال: «وتجرد الرجل من المخيط عند الإحرام»، وهذا ممكن يشكل على الطالب؛ يقول لك: هل يا شيخ تجرد الرجل من المخيط عند الإحرام سنة؟ قد لا نعرف أن التجرد من المخيط -أو خلينا نقول عرفنا أن لبس الرجل للمخيط- من محظورات الإحرام، وبالتالي يجب أن أتجرد من المخيط للجميع؛ فأي شخص يحرم بعمرة أو حج، مش عرفنا أنه في إحرام ولا يجوز للرجل أن يلبس المخيط؟ فكيف يجعله من السنن تجرد الرجل من المخيط عند الإحرام؟

فهمتوا المشكلة؟ المشكلة أننا عرفنا أنه من محظورات الإحرام أن يكون الرجل المحرم يلبس مخيطًا، فكيف يقول: ومن سنن الحج والعمرة تجرد الرجل من المخيط عند الإحرام؟ في الحقيقة هنا يتكلم عن مسألة دقيقة؛ هم يقولون يسن -لاحظوا هي المسألة الدقيقة- يسن عند الإحرام أن تكون قد تجردت أيها الرجل من المخيط. قالوا: فإن أحرم قبل أن يتجرد يصح إحرامه، ويجب عليه أن ينزع المخيط في الحال، فإن أخر حينئذٍ وجبت عليه الفدية.

إذًا السنة هي أن يقع الإحرام وأنت قد تجردت من المخيط، هي السنة. فإن أحرمت ثم مباشرة تجردت من المخيط يجوز، لكن يجب فورًا أن تنزع المخيط، إذا أخرت نزع المخيط وجبت عليك الفدية. هذه مسألة دقيقة عند الحنابلة؛ يقولون أثناء الإحرام لما تنوي الدخول في النسك يسن إنك تكون قد نزعت المخيط وخلصت منه، لكن إذا أحرمت قبل أن تنزع المخيط يجوز، لكن يجب فورًا عقب الإحرام أن تنزع المخيط، فإن أخرته حينئذ تلزم الفدية. ففهمنا إذًا كيف هو سنة؟ السنة هي في جزئية معينة فقط وليس في أصل المسألة.

ثم قال: «ولبس إزار ورداء أبيضين نظيفين»، يسن للرجل، وهذه مسنونة للرجل أيضًا؛ لبس إزار ورداء أبيضين. تلاحظ الرمل والإبطاع والتجرد من المخيط عند الإحرام ولبس الإزار والرداء الأبيضين النظيفين، هذه كلها مسنونات للرجل فقط وليست للمرأة.

ثم قال: «والتلبية من حين الإحرام إلى أول الرمي»، يسن إخواني للحاج -وهذا يتعلق بالحاج- أن يلبي، وأن يبدأ التلبية من حين أن يحرم إلى أن يرمي جمرة العقبة الكبرى. فقوله «إلى أول الرمي» يعني إلى أول جمرة ترميها وهي جمرة العقبة الكبرى، فيسن للحاج طبعًا أن يلبي من عند إحرامه إلى أن يرمي جمرة العقبة الكبرى.

بعد أن يرمي جمرة العقبة، أو عند بدئه برمي جمرة العقبة، هذا الوقت الدقيق يبدأ بالتكبير؛ لأنك مع كل حصاة تقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر»، ثم بعد ذلك يبدأ التكبير. وإحنا في أيام العيد ماذا نفعل؟ حتى الحلال يكبر، فالحاج لما يبدأ برمي جمرة العقبة الكبرى يبدأ بالتكبير ويستصحب معه التكبير، وتنتهي التلبية ويبدأ يقول: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». التكبير متى يبدأ به الحاج؟ من لما يبدأ برمي جمرة العقبة. فنحن نقول للحاج: من لما أحرمت تبدأ تلبيتك وتستمر إلى رمي جمرة العقبة الكبرى، إذا بدأت ترمي خلاص تنهي التلبية وتبدأ بالتكبير.

طبعًا بالنسبة للمفرد والقارن، فهو من عندما أحرم من الميقات سيبقى يلبي، أو التلبية مسنونة له حتى يرمي جمرة العقبة؛ لأنه لن يفك إحرامه بالحج. لكن بالنسبة للمتمتع، المتمتع أول شيء يحرم بعمرة، فهو يلبي حتى ينهي العمرة، ولما ينتهي من العمرة خلاص تحلل، ثم عندما يشرع في إحرام الحج يحرم، حينئذٍ سيبدأ بالتلبية من جديد، وتبدأ التلبية معه أيضًا إلى أن يرمي جمرة العقبة الكبرى.

واضحة المسائل هذه والتفريقات؟ الآن الشيخ مرعي يذكر أربعًا أو خمسًا أو ست مسنونات، ولم يذكر كل التفاصيل، وإلا لو أردنا ذكر كل مسنونات الحج ومسنونات كل ركن وواجب من الواجبات لكان هذا موضوعًا طويلًا جدًا، فهذا أنا أدعه للمطولات إن شاء الله. ثم ختم هذا الفصل بالقواعد التالية؛ قال: «فمن ترك ركنًا لم يتم حجه إلا به، ومن ترك واجبًا فعليه دم وحجه صحيح، ومن ترك مسنونًا فلا شيء عليه». هذه هي القواعد، وذكر لك الأركان والواجبات والمسنونات؛ الذي ترك ركنًا لا يتم حجه إلا به، وأما الذي ترك واجبًا فحجه صحيح ولكن عليه دم، والذي ترك سنة فلا شيء عليه، هذه في النهاية ستبقى سنة.

في المحاضرة القادمة إن شاء الله أحبابي نتكلم عن شروط صحة الطواف، سيتكلم عن شروط صحة الطواف بالتحديد وما سنن الطواف، وسيتكلم عن شروط صحة السعي وما سنن السعي، ثم نتكلم عن الفوات والإحصار، وينتقل أظن بعد ذلك إلى الأضحية والعقيقة، وينتهي بها كتاب الحج. صلى الله على تمام على خير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.