دخولتسجيل الدخول

الدرس 89 - باب الوديعة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أحبائي لمجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب مع الإمام مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي على مذهب السادة الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم. في المحاضرة السابقة أحبائي تحدثنا عن حق الشفعة، وعرفنا أن الشفعة هي حق من الحقوق التي أثبتها الشارع سبحانه وتعالى للمسلمين. ومفهوم الشفعة هي استحقاق الشريك لانتزاع حصة شريكه المنتقلة إلى غيره بعوض مالي بنفس الثمن الذي استقر عليه العقد بين المشتري وبين هذا الشريك.

وعرفنا أن الشفعة حتى تثبت للمسلم لها خمسة شروط. الشرط الأول: لابد وأن تكون هذه الحصة انتقلت إلى خارج الشركاء، يعني أحد الشركاء أعطاها لشخص أجنبي من خلال عقد البيع، أن يكون الشريك أعطى حصته لشخص أجنبي من خلال بيع لا من خلال هبة أو وصية أو غير ذلك من العقود. لابد أن يكون انتقال الحصة من الشريك إلى الأجنبي من خلال بيع حتى تثبت الشفعة للشافع.

الشرط الثاني: قلنا أن تكون الشفعة، أو أن تكون الحصة التي تثبت فيها الشفعة هي مشاع من أرض يمكن قسمتها قسمة إجبار. أن تكون نصيبًا مشاعًا ومن أرض وليس من أي شركة أخرى، فالشفعة لا تثبت في المنازل ولا تثبت في الاشتراك في أثاث أو الاشتراك في سيارات أو الاشتراك في أمتعة. لابد أن تكون الشراكة وقعت في أرض، إذا مشاع من أرض وهذه الأرض يمكن قسمتها قسمة إجبار.

الشرط الثالث: لابد وأن الشافع يطالب بالشفعة فور علمه بحصول البيع بين شريكه الآخر وبين الأجنبي. رابعًا: قلنا لابد وأن يأخذ الشافع جميع الحصة التي أخذها المشتري من شريكه، الآن الشريك باع حصة لأجنبي، والشافع جاء يطالب بالشفعة، فالشافع عليه أن يأخذ من المشتري كل الحصة جميعها، ولا يصح أن يأخذ جزءًا ويترك جزءًا. إذاً لابد وأن يأخذ الشافع جميع الحصة التي انتقلت إلى المشتري ولا يجوز له أن يأخذ بعضًا ويترك بعضًا.

الشرط الخامس والأخير: لابد وأن يسبق ملك الشافع في رقبة العقار. ومفهوم هذا أنه لا شفعة لأحد اثنين اشتريا عقارًا معًا، ومثلنا لها بالتفصيل في المحاضرة السابقة. هذه كانت الشروط الخمسة لثبوت حق الشفعة، اليوم نكمل إن شاء الله ما بقي من المسائل علينا وننتقل إلى عقد آخر بحول الله.

قال الشيخ مرعي عليه رحمة الله: وتصرف المشتري بعد أخذ الشافعي بالشفعة باطل. اكتبوا عند كلمة أخذ أي مطالبة، فتصبح الجملة هكذا: تصرف المشتري بعد مطالبة الشافعي بالشفعة أي بحق الشفعة يكون باطلاً. الآن أحبائي المشتري الذي اشترى حصة الشريك إذا جاء الشفعي فطالبه بحق الشفعة لا يجوز لهذا المشتري أن يتصرف بهذه الحصة بشكل من أشكال التصرفات، فلا يجوز لهذا المشتري أن يبيع هذه الحصة لطرف جديد أو أن يهبها أو أن يوصي بها. وإذا تصرف المشتري بهذا النصيب بعد أن طالب الشافعي بحق الشفعة فيعتبر التصرف باطلاً لا عبرة به، فلو باع لا يعتبر بيعه، لو وهب لا تعتبر هبته، لو أوصى به لا تعتبر الوصية به. فإذاً هذه قاعدة عامة، تصرف المشتري بالحصة بعد مطالبة الشافعي بحق الشفعة يعتبر تصرفاً باطلاً.

الآن هناك خلاف داخل المذهب: هل الشافعي يملك الحصة بمجرد مطالبته بحق الشفعة حتى ولو لم يقم بعد بالإجراءات بينه وبين المشتري بدفع الثمن وما شابه ذلك؟ هل الشافعي يملك الحصة بمجرد المطالبة أم المطالبة تسبب فقط حجرًا على المشتري في التصرف في الشقص لكنها لا تملك الشافعي الشقص حتى يقوم الشفيع بإجراءات الدفع للمشتري؟ إذاً هناك خلاف، ماذا تفيد المطالبة؟ هل المطالبة من الشفيع تفيد تملكه لهذا الشقص، أم المطالبة تفيد الشفيع مجرد الحجر على المشتري في التصرف بهذا الشقص؟

وعلى كلا الحالتين، سواء قلنا إن مطالبة الشفيع بحق الشفعة مباشرة تفيد تملكه لهذا الشقص، أو أنها تفيد الحجر على المشتري في هذا الشقص، على كلا الحالتين المشتري ممنوع من التصرف بمجرد حصول المطالبة، وإذا تصرف فتصرفه باطل، هذه هي القاعدة. أما إذا تصرف المشتري في هذا الشقص، في هذا النصيب، في هذه الحصة قبل أن يطالبه الشفيع بحق الشفعة، فتصرفاته صحيحة.

فلو أن، سريعاً نقول، لو أن زيد باع حصته لهذا المشتري، وقبل أن يطالب سعد بالشفعة، المشتري كان باع هذه الحصة أو وهبها أو ما شابه ذلك، إذاً المشتري باع نصيبه لشخص آخر أيضاً أو وهبه أو أوصى به، هنا تعتبر تصرفاته صحيحة، لأنه تصرف قبل أن يأتي الشفيع فيطالبه بحق الشفعة. أما إذا كان سعد طالب بحق الشفعة قبل أن يبيع المشتري نصيبه لطرف جديد أو أن يهبه أو أن يوصى به، فلا يحق لهذا المشتري أن يقوم بأي شكل من أشكال التصرفات، وإذا قام به فإن تصرفه يكون باطلاً، تمام؟

تصرف المشتري بعد أخذ الشفيع بالشفعة باطل وقبله صحيح.

ثم قال: ويلزم الشفيع أن يدفع للمشتري الثمن الذي وقع عليه العقد. الآن نحن عرفنا من خلال تعريف الشفعة أن الشفيع ملزم بأن يدفع للمشتري نفس الثمن الذي دفعه المشتري للشريك، الشفيع عليه أن يدفع للمشتري ذات الثمن، نفس الثمن الذي دفعه المشتري للشريك، ولا يحق للشفيع أن يدفع للمشتري أقل من ذلك إلا إذا سمح المشتري، المشتري حر، لكن نحن ابتداءً نلزم الشفيع بأن يدفع للمشتري ذات الثمن الذي دفعه المشتري للشريك.

فالآن سيفصل الشيخ مرعي في هذه الجزئية، فقال: ويلزم الشفيع أن يدفع للمشتري الثمن الذي وقع عليه العقد، فإن كان هذا الثمن الذي دفعه المشتري للشريك مثلياً فعلى الشفيع أن يدفع للمشتري المثل، وإن كان الثمن الذي دفعه المشتري للشريك من المتقومات فعلى الشفيع أن يدفع للمشتري القيمة. جيد؟

لانه هناك حالتان أحبابي، إما أن يكون الثمن الذي دفعه المشتري لهذا الشريك الذي باع، أن يكون الثمن الذي دفعه المشتري للشريك الذي باع من المثليات، وعرفنا ما هي المثليات، كل مكيل أو موزون لم تدخله صناعة مباحة ويصح السلم فيه. الآن كان دفع له مثلاً 30 صاعاً من الأرز أو 100 طن من الحديد، فإذا كان المشتري دفع مثلياً، 30 صاع أرز مقابل هذا الشقص أو مثلاً 10 طن من الحديد مثال على الموزونات، فهنا الشفيع عليه أن يدفع للمشتري المثل فيعطيه 30 صاعاً من الأرز أو يعطيه 100 طن من الحديد. فإذا كان المشتري دفع مثلاً فالشفيع يدفع المثل، وإن كان المشتري دفع شيئاً متقوماً، يعني المشتري اشترى هذا الشقص من الأرض بسيارة، المشتري أعطى سيارة للشريك وأخذ مكانه هذا الشقص، فلما يأتي الشفيع ليطالب بالشفعة الآن لا نقول للشفيع عليك أن تدفع سيارة بنفس المواصفات والهيئة وكذا لهذا المشتري مقابل السيارة التي دفعها، لا نقول له: أيها الشفيع عليك أن تدفع قيمة هذه السيارة التي دفعها المشتري لشريكك. فنأتي نبحث عن القيمة، طيب القيمة باعتبار أي يوم؟ هل باعتبار يوم الشراء بين المشتري والشريك، ولا باعتبار يوم المطالبة بالشفعة؟

الذي يظهر عند الحنابلة، وهذا ما ذكره الشيخ ابن عوض رحمة الله عليه، أن قيمة السيارة تعتبر باعتبار يوم الشراء، اليوم الذي وقع فيه عقد الشراء بين المشتري وبين الشريك، وليس باعتبار يوم الشفعة أو يوم المطالبة بالشفعة. فإذاً السيارة التي دفعها المشتري للشريك كانت في يوم الشراء قيمتها 15 ألف دينار، فإذا جاء الشفيع يطالب بالشفعة نقول: أيها الشفيع عليك أن تدفع لهذا المشتري 15 ألف دينار التي هي قيمة السيارة التي دفعها المشتري باعتبار يوم الشراء. جيد، إذن فإن كان مثلياً ما دفعه المشتري للبائع فعلى الشفيع أن يدفع مثله، وإن كان متقوماً فعلى الشفيع أن يدفع قيمته باعتبار يوم الشراء.

قال: فإن جهل الثمن ولا حيلة سقطت الشفعة. يعني إذا جاء الشفيع على المشتري فقال: أيها المشتري كم دفعت للبائع؟ وهو شريكه طبعاً، كم دفعت لشريكي؟ فالمشتري حاول أن يتذكر، قال: والله نسيت كم دفعت. ذهبنا للبائع: كم دفع لك هذا المشتري؟ حاول أن يتذكر، نسي الطرفان ما هو الثمن الذي وقع عليه العقد نسياناً حقيقياً، قال: لا حيلة فيه.

إذا كان المشتري يتظاهر بالنسيان والبائع يتظاهر بالنسيان، لا، هنا لا يسقط حق الشفعة. هنا لا يسقط حق الشفعة، لكن إذا كان نسياناً حقيقياً ولا توجد أوراق توثق كم دفع المشتري للبائع ففي هذه الحالة فقط تسقط الشفعة. أما إذا كان هناك حيلة لمنع الشفيع من أن يأخذ هذا النصيب بحق الشفعة فإن الحيلة مردودة ولا تسقط حق الشفعة لصاحبنا. لذلك قال: فإن جهل الثمن يعني حاولنا بشتى الوسائل والطرق أن نعرف الثمن، تم النسيان تماماً، لم يتم معرفة الثمن بشكل من الأشكال.

فإن جهل الثمن ولا حيلة، ولا حيلة يعني ما كان هناك تحايل من أحد الأطراف على إخفائه، حينئذٍ تسقط الشفعة، وممكن تقول: هل يا شيخ ممكن يخفى الثمن؟ ممكن، ممكن يكون الثمن الذي دفعه المشتري للبائع صبرة طعام وانحرقت، ولو أتينا نتذكر كم كانت مثلاً تحتوي من الصيعان ما عرفنا. فاحتمالية جهل الثمن احتمالية واردة وإن كانت قليلة لكنها واردة. أهم شيء عندنا لا يكون هناك تحايل للجهل بها، لا يكون هناك تحايل لإظهار الجهل بها، ويكون المشتري والبائع يعرفانها في الواقع لكنهما يكتمانها عن الشفيع. فإذاً إذا حصل جهل بالثمن حقيقي ولا حيلة لإخفائه فإن الشفعة تسقط.

وكذا صورة أخرى تسقط فيها الشفعة: إن عجز الشفيع ولو عن بعض الثمن وانتظر ثلاثة أيام ولم يأت به. يقول الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم: الشفيع عليه أن يدفع كامل الثمن للمشتري، أليس كذلك؟ فإن عجز الشفيع ولو عن بعض الثمن فإننا أولاً ننظره ثلاثة أيام لتحصيله لتوفيره، فإن مضت ثلاثة أيام والشفيع لم يستطع تسديد ولو بعض الثمن سقطت الشفعة بالكلية، وليس للشفيع أن يأخذ جزءاً من هذا الشقص، ويثبت هذا الشقص ملكاً للمشتري.

فإذن تسقط الشفعة بطريقتين: الطريقة الأولى إذا جهل الثمن ولم يكن جهله بحيلة تسقط الشفعة. ثانيًا: تسقط الشفعة إذا لم يستطع الشفيع أن يدفع كامل الثمن للمشتري بعد إنذاره ثلاثة أيام. طبعاً هناك شرح في المطولات في مراحل متقدمة نعرف طرق أخرى أو أحوال أخرى يسقط فيها حق الشفعة، لكن هناك طريقان ذكرهما الشيخ مرعي، وهذا لا ينفي وجود أحوال أخرى يسقط فيها حق الشفعة، وهذا يعني ما أردت التنبيه إليه حتى لا يظن الطالب أنه فقط لا تسقط الشفعة إلا بطريقتين لا ثالث لهما، لا، هذه أشهر الطرق التي تسقط فيها الشفعة، لكن أحياناً وفي مسائل أخرى إن شاء الله ندرسها في المطولات يمكن أن يسقط حق الشفعة. والله تعالى أعلم.

الآن هكذا نكون انتهينا أحبابي من المسائل التي ذكرها الشيخ مرعي عليه رحمة الله في هذا الباب. بسم الله، ننتقل اليوم بإذن الله إلى باب جديد ألا وهو باب الوديعة.

ما هي الوديعة أحبائي قبل أن نذهب إلى خارطة العقود التي تصاحبنا في هذه المجالس المباركة؟ ما هي الوديعة حتى نعرف أين نضعها؟ ما هي؟ هل هي عقد معاوضات ولا هي توثيق ولا هي إرفاق، أم تبرع؟ الوديعة تطلق على أمرين. تطلق الوديعة أحبائي على نفس العين التي تقوم بإيداعها عند غيرك، فالوديعة اسم للعين التي تقوم بإيداعها أي بوضعها عند غيرك. وتطلق الوديعة أيضاً على نفس العقد، عقد الإيداع الذي يقوم به شخص بوضع شيء عند شخص آخر.

فالوديعة هي اسم للعين المودعة واسم للعقد، وإن كانت حقيقة في العين المودعة ومجازاً في العقد، احفظوا هذا. الوديعة هي حقيقة في العين التي يتم إيداعها، الشيء الذي يتم إيداعه. وتطلق مجازاً على ماذا؟ على نفس العقد، عقد الإيداع الذي يحدث بين شخص وبين شخص آخر. طبعاً من باب يعني الدخول في شيء من اللغويات، وديعة أحبائي فعيلة بمعنى مفعولة، لأنه فعيلة وفعيل يأتي بمعنى اسم الفاعل ويأتي بمعنى اسم المفعول. فهنا وديعة فعيلة بمعنى اسم المفعول، وديعة بمعنى مودعة، فمن هنا كانت الوديعة اسم مفعول بمعنى مودعة، والمودعة هو إيش؟ هي الأعيان التي تضعها عند غيرك. لذلك كانت الوديعة هي حقيقة في العين التي تودع، ثم من باب إطلاق اسم المفعول على المصدر، وهذا من أشكال المجازات عند العرب، أن يطلق اسم المفعول ويراد به المصدر. يجوز إطلاق الوديعة ويراد بها الإيداع، والإيداع هو العقد، العقد الذي يجري بين طرفين بأن يقوم أحدهما بوضع شيء عند الآخر ليحفظه له مجاناً. فإذاً عرفنا كيف أن الوديعة تطلق.

على نفس العين المودعة حقيقة، وتطلق على الإيداع، وهو العقد مجازاً. هذا كله كلام من الجهة اللغوية. أما من حيث المفهوم الشرعي للوديعة، فالوديعة كما يعرفها ابن عبود هنا، يقول هو المال المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض. المال الذي تدفعه إلى غيرك حتى يحفظه لك من دون عوض في مقابل عملية الحفظ.

ويمكن أن نعرفها بأنها عقد، فنقول الوديعة عقد يقوم به طرف جائز التصرف بوضع مال عند شخص آخر جائز التصرف ليحفظه له مجاناً من دون عوض. عقد يقوم به شخص جائز التصرف بوضع مال عند شخص جائز التصرف، لماذا؟ ليحفظه له مجاناً من دون عوض. والحنابلة رضوان الله تعالى عليهم يكيفون الوديعة، يصورونها ويفهمونها على أنها وكالة مجانية، لأنني حينما أضع مالاً عند شخص ليحفظه لي مجاناً، كأنني أوكل هذا الشخص بعملية حفظ مالي من دون مقابل على ذلك. هي توكيل مجاني. وكلت شخصاً في أن يحفظ لي أموالي من دون أن أعطيه مقابل على عملية الحفظ، فلذلك ينصون في مطولاتهم الحنابلة، رضوان الله عليهم، أن الوديعة هي وكالة مجانية.

فإذا أتينا على خارطة العقود التي ترافقنا عرفنا العقود مقاصدها إما أن تكون معاوضات، ودرسنا منها البيوع والشركات والإجارة والوكالة بأجرة. ودرسنا من عقود الإرفاق القرض والصلح والحوالة، ومن عقود التوثيق الرهن والضمان والكفالة، ودرسنا من عقود التبرعات الوكالة المجانية، ودرسنا العارية، واليوم ندرس الوديعة بإذن الله. فالوديعة، إذاً، هي في الحقيقة تصنف تحت عقود التبرعات، لماذا؟ تقول لأن الحنابلة يكيفونها على أنها وكالة مجانية. شخص توكل في حفظ متاعك مجاناً، تبرعاً، لا يريد مقابلاً على عملية الحفظ، فجزاه الله عنا كل خير.

فإذا الوديعة لو سئلت أين تقع في خارطة العقود تقول هي من عقود التبرعات، لماذا؟ لأنها وكالة مجانية في الحفظ، فهناك من تبرع بعملية الحفظ مجاناً، هناك من تبرع بعملية الحفظ مجاناً من دون مقابل، وهذا شكل من أشكال التبرع.

ما حكم الوديعة؟ يقول الحنابلة: الوديعة مستحبة، أي يستحب قبولها لمن علم أنه ثقة قادر على حفظها. إذا كنت تعلم أنك ثقة أمين، قادر على أن تحفظ ودائع الناس، يستحب لك أن تقبل هذه الودائع، لأنه من باب التعاون على البر والتقوى.

قالوا: وأما إذا كنت لا تثق بنفسك، لا تثق بأمانتك، ولا تثق بقدرتك على حفظها، فيكره لك أن تقبلها، إلا إذا رضي ربها، يعني أنت إذا كنت تعلم أنك لست أميناً، أو تعلم أنك لست قادراً على حفظها وأعلمت ربها، ركزوا، وأعلمت ربها، أي رب المال، أنني يا عمي أنا لست أميناً، أو أنا لا أقدر على حفظها، فهو أصر وقال: لا يا عمي ما هي مشكلة، حتى لو لم تكن أميناً أنا أرضى، أو لو لم تكن قادراً على حفظها أنا أرضى أن أضعها عندك، فأنت أعلمته بالحال، وهو قبل بأن يضعها عندك، هنا تزول الكراهة.

وأما أن تقبلها وأنت تعلم أنك غير أمين، أو لا تشعر بأمانتك، أو أنك ضعيف ولا تستطيع أن تحفظها، ولا تعلم المودع بذلك، هذا مكروه. فإذا الوديعة، تقول: ما حكمها؟ تقول: مستحبة لمن يعلم من نفسه الأمانة والقدرة على الحفظ. إذا كان لا يعلم من نفسه الأمانة أو يشعر بالضعف أنه لا يحفظ فنقول يكره لك أن تقبلها إلا إذا أعلمت ربها أنك غير أمين أو تخشى على نفسك بعدم الأمانة أو أنك ضعيف وهو مع ذلك قبل بأن يضعها عندك فحينئذ رفعت الكراهة عنك لأنك أعلمته وهو بعد ذلك المسؤول عن خطئه كما قالوا.

فإذا عرفنا متى تكون مستحبة ومتى تكون مكروهة ومتى تزول الكراهة.

والوديعة أحبابي في النهاية هي عقد من العقود متوقف على رضا طرفين. لأن المودع يجب أن يرضى بالوديعة والمودع عنده يجب أن يقبلها. فبالتالي بما أنها عقد متوقف على رضا طرفين إذا هي تحتاج لإيجاب وإلى قبول. والإيجاب والقبول فيها يكون بالصيغة القولية ويكون بالصيغة الفعلية، فالحنابلة عموماً كما لاحظتم في جميع العقود ليس عندهم أي مشكلة في الصيغ القولية والصيغ الفعلية، فعندهم الإيجاب والقبول يصح أن يكون بصيغ قولية ويصح أن يكون بصيغ فعلية، فبالتالي الوديعة بما أنها عقد من العقود يتوقف على رضا طرفين تقول تحتاج إلى إيجاب وقبول وقد يكون بصيغة قولية: أودعتك، ويقول المودع عنده: قبلت، أو أن لا تقول شيئاً، أضع الجوال عنده في مكان وهو ينظر إليه وأنا أضعه ويقبل ولا يقول أي شيء أو يمسكه هو مثلاً، أعطيه الجوال وهو يمسكه ويفهم المقصود من السياق ويضعه في مكان من دون أن يحدث بيني وبينه أي قول، فكله جائز بإذن الله، يصح الإيجاب والقبول بالصيغة القولية وبالمعاطاة الفعلية.

ماذا قال الشيخ مرعي رحمه الله تعالى عليه في باب الوديعة؟ قال يشترط لصحتها، بدأ في شروطها وذكر الشرط، قال يشترط لصحتها كونها من جائز التصرف لمثله. إذاً عقد الوديعة هو عقد بين جائزي التصرف، المودع يكون جائز التصرف، يعني بالغ، عاقل، حر، رشيد. والمودع عنده ينبغي أن يكون جائز التصرف، بالغ، عاقل، حر، رشيد. هذا هو عقد الوديعة الصحيح المقبول.

إذا تم مخالفة هذا الأمر، انظروا ماذا قال. قال: فلو أودع ماله لصغير أو مجنون أو سفيه فأتلفه قال: فلا ضمان، أي لا ضمان على الصغير ولا على المجنون ولا على السفيه مطلقاً. ثم ذكر المسألة المعاكسة. قال: وإن أودعه أحدهم صار، أي صار المودع عنده ضامناً ولم يبرأ إلا برده لوليه. الآن انتبهوا معي أحبائي. عندنا مودع وعندنا مودع عنده، تماماً؟ عندنا المودع وعندنا المودع عنده.

الآن المسألة الأولى: إذا كان المودع جائز التصرف والمودع عنده كان صغيراً أو مجنوناً أو سفيهاً. هذه هي المسألة الأولى. فإذا شخص جائز التصرف وضع مالاً عند صغير أو مجنون أو سفيه، نقول عقد الوديعة غير صحيح، لأن المودع عنده ليس جائز التصرف، والذي وضع ماله عند هؤلاء عليه أن يتحمل مسؤولية خطئه. فهؤلاء، الصغير والمجنون والسفيه، إذا أتلفوا المال الذي دفع إليهم، لا يضمنون شيئاً. لماذا؟ لأن الذي دفع إليهم المال هو الذي يتحمل هذه المسؤولية. وقد مر معنا، مرت معنا هذه المسألة في باب الحجر، إذا بتذكروا لما ذكرنا المحجور عليهم شرعاً، وهم هم والمجنون والسفيه. وذكرنا حينئذ أن الإنسان إذا أعطاهم مالاً فأتلفوه لا يضمنون، لأن المخطئ هنا هو الذي دفع إليهم المال، بخلاف ما لو أتلفوا وحدهم من دون أن يدفع إليهم مال، هم أتلفوا أموالاً للآخرين لا يضمنون، ووليّهم عليه أن يخرج ضماناً. لكن إذا شخص دفع إليهم المال بده يتحمل نتيجة خطأه.

فإذن المسألة الأولى قال: فلو أودع، يعني لو أودع شخص جائز التصرف ماله لصغير أو مجنون أو سفيه فأتلفه، أي أتلف الصغير أو المجنون أو السفيه هذا المال، فلا ضمان عليهم. وأما المسألة المعاكسة فهي المسألة الثانية: أن يكون المودع هو الصغير أو المجنون أو السفيه، جاء شخص صغير بـ ١٠٠٠ دينار معه ووضعها عند شخص جائز التصرف، قال له يا عم تفضل هذه ١٠٠٠ دينار أضعها عندك وديعة، فهذا الشخص جائز التصرف قبلها ومسكها، نقول العقد باطل. الوديعة باطلة، ليه؟ لأنه أحد الأطراف غير جائز التصرف وهو المودع. وكذلك لو جاء شخص سفيه معه مثلاً ١٠٠٠٠ دينار وضعها عند شخص جائز التصرف وقال له بالله احفظها عندك، نقول العقد باطل، الوديعة غير صحيحة، لأن الطرف المودع غير جائز التصرف.

طيب ماذا سيترتب على ذلك؟ أنه جائز التصرف الذي قبل هذه الوديعة أصبحت يده على الوديعة تعتبر يد عادية مثلها مثل يد الغاصب والسارق ويضمن مطلقاً هذه الوديعة، سواء تلفت عنده بتعدي أو تفريط أو بدون تعدي ولا تفريط. اكتبوا يد ضمان. لماذا؟ تقول لأن يده يد عادية، الأصل سنعرف إن شاء الله في الوديعة أن يد المودع عنده على الوديعة يد أمان. لكن هنا في هذه الحالة لماذا اعتبرت يد ضمان؟ نقول لأنه هنا يد جائز التصرف، يد عادية وعقد الوديعة باطل.

طيب كيف يصحح هذا الشخص خطأه؟ قالوا إذاً جائز التصرف هنا يده يد ضمان ويده عادية وعليه حتى يصحح خطأه أن يسلم هذه الوديعة إلى ولي الصغير أو إلى ولي المجنون أو إلى ولي السفيه. فإذا سلم هذا المال إلى وليهم هنا خلاص برئت ذمته. لذلك قال: وإن أودعه أحدهم صار المودع عنده هذا الشخص يده يد ضمان، صار ضامناً ولم يبرأ إلا برده، أي برد الوديعة التي وضعت عنده، إلى وليه، أي إلى ولي الصغير أو المجنون أو السفيه. هذا هو المقصود بالمسألة.

لكن في الحقيقة أحبائي هذه المسألة الثانية الحالة الثانية لها استثناءات. الاستثناء الأول قالوا إذا أذن الولي للصغير أو للسفيه أن يضع ماله وديعة عند هذا الشخص، فحينئذ تكون الوديعة صحيحة ونطبق عليها أحكام الوديعة. إذا أذن الولي للصغير أو للسفيه أن يضع ماله عند هذا الشخص جائز التصرف، فإن الوديعة تعتبر صحيحة لوجود الإذن، لوجود الإذن. ومر معنا أصلاً حتى في البيوع أنه البيع أساساً لابد يكون بين جائز التصرف لكن لو أن ولي الصغير أو ولي السفيه أذن له بأن يبيع فإن البيع يعتبر صحيحاً لوجود إذن الولي. والولي في الأصل إنما يتصرف وينظر لمصلحة موليه. فالأصل إذا وجد إذن من الولي للصغير أو للسفيه في أن يقوم بوضع مال عند جائز التصرف أن هذا فيه مصلحة لهم فنعتبر الوديعة صحيحة.

الحالة الثانية الاستثنائية، هي قالوا لو أن شخصاً جائز التصرف، مثلاً، كان يمشي في الطريق فوجد صغيراً معه مبلغ كبير من المال، وجد طفل صغير معه ٢٠٠٠٠ دينار، فهذا الشخص جائز التصرف، قال يعني هذا الطفل الصغير إيش بيعمل بالـ ٢٠٠٠٠ دينار؟ عمره سبع سنوات، ثمان سنوات، فقال: أريد أن آخذها من بين يديه وأحفظها له، حتى أردها إلى وليه. فهنا أخذها من بين يديه من قبيل الحفظ، يعني ليحفظها، فهي وديعة.

الآن، هل قيام هذا الشخص بأخذ المال من هذا الصغير، أو من هذا المجنون، أو من هذا السفيه، هل قيامه بأخذه أو هل أخذه المال من بين يديه يعتبر أخذاً شرعياً مقبولاً؟ قالوا: نعم. هي الحالة، حالة لو أن صغيراً أو مجنوناً أو سفيهاً وجد في طريق، أو في صحراء، أو في مهلكة، هكذا يقولون، إذا وجد في مهلكة ومعه أموال طائلة فجاء شخص جائز التصرف ووجد أموال في يد صغير، أو مجنون، أو سفيه، وغلب على ظنه أن ستكون هناك مهلكة، وستضيع هذه الأموال، فقرر هذا الشخص أن يأخذ المال من بين أيديهم، ليحفظه لهم، لمصلحتهم. فنقول: جزاك الله خيراً.

ونعتبر هذه الوديعة وديعة مقبولة، ولا نعتبر يده في هذه الحالة يد عادية، يد ضمان، كلا. بل نعتبره مودعاً عنده، ووديعة صحيحة، ويده يد أمان. وإن كان الصغير، أو المجنون، أو السفيه، ما حدا أذن لهم أن يودع عنده، لكن هو من عنده قام، اتخذ هذا القرار، لأنه خشي على أموال هؤلاء المساكين من الضياع. فتعتبر وديعة، عملية الإيداع هنا صحيحة، مقبولة، ويعتبر هذا مودعاً عنده، ويده يد أمان طبيعية، لا يضمن إلا بتعدٍ أو تفريط. إذاً، هذه الحالة الثانية أيضاً المستثناة، قالوا: إذا قبضها خوفاً عليها من الهلاك. جيد.

إذاً بناءً على هذا الكلام عقد الوديعة عقد بين جائزي التصرف. هذا هو الأصل فيه. فإذا اختلت الأحوال بأن كان أهما غير جائز التصرف فالأصل أن عقد الوديعة باطل، اللهم إلا ما استثنيناه.

ثم قالوا: ويلزم المودع حفظ الوديعة في حرز مثلها بنفسه أو بمن يقوم مقامه كزوجته وعبده وخازنه. الآن ماذا يترتب على عقد الوديعة؟ إذا حصل عقد وديعة بإيجاب وقبول بين جائزي التصرف. ما مفهومه؟ ما مقتضاه؟ ما لوازمه؟ مقتضى عقد الوديعة أن يقوم حضرة المودع عنده بحفظ هذه الوديعة في حرز مثلها، أي في الأماكن التي يحفظ فيها أمثالها.

فإخواني الأعيان التي تودع متباينة في حرزها. فالجوال له حرز يختلف عن حرز السيارة. والحلي من الذهب والفضة حرزها يختلف عن حرز الأثاث. فكل عين مودعة لها حرز يناسبها في العرف، الناس تعرفه. فأكيد حرز السيارة ليس مثل حرز الجوال ليس مثل حرز الحلي وما شابه ذلك. فيقول لك الشيخ مرعي: يلزم المودع أن يحفظ الوديعة في حرز مثلها. ننظر إيش طبيعة هذه الوديعة؟ جوال؟ أموال نقدية؟ سيارات؟ أثاث؟ نقول للمودع: عليك أن تحفظ كل عين مودعة عندك في حرز مثلها.

طيب هل يحفظها بنفسه؟ لازم هو يباشر عملية الحفظ بنفسه؟ أم هناك من يقوم مقامه شرعاً؟ ويكون ذلك مقبولاً؟ آه يقول الحنابلة: يجوز أن يباشر عملية الحفظ بنفسه، ويجوز أن يباشرها عنه من يقوم مقامه في العادة من زوجة، وإذا كان عنده عبد عبده، وإذا كان عنده خازن خحزانه. فإذاً الوديعة في الحقيقة عندنا عملية حفظها لا يلزم الإنسان أن يباشرها بنفسه، لا يلزم المودع عنده أن يباشرها بنفسه، يجوز أن يباشرها بنفسه وبمن يقوم مقامه في العادة من زوجة أو عبد أو خازن. لذلك قالوا: يلزم المودع حفظ الوديعة في حرز مثلها إما بنفسه وإما بمن يقوم مقامه من زوجته وعبده وخازنه، فهذا جائز.

قال: وإن دفعها لعذر إلى أجنبي لم يضمن. إيه الآن إخواني سنجد أن أغلب الباب الذي بين أيدينا سيركز فيه الشيخ مرعي رحمة الله عليه على الأحوال التي يضمن فيها.

المودع عنده يده يد أمان، أليس كذلك؟ فلا يضمن إلا بتعد أو تفريط. وعرفنا أن التعدي هو تصرف غير مأذون فيه، وأن التفريط هو إهمال في الحفظ أو أن يتلفها سهواً أو خطأً.

أما إذا أتلفها عمداً فهذه تدخل تحت العدوان التصرف غير المأذون فيه، وأما إذا أتلفها سهواً أو خطأً فهي نعتبرها شكل من أشكال التفريط. هذا مر معنا في المحاضرة السابقة بيان ما هو التعدي وما هو التفريط. إذاً، المودع عنده الأصل أحبابي يده على الوديعة يد أمان، والذي يده يد أمان هذا لا يضمن عندنا إلا إذا تعدى أو إذا فرط. فالآن الشيخ مرعي في أغلب الباب سيبين لنا ما هي الصور التي تعتبر تعدي أو تعتبر تفريط، وما هي الصور التي لا تعتبر تعدي ولا تفريط، وبالتالي لا يضمن المودع عنده فيها؛ لأنه متى سيضمن؟ هو يضمنها إذا تلفت بتعدي أو تفريط، أما إذا تلفت بلا تعدي ولا تفريط فلا يضمنها. فنحن يهمنا أن نعرف ما هي الصور التي تعتبر تعدي أو تفريط بحيث سنضمن فيها، وما هي الصور التي تعتبر لا تعدي ولا تفريط على المودع عنده فيها فلا نضمنه إذا تلفت العين فيها.

فهنا بدأ بأول مسألة فقال: وإن دفعها لعذر إلى أجنبي لم يضمن. الآن أنا إنسان وضعت عندي وديعة، إنسان وضعت عندي وديعة وحفظتها بشكل جيد لكن طرأ علي عذر، طرأ عذر يلزمني أن أسافر مثلاً. يلزمني أن أسافر، وسيأتي معنا إن شاء الله، إذا الإنسان أراد أن يسافر، إذا المودع عنده أراد أن يسافر، فعليه أن يرد الوديعة إلى مالكها. طيب، لم يجد مالكها ومن يقوم مقامه، هنا لا يستطيع السفر بها مثلاً؛ لأن السفر بها خطير، أو قد يكون مالكها نهاه عن السفر بها وهو يريد السفر. طيب، المودع عنده يقول لك إيش أفعل؟ أبقى يعني يحرم علي السفر؟ فيضطر المودع عنده لسبب هذا العذر أن يضع الوديعة عند حاكم أو عند ثقة. هذه المسألة التي سيأتي باختصار، طرأ عذر على المودع عنده اضطره أن يضع الوديعة عند شخص أجنبي؛ لأنه لم يستطع أن يرد الوديعة إلى مالكها.

نحن في الوضع الطبيعي أحبابي المودع عنده إذا طرأ عليه عذر بحيث أصبح لا يستطيع المحافظة على الوديعة، الحالة الأصلية أن يرد الوديعة إلى مالكها أو يتكلم معها هاتفياً: يا سلام عليكم أخي الكريم، أنا لم أستطع، لا أستطيع الآن أن أحفظ الوديعة، طرأ علي عذر، إما أنا مريض سأذهب إلى المستشفى أجل الشهور، أو أنا الآن في مرض الموت وإذا هذا ذكروه مثال كان في مرض الموت وأخشى من بقاء الوديعة عندي، أو طرأ علي سفر. فالأصل أن يكلم المودع ويخبره، فالمودع يأتي يأخذ الوديعة وينتهي الأمر. لكن هنا الحنابلة يتكلمون في حالة أن المودع عنده لم يستطع أن يرد الوديعة إلى مالكها؛ مالكها اختفى، مش مبين، راحت أموره، ضاع التليفون، المهم المودع لم يستطع أن يتصل بالمودع وأن يتواصل معه ليخبره، والمودع عنده خلاص ما عاد يستطيع أن يحفظها، هناك عذر، يريد السفر، أو هو الآن في مرض الموت، أو هو الآن سيذهب للمستشفى ويجلس أشهر ولا يستطيع أن يبقي الوديعة عنده.

فاضطر المودع عنده أن يضع الوديعة عند شخص آخر، هذه هي باختصار. اضطر المودع عنده أن يضع الوديعة عند شخص آخر أجنبي، قال كما قال لك إلى أجنبي، فهل هنا يعتبر المودع ضامناً لما سيحدث لهذه الوديعة عند الأجنبي، ولا نقول لا لا يضمن؟ خلاص هو فعل طاقته، لم يستطع أن يردها إلى مالكها، وهو الآن معذور في إخراج الوديعة من بين يديه، ها، هو الآن معذور في إخراج الوديعة من بين يديه ودفعها إلى شخص أجنبي هو يظن فيه أنه ثقة، فهنا لا نقول إنك أيها المودع عنده فرطت أو تعديت؛ لأنك فعلت كل ما يمكن أن تفعله. فإذا دفعها إلى شخص أجنبي لا يعتبر ضامناً ولا يتحمل نتائج ما سيحدث لهذه العين. لذلك قال: وإن دفعها لعذر إلى أجنبي لم يضمن المودع عنده، هذه مسألة.

ثم قال: وإن نهاه مالكها عن إخراجها من الحرز فأخرجها لطريان شيء الغالب منه الهلاك لم يضمن أيضاً. صورة أخرى من الصور التي لا تعتبر من قبيل التعدي أو التفريط، ما هي هذه الصورة؟ الآن مالك الوديعة لما جاء وضع الوديعة عندي، ماذا قال لي؟ قال لي: لا تخرج هذه الوديعة من حرزها. يعني فرضاً جاء صاحب السيارة قال لي سأضع عندك هذه السيارة في الكراج، وأنا قبلت، وقال لي: لا تخرج يا إبراهيم السيارة من حرزها، لا تخرج السيارة من كراجها، وذهب. في يوم من الأيام خرج قطاع طرق إلى شوارع البلد وأخذوا يسرقون السيارات وينهبونها، أو كانت هناك سيول عمت البلد وأصبحت تدخل على كراجات السيارات. المهم عرض أمر في بلدنا الغالب منه أنه سيهلك هذه السيارة الموجودة عندي في الكراج، عرض أمر الغالب منه أنه سيهلك هذه السيارة الموجودة عندي في الكراج.

فالآن انظروا إيش حدث؟ مالك السيارة إيش قال لي؟ قال لي: لا تخرجها من حرزها. طيب، حدث شيء في البلد غلب على ظني أنه سيكون سبب في هلاك السيارة، فأنا كمودع عنده قررت أن أخرج السيارة من حرزها، قررت أن أخرج السيارة من حرزها للمحافظة عليها بسبب طروء هذا الأمر الذي يغلب منه الهلاك. فهل إذا أخرجت السيارة من حرزها، ها، مع أنه صاحبها إيش قال لي؟ لا تخرج السيارة من حرزها، هي عبارته ركزوا لي فيها، قال: لا تخرج السيارة من حرزها. طرأ أمر الغالب فيه الهلاك كفيضانات أو قطاع طرق، فأنا خالفت، فأخرجت السيارة من حرزها. ليش أخرجتها؟ قال: والله بدي أحافظ عليها، هو صحيح نهاني، لكن مصلحة هذه السيارة أن أخرجها من حرزها فأخرجتها والله يا شيخ للمحافظة عليها.

فلما أخرجتها محافظة عليها، قدر الله سبحانه وتعالى أنها تتلف، فهل أعتبر ضامناً لها؟ قال الحنابلة: لا يضمن؛ لأن إخراجه السيارة من حرزها بسبب طريان شيء الغالب منه الهلاك لا يعتبر عندنا تعدي، ولا يعتبر تفريط. والمودع عنده لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، فهل إخراجه السيارة بسبب طروء الأمر العارض منه الهلاك، أو الغالب منه الهلاك، هل يعتبر تعدي منه في الإخراج؟ لا؛ لأن هذا طبيعة الوديعة أن أنا بدي أحفظ مال المودع، فأنا أخرجتها حفاظاً عليها، فكيف تعتبروني تعديت؟ فهو لم يتعد ولم يفرط، فبالتالي لا يضمن ماذا سيحدث بعد ذلك. إذاً، وإن نهاه مالك من إخراجها من الحرز فأخرجها لطريان شيء الغالب منه الهلاك لم يضمن.

طيب، وإن تركها، لاحظوا الآن ماذا سيحدث، لو لو العكس، طيب لو تركها في حرزها، لو تركها قال: والله يا عمي المالك مالكها نهاني أن أخرجها، وطرأ أمر الغالب منه الهلاك، لكن هو حضرة المودع عنده كان يعني ما شاء الله التلميذ المطيع، فطرأ أمر يغلب منه الهلاك، والمالك كان قال له: لا تخرجها من حرزها، فماذا فعل؟ التزم، ما أخرجها من حرزها وتركها. انظروا إيش قال: وإن تركها ولم يخرجها أو أخرجها لغير خوف ضمن. آه، يعني المودع عنده، خلينا في الصورة الأولى، الصورة الأولى مالكه مالك السيارة نهاه أن يخرجها من حرزها، وطرأ أمر الغالب منه الهلاك، فالمودع عنده قال: يا عمي أنا لن أخرجها، أنا لن أخرجها من حرزها حتى ولو طرأ أمر يغلب منه الهلاك؛ لأن المالك نهاني، فتركها فتتلفت.

جاءت السيول فعلاً دخلت على الكراج فتتلفت، أو جاء قطاع الطرق أخرجوها من حرزها ونهبوها. هل سيضمن؟ قالوا: سيضمن. ليش يا شيخ؟ ألم يلتزم بأوامر وتعليمات المالك؟ صحيح هو التزم، لكن المالك لما قال له: لا تخرجها من حرزها، المالك ما كان خاطر بباله قضية طريان الشيء المخوف، المالك كان أعطى هذه الجملة يعني من باب يا التأكيد، يعني بقولك هذه الوديعة لا تلعب فيها بس هيك، ما كان خاطر في ذهن المالك قضية طريان الشيء المخوف. وأصلاً من المعروف عقلاً وعادة أن مالك السيارة لو كان سيحدث شيء مخوف لم يترك السيارة في الحرز، لكان هو نفسه أتى فأخرجها. فبنقول عقد الوديعة يقتضي منك أيها المودع عنده أن تحفظ السيارة لصاحبها، فإذا هو كان قالك لا تخرجها من حرزها هو فقط يؤكد على عملية الحفظ.

فهو بالتأكيد لو رأى شيئاً مخوفاً عرض سيقول لك يا أيها المودع عنده: أخرج السيارة وأتي بها إلي. فمفهوم عقد الوديعة تقتضي أنه إذا طرأ شيء مخوف أن المودع عنده عليه أن يخرج السيارة من حرزها محافظة عليها، حتى ولو كان قال له المالك ابتداءً: لا تخرجها من حرزها؛ لأن المقصود من الوديعة ابتداءً الحفظ. فبالتالي الحنابلة قالوا: إذا المودع عنده لم يخرجها مع طريان الشيء المخوف فتلتف السيارة بسبب الشيء المخوف سيضمن، وهذا يعتبر من قبيل التفريط أهمل في الحفظ.

طيب، صورة ثانية ذكرها قال: أو أخرجها من دون شيء مخوف. الصورة الثانية إذا أن كما قلنا مالك السيارة إيش قال للمودع عنده؟ قال: لا تخرجها من حرزها. المودع عنده حضرته ما إلتزم، أخرج السيارة أو الوديعة عموماً من حرزها من دون أن يطرأ شيء مخوف يقتضي إخراجها، فتلفت الوديعة لما أخرجها من حرزها. أهنا سيضمن؟ ليه؟ لأنه نقول لهذا المودع عنده: أنت لماذا أخرجت السيارة من حرزها؟ هل طرأ شيء مخوف؟ لا. طيب، لماذا أخرجتها؟ قال: والله حبيت أركبها، أو حبيت أنظر إليها أو أستمتع بمشاهدتها. نقول له: أنت أخرجت السيارة من حرزها فعليك وتلفت، فنعتبرها شكل من أشكال الإهمال في الحفظ، فعليك أن تضمن ما نتج عن ذلك. لذلك قال: وإن تركها ولم يخرجها -هذا في حالة طريان الشيء المخوف- أو أخرجها من خوف -يعني من دون أن يطرأ شيء مخوف- سيضمن في كلا الحالتين ما يحدث من التلف.

لأنه في الحالة الأولى إذا لم يخرجها فرط أهمل في الحفظ، وفي الحالة الثانية لما أخرجها من دون خوف اعتداءً خلينا نقول وتصرف تصرفاً غير مأذون فيه. الحالة الثانية إذا أخرجها من دون خوف فتلفت إحنا بنعتبرها من حالة الاعتداء التصرف غير المأذون فيه؛ لأنه هو وضعها عندك حتى لا تخرجها من حرزها وأنت حضرتك أخرجتها من حرزها من دون مبرر فيعتبر هذا اعتداءً. فإذا تلفت السيارة أنت متعدٍ فتضمن.

جميل، إذاً هذه صورة من صور الضمان. فإن قال له، آه الآن انظروا هذه العبارة الأخرى التي خرجت من مالك السيارة: فإن قال له، أي مالك السيارة، إذا قال للمودع عنده: لا تخرجها ولو خفت عليها. آه، هنا زاد جملة، مالك السيارة إيش قال للمودع عنده؟ قال: يا فلان، أنا سأضع السيارة عندك في الكراج، لا تخرج السيارة ولو خفت عليها، ولو رأيتها ستهلك أمامك لا تخرجها. إذاً، هنا نص مالك السيارة على قضية عدم الإخراج ولو طرأ شيء مخوف، نص فقال: لا تخرجها ولو خفت عليها. هذه كلمة ولو خفت عليها ترى راح تغير الموضوع. كيف ستغير؟ قال: فإن قال له لا تخرجها ولو خفت عليها، فحصل خوف -أي طرأ شيء مخوف الغالب منه الهلاك- فأخرجها أو لا، لم يضمن.

آه، لو قال المالك للمودع عنده: لا تخرجها ولو خفت عليها فطرأ شيء مخوف، هنا المودع عنده بين أمرين: إما أن يخرج السيارة عند طريان الشيء المخوف ويخالف كل التعليمات تماماً، وإما أن يدع السيارة في الحرز ويقول المودع، المودع اللي هو صاحبها قال لي: لا تخرجها ولو خفت عليها، فأنا تركتها لتتلف بناءً على تعليماته. آه، هنا في حالة أن صاحب السيارة قال للمودع عنده: لا تخرجها ولو خفت عليها، هنا المودع عنده عند الحنابلة يقولون: سواء أخرجها أو لم يخرجها فتلفت، لا ضمان عليه. ليه؟ قالوا: إذا أخرجها من الحرز وخالف التعليمات تماماً، هو في الحقيقة يريد الخير لهذه السيارة، حتى ولو كان صاحب السيارة مالكها الحقيقي لا يريد الخير لها، هذا المودع عنده بيقول لك: يا عمي أنا بدي لها الخير، لن أرد على مالكها، سأخرجها وأحافظ عليها، فهو في الحقيقة فعل خيراً، فبالتالي لو نتج تلف عن هذا الخير لا نضمنه؛ لأنه لم يتعد ولم يفرط. إذاً، لو أخرجها وخالف كل التعليمات لا يضمن لو تلفت بعد ذلك؛ لأنه أراد الخير.

ولو تركها في الحرز فتلفت، آه، هنا أيضاً لا يضمن، وهنا فارقت هذه المسألة المسألة السابقة. في المسألة السابقة قلنا إيه؟ إذا كان مالك السيارة قال لك: لا تخرجها من حرزها، لكن لم يتطرق لقضية ولو طرأ شيء مخوف؛ إذا مالك السيارة قال للمودع عنده: لا تخرجها من حرزها وسكت، فطرأ شيء مخوف، فالمودع عنده لم يخرجها وتركها تتلف في الحرز، عرفنا قبل قليل أنه يضمن. لكن في المسألة الثانية التي بين أيدينا الآن، إذا مالك السيارة قال له: لا تخرجها ولو خفت عليها، فتركها المودع عنده داخل الحرز تتلف عند طريان الشيء المخوف، في هذه الحالة لن يضمن.

إيش الفرق بين الصورة الأولى والصورة الثانية؟ نقول في الصورة الثانية هو قال لك: لا تخرجها ولو خفت عليها، فنص على كلمة ولو خفت عليها. فإذا طرأ شيء مخوف فتركتها، كأن المالك أذن لك في الإتلاف، كأن المالك أذن لك أيها المودع عنده في الإتلاف، فبالتالي أنت لا تتحمل المسؤولية. لكن في المسألة السابقة المالك ما قال: لا تخرجها ولو خفت عليها، لا، بس قال لك: لا تخرجها من حرزها وسكت.

فبالتالي الأصل أنه إذا خيف على السيارة بسبب طروء شيء مخوف، أن المودع عنده مسؤول عن إخراجها، هذا الأصل، وهذا الأصل أن يكون هو مقصود المالك أصلاً. فإذا المودع عنده تركها تتلف في الحرز، لا هنا سنضمنه. فعليكم أن تفرقوا بين الصورة الأولى والصورة الثانية. صورة ما لو قال لا تخرجها وسكت، وبين لو قال لا تخرجها ولو خفت عليها.

ويكون الفرق بينهما فيما لو تركها في الداخل تتلف، ففي الحالة الأولى لو تركها تتلف يضمن، في الحالة الثانية لو قال لا تخرجها ولو خفت عليها فتركها تتلف لا يضمن، اكتبوها عندكم جيد.

ثم قال هنا ننتقل لمسألة أخرى: وإن ألقاها عند هجوم ناهب ونحوه إخفاء لها لم يضمن. هذه مسألة أخرى لكنها شبيهة بالمسائل السابقة. إذا كنت أنا إنسان معي وديعة جيد، فهجم علي قطاع طرق، أو هجم علي من يريد أن ينهبني، فمحافظة على الوديعة التي عندي قمت بإلقاء الوديعة حتى لا ينتبه إليها قطاع الطرق أو هؤلاء السارقون.

قمت بإلقاء الوديعة حتى لا ينتبه لها قطاع الطرق أو الناهبون أو السارقون، وسبحان الله لما ألقيتها قدر الله سبحانه وتعالى أنها تصطدم بشيء وتتلف؛ هل أعتبر أنا هنا متعدٍ أو مفرط؟ قالوا: لا يعتبر متعدياً ولا مفرطاً.

إذاً صورة المسألة: إنسان معه وديعة لغيره هجم عليه قطاع طرق، هجم عليه سارقون أو ناهبون أو مختلسون، ربما سارقون صعبة لأنه السارق في المفهوم هو الذي يأخذ خفية، فما بدي أقول سارق، أقول هجم عليه من يريد أن ينهبه، هم قطاع طرق ظالمون مجرمون. المهم، فهو حتى يحافظ على هذه الوديعة قام بإلقائها لئلا ينتبه إليها قطاع الطرق، فسبحان الله لما ألقاها إذا هي تصطدم بشيء وتتلف؛ هل سيضمن المودع عنده؟ قالوا: لا، لا يضمن، لأنه هو بذل ما يمكن أن يبذله ولم يتعدَ في عملية الإلقاء ولم يفرط، هو فعل ما يمكن فعله، بل ما يلزمه أن يفعله في الحقيقة محافظة على هذه الوديعة.

لانه هناك خلاف في المذهب أنه إذا لم يلقها وأخذها السراق، أو أخذها قطاع الطرق أو الناهبون، هل سيضمن ولا لن يضمن؟ لاحظوا إذاً الخلاف أنه إذا لم يلقها فأخذت منه من قطاع الطرق، هل نحاسبه ولا لا نحاسبه؟ بالتالي إذاً المفروض والتصرف الصحيح من المودع عنده إذا هجم عليه ناهبون أو قطاع طرق أن يقوم بالإلقاء، وهو لا يتحمل نتيجة ما سيترتب على هذا الإلقاء. إذاً وإن ألقاها عند هجوم ناهب ونحوه إخفاء لها لم يضمن ما سينتج عنها بعد ذلك.

قال: وإن لم يعلف البهيمة حتى ماتت ضمنها. بسم الله. الآن إخواني، إذا جاء شخص ووضع عندي وديعة، وهذه الوديعة كانت من ذوات الأرواح، من ذوات الأرواح المعصومة؛ مثل الشاة، مثل الإبل، مثل الخيل، مثل البقر. إذا جاء شخص ووضع عندي وديعة من ذوات الأرواح وذهب، وضعها وقال السلام عليكم وذهب، وأنا قبلتها.

آه، يقولون: إذا قبل الإنسان وديعة من ذوات الأرواح فمن مفهوم حفظه لها أن يقيم برعيها وسقيها وإطعامها. بما أنك قبلت وديعة من ذوات الأرواح فيلزمك حتى تحقق الحفظ ولا نعتبرك مفرطاً أن تقوم بسقيها ورعيها وإطعامها. فإن لم تطعمها ولم تسقها حتى ماتت أنت ضامن أيها المودع عندك، لأنك أهملت في الحفظ ففرطت.

إذاً ذوات الأرواح من حفظها أن يقوم المودع عنده بسقيها وإطعامها. ما بدك تطعميها ولا تسقيها رجعها لصاحبها. بما أنك رضيت بها عليك أن تقوم بحفظها، ومن صور حفظها إطعامها وسقيها ورعيها، فإذا تركها حتى ماتت يعتبر مفرطاً فيضمن.

أما هذه صورة أخرى لم يذكرها الشيخ ابن عثيمين: أما إذا المودع صاحب الشاة، صاحب الإبل، صاحب البقر وضع عندك هذه الشاة ونص وقال لك: لا تطعمها ولا تسقيها وذهب، فأنت حضرتك التزمت تعليماته فلم تطعمها ولم تسقيها حتى ماتت الشاة، هنا أنت لا تضمن شيء لمالك الشاة، لا تضمن ما عليك ضمان لأنك التزمت بقوله، لكنك آثم عند الله لأنك أزهقت روح هذا الحيوان.

فهناك فرق بين أنك تأثم وبين أنك لا تضمن. إذاً إذا جاء مالك الشاة وقال لك: أضع عندك شاة وديعة ولا تسقيها ولا تطعمها، وأنت التزمت بكلامه فلم تطعمها ولم تسقيها حتى ماتت الشاة عندك، أنت لا تضمن لأنك التزمت بتعليماته، لكنك آثم عند الله لأنك أزهقت روحاً لا ينبغي إزهاقها. إذاً عليكم أن تذكروا هذا التفصيل لأنه لم يذكره. إذاً وإن لم يعلف البهيمة حتى ماتت ضمنها، هذا في حالة أن مالكها لم يقل لك: لا تسقيها ولا تطعمها. إذا لم يقل لك ذلك فعليك إلزاماً أيها المودع عنده أن تقوم بالسقي والإطعام وإن تركتها حتى ماتت ضمنت.

بسم الله. الآن سيأتي إلى موضوع يتعلق بعملية السفر. هذه مسألة فيها تفصيل. فقال: فصل. وإن أراد المودع عنده السفر، ما هي الخطوات الإجرائية التي عليه أن يتبعها؟ أنا إنسان عندي وديعة وأردت أن أسافر كما حدث مع النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته إلى المدينة وكان عنده ودائع لكفار قريش. ماذا فعل؟

الإجراء الأول من أراد يسافر وعنده وديعة؛ أول خطوة عليه أن يعملها أن يسعى إلى رد الوديعة إلى مالكها الحقيقي، أو إلى من يقوم مقام مالكها، من يحفظ ماله عادة. فأنا أردت السفر أتكلم مع المالك: يا سلام عليكم أخي الكريم، أنا أريد أن أسافر، أريد أن أرد إليك الوديعة.

ما وجدت المالك أو وجدت مثلاً خياراً آخر، أو وجدت من يحفظ مال هذا المالك، ممكن هذا المالك ما هو فاضي، عنده وكلاء يحفظون أمواله معروفون، فأستطيع إذاً أن أرد الوديعة إلى مالكها أو أردها إلى وكلائه، إلى من يحفظون ماله عادة.

والذين يحفظون ماله عادة كما قلنا إما وكلاء، وقد تكون زوجته كما مر معنا قبل قليل أو عبده، إذاً كزوجته أو عبده أو إلى خازنه أو وكيله. فإذاً أول خطوة علي أن أرد الوديعة إلى مالكها أو من يقوم مقامه.

فإن تعذر؛ حاولت أن أصل إلى مالكها، حاولت أتواصل مع زوجته، حاولت أتواصل مع وكلائه، ما استطعت، ما عرفت أصل إليهم بشكل من الأشكال. فإن تعذر؛ الآن إذا تعذر هناك تفصيل، قالوا: إذا كان السفر بهذه الوديعة فيه حفظ لها، فهو سفر غير مخوف عليها، وكان مالك الوديعة وصاحبها لم ينهني عن السفر.

إذا كان السفر بالوديعة فيه حفظ لها، وكان صاحب الوديعة لم ينهني -ما قال لي لا تسافر بها- فجمعت بين الشرطين، فإنني أسافر بها. لذلك قال: وإن تعذر ولم يخف عليها معه في السفر، وكان صاحب الوديعة -هذه أضيفوها- وكان صاحب الوديعة لم ينهوه عن السفر بها فيسافر بها. فإن تلفت في أثناء السفر لا ضمان، لأنني لا أعتبر متعدياً في سفري بها في هذه الحالة، لأنني قدرت أن السفر لا يتلفها وليس مخوفاً عليها، وأنت يا صاحب الوديعة لم تنهني عن السفر بها، فسافرت بها سفراً مأذوناً به شرعاً، فإذا قدر الله فتلفت في السفر أنا لا أعتبر لا متعدياً ولا مفرطاً فلا ضمان علي.

أما إن خاف عليها؛ أما إذا خاف عليها في السفر -قال والله هذا سفر مخوف في صحراء- أو لم يخف عليها لكن صاحب الوديعة كان نهاه عن السفر بها -وهذه حالة لم يذكرها الشيخ مرعي اكتبوها- إذا خاف على الوديعة أو كان صاحب الوديعة نهاه عن السفر، هنا لا يجوز له أن يسافر بها بحال، لا يجوز، وإذا سافر يعتبر فعل فعلاً وتصرف تصرفاً غير مأذون فيه فيعتبر متعدياً، فإذا تلفت في السفر ضمن.

طيب، ماذا يفعل؟ بدو يسافر. قالوا: عليه أن يقوم بدفع الوديعة إلى الحاكم، يأتي إلى حاكم القرية أو إلى قاضي القرية، أو من يقوم مقام الحاكم، فيدفع إليه الوديعة ويكتب عنده أن هذه وديعة لفلان الفلاني، أنا محتاج للسفر وهذه الوديعة لم أستطع أن أردها إلى مالكها لأنه... وأريد أن... ولا أستطيع أن أسافر بها، إما لأن سفري مخوف أو لأنه نهاني عن السفر بها، فأضعها عندك، إذا جاء مالكها أعطها إياه. فإذاً يدفعها إلى الحاكم.

طيب، إذا كنا في مكان لا حاكم فيه، قال: فإنه يدفعها، فإن تعذر -يعني إن تعذر دفعها إلى الحاكم- دفعها إلى ثقة. أو شوفوا، فإن تعذر دفعها إلى الحاكم هذا يشمل الصورتين في الحقيقة؛ يشمل صورة إذا كان الحاكم غير موجود أصلاً، ويشمل صورة إذا كان الحاكم يده طويلة يسرق الودائع التي توضع عنده، وهذا للأسف ما أكثره في هذه الأيام. فإذا كان الحاكم غير موجود أو كان الحاكم لا يؤمن على هذه الودائع، فإنك عليك أن تدفعها إلى ثقة تثق بدينه وأمانته، تضع عنده هذه الوديعة تحفظها لمالكها. إذاً فإن تعذر فإلى ثقة، هذه الإجراءات المتبعة للمودع عنده إذا أراد أن يسافر وعنده وديعة.

هكذا يفعل، والنبي صلى الله عليه وسلم لما أراد السفر إلى المدينة وضعها كما قالوا، قالوا إنه وضع الودائع عند أم أيمن، عند حاضنته، وهذه هي الثقة التي اختارها، وأمر عليّاً رضي الله تعالى عنه أن يتولى بنفسه إعادة الودائع إلى أصحابها وملاكها.

ثم قال: ولا يضمن مسافر أودع فسافر بها، فتلفت بالسفر. هذه العبارة تحتاج إلى إعادة صياغة، يعني من قرأها في الظاهر لن يفهم المراد بها بالتحديد. قال: ولا يضمن مسافر أودع. ما معنى هذا الكلام؟ إذا إنسان أثناء السفر -هكذا نقول- إذا مسافر وهو في أثناء سفره، جاء شخص فوضع عنده وديعة أثناء السفر. وأنا في سيارتي مسافر في الطريق، جاء شخص فقال لي: بالله يا شيخ، تضع هذه عندك وديعة، تمام؟ قال: فسافر بها. اكتبوها: مش فسافر بها، فأتم السفر بها، هذه العبارة الدقيقة.

إذاً، إذا إنسان مسافر في أثناء السفر وضعت معه وديعة فأتم السفر بها، وهو في أثناء السفر تلفت معه، هل يعتبر ضامناً؟ قالوا: لا يعتبر ضامناً، لأنه لم يتعدَ ولم يفرط. الضمان إما في تصرف في تعدٍ أو في تفريط. أنا في أثناء سفري جاء شخص وضع معي وديعة، إذا هو متوقع أني أنا في سفر، والسفر فيه مشقات وفيه قطاع طرق وفيه ناهبون وفيه أحوال. فإذا أنت أيها يا صاحب الوديعة، بما أنك وضعت عندي الوديعة وأنت شايفني أني في سفر، فهذا رضا منك بكل النتائج التي ستحدث. فإذا أنا أتممت السفر بها، أنا ما تعديت، ما فعلت شيئاً بالوديعة لا ينبغي أن أفعله، أنا مشيت في سفري وأكملت طريقي، فقدر الله أن تتلف في أثناء السفر بدون تعدٍ مني ولا تفريط، فلا أضمن. جيد.

ثم قال: وإن تعدى المودع في الوديعة؛ بأن ركبها لا لسقيها، أو لبسها لا لخوف من عث، أو أخرج الدراهم لينفقها أو لينظر إليها ثم ردها، أو حل كيسها فقط، حرم عليه وصار ضامناً. الآن ذكر مجموعة من التصرفات التي لا يجوز للمودع عنده أن يفعلها وإذا فعلها نعتبره نوعاً من أنواع التعدي. ما هذه التصرفات؟

إذا كانت الوديعة من مركب؛ شاة، ناقة، سيارة. طيب، فركبت أنا هذه السيارة الوديعة عندي، أو ركبت هذه الشاة -طبعاً الشاة أصعب في الركوب- أو ركبت هذه الناقة من دون أي مبرر، يعني ليس لصالحها. إذا ركب المودع عنده السيارة ليس لصالحها، أو ركب ناقة أو خيلاً موضوعة وديعة عنده ليس لصالحها، فتلفت يعتبر ضامناً، ليه؟ لأن ركوبه لها من دون أي مبرر شكل من أشكال التعدي.

أما إذا ركبها لصالحها، أحياناً بيقول لك مثلاً بعض السيارات لازم تشغلها كل فترة حتى المحرك لا يتلف. فإذا كانت عندي سيارة وديعة، الآن من صور حفظ هذه السيارة أن أركبها كل فترة حتى أشغل المحرك وأدور بها قليلاً ثم أعيدها إلى المخزن. فإذا ركبت السيارة لصالح السيارة محافظة عليها وعلى محركها، فتلفت في أثناء ركوبي لها هنا لا أعتبر متعدياً، فبالتالي لا أضمن. أما إذا ركبها لمجرد اللهو بها أو العبث وليس لصالحها، أعتبر متعدياً فأضمن ما يترتب على ذلك من التلف.

لذلك قال: بأن ركبها لا لسقيها، هم يمثلون على الناقة، إذا ركب أنا ناقة وديعة عندي لأذهب بها إلى السقي، هنا أنا ركبتها لصالحها، فإذا تلفت في الطريق لا أضمن، ما تعديت، أنا رايح أسقيها. أما إذا ركبها ليس لسقيها ولا لمصلحة تعود عليها فتلفت، هنا أعتبر متعدياً بالتالي علي أن أضمن.

قال: أو لبسها. إذا كانت الودائع ثياباً، فلبست هذه الثياب، نقول لك لماذا لبستها؟ إذا قال والله لبستها حتى أزيل ما فيها من عث أو حشرات يمكن أن تعلق بها، والله محافظة عليها يا شيخ. إذا كان لبسها محافظة عليها فتلفت لا يضمن، لأنه لبسها لمصلحة حفظها، فهو ليس متعدياً في هذا اللبس. أما إذا لبسها ليس لصالحها بل ليرى كيف منظرها عليه، أو يتسلى أو يعبث، آه هنا يعتبر متعدياً فإذا تلفت يضمن.

ثم قال: أو أخرج الدراهم لينفقها أو لينظر إليها. أنا أعطيتك دراهم في صرة -هكذا قديماً كانوا يدعون الدراهم في صرة أو في محفظة في وقتنا المعاصر وتعطيها وديعة عند شخص- فقام هذا الشخص بفتح هذه الصرة وأخرج الدراهم منها، إما نوى أن ينفقها ويتصرف فيها وقال خلاص برجعله عوضها بعدين، أو أراد فقط أن ينظر إليها. باختصار قال لك: إذا فتحت الصرة وأخرجت الدراهم سواء لتنفقها أو لتنظر إليها ثم رددتها -لاحظوا حتى لو ردها بعد ذلك ثم رددتها- أنت تعتبر هنا خنت الأمانة، وإذا خنت الأمانة الوديعة تعتبر ملغية.

الوديعة تعتبر ملغية، وسيأتي معنا ماذا عليه أن يفعل؛ لأنه سيقول بعد ذلك ووجب عليه ردها فوراً، ولا تعود أمانة بغير عقد متجدد في كل الصور التي مرت معنا؛ إذا ركبها لا لسقيها، أو إذا لبسها لا لخوف من عث، أو أخرج الدراهم من الصرة لينفقها أو لينظر إليها حتى ولو ردها بعد ذلك.

خلص، هو في كل هذه الصور عم بخون الأمانة، ومن خان الأمانة ألغى معه عقد الوديعة، من خان الأمانة ألغى معه عقد الوديعة. إذاً، أو أخرج الدراهم لينفقها أو لينظر إليها، ولو ردها بعد ذلك إلى محلها، هو خلص خان.

قال: أو حل كيسها فقط. تصوروا الصورة الأخيرة، لو مجرد فقط هذه السرة المربوطة حللت الكيس عنها وفككته من دون أن تخرج الدراهم، أنت خنت الأمانة. مجرد أنك فتحت الكيس الذي فيه النقود وحللت الرباط عنه ونظرت فيه ولو لم تخرج الدراهم، أنت خنت الأمانة. فقال: أو حل كيسها فقط. في كل هذه الصور التي مرت معنا، حرم عليه هذا التصرف، حرم عليه أن يركبها لا لسقيها، حرم عليه أن يلبسها لا لإزالة عث فيها، حرم عليه أن يخرج الدراهم لأي سبب من الأسباب التي لا تعود لصالحه، حرم عليه أن يحل الرباط، حرم عليه وصار ضامناً في كل هذه الأحوال.

طيب، أصبحت ضامناً؟ خلص، أصبحت الآن يدي على هذه الوديعة؛ على الناقة، وعلى الثياب، وعلى الدراهم، وعلى السرة، أصبحت يدي يد عادية. فهي يد ضامنة، يد ضمان، تضمن مطلقاً. طيب، ما هي الخطوات التي يفعلها ليصحح الخطأ الذي وقع فيه؟ قال: وجب عليه ردها فوراً إلى مالكها. عليك مباشرة، بما أنك أخطأت هذا الخطأ، بتمسك حالك وبتمسك الوديعة وترجعها إلى مالكها. وجب عليه ردها فوراً.

طيب، ولا تعود أمانة ولا تعود يعني لا تعود يدك عليها يد أمانة ولا يعود أصلاً عقد الوديعة بغير عقد متجدد. فلا تعود يدك على هذا المال يد أمانة حتى تجدد العقد من جديد، تذهب إلى مالكها وتقول: يا مالك، أنا ركب السيارة من دون مبرر، أنا لبست ثيابك من دون مبرر، أنا أخرجت الدراهم من المحفظة من دون مبرر، أنا مجرد فتحت المحفظة من دون مبرر، فأنا خنت الأمانة. هذه أمانتكم ردت إليكم، حبيت ترجع الوديعة من جديد ونعمل عقد جديد، حياك الله، ما حبيت وحبيت آخذ مالك أنت صاحبه. فلذلك قال: ولا تعود أمانة، أي لا تعود يده على الوديعة يد أمانة إلا بتجديد عقد جديد، إذاً بغير عقد متجدد.

وصح، اه، هنا ركزوا في هذه العبارة. قال: وصح كلما خنت ثم عدت إلى الأمانة فأنت أمين. اه، لو أن صاحب الوديعة، المالك لها، قال للمودع عنده: اسمع أيها المودع، أنا سأضع عندك أمانة، وأنا عارف إنه نفسك ممكن تسول لك تخون فيها في يوم من الأيام، فأنا سأضع عندك أمانة، وكلما خنت في هذه الأمانة عاد، لا تجيني وتحكي معي، خلص، أنا بعطيك من الآن تجديد مطلق. كلما خنت في الأمانة فأنت أمين من جديد.

إذاً لو قال مالك الوديعة للمودع عنده: كلما خنت، أي في الأمانة، ثم عدت إلى الأمانة فأنت أمين، فهذا يعطي المودع عنده تجديداً مطلقاً في عقد الوديعة، تجديداً خلص من دون حاجة إلى أن يذهب إلى المالك ويخبره بالتفاصيل. فهذه العبارة مقبولة وتترتب عليها آثارها ولا حرج.

ثم قال الشيخ مرعي رحمة الله عليه: فصل والمودع أمين، فلا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط أو خان. في الحقيقة، أنا كنت أتمنى أن الشيخ مرعي يضع هذه العبارة في بداية الباب، يعني بعد كل هذه المسائل التي فصلنا فيها في صور الضمان وعدم الضمان، بعد ذلك نأتي فنقول: المودع أمين. الأصل هذا مبدأ عام، يذكر في بداية باب الوديعة، ثم بعد ذلك تذكر الصور التي يعتبر فيها المودع تعدى أو فرط، والصور التي لا يعتبر فيها تعدى أو فرط. فمن حسن الترتيب والله أعلم، وهذا ذوقي واجتهادي، أنه هذه الجملة كان ينبغي أن تقدم في بداية الباب، فنقول: المودع يده يد أمانة، لا يضمن إلا بتعد أو تفريط، وليس في هذا الموطن. لكن هكذا فعل الشيخ مرعي وجزاه الله عنا خيراً.

قال: أمين لا يضمن إلا إن تعدى، وعرفنا التعدي تصرف غير مأذون فيه شرعاً بالوديعة، أو فرط، وعرفنا ما هو التفريط إهمال في الحفظ، أو خان. الخيانة في الحقيقة يعني هو اعتبرها صورة مستقلة، لكن ممكن نعتبرها يعني تدخل في من قبيل التعدي، يعني هل الخيانة شيء مستقل غير التعدي؟ الذي أنظر إليه والله أعلم أن الخيانة شكل من أشكال التعدي، فلا حاجة لإفرادها.

ثم قال: ويقبل قولُه بيمينه في عدم ذلك. إذن القول قول من؟ يقول لك الشيخ مرعي: ويقبل قوله بيمينه في عدم ذلك. يعني لو أن الوديعة تلفت عند المودع عنده، إذاً الوديعة تلفت عند المودع عنده، فقال: تلفت الوديعة من دون تعد ولا تفريط، فجاء صاحب الوديعة قال له: كذبت، أنت تعديت أو فرطت، فاختلفوا وارتفعت الأصوات فارتفع الأمر إلى القضاء، فذهبنا إلى القاضي. القاضي سيطالب من بالبينة؟ وسيطالب من باليمين؟ يعني من المدعي ومن المدعى عليه؟ يعتبر المودع عنده هو المدعى عليه، فهو المطالب باليمين فقط؛ يحلف يمين بالله أنه لم يتعد ولم يفرط ولم يخن. وصاحب الوديعة هو المدعي، فهو المطالب أن يأتي بالبينة، فيقول له القاضي: ائتني بالبينة، بشهود يشهدون أن المودع عنده فرط أو تعدى. إذا لم تأت بالبينة فالقول قول المودع عنده بيمينه، فهذا معنى قوله: ويقبل قوله بيمينه في عدم ذلك، أي في أنه لم يفرط ولم يتعد، أي أنها تلفت عنده من دون تعد ولا تفريط أو خيانة.

طيب، وفي أنها تلفت؟ وكذلك يقبل قوله في أنها تلفت أصلاً. وهذا كان ينبغي أن يقدم، يعني من حسن الترتيب أن يقدم هذه على تلك، لكنه هذا فعل. يعني لو أنهم اختلفوا فالمودع عنده قال: أنت وضعت عندي جوال وتلف. فصاحب الجوال، اللي هو مالك الوديعة، قال: كذبت، الجوال لم يتلف، أنت تخبئه عندك، أنت سرقته. المودع عنده: يا جماعة، صدقوني تلف الجوال. صاحب الوديعة: لا يا عمي، ما تلف الجوال. اختلفوا، ارتفعنا إلى القضاء. الآن القاضي يعتبر القول قول من؟ القول أيضاً قول المودع عنده في أنها تلفت بيمينه، وصاحب الوديعة هو المطالب بالبينة، هو المطالب أن يأتي ببينة تثبت أن الوديعة لم تتلف وما زالت قائمة. فإذاً المودع عنده يعتبر قوله في أنها تلفت أو لا، ويعتبر قوله في أنها تلفت بدون تعد أو تفريط. والطرف الآخر، صاحب الوديعة، هو المطالب بأن يأتي بالبينة ليثبت خلاف قول المودع عنده.

ثم قال: أو أنك أذنت في دفعها لفلان وفعلت. أيضاً مسألة ثالثة القول فيها قول المودع عنده. قالوا: لو أن المودع عنده قال: إيه أنت يا صاحب الوديعة أذنت لي أن أسلم هذه الوديعة لفلان، وأنا فعلت. فصاحب الوديعة قال: كذبت، أنا لم أقل لك أعط الوديعة لفلان، أنا قلت ضعها عندك ولم أقل أبداً أعطها لفلان. فاختلفوا، المودع عنده بيقول: لا والله أنت قلت لي أعطها لفلان وأنا فعلت، وصاحب الوديعة يقول: لا، أنا لم أقل ذلك. فالقاضي يعتبر القول قول من؟ أيضاً القول قول المودع عنده، لأنه المودع عنده إخواني، لماذا اعتبرنا قوله؟ لعدة اعتبارات، من أساسها: أولاً أنه أمين، والأمين، أو يعني من كانت يده على شيء يد أمانة، فالأصل أنه لم يتعد ولم يفرط حتى يثبت خلاف ذلك. ثانياً: المودع عنده متبرع، أليست الوديعة من عقود التبرعات؟ فالمودع عنده متبرع، فنعتبر الأصل قوله لأنه هو يفعل هذا الفعل مجاناً لوجه الله سبحانه وتعالى، هذا هو الأصل فيه. بالتالي نحن نريد أن نساعد الناس على أن يقبلوا الودائع ويتعاونوا مع غيرهم، وبالتالي لا نحملهم ما لا يطيقون ولا نجعل والله البينة عليهم، حتى لأنه لو جعلنا البينة عليهم ترى الناس ما راح تقبل وديعة، لأنه بدو يقول لك: إذا أنا قلت إني رجعتها أو تلفت، وصاحب الوديعة قال: لا، ما تلفتش أو ما رجعتها، والقاضي سيعتبر القول قول صاحب الوديعة ولم يعتبر قولي أنا المودع، عندي مشكلة، بصير الناس تضع عندي ودائع وبينفوا أنني رددتها إليهم، وستأتي مسألة الرد، أو بينفوا، أو إذا تلفت بيقولوا: لا، ما تلفتش وأنت اللي أتلفتها، وأتورط أمام القضاء بإتياني بشهود وبينات، فالناس ستترك الوديعة كلها. فالشريعة الإسلامية لاحظت هذا الملحظ عموماً.

المهم، فإذاً في المسألة الثالثة: أو أنك أذنت لي في دفعها لفلان وأنا فعلت. القول قول المودع عنده إلا إذا أتى صاحب الوديعة بشهود.

وإن ادعى الرد، هذه مسألة الرد، وإن ادعى الرد بعد مطله بلا عذر أو ادعى ورثته الرد لم يقبل إلا ببينة. وكذا كل أمين.

الآن انتبهوا معي إخواني، الأصل المودع عنده القول قوله في أنه رد الوديعة. وهذه القاعدة اكتبوا: على خلاف الأصل في القضاء. ليش على خلاف الأصل؟ إخواني، المودع عنده كما قلت لكم، أو خلينا نرجع على الأصل في القضاء، الأصل في القضاء ما هو؟ أنه إذا ثبتت عين في ذمة شخص لصالح شخص آخر، إذا ثبت هناك شيء في ذمة شخص لصالح شخص آخر، فالأصل أنه لم يقم برده أو برد ما في ذمته لذلك الشخص حتى يأتي بالبينة. إيش يعني؟ يعني لو أنا أريد مال من شخص اسمه عمرو، وعمرو فعلاً ثبت وأقر أن عليه مال، عليه ألف دينار لي، فالآن الأصل بقاء المال في ذمة عمرو، والأصل أنه لم يرد حتى يأتي بالبينة.

فإذا اثنين ارتفعنا للقضاء، عمرو بيحكي: أنا رددت الدين، وأنا صاحب الدين بقول: لا والله ما أعطاني شيء. القول قول من في الأصل؟ القول قولي، القول أنني لم أستلم، أنا صاحب الحق. الدين ثبت في ذمة عمرو، الدين ثبت في ذمة عمرو بالتأكيد، لكن عملية رد عمرو الدين إلى صاحبه مشكوك فيها، فالأصل أنه لم يرد حتى يأتي بالبينة، وصاحب الدين يحلف يميناً أنه لم يستلم شيئاً ويعتبر القول قوله. هذا هو الأصل في القضاء، من ثبت شيء في ذمته فالأصل أنه لم يرده حتى يأتي بالبينة على ذلك، طبعاً الأصل أنه لم يرده حتى يأتي بالبينة، هذا في حالة أنه الطرف الآخر أنكر، يعني هذا هو المقصود أنه واضح. القول الأصل أنه لم يرد، هذا في حالة وقع خلاف، هو بيقول: أنا رددت، والطرف الآخر بيقول: أنا ما استلمت، فالذي يزعم أنه رد هو الذي عليه أن يأتي بالبينة لأن الأصل أنه لم يرد.

لكن في عقد الوديعة جاء الأمر على خلاف هذه القاعدة القضائية، فالأصل أن القول قول المودع عنده في أنه رد الوديعة، والذي عليه البينة هو صاحب الوديعة، هو الذي عليه أن يأتي بالبينة أنه لم يستلم. لماذا هنا خالفنا القاعدة القضائية؟ قالوا: لما ذكرت قبل قليل أن المودع عنده متبرع، يفعل شيئاً تبرعاً مجاناً ليعاون الآخرين. فلو جاء شخص وضع عندك وديعة، تخيل هيك شخص وضع عندك وديعة وأنت حافظت له عليها وجزاك الله خيراً، وأنت رددت الوديعة، وهو أراد يستغل الواقع ويستغل الظرف فقال: والله أنت ما رجعت لي الوديعة، فقلت له: يا فلان ترى رجعت لك الوديعة يوم كذا وكذا، قال: لا والله ما رجعت لي إياها، واختلفوا الاثنين فارتفعنا للقضاء. تخيلوا لو أن القاضي سيطالب المودع عنده بالبينة ويقول لصاحب الوديعة: يلا احلف يمين وخلص، والمودع عنده عليه بينة.

سجلاً على القاعدة القضائية المطردة، هنا كثير من الناس ستستنكف عن قبول الودائع لأنهم سيقولون: يا عمي، إحنا قبلنا الوديعة مجاناً لوجه الله وبدنا نساعد الناس، وإذا ردينا الوديعة وصاحب الوديعة جحد استلامها القاضي سيطالبني أنا المودع عنده بالبينة، والله مشكلة! كل شخص يضع عندي وديعة وبعدين ينكر أني رجعتها له ويخرج للقضاء والقاضي لا يطالبني أنا ببينة وصاحب الوديعة فقط عليه اليمين، هنا سيقعد الناس في المشاكل، سيتورط المودع عنده، وبالتالي سيخاف الناس من قبول الودائع حتى يسلموا من الأمور القضائية، فيقول: لا يا عمي، ما راح أقبل وديعة ولا شيء، بلاش يكون صاحب الوديعة رجل فاجر ينفي أنه استلمها مني ويرفع للقضاء أمري والقاضي يطالبني ببينة، وعاد أنا من وين أجيب بينة؟ ما حدا شافنا لما رجعت له الوديعة، مشكلة أليس كذلك؟

فهنا جاءت قضية الوديعة على خلاف القاعدة الأصلية في القضاء، لأنه القاعدة الأصلية هسا المال ثبت أنه عند المودع عنده، المودع عنده معترف أنه المال عنده كان، لكن بقول: أنا يا عمي كان عندي المال ورجعته، والمودع صاحب الوديعة بقول: لا، أنت ما سلمتني إياها. فنحن هنا في باب الوديعة لأجل أن المودع عنده متبرع في عملية الحفظ بدنا نساعده، وبدنا لأنه فعل شيئاً مجانياً لوجه الله بدنا نقفن في صفه، فنقول: أيها المودع، القول قولك في أنك رددت الوديعة، وأنت عليك فقط اليمين، والمودع هو الذي عليه أن يأتي ببينة تثبت أنه لم يستلم. هذا من باب إيش قلنا؟ هذا يعني لو واحد سألك: لماذا خالفتم القاعدة في القضاء؟ نقول: خالفناها حتى نساعد على بقاء أبواب الخير مفتوحة لئلا يمتنع الناس من قبول الودائع، هذه فلسفة هذا الموضوع.

لكن هناك استثناء في هذه المسألة، انظروا إيش قال الشيخ مرعي: وإن ادعى الرد بعد مطله بلا عذر أو ادعى ورثته الرد لم يقبل إلا ببينة. آه، في هناك أحوال رح نخالف فيها هذه القاعدة في المودع عنده، ما هي؟ قال: لو أن المودع عنده كان يماطل في رد الوديعة إلى صاحبها.

إذا المودع عنده ماطل في رد الوديعة إلى صاحبها من دون عذر، كل يوم يجي يا فلان رجع لي وديعتي، والله ما أنا فاضي اليوم تعال لي بكرة، اليوم الثاني يا فلان أريد وديعتي. والله خلص تعال الأسبوع القادم بإذن الله أكون موجود أموري سهلة أعطيك إياها، وما في عنده عذر.

فإذا ماطل المودع عنده في رد الوديعة إلى صاحبها من دون عذر، ثم بعد المماطلة ادعى أنه رد الوديعة، فصاحب الوديعة قال والله ما ردها أيها القاضي. هنا لا، الذي سيطالب بالبينة هو المودع عنده على الأصل في القضاء، هو الذي سيطالب بالبينة، وصاحب الوديعة فقط عليه اليمين. ليه؟ قالوا لأن المودع عنده جنى على نفسه لما ماطل من دون عذر، وخلاه أو وضع نفسه في موضع التهمة خلينا نقول. وضع نفسه في موضع التهمة إنه ليش ماطلت؟ وليس لك عذر في المماطلة خليتنا نضع عليك علامات استفهام، بالتالي راح نرجعك للحال الأصلية في القضاء، ثبتت العين في ذمتك فعليك أن تثبت لنا بالبينة أنك رددتها إلى صاحبها، وصاحب الوديعة عليه اليمين فقط في هذه الحالة.

أيضًا صورة أخرى لو أن المودع عنده مات، المودع عنده مات وترك الوديعة في بيته. فصاحب الوديعة جاء إلى ورثته فقال لهم أعطوني وديعتي التي وضعتها عند والدكم، فالورثة قالوا نحن رددنا لك الوديعة، فصاحب الوديعة قال متى رددتموها؟ قالوا والله رددناها، فارتفعوا إلى القضاء. فالقاضي سيطالب من بالبينة؟ في الحقيقة هنا الذي سيطالب بالبينة الورثة، لأن الورثة ليسوا هم المتبرعون في حفظها، بل بالعكس الورثة الآن في محل الاتهام أنهم يريدون الحيازة على الوديعة حتى يستفيدوا منها هم. فالورثة لم يتبرعوا بالحفظ فليسوا هم الذين قاموا بالإحسان حتى نكافئهم عليه، وهم في موطن الاتهام أنهم يريدون حيازة الوديعة، فيطالبهم القاضي بالبينة أنهم ردوا الوديعة إلى صاحبها، وصاحب الوديعة فقط عليه اليمين.

إذًا هكذا نكون لممنا هذه المسألة: الأصل أن المودع عنده القول قوله في أنه رد الوديعة، وصاحب الوديعة هو عليه البينة، لكن هناك مسألتان يكون الأمر بالعكس: يكون صاحب الوديعة عليه اليمين، والطرف الآخر المطالب بالبينة. الصورة الأولى: إذا كان المودع عنده مماطلاً بلا عذر في رد الوديعة. الصورة الثانية: إذا المودع عنده مات وزعم ورثته أنهم ردوا، فحينئذ عليهم البينة إذا صاحب الوديعة أنكر ذلك.

ثم قال: وكذا كل أمين. أي هاتان المسألتان، مسألة إن ادعى الرد بعد مطله بلا عذر أو ادعى ورثته الرد لم يقبل إلا ببينة. هذا عام في كل أمين أحبابي. كل إنسان يده يد أمانة، كل إنسان يده على الشيء يد أمانة، فماطل في رده من دون عذر ثم زعم أنه رد، عليه أن يأتي بالبينة أنه رد، والطرف الآخر عليه فقط اليمين. وكذا كل إنسان يده يد أمانة، من كل أي يد الأمانة التي مرت معنا، كل إنسان يده يد أمانة ومات وانتقلت هذه الأمانة إلى ورثته، ورثته هم المطالبون بالبينة في أنهم ردوا الأمانة إلى صاحبها. إذاً فقوله: وكذا كل أمين أي كل أمين ينطبق عليه هذان الاستثناءان، ولا يقصد هو أن كل أمين الأصل أن القول قوله في الرد، لا.

الأمناء يعني بدي أعطيكم قاعدة هيك إن شاء الله أنها تساعدكم. من كانت يده يد أمان: إما أنه قبضها العين لصالح المالك فقط، وهذا مثاله الوديعة. وإما أن يكون قبضها لصالح الطرفين، يعني هو وضع يده عليها، هو منتفع والمالك منتفع، كما هو مثلًا هو الحال في الإجارة. جميل؟

فالآن من قبض الشيء لصالح المالك فقط، كما هو الحال في الوديعة، فهذا الذي يقولون فيه القول قوله في أنه رد، القول قوله في أنه رد. ومثل الوديعة طبعًا الوكالة المجانية عمومًا، مثل الوديعة تستطيعون تقولوا وكالة مجانية عمومًا، أنا كلها من باب التعاون. من قبض شيئًا لصالح المالك فقط، ولا يوجد له أي صالح دنيوي، فهذا يعتبر القول قوله في أنه رد هذا الشيء إلى مالكه، والمالك هو الذي عليه أن يأتي بالبينة في أنه لم يستلم. ويستثنى من هذا مسألتان أو نستثني مسألتين: المسألة الأولى إذا أن القابض ماطل، أو إذا القابض مات وورثته هم الذين انتقلت إليهم الأمانة، على الاستثناءات التي ذكرناها.

وأما من قبض العين لصالح الطرفين، وأما من قبض عينًا لصالح الطرفين، لا، فهنا نبقى على القاعدة العامة في القضاء. من كانت يده يد أمانة وقبض هذه العين لصالح الطرفين، كالمستأجر الذي قبض العين لأنه يريد أن ينتفع بها، والمؤجر يأخذ مالًا مقابلها، الآن المستأجر يده يد أمانة. لكن إذا ادعى أنه رد العين المستأجرة إلى المؤجر، فهو الذي عليه أن يأتي بالبينة، والمؤجر على القاعدة العامة في القضاء الأصل أنه لم يستلم حتى يثبت المستأجر أنه رد العين.

فبالتالي من كانت يده يد أمانة، فإذا كان قبض العين لصالح الطرفين، فهنا نطبق القاعدة الأصلية في القضاء، أن صاحب يد الأمانة عليه أن يثبت بالبينة أنه رد العين إلى صاحبها، وصاحبها عليه اليمين فقط. وأما إذا كانت يد الأمانة لكنها لصالح المالك فقط، فالقول قول صاحب يد الأمانة أنه رد، والمالك هو الذي عليه أن يأتي بماذا؟ والمالك هو الذي عليه أن يأتي بالبينة أنه لم يستلم. اللهم إلا في مسألتين استثنائيتين ذكرناهما: في حالة المماطل وفي حالة موت صاحب يد الأمانة، فحينئذ نطبق ما ذكره الشيخ مرعي، لذلك قال وكذا كل أمين، أي نطبق عليهم هذين الاستثناءين.

ثم قال: وحيث أخر ردها بعد طلب بلا عذر. حيث أخر المودع عنده ردها أي رد العين المودعة بعد طلب بلا عذر ولم يكن لحملها مؤنة ضمن. من الصور التي يضمن فيها المودع عنده: إذا أن صاحب الوديعة طلب وديعته، والمودع عنده أخر ماطل على ما ذكرناه قبل قليل ماطل بلا عذر، وكانت العين المودعة لا مؤنة في تسليمها ركزوا، إذا ماطل في تسليمها بعد المطالبة ولا عذر له، ولم يكن هناك مؤنة لنقلها حينئذ وتلفت، سيضمن المودع عنده. لأنه بمجرد أن يطالب بتسليمها ولا عذر له في التأخير ولم تكن هناك مؤنة وهو تأخر، أصبحت يده على الوديعة يد عادية، فأصبحت من يد أمان إلى يد ضمان، تحولت من يد أمان إلى يد ضمان.

إذاً، وحيث أخر ردها بعد طلب بلا عذر ولم يكن لحملها مؤنة، أصبحت يده يد عادية مثل يد الغاصب، فتكون يده يد ضمان فيضمن إذا تلفت الوديعة مطلقًا، سواء منه أو من غيره، بتعد أو تفريط أو بدون تعد ولا تفريط، لأن مجرد تأخيره في تسليمها بعد طلب بلا عذر ولا مؤونة هو بحد ذاته يعتبر تعديًا. فتحولت يده كما قلنا من يد أمان إلى يد ضمان ويعتبر ضامناً مطلقاً ما بعد ذلك.

طيب، إذا كان لحملها مؤونة، يعني إذا كانت بعض الودائع مثل سيارة، هذه إرجاعها يحتاج إلى مؤونة، شاة خلينا نقول مثلًا، أو إبل، أو قطيع من الخيول، الآن هذا رده يحتاج إلى مؤونة. مؤونة الرد هذه ليست على المودع عنده، هي على صاحب الوديعة. فإذا أنت واضع عندي قطيع من الإبل ولا الخيل، وحكيت معي تلفون والله رجع لي إياه، بقول لك لا يا عمي تعال أنت خذ هذا القطيع وارجع لأنه يحتاج إلى مؤونة، أنت طلبت وأنا موفر لك أن تأتي لتأخذه، لكنه أنا كمودع عندي لست مسؤولاً عن عملية رد هذا القطيع لأن رده يحتاج إلى مؤونة، وأنت يا صاحب الوديعة أنت الذي عليك أن تدفع هذه المؤونة. لذلك قيد: ولم يكن لحمله مؤونة.

ثم قال: وإن أكره على دفعها لغير ربها لم يضمن. إذا جاء سلطان جائر أو إنسان ظالم فأجبر المودع عنده أن يدفع الوديعة إلى شخص أجنبي، إذا جاء سلطان جائر فأجبر المودع عنده أن يدفع الوديعة لشخص أجنبي أي لغير ربها، هل يعتبر المودع عنده ضامن؟ إذا كان إكراهاً حقيقياً لا يعتبر المودع عنده ضامناً. ولا، من الذي سيضمن؟ القاضي الجائر أو الشخص الظالم. فلذلك قال: وإن أكره أي المودع عنده على أن يدفع الوديعة لغير ربها أي لغير مالكها الحقيقي، لم يضمن ما سيحدث بعد ذلك، والذي سيضمن هو الشخص الذي أكرهه، هو الذي يتحمل العواقب.

ثم قال: وإن قال له عندي ألف وديعة. هذه من المسائل القضائية: إذا جاء شخص أمام القضاء فقال: أيها القاضي لفلان عندي ألف دينار وديعة. ثم بعد ذلك، يعني لاحظوا أنا الآن أقررت بوجود وديعة عندي ألف دينار لفلان، عندي ألف دينار وهي وديعة، ليست غصب ولا عارية ولا شيء آخر، أنا لفلان عندي ألف دينار وديعة. ثم قلت بعد ذلك، بعد أن أقررت بوجود ألف دينار عندي وديعة، قلت بعد ذلك: قبضها، يعني أنا رجعتها له. أو قال: تلفت قبل ذلك. إذاً حالة أخرى أن أقول: لفلان عندي ألف دينار وديعة، ولكنها تلفت، هذه جملة ثانية. أو الجملة الثالثة يقول: أو ظننتها باقية ثم علمت تلفها.

ما هذه الصورة الثالثة؟ لو شخص ذهب أمام القضاء فأقر، قال: يا قاضي لفلان عندي وديعة ألف دينار، أنا أقر بذلك. القاضي قال: طيب ليش ما رجعتها له؟ الرجل بيشكي منك. فيقول: والله يا قاضي مثلاً أنا ظننتها باقية عندي، وقلت له سأفتش عنها وأفتش عنها، ثم علمت واكتشفت أنها تلفت. فأنا أخرته، ما رجعته له ابتداءً، أظنها باقية وأنا بفتش عنها، فإذا بي أكتشف بعد ذلك أنها تلفت. فمن المصدق في كل هذه التفاصيل؟ المصدق هو المودع عنده.

لذلك قال: إذا قلت لفلان عندي ألف دينار وديعة، ثم قلت أنني رددتها له، ادعيت الرد، وهذه ذكرناها قبل قليل، أو ادعيت أنها تلفت قبل ذلك، وهذا ادعاء التلف فمر معنا. ترى هذه يعني فيها نوع تكرار للمسائل السابقة، لأنه مسألة أنك ادعيت أني رديت هذه خلاص هي مسألة الرد، ومسألة التلف مرت معنا أيضًا سابقًا. المسألة الجديدة هي فقط الثالثة: أو قلت للقاضي ظننتها باقية عندي ثم إذا أنا أكتشف أنها تلفت، فهل سيعتبر قول المودع عنده أيضًا في ذلك؟ قالوا نعم سيعتبر قوله.

طبعًا المسألة الثالثة فيها خلاف بين الإقناع والمنتهى. في الإقناع قال: لا، إذا قال ظننتها باقية ثم علمت تلفها، إذا قال المودع عنده هذه الجملة حينئذ نحمله البينة، عليه أن يبين أنها تلفت. لكن في المنتهى ماذا قال؟ لا، قال: الأصل قول المودع عنده فلا يحتاج إلى بينة أنها تلفت، وصاحب الوديعة هو الذي عليه أن يأتي بالبينة في أنها لم تتلف. فباختصار هذه المسألة الثالثة: أو ظننتها باقية ثم علمت تلفها صدق بيمينه، هذه نقول فيها خلاف. المسألة الثالثة المنتهى هو الذي قال القول قول المودع عنده ويصدق بيمينه حالها حال غيرها، الإقناع لم يقل ذلك، قال: إذا قال ظننتها باقية ثم علمت تلفها فعليه هو المودع عنده أن يأتي بالبينة على ذلك. والأشهر والمذهب هو هذا القول الذي ذكره الشيخ مرعي وهو الذي عليه المنتهى.

ثم قال: ولا ضمان. أي في كل المسائل الثلاث. إذًا: وإن قال له عندي ألف وديعة ثم قال قبضها أو تلفت قبل ذلك أو ظننتها باقية ثم علمت تلفها صدق بيمينه ولا ضمان.

وإن قال قبضت منه ألفًا وديعة فتلفت فقال الطرف الآخر بل غصبًا أو عارية ضمن. ما صورة هذه المسألة الأخيرة؟ المسألة من المسائل القضائية: لو أن شخص قال: قبضت من زيد ألف دينار على أنها وديعة وضعها عندي وتلفت أيها القاضي. فزيد قال: لا أيها القاضي لا ترد عليه، هو أنا لم أضع عنده وديعة، هو غصبها أو أعطيته إياها عارية. تمام؟ أعطيته عارية، مثلًا ممكن تكون سيارة خلينا نقول. أنا أقول أيها القاضي أخذت من زيد هذه السيارة وديعة وضعها عندي فتلفت، فالشخص الآخر صاحب السيارة بيقول: كذب أيها القاضي، هو غصبها غصبًا فهذا غصب، أو أنا أعطيته إياها عارية وليست وديعة.

فهنا القول قول من؟ قالوا: القول قول من يدعي أنها غصب أو عارية هو القول قوله، والذي يدعي أنها وديعة هو الذي عليه أن يأتي بالبينة في هذه الحالة. ليه؟ قالوا: لأن الأصل في أموال الناس أنها مضمونة. الأصل في أموال الناس إذا تلفت أنها مضمونة لهم، والذي يريد أن يرفع عن نفسه تبعة الضمان هو الذي عليه أن يأتي بالبينة.

الآن إخواني، كما قلنا عندنا طرفان، طرف واحد، طرف اثنين. الطرف الأول يقول: هي غصب أو عارية، والغصب والعارية هذه يد ضمان، صح؟ فبالتالي الطرف الآخر سيتلف إذا ضمنت عنده هذه العين مطلقًا، تعدى أو فرط أو لم يتعدى أو لم يفرط. الطرف الثاني بيقول: لا والله أنها وديعة، وفي الوديعة اليد يد أمان، فلم يضمن هذا الطرف إلا إذا تعدى أو فرط. يعني الطرف الثاني الكل متفق أنه عنده سيارة للطرف الأول، لكن الخلاف أنه هل هذه السيارة التي وضعها رقم واحد عند رقم اثنين هل هي غصب أو عارية ولا هي وديعة؟ طرف اثنين بيحكي: والله يا قاضي أنها وديعة عندي، حتى إيش؟ حتى لأنها تلفت، فهو بده يرفع الضمان عن نفسه بيقول لك تلفت ولم أتعدى.

ولم أفرط ويدي يد أمان. هسه الطرف الأول بيقول لا يا قاضي، هو غاصب لها أو أنا أعطيته إياها عارية، ويده بالتالي يد ضمان، فسيضمنها تعدى أو فرط أو لم يتعد أو لم يفرط. الآن القول قول من؟ الأصل القول قول الطرف الأول، لأن الطرف الأول يدعي أن الطرف الثاني يده يد ضمان، والطرف الثاني يدعي أن يده يد أمان.

والأصل في الشخص الذي يده على أملاك الآخرين، الأصل أن يده يد ضمان حتى يثبت لنا بالبينة أن يده يد أمان. فبالتالي في هذه المسألة قلنا القول قول الطرف الأول أنها غصب أو عارية، والطرف الثاني هو المطالب أن يأتي بالبينة يؤكد لنا أنها وديعة.

طبعًا هذا نهاية كلامنا عن باب الوديعة، وإن شاء الله في المحاضرة القادمة نتحدث عن باب إحياء الموات وهو باب شيق جديد، ونسير في رحلتنا في دليل الطالب. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.