الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبائي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب مع الإام مرعي بن يوسف الكرمي، على مذهب السادة الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً وزدنا علماً يا أكرم الأكرمين. في المجلس السابق أحبائي، انهينا الحديث عن باب الوديعة، وعرفنا أن الوديعة هي عقد من عقود التبرعات باعتبارها وكالة مجانية في الحفظ، وذكرنا أحكامها بالتفصيل.
اليوم بإذن الله موعدنا مع باب جديد من أبواب المعاملات، ألا وهو باب إاحياء الموات. وفي هذا الباب في الحقيقة، أو هذا الباب خليني أقول دفعني إلى أن أقسم لكم المعاملات التي يتحدث عنها الفقهاء إلى نوعين عموماً. وهذا التقسيم وهذه الخارطة أول مرة أذكرها لكم، لكنها تمثل الواقع، وتمثل الواقع وتضبط لكم كثير من الأبواب التي مرت معنا سابقاً في المعاملات.
عندما يتحدث الفقهاء في أبواب المعاملات فهم عموماً يتحدثون إما عن عقود وإما عن حقوق. عندما نتحدث في أبواب المعاملات نحن نتحدث إما عن عقود، وهو السواد الأعظم، وإما عن حقوق. العقود قسمناها سابقاً باعتبار مقاصدها إلى معاوضات، وإرفاق، وتوثيق، وتبرع. وعرفنا ما مر معنا سابقاً من عقود المعاوضات، مثل: الشركات، الإيجار، المسابقة، الوكالة بأجرة.
والإرفاق مر معنا: القرض، والحوالة، والصلح. والتوثيق مر معنا: الرهن، والضمان، والكفالة. والتبرع مر معنا إلى الآن: الوكالة المجانية، والعارية، والوديعة. هذا كله ضمن مفهوم العقود. هناك قسم آخر من المعاملات ما يسمى الحقوق.
ومر معنا الحجر، فالحجر عرفنا سابقاً أنه حكم قضائي أو حكم شرعي يقتضي الحجر؛ إما على المفلس إذا كان الحكم قضائياً، وإما على الصغير والسفيه والمجنون، وهذا يسمى المحجور عليه لحظهم؛ لأننا قسمنا الحجر من حجر عليه لحظ غيره كالمفلس، إنما حجر عليه لحظ الغرماء، ومن حجر عليه لحظه هو، أي لصالحه هو، وهو الصغير والمجنون والسفيه.
فالحجر في الحقيقة لو أننا نظرنا إليه بعمق هو حق من الحقوق. لماذا؟ لأنه إذا كان الحجر لحظ الغير، فهو من حق الغرماء أن يحجر على المفلس حتى يستطيعوا أن يأخذوا ما يمكن أخذه من ديونهم. وإن كان من النوع الثاني، وهم المحجور عليهم لحظهم، الصغير والمجنون والسفيه، فان يحجر عليهم هذا حق من حقوقهم، أقره الشارع سبحانه وتعالى وامر به الأولياء.
فالحجر لو أننا نظرنا إليه سنجد أنه يصلح أن يوضع تحت الحقوق؛ سواء كان من حجر عليه لحظ غيره أو من حجر عليه لحظه هو. فالحجر حق للغرماء، والحجر حق للصغير والسفيه والمجنون، فأنا رأيت أن أذكره تحت قائمة الحقوق. الشفعة التي درسناها قريبا، أيضاً هي حق من الحقوق؛ حق في انتزاع حصة شريكه المنتقلة إلى غيره بعوض مالي بنفس الثمن الذي استقر عليه العقد كما قررناها.
فالشفعة حق من الحقوق وليست عقداً من العقود. كذلك ما معنا اليوم بإذن الله، وهو إحياء الموات، وسنعرف إن شاء الله إحياء الموات كيف أن من أحيا ميتاً فمن حقه بأن يملكه، فإحياء الموات ليس عقداً، بل الإنسان يقوم بإحياء الأراضي الميتة، فإذا أحياها -وسنعرف طرق الإحياء- ملكها. فإحياء الموات يعطي الإنسان حق في التملك، كما أن الشفعة تعطي الإنسان حق في التملك.
وأما الحجر فهو كما قلنا حق إما للغرماء وإما للمحجور عليهم لحظهم؛ وذلك لتحقيق المصالح. فهذا التقسيم جيد، وأنا دائماً أحرص على هذه التقاسيم؛ لأنكم إن شاء الله قريباً عندما ننهي كتاب المعاملات ستجدون أن الأمور عندكم واضحة أصبحت في فهم طريقة الفقهاء في أبواب المعاملات. كثير من الطلاب يدخلون في أبواب المعاملات ويخرجون منها، ولا يوجد في ذهنهم صورة متكاملة عن طبيعة هذا الباب وطبيعة العقود والعلاقة فيما بينها.
فأظن والله تعالى أعلم أنني استطعت أن أقدم لكم تصوراً أو نموذجاً واضحاً لطبيعة أبواب المعاملات؛ المعاملات عقود وحقوق. وأن العقود كيف تقسم باعتبار مقاصدها: معاوضات، إرفاق، توثيق، تبرع. وأما الحقوق فهي نظرية أخرى؛ نظرية الحق هذه حتى في الشريعة الإسلامية، وهذا أبرز ما يدخل تحتها أو ما يذكره الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم تحت الحقوق.
حتى لا أطيل عليكم، دعونا في مفهوم إحياء الموات. أولاً ما هو الموات؟ سنعرف الموات ثم نعرف ما هو إحياؤه. الموات أحبابي، أظن هذه ما عدنا نحتاجها أحتاج للكتابة. الموات عرفه الشيخ مرعي عندكم بتعريف طويل الحقيقة، ولم يعتمد فيه التعريف الذي ذكره صاحب المنتهى، مع أن دليل الطالب هو في الأصل اختصار لمنتهى الإرادات، أو جل مادته مأخوذة من منتهى الإرادات.
لكن هنا في تعريف الموات الشيخ مرعي لم يلتزم بتعريف صاحب المنتهى، وكأنه ذهب إلى تعريف ابن قدامة في المغني. لكن في الحقيقة تعريف المنتهى قد يكون أعدل وأخصر؛ يعني يختصر كثير من المسافات. أما تعريفه هنا لما قال: وهي الأرض الخراب الدارسة التي لم يجري عليها من كل أحد، ولم يوجد فيها أثر عمارة، أو وجد بها أثر ملك وعمارة كالخرب التي ذهبت أنهارها واندرست آثارها، وهو لم يعلم لها مالك؛ التعريف اخذ معه ثلاثة أسطر.
لكن لو أننا ذهبنا إلى تأليف المنتهى سيقول لك: الموات هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم. وانتهى الأمر! ماذا قال في المنتهى؟ الموات هي الأرض المنفكة عن شيئين؛ منفكة عن الاختصاصات وعن ملك معصوم. إذاً هذا مفهوم الأرض الموات باختصار؛ أي أرض لا يوجد فيها اختصاص لأحد، ولم يجري عليها ملك لمعصوم، وليست ملكاً لمعصوم، فهذه تسمى موات. الأراضي التي ليست من اختصاص أحد، لم يجري عليها اختصاص، وليست ملكاً لمعصوم، تسمى أراضي موات.
تسمى أراضي موات بهذا المفهوم العام، وطبعا وأنتم مع الوقت أو مع قراءتنا ستتضح لكم أكثر وأكثر مفهومها. الآن سأوضح مفهوم أو قضية الاختصاص؛ ماذا نعني بالاختصاص؟ لأن هناك أراضي إخواني هي ليست ملك لمعصوم، لكن لها اختصاص، فهذه لا تدخل في الموات. هناك أراضي ليست ملك لمعصوم، ليست ملك لأحد معصوم، لكن لها اختصاصات، فإذا كانت تحت الاختصاصات لا تسمى موات ولا تجري عليها أحكام الموات.
فأريد أن أوضح مجموعة من الاختصاصات حتى تفهموا أكثر وأكثر مفهوم الاختصاص. من الاختصاصات أحبابي يقولون: أراضي الحرم وعرفات. لو كان هناك أراضي في الحرم؛ الحرم المكي، وأراضي في المشاعر، وهذه الأراضي ليست ملك لأحد؛ أرض بور لا يوجد فيها أثر ملك لأحد، أرض خالية جرداء لا يوجد فيها ملك لأحد معصوم، ما فيها ملك لأحد. هل يجوز أن يأتي شخص ويقول: والله هذه الأرض بما أنها ليست ملك لأحد فبالتالي أنا ساقوم باحيائها وأزرع فيها الشجر وتصبح ملكاً لي، لأنه في باب في الفقه اسمه إحياء الموات وهذه أرض موات، وبالتالي أحيي هذه الأرض التي في حرم أو في عرفات وتصبح ملكاً لي؟ قالوا: لا.
أراضي الحرم وعرفات هذه حتى لو لم تكن ملك لأحد، لكنها في الحقيقة فيها اختصاص. اختصاص ايش؟ قالوا: هذه الأراضي هي مشتركة لجميع المسلمين، تختص بجميع المسلمين لأنها أراضي المشاعر، فلا يصح أن يقوم أحد باحيائها وتملكها؛ لأنه يضيق على المسلمين أراضي المشاعر. هكذا قالوا: هذه الأراضي هي مختصة بجميع المسلمين، لأنهم يأتون من كل فج عميق إلى بيت الله الحرام، إلى الحرم، إلى عرفات، ليقوموا بأداء المشاعر، فليس لأحد أن يتملك أرضاً في هذه المشاعر باحياء الموات. لماذا؟ لأن هذه الأراضي مختصة بجميع المسلمين، فإذا احياها شخص وتملكها ضيق على المسلمين مشاعرهم. فنقول: أراضي الحرم وعرفات التي ليست ملك لأحد هي داخلة تحت الاختصاصات، مختصة بمن؟ مختصة بجميع المسلمين الذين يقدمون للحج في بيت الله الحرام.
كذلك من أراضي الاختصاص التي لا يصدق عليها مفهوم الموات: ما يحمى من الأراضي لبيت مال المسلمين. الآن في الدولة المسلمة يجوز للحاكم المسلم أن يأتي إلى أراضي خالية ليست ملك لأحد، ويقوم بحمايتها، ويضع فيها النوق والخيل والشاة والبقر التي تكون لبيت مال المسلمين. هذه النوق إما أن تكون هذه الدواب عموماً، سواء نوق ولا غيرها، قد تكون من قبيل أموال الجزية، قد تكون من أموال الزكاة، قد تكون من الأموال الضائعة.
فالآن الحاكم المسلم عنده بهائم زكاة وعنده بهائم مثلاً من الجزية وعنده بهائم من الخراج، عنده بهائم من الفيء، طب أين يضع هذه البهائم؟ يحتاج إلى أراضي، فهو مضطر أن يذهب إلى أراضي ليست ملك لأحد، يقوم بما يسمى بالفقه الإسلامي بحمايتها لبيت مال المسلمين. وهذا طبعا له حجم ومساحة محدودة؛ يعني ما بفع يكون الحاكم المسلم أخذ نصف أراضي الدولة المسلمة ليحمي أموال بيت مال المسلمين! لأ، لأن هذه على خلاف الأصل.
الأصل الدولة المسلمة ليس لها أن تقتطع ما تشاء من الأراضي، الدولة المسلمة في الأصل ليس لها أن تقتطع ما تشاء من الأراضي للمتنفذين والمسؤولين، كما هو الحال في هذا الزمان عافاني الله وإياكم. هناك أحكام منضبطة لقضية الاقتطاع والحماية، لكن عموماً دعوني في مسألتي: إذا حمى الحاكم أرضاً لبيت مال المسلمين بحيث توضع فيه البهائم التي ترد عليه، فهذه الأراضي تسمى أراضي مختصة؛ هي ليست ملك لأحد، ليست ملك لمعصوم، لكنها أراضي مختصة.
بالتالي لو جاء شخص فقال: والله هذه الأراضي التي حماها الحاكم أراضي موات ما فيها شيء خالية، أنا سأحييها وأمتلكها بالإحياء؟ منقول له: ما راح ينفع. ليه؟ لأن هذه أراضي مختصة، اصبحت داخلة تحت أمور الاختصاص.
كذلك من الأراضي المختصة: ما قرب من الأراضي العامرة لمنهي التعريف وقال: وتعلق بمصالحها؛ ما قرب من الأراضي العامرة وتعلق بمصالحها كالمدافن وأراضي القمامات ونحوها. أيضاً أحبابي الأراضي التي تكون مجاورة للأراضي العامرة؛ هناك أراضي خالية جرداء، وهناك أراضي عامرة؛ هنا فيها قرى وبيوت ومنازل وحياة وأسواق. الأراضي التي تكون قريبة من الأراضي العامرة، قريبة من القرية، قريبة من المدينة، وتتعلق بمصالحها؛ يعني أهل القرية لهم مصلحة في هذه الأرض الجرداء. من مصالحها أن كانت هذه الأرض الجرداء مقبرة لهم مثلاً، أو كانت هذه الأرض الجرداء مكب للنفايات لهم، أو كانت مثلاً معبر طريق إلى قرية أخرى مجاورة.
فالأراضي الخالية الجرداء التي تكون قريبة من الأراضي العامرة وتتعلق بها مصالح هذه الأراضي العامة، لها قيدان، انتبهوا: لابد تكون ما قرب من الأراضي العامرة هذا القيد الأول، وتتعلق بها مصالح الأرض العامرة. لأنه هناك أراضي قريبة من الأراضي العامرة لكن لا تتعلق بها مصلحة أبداً؛ خاوي على عروشها ولا أحد يلتفت إليها، فهذه لا، هذه تدخل تحت مفهوم الموات.
لكن الأراضي التي تكون قريبة من الأراضي العامرة وتتعلق بها أهل القرية وأهل المدينة، كأن كانت مدافن لأمواتهم أو كانت مثلاً مكب لنفاياتهم وما شابه ذلك، فهذه أيضاً تسمى أرض مختصة؛ هي ليست ملك لأحد، قد ركزوا يعني كل ما أذكره هنا هذه النقاط الثلاث هذه تسمى الأراضي فيها أراضي مختصة. الأرض المختصة هي أرض ليست ملك لأحد، لكنها أيضاً لا تسمى موات؛ ليست ملك لأحد معصوم، لكنها لا تسمى موات لتعلق الاختصاص بها، وكل واحد اختصاصه من جهة.
فأراضي الحرم وعرفات اختصاصها أنها أراضي المشاعر، فبالتالي بما أنها مختصة باداء المشاعر لا تسمى موات ولا تملك بالإحياء؛ لعدم أوالا نضيق على المسلمين في مشاعرهم. ما يحميه الحاكم لبيت مال المسلمين؛ أي أرض مختصة لبيت مال المسلمين، ليست ملك لأحد لكنها مختصة، تحفظ فيها الأموال والبهائم، بالتالي لا تسمى ولا يطبق عليها أحكام إحياء الموات.
كذلك الأراضي التي تكون قريبة من الأراضي العامرة وتتعلق بها مصالح العامر مثل كالمدافن وإلقاء النفايات، هي ليست ملك لأحد صح، لكنها مختصة، وهذا الاختصاص أحترمته الشريعة؛ يعني هذا اختصاص اعترفت به الشريعة، سواء في أراضي الحرم، أو في الأراضي المحمية، أو في الأراضي التي قرب الأراضي العامرة، اعترفت به الشريعة، فبالتالي منعت تسميته مواتاً، وبالتالي منعت تملكه بالإحياء. منعت تسميته مواتاً، وبالتالي منعت تملكه بالإحياء.
إذاً هذا مفهوم الاختصاص أو أمثلة على أشهر الاختصاصات، طبعا في المطولات يذكرون أمثلة أخرى على الاختصاصات، لكن هذه هي أشهرها. إذاً أحبابي هي كل أرض منفكة عن الاختصاصات وعن ملك معصوم. طبعا ربما تعريف الشيخ مرعي يجلي قضية؛ هذا التعريف لم يجلها، وإن كان مفهوماً منه ضمناً، وهي أن هذه الأراضي المنفكة عن الاختصاصات وملك المعصوم، يعني التي ينبغي أن تتصوره هي الأراضي الخالية؛ الخالية التي لا عمران فيها أو فيها عمران مندثر، كما سيتضح لكم لما نناقش تعريف الشيخ مرعي طبيعة هذه الأراضي التي تسمى أرض ميتة.
يعني أنت ايش تتصور من كلمة أرض ميتة؟ أنت تتصور أرض إما جرداء كما كنت أقول لكم لا يوجد فيها أي شيء وأي عمران، أو أرض فيها عمران خرب ما عاد يسكن وما عاد يلتفت إليه، اصبحت خاوية على عروشها. فالارض الموات كما سيظهر لكم؛ إما أرض لا عمران فيها أصلاً، أو فيها عمران خرب.
بسم الله. أحبابي الكرام انتبهوا على هذه الفكرة، لما نقول الموات هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وعن ملك المعصوم، فنحن نتكلم إما عن أراضٍ لا عمران فيها أصلاً وانفكت عن الاختصاصات وملك المعصوم، أو نتكلم عن أراضٍ كان فيها عمران لكنه الآن خرب وما عادت معمورة وأصبحت مغفلة ومهملة؛ يعني ما أحد يلتفت إليها. فهذا تجلي أكثر لجزئية ربما لم تذكر صراحة في هذا التعريف، لكنها مفهومة ضمناً. والشيخ مرعي إذا مدحت هذا التعريف الذي اختار أنه جل قضية أنه لا عمران فيها أو فيها عمران خرب أكثر من تعريف المنتهى.
بقيت قضية عن ملك معصوم، هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وعن ملك معصوم. ما معنى المعصوم؟ المعصوم هو معصوم الدم. فإذا كانت عندي ومعصوم الدم هنا خليني أقول لك من هو بشكل عام هو المسلم والذمي والمستأمن، هذا هو معصوم الدم، وخلافه الحربي؛ فالحربي هو شخص غير معصوم الدم. فلو كان عندنا أرض لا عمران فيها أو فيها عمران خرب، ونحن نعرف أن هذه الأرض التي لا عمران فيها أو فيها عمران خرب هي في الأصل ملك لمعصوم، هذه الأرض لا تسمى مواتاً حتى لو لم يكن فيها عمران، حتى لو لم يكن فيها عمران خرب وهي مهجورة، ما دمنا نعلم أنها ملك لمعصوم من مسلم أو ذمي أو مستأمن. حتى لو كان هذا المعصوم ما هو موجود، مسافر، غائب عن البلد عشرين، ثلاثين، أربعين سنة، نحن نعلم أن هذه الأرض التي لا عمران فيها وفيها عمران خرب هي ملك لشخص معصوم، فلا تملك بحال من الأحياء، لا تملك بالإحياء، لا ينطبق عليها الموات ولا تسمى مواتاً أصلاً، ليه؟ لأنها خلاص هي ملك لمعصوم. ممكن يكون المعصوم مات، طيب يا أخي انتقلت لورثته فانتهى الأمر، وكل ما كان من الأراضي ملك لمعصوم فهذه لا تسمى مواتاً، وبالتالي لا ينطبق عليها إحياء الموات.
إذا كانت الأراضي ليست ملك لشخص معصوم، كانت ملك لحربي، كانت ملك لشخص حربي من المحاربين لنا، ونحن ذهبنا إلى دار الحرب فوجدنا هذه الأرض وعرفنا أنها كانت ملك لحربي ونحن أجليناه أو هرب أو ما شابه ذلك، فهذه الأرض أرض مثلاً لا عمران فيها وفيها عمران خرب، ونحن نعلم أنها ملك لأحد، لكنها ملك لأحد غير معصوم، ملك لأحد حربي، فجاء شخص من المسلمين قال: والله يا شيخ أريد أن أحيي هذه الأرض وأتملكها بالإحياء، هل له ذلك؟ قالوا: نعم له ذلك. يعني الأرض الموات إذا كنا نعلم أنها كانت ملك لأحد لكنه أحد غير معصوم الدم، فهل هذه تملك بالإحياء وتسمى مواتاً؟ نعم تسمى مواتاً وتقبل تملكها بالإحياء، لأن الملك الذي جرى عليها مها لاحظوا احنا بنعرف إنه لها ملك، لكنه ملك لا عبرة به، لأنه ملك لشخص مهدور الدم في الإسلام، شخص حربي، بالتالي لا عبرة لهذا الملك فلم نلتفت إليه، فاعتبرناها اعتبرنا أرض هذا الشخص غير المعصوم كأنه لا ملك عليها، كأنه لا ملك عليها، فلو جاء شخص فأحياها لا حرج عليه في ذلك ويتملكها بالإحياء.
فإذاً هذه مفاهيم مهمة حتى تعرفوا ما هي الموات: أرض منفكة عن الاختصاصات أي لم يجري عليها اختصاص من هذه الاختصاصات واحد اثنين، ولم يجري عليها ملك معصوم، فكل أرض ليس لها اختصاص من الاختصاصات التي ذكرناها ولم يجري عليها ملك معصوم فتسمى مواتاً، تسمى مواتاً ويطبق عليها أحكام الإحياء وما سيترتب على الإحياء من الملك، أرجو أن تكون الصورة وضحت بهذه الطريقة التي كتبناها.
الآن دعونا ننظر أو نحلل معاً في تعريف الشيخ مرعي رحمة الله تعالى عليه مفهوم الموات، كما قلت لكم الشيخ مرعي لم يختصر كما اختصر المنتهى فقال: الموات هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، لا، أطال في التعريف. الإطالة كما يقول تجلي بعض القضايا، أنا لا أنكر أنها تجلي بعض القضايا لكنها أطالت التعريف كثيراً على الطالب، وكل خير بإذن الله. ماذا قال الشيخ مرعي في تعريفه للموات؟ قال: وهي الأرض الخراب الدارسة؛ أرض خراب دارسة لا يوجد فيها معالم لبيوت ومساكن وما شابه ذلك. أرض الخراب الدارسة كالاراضي التي كان يقف عليها الشعراء فيبكون المحبوبات، درست الآثار، مش هكذا كانوا يقولون درست آثارها؟ أي اختفت فيها المعالم، فأصبحت أرضاً خربة مدروسة، لا يوجد فيها أحد، خاوية على عروشها، إذاً هي الأرض الخراب الدارسة، وهذا يجلي مفهوم الموات في الحقيقة.
أرض خراب دارسة قال: لم يجري عليها ملك لأحد. لم يجري عليها ملك لأحد، أن هذه الأرض ليست ملك لأحد. طبعا لاحد اكتبوا معصوم، لم يجري عليها ملك لأحد أي معصوم، ولم يوجد فيها أثر عمارة، أو وجد بها أثر ملك وعمارة كالخرب التي ذهبت أنهارها واندرست آثارها ولم يعلم لها مالك الآن.
الآن إخواني في الحقيقة الشيخ مرعي تكلم عن نوعين من أراضي الموات، سأجليها لكم، أنا ذكرتها باختصار: لا عمران فيها وفيها عمران خرب، لكن هذان النوعان سامحوني أعيد طرحهما بطريقة مفصلة أكثر لوجود خلاف في أحد النوعين. نقول: الموات إما أن يكون أرضاً لم يجري عليها ملك لأحد ولا عمران فيها البتة، أو فيها أثر عمارة لكنها خربة لانقطاع المياه عنها مثلاً. الآن بين قوسين: وهذا يدل على وجود مالك لها سابقاً لكنه غير معروف الآن لدينا. لأن الشيخ مرعي في هذا التعريف والحنابلة بشكل عام يقسمون أراضي الموات إلى هذين القسمين.
هناك أراضي الموات من النوع الأول وهي الأراضي التي نحن متأكدون أنه لم يجري عليها ملك لأحد، وما الدليل؟ الدليل أنه لا يوجد فيها أثر عمران البتة، كأن تذهب إلى الصحراء الخالية، أرض في عرض الصحراء لا يوجد فيها أثر لعمران أبداً، فهنا أنت متأكد تسعة وتسعين فاصلة تسعة أن هذه الأرض لم يجري عليها ملك لأحد، عمره ما حدا اجا عليها وملكها. أو تذهب إلى جبال بعيدة جداً، هيمالايا ولا غيرها، تجد أراضي هناك لا يوجد فيها أثر عمران البتة، ما فيها أي عمارة، ما فيها بيت، ما فيها كوخ، ما فيها أي شيء، ما فيها مثلاً كأنه كان مزرعة قديمة، لا يوجد فيها أي أثر للعمران، فهنا أنت تتأكد أو تقريباً متأكد تسعة وتسعين فاصلة تسعة أنه لم يجري عليها ملك لأحد. فالأراضي التي لا عمران فيها البتة وبالتالي لم يجري عليها نحن نعلم شبه يقين أنه لم يجري عليها ملك لأحد، هذه أراضي تسمى أراضي موات وتملك بالإحياء بلا خلاف، تسمى مواتاً وتملك بالإحياء بلا خلاف، ما دام كما قلنا أنها بالطبع لم يجري عليها اختصاص أيضاً، لأنه في الحقيقة الشيخ مرعي تطرق لموضوع الاختصاص في تعريفه، فلو أنكم أضفتم الأرض التي لم يجري عليها ملك لأحد ولا عمران فيها البتة، ونضيف هنا والاختصاص يتعلق بها، يعني حتى نكمل الصورة: أرض لم يجري عليها ملك لأحد وعرفنا ذلك من خلال أنه لا عمران فيها البتة ونزيد: ولم يجري عليها اختصاص من الاختصاصات التي ذكرناها، فهذه الأرض خلاص لم يجري عليها ملك والاختصاص لا يتعلق بها ولا عمران فيها البتة، فهذه تسمى مواتاً بالاتفاق وتملك بالإحياء.
الخلاف وقع في النوع الثاني في الحقيقة، هنا في اتفاق على الصورة، لكن هنا في إشكال. النوع الثاني هي الأراضي التي فيها أثر عمارة، فيها أثر عمارة، وجود آثار العمارة مثلاً بيوت مكسرة، آبار محفورة خربة، وجود عمارة قديمة في هذه القرية الخربة هو دليل على أن هذه القرية أو هذه الأراضي جرى عليها ملك، صح ولا لأ؟ إذا أنت أتيت لأرض خرب خاوية على عروشها، لكنك وجدت فيها أثر عمارة: بيوت مهدمة، آبار، ما شابه ذلك، هذا ينبئك بالتأكيد أن هذه الأرض جرى عليها ملك لأحد، لكنه الآن الأرض هذه أصبحت مهجورة، خاوية على عروشها، وبئر معطلة. جيد، هذا يعني هذه الأرض الآن فيها أثر عمارة لكنها خربة لا يوجد فيها أحد الآن، انقطعت عنها الحياة تماماً، فنحن نعلم أن هناك ملك سابق جرى عليها، ولكننا لا نعلم صاحبه، والآن هذا المالك غير معروف لدينا، انتهى وذهب من زمن غابر، فهل هذا النوع من الأراضي يسمى مواتاً بالمفهوم الشرعي ونطبق عليه أحكام الموات من جواز الإحياء والتملك؟
في الحقيقة هذا وقع فيه خلاف في المذهب، فالمعتمد عندنا وعليه الفتياء نعم أنها تعتبر أرض موات ونطبق عليها أحكام الإحياء، هذا هو المعتمد. هناك قول آخر ذهب إلى التفصيل فقال: إن كانت الأرض التي فيها أثر عمارة لكنها خرب الآن لانقطاع الحياة عنها أو المياه عنها، الأرض التي فيها أثر عمارة ولكنها خربة لانقطاع الحياة عنها وهذا يدل أن لها ملك سابق لكنه غير معروف لدينا الآن، يقولون إذا كان هذا القول الثاني يقولون: إذا كانت في أراضي الإسلام، إذا كانت هذه الأرض في أراضي الإسلام فلا تسمى مواتاً ولا تملك بالإحياء، ليه؟ قال: لأننا متيقنون أن هناك ملك سابق جرى عليها وهي في أرض الإسلام، بالتالي الأغلب أن مالكها كان مسلماً، ويمكن يظهر في يوم من الأيام، فخلاص لا نسميها مواتاً ولا نجري عليها أحكام الإحياء. لكن إذا كانت هذه الأرض الخربة بانقطاع الحياة عنها والتي لا نعلم مالكها الآن في أراضي الكفار بسموها في دار الحرب، فذهب المسلمون إلى تلك الديار وغزوها، وأحد المسلمين ظفر بأرض من هذه الأراضي وأحياها وتملكها بالإحياء، هل يصلح؟ قالوا: نعم يصلح. فباختصار: المذهب المعتمد عندنا أن هذا النوع الثاني من الأراضي يجوز إحياؤه ويسمى مواتاً سواء في أرض الإسلام أو في أرض الكفر. القول الثاني في المذهب: أن هذه الأراضي إنما تسمى مواتاً وتملك إذا كانت في دار الحرب دار الكفر، أما إذا كانت في ديار الإسلام فلا تسمى مواتاً ولا تملك بالإحياء.
أنا يهمني أن تعرف المذهب أن كلا النوعين عندنا يسمى مواتاً في المعتمد، وكلا النوعين يملك بالإحياء، سواء النوع الأول الذي لا عمران فيه البتة أصلاً وبالتالي نحن نعلم أنه لم يجري عليها ملك لأحد أصلاً مع أهمية أنه لا يوجد فيه اختصاص فهذه تملك بالإحياء قولا واحداً، والنوع الثاني أيضاً وهي الأراضي التي فيها أثر عمارة لكنها خربة.
وفي قديم أحبابي الكرام انتبهوا لقضية: قديماً ما كانت المياه ما شاء الله يتم إيصالها للمنازل من خلال صهاريج وأنابيب، لا لا. كانت القرية إنما تبنى بناء على وجود آبار وعيون في المنطقة، فكانت هكذا تبنى القرى. فإذا ذهبت الآبار وانقطعت المياه عن المنطقة خلاص أهل المنطقة يهجرونها ويذهبون إلى مكان آخر يبنون قرية أخرى، هكذا عليك أن تتصور الحياة القديمة في الدولة المسلمة: تبنى القرية إذا وجدت المياه، انقطعت المياه عنها ما عادت مياه أنهار وذهبت الآبار وغارت، فعادة ما تهجر هذه القرى وتصبح خريبات ويذهب الناس يبنون حياة أخرى في مدينة أخرى أو قرية أخرى. فهذا النوع في الحقيقة هو المقصود هنا لما يقول لك مكان فيه أثر عمارة لكنه خرب والعمارة أصبحت مهدمة وانتهت. ليش انتهت؟ لانقطاع الحياة عنها والمياه عنها. وبالتالي نحن نعلم أن هناك أناساً كانوا يسكنون في هذه القرية، لكن لانقطاع موارد المياه هجروها وذهبوا إلى قرية أخرى أو بنوا قرية أخرى في مكان آخر فيه مياه.
فبالتالي هذه القرية هذه المنطقة الخريبة نحن نعلم أنه جرى عليها ملك، نعلم أنه جرى عليها ملك واضح لمين كل هذه الآثار ولمن كل هذا العمران الخرب؟ أكيد كان هناك مالك، لكننا الآن في هذه اللحظة لا نعلم من هو المالك، لأن هذه القرية هجرت وخربت وانتهى أمرها، فهل هذا النوع يسمى مواتاً في المفهوم الشرعي ويملك بالإحياء؟ المذهب نعم، سواء كان في دار الحرب ولا في دار الإسلام.
قول آخر فيقول لك: لا، إذا كانت في دار الإسلام ما بنفع، إنه ممكن في يوم من الأيام أصحاب القرية هذه الخرباء يرجعون إليها ويطالبون بملكهم تمام؟ أما في دار الحرب فلا عبرة في دار الحرب بملك غير المعصوم لأنه حربي، وبالتالي لو جاء بعد ذلك وعاد الحرب ليطالب بحقهم نقول له: أصلاً لا حق لك فأنت صاحب ملك غير معصوم. لكن في الحقيقة لا، بما أنكم هجرتم هذه القرية الخربة وقطعتموها بعد أن انقطعت الحياة عنها والآن لا نجد فيها ملك لأحد نعلمه، بالتالي المذهب يرى أن هذه الأراضي خلاص خرجت من ملكية أصحابها وأصبحت قابلة لأن تملك بالإحياء، والله تعالى أعلم.
قال الشيخ رحمة الله عليه: وهي الأرض الخراب الدارسة التي النوع الأول: لم يجري عليها ملك لأحد ولم يوجد فيها أثر عمارة، هذا هو النوع الأول. أو وجد بها أثر ملك وعمارة أي قديمين، أثر ملك وعمارة قديمين كالخرب التي ذهبت أنهارها واندرست آثارها ولم يعلم لها مالك الآن، أضيفوا: ولم يعلم لها مالك الآن والا واضح إنه لها مالك سابق لكن الآن في الوضع الحالي أصبحت خربة بسبب انقطاع المياه عنها فهجرها أهلها، فالآن لا يعرف لها مالك.
الآن في لفتة في قضية أو وجد بها أثر ملك وعمارة، هم يقولون أو وجد بها أثر ملك.
وعمارة غير جاهليين؛ لانهم يقولون: إذا كانت قرية خربة لكن أثر العمارة فيها يعود إلى الأمم السابقة؛ إلى عاد وقوم لوط مثلاً لو أننا ظفرنا بشيء من ذلك، أو إلى أصحاب الأيكة.
إذا كانت آثار البنيان تعود إلى ما قبل عهد الإسلام؛ إلى الجاهليين والأمم السابقة التالفة الهالكة، فهذا العمران في الحقيقة وجوده كعدمه، وتعتبر هذه الخرب من النوع الأول من الأرضي؛ يعني التي لا خلاف في جواز إحيائها، الأراضي التي لا خلاف في جواز إحيائها في الجملة وكأنه لم يجري عليها كل أحد. فالخلاف في الحقيقة في النوع الثاني، في التي فيها أثر عمارة؛ لو أضاف هيك أثر عمارة إسلامي، أثر عمارة إسلامي غير جاهلي. أما الخرب التي فيها آثار يعني الآن اليوم ما شاء الله تذهب إلى صحراء فتجد فيها آثار الرومان قبل خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، أو تجد فيها كآثار لدولة البيزنطة كذا وكذا، أو بقول لك هذه آثار لقوم عاد وآثار لأصحاب الأيكة.
الان هل هذه الآثار والعمران يجعل هل هذه المنطقة أو هذه الأرض من الأرضي التي فيها خلاف في إحيائها في المذهب؟ لا، لا. إذا كانت آثار العمران آثار تعود إلى الجاهلية؛ يعني إلى ما قبل الإسلام إلى الأمم المندثرة، فهذه الأراضي حكمها حكم النوع الأول؛ لا خلاف في جواز إحيائها لأننا متيقنون أن الملك الذي وقع عليها هو ملك يعود إلى قرون سابقة، فوجوده كعدمه. وإنما الخلاف في الأراضي التي فيها أثر عمارة إسلامي؛ يعني أن آثار العمارة واضح أنها قريبة وليست آثار الأمم السابقة، هذه هي التي تعتبر من النوع الثاني والتي وقع فيها الخلاف. فلذلك لو قلنا أو وجد بها أثر ملك وعمارة إسلامي أو غير جاهلي، خلينا نقول هذا الذي فيه الخلاف كالخرب التي تاهت أنهارها واندرست آثارها ولا يعلم لها مالك الآن، جيد.
هذا يعني استفرغنا وسعنا في تحليل ومحاولة فهم ما هي أراضي الموات. طبعا أنتم اجمعوا تعريف المنتهى مع تعريف دليل حتى تكتمل لكم الصورة. إذا نحن نتكلم عن أراضي ليس لها منفكة عن الاختصاصات وعن ملك المعصوم، ثم تقول: وهذه الأراضي إما أن تكون أراضي لا يوجد فيها عمران البتة، فبالتالي نحن متيقنون أنه ليس فيها ملك لأحد، وإما أن تكون أراضي فيها آثار عمران إسلامي، لكنها أصبحت خربة الآن وتركها أهلها فلا نعلم لها مالكاً الآن وإن كنا نعلم وجود مالك سابق لها لكنه ذهب وانتهى، جيد.
ثم قال: فمن أحيا الآن بعد أن عرف أرض الموات بده يعطيك حكمها، أراضي الموات في المذهب سواء كانت من النوع الأول أو من النوع الثاني، من أحيا شيئاً من ذلك ولو كان هذا الذي أحيا ذمياً، ولو كان ذمياً أو بغير إذن الإمام؛ لأن موضوع الإحياء للموات هذا لا يتوقف أنك تذهب للحاكم أو لدائرة الأراضي وتطلب إذن بالإحياء، حتى ولو لم تستأذن أحداً من موظفي الدولة فإنك تملك هذه الأرض بمجرد إحيائها. طبعا سنعرف كيف يتم الإحياء وما هي طرق الإحياء؟ لأن هناك طرق معينة هي التي تسمى إحياء عندنا في المذهب، نأتي إليها إن شاء الله.
لكن الآن احفظ القاعدة أن إحياء الأراضي وتملكها بناء على الإحياء هذا ليس حكماً مختصاً بالمسلمين، بل من أحيا الأرض الميتة من النوع الأول أو من النوع الثاني، سواء كان مسلما أو ملكها، سواء استأذن الإمام أو لم يستأذن الإمام ملكها، فالموضوع لا يتوقف على دين ولا يتوقف على إذن الإمام. هذا ما أراده بقوله: ولو كان ذمياً، هذه المسألة الأولى أن الأمر لا يتوقف على الدين أو بلا إذن الإمام، ليبين أن القضية لا تتوقف على حصول إذن السلطان لك.
فمن أحيا شيئاً من ذلك ولو كان ذمياً أو بلا إذن الإمام ملكه؛ ملك هذه الأرض الموات ملكها قال بما فيها من المعادن الجامدة. المعادن أحبابي بالفقه على نوعين: هناك معادن جامدة مثل الحديد، الرصاص، النحاس، الذهب، الفضة، هذه معادن توجد في الأرض جامدة. وهناك معادن توجد في الأرض سائلة، وهذه عرفها الناس قديماً مثل النفط، فالنفط والغاز هذه معادن لكنها معادن -طبعا هذا تصور الفقه القديم أنها معادن، وإن كان اليوم يدرسوننا في العلوم أنها عبارة عن النباتات والحيوانات التي تلفت عبر الزمان واندثرت وتحت ضغط معين تحولت هذه النباتات والحيوانات إلى نفط وغاز، لكن قديماً في الفقه القديم مما كانوا يعرفون هذه التفاصيل فكانوا يعتبرونها معادن-. المهم أنت امشي على الفقه القديم وافهم ماذا يريدون.
يقولون: المعادن الجامدة الصلبة هي التي يملكها من أحيا الموات، واما المعادن السائلة مثل النفط والغاز الطبيعي فهذه لا يملكها صاحب الموات. هو الآن يريد أن يخبرك أن الإنسان الذي جاء على أرض موات، جاء زيت على هذه الأرض الموات فأحيَاها بطريقة من طرق الإحياء التي ستأتي معنا، ماذا يملك؟ قال: يملك هذه الأرض، ويملك أيضاً ما فيها من المعادن الجامدة. فلو حفر زيت هذه الأرض فاستخرج منها معادن النحاس والرصاص والذهب والفضة، هل هذا يكون ملك لزيد؟ نعم؛ لأنه خلاص ملك الأرض فملك ما فيها من المعادن الجامدة.
أما المعادن الجارية مثل النفط والغاز فقالوا: هذه لا يملكها. ليه؟ لأن هذه المعادن اخواني أصلاً قد لا تكون في هذه الأرض، وقد تكون في أرض أخرى وتسربت إلى هذه الأرض وهي سائرة في طريقها إلى أرض أخرى، وهكذا. فالمعادن السائلة هي تسيل في الأرض متنقلة، فبالتالي لا يملكها هذا الشخص، لا تعتبر ملك لزيد، بل تعتبر مباحة لجميع المسلمين الآن. زيد إذا حفر واستخرج منها جزء وحازه بالحيازة يمتلكها، ما عنا مشكلة بالحيازة، لكن مجرد أنه هذا النفط في أرضك يا زيد، هل هذا في أرضك الذي أحييتها الأرض الميتة التي أحييتها، هل مجرد وجودها في أرضك تعتبر مالك لها؟ كلا.
المعادن الجامدة بمجرد وجودها في هذه الأرض يعتبر زيد مالك لها. المعادن الجارية السائلة لا تملك لزيد بمجرد وجودها في أرضه، بل لابد أن زيد يستخرجها ويحوزها، مثله مثل سائر المباحات التي تكلمنا عنها سابقاً مثل العشب المباح، الكلأ المباح، الماء المباح، تمام؟ فعليكم أن تنتبهوا لهذه القضية، التفريق بين المعادن الجامدة والمعادن السائلة. المعادن الجامدة نعم يمتلكها زيد بمجرد تملكه للأرض الموات باحيائها. المعادن السائلة لا يمتلكها بتملكه لهذا الأرض بالإحياء، فلتبقى مباحة ولا يمتلكها إلا إذا هو استخرجها وحازها لنفسه، فهنا يمتلكها مثل سائر المباحات التي تملك بالحيازة.
إذن، فمن أحيا شيئاً من ذلك ولو كان ذمياً أو بلا إذن الإمام ملكه بما فيه من معدن جامد كذهب وفضة وحديد، وبما فيه أيضاً من كحل ولا خراج عليه. آه، إذن أنا أحييت أرض ميتة وبالتالي امتلكتها، هل علي أن أدفعه خراجاً لبيت مال المسلمين مقابل وضع يدي عليها؟ قالوا: لا، لا خراج عليه. إلا قالوا: إلا أن كان ذمياً، إلا إذا كان الذي أحيا هذه الأرض الميتة ذمياً، فعليه أن يدفع الخراج.
لكن في الحقيقة ليس في كل الأحوال أيضاً، وهذا لم ينبه عليه الشيخ مرعي. الذمي أحبابي نفرض أن زيد رجل من أهل الذمة أحيا أرضاً ميتة، الآن المذهب عندنا هناك تفصيل: متى يدفع الذمي الخراج لبيت مال المسلمين مقابل تملكه لهذه الأرض ومتى لا يدفعه؟ فقالوا: إذا كانت هذه الأرض الميتة هذه أرض الموات من الأراضي التي افتتحها المسلمون عنوة. وأنتم تعرفون إخواني أن المسلمين ابتداء كانوا في المدينة النبوية، ثم بعد ذلك بدأت رحلة الحروب مقاتلة الأمم الكافرة ووصلوا إلى الشام فحاربوا الروم، ووصلوا إلى الفرس فقاتلوهم، وإلى مصر فقاتلوا، المهم فالمسلمون كانوا في المدينة ثم توسعوا.
الآن الأراضي التي افتتحها المسلمون أو خلينا نقول الأراضي التي وصل إليها المسلمون وأصبحت تحت ظل الدولة المسلمة ستكون على نوعين في الحقيقة أو هي أنواع، لكن عموماً منها أراضي فتحها المسلمون عنوة بالسلاح، ومنها أراضي اخذها المسلمون بغير سلاح. أراضي أخذها بغير سلاح بدون حرب، طيب والأراضي التي أخذها المسلمون بغير سلاح؟ أما أنها فتحت بالصلح مع أهلها، أو أراضي هرب أهلها عنها. يعني أنت لو فكرت الدولة المسلمة كيف امتلكت كل هذه الأراضي؟ المسلمون كانوا في المدينة أليس كذلك؟ خرجوا بعد ذلك ليفتحوا الآفاق، لما افتتحوا الآفاق أصبحت الأراضي التي تدخل تحت الدولة المسلمة على نوعين: أراضي فتحت عنوة فتحها المسلمون بالسيف، وأراضي لم تفتح عنوة.
هسه الأراضي التي لم تفتح عنوة هي في الحقيقة على أنواع؛ منها ما فتح صلحاً؛ تصالح المسلمون مع أهل هذه القرية والذي فتح صلحاً أما صلحوا على أنه لهم، أو صلحوا على أنه لنا، وأما افتتح هرب أهلها عنها؛ سمعوا أن الجيش المسلم قادم فتركوها وهربوا وأخذها المسلمون مباشرة. فإذاً الأراضي التي انضمت للدولة المسلمة أما أراضي فتحت عنوة، وأما أراضي لم تفتح عنوة. عموماً الأراضي التي افتتحها المسلمون عنوة واصبحت الآن تحت الحضارة المسلمة إذا كان فيها موات؛ إذا وجد فيها مواد الأراضي التي دخلت للدولة المسلمة عن طريق السيف، إذا وجد فيها أرض موات وجاء ذمي فأحيا الأرض الموات فامتلكها بالإحياء، آه هنا الذمي مجبر أن يدفع خراجاً للدولة المسلمة.
وأما الأراضي التي لم تفتح عنوة كالاراضي التي صولحوا عليها أو هرب أهلها عنها، لو وجد فيها موات أراضي دخلت تحت الدولة المسلمة مثلاً بعد أن هرب أهلها عنها، وفي هذه الأراضي التي هرب أهلها عنها هناك أرض موات أتى ذمي وأحياها وامتلكها بالإحياء، آه إذا كانت الأرض الموات في الأراضي التي لم يفتحها المسلمون عنوة وإنما افتتحوها صلحاً أو بهرب أهلها عنها فهنا الذمي لا يدفع خراجاً على الأرض التي أحياها، لا يدفع خراجاً على الموات الذي أحياه.
فإذاً الذمي لما يقول الشيخ مرعي: ولا خراج عليه إلا أن كان ذمياً؛ يعني إلا إذا كان الذي أحيَا ذمياً، بنقول فيه تفصيل: إذا كانت أراضي الموات هي من الأراضي التي فتحها المسلمون عنوة نعم هنا الذمي يدفع خراج، وأما إذا كانت من الأراضي التي افتتحها المسلمون من غير عنوة فهنا لو أن ذمياً أحيا أرضاً ميتة في هذا النوع من الأراضي أو هذا القسم من الأراضي فالذمي لا يدفع خراجاً عليه، لا يدفع عليه.
إلا أن كان ذمياً عرفنا. وما في ذلك قال: لا، ما فيه من معدن جار؛ الإنسان إذا أحيا أرضاً ميتة ملك ما فيها من المعادن الجامدة لا ما فيها من المعادن الجارية كنفط وقار قال إنهم الزفت تمام. فالنفط والقار والغاز الطبيعي وغير ذلك من المعادن الجارية السائلة هذه لا تملك باحياء الأرض الميتة.
ثم قال: ومن حفر بئراً -بما أصوغ العبارة بطريقة أخرى موافقة لطريقة المنتهى، الشيخ مرعي لعله لعب بعبارة المنتهى قليلاً وقد يسبب هذا إشكالاً في الفهم، أنا سأصلح العبارة بما أراه مناسباً والله أعلم- نكتب: ومن حفر بئراً بمواطن للسابلة أي للمارة الذين يسيرون في الطريق، قال ليرتفق بها كالسفارة لشربهم ودوابهم فهم أحق بمائها ما أقاموا، وبعد رحيلهم تكون سبيلاً للمسلمين.
الآن مسألة حفر البئر، هاي مسألة مستقلة، خلونا ندرسها وحدها. إذا كانت هناك إخواني أرض موات، إذا كانت هناك أرض موات وحفر فيها بئر، فهناك ثلاثة احتمالات حفر البئر في أرض خالية، هيك نقول: هناك ثلاثة أنواع أو ثلاثة احتمالات سمها كما شئت. الحالة الأولى الآن هو الذي سيحفر بشكل عام بئر في أرض خالية، آه الذي سيحفر بئر في أرض خالية إما أن يحفرها أحبابي وبنيته في أثناء الحفر أنه يحفرها لجميع المسلمين بده يأخذ أجر وثواب، وإما أن يحفرها لمصلحته هو ابتداء لكنه هو مقرر أني سأنتفع بها في مدة معينة ثم انتقل عنها، وإما أن يحفر هذه البئر في هذه الأرض الميتة لأنه يريد أن يتملكها، هي ثلاثة أحوال.
إذا من حفر بئراً في أرض خالية إما أن يحفرها للعامة، هذه الحالة الأولى: جاء شخص على أرض موات خراب ما فيها شيء، قال: أنا بدي أحفر بئر في هذه الأرض لعامة المسلمين، هذه نيته. في هذه الحالة يكون حق الحافر وحق بقية المسلمين في الشرب من هذه البئر واستعمالها للدواب والبهائم واحد. من حفر بئراً في أرض خالية في أرض موات وكان حفرها للعامة؛ يعني نيته لما حفر أن تكون وقفاً لجميع المسلمين، فهذا الحافر هو وجميع المسلمين حقهم واحد في هذا البئر، فله أن يشرب ولغيره أن يشرب، له أن يسقي بهائمه ولهم أن يسقوا بهائمهم، وليس للحافر حق زائد على غيره من المسلمين، هذه هي النقطة: ليس للحافر حق زائد على غيره من المسلمين. نقول: لأنك لما حفرت كانت نيتك في الحفر أن تكون البئر لعامة.
النوع الثاني أو الحالة الثانية: أن يحفر البئر لمصلحته الخاصة بدون قصد التملك، آه الحال الثاني: جاء صاحبنا إلى أرض موات، قال: بدي أحفر فيها بئر كوني بدي أنزل في هذه الأرض عندي قطيع ماشية بدي أنزل لي فيها شهر شهرين هذا الموسم بعدين راح أنتقل وأترك هذه البئر، فحفر هذه البئر لينتفع بها هو ولكنه لم ينوي أن يتملكها، حفرها بنية الانتفاع ولم ينوي أن يتملكها. فمن حفر البئر لمصلحته الخاصة لكنه لم ينوي أن يتملكها فيكون
الحافر أحق بالانتفاع بها من غيره، وهذا النوع هو الذي تكلم عنه الشيخ مرعي فقط. الشيخ مرعي لم يتكلم عن الحالة الأولى ولا الثالثة، تكلم عن هذا النوع: من حفر في أرض موات لمصلحته الخاصة من دون أن ينوي تملك هذه البئر، فهذا الشخص الحافر هو أحق بماء هذه البئر من غيره. فإذا كان هو جالس حول هذه البئر وعنده دوابه وسوامه، فجاءت مثلا قافلة معها خيلها وإبلها وسوامها، الحافر له الحق في أن يمنعهم ويقول يا جماعة أنا حفرت هذه البئر لي ولسوامي لدوابي، عاد بس انتقل من هذه المنطقة وأروح لغيرها تعالوا اشربوا على راحتكم.
فإذا يقول الشيخ مرعي كالسفارة لشربهم ودوابهم، فهم أحق بمائها ما أقاموا، وبعد رحيلهم تكون سبيلا للمسلمين. إذا الشيخ بيتكلم عن هذا النوع: جاءت قبيلة من القبائل، شخص من الأشخاص، المهم استقروا حول في أرض موات وحفروا بها بئراً لمصلحتهم حتى يشربوا هم، حتى يسقوا بهائمهم، فمدة إقامة هذه القبيلة الحافرة أو هذا الشخص الحافر حول هذا البئر يكون هو صاحب الحق فيه، أن يشرب هو وأن يسقي وأن يسقي بهائمه، وليس لأحد أن يزاحمه. إذا جاء شخص يزاحمه عليه أن يأخذ إذن الحافر، إذا سمح له حيا الله، ما سمح له هو له الحق في المنع مدة الإقامة زي ما قلنا.
بعد أن يرتحل هذا الشخص أو هذه القرية -عفواً- القبيلة الحافرة، بعد أن ينتقلوا عن هذا البئر ويذهبوا إلى أرض أخرى، خلاص يصبح هذا البئر ملك لعموم المسلمين، يصبح بعد انتقالهم ملك لعموم المسلمين.
الحالة الثالثة: أن يحفر بئراً في موات بقصد التملك. الآن من حفر بئراً في أرض موات، جاء إلى أرض موات فحفر فيها بئراً وكان يقصد بهذا البئر، يعني هو حفر لأنه يريد أن يتملك هذا البئر، يكون ملكاً له. ففي الحقيقة ليس لأحد أن يستعمل هذا البئر أبداً إلا بإذن صاحبه، وسيأتي معنا إن شاء الله بعد قليل أنه أصلاً من طرق إحياء الأرض الميتة حفر بئر فيها.
فمن حفر بئراً في أرض ميتة فإنه له حريم حول هذه البئر، المذهب يفصل فيه، إذا كانت البئر هل حفر بئراً على بئر قديمة ولا حفر بئراً جديدة؟ لأن المساحة التي يمتلكها من الموات تختلف باختلاف طبيعة البئر التي حفرها. إن حفر بئراً يسمى عادية قديمة، يعني كانت هناك بئر قديمة مندثرة هو عاد حفرها من جديد وأحياها، هذا يمتلك المساحة من أرض الموات تختلف عن المساحة التي يمتلكها من حفر بئراً جديدة تماماً لا وليس على آثار بئر قديمة.
المهم أنا الذي أريد أن أقوله إن من حفر بئراً في أرض الموات ليمتلك هو هذا البئر للملك، هنا ليس لأحد أن يستعمل هذه البئر لأنها بئر شخصية، بئر لها مالك، ليس لأحد أن يستعملها اللهم إلا بإذن المالك.
فإذاً هذه مسائل أو أحكام من حفر بئراً في أرض موات، هناك ثلاثة أنواع: حفرها ابتداء ونيته أن تكون لعامة الناس، فهذا الحافر وغيره سواء، ما بنفع يجي الحافر يقول ما حدا يشرب حتى يستأذنني، بنقول ما ليس لك ذلك، أنت حفرت لتكون للعامة فأنت وغيرك فيها سواء.
الحالة الثانية: أن يحفر بئراً لمصلحته الخاصة بدون قصد التملك، ففي هذه الحالة من حفر البئر هو أحق بها ما دام مقيماً، فإذا أرتحل اصبحت لجميع المسلمين، وهي التي ذكرها الشيخ مرعي.
الحالة الثالثة: أن يحفر البئر ليتملكها، وهنا أصبحت البئر ملكاً له هو، صاحبه هو الذي تعب فيها، وليس لأحد أن يستعملها إلا بإذنه.
جيد طيب، فهذه انتبهوا لها، واعلموا أن الشيخ مرعي إنما ذكر يعني الصورة الثانية فقط، لذلك قال: ومن حفر بئراً بالسابلة. حقيقة قوله ومن حفر بئراً بالسابلة، يعني أظنها كما قلت لكم يعني اختصار غير واضح، هذا أقل ما أقول فيه، اختصار غير واضح، لأن السابلة من هم؟ السابلة هم المارون، القبائل التي تمر بالصحراء أو تمر بأراضي الموات، هذه تسمى السابلة، المارون بالأراضي يسمون سابلة.
الدقيق أن نقول: من حفر بئراً بموات للسابلة، ها من حفر بئراً في أرض موات للسابلة، لكنه نوى ابتداءً أن يرتفق بها هو، يعني كما قلت العبارة تحتاج إلى شيء من الدقة أكثر: من حفر بئراً بموات أي في أرض موات للسابلة، لكن نيته ابتداءً أن يرتفق بها هو، فهو حفرها ليرتفق بها هو ابتداءً مدة إقامته، ثم ذكر قال: كالسفارة أي كالقبائل المسافرة التي تحفر آباراً في أرض الموات لتشرب ولتسقي دوابها، ويكون مصلحتهم بها خاصة بهم، ثم هم قالوا: بعد أن نرتحل يستعملها المارة.
قال: ومن حفر بئراً بأرض موات بالسابلة ليرتفق بها هو ابتداءً، كالسفارة أي كالقبائل المسافرة لشربهم ولدوابهم، فهم أحق بمائها ما أقاموا أي مدة إقامتهم، وبعد رحيلهم تكون سبيلا للمسلمين أي لكل السابلة الذين يمرون.
جيد؟ قال: فان عادوا -يعني بسم الله- فان عادوا يعني هذه القبيلة التي حفرت هذا البئر لصالحها الشخصي وليس بنية التملك، لا لصالحها الشخصي اللي هي الصورة الثانية، أقاموا فترة عندها ثم ارتحلوا لمنطقة أخرى، عرفنا أن هذا البئر تصبح حقاً للمسلمين.
طيب هذه القبيلة بعد أن انتقلت لها هي المنطقة الأخرى، في موسم من المواسم عادت لهذه المنطقة وعادت لبئرها الذي حفرت، هل يعود حق الاختصاص لها؟ قالوا: نعم. قال: فان عادوا كانوا أحق بها. هذه القبيلة حفرت هذا البئر لقرية أخرى أو منطقة أخرى أو أرض أخرى، ثم عادوا لبئرهم في سنة من السنين، هل يعود حق الاختصاص لهم؟ المذهب عندنا نعم يعود حق الاختصاص لهم، لذلك قال: فان عادوا كانوا أحق بها.
جميل، الآن بعد أن ذكر هذه المسائل، سيبدأ يذكر لنا ما هي طرق إحياء الموات، بعد أن عرفنا مفهوم إحياء الموات، بعد ما عرفنا مفهوم الموات والأراضي التي تدخل تحت الموات والأراضي التي لا تدخل تحته، وتكلمنا أيضاً عن موضوع البئر المحفورة في أرض الموات بأنواعها الثلاث، الآن سيبدأ يتكلم لنا عن طرق إحياء الأرض الميتة.
متى نعتبر أن هذا الشخص قام بإحياء الأرض الميتة؟ الآن هناك أساليب معينة للإحياء، ليس بمجرد أن يقول أنا سأحيي هذه الأرض يصبح مالكاً لها، كلا لابد أنه يقوم بإجراءات معينة، إذا قام بهذه الإجراءات نعتبره أحيا هذه الأرض فتصبح ملكه تبعا لذلك، إذا لم يقم بهذه الإجراءات وقام بإجراءات أخرى غير معتبرة شرعاً لا يعتبر أحيا هذه الأرض، فبالتالي لا تعتبر ملكاً له. ما هي طرق الإحياء؟
قال: ويحصل إحياء الأرض الموات إما بحائط منيع، هاي الطريقة الأولى أن يبني حائطاً منيعاً حول هذه الأرض، أن يبني حائطاً -ركزوا حائط- مهم هذا القيد لنخرج ما له وضع مثلاً غير الحائط كوضع مثلاً حجارة حوالين هاي الأرض وذهب، لأن أنا ما بنفع، لابد يبني حائطاً ويكون منيعاً. إذاً، إذا بنى حائطاً منيعاً حول هذه الأرض الميتة يعتبر هذا شكل من أشكال الإحياء فيتملكها زيد.
ثانياً: أو إجراء ماء لا تزرع إلا به، إذا زيد أجرى ماء، حفر حفر آبار وأخرج مياه لا يمكن أن تزرع هذه الأرض إلا من خلال هذه المياه، فبمجرد أن يحفر زيد آباراً ويخرج المياه أو يجري الماء من خلال أنهار بأي طريق، المهم زيد وصل الماء إلى هذه الأرض وهذه الأرض لا يمكن زراعتها إلا من خلال هذا الماء، فبمجرد إيصال زيد الماء إلى هذه الأرض يعتبر قد أحياها. في وقتنا المعاصر يمكن نعتبر مجرد ما أنه زيد يتواصل مع بلدية المياه أو شركة المياه ويتفق معهم أو يدفع مالاً على أن يوصلوا صهاريج المياه أو أنابيب المياه لأرض ميتة يعتبر هذا عندنا شكل من أشكال الإحياء.
إذاً الطريقة الثانية: إذا أجرى الماء، يعني إذا أوصل زيد الماء إلى أرض لا يمكن أن تزرع إلا من خلال هذا الماء وهذا قيد، إلى أرض لا تزرع إلا به، أنه ممكن تكون الأرض مثلاً لها طريقة أخرى من طرق الزراعة، يكون مثلاً هناك مورد ماء واصل لها لكن ما في أحد أحياها سابقاً فيكون إيصال الماء إليها تحصيل حاصل، فهذا عملية إيصال الماء إذا كانت تحصيل حاصل ولا أثر لها في الزراعة لوجود مياه أصلاً في هذه المنطقة، كانت منطقة الأرض الميتة فيها مياه سابقة ممكن، فبالتالي هنا أصبحت عملية إيصال المياه تحصيل حاصل ما لها داعي، فلا يعتبر هذا قد أحيا الأرض، لابد أن نحافظ على القيود.
إذا أجرى زيد مياه إلى أرض وهذه الأرض لا تزرع إلا بهذا الماء الذي أجراه، بالتالي إجراء أو إيصال الماء إلى هذه الأرض يكون في هذه الحالة إحياء، أما إذا كانت الأرض أصلاً مروية بالمياه لا تحتاج إلى إيصال مياه إليها فإيصال زيد الماء في هذه الحالة ليس إحياءً.
طيب، الحالة الثالثة: أو غرس شجر، إذا زيد ما استعمل يعني ما بنى حائطاً منيعاً، ولم يجري الماء إليها، لكنه غرسها بالشجر وليس بالزرع، هنا الحنابلة يفرقون بين غرس الأرض بالشجر وبين الزرع. إذا جاء زيد أتى بأشجار فغرسها، غرس الأشجار يعتبر إحياء موات، لكن زرع المحاصيل الزراعية مثل القمح والشعير وما شابه ذلك هذا لا يعتبر إحياء موات، فيفرقون بين الزرع وبين الشجر، الشجر اللي له ساق، الزرع اللي هي المحاصيل الزراعية، فزيد إذا غرس شجراً في هذه الأرض نقول: غرس الشجر إحياء لها، غرس الشجر في الأرض الموات هذا شكل من أشكال الإحياء، أما بذر الزرع وضع محاصيل زراعية ليس أشجار، وضع فقط محاصيل زراعية كالقمح والشعير فهذا لا يعتبر إحياء للموات، فإذاً هو نص على غرس الشجر لأنه مقصود لذاته.
الطريقة الرابعة من طرق الإحياء: قال إذا حفر بئراً، إذا حفر بئراً في الأرض الموات فهذا شكل من أشكال الإحياء، فهذه أربعة طرق أحبابي لإحياء الأرض الموات ذكرها الشيخ مرعي رحمة الله تعالى عليه: إما أن تبني حائطاً منيعاً، وإما أن تجري إليها ماء لا تزرع إلا به، وإما أن تغرس فيها شجراً، وإما أن تحفر فيها بئراً. هذه طرق إحياء الموات، فمن أحيا أرضاً ميتة بطريقة من هذه الطرق فقد ملكها.
طبعا هناك تفاصيل هو اختصرها الشيخ مرعي وأنا أختصرها في الحقيقة ونذكرها إن شاء الله في المطولات إن كان في العمر بقية، يعني في حدود كما قال الذي تملكه من الموات وما شابه ذلك، خاصة في بعض سبل الإحياء هناك حدود لما يتم ملكه، لكن أعفيتكم منه حتى لا أذهل عليكم.
قال: فإن تحجر مواتاً بأن أدار حوله أحجاراً أو حفر بئراً لم يصل ماؤها، أو سقى شجراً مباحاً كزيتون ونحوه أو أصلحه ولم يركبه، لم يملكه لكنه أحق به من غيره، ووارثه بعده، فإن أعطاه لأحد كان له.
بسم الله، ماذا يقصد الشيخ مرعي بهذه الجمل؟ يقول لك الشيخ مرعي: أنتم عرفتم ما هو الإحياء، الآن من أحيا هذه الأرض بطريقة من الطرق الأربعة التي ذكرناها، فانه ملكها ملكاً ويستطيع أن يبيعها وأن يهبها وأن يتصرف فيها تصرف الملاك. أما الآن سيذكر طرقاً ليست سبيلاً للإحياء، فيذكر صوراً ليست من صور الإحياء.
قال: فإن تحجر مواتاً بأن أدار حوله أحجاراً -زي ما قلنا وضع مجرد أحجار حول الموات وعلامات- قال: خلاص أنا هيك أحييت، بنقول لا، وضع الأحجار من دون بناء حائط منيع ليس إحياءً. فمن تحجر مواتاً بأن أدار حوله أحجاراً، أو حفر بئراً صاحبنا حفر بئراً لكن هذه البئر لم تخرج مياه، لم تخرج مياه مثلاً، أو سقى شجراً مباحاً -مثلاً أحياناً بعض الأراضي إخواني الخربة بيكون فيها أشجار زيتون صح؟ خاصة في بلادنا اليوم بتلاقوا أراضي خربة ما حدا يملكها ولا نعرف من ملاكها، خلاص ذهبت ذهب أهلها عنها لكن فيها أشجار زيتون، هذه الأشجار تسمى أشجار مباحة- أشجار زيتون وبعض الأشجار الحرجية بتكون أشجار مباحة ليست ملك لأحد.
فلو أن شخصاً جاء إلى أرض موات فيها أشجار زيتون، أشجار زيتون كما قلنا الآن هي مباحة للجميع، فصاحبنا أتى إلى هذه الأشجار التي في أرض الموات زرع زيتون أو غيرها وبدأ يسقيها. هل بمجرد قيام زيد بسقي هذه الأشجار المباحة الزيتون وغيرها يعتبر مالكاً لهذه الأرض الموات؟ قالوا: لا يعتبر مالكاً للأرض الموات إذا سقاها، لذلك قال: أو سقى شجراً مباحاً أي شجر موجود ليس ملك لأحد في أرض موات كزيتون ونحوه، أو أصلحه بأن كان مثلاً هنا في شجر مباح زيتون أو غيره يحتاج لتقليم وإزالة الضرر الحشرات المؤذية عنه. هل إصلاح الشجر المباح يعتبر شكل من أشكال إحياء الأرض الموات؟ كلا، لذلك قال: أو سقى شجراً مباحاً أو أصلحه.
لكن قال: أصلحه ولم يركبه. التركيب هو كانوا يعرفونه قديماً هو التطعيم، أن تطعم الشجرة من شجرة أخرى أو ما شابه ذلك من طرق التطعيم اللي بيعرفها إخواننا المزارعون. فإذا قام بمجرد الإصلاح من دون تطعيم بأن قلم الأشياء المؤذية، الأغصان لا فائدة منها، هذا لا يعتبر إحياء، أما إذا طعم هذا الشجر، إذا طعم هذا الشجر من شجر آخر، تطعيم الشجر من غيره يعتبر كأنك غرست شجراً جديداً، وعرفنا قبل قليل أن
قرص الشجر هو شكل من أشكال الأحياء، ويأخذ حكم غرس الشجر تطعيم الشجر المباح. هكذا يقول المذهب، يأخذ حكم غرس الشجر في الأحياء تطعيم الشجر المباح. يعني لو كان هناك أرض موات فيها شجر مباح وأنت قمت بتطعيمه من شجر آخر، تطعيمك لهذا الشجر من غيره كأنك غرست شجراً جديداً، فتعتبر كأنك أحييت هذه أرض الموات فتمتلكها، وأما مجرد إصلاح هذه الأشجار وضع سماد عليها أو سقيها بالمياه، هذا كله لا يعتبر أحياء.
كل هذه التصرفات لا فائدة منها يا شيخ، يعني من تحجر أرضاً، وضع حولها أحجاراً أو حفر بئراً ولم يخرج منها الماء، أو سقى مباحاً أو أصلحه، أنت قلت هذا لا يعتبر أحياء. ماشي. لكن هذا الزلمة الذي تعب وعمل كل هذه الأمور، ما له أي حق في هذه الأرض في الحقيقة؟ لأ، الحنابلة احتراموا هذا التعب. فقالوا: هو لا يملك هذه الأرض لأنه لا يعتبر قد أحياها، لكنه أحق بها من غيره. تصبح لك أحقية في هذه الأرض، مقدم على غيرك، لك أحقية الانتفاع بها، الانتفاع بما فيها مثلاً من شجر مباح، أحقية أن تأتي مثلاً بإبلك ودوابك فترعى فيها، لك أحقية فيها، لكنه أحق بها من غيره، وكذلك وارثك من بعدك.
الذي يتحجر الأرض أو سقى الشجر المباح أو أصلحه أو حفر بئراً ولم يخرج منها الماء، هو أحق بالانتفاع بهذه الأرض من غيره، ورثته من بعده أحق بها من سائر الناس.
بما أني امتلكت أحقية الانتفاع بهذه الأرض أنا وورثتي من بعدي، أستطيع أن أعطي هذه الأحقية أيضاً لغيري، أستطيع أن أعطي هذه الأحقية لغيري، لكن في النهاية أنا لست مالكاً، هذه هي الفكرة. أنت تملك أحقية الانتفاع، أنت مقدم على غيرك، وورثتك مقدمون على غيرهم، ولك أن تعطي بهذه الأحقية لغيرك أيضاً، تعطيها لصديق لك عزيز، لكن في النهاية أنت لست مالكاً. وبالتالي لا يجوز لك أن تبيع هذه الأرض، لا يجوز لك أن تبيع هذه الأرض لأنك لست مالكاً لها في مفهوم الإسلام.
بخلاف الذي أحيا أرضاً ميتة فتملكها بناء على الأحياء، أصبح مالكاً الآن، مالك زيّه زيّ أي مالك، له أن يبيع وله أن يمارس عليها كل الأمور التي تجري على الأملاك. عرفتم الفرق إذاً؟ فرق بين أن نقول أنت أحق بها من غيرك وبين أن نقول أنت مالك. الملك لا يكون إلا بالاحياء الشرعي.
وأما ما قمت به من هذه التصرفات لا تعتبر أحياء في مفهوم الشارع، لكنها تمنحك الأحقية وأن تكون مقدماً في هذه الأرض على غيرك، أنت وورثتك ومن أعطيته هذا الحق من أصدقائك وأحبابك.
ثم ختم أظن هذا الباب بقوله: ومن سبق إلى مباح فهو له، كصيد وعنبر ولؤلؤ ومرجان وحطب وثمر ومنبوذ رغبة عنه. هذه كلها جملة واحدة أو مقطع واحد، وشيء منبوذ أي ملقى رغبة عنه أي لعدم النظر إليه، ما يلقى -عافاني الله وإياكم- من أمام النفايات وما شابه ذلك مما ينبذه الناس رغبة عنه.
والملك مقصود فيه على القدر المأخوذ. هذه قاعدة في الحقيقة عامة، ليس لها علاقة بإحياء الموات خصوصاً، قاعدة عامة. الأشياء المباحة التي ليست ملك لأحد، من سبق إليها فحازها امتلكها. من سبق إليها فحازها امتلكها. لذلك هو ايش قال: ومن سبق إلى مباح.
المباحات كما قلنا هي الأشياء التي ليست ملك لأحد، كما في قاع البحر من المرجان والاشياء الكريمة، أو كما في البرية من الصيد أو ما في الاراضي المفتوحة من العشب المباح والمياه الجارية. كل المباحات إخواني هي ليست ملك لأحد. كيف يمكن لي أن أتملكها؟ إذا حزتها، أنا بها أخذتها وحشتها؛ أتيت إلى الحشيش فجمعته وفحصته، أتيت إلى مياه آبار فأخرجتها وحستها ونقلتها إلى خزاناتي، أتيت إلى لؤلؤ ومرجان فاقتطفته بنفسي أو التقطته بنفسي من قاع البحر. فالقاعدة العامة: من سبق إلى شيء مباح -المباح هنا ليس المباح فيه شرعاً لا، المباح الذي ليس ملكاً لأحد، هذا المراد بمفهوم مباح- من سبق إلى مباح فهو له، أي امتلكه بحيازته، كصيد وعنبر ولؤلؤ ومرجان وحطب وثمر. ثمر إلا على الأشجار المباحة، كما ذكرنا قبل قليل، أو شيء منبوذ رغبة عنه؛ شيء نبذه صاحبة رغبة عنه وتركه للناس يأخذونه، إذا سبقت إليه أنا أخذته.
والملك مقصور فيه على القدر المأخوذ. يعني الشيء المباح الذي سبقت إليه غيري، إنما أتملك منه ما حزته وأخذته فقط، يعني إذا أنا سبقت إلى مرعى وبدأت أجمع العشب، العشب الذي أمتلكه من هذا المرعى هو العشب الذي أنا أخذته وحزته، وأما باقي العشب الموجود الذي لم تصل إليه يدي بعد، هذا ليس ملكي بعد.
لذلك انتبه، إذا أنت وصلت إلى مرعى وبدأت تأخذ عشبه، وما أصبح ملكاً لك تمنع الناس أن يدخلوا إليه؟ كلا، أنت تمتلك من هذا المرعى المباح ما حزته وقطفته فقط. مثلاً شجرة، أنت شجرة مباحة، أنت بدأت تأخذ بثمارها، الذي امتلكته منها فقط الثمار التي قطفتها، وأما باقي الثمار العالية لو جاء أحد بدأ يقطف معك، ليس لك أن تقول له: يا فلان اذهب، والله أنا سبقتك إلى الشجرة. لا، أنت سبقته إلى ملك جزء من الثمر، فما امتلكته أو ما حزته من الثمر هذا الذي امتلكته، وأما ما لم تحزه بعد، ما لم تقطفه بعد، فهذا مازال ملكاً للجميع، فليس لك أن تمنع الناس منه. لذلك قال: والملك مقصور فيه على القدر المأخوذ.
جيد. الشيخ مرعي طبعا في الحقيقة اختصر في باب إحياء الموات كثيراً، أجده في بعض الأبواب يسهب، في بعض الأبواب يقصر النفس، لكن أنا متعمد أيضاً أنني لا أرهقكم في كثير من الأبواب؛ خلاص، الأبواب المرهقة أنا أتعب فيها معكم مع الشيخ، وأما الأبواب التي اختصرها فأنا أختصر، أتعمد الاختصار حتى نقطع ما يمكن قطعه، ولا أريد أن أرهقكم بمسائل تزيد الكتابة أضعافاً وأضعافاً.
ننتقل إلى عقد آخر، وهو عقد الجعالة. بسم الله. وهو أيضاً عقد سريع أحبابي الكرام، يعني لا يوجد فيه طول في الحقيقة. عقد الجعالة لو اتينا قلنا: المعاملات أصبحنا نرسم خارطة طويلة، عقود وحقوق، بالنسبة للعقود عرفنا هناك معاوضات، هناك إرفاق، وهناك توثيق، وهناك تبرع. عقد الجعالة أنا سريعا هو من قبيل عقود المعاوضات لأن هناك عمل من شخص سيحصل مقابله على عوض. هناك عمل سيحصل مقابله على عوض، فالجعالة قريبة من الإجارة، لكن هناك فروق دقيقة بين البابين سنبينها إن شاء الله.
الجعالة هي من عقود المعاوضات، لأنه عمل سيحصل مقابله على عوض، فشخص قدم عملاً، لكنه ليس مجاناً، لا، هو مقابل عوض سيحصل عليه. فالجعالة قريبة في مفهومها من الإجارة. أنت في الإجارة يمكن أن تستأجر شخصاً على عمل وتعطيه مقابلاً على هذا العمل، صح؟ الجعالة قريبة من هذا المفهوم، لكن هناك فروق دقيقة بين الجعالة وبين الإجارة ستظهر معنا بإذن الله.
الجعالة مثلثة الجيم؛ جعالة وجُعالة وجِعالة. لمعلوم جُعل في العمل المجهول والذي عُلم، كما يقول الشيخ صالح المري في ملحق النافلة: لمعلوم جُعل، في العمل المعلوم والذي جُهل. إذاً الجعالة مثلثة الجيم، يصح أن تقول جعالة وجُعالة وجِعالة.
ما هي؟ وما هو هذا العقد؟ يقول الشيخ مرعي في تعريفه، طبعا الجعالة خليني أقول من حيث المعنى اللغوي ابتداء، هي مصدر مأخوذ من الجعل، والجعل هو أن تجعل شيئاً لشخص آخر، الجعل هو أن تجعل شيئاً لشخص آخر، فأقول: جعلت لك كذا، أي وضعت لك كذا، جعلت لك هذا الهاتف، جعلت لك هذا القلم، أي سميت لك هذا القلم أنه لك، جعلت هذا الشيء لك. هذا معناها اللغوي.
لكنني أتكلم الآن، أو دعوني أتكلم عن المعنى المفهوم الشرعي، المعنى أو الاصطلاحي لها، فالجعالة -الشيخ مرعي هنا عرفها على خلاف عادة عادتهم ولا يعرف العقود، لكن هنا عرفها- فقال: هي جُعل مال معلوم لمن يعمل له عملاً مباحاً ولو مجهولاً، كقوله: من رد لقطتي أو بنى لي هذا الحائط أو أذن بهذا المسجد شهراً فله كذا.
إذاً جُعل مال معلوم لمن يعمل لك أيها الإنسان عملاً مباحاً، ليس عملاً محرماً. إذاً الجعالة كما قلت لكم لاحظوا ابتداء، هناك شبه بينها وبين الإجارة في أنك تدفع مالاً، ويجب أن يكون المال معلوماً، تدفع عوضاً مالياً معلوماً لمن يعمل لك عملاً مباحاً مأذوناً به شرعاً، سواء كان هذا العمل الذي طلبته من الآخرين معلوم التفاصيل أو كان مجهول التفاصيل. وهذا أول فرق بين الجعالة وبين الإجارة، ومنه سأدخل إلى باقي الفروق بين البابين.
إذاً دعونا يا إخواني نعرف الفرق بين الجعالة وبين الإجارة، لأن في الحقيقة هناك تشابه كبير في الصورة، لكن هناك فروق دقيقة بين البابين.
في الجعالة يصح أن يكون العمل المتعاقد عليه معلوماً ومجهول التفاصيل، وأما في الإجارة يجب أن يكون العمل معلوم التفاصيل. إذاً هذا أول فرق بين الجعالة وبين الإجارة. لما أنا أستأجر -خلوني في الإجارة- لما أستأجر شخصاً ليقوم لي بعمل، يجب في الإجارة أن يكون العمل معلوم التفاصيل؛ أنا أستأجرك لتبني لي حائطاً ولازم أبين له حجم البناء، تبني لي حائطاً طوله كذا وارتفاعه كذا، أو أستأجرك لتخيط لي شيئاً تخيطه على أن يكون قميصاً طوله كذا وقصره كذا مثلاً، أستأجرك لتحفر لي بئراً عمقه كذا وسمكه وأثر الأفق هكذا. المهم في الإجارة إذا أستأجرت شخصاً ليعمل عملاً، يجب وجوباً أن يكون العمل المستأجر عليه معلوم التفاصيل للعامل، فإذا حدثت فيه جهالة فعقد الإجارة ملغي.
في الجعالة لأ، الأمر واسع، يصح أن يكون العمل المتفق عليه عملاً معلوم التفاصيل: ابني لي حائطاً عرضه كذا وطوله كذا وسمكه كذا، ويصح أن يكون مجهول التفاصيل، كما ذكر لك الشيخ مرعي: أعطيه قماشاً وأقول: من خاط لي هذا الثوب أعطيه كذا، ولم أبنِ طبيعة الخياطة وماذا أريد منه، أو مثلاً من بنى لي حائطاً في هذه المزرعة أعطيه مائة دينار؛ العوض لابد أن يكون معلوماً سواء في الجعالة أو في الإجارة، العوض المكافأة لابد أن تكون معلومة، لكن العمل يمكن أن يكون مجهولاً في الجعالة، لكن لا يصح أن يكون مجهولاً في الإجارة. ففي الجعالة أستطيع أن أحدد العمل بالتفصيل، وأستطيع أن أطلقه وأقول: من خاط لي ثوباً من دون أن أبين التفاصيل، أو من بنى لي حائطاً من دون أن يبين التفاصيل، أو من أتى بدابتي التي ضلت من دون أن أبين أين ضلت وحجم العمل الذي سيحتاج إليه ليجدها؛ خلاص، أنا عندي دابة ضاعت، ومن يأتيني بدابتي أعطيه كذا وكذا. لاحظ، في الجعالة لا يشترط أن يكون العمل المتعاقد عليه معلوم التفاصيل، يمكن أن يكون معلوماً، يمكن أن يكون مجهول التفاصيل، ولا إشكال في ذلك، وأما في الإجارة ما بيزبط. هذا أول فرق بين البابين.
الفرق الثاني، وهو لم يذكره: لا يشترط تعيين العامل في الجعالة، بخلاف الإجارة. هذا فرق الثاني؛ الجعالة لا يشترط فيها تعيين العامل، بينما في الإجارة يجب تعيين العامل المتعاقد معه. هذا الفرق الثاني؛ في الجعالة يصير أخرج أمام الناس وأقول: أيها الناس، من يحضر لي عبدي الهارب أو ناقتي الشاردة أو سيارتي الضائعة سأعطيه ألف دينار، ويذهب الناس يعملون، أنا ما تعاقدت مع شخص معين، فقط قمت أمام الناس وقلت: من يحضر لي ناقتي أو سيارتي الضائعة أو محفظتي التي أضعتها ولا أدري أين ذهبت، من يحضرها لي سأعطيه ألف دينار أو خمسمائة دينار. هنا الناس كلها ستذهب تعمل، والذى سيظفر بسيارتك أو بمحفظتك هو الذي يستحق الجعل. فالجعالة إذاً عقد لا يحتاج فيه إلى تعيين العامل المتعاقد معه، وأما في الإجارة لابد من أن تعين العامل الذي تتعاقد معه، لابد تعين العامل الذي تتعاقد معه. هذا الفرق الثاني.
في الجعالة العامل غير ملزم بالعمل، يعني العامل له أن يفسخ وأن يترك العمل متى شاء، وهذا أصلاً مبني على الفرق الرابع الذي سأذكره، وأما في الإجارة العامل ملزم بأداء العمل، وهذا خلينا مباشرة نذكر الفرق الرابع بينهما، لأنه في الحقيقة هناك ارتباط بينهما.
الجعالة عقد جائز، والإجارة عقد لازم، وفي الحقيقة الثالث هو ينبني على الرابع، لو قدمتموه أنتم عندكم في الكتابة أفضل. الجعالة من العقود الجائزة، وعرفنا العقود الجائزة لكل طرف أن يفسخها متى شاء، لكن سنعرف بعض الأحكام التي تنبني على الفسخ، لكن عموماً العقود الجائزة لكل طرف أن يفسخها، وأما العقود اللازمة ليس لأحد أن يفسخها، إلا إذا تلفت العين كما مر معنا في الإجارة إذا تلفت العين المعقود عليها أو مات العامل أو ما شابه ذلك تنفسخ تلقائياً، لكن أن يختار أحد الأطراف الفسخ من عنده ليس له ذلك.
الإجارة من العقود اللازمة متى تمت بصورة صحيحة لزمت الأطراف ولا يجوز لأحد الأطراف أن يستنكف ويقول: لا، ما بدي، انتهى الأمر، لزمك العقد.
وأما الجعالة فهي عقد جائز، العامل إذا شرع فيها له أن يعتذر، يقول: ما بدي أكمل عمل. وسنعرف إن شاء الله إذا العامل اعتذر هل يحصل شيء ولا لا؟ وسنعرف إذا رب العمل، يعني الذي وضع الجعل، إذا هو الذي اعتذر ماذا سيترتب على ذلك؟ لكن عموماً
يجوز الجمع بين المدة والعمل، أن تقدر -يعني رب الجعل- يجوز أن يقدر العمل بالمدة والعمل بكليهما معاً في نفس الوقت، وأما في الإجار، فمر معنا أنها تقدر إما بالمدة وإما بالعمل، ولا يجوز الجمع بينهما.
إيش يعني؟ يعني في الجعالة يا أحبابي، يجوز أن أخرج فأقول: من يحضر لي سيارتي الضائعة -ها حددت العمل- خلال خمسة أيام -حددت المدة- فله ألف دينار. فقيدت بالعمل وبالمدة؛ إحضار السيارة، وكذلك أنت محدود في خمسة أيام فقط، فيجوز أن أجمع بين المدة والعمل.
ويجوز أن اقتصر على العمل فقط، فأقول: من يحضر لي سيارتي له ألف دينار، من دون أن أحدد بالمدة. إذاً في الجعالة يجوز أن تجمع بين المدة والعمل، من يحضر السيارة خلال مدة كذا، ويجوز أن أطلق، من يحضر السيارة وأسكت.
لكن في الإجارة عرفنا سابقاً لا، إما أن تحدد المستأجر بالمدة، وأما أن تحدد العامل بالمدة، وإما أن تحدد العامل بالعمل؛ إما أن تقول للعامل: ابني لي حائطاً طوله كذا وعرضه كذا، ولا يجوز أن أقيّده بمدة، خلاص سأتعاقد معه على عمل، فإذا أنجز العمل يستحق.
وإما أن أتعاقد معه على مدة، فيقول له: أنت مستأجر من الساعة السادسة إلى الساعة الرابعة، سواء أنجز العمل أو لم ينجز، ما دام يقوم بالوظيفة المطلوبة منه. فإذاً في الإجارة عرفنا أن العامل إما أن يتفق معه على إنجاز عمل من دون أن يقيد بمدة، أو يتفق معه على مدة من دون أن يشترط عليه إنجاز العمل فيها، فلابد إما بالمدة وإما بالعمل، ولا يجمع بينهما.
في الجعالة لأ، الأمر أوسع، يجوز أن يجمع فيها بين المدة والعمل، فأنا أقول له: لك ألف دينار إذا عملت هذا العمل خلال مدة معينة. تمام، هذا فرق خامس.
طيب أضيف فرق سادس: الجعالة تصح في الأعمال التي يشترط أن يكون فاعلها مسلماً، وأما الإجارة فلا تصح الإجارة في الأعمال التي يشترط أن يكون فاعلها مسلماً كما اخذنا سابقاً، فعرفنا أن الأعمال التي يشترط أن يكون فاعلها مسلماً كالآذان ونحوه، كتعليم القرآن، هذه لا يجوز الإجارة عليها عند السادة الحنابلة.
الأعمال التي يشترط بفاعلها أن يكون مسلماً، مثل الآذان وتعليم القرآن، هذه لا يصح الإجارة عليها، لكن يصح الجعالة عليها، فيصح أن أعطي جعلاً لمن يؤذن للناس، ويصح أن أعطي جعلاً لمن يعلم ابني القرآن، ولمن يقوم بأعمال لابد وأن يكون القائم بها مسلماً.
فهذا اكتبوه مثلاً سادساً الشاشة امتلأت: سادساً، يصح على عمل يشترط في صاحبه الإسلام، لكن الإجارة لا تصح في عمل يشترط في صاحبه الإسلام، فلا تصح أن أستأجر شخصاً على الإامامة، أو على الآذان، أو على تعليم القرآن، لكن يصح أن أعطيه جعلاً.
فأنتم إذا تلاحظون أحبابي، أن الجعالة صورة خليني اسميها منفتحة من الإجارة إذا صح التعبير، يعني صورة تسهيلية منفتحة من الإجارة. أحكامها كلياتها أوسع من أحكام الإجارة، كل أحكام الجعالة أوسع من أحكام الإجارة.
فالعمل يصح أن يكون مجهول التفاصيل، العامل له الحق أنه يفسخ متى شاء، ولا يشترط فيها تعيين العامل، وهي عقد جائز، ويجوز الجمع فيها بين المدة والعمل، ويصح أن يكون العمل مما يشترط في صاحبه الإسلام. أمورها، لذلك هم يعتبرون الجعالة هي مخرج من الإجارة.
يعني في الأعمال التي لا يصح الإجارة عليها، يمكن أن يكون من المخارج الفقهية لها أن نكيفها على أنها جعالة، وهذه كفعل البنوك وكثير من المعاملات العصرية اليوم تعتبر جعالة بدلاً من الإجارة، لأن الجعالة صيغتها فيها سعة وتوسعة من الشريعة والحمد لله.
فالأمور والاعمال التي يصعب أن نطبق الإجارة، نجعلها من قبيل الجعالة حتى نصححها. فاليوم الأئمة يأخذون رواتب، المؤذنون يأخذون رواتب، على فقه السادة الحنابلة لا يصح أن تكون هذه إجارة، طيب إيش نعمل؟ خلص، لا حدا يؤم، ولا حدا يؤذن، ولا حدا يخطب! لأ، خلاص بنقول نعتبرها جعالة.
لكن بدنا نطبق، طبعا لما نعتبرها جعالة هي ليست حيلة، سنطبق هي أحكام الجعالة تماماً؛ أي لا يشترط تعيين العامل، والعامل يستطيع، غير ملزم بالعمل، والجعالة عقد جائز، سنطبق عليه أحكام الجعالة تماماً. إذاً فيها الحمد لله مخرج شرعي في العقود التي لا يصح فيها الإجارة.
مثلاً لو جاء شخص وقال لي: يا شيخ، أنا بدي حقيقة أتفق مع عامل على أن يعمل عملاً لي كاملاً وخلال مدة، وأنتم أيها الحنابلة لا تجوزون هذا إجارة، نقول له: صح، إجارة لا يجوز أن تتفق مع العامل على إنجاز عمل داخل مدة محددة، لكن يصح هذا جعالة.
فأقول له: يا من جعالة بس بدك تلتزم بأحكام الجعالة، ها مش تخلي جعالة وإجارة يعني نص ونص، تلتزم بأحكام الجعالة، فتأتي بعامل، تقول: اسمع ترى أنا راح اعمل معك عقد جعالة، أريدك أن تنجز عمل خلال مدة محددة، أنجزته تحصل، ما أنجزت لا شيء لك عندي، يجوز، يجوز، لكنه جعالة.
تلاحظون أن الجعالة هي نوع من المخارج أو مخرج فقهي جيد للعقود التي لا تصح الإجارة عليها.
إذا قال الشيخ مرعي: وهي جعل مال معلوم، ها. هناك أمر مشترك بين الجعالة وبين الإجارة؛ من الامور المشتركة بينهما أن العوض لابد يكون معلوم، سواء في الإجارة أو في الجعالة. هذه نقطة نقطة اشتراك، وهي جعل مال معلوم لمن يعمل له، أي لمن يعمل لك عملاً مباحاً مش محرماً.
ولو كان هذا العمل مجهول التفاصيل، كقوله -هو يذكر الآن أعمالاً مجهولة التفاصيل-: من رد لقطتي، والله إلي لقطة ضاعت، من ردها فله كذا. طبعا هذا العمل مجهول، لأنه ممكن تكون نقطتك في أمريكا في آخر الدنيا، وفي يعني العمل لا نعرف كم سيحتاج من الجهد والطاقة والتفاصيل والذهاب والعودة والتكاليف، عمل مجهول التفاصيل، كما نرد لقطتي، أو بنى لي هذا الحائط، أو بنى لي هذا الحائط أيضاً فيه نوع من الجهالة.
لانه غير معلوم التفاصيل، أو أذن بهذا المسجد شهراً، أو أذن بهذا المسجد شهراً، لاحظ هنا أنه اتفق على عمل داخل مدة، من أذن قام بالعمل وداخل مدة، حدد شهراً، فله كذا، وهذه جعالة على عمل يشترط في فاعله أن يكون مسلماً، فلاحظوا أنه جمع بين المدة والعمل، أنك تعمل خلال مدة شهر، والعمل هنا يشترط في صاحبه أن يكون مسلماً، فهذه كلها من ميزات الجعالة، أو أذن بهذا المسجد شهراً فله كذا.
جيد، قال: فمن فعل العمل؟ قال: اركزوا، إذا فهمنا عقد الجعالة وأن صورته ابتداءً شبيهة بإيجارة شخص على عمل، لكن هناك فوارق كثيرة بين البابين. ماذا سيترتب على عقد الجعالة؟
قال: فمن فعل العمل بعد أن بلغه الجعل استحقه كله، وإن بلغه في أثناء العمل استحق حصة تمامه، وبعد فراغ العمل لم يستحق شيئاً. ما معنى هذا الكلام الآن إخواني؟ شخص قال أمام الناس: أيها الناس، لقد ضاعت سيارتي، لو أنكم تساعدونني في البحث عنها.
فذهب الناس يساعدونه في البحث عنها، وبدأ العمل، بدأ العمل والبحث عنها، لسه هو ما عمل جعالة، هو قال للناس: ضاعت سيارتي فابحثوا وساعدوني في البحث عنها، بدأ الناس بالعمل. الآن هناك عامل اسمه زيد، هناك عامل ممن يبحث عن السيارة اسمه زيد، زيد ما شاء الله مجتهد وعم يبحث عن السيارة من كل قلبه، يعني كما قالوا.
صاحب السيارة الضائعة صاحب السيارة الضائعة اسمه خلينا نقول بكر، بكر كما قلنا حكى ابتداءً للناس: أيها الناس، ساعدوني في البحث عن سيارتي. زيد أحد العمال الذين شرعوا في هذا العمل مجاناً لوجه الله، يومين ثلاثة السيارة ما حدا وجدها. أبو بكر بعد ثلاثة أيام أربعة أيام أصدر يعني إعلاناً قال: أيها الناس، من يأتي بسيارتي ويجدها لي سأعطيه ألف دينار.
ممتاز، الآن زيد هذا العامل هو عم بدور عالسيارة، لكنه لم يسمع لم يسمع بالإعلام الذي أعلنه بكر، أن الذي سيجد السيارة سأعطيه ألف دينار. فزيد إلى الآن يبحث عن السيارة لوجه الله، إذا زيد وجد السيارة وأتى بها إلى بكر، وهو لا يعلم بأن بكر جعل جعلاً على من يجد، أو لمن يجد السيارة، ثم علم بعد ذلك بعد أن فرغ من العمل، فليس لزيد أن يطالب بكر بالجعل، هذا المذهب عندنا.
إذا بكر بدو يعطيها هدية جزاه الله خيراً، لكن بكر غير ملزم بأن يعطي الألف دينار لزيد، ليه؟ لأنه زيد لما عمل العمل عمله مجاناً، وأنهاه مجاناً لوجه الله، وجاء بالسيارة، بعد أن جاء بالسيارة عرف أن بكراً كان قد جعل جعلاً لمن سيأتي بالسيارة.
فإذا أنهى العامل عمله وهو لا يعرف بالجعل، فليس له أن يطالب بكراً بالجعل، أنت عملته لوجه الله يبقى لوجه الله، هذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية: إذا زيد أثناء العمل عرف أن بكراً جعل جعلاً، يعني زيد اشتغل له يومين -يعني قلنا بكر جعل جعل ألف دينار، زيد لسه ما وصل له هذا الخبر- فاشتغل أربعة أيام وهو لا يعلم بقضية الجعل، اشتغل أربعة أيام وهو لا يعلم بذلك، ثم في اليوم الرابع وصله خبر أن بكراً جعل جعلاً لمن يجد سيارته، إذا هو أربعة أيام يعمل ولا يعلم بأن هناك جعل.
في نهاية اليوم الرابع وصله الخبر، فبدأ يعمل في اليوم الخامس فصاعداً بناءً على أن هناك جعل، ووجد السيارة، فلما وجد هذه السيارة عاد إلى بكر، عاد إلى بكر وقال: يا بكر، أنا عملت العمل المطلوب، أنا عملت العمل المطلوب.
فهنا بكر سيقول له: أنت متى علمت بالجعل؟ هل من بداية عملك علمت بالجعل، ولا من أثناء العمل؟ قال: والله يا بكر في الحقيقة أنا ليس من بداية العمل علمت بالجعل، أنا اشتغلت لأربعة أيام لوجه الله، وأثناء العمل علمت بالجعل، فاشتغلت مدة ثلاثة أيام بعد أن علمت بالجعل فوجدت السيارة.
هنا في الحقيقة يقولون: العامل لا يستحق كامل الجعل، وإنما يستحق منه بالنسبة، لأنه هناك جزء من عمله كان لوجه الله، ثم الجزء الآخر كان من أجل أن يحصل الجعل، فإذا أتاني بالسيارة لا يستحق أمن الجعل، لأنه بكر إنما جعل الجعلة كاملاً لمن قام بكل العمل مقابله، فأما من قام بنصف العمل لوجه الله وبنصفه الآخر أو بقسم منه مقابل الجعل، فهذا قال الحنابلة: يستحق فقط حصة تمامه.
نأتي نقدر، فنقول: والله كم نسبة شغله التي كانت مقابل الجعل، وكم نسبة الشغل التي كانت لوجه الله؟ بنحسب، والله سبعة أيام، هاي سبعة أيام، أربعة منها كان لوجه الله، ثلاث أيام كان مقابل جعل. إذاً، خلينا نقول: إذا أربعين بالمية كان مقابل الجعل، فيأخذ أربعين بالمئة من الجعل، نسبة وتناسب.
إذاً من عرف في أثناء العمل لا يستحق كامل الجعل، بل يستحق حصة التمام؛ أي مقابل المدة التي عملها للجعل، وأما المدة التي عملها لوجه الله مجاناً فهذه لا يأخذ شيئاً عليها من الجعل.
وأما إذا كان هذا العامل علم بالجعل من البداية، فهو أصلاً ما اشتغل وما تحرك حتى عرف بالجعلي، فهنا إذا وجد فانه يستحق الجعل كاملاً، لأنه أصلاً لم يتحرك إلا بعد علمه بالجعل. لذلك قال: فمن عمل العمل بعد أن بلغه الجعل -اللي هي الحالة الأخيرة اللي ذكرتها، يعني هو ما اشتغل شيء حتى عرف بالجعل- فانجز العمل المطلوب استحق الجعل كاملاً، قال: استحقه كله.
وأما إن بلغه في أثناء العمل أن هناك جعل، فهذا لا يستحق الجعل كاملاً، وإنما يستحق حصة تمامه بالنسبة كما ذكرت لكم قبل قليل. وأما إذا علم بعد فراغ العمل بالكلية، وبعد أن أنجز المهمة عرف أن هناك جعلاً، فهذا لا يستحق شيئاً على قواعد المذهب، لأنك أنت أنجزت كل العمل لله فيبقى لله. عاد صاحب السيارة إذا أراد أن يعطيك هدية هو حر في ذلك. إذاً وبعد فراغ العمل، إذا علم بعد فراغ العمل لم يستحق شيئاً.
ثم قال: وإن فسخ الجاعل قبل تمام العمل. هسا احنا عرفنا أن الجعالة عقد جائز، بسم الله، يمكن أن يفسخ الجاعل، ويمكن أن يفسخ العامل، أليس كذلك؟ بما أن الجعالة عقد جائز، إذاً الجاعل له أن يفسخ، والعامل له أن يفسخ، لكن القضية لها أحكام.
قال: وإن فسخ الجاعل -الذي جعل جعلاً لمن يجد سيارته- قبل تمام العمل، لزمه أُجرة المثل. يعني بكر قال لزيد: يا زيد، ابحث لي عن سيارتي وأعطيك ألف دينار، بكر قال لزيد: ابحث لي عن سيارتي وأعطيك ألف دينار، زيد ذهب يبحث، ذهب يبحث، وفي أثناء بحثه اشتغل له يومين ثلاث أربعة، اه، بكر تراجع عن الجعل!
قال: يا عمي، أنا أتراجع عن الجعالة التي وضعتها الألف دينار. فزيد قال: لا، أنا اشتغلت ثلاث أربعة أيام بناءً على أنه في جعالة، وأنت الآن تتراجع لي عن الجعالة، وبتقول لي الجعالة عقد جائز، بالتالي لي أن أتراجع عنها متى شئت.
ماشي، الجعالة عقد جائز، لك يا بكر أن تفسخ، حقك، لكنني اشتغلت مدة ثلاثة أيام بناءً على أنك جعلت جعلاً، فعليك أن تعطيني مقابل هذه الثلاثة أيام أُجرة المثل. هل هذا من حقّه؟ قالوا: نعم، هذا من حقّه، إذاً إذا بكر الجاعل فسخ عقد الجعالة في أثناء مدة عمل العامل، هذا العامل له أن يطالب الجاعل بأُجرة المثل، لأنه هو عمل بناءً على أنه في جعالة، فأنت فسخت أيها الجاعل، لك الحق أنك تفسخ، لكن لي حق.
أنا كعامل أنا أطالب بأجرة المثل على الأيام التي تعبت فيها. إذاً؛ وإن فسخ الجاهل قبل تمام العمل لزمه أجرة المثل لهذا العامل. وإن فسخ العامل، طب إذا مش الجاعل هو اللي فسخ؟
لا، زيد اشتغل له يومين ثلاث، وقال: والله تعبت ما راح أكمل شغل. أيها الجاعل، فهل يستحق زيد أجرة مقابل الثلاثة أيام التي عملها؟ لا يستحق شيئاً؛ لأن الفسخ كان من جهته.
جيد. قالوا: ومن عمل لغيره عملاً بإذنه من غير أجرة ولا جعالة فله أجرة مثله، وبغير إذنه فلا شيء له إلا في مسألتين. الآن ما هي هذه المسألة؟ هذه قاعدة عامة ولا تتعلق بالجعالة بالتحديد.
يقول لك: إذا شخص قام بعمل لشخص آخر بعد استئذانه. هذه كثير تصبح تكون معنا أمام إخواني المولات، أمام المولات يأتي شخص فيحمل عنك الأكياس ليضعها في سيارتك، صح؟
إذا أنت أذنت له بحمل الأكياس، يعني هو استأذنك: يا شيخ أحمل لك الأكياس؟ قلت له: نعم، أحمل لي الأكياس وضعها في السيارة. بدون ما تتفق معه على جعالة وبدون ما تتفق معه على أجرة، هو استأذنك في أن يحمل الأكياس فأنت أذنت له من دون أن تتفق معه لا على جعالة ولا على أجرة، فهذا العامل مقابل وضع الأكياس في سيارتك ونقلها إلى دابتك يستحق شيئاً؟ نعم، له أجرة مثل، له أجرة مثله. كم يأخذ العمال على وضع البضائع في السيارات؟ بدك تعطيهم. ما لك تقول لي: طب يا شيخ أنا والله ما اتفقت معه على شيء. لأ، هو استأذنك.
إذا استأذن قبل أن يحمل الأكياس فأذنت له، حتى ولو لم تتفق معه على أجرة ولا جعالة، له أجرة مثل. أمثال الذين يضعون البضائع في السيارات كم يأخذون؟ يجب أن تعطيه. قال: ومن عمل لغيره عملاً بإذنه من غير أجرة ولا جعالة فله أجرة المثل. طيب، بإذنه؟ بعض العمال بتلاقيه بحمل الأكياس وبضعها في سيارتك وأنت مش عارف، بدون ما يستأذنك، بعدين يمد يده ويقول لك: أعطني. إذا العامل وضع الأمتعة في سيارتك أو الأكياس في سيارتك من دون أن يستأذنك، في الحقيقة لا شيء له في الشريعة، لا يستحق شيئاً. أنت حبيت تكرمه جزاك الله خيراً، لكن أنت غير ملزم؛ لأنه ما استأذنك بهذا العمل، إلا في مسألتين إذا عمل فيها الإنسان عملاً لغيره ولو لم يستأذنه يستحق أن يأخذ. ما هما؟
المسألة الأولى: قال أحداهما أن يخلص متاع غيره من مهلكة فله أجرة مثله. إذا أنا وجدت أمتعة لشخص في مهلكة، وجدت أمتعة لشخص في صحراء وقطاع الطرق يريدون أن يسطو عليها، ووجدت أمتعة لشخص تغرق في البحر وقمت باستخلاصها. من قام بتحصيل أمتعة لغيره في مهلكة فحصلها له وأتى له بها، فهذا يستحق أجرة مثل، أجرة المثل على قيامه بهذه المهمة، حتى ولو أنه لم يستأذن صاحبها، لكن هو جزاه الله خيراً عمل معروفاً كبيراً لك؛ أنه استخلص أمتعتك من مهلكة. من استخلص أمتعة الآخرين من مهلكة بأن رآها تغرق في البحر فاستخلصها، أو رآها ستنهب من قطاع طرق فحفظها، فهذا يستحق أجرة مثله، لكن زيدوا قيداً: أن نوى الرجوع. يعني إذا هو عمل هذه المهمة وهو ينوي الرجوع على صاحبها بأجرة المثل، أما إذا هو استخلصها من المهلكة وفي باله أن يفعل هذا لوجه الله بنقول له: خلاص، ما جعلته لوجه الله ليس لك أن ترجع فيه. فلابد من أن نزيد هذا القيد، فله أجرة المثل إن كان نوى الرجوع؛ لأنه قام بمعروف كبير لصاحبه. من هنا الزمنا هذا الشخص بأن يدفع أجرة مثله لمن أنقذ له متاعه من الهلاك.
ثانياً: المسألة الثانية التي يستحق فيها العامل عوضاً على عمله مع أنه لم يستأذن صاحب العمل. ما هي هذه الصورة؟ قال: أن يرد رقيقاً آبقاً إلى سيده فله ما قدره الشارع.
هذه مسألة فيها نص، يعني ما في مجال لمخالفة النص، وهو دينار ذهبي أو اثنا عشر درهماً فضياً. هذه مسألة فيها حديث، ولذلك الحنابلة استثنوها، وهي أن من رد عبداً آبقاً -العبد الآبق هو العبد الذي هرب من سيده- اتعب العمل، هرب من سيده، فشخص وهو يمشي في الطرقات وجد هذا العبد الآبق فمسكه، مسكه وأعاده إلى سيده. هذا الشخص الذي مسك العبد الآبق ورده إلى سيده يستحق عوضاً شرعياً، يعني ليس باختيارك، لا، لا، عوض شرعي محدد من الشريعة مقابل هذا العمل. ما هو هذا العوض الشرعي؟ الشريعة قالت: من رد عبداً آبقاً إلى سيده فله دينار ذهبي. والدينار الذهبي هو أربعة فاصلة خمسة وعشرين غرام. الدينار الذهبي يقابله اليوم أربعة فاصلة خمسة وعشرين غرام ذهب. أو اثنا عشر درهماً فضياً. والدرهم الفضي الواحد عبارة عن اثنين فاصلة سبعة وتسعين. إذاً؛ اثنين فاصلة سبعة وتسعين ضرب اثنا عشر درهماً فضياً. الدرهم الفضي الواحد عبارة عن اثنين فاصلة سبعة وتسعين غرام، فبتضرب اثنين فاصلة سبعة وتسعين غرام ضرب اثنا عشر، بتحصل غرام فضة يستحق بميزاننا المعاصر. فالذي يرد عبداً آبقاً إلى سيده ولو لم يستأذنه في رد عبد هرب وأنا وجدته ورجعته لسيده، هسه الآن عملية مسكه لهذا العبد وارجاعه لم تكن بإذن السيد، لكني خدمت هذا السيد في الحقيقة بهذا العمل، الشريعة؛ الأمر لا يحتاج إلى إذن السيد، السيد مجبر أن يدفع لي هذا المبلغ بالتحديد. يعني لو السيد قال: أنا لأ، ما راح أعطيك دينار ذهبي، أعطيك أقل من ذلك، ليس له ذلك؛ لأن هذا المبلغ محدد من الشريعة: من رد عبداً آبقاً إلى سيده فله دينار أو اثنا عشر درهماً فضياً.
جيد، هكذا نكون انتهينا من الحديث عن الجعالة وعن إحياء الموات. ولاحظوا أنها أبواب في الحقيقة هي سهلة ومختصر الحديث عنها، حتى في أبواب الفقه المطولة هي ليست طويلة التفاصيل، لكنها مهمة في الحقيقة، وخاصة الجعالة؛ لأنها في وقتنا المعاصر لتخريج المسائل المعاصرة أن تفرق بين الجعالة والإجارة وتعرف كيف يمكن في بعض أعمال الناس أن تيفها على أنها جعالة بدلاً من الإجارة حتى تصححها.
وفي المحاضرة القادمة بإذن الله نتكلم عن مفهوم اللقطة، ونبدأ نختم إن شاء الله كتاب المعاملات، لم يبق شيء كثير: اللقطة والكلام عن الوقف والهبة، ثم الوصية، وهكذا ينتهي باب المعاملات بإذن الله. ثم الله علينا علمنا وأتم الله عز وجل علينا حياتنا بالخيرات والبركات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل